النص المفهرس

صفحات 1-20

مُقَدّ أعْلَاءِ السُّين
مَة
لعلّة الحق الحديث الفقيه ظفرأحمدالعثماني الشّانوي
ولد سنة ١٣١٠ وتوفي سنة ١٣٩٤
رحمه الله تعالى
حَقّقُهُ وَرَّاجَعَ نصُوصُهُ وَعَلّق ◌َلَيه
عبد الفتاح أبو غدة
النَّاشر
إِلَخْرُ الْقُرْ وَالْجَاوَةِ الإِثْلَامَةَ
للطباعة والنشر والتوزيع والتصدير
D/٤٣٧ گارڈن ایست نزد لسبیلہ چوك کراچی ە پاکستان

من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گاردن ایسٹ کراتشي ٥ باكستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ - الفاكس: ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً منّ :
باب العمرة مكة المكرمة
................
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
......
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

بسم عبد الرحمن الرحيم
مقرّة الحقّيق
الحمد لله الحكم العدل ، الخبير البصير ، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد ، سيدٍ أولي العلم والحُكْم ، البشير النذير ، وعلى آله وأصحابه
وأتباعه السائرين على نهجه المنير ، الذين قعَّدوا للسنة المطهرة وعلومها القواعد ،
وضبطوا لحفظها كلَّ شارد ووارد ، ورَدّوا عنها کیدَ كل مُفْترٍ وكائد ،
وحفظوها وحافظوا عليها من الأقارب والأباعد ، وبذلوا في تحقيق ذلك
النفس والنفيس من كل كريم وماجد .
فجزاهم الله خيراً عن الأمَّة والإسلام ، وأقر عيونهم برضوانه العظيم
في دار السلام ، ورَزّقنا السيرّ على منهاجهم لبلوغ المرام .
أما بعد: فقد ألَّف العلماء كتباً كثيرة في علوم الحديث الشريف وقواعده،
وتَفَنَّنوا فيها غاية التفنن ، حتى كاد الواقف عليها يقول : إنهم استوفوا
فيها كلّ شيء، فلم يتركوا زيادةً لمستزيد، أو ثغرةَ لمستدرك أو متعقِّب .
ولكن سُرعان ما يَتبدّدُ هذا، عندما نقف بين حين وآخر من هذا
العصر على آثار إخواننا علماء الهند وباكستان في هذا العلم الشريف، فنجدُ
لديهم : الجديدَ والمفيد، والنادرَ الفريد، ويتبدّى لنا صدقُ كلمة الإمام
ابنِ مالك النحوي، في فاتحة كتابه ((التسهيل))، إذ يقول رحمه اللّه تعالى :
((وإذا كانت العلومُ منّحاً إلهية، ومواهبَ اختصاصية، فغيرُ مستبعد:
أن يُدّخرَ لبعض المتأخرين، ما عَسُرَ على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله
من حَسَدٍ يَسُدّ باب الإنصاف، ويَصُدّ عن جميل الأوصاف)).
وإنّ من مصداق هذه الكلمة الصادقة، كتابَ ((إعلاء السُّنْن)) وهذا

٢
الكتابَ المسمَّى: ((قواعد في علوم الحديث))، تأليف العلامة الحُجة الجليل،
والبحَّاثة القُدوة النبيل، الثّبْت المتقن، والمحقق الكبير، والفقيه المحدّث،
والناقد البصير ، مولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني التَّهانوي، حفظه الله
ورعاه ، وأطال بقاءه في عافية وسرور ، وأمتع به المسلمين آمين .
أهمية هذا الكتاب ومزاياه
وكتابه هذا ((قواعد في علوم الحديث)): كتاب جليل القدر ، رفيع
المقام والذكر، عظيم النفع والإفادة، فريد المعرفة في كثير من جوانبه وفصوله،
جميل الترتيب والنظام، تدارَكَ به مؤْلِّفُه - سلَّمه الله تعالى - قسماً كبيراً
من المباحث المُغْفلة في كتب مصطلح الحديث وعلومه ، فنظَّمها خير تنظيم ،
وقعَّدها أحسن تقعيد ، فساقها مساق القواعد المستقرة ، وأوردها مورد
الضوابط المستقلَّة، تَصحبُها أدلَّتُها وشواهدُها .
وقد نَخَل شيخنا المؤلف - رفع اللّه قدره ، وأجزل ثوابه وأجره -
من أجل ذلك : كتبَ الرجال والمصطلح والأصول والفقه والتخاريج وشروح
الحديث والتاريخ وما إليها ، مما وصلَتْ إليه يدُهُ ، وغربَلَها غربلة العارف
البصير ، فاستخرج ما فيها من الفوائد المغمورة ، والقواعد المنثورة، ونسَّقُها
وبوَّبها خير تبويب، وجعلها دانيةَ الجَنَّى والقطوفِ لمجتنيها، وعلى طَرَف
الثُّمَام لراغبيها ، فأسدى إلى العلم وطلابه يداً كريمة بيضاء .
وقد استخرج - حفظه الله تعالى - بدأبه العجيب ونظره الثاقب ،
نصوصاً نادرة ، وقواعد فريدة غالية ، من غير مظانها ، حتى إنه ليصدُقُ
فيه ما قيل في شيخنا الإمام الكوثري رحمه الله تعالى: ((كان كأنه بيده
مِنْوَرٌ وضّاء، يُوجِّهُ أشعتَه إلى بطون الكتب والأسفار، فيُنِيرُها ويُخرِجُ
من مكامنها : النصوصَ الفريدة العجيبة إلى أنظار الباحثين والمحققين)).
وقد استطاع المؤْلِّف الجليل أن يؤلف من تلك النصوص المبعثرة :
وحدةً متماسكة، جسَّمَتْ قواعدَ أساسية في موضوعها ، وأخرجَتْها

٣
إلى صعيد الاستناد والاعتماد ، بعد أن كانت مغمورةً في مطاوي الكتب
والأسفار، لا يتَهتدي إليها ولا يَتنبّه لوَحْدَتِها، إلا من آتاه الله ذلك
الذهنَ الوقاد ، وتلك اليقظةَ الناقدة البصيرة، وذاك الصبرّ العجيب على
البحث والتنقيب .
ومن هنا كان هذا الكتابُ نسيج وحده في كثير من مباحثه ، وسيشهد
بهذا ويجدُهُ جلياً كلُّ من يقرأه ، ملاحظاً تمامَ الوحدة والانسجام بين
نصوصه وشواهده ، مع التباعد الشاسع بينها في مصادرها ومظانّها .
وتمكّن المؤلّف - زِيدَ فضلُه - بما آتاه الله من المزايا الغالية، من الصبر
الطويل . والأناة الواعية ، والحذق النادر ، والذهن الدقيق ، أن يربط
بين النظير والنظير، ويجمع الشبيهَ إلى الشبيه، والقولَ إلى القول، حتى
تجلّت تلك الحقائقُ ناصعة ناضرة ، لا لَبْسَ فيها ولا غموض، تصحبُها
أدلتها، وتقترن بها حُجَجُها تُثبِتُ صِحّةَ الدعوى على أبين وجه .
وتأسيسُ الضوابط أو القواعد في العلم ، بتأليف المثيل إلى المثيل ،
ورَدّ النظير إلى النظير، لا يَنهضُ به إلا أفذاذ قليلون، قد آتاهم الله
من المواهب العلمية أعلاها ، ومن نباهة الذهن أكملها وأقواها ، ومن الصبر
أوفاه . فاستطاعوا أن يُقدّموا لذوي العلم من المقاييس والقواعد الكلية :
ما يحفظهم من التخبط والاضطراب ، ويتهديهم إلى الحق والصواب .
وفي مبحث الجرح والتعديل من هذا الكتاب . أفاد شيخنا إفادةً حسنةً
من كتاب الإمام اللكنوي: ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل))، وأضاف
إلى ما نقله منه ضروباً نفيسة من الضوابط والقواعد ، تميّز بها هذا الكتاب
عن ذاك ، وفي الوقت نفسه جاء هذا الكتاب متمماً جهودَ الإمام اللكنوي
في ((الرفع والتكميل)) من هذا الجانب، فكان اللّبِنَةَ الخاتمة لذاك البناء
الشامخ الرفيع ، الذي شاده وأجاده الإمام اللكنوي عليه الرحمة والرضوان .
وقد تميز هذا الكتاب من جهة أخرى ، هي أنه لم یکن قاصراً على موضوع
واحد ، بل اشتمل على مباحث شائكة ، وفصولٍ وأنواع مستصعبة من

٤
علوم الحديث ، فتصدّى لها بالشرح والتحقيق ، وفصّلَ فيها بما يَسرّ الخاطر
ويُبهج الناظر .
سبب تأليف هذا الكتاب
من حوالي منتصف هذا القرن ، قامت في الهند نغمةٌ من بعض الناس
المسمّيْن أنفسَهم (أهلَ الحديث ) ، زعموا فيها أن مذهب السادة الحنفية
- الذي هو مذهب جمهور المسلمين في تلك البلاد الواسعة العريضة - :
يُخالِفُ الأحاديث النبوية في كثير من مسائله . كما زعموا أيضاً أن الحنفية
يقدمون القياس على الحديث ، كما أنكروا أيضاً تقليد الأئمة المتبوعين ، وأطالوا
لسانهم في جَنْب فقه الحنفية والإمام أبي حنيفة بوجه خاص .
فتصدى لردّ هذه المزاعم الزائفةِ فُحولُ العلماء في تلك الديار .
وأبطلوا هذه الدعوى بالتآليف الكثيرة المحقَّقة، وبينوا فيها استنادَ الحنفية
في فقههم إلى الأحاديث، وأنهم يقدمون الحديث - حتى الحديث الضعيف-
على القياس ، وأن القياس بشروطه : من الأدلة الشرعية التي يجب العمل
بها ، وأن الحنفية لا ينقصون استدلالاً بالسنة وتمسكاً بها عن غيرهم من
الأئمة ، إن لم يكونوا أقوى من سواهم .
وكان من خيار ما ألفوه - شكر الله صنيعهم - لهذه الغاية: هذا الكتابُ
الذي ألفه شيخنا حفظه الله تعالى في سنة ١٣٤٤، أي من نحو نصف قرن ...
وجعله مقدمةً لكتابه النافع العُجَاب الكبير: ((إعلاء السنن))، البالغ
بِمُقّدَ مَتَيْه عشرين جزءاً ، تبلغ من مثل صفحات كتابنا هذا أكثر من
خمسة آلاف صفحة ، وقد رَتّبه على أبواب الفقه ، واستوفى فيه أدلة كل
من الأبواب على مذهب السادة الحنفية، من باب الطهارة إلى ختام الأبواب.
والمقدّمتان إحداهما في علوم الحديث وهي هذه ، والثانية في مباحث
الاجتهاد والتقليد والتلفيق وإثبات العمل بالقياس، وما إلى ذلك من أبحاث
الفقه والأصول، وسَمّى كلاً من المقدّمتين: (( إنهاء السّكّن إلى من يطالع

٥
إعلاء السنن))، وجعل هذه : الجزء الأول ، والمقدمة الفقهية : الجزء
الثاني . وهي في مجلد كبير ، وفيها النفائس الغوالي .
تعدد طبعات هذا الكتاب
وقد طُبعت هذه المقدّمة الحديثية طبعتان قبل هذه الطبعة الثالثة ، الأولى
في الهند سنة ١٣٤٨. والثانية في باكستان عام ١٣٨٣، باسم ((إنهاء السكن
إلى من يطالع إعلاء السنن)) . ولمّا عزمتُ على نشرها وخدمتها مستقلةً عن
الكتاب ، استأذنتُ من شيخنا المؤلف بتعديل اسمها إلى ((قواعد في علوم
الحديث))، فأذن لي حفظه الله تعالى، فها هوذا يُطبَعُ الطبعة الثالثة.
متميزة عن طبعتيه السابقتين بالتعليق والتحقيق ، والحُلّة القشيبة .
صلتي بهذا الكتاب وعملي فيه
وصل إليّ هذا الكتاب النفيس ، في آخر موسم الحج أواخر ذي الحجة
من عام ١٣٨٣ . هديةً من شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى ، قدّمها لي تلميذه
الفاضل الأخ الشيخ محمد قاسم البلوجستاني ، بالمدينة المنورة .
ولما عدت إلى بلدي حلب ، نظرتُ في الكتاب نظرة إجمالية ، فألفيته
كتاباً بديعاً نافعاً للغاية، حاوياً لدُرَرٍ وغُرَرر من المباحث والفوائد والنقول
الغالية ، فهمتُ أكثر من مرة أن أقرأه فلم يتح لي .
وحين اعتُقلت في صيف عام١٣٨٦، وحُبست في السجن الحربي في بلدة
( تَدْمُر ) في قلب بادية الشام، وجدتُني أكثر ما أكون تفرغاً للقراءة
والمطالعة ، ولكن الإنسان في مثل تلك الحال ، لا يخلو من انقباض واكتئاب
نفسي ضمناً ، فليس كلّ كتاب يستهويه ، أو يطيب له النظرُ فيه .
فرأيتُ الكتابَ الذي آنَسُ به ، وأهَشّ له، وأُلقي إليه بالنظر والخاطر
جميعاً هو هذا الكتاب - على ثِقَلِه العلمي - فقرأته وطالعته مطالعة هادئة.
متروّية متواصلة ، فوجدته جمّ العلم . غزير الإفادة . غنيّ الجِدّة في
كثير من مباحثه وفصوله ، زاخراً بالتحقيق والاستدلال ، ممتعاً نافعاً يتعلقُ

٦
قارئه بالفائدة منه بأقصر نظرة . فكان لي في الوحشة والغربة خيراً من ذي
مُروءة .
ورأيته جديراً بأن يعاد طبعه في بلادنا ، ليتيسر وصوله إلى أيدي العلماء
وطلاب العلم في البلاد العربية وغيرها، فقرأته قراءة ثانيةً لاحظتُ فيها
تهيئته للطبع إذا قدر الله تعالى الفَرَج والخروج، ثم فرّجَ اللّه تعالى وأنعم،
فقرأته مرة ثالثة قراءة تحقيق وتعليق ، في أواخر عام ١٣٨٩ - ١٣٩٠ في
مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، حيث أقوم فيها بالتدريس بكلية الشريعة.
أما عملي في الكتاب - وأوجز القول فيه إذ هو بين يدي القارىء -
فهو أني قابلت نصوصه بأصولها المنقولة منها ، حتى إذا وقفت فيها على تحريف
صححته ، أو نقصٍ في نص استدركته وأتممته ، وفصّلتُ جُمَلَ الكتاب
وعباراتِه تفصيلاً ، ورَقّمتُ مقاطعه حيث رأيت ذلك مفيداً ، وعنونتُ
مقاطعه وفصوله ومباحثه وتنبيهاته وفوائده التي لم يعنون لها المؤلف حفظه الله
تعالى ، اعتماداً على إذنه الكريم بذلك .
وربطتُ بين مباحثه وجُمَلِه بالإحالة من بعضها إلى بعض ، وعلّقتُ
عليه ما يتمم مقاصده ، ويزيد فوائده وفرائده ، ويكمل ضوابطه وقواعده ،
وعزوتُ كلّ قول إلى مصدره وقائله، أداءً للأمانة وتمتيناً للإفادة والمعرفة،
وأسهبتُ في بعض التعليقات إذ رأيت المقام يقتضي ذلك ، وصنعتُ له
محتوىً عاماً لتَّقْرُب الاستفادةُ منه بأيسر نظرة . وتخيّرَتُ له أجود الورق
والطباعة ليخرج في أجمل حُلّة .
وكان أخي وتلميذي الشاب الباحث النابه الأستاذ الشيخ محمد عَوّامة ،
قد طالع هذا الكتاب في نسخته ، وكتب عليها بعض الفوائد والملاحظات ،
فقدّمها لي عند خدمتي لهذا الكتاب ، فاستفدتُ منها فوائد كريمة ، فأسجَّلُ
له شكري وثنائي، وأدعو الله أن ينفع به ويتم عليه الفضل والنعمة .

٧
مصطلحات الكتاب
جرى المؤلف في كتابه هذا على مصطلحات خاصة به ، في تسمية الكتب
التي نقل منها وتسمية مؤلفيها ، بغية الاختصار ، وعقد لذلك فصلاً خاصاً
ختم به هذا الكتاب ، وهو ( الفصل العاشر ) ص ٤٦٩ - ٤٧٣ ، بيّن فيه
كل ما اصطلّح عليه .
وكان حفظه اللّه تعالى علّق بعض التعليقات على مواضع من الكتاب ،
فأبقيتها كما هي ، وجعلتُ في ختامها حرف (ش ) بين هلالين، إشارةٌ
إلى أنها من قلم شيخنا المؤلف ، وما يأتي بعد هذا الحرف في التعليقات فهو
من قلمي .
ومن عادة شيخنا - ولم يُنبّه عليها في فصل المصطلحات - أنه يضع
العبارة التي يزيدها على النص من كلامه بين هلالين هكذا ( ... ) ، وإنما
يفعل هذا لاستكمال ايضاحها، أو إتمام المراد منها، أو لذكر محترزها، أو دفع
الاشتباه عنها ، أو نحو ذلك ، فأبقيت ما وضعه شيخنا بين هلالين كما هو .
وأنا قد أضع بين مثل ذينك الهلالين : الاسمّ أو الكلمة أو الجملة التي أُريدُ
إبرازها أو تمييزها عما قبلها وبعدها ، ولم أميز بين صنيعي هذا وصنيع شيخنا
في ذلك ، إذ الخطب سهل في هذا ومعروف لأهله ، فيكفي فيه مجرد التنبيه .
زيارتي للمؤلف وإجازتي منه
كان من أغلى المقاصد عندي أن أزور علماء الهند وبا كستان في ديارهم ،
للاستفادة من كريم نفحاتهم ، والتزود من غزير علومهم وبركاتهم ، وقد
أكرمني الله بهذا في عام ١٣٨٢، فرحلت إلى الهند وباكستان رحلة طويلة
علمية شخصية ، لقيت فيها الشيوخ والعلماء ، وزرت فيها المدارس والمعاهد
والجامعات ، وتلقيت ممن لقيت ، ممن عرفوا بالعلم والدين من علماء تلك
الديار الواسعة العريضة ، وما أكثر ما فيها من الفضلاء والعلماء والصلحاء ...
وكانت زيارتي للمؤلف حفظه الله تعالى في يوم الأحد ٣٠ من ربيع

٧ (مكرر )
الآخر سنة ١٣٨٢ ، في دار العلوم الإسلامية ، في بلدة أشرف آباد - تندو
إله بار - التابعة لحيدر آباد السّنْد، فحظيتُ به لقاءً وتلقياً واستفادة وإجازة
شفاهاً وكتابة، ولشيخنا ثَبَّتٌ لطيف مطبوع، خاص بشيوخه في الحديث
وكتبه وأسانيده وإجازاته منهم ، ناولي إياه مناولة ، وانتفعت بمجالسته
انتفاعاً عظيماً، وبارك اللّه لي في لقائه . ثم تابعت الاستفادة منه بالمكاتبة .
ثم أكرمني اللّه الآن بخدمة كتابه هذا .
وفي الختام : أسأل الله تعالى الذي مَنّ عليّ بخدمة هذا الكتاب . وحقّقَ
لي فيه الأمنيّة والرجاء ، أن يتقبل مني عملي ، ويغفر لي خطأي وزللي ،
ويجزل النفع بما كتبته وعلقته لدى العلماء والمستفيدين ، فأنال بذلك صالح
دعواتهم ، وكريمَ ترحّماتهم ، فأسعد بها وأكون من الفائزين .
كما أرجو منه سبحانه أن يبارك في عمر شيخنا المؤلف الهُمَام . الذي
سمّحَ لي بالتطفل على كريم موائده وإفاداتِه ، والاستنارة بهَدْي معارفه
وقَبَساته ، وأن يزيد في حسناتِه وبركاته، وينفعَ بعلومه ومؤلفاته . ويختم
بالصالحات أعمالنا ، ويُسدّدَ منا أقوالَنا وأفعالَنا، ويحفظ علينا ديننا وإيماننا.
في أنفسنا وأهلينا ، وأولادنا وذوينا ، ويتولانا وإياهم في الدنيا والآخرة .
ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين ، وهو أرحم الراحمين . وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
و کتبه
عبد الفتاح أبو غدة
الرياض في ٢١ من رمضان المبارك .١٣٩١
وفقه الله

ترجمة المؤلف (١)
هو العلامة المحقق ، والبحاثة المدقق، الثَبْت الحجة ، المفسّر المحدّث
الفقيه الأصولي البارع الأريب ، المؤرخ الأديب ، الورع الزاهد الصوفي
البصير ، ظَفَر أحمد بن لطيف العثماني التهانوي . وُلد - بارك اللّه في
عمره - في ١٣ من ربيع الأول سنة ١٣١٠ ، بدار آبائه بقرب دار العلوم
في ديوبند ، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية ، وتوفيت أمه وهو ابن
ثلاث سنين ، فربّته جدّته أحسن تربية ، وكانت امرأة حاجة صالحة ،
فتلقّن منها صلاحتها وتقواها .
ولما تمّ له من العمر خمس سنوات شرع في قراءة القرآن الكريم عند
كبار حفظته في ديوبند مثل الحافظ نامدار مدرّس دار العلوم ، ونائبه الحافظ
غلام رسول ، ومولانا نذير أحمد ، وهو أخو جدته . ولما أتم السابعة شرع
في قراءة الكتب الأوردية والفارسية وكتب الحساب والرياضي ، عند الشيخ
الجليل مولانا محمد ياسين ، وهو والد كبير علماء باكستان الآن مولانا العلامة
الشيخ محمد شفيع الديوبندي، المفتي الأعظم في كراتشي ومؤسس دار العلوم
الإسلامية فيها، مُدّ ظِلّه المنيف.
ثم انتقل من ديوبند إلى تهانه بهون ، إلى مجلس خاله (حكيم الأمة )
مولانا محمد أشرف علي التهانوي قدس الله سره ، وشرّعَ في قراءة الكتب
العربية في الصرف والنحو والأدب ، عند العلامة المتمكن مولانا محمد عبد اللّه
الكنكوهي ، وسمع من خاله حكيم الأمة شيئاً من علم التجويد ، ونبذاً من
((التلخيصات العشر)) له، وأجزاءً من ((المثنوي)) للجلال الرومي، وقرأ
عند أخيه العالم مولانا سعيد أحمد شيئاً من ((التلخيصات)).
(١) مستفاداً أكثرُها منه حفظه الله تعالى.

٨ ( مكرر)
ثم لما اشتغل خاله حكيم الأمة في تأليف كتابه العظيم: ((بيان القرآن))،
بالأوردية ، ذهب به إلى كانبور ، وأدخله في المدرسة المسماة ( جامع العلوم )،
التي كان الشيخ حكيم الأمة قد أسسها حين إقامته في كانبور ، وفوّض تدريسه
وتعليمه إلى أرشد تلامذته : مولانا محمد إسحاق البردواني ومولانا محمد
رشيد الكافبوري ، فقرأ عندهما كتب الحديث المقررة في تلك البلاد ، وهي:
صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود ، وسنن النسائي ،
وسنن الترمذي ، وسنن ابن ماجه ، ومشكاة المصابيح ، مع ما يُعزّزُ دراستها
من كتب المصطلح وعلوم الحديث ، كما قرأ عندهما كتب الفقه والتفسير
والأدب المقررة بكاملها ، وشيئاً من العلوم العقلية .
ولما فاز بسَنّد العلوم الشرعية والعقلية، متميزاً بمواهبه وجدّه على
سواه من الطلبة النابهين ، انتقل إلى ستهارتفور ، وجلس في مدرسة (مظاهر
العلوم ) ، وحضر دروس الحديث الشريف عند العارف بالله الإمام المحدِّث
الفقيه مولانا خليل أحمد السهارنفوري ، مؤلف ((بذل المجهود في شرح
سنن أبي داود)) .
وبعد مدة من ملازمته لهذا العارف المحدث الإمام ، أجازه بالحديث
وعلومه وبسائر العلوم النقلية والعقلية ، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسة
العليا في سنة ١٣٢٨، فكانت سنّه حينذاك ١٨ سنة ، وهي سِنّ صغيرة
لا يرتقي فيها إلى ذروة هذه المرتبة إلا الأفذاذ النابغون . وقد حضر في هذه
المدة أيضاً بعض كتب المنطق والهندسة والرياضي العالية ، عند مدرّسيها في
المدرسة المذكورة ، ومنهم مولانا عبد اللطيف ناظم المدرسة ومولانا عبد
القادر البنجاني .
ونظراً لمزيد تفوّقِه وبالغ ذكائه ونبوغه عُيّنَ مدرساً في المدرسة المذكورة
فدرَّس فيها زُهاء سبع سنين : علم الفقه والأصول والمنطق والفلسفة وغيرها.
ثم انتقل منها إلى مدرسة ( إمداد العلوم) في تهانه بهون ، واشتغل بتدريس
كتب السّنّة المقرّرة هناك، وهي الكتب السبعة التي سبق ذكرها ، وبتدريس

٩
الفقه والتفسير ، فأفاد وأجاد ، وتخرّج على يديه جموع من العلماء الأفذاذ ،
نشروا العلم في تلك الربوع ، وأناروا مسالك الشريعة للناس .
ثم فوَّض إليه مولانا حكيم الأمة تأليف كتاب ((إعلاء السنن)) مع الإفتاء
والتدريس، فقام بكل ذلك خير قيام، وبقي في تأليف ((إعلاء السنن))
نحو عشرين سنة ، فألّفه في ١٨ جزءاً بل مجدداً ، وألّف له مقدمتين في
جزئين أيضاً ، فتمّ هذا الكتابُ العُجاب في عشرين جزءاً ، وأضاف إليها
كتاباً آخر سماه: ((إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن »، ترجم فيه
التراجم الواسعة الجيدة للإمام أبي حنيفة وتلامذته وتلامذتهم وهكذا، مقتصراً
فيه على الفقهاء المحدّثين منهم ، وطُبع الجزء الأول من هذا الكتاب في
كراتشي سنة ١٣٨٧ .
ثم أمره مولانا حكيم الأمة بتأليف ((دلائل القرآن على مسائل النعمان))،
على منوال ((أحكام القرآن)) للجصاص، وقد ألّف منه مجلدين كبيرين
انتهيا بسورة النساء ، وطُبعا في كراتشي سنة ١٣٨٧ - ١٣٨٨، وما يزال
باقيه تحت التأليف ، وهو كتاب جدير أن يقال فيه بلسان الفقهاء والعلماء :
(النظرُ فيه نعيمٌ مقيم، والظفرُ بمثله فتحٌ عظيم)).
وألّف كتباً عديدة بالأوردية حين إقامته في تهانه بهون، منها «القول
المتين في الإخفاء بآمين))، و((شق الغين عن حق رفع اليدين))، و((رحمة
القدوس في ترجمة بهجة النفوس))، و((فاتحة الكلام في القراءة خلف
الإمام))، حقّق فيه أنه لا تجب القراءة خلف الإمام في الصلوات كلها ،
وخاصةً الجهرية ، أما في السرية فتجوز كما هي رواية عن الإمام أبي حنيفة
أيضاً .
وقلتُ للشيخ حفظه الله تعالى أثناء زيارتي له - وقد ذكر لي ذلك - :
وهو قولُ الإمام محمد أيضاً ، فقال : نعم وإن رَدّه الكمال بن الهمام .
وله (( كشف الدجى عن وجه الربا)» بالعربية ، مطبوع وحده وفي ضمن

١٠
((الفتاوى الإمدادية))، التي كان يجيب بها عن أسئلة المستفتين التي كانت
ترد على خاله حكيم الأمة ، مما يتعلق بالفقه وغيره ، حتى بلغّتْ سبع مجلدات
ضخام ، وسماها الشيخ حكيم الأمة: ((إمداد الأحكام في مسائل الحلال
والحرام)».
ثم انتقل إلى المدرسة المحمدية في برنكون في (بُرْما)، واشتغل هناك
بالتبليغ والوعظ والتذكير زهاء سنتين ، ثم رجع إلى تهانه بهون وتابع في
تأليف (( دلائل القرآن)) مع الإفتاء والتصدي لتفقيه الناس.
ثم رحل إلى داكة في شرقي باكستان قبل وجود باكستان ، وعُين
يجامعتها مدرساً للحديث والفقه والأصول ، ثم عُين صدرَ المدرسين بالمدرسة
العالية في داكة ، وبقي كذلك ثماني سنين ، وأسس هناك ( الجامعة القرآنية
العربية ) ، وهي الآن أحسن مدرسة عليا في شرقي باكستان ، لتعليم علوم
القرآن والحديث والفقه وغيرها .
ثم انتقل إلى غربي باكستان حيث هو الآن ، في أشرف آباد - تندو
إله بار - التابعة لحيدر آباد السُّنْد، في دار العلوم الإسلامية ، صّدْرَ
المدرّسين بها ، يُدرّسُ الحديث الشريف ويقوم بالإفتاء للسائلين والمستفتين،
وينفع بحاله ومقاله وصالح أعماله الطلبةَ والمستفيدين، مدّ اللّه في عمره
الشريف ، وبارك في حسناته وعلومه ، وأسبغ عليه ثوب العافية حتى يتضاعف
تفعُهُ، وتتمّ آثارُه، ويَبلُغّ من اللّه الرضوانَ العظيم.

تقريظ ()
الإمامِ الهُمَّام ، مقدامِ العلماء الكرام ، بهجةِ الأنام وشيخ الإسلام ،
حكيم الأمة المحمدية ، مجدّد الملة الإسلامية الحنيفية ، تاج الملة ، سراج
الأمة ، التقي النقي ، المحدّث المفسر الفقيه الولي ، مولانا الحافظ الثقة ،
الثّبْت الحجة ، الشيخ أشرف علي التَّهانوي، قَدّس الله سِرّه، ورَفَع
في أعلى الدارين درجاته ، ومتَّعَ المسلمين بمسلسل كلماته ، قال رحمه الله
تعالى يوماً في مجلسه الخاص، مثنياً على كتاب ((إعلاء السنن)) الذي هذه
(( مقدمته))، ما تعريبُه :
الحمد لله ، قد ظهر بالخانقاه الإمدادية (تَهانه بهون ) عملٌ عظيم،
لم يوجد نظيره في أكبر مراكز العلم الدينية بالهند ، وهو جمعُ الأحاديث
المؤيدة للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه ، في مسائل الخلاف
من كل باب، وهذه السلسلة اسمُها ((إعلاء السنن)).
ولعدم الوقوف على تلك الأحاديث، ظَنّ كثيرٌ من الحنفية - فضلاً
عن الطائفة الحشوية المدّعيّةِ العملَ بالحديث ، المنكرة لتقليد الفقهاء
العليَّة - أنّ مذاهب هؤلاء الفقهاء، لا سيما مذهب أبي حنيفة رحمه الله
تعالى تُخالف الحديثَ في كثير من المسائل .
فيتأليف هذا الكتاب القيم ((إعلاء السنن))، ظهر للناس عامة، والعلماء
خاصَّةً أن ليس مسألة من مسائل أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى مخالفةً للكتاب
والسنة ، والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً ، ولقد بذلنا الجهد في هذا العمل
(٥) كان هذا التقريظ والذي يليه في مستهل الكتاب ، فقدّمتُهما إلى هنا
ليُستَهلَ الكتاب بالنص" مباشرة.
٠ ٠

١٢
مدة طويلة، وأنفقنا له أموالاً جزيلة ، حتى تمّ العمل بفضل الله وكرمه ،
فالحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات ، وله الشكر الجزيل على ذلك
ألفَ ألفٍ مرة(١).
وقال يوماً رحمه اللّه تعالى ما تعريبُه: لو لم يكن بالخانقاه الإمدادية
(تهانه بهون) إلا تأليف ((إعلاء السنن))، لكفى به كرامةً وفضلاً،
فانه عديمُ النظير في بابه .
وقال رحمه الله تعالى بعد ما أمعن النظر في الجزء الرابع من ((إعلاء
السنن)) ما لفظه (٢):
بعدَ الحمدِ والصلاة ، لما نظرتُ في هذه الحصة الرابعة ، من كتاب
((إعلاء السنن)) بعد انتهاء تأليفها، عَلاني سُرورٌ اضطرّني إلى إظهاره
قَوْلاً بدعائي للموْلِّف، ومَدْخَي للمؤْلَّف، وفِعْلاً بإعطاءِ ردائي له
لإدخال السرور عليه ، رجاء أن يُدخلني اللّه تعالى فيمن يَخدُم من يخدُم
الدين ولو بشيء من المسرّة .
حقَّق الله تعالى رجائي ورجاءً كل من يخدُم الدين ، بفضله وببركة
سيد الخلق أجمعين، وصلاةُ اللّه وسلامُه عليه وعلى آله وأصحابه كلّ
حين . وكان هذا في غرّة جمادى الآخرة سنة ١٣٤٦ .
کتبه أشرف علي
(١) من ((ملفوظات الإفاضات اليومية)) المجلد الثالث ص ١٥٨. (ش).
(٢) من (( إعلاء السنن، ٤: ٣٩ من طبعة الهند. (ش).

تقريظ
العلامة المحقق الناقد البحاثة ، نائبٍ شيخ الإسلام بالمملكة العثمانية
التركية سابقاً ، وزينة البلاد المصرية لاحقاً ، صاحب الفضيلة الأستاذ مولانا
محمد زاهد الكوثري رحمه اللّه تعالى :
قال رحمه الله تعالى في مقالته ( حظ العلماء الهندية في خدمة الأحاديث
النبوية )(١) ما لفظه :
((وكذلك عُني بهذا الأمر العلامة الأوحد والحبر المفرد . شيخ المشايخ .
في البلاد الهندية ، المحدّث الكبير ، والجهيذ الناقد البصير ، مولانا حكيم
الأمة محمد أشرف علي التهانوي ، صاحب المؤلفات الكثيرة ، البالغ عدّدُها
نحوَ خمسٍ مئةٍ مؤلّف ما بين كبير وصغير (٢)
فألّف - طال بقاؤه - كتابَ ((إحياء السنن)) وكتاب ((جامع الآثار))
في هذا الباب ، ويُغني عن وصفهما ذكرُ اسم موْلِّفيهما العظيم ، وكلاهما
مطبوع بالهند(٣)، إلا أن الظفر بهما أصبح بمكان من الصعوبة ، حيث نفدت
(١) طُبعت هذه المقالة في مجلة ((الإسلام)) بمصر في سنة ١٣٥٧، ثم أشاعتها مجلة
((المفتي)) في ديوبند، ثم نقلتها منها مجلة ((الصّديق)) بمُلْتان في شهر رجب سنة ١٣٧٣.
(ش). وانظرها بتمامها وطولها ونفاستها في كتاب (مقالات الكوثري)) ص ٧١ - ٧٦،
تحت عنوان ( أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها ، وتناوب الأقطار في الاضطلاع
بأعباء علوم السنة ) .
(٢) قد زادت مؤلفاته عند وفاته على ألف .
(٣) كتابه « إحياء السنن)) لم يطبع، بل ضاع وطارت به أيادي الزمن، وقد طُبع
بهذا الاسم كتابٌ لبعض الناس من خُدّامه، لم يقع من الشيخ حسبَ مرامه ، فاستدركتُ
عليه . (ش ) .

١٤
نسخهما المطبوعة، لكثرة الراغبين في اقتناء مؤلفات هذا العالم الرباني ،
وهو الآن قد ناهز التسعين (١) ، أطال الله بقاءه . وهو بركة البلاد الهندية،
وله منزلة سامية عند علماء الهند ، حتى لقبوه : ( حكيم الأمةم .
وهذا العالم الجليل قد أشار على تلميذه وابن أخته ، المتخرّج في علوم
الحديث لديه ، المحدّث الناقد ، والفقيه البارع ، مولانا ظّفَر أحمد التهانوي
زادت مآثره ، أن يستوفي أدلة أبواب الفقه . بجمع أحاديث الأحكام في
الأبواب ، من مصادرَ صعبةٍ المنال ، مع الكلام على كل حديث في ذيل
كل صفحة ، بما تقضي به صناعة الحديث من تقوية وتوهين وأخذٍ ورد
على اختلاف المذاهب .
فاشتغل هذا العالم الغيور بهذه المهمة الشاقة نحوّ عشرين سنة ، اشتغالاً
لا مزيد عليه، حتى أتمّ مهمّه بغاية من الإجادة بتوفيق الله سبحانه، في
عشرين جزءاً لطيفاً بقطع ((آثار السنن))، وسمى كتابه هذا ((إعلاء السنن))،
وجعَلَ له في جزء خاص مقدمةً بديعةً في أصول الحديث نافعة للغاية في بابه .
والحقّ يقال: إني دُهِشتُ من هذا الجمع وهذا الاستقصاء ، ومن
هذا الاستيفاء البالغ في الكلام على كل حديث بما تقضي به الصناعة منناً
وسنداً ، من غير أن يبدو عليه آثار التكلف في تأييد مذهبه ، بل الإنصاف
رائدُه عند الكلام على آراء أهل المذاهب ، فاغتبطتُ به غاية الاغتباط .
وهكذا تكون هِمَّةُ الرجال وصبرُ الأبطال، أطال الله بقاءه في خير وعافية .
ووفقه لتأليف أمثاله من المؤلفات النافعة .
وقد طبَعَ المُؤْلّفُ حفظه الله (٢). نحو عشرة أجزاء من ذلك الكتاب
طبعاً حجرياً ، وقد نفدت نسخ الأجزاء الأول ، وأما طبع الباقي فيجري
(١) لا بل توفي رحمه الله تعالى وهو ابن إحدى وثمانين. (ش). في ١٦ من رجب
سنة ١٣٦٢ رَحَماتُ اللّه عليه .
(٢) بل طبعته الخانقاه الإمدادية. بأمر سيدي حكيم الأمة قُدّس سِرّه. (ش).

١٥
ببطء بالغ (١)، فيا ليت بعض أصحاب المطابع الكبيرة بمصر ، سَعَّى في
جَلْب الكتاب المذكور من مؤْلّفه، وطبَعّ تمامَ الكتاب من أوله إلى آخره
بالحروف الجميلة المصرية(٢) ، ولو فعَلَ ذلك أحدُهم لخدم العلم خدمة
مشكورة ، وملأ فراغاً في هذا الباب)) .
(١) قد طُبع كتاب ((إعلاء السنن)) طبعاً حجرياً من الجزء الأول حتى الجزء الحادي
عشر، مع المقدمة الحديثية هذه، في الهند في تهانه بهون عام ١٣٤١ وما بعده، ثم طُبع باقي
الكتاب من الجزء الثاني عشر حتى الجزء الأخير الثامن عشر، مع المقدمة الفقهية في كراتشي
بباكستان بين عام ١٣٨٥ - ١٣٨٧ .
وطُبعت المقدمة الحديثية هذه طبعة ثانية بالحروف عام ١٣٨٣ بكراتشي ، ثم طبع
فيها بالحروف أيضاً الجزء الثاني من ((إعلاء السُّنّن)) عام ١٣٨٤، ولم يَصدُر غيرهما
مطبوعاً بالحروف فيما أعلم ، فالله المسئول أن ييسر للقائمين على نشره : إخراج بقية
الأجزاء من الكتاب ، بتلك الحُلّة القشيبة من الطباعة الجميلة المُشْرقة ، لينتفع به
المشتغلون بالسنة والفقه بالدليل وأحاديث الأحكام ، ولتندفع تلك الشبهات التي عَلِقَتْ
بذهن بعض الناس ، من أنّ الحنفية يعتمدون الرأي والقياس أكثر من اعتمادهم السنة
والآثار .
(٢) وقد حقّق الله أمنية الشيخ رحمه الله، حيث بدىء الآن بطبع هذا الكتاب
فعلاً بالحروف الجميلة والطباعة الفاخرة في كراتشي بباكستان ، وفقنا الله لإتمام هذا
المشروع الجليل . (ش)

٠
لِلِعلامة المحقق الحدث الفقيه مفرأحد العثماني الّانوي
حَقّقَهُ وَرَاجِعَ نِصُوصَُهُ وَعَلّق ◌َلَيه
عبد الفتاح أبو غدة