النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ إعلاء السنن باب میراث الغرقی والهدمی ٦٠٣٦- عن زيد بن ثابت، قال: كل قوم يتوارثون عمى موتهم فى هدم أو غرق فإنهم لا يتوارثون يرثهم الأحياء، أخرجه الدارمى. ٦٠٣٧ - وأخرج عن الشعبى: أن بيتا فى الشام وقع على قوم، فورث عمر بعضهم من بعض. ٦٠٣٨- وعن حريش، عن أبيه، عن على: أنه ورث أخوين قتلا بصفين أحدهما من الآخر. فينا نازلا، فخرج إلى الجبل فمات، وترك ثلاثمائة درهم، فقال عبد الله: هل ترك وارثا؟ أو لأحد منكم عليه عقد ولاء؟ قلت: لا، قال: ههنا ورثة كثير (أراد به المسلمين) فجعل ماله فى بيت المال اهـ (٦: ٢٤٣)، وفيه دلالة على أن مولى الموالاة مقدم على بيت المال، فإذا لم يكن لأحد وارث ولا مولى الموالاة فماله لبيت المال، وهذا مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا، وإنما الخلاف فى توريث ذوى الأرحام إذا لم يكن للميت وارث ذو سهم ولا عصبة، فورثهم عمر، وعلى، وعبد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء - رضى الله عنهم- وكان زيد لا يورثهم، ويجعل ماله لبيت المال، وأما إذا لم يكن له وارث أصلا، لا ذو فرض، ولا عصبة، ولا مولى عتاقة، أو موالاة، ولا ذو رحم، فلا خلاف أن ميراثه لبيت المال، والله تعالى أعلم. وقد تقدم فى باب الديات أن من لا عاقلة له، أو لم يعرف له قاتل، فديته على بيت المال، روى أن رجلا قتل فى زحام فى زمن عمر، فلم يعرف قاتله، فقال على لعمر: يا أمير المؤمنين! لا يطل دم امرئ مسلم، فأدى ديته من بيت المال. قال الموفق فى "المغنى": ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له، فیعقلون عنه عند عدم عاقلته کعصباته وموالیه اهـ (٥٢٤:٩)ظ. باب میراث الغرقی والهدمی قوله: "عن زيد بن ثابت" إلخ: قلت: لعلهما ورثا من علم موته بعد الآخر منه؛ لأنه إذا لم يعلم تقدم موت أحدهما وتأخر موت الآخر يجعل موتهما معا، وفى هذه الصورة لا معنى لميراث أحدهما من الآخر. قال العبد الضعيف: روى الحاكم فى "المستدرك" من طريق عبد العزيز بن محمد الدراورى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن أم كلثوم بنت على - رضى الله عنهما- توفيت هى ٤٢٢ ميراث الغرقى والهدمى إعلاء السنن وابنها زيد بن عمر بن الخطاب فى يوم، فلم يدر أيهما مات قبل، فلم ترثه ولم يرثها، وأن أهل صفين لم يتوارثوا، وأن أهل الحرة لم يتوارثوا. قال الحاكم: هذا حدیث إسناده صحيح (وأقره علیه الذهبی) وله شاهد، ثم روى من طريق خارجة بن مصعب، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه كان لا يورث الميت من الميت إذا لم يعرف أيهما مات قبل صاحبه اهـ (٣٤٢:٤). وروى سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد: أن قتلى اليمامة وقتلى صفين والحرة لم يورثوا بعضهم من بعض، وورثوا عصبتهم الأحياء، كذا فى "المغنى" (١٨٧:٧). قال الموفق: وقد احتج بعض أصحابنا بما روى إياس بن عبد الله المزنى: أن النبى عدّ له سئل عن قوم وقع عليهم بيت؟ فقال: ((يرث بعضهم بعضا))، والصحيح أن هذا إنما هو عن إياس نفسه، وأنه هو المسؤول، وليس براويه عن النبى معَّ ◌ُّ، هكذا رواه سعيد فى "سننه"، وحكاه الإمام أحمد عنه اهـ (١٨٨:٧). وأخرج البيهقى من طريق أبى الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: أمرنى أبو بكر -رضى الله عنه- حيث قتل أهل اليمامة أن يورث الأحياء من الأموات، ولا يورث بعضهم من بعض. وبهذا الإسناد قال: أمرنى عمر بن الخطاب ليالى طاعون عمواس، قال: كانت القبيلة تموت بأسرها، فيرثهم قوم آخرون. قال: فأمرنى أن أورث الأحياء من الأموات ولا أورث الأموات بعضهم من بعض. قال البيهقى: وقد روى عن الشعبى عن عمر: أنه ورث بعضهم من بعض من تلاد أموالهم. وعن قتادة: أن عمر ورث أهل طاعون عمواس بعضهم من بعض. وهاتان الروايتان منقطعتان (وعلى تقدير الصحة فمعناهما أنه كان يورث بعضهم من بعض إذا علم بتقديم موت بعضهم على بعض، بدليل ما فى أثر قتادة: فإذا كانت يد أحدهما أو رجله على الآخر ورث الأعلى من الأسفل، ولم يورث الأسفل من الأعلى، والله تعالى أعلم). ثم روى البيهقى من طريق أبى الزناد: أخبرنى الثقة أن أهل الحرة حين أصيبوا كان القضاء فيهم على (قول) زيد بن ثابت، وفى الناس يومئذ من أصحاب النبى معدّ له ومن أبناءهم ناس كثير. ومن طريق مالك، عن أبى عبد الرحمن، عن غير واحد من علماءهم: أنه لم يتوارث من قتل ٤٢٣ ج - ١٨ كتاب الحيل ٦٠٣٩- عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى: أن النبى عّ لّه استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا، وقال فى الميزان: مثل ذلك، رواه البخارى فى صحيحه، كما فى أعلام الموقعين. يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم الحرة، ثم كان يوم قديد فلم يتوارث ممن قتل منهم من صاحبه شيئا، إلا من علوم أنه قتل قبل صاحبه، قال مالك: وذلك الأمر الذى لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم ببلدنا، قال الإمام أحمد - رحمه الله - وروى عن إياس بن عبد المزنى: أنه قال: يورث بعضهم من بعض، وقول الجماعة أولى اهـ ملخصا (٢٢٢:٦)، تمت تتمة "إعلاء السنن" من كتاب الفرائض، ولله الحمد. کتاب الحیل قوله: "عن أبى هريرة" إلخ: قلت: حاصله أن الرجل اشترى صاعا من تمر جنيب لصاعين من الجمع، وكان هذا ربا وإن لم يكن مقصوده الربا، فأرشده النبى معَ ةٍ إلى صورة أخرى مساوية للأولی فی المال، وهو استحصال صاع من الجنیب بصاعین من الجمع مع عدم اشتمالها على الربا، وهى بيع الجمع بالدراهم، واشتراء الجنيب بها، وهذا هو الاحتيال للتخلص من الربا مع حصول المطلوب؛ فدل ذلك على أن الاحتيال إذا كان للتخلص من الحرام فجائز لا شناعة فيه، بل هو المطلوب، كما لا يخفى. والسر فيه أن المقصود ليس فيه مفسدة، وإنما الفساد فيه لخصوص صورة تحصيله، فلما غيرنا الصورة لم يبق الفساد، فلم يبق الحكم المبنى على تلك الصورة بخصوصها. توضيحه أنا إذا أردنا تحصيل صاع من جنيب بصاعين من الجمع فهو ليس بقبيح فى نفسه؛ لكون البيع والشراء موضوعا للمرابحة من الجانبين، وإلا لكان حراما بأى طريق كان، وإنما الحرمة فيه مخصوص الطريق، وهو بيع الجمع بالجنيب؛ لأن فيه فضل خال عن العوض؛ فلو غيرنا هذه الصورة وبعنا الجمع بالدراهم، واشترينا الجنيب بالدراهم، لم يبق معنا تلك المفسدة، وهو الفضل الخالى عن العوض، فلا يبقى الحكم أيضا مع أن المقصود متحد، وليس فيه إبطال لحكمة تشريع حرمة الربا؛ لأن فيه إبطالا لنفس الربا، فكيف يكون فيه إبطال لحكمة تشريع حرمة الربا؟. ٤٢٤ کتاب الحیل إعلاء السنن فإن قيل: إنه لا يعجز أحد عمن يريد أخذ الربا عن مثل هذه الحيلة، قلنا: إن لم يعجز فأى ضرر فيه؟ ألا ترى أن من أراد الاستمتاع من المرأة بالزنا لا يعجز أن يستمتع ههنا بالتزوج؟ أفيكون فى تشريع التزويج إبطالا لحكمة تشريع حرمة الزنا؟ كلا! وإذ ليس الأمر كذلك فكيف يكون تشريع الطريق إلى التخلص من الربا إبطالا لحكمة تشريع حرمة الربا؟ فدل ذلك على أن الاحتيال للتخلص من الربا وغيره من المعاصى بطريق مشروع مع اتحاد المقصود جائز ومطلوب شرعا، نعم! إن كان فى الطريق الذى اختاره المحتال مفسدة أخرى يحكم عليه بمقتضاه أيا ما كان، ولكنه لا يبطل جواز نفس الحيلة. والحاصل أن الحيلة ترك لطريق فيه مفسدة إلى مطلوب مباح، واختيار لطريق لا مفسدة فيه، وهذا مما لا شناعة فيه شرعا ولا عقلا، ولو كان فى الحيلة مفسدة فى صورة خاصة يحكم بعدم جوازها بخصوصها، لا بعدم جواز مطلق الحيلة. وقد أكثر المخالفون فى هذا الباب من التشنيعات على أئمتنا، فنريد أن نبين حقيقة تشنيعاتهم لينتفع بها الناظرون. فنقول: احتج البخارى على ترك الحيل بقوله عّ لّه: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))، وهو فاسد؛ لأن هذا لا يدل على وجوب ترك الحيل على الإطلاق؛ لأن من أراد الاحتيال للتخلص من المعصية یکون له ما نوی بحكم الحدیث؛ فیکون ممدوحا، لا مذموما كما هو مراد البخارى، فهو يدل على جواز الاحتيال واختياره، دون حرمته وتر که. واحتج أيضا بأن النبى عّ لّه قال: ((لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة))، وهذا أيضا ليس بشىء؛ لأن جمع المتفرق وتفريق المجتمع خداع محض، وليس من الحيلة المشروعة التى كلامنا فيها؛ لأن فيه فرارا من أداء حق واجب عليه باختيار شىء لا يسقط الحق عنها، فهو ليس بحيلة، بل مجرد خداع للساعى. واحتج أيضا بأنه لما قال الأعرابى: لا أنقص مما فرض الله على شيئا، قال له النبى عيته: ((أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق)) ثم قال بعض الناس: فى عشرين ومائة بعير حقتان، فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيه فرارا من الزكاة فلا شىء عليه. والجواب عنه أنه لا تعارض بين قوله عرّ ◌ُّه للأعرابى، وبين قول بعض الناس؛ لأن من تصرف فى ماله بالبيع أو الهبة لا شىء عليه؛ لأنه تصرف تصرفا أذن الله له فيه، وأما احتياله للفرار عن الزكاة قبل الوجوب فليس فيه نقص مما فرضه الله عليه؛ لأن الله لم يفرض عليه الزكاة بعد، حتى ج - ١٨ کتاب الحیل ٤٢٥٠ يكون فيه نقصها مما فرضه الله عليه، فلا دليل فى الحديث على إبطال هذه الحيلة، وأيضا ليس فيه الفرار عن أداء حق أوجبه الله، كما كان فى جمع المتفرق وتفريق المجتمع، فليس فيه دلالة على إبطال هذه الحيلة. وغاية ما يقال: إنه فرار من الطاعة؛ لأن الزكاة طاعة؛ فيكون معصية. والجواب عنه أنا لا نسلم أن كل فرار من الطاعة معصية؛ لأن الفرار من الطاعة إن كان لأجل كونها طاعة فلا شك فى كونها معصية، وإن كان لأمر آخر ينظر إلى ذلك الأمر، ويحكم عليه بحسبه. فنقول: الفرار من الزكاة يحتمل وجوها: أحدها: أنه لا يستحسن نفس الزكاة بل يعده مغرما، وهذا لا يظن بمسلم. والثانى: الحرص على جمع المال بحبه، وهو مذموم، فيكون الفرار من الزكاة لأجله مذموما مكروها. والثالث: أن يعلم أنه إذا أدى الزكاة يقع خلل فى بعض أموره من المعايش، فيحتال لدفع الزكاة عن نفسه تحرزا من ذلك الخلل، وهو ليس بقبيح؛ فلا يكون الاحتيال له قبيحا. والرابع: أنه يظن من نفسه أنه لا يقوم بحقها بعد الوجوب، فيحتال لعدم الوجوب خوفا من الوقوع فى المعصية، وهذا محمود؛ فيكون الاحتيال له محمودا. والخامس: أن لا يكون له غرض خاص، بل يكون الباعث عليه أن الله تعالى لم يوجب عليه الزكاة فى المال، ولا أوجب عليه حفظ المال إلى أن يجب الزكاة عليه، والاحتيال لهذا الزكاة لهذا الوجه مباح، وعلى هذا التفصيل لا يصح جعل الفرار من الزكاة معصية على الإطلاق، ولا ملام على من قال: لا شىء على من احتال لدفع وجوب الزكاة عن نفسه. ثم أورد البخارى حديث أبى هريرة: أن النبى معَّم قال: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع، يفر منه صاحبه، ويطلبه ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه))، وقال رسول الله عَّ له: ((إذا ما رب الأنعام لم يعط حقها لتسلطت عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها))، وقال عقیب هذا الحدیث: قال بعض الناس فى رجل له إبل فخاف أن تجب عليه الصدقة، فباعها يابل مثلها، أو بغنم، أو ببقر، أو بدراهم فرارا من الصدقة بيوم واحتيالا: فلا شىء عليه، وهو يقول إن زكى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة جازت عنه، ومقصود البخارى من هذا الكلام أن بعض الناس خالف حديث أبى هريرة وناقض نفسه. والجواب عنه أنه ليس فى حديث أبى هريرة ما يدل على عدم جواز هذا الاحتيال؛ لأن فيه ٤٢٦ کتاب الحیل إعلاء السنن تهدید من لا يؤدى الزكاة بعد الوجوب، وليس فيه تعرض لمن يتحرز من وجوب الزكاة، وليس التحرز من وجوب الزكاة كالمنع بعد الوجوب حتى يقاس عليه، فلا يخالف قوله هذا الحدیث، بل المخالف له من جعله دالا على ما لا يدل هو عليه. وأيضا لا مناقضة بين قوليه؛ لأن القول بجواز تقديم الزكاة مبنى على تقرر سبب الوجوب، والقول بجواز دفع الزكاة عن نفسه مبنى على عدم وجوب الزكاة، وأى مناقضة بين هذين القولين؟. وما قال ابن حجر: إن الوجوب قد تقرر من أول الحول، ولذلك جاز التعجيل قبل الحول، ليس بشىء؛ لأن تقرر الوجوب قبل حولان الحول غير مسلم، وجواز التقديم مبنى على وجود سبب الوجوب، لا على تقرر الوجوب كما قلتم، ولو تقرر الوجوب فى أول الحول لوجبت الزكاة لهلاك بعض النصاب فى أثناء الحول فى الباقى، كما يجب بعد حولان الحول. فإن قيل: سلمنا أنه لا وجوب قبل الحول، ولكنا نقول: إن حق الله تعلق بالمال لوجود النصاب، كما يتعلق حق الورثة بمرض الموت؛ فلا يجوز له إسقاط حق الله، كما لا يجوز له إبطال حق الورثة. قلنا: ليس وجود النصاب كمرض الموت، وإلا لا نحجر المالك من التصرف فى المال مطلقا، لإسقاط الزكاة أو لغيره كالمريض، فلا يصح القياس، وبالجملة هذا طعن ساقط. ثم أورد البخارى حديث ابن عباس أنه: استفتى سعد بن عبادة رسول الله عَ لّ فى نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله عَ ليه: ((اقضه عنها)). وقال عقيب هذا الحديث: قال بعض الناس: إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه، فإن وهبها قبل الحول أو باعها فرارا أو احتيالا لإسقاط الزكاة فلا شىء عليه، وكذلك إن أتلفها فمات فلا شىء فى ماله. وقال ابن حجر: قال المهلب: الحديث حجة على أن الزكاة لا تسقط بالحيلة، ولا بالموت؛ لأن النذر لما لم يسقط بالموت والزكاة أو كد منه وكانت لازمة لا تسقط بالموت أولى؛ لأنه لما ألزم الولى بقضاء النذر عن أمه كان قضاء الزكاة التى فرضها الله أشد لزوما. وأجاب عنه العينى بأن القياس غير صحيح؛ لأن النذر حق معين واحد، والزكاة حق الله وحق الفقراء، فمن أين الجامع بينهما؟ وهذا الجواب غير صحيح؛ لأن النذر والزكاة كليهما حق لله تعالى، والفقراء مصارف لكلا الحقين، هذا هو الجامع. فالجواب الصحيح أن الحديث لا يدل على عدم سقوط النذر عن الميت فى أحكام الدنيا، ج - ١٨ کتاب الحیل ٤٢٧ وقوله عَ ليه: ((اقضه عنها)) أمر منه بالتبرع بالأداء، والدليل عليه أنه لو وجب أداء الزكاة والنذر على الولى، فإما أن يجب عليه مطلقا، سواء ترك الميت مالا أم لا، وحينئذ يلزم أخذ الرجل بجريمة غيره، وقد قال النبى معَ ◌ّه: ((لا يجنى أحد على أحد))، وقال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، أو يشترط له ترك الميت للمال، ولا دليل عليه فى الحديث؛ لأنه لم يقل سعد: إنها تركت مالا، ولم يسأله رسول الله عَ ◌ّم هل تركت مالا أم لا؟ فكيف جاز لكم تقييد إطلاق الحديث؟ وإن جاز لكم التقييد بالاجتهاد فكيف لا يجوز لنا حمل الأمر على غير الوجوب؟ بالجملة لا دليل فى الحديث على عدم سقوط النذر والزكاة بالموت، فلا يرد الطعن بمخالفة الحديث. ثم أورد البخارى حديث ابن عمر: أن النبى عدّ ◌ُّه نهى عن الشغار، وقال عقيبه: قال بعض الناس: إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز، والشرط باطل، وقال فى المتعة: النكاح فاسد، والشرط باطل، وقال بعضهم: الشغار والمتعة جائزان، والشرط باطل. وحاصله أن بعض الناس خالف الحديث؛ لأن النبى مرَ ◌ّ نهى عن نكاح الشغار احتيالا كان أو بلا احتيال، وهو يقول: إن احتال حتى تزوج على احتيال فالنكاح صحيح، والشرط باطل، ثم ناقض نفسه، وقال: إن المتعة فاسدة، وجه المناقضة أن الشغار والمتعة کلیهما منهی عنه، فتصحيح أحدهما وإفساد الآخر تناقض، وزاد البعض الآخر شناعة، فقال بصحة المتعة والشغار كليهما مع بطلان الشرط، مع أن حديث المتعة والشغار تقتضى ببطلانهما، هذا هو تقرير كلامه على حسب مرامه، والظاهر أنه أراد من المتعة النكاح المؤقت، لأن فيه خلاف زفر. والجواب عنه أنه إن أراد ببعض الناس أبا حنيفة كما هو الظاهر، فهو وإن قال بصحة نكاح الشغار وبطلان الشرط، فإنه لم يقل بفساد النكاح المؤقت وبطلان الشرط، بل قال ببطلان هذا النكاح، فنسبة القول بالفساد إليه غير صحيح، والفرق بين نكاح الشغار والنكاح المؤقت أن النكاح المؤقت لم يوجد فيه حقيقة النكاح، وهو ملك البضعة على وجه التأبيد؛ فيكون باطلا، بخلاف نكاح الشغار فإنه وجد فيه تلك الحقيقة، فيصح ويبطل الشرط، وهو جعل أحد البضعين عوضا عن الآخر، ولا يؤثر بطلانه فى بطلان العقد؛ لأنه فساد فى أمر خارج عن حقيقة النكاح وهو المهر، والنكاح يصح مع نفى المهر - كنكاح المفوضة- فمع فساده بالأولى. ومعنى قول ابن عمر: (أن النبى معَّ نهى عن الشغار))، إنه نهى عن جعل أحد البضعين عوضا عن الآخر فى النكاح، فهذا النهى إنما يبطل جعل أحد البضعين عوضا عن الآخر فى النكاح، وأبو حنيفة يقول به، ولا ٤٢٨ كتاب الحيل إعلاء السنن يقتضى ذلك بطلان نفس النكاح، حتى يكون القول بصحته مخالفا للحديث، فاندفع طعن المخالفة. وأما الطعن بلزوم التناقض فالجواب عنه أن المنهى عنه فى حديث الشغار هو الشغار لا نفس العقد، والمنهى عنه فى حديث المتعة هو نفس العقد، فقلنا بمقتضى كل حديث، وأبطلنا الشغار فى نكاح الشغار لا نفس العقد، وأبطلنا نفس العقد فى النكاح المؤقت، فلم يلزم التناقض. والجواب عن زفر أنه جوز النكاح الموقت مع بطلان الشرط بناء على أنه ليس ، وهذا تأويل منه، وتأويل المجتهد لا يسمى مخالفة للحديث، وإلا لكان لنا أن نقول: إن البخارى خالف الحديث؛ لأنه جعل النكاح المؤقت متعة بناء على التأويل، مع أنه ليس فى الحديث أنه متعة، فاندفع الطعن بحذافيره. ثم أورد البخارى حديث النهى عن المتعة، وقال عقيبه: إن بعض الناس قال: إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد، وقال بعضهم: النكاح جائز والشرط باطل، وقال العينى: لا مناسبة لذكر هذا هنا؛ لأن المتعة بطلانها مجمع عليه، وقوله: "إن احتال" ليس له دخل فى المتعة، وإنما ذكره ليشنع به على الحنفية من غير وجه. قلت: الظاهر أن البخارى أراد من المتعة النكاح المؤقت الذى فيه خلاف زفر، وزاد ذكر الاحتيال زيادة للتشنيع؛ لأن تجويز الباطل وتصحيحه شنيع، وتجويزه بالاحتيال أشنع، والتشنيع ليس من غير وجه من هذه الجهة، أى من جهة ذكر الاحتيال؛ لأن الحكم لا يتغير عندنا بالاحتيال، وإنما هو من غير وجه لأنه جعل الحديث نصا فى إبطال النكاح المؤقت، مع أن الأمر ليس كذلك، بل هو نص فى إبطال المتعة، وأما أن النكاح المؤقت هو متعة أم لا فأمر اجتهادى، فقال أبو حنيفة: هو فى معنى المتعة، وقال زفر: لا، تأويل المجتهد وإن كان مخالفا لتأويل المجتهد الآخر لا يسمى مخالفة للحديث، وإلا فتأويلات البخارى أحق بهذه التسمية؛ لكونها أنجد من نصوص الأحاديث، كما لا يخفى، فاندفع الطعن. ثم أورد البخارى قوله عليه السلام: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلام))، واحتج به على كراهة الحيلة، وهو ليس بشىء؛ لأنا لا نقول بجواز كل حيلة، بل نقول: إذا كان المطلوب نفسه مباحا، وللوصول إليه طريقان: طريق فيه مفسدة شرعية، وطريق ليس فيه ذلك، فترك الطريق الغير المشروع واختيار الطريق المشروع هو الحيلة التى نقول بجوازها، وفى منع الماء ليمنع الكلاء ٤٢٩ کتاب الحیل ج - ١٨ نفس المطلوب غير مباح، فلا يجوز الاحتیال له بمنع الماء، فاعرف ذلك. ثم أورد البخارى نهى النبى عّ ◌ُّه عن النجش، واحتج به على عدم جواز الحيلة لأن النجش حيلة لزيادة السعر، وهو أيضا ليس بشىء؛ لأن النجش خداع صرف، وليس من الحيلة التى نحن فيها بشىء. ثم أورد قوله مرّ ◌ُلّم: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة))، واحتج به أيضًا على عدم جواز الحيلة، وهو أيضا فاسد؛ لأنه مبنى على عدم الفرق بين الخداع والحيلة؛ لأن الحيلة هو ترك طريق غير مشروع باختيار الطريق المشروع للوصول إلى المقصود المباح، والخداع هو اختيار طريق غير مشروع للوصول إلى المطلوب الغير المشروع بحيث لا يعلمه صاحبه، كأن باع مبيعا قيمته درهم بدرهمين بإظهار أنه غير معيب، أو باع سليما قيمته فى السوق درهم بإظهار أن قيمته فيها درهمان، فهذا تحصيل لمطلوب مشروع وهو زيادة الربح باختيار طريق غير مشروع، وهو التدليس، أو الكذب، فأين الخداع من الحيلة التى يجوزها الفقهاء؟ ثم أورد حديث عائشة فى نكاح الولى اليتيمة بمهر أدنى من سنة نساءه، وهذا أيضا ليس من الحيلة المشروعة فى شىء؛ لأنه اختيار لطريق غير مشروع لتحصيل مطلوب مشروع، والحيلة ضده، كما عرفت. ثم قال البخارى: إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت، فقضى بقيمة الجارية الميتة، ثم وجدها صاحبها، فهى له ويرد القيمة، ولا تكون القيمة ثمنا. وقال بعض الناس: الجارية للغاصب؛ لأخذه القيمة، وفى هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها، واعتل بأنها ماتت حتى يأخذ ربها قيمتها، فتطيب للغاصب جارية غيره، وقال النبى معد له: ((أموالكم عليكم حرام ولكل غادر لواء)). وقال: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجة من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من أخيه شيئا فلا يأخذ؛ فإنما أنا أقطع له قطعة من النار)). وهذا أيضا ليس بشىء؛ لأن قول الغاصب: إنها ماتت ليس طريقا مشروعا، بل هو اختيار طريق غير مشروع لمطلوب مشروع، وهو تملك الجارية بقضاء القاضى وبرضى المالك، فليكى هذا من الحيل المشروعة التى يقول بجوازها الفقهاء، ثم لما كان تملك الغاصب الجارية بقضاء القاضى ورضى المالك يكون ملكا صحيحا، وتحل الجارية له، ولا يؤثر فساد الطريق فى فساد الملك، لأنه ٤٣٠ كتاب الحيل إعلاء السنن لا فساد فى سببه، وهو القضاء والرضى، وإنما الفساد فى طريق تحصيل هذا القضاء والرضى. ألا ترى أنه لو كتم البائع عيب السلعة فباعها يكون المبيع ملكا للمشترى ويطيب له، مع الفساد فى الطريق، وهو الخداع. وما قال البخارى: إن فيه احتيالا لمن اشتهى جارية إلخ فباطل؛ لأنه إن كان فيه احتيالا لمن اشتهى جارية إلخ ففى تجويز المبيع مع التدليس احتيال لمن يريد المخادعة، والبخارى لا يبطل هذا البيع، فكيف يبطل هو ذلك القضاء والرضى؟ ولا حجة له فى قوله عليه السلام: ((أموالكم عليكم حرام)) لأن فى ما نحن فيه تملكا بالقضاء والرضى، فلا يكون داخلا فى الأموال المحرمة، وكذا لا حجة له فى قوله عليه السلام: ((لكل غادر لواء)) لأن فيه ذم الغدر، ونحن لا نقول بجوازه، وليس فيه دلالة على أن الشىء لا يملك بالقضاء والرضى إذا كان فى طريق تحصيلهما غدر. وأما قوله عليه السلام: ((من قضيت له من أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أنا أقطع له قطعة من النار)). فلا تعلق له بما نحن فيه؛ لأن الحديث إنما ورد فى من ادعى شيئا ليس هو له، وإنما هو لغيره، ولم يرد فيمن ابتاع شيئا من المالك بالخداع، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق؛ لأن البيع من أسباب الملك شرعا، وليس ادعاء شىء لغيره لنفسه منها؛ ثم ليس فى الحديث أن المقضى له لا يملكه، غايته أنه يجب الرد عليه ديانة؛ للتخلص من المؤاخذة الأخروية التى وجبت عليه للدعوى الكاذبة؛ لتملك مال الغير على وجه غير مشروع من إقامة الشهادة الكاذبة وغيرها، وإن لم يرده يعذب فى النار بسبب ذلك الشىء الذى أخذه، لا لأنه لم يملكه، بل لأنه ملكه بسبب محظور شرعا، وهذا هو معنى قوله: (إنما أنا أقطعه قطعة من النار))، ألا ترى أنه لو تزوج رجل امرأة بخداعها هل لا ينعقد ذلك النكاح؟ ولا يحل للرجل وطئها؟ ولو وطئها يكون زانيا؟ كلا! فإذا كان التزوج بالخداع محللا فكيف لا يكون الابتياع بالخداع محللا؟ وإن كان فى القول بصحة البيع والقضاء احتيالا فكيف لا يكون فى القول بصحة النكاح بالخداع احتيالا؟ فظهر فساد ما طعن به البخاری. والحاصل أن من قال بوقوع الملك للغاصب على الجارية فى الصورة المذكورة لا يقول بجواز مثل هذا الخداع، ولا بأن المخادع غير آثم، ولا يجب رد الجارية عليه ديانة، بل يقول: التملك بهذه الحيلة حرام، والمخلص منه أن يرد عين الجارية على البائع، ويسترد منه الثمن، ولو لم يفعل يكون آثما ومعذبا؛ لاختياره الطريق الغير المشروع للتملك، إلا أن هذا لا يقتضى أن لا يكون ج - ١٨ کتاب الحیل ٤٣١ الجارية ملكا له، ويكن وطئها وطئا بجارية الغير موجبا للزنا والحد، فلا احتيال فيه لمن يريد الخداع، وهذا من دقة فهم هذا القائل، حيث أعطى كل شىء حقه، بخلاف هؤلاء القاصرين الذين حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء. ٠ والعجب أنهم يحتجون بنصوص ويجعلونها نصا فی مدعاهم، مع أنه لا تكون دالة على ما قالوا، ومع ذلك هم يطعنون من خالفهم بمخالفة النص، والحال أنهم أولى وأحرى بهذا التشنيع؛ لأنهم يحملون النصوص على غير محملها. ثم قال البخارى: قال رسول الله عَّ له: ((لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر))، وأن خنساء بنت خدام أنكحها أبوها وهى كارهة، فرد النبى معَّ ل ذلك، وقال بعض" الناس: لو أقام رجل شاهدى زور على نكاح امرأة - وهو لم يتزوجها- فقضى القاضى بالنكاح، جاز له القيام معها ووطئها، مع العلم بأنه لم يتزوجها قط. وحاصل الإيراد أن القاضى إنما قضى بنكاح سابق، ولم ينشئ نكاحا جديدا بينهما، فيكون القضاء غير صحيح؛ لأن صحة هذا القضاء مبنى على وقوع النكاح من قبل، وهو غير واقع، ولو سلم أنه إنشاء للنكاح فإنشاء النكاح لا يجوز بدون إذنها إن كانت بكرا، أو أمرها إن كانت ثيبا، والمرأة فيما نحن فيه غير آذنة ولا آمرة ولا راضية، فلا يجوز هذا الإنشاء. والجواب عنه أن الحديثين اللذين ذكرهما البخارى إنما وردا فى نكاح الأولياء، ولا تعلق لهما بالقضاء، فلا يصح الاستدلال بهما على ما نحن فيه إلا بالقياس، فالمخالف له لا يكون مخالفا للحديثين، وإنما يكون مخالفا لقياس البخارى ولا شناعة فيه؛ فلا تشنيع. ثم نقول: سلمنا أن قضاء القاضى قضاء بنكاح سابق، إلا أن تصرف العاقل البالغ لا يلغى مع إمكان التصحيح، فكيف بقضاء القاضى الذى أمره الشارع به؟ فإذا وجب تصحيحه فلا يمكن تصحیحه على أنه قضاء بنكاح سابق، وإنما يمكن تصحیحه بجعله إنشاء لنکاح جدید، ولیس فی هذا تغيير للقضاء؛ لأن القضاء بنكاح سابق قضاء به فى الزمان الماضى والحال والاستقبال، وجعله صحيحا فى الماضى غير ممكن، نعم جعله صحيحا فى الحال والاستقبال ممكن، فيجعل صحيحا فى هذين الزمانين، وهذا هو المراد بإنشاء النكاح فى الحال، فليس فيه تغيير للقضاء. ثم لما كان للقاضى ولاية الإجبار على البالغين؛ لصحة التفريق بين المتلاعنين، والعنين وزوجته، وفسخ البيع بين المتبايعين اللذين اختلفا فى الثمن والمبيع قائم، بغير رضاهم، يلحق البالغون ٤٣٢ کتاب الحیل إعلاء السنن فى حق القضاء بغير البالغين، ويكون للقاضى على الزوجين ولاية كولاية الأولياء على غير البالغين؛ فينفذ قضاءه عليهما كنفاذ تصرف الأولياء على غير البالغين، ولا يشترط له رضى المرأة وأمرها أو إذنها، وهذه دقة من الله بها على أبى حنيفة وأصحابه، وحرمها من خالفه، فطعنه راجع إليه، وقد مر هذا البحث فى باب نفاذ قضاء القاضى ظاهرا وباطنا بأطول من هذا، فليراجع إليه. والحاصل أن ما قال أبو حنيفة لا يخالف الحديث؛ لأن الحديث ليس بنص فى خلافه ولا ظاهرا فيه، وإنما هو مخالف لما فهمه البخارى من الحديث، ولا شناعة فيه، ولو كان ما فهمه البخارى صوابا؛ لأن المجتهد لا يشنع عليه بالخطأ فى الاجتهاد، فكيف إذا كان ما فهمه البخارى ظاهر الخطأ؟ فاعرف ذلك. ثم ذكر البخارى حديث احتيال نساء النبى عّ لّه معه كرامة، وليس هو من قبيل الحيلة المشروعة التى كلامنا فيها، وإنما هو من جنس الخداع، ولا يقول أحد بجوازه. ثم أورد البخارى حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبى معَّ له، أنه قال: ((إذا سمعتم بأرض فلا تقدموا، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه))، واحتج بها على كراهة الحيلة للفرار من الطاعون، وليس فى الحديث كراهية الاحتيال للفرار، بل فيه نهى عن نفس الخروج على وجه الفرار، هو ليس احتیال. ثم قال البخارى: قال رسول الله مرّ ◌ُله: ((العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه، ليس لنا مثل السوء))، وقال: قال بعض الناس: إن وهب هبة ألف درهم أو أكثر حتی مکث عنده سنین، واحتال فى ذلك، ثم رجع الواهب فيهما، فلا زكاة على واحد منهما، فخالف رسول الله عَ ليه فى الهبة وأسقط الزكاة. وقال العينى: أراد به التشنيع على أبى حنيفة من غير وجه؛ لأن أبا حنيفة فى أى موضع قال هذه المسألة على هذه الصورة؟ بل الذى قاله أبو حنيفة هو أن الواهب له أن يرجع فى هبته، ولكن لصحة الرجوع قيود إلخ. قلت: المسألة مذكورة بعينها فى "تنوير الأبصار" وشرحه، وحاشيته "رد المحتار"، ونسبها إلى أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد، ونسبها أيضا إلى زفر إذا استردها بقضاء القاضى، فبطل إنكار العينى. والحق فى الجواب أن يقال: إنه لا وجه للتشنيع بهذه المسألة؛ لأنها مشتملة على أجزاء: الأول: الحيلة لدفع وجوب الزكاة عن نفسه، ولا شناعة فيه كما مر مفصلا. ج - ١٨ كتاب الحيل ٤٣٣ والثانى: الرجوع فى الهبة، ويدل على صحته قوله: ((العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه))؛ لأن العود فى الهبة لا يمكن بدون صحة الرجوع، غاية ما فى الباب أن يكون قبيحا مستهجنا، ولا يقول أبو حنيفة باستحسانه، فما قال أبو حنيفة هو عين ما دل عليه الحديث الذى ظن البخارى أنه خالفه. والثالث: إسقاط الزكاة عن الواهب والموهوب له، وليس فى حديث أنه يجب الزكاة على واحد منهما، حتى يقال: إنه خالف ذلك الحديث، وإنما هو اجتهاد من البخارى، وأى شناعة فى المخالفة لاجتهاده. وتحقيق سقوط الزكاة فى الصورة المذكورة أن الواهب لما أخرج المال عن ملكه قبل الحول لم تجب عليه الزكاة، ثم لما رجع الواهب فى هبته هلك عن الموهوب له من غير اختيار منه؛ لأنه مقهور على الرد، وهلاك المال يسقط الزكاة عن صاحبه، فثبت أجزاء المسألة كلها واندفع الطعن. ثم قال البخارى: قال رسول الله عَّ له: ((الشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذ وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) وقال بعض الناس: الشفعة للجوار ثم عمد إلى ما شدده فأبطله، وقال: إن اشترى دارا فخاف أن يأخذ الجار بالشفعة، فاشترى سهما من مائة سهم. ثم اشترى الباقى، وكان للجار الشفعة فى السهم الأول فلا شفعة له فى باقى الدار، وله أن يحتال فى ذلك. قلت: فيه ثلاث تشنيعات: الأول: أنه خالف قوله: ((إذا صرفت الطرق فلا شفعة))، فأثبت الشفعة للجار اللاحق، والثانى: أنه أثبت الشفعة للجار، ثم أبطلها منه، والثالث: أنه جوز الاحتيال لذلك. والجواب عن الأول: أن أبا حنيفة أول قوله: ((إذا صرفت الطرق فلا شفعة)) بأن فيه نفياً للشفعة الخاصة، وهو الشفعة للشركة، وليس فيه نفى بمطلق الشفعة بأى وجه كان، لأنه قال: (الجار أحق بسقبه))، وحمل الجار على الشريك خلاف الظاهر، ومع هذا يرد هذا التأويل ما رواه النسائي وابن ماجة من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن السرید، عن أبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله! أرضى ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال: ((إنما الجار أحق بسقبه ما كان)) كما فى العينى شرح البخارى، ثم الشفعة لم يشرع إلا لدفع ضرر الجوار، والضرر لا يختص به بالشريك، فالشفعة لا تختص به، ثم حملكم الجار على الشريك تأويل منكم، وحمل نفى الشفعة على نفيها للشركة تأويلا من أبى حنيفة، فإن كان تأويله مخالفة للحديث فكيف لا يكون تأويلكم ٤٣٤ کتاب الحیل إعلاء السنن مخالفة له؟ فيا للعجب من هؤلاء الرجال! يشنعون على أبى حنيفة بما هم بالتشنيع به أولى وأحق؛ ثم. هم لا يفرقون بين العمل بالحديث بتأويل، وبين مخالفته، هذا هو حال فهمهم واجتهادهم، ومع ذلك هم يشنعون على مثل أبى حنيفة، إنا لله وإنا إليه راجعون. والجواب عن الثانى: أنه ليس فيه إبطال للشفعة بالجوار، وإنما فيه تقديم الشريك على الجار، كما أن الابن يقدم على ابن الابن فى الميراث، وليس فيه إبطال عصوبة ابن الابن. والجواب عن الثالث: أنه ليس فيه إبطال لحق الجار؛ لأن حقه لم يثبت بعد، وإنما يثبت حقه بعد البيع، بل فيه امتناع من إثبات الحق له، وإثبات الحق له غير واجب عليه، فإن كان هذا الامتناع لضرورة فلا كراهة فى الحيلة، وإن لم يكن فيه ضرورة بل المقصود هو مجرد الإضرار بالجار لغرض نفسانى تكره، ولم ينص أبو حنيفة على أنه يجوز هذه الحيلة بقصد الإضرار بالجار؛ فلا طعن عليه. ثم ذكر البخارى حديث أبى حميد الساعدى فى قصة ابن اللتبية، واحتج بها على عدم جواز احتيال العامل للهدية. ولم يكن هناك احتيال من ابن اللتبية، وقوله: هذا مالكم هذا هدية أهديت لى، لم يكن احتيالا، بل إظهارالحقيقة الحال فى ظنه؛ فلا حجة له فى الحديث، فإن قيل: إنه إذا لم يكن هدية العامل جائزا بدون الاحتيال فمع الاحتيال أولى. قلنا: فعلى هذا ينبغى أن يذكر كل العاصى بهذا التأويل فى كتاب الحيل؛ لأن كل معصية لا تجوز بدون الاحتیال فمع الاحتیال أولی. ثم ذكر البخارى قوله عليه السلام: ((الجار أحق بسقبه))، وقال عقيبه: قال بعض الناس: إذا اشترى دارا بعشرين ألف درهم، فلا بأس أن يحتال حين يشترى الدار بعشرين ألف درهم، وينقده تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعين، وينقده دينارا بما بقى من عشرين ألفا، فإن طلب الشفيع أخذها بعشرين ألف درهم، وإلا فلا سبيل له على الدار، فإن استحقت الدار رجع المشترى على البائع بما دفع إليه، وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما ودينارا؛ لأن البيع حين استحق انتقض الصرف فى الدينار، فإن وجد بهذه الدار عيبا، ولم تسحق فإنه يردها عليه بعشرين ألف درهم. قال أبو عبد الله: فأجاز هذا الخداع بين المسلمين، قال النبى معَظله: ((بيع المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة)» ج - ١٨ كتاب الحيل ٤٣٥ والجواب أنه لا خداع فى المسألة المذكورة؛ لأنها مبنية على أصول: الأول: جواز الاحتيال لإسقاط الشفعة. والثانى: أن الشارع لم يجعل للثمن حدا، فالثمن هو التراضى به البائع والمشترى بشرط أن يكون من الأموال. والثالث: أنه يجوز بيع الدينار الواحد بالدراهم بالغة ما بلغت. والرابع: أنه إذا اشترى بالدنانير وأعطى دراهم ثم استحق المبيع ينتقض الصرف؛ لأن عند استحقاق المبيع يظهر أنه لم يكن للبائع ثمن على المشترى عند عقد الصرف، فلم يوجد التقابض عنده. والخامس: أن الصرف لا ينتقض عند رد المبيع بالعيب؛ لأنه قد وجد التقابض عند الصرف، وهذه كلها أصول شرعية، فيكون المسألة المبنية عليه مسألة شرعية، وتسميتها خداعا سوء أدب مع الشارع. بقى ههنا شىء وهو أن مثل هذه المعاملة لا يكون إلا بعد المواضعة بين البائع والمشترى على أنه يشترى الدار بعشرين ألف درهم، ثم يعطيه تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون درهما، ويعطيه بالباقى دينارا، وبعد هذه المواضعة يكون بيع الدار مشروطا ببيع الدينار؛ فيكون بيعا بشرط، وبيعتين فى بيع، وكلاهما منهى عنه، فكيف يكون العقد مشروعا؟ والجواب عنه أن المواضعة لا يدل على الاشتراط؛ لأنه يمكن أن يتواضعًا قبل العقد أو بعده على أنا نعقد بيعين، ولا يكون أحدهما شرطا للآخر، بل يكون كل واحد بيعا على حدة، فلم يلزم الاشتراط ولا البيعتان فى بيعة، واندفع الإيراد. ثم أورد البخارى قول أبى رافع لسعد: لولا أنى سمعت رسول الله عَ ◌ّ يقول: ((الجار أحق بسبقبه)) ما بعتكه، ثم قال: وقال بعض الناس: إذا أراد أن يبيع الشفعة فله أن يحتال حتى يبطل الشفعة، فيهب البائع للمشترى الدار، ويدفعها إليه، ويعوضه المشترى ألف درهم، فلا يكون للشفيع فيها شفعة. والحاصل أن أبا رافع باع سعدا بيته بأقل مما يعطيه الآخر؛ لقول رسول الله عز له: (الجار أحق بسقبه))؛ لأنه فهم منه أن حق الجار ثابت قبل البيع، وقال بعض الناس: يجوز للبائع إبطال هذا الحق الثابت وإعطاء داره مجانا، لئلا يأخذ الجار بالشفعة. وشتان ما بين صنيع أبى رائع وبين صنيع بعض الناس. والجواب أن قول النبى عَّةٍ: ((الجار أحق بسقبه)) لا يدل على أنه لو لم يعط الجار إلا أقل مما يغطيه الناس يجب عليه أن يعطى الجار بما يبدل له كائنا ما كان، فيكون ما صنع أبو رافع ورعا ٤٣٦ کتاب الحیل إعلاء السنن محضا، ولا دلالة فيه على أن حق الجار يثبت قبل البيع حتى يكون الاحتيال لإسقاط الشفعة إسقاطا لحق واجب، ولو صح لكان الجار أحق عند إرادة البيع، وأما عند إرادة الهبة فلا حق للجار، ولم يمنع الشارع من الهبة لحفظ حق الجار، فكيف يلزم على رب الدار حفظه لحق الجار؟ فالاعتراض على المسألة غير مبنى على أصل شرعى. ثم أورد البخارى قوله عَّه: ((الجار أحق بسقبه))، ثم قال: وقال بعض الناس: إن اشترى نصيب دار فأراد أن يبطل الشفعة وهب لابنه الصغير، ولا يكون عليه يمين. والجواب عنه إذا جاز الاشتراء للمشترى جاز له التصرف فيه؛ لأن الشراء لا يكون إلا للتصرف، وعدم إجازة التصرف للمشترى مع إجازة الشراء التزام بأن الشارع أجاز الشراء للمشترى ليأخذه الشفيع بالشفعة، وهذا ظاهر البطلان؛ فظهر أن إجازة المشترى للشراء إجازة منه للتصرف، وحاصل إجازته للشفيع فى الشفعة أنه يأخذه إذا كان المبيع باقيا على ملكه، أو منتقلا منه إلى الغير بالبيع، فلا تعارض بين الحكمين، وهذا غاية الدقة من أبى حنيفة حيث راعى جهة المشترى وجهة الشفيع، بخلاف البخارى فإنه لم يراع جهة المشترى؛ لأنه لم يجعل شراءه له، بل جعله ذريعة محضة لأخذ الشفيع بالشفعة، ولا يخفى بطلانه، وأما سقوط اليمين فلأن اليمين إنما يجب على من انتقل المبيع إليه، والمنتقل إليه فيما نحن فيه صبى؛ فلا تجب اليمين عليه، فاندفع الطعن. قال العبد الضعيف: لم يثبت بعد أن الإمام البخارى - رحمه الله- قد أراد الرد على أبى حنيفة وأصحابه فى كتاب الحيل له، بل الظاهر أنه أراد به الرد على المحتالين، وكذلك ابن القيم -رحمه الله-، وهؤلاء المحتالون ليسوا بمقُتدين لمذهب أحد من الأئمة، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفذ على أصول إمام، بحيث إذا فعلها المتحيل نفذ حكمها عنده، وهذا أمر غير الأذن فيها وإباحتها وتعليمها، فإن إباحتها شىء، ونفوذها إذا فعلت شىء، كما سيأتى لك بيانه، إن شاء الله تعالی. قال بعض الأحباب: وأطال ابن القيم الكلام فى إبطال الحيل، فقال: إن الشارع أمر بسد الذرائع إلى المحرم، وفى ارتكاب الحيل فتح لباب ارتكاب الحرام؛ فيكون منهيا عينه. والجواب عنه أن الجيلة التى يقول القائلون بجوازها هى أن يكون لمطلوب مباح طريقان: طريق منهى عنه، وطريق مباح، فيترك المحتال الطريق المنهى عنه، ويختار الطريق المباح، كأن يريد ج - ١٨ کتاب الحيل ٤٣٧ رجل الاستمتاع من المرأة فله طريقان: الأول: أن يراودها عن نفسها فيستمتع بها، والثانى: أن يتزوج بها. والأول طريق حرام. والثانى طريق مباح. فلو قيل له: الحيلة فيه أن يتزوجها ويستمتع بها، فليس منه فتح لباب ارتكاب الحرام، وإنما فيه سد لبابه، فجعل الحيل من باب فتح الباب لارتكاب الحرام سفسطة محضة، وكذا قوله: إن نكاح التحليل باطل؛ لكونه حيلة، وقد شرع الله التحليل للزوج الأول بنكاح الزوج الثانى ووطئه احتيالا له؛ لأن الطلقات الثلاث محرمة للأبد، وهى مظنة لأن يقع الزوجان فى الحرام، فجعل نكاح الزوج الثانى ووطئه مخرجا لهما، وهذا هو الاحتيال بعينه، فدل ذلك على أن من جعل نكاح التحليل سفاحا لم يراع حكمة الشارع فى شرع التحليل. فإن قلت: قد لعن رسول الله عّ لّه المحلل والمحلل له، وسماه تيسا مستعارا، قلنا: إذا كان الفعل الواحد مشتملا على جهتين يعطى له حكم كل واحد منهما، فنكاح التحليل مشروع من جهة أنه ذريعة للحفظ من الزنا، ومكروه من جهة أنه خلاف الغيرة. ثم لما كان فى تشريع التحليل فتح لباب الطلقات الثلاث سد بابه باللعن والتشبيه بالتيس المستعار، فاعتدل الأمر بأن لم يبق الباب مفتوحا من كل وجه، ولا مغلقا من كل وجه، وصار نكاح التحليل نكاحا صحيحا مكروها .. فإن قلت: كيف يكون هذا النكاح صحيحا؟ مع أن المحلل إذا قال: تزوجت. لا يقصد بلفظ التزوج المعنى الذى جعل الله له فى الشرع؛ لأن هذه اللفظة لم توضع فى الشرع ولا فى اللغة لرد المطلقة إلى زوجها، وإنما وضعه الله سببا للمودة والرحمة بين الزوجين، والتوالد والتناسل وغيرهما. قلنا: لفظ التزوج فى الشرع والعرف موضوع لتملك البضع ملكا مؤبدا، والمحلل إذا قال: تزوجت، فقد قصد هذا المعنى الموضوع له اللفظ، وقصد الطلاق بعد التملك لا ينافى قصد التملك المؤبد، بل هو محقق له؛ لأن الطلاق إزالة للملك المؤبد الذى لو لم يزل كان باقياً، وليس هو كالتوقيت فى المتعة والنكاح المؤقت، وكذا قصد التحليل لا ينافى قصد التملك المذكور، بل محقق له؛ لأن التحليل لا يتأتى بدون الملك المؤبد، فلما قصد المعنى الموضوع له للفظ التزوج لم يضره عدم قصده المعاشرة وغيرها؛ لأنها ليست موضوعا له للفظ التزوج، بل من توابع الموضوع له، وهو كالملك المؤبد، ولأجل ذلك لو طلق بعد التزوج معا لا يقال: إنه لم يوجد النكاح بينهما؛ لعدم الموضوع له، ولم يصح الطلاق؛ لكونه منافيا لما وضع له التزوج، والعجب من هذا القائل أنه يصحح نكاح الهازل مع عدم قصده نفس التملك، ويبطل نكاح المحلل ويجعله سفاحا مع أنه قاصد ٤٣٨ کتاب الحیل إعلاء السنن للتملك المؤبد. والفرق بأن الهازل إن لم يقصد الموضوع له فلم يقصد غير ما وضع له، بخلاف المحلل فإنه قصد غير الموضوع له، وهو رد الزوجة إلى الزوج الأول، فرق باطل؛ لأنه لم يقصد الرد إلا بعد قصد التملك، كمن اشترى شيئا بنية البيع، والهازل قصد عدم التملك، فالهازل قاصد لغير الموضوع له بخلاف المحلل، فاندفع الفرق، وتبين أن عدم قصد الموضوع له إن كان مبطلا للنكاح فنكاح الهازل أولى بالبطلان، وإن لم يكن مبطلا فنكاح المحلل أدنى بالصحة، فاعرف ذلك. واحتج ابن القيم على حرمة الحيل وبطلانها بالنهى عن بيع العينة، ولا حجة له فيه؛ لأن حرمة العينة أو كراهتها ليس لأنها حيلة، بل لأنها مشتملة على مفسدة شرعية، وهو الربا بعينه؛ لأن فيها البيع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أو البيعتين فى بيعة، ومع ذلك فيها بخل وإعراض من المروة والإحسان، واختيار لما هو لوم. واحتج أيضا بقوله عليه السلام: ((إنما الأعمال بالنيات، وإما لكل امرئ ما نوى))، وقال: إذا نوى بالفعل التجيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه. وهو سفسطة؛ لأن المطلوب إذا كان خراما من أى طريق كان فلا كلام فيه، وإنما الكلام فى مطلوب هو مباح من طريقٍ وغير مباح من طريق آخر، فإذا اختار طريقا مباحا لمطلوب مباح تاركا للطريق الذى فيه معصية خوفا من المعصية يكون له ما نواه؛ لأن لكل امرئ ما نوى، فالحديث حجة عليه لا له. واحتج أيضا بأن الله تعالى مسخ اليهود قردة بنصبهم الشباك للسمك يوم الجمعة، وأخذهم إياها يوم السبت. ولا حجة له فيه؛ لأن أخذ السمك يوم السبت هو الذى كان محرما عليهم نصب الشباك فى ذلك اليوم، فلم يسلموا بهذه الحيلة من المعصية، ولم يكن هذا من باب الخطأ فى الاجتهاد، بل من باب التعنت ومخالفة الحق الذي كان راسخا فى طباعهم، فمسخوا قردة بهذا التعنت، والحيلة التى كلامنا فيها ليس من هذا الباب؛ فلا يتم الحجة. واحتج أيضا بأن رسول الله مرّ لعن اليهود على أكل الشحوم بالإذابة وتغيير الاسم، وأن الشحم المذاب يسمى ودكا لا شحما، وعلى أكل ثمنها، ولا حجة له فيه أيضا؛ لأن الشحم كان فى حقهم كالخمر فى حقنا، فلم يكن مباحا لهم بالإذابة ولا بالبيع، ولم يكونوا فى هذا متحرزين عن المعصية، بل كان فعلهم هذا تعنتا للمخالفة، فليس هذه الحيلة أيضا مما نحن فيه. واحتج أيضا بأن الله تعالى عاقب أصحاب الجنة الذين ذكرهم فى سورة "ن": بأن حرمهم ج - ١٨ کتاب الجيل ٤٣٩ ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المسلمين. ولا حجة له فيه أيضا؛ لأن الله تعالى جازاهم على البخل الذى هو مذموم شرعا، ولا نقول بجواز حيلة فيها مفسدة شرعية، واحتج أيضا بأن النبى عّ لّه قال: ((ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها))، وفساده ظاهر؛ لأنه لا يقول أحد بحل الحرام بمجرد تغيير الاسم. وقال ابن القيم: كان شيخنا رحمه الله يمنع من مسألة التورق، وأرجع فيها مرارا وأنا حاضر فلم يرخص فيها. وقال المعنى الذى لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشرى السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه، وهو من قلة فقاهة شيخه؛ لأن المعنى الذى حرم الربا لأجله هو كون الشىء خاليا عن العوض فى عقد المعاوضة لا مجرد الضرر؛ لأن الشارع جوز بيع صبرة من الحنطة بفلس، ولم يجوز بيعها بصبرة مثلها جزافا، مع أن الضرر فى الأولى أكثر وأظهر؛ فلا معنى لقوله، نعم التورق مكروه لأمر آخر، وهو البخل والصدود عن المروة والإحسان. وفيه أيضا بيع المضطر الذى نهى عنه رسول الله عَ لّ ترغيبا فى مكارم الأخلاق؛ لأن التورق هو أن يطلب رجل من آخر دراهم قرضا، فلا يعطيه ويقول: عندى مال فابتغه منى بكذا. نسيئة، وبعه فى السوق نقدا، ويزيد فى القيمة زيادة فاحشة، فيشتريه منه بالغبن الفاحش اضطرارا، ويبيعه فى السوق بقيمة أو بأقل أو بأكثر على حسب ما يقع، ولا يخفى ما فيه من البخل واللوم والاضطرار والامتناع من المبيرة والإحسان، واحتج أيضا على تحريم الحيل بقوله عليه السلام: ((صيد البر لكم جلال ما لم تصيدوه أو صيد لكم))، ولا حجة له فيه؛ لأنه ليس فيه تحريم الحيل، بل فيه تحريم للاصطياد مباشرة وتسببا. واحتج أيضا بقوله عليه السلام: ((إذا قرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)). وهو أيضا ليس بشىء؛ لأنه ليس فيه تحريم الحيل، بل فيه تحريم قبول هدية المديون وركوب دابته؛ لكونه ربا، واحتج أيضا بقوله عليه السلام: ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة))، وقال: هذا نص فى تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحميلا على إسقاط الزكاة فقد فرق بين المجتمع، فلا تسقط عنه الزكاة بالفرار منها، وهو باطل؛ لأن فيه نهيا عن الجمع والتفريق بعد وجوب الزكاة لحولان الحول؛ لأن فيه امتناعا من أداء ٤٤٠ کتاب الحیل إعلاء السنن الزكاة الواجبة، وليس فيه نهى عن التفرق قبل الوجوب؛ إذ لو كان كذلك لوجب الزكاة على من يمتنع من جمع المال قدر النصاب خشية الصدقة، فإن قيل: إنه لا يجب عليه الزكاة لعدم وجود السبب. قلنا: فكذلك لا يجب عليه الزكاة لعدم وجود الشرط، وهو حولان الحول على النصاب، فما لافرق؟ والحاصل أن بيع المال خشية الصدقة إن كان موجبا للزكاة بدون وجود شرها الوجوب ينبغى أن يكون بيع المال خشية الزكاة موجبا لها بدون سبب الوجوب أيضا، وإن لم يكن بيع المال خشية الزكاة موجبا لها بدون سبب الوجوب، ينبغى أن لا يكون بيع المال خشية الصدقة موجبا لها بدون شرط الوجوب أيضا، والفرق تحكم. واحتج أيضا بقوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ لأن معناه لا تعط عطاء تطلب أكثر منه. وهو أيضا ليس من باب تحريم الحيل. وإنما نهى الله عن المن للاستكثار؛ لأن الاستكثار يخرج المن من كونه منا إلى كونه تجارة معنى، ففيه تغيير لحقيقة المن وتفويت لمنفعته، لا لأن المن حيلة للاستكنار؛ لأن الاستكثار مشروع فى نفسه. فكيف يكون الاحتيال له ممنوعا؟. وقال ابن القيم: كل ما شرطه فى العقد حرام ومفسد، فنيته بلا اشتراط حرام؛ لأنه غش وخداع ومكر. وهو كلام سفسطى؛ لأن منشأ حرمة الاشتراط إذا كان مقصورا على نفس الاشتراط لا يتعدى حرمته إلى النية، فلا يكون النیة مکرا وخداعا، کمن اشتری شیئا ليهدیه إلى صديقه، لا يكون هذا حراما وغشا وخداعا ومكرا، مع أن اشتراطه فى العقد مفسد له، والوجه أن الاشتراط فى العقد إبطال لمقتضى العقد؛ وهو إطلاق التصرف، وليس هذا فى النية؛ لأن له أن يغير نيته وقصده، بخلاف ما لو اشترط فى العقد فإنه لا يمكن له تغييره. واحتج أيضا بأن الصحابة أجمعوا على تجريم هذه الحيل؛ لأن عمر بن الخطاب خطب الناس على منبر رسول الله عَ ليه، وقال: (لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما)). وأقره سائر الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان، وعلى، وابن عباس، وابن عمر: أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل. وقد تقدم من غير واحد من أعیانهم کأبى، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وابن عمر، وابن عباس: أنهم نهوا المقرض من قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها ربا، وقد تقدم عن عائشة، وابن عباس، وأنس تحريم العينة، وأفتى عمر وعثمان وعلى وأبى بن كعب وغيرهم من الصحابة: أن المبتوتة فى مرض الموت ترث، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من أهل بدر وبيعة الرضوان ومن عداهم، وإذا كان هذا قولهم فى