النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب الحجب إعلاء السنن صحيح) وقال الله تعالى فى الأخوات: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾، وهذا تنبيه على أن للبنتين الثلثين؛ لأنهما أقرب، فأما الثلاث من البنات فصاعدا، فلا خلاف فى أن فرضهن الثلثان. واختلف فيما ثبت به فرض الابنتين، فقيل: ثبت بهذه الآية، والتقدير: فإن كن نساء اثنتين، ولفظة "فوق" صلة كقوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ أى اضربوا الأعناق، وقد دل على هذا أن النبى عَّ حين نزلت هذه الآية أرسل إلى أخى سعد بن الربيع: ((أعط ابنتى سعد الثلثين)). وهذا من النبى عَِّ تفسير للآية، وبيان لمعناها، واللفظ إذا فسر كان الحكم ثابتا بالمفسر لا بالتفسير، ويدل على ذلك أيضا أن سبب نزول الآية قصة بنتى سعد بن الربيع وسؤال أمهما عن شأنهما، وفى الجملة فهذا حكم قد أجمع عليه، وتواردت عليه الأدلة التى ذكرناها، فلا يضرنا أيها أثبته. وأجمع أهل العلم على أن بنات الصلب متى استكملن الثلثين سقط بنات الابن ما لم يكن بإزاءهن أو أسفل منهن ذكر يعصبهن؛ لأن الله تعالى لم يفرض للأولاد إذا كن نساء إلا الثلثين قليلات كن أو كثيرات، وقد ذهب الثلثان لبنات الصلب، فلم يبق لبنات الابن شىء، ولا يمكن أن یشار کن بنات الصلب؛ لأنهن دون درجتهن، فإن كان مع بنات الابن ابن فى درجتهن، كأخيهن أو ابن عمهن، أو أنزل منهن كابن أخيهن أو ابن ابن عمهن عصبهن فى الباقى، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول عامة العلماء، يروى ذلك عن على وزيد وعائشة -رضى الله عنهم- وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوری والشافعی -رحمهم الله تعالی- وإسحاق، وبه قال سائر الفقهاء إلا ابن مسعود ومن تبعه، فإنه خالف الصحابة فى ست مسائل من الفرائض، هذه إحداهن، فجعل الباقى للذكر دون أخواته، وهو قول أبى ثور؛ لأن النساء من الولد لا يرثن أكثر من الثلثين، وههنا يفضى إلى توريثهن أكثر منه. ولنا قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، وهؤلاء يدخلون فى عموم هذا اللفظ، وما ذكروه فهو فى الاستحقاق للفرض، فأما فى مسألتنا فإنما يستحقون بالتعصيب، فكان معتبرا بأولاد الصلب والإخوة والأخوات. قال: وابن ابن الابن يعصب من فى درجته من أخواته، وبنات عمه، وبنات ابن عم أبيه على كل حال، ويعصب من هو أعلى منه من عماته، وبنات عم أبيه ومن فوقهن بشرط أن لا يكن ذوات فرض، ويسقط من هو أنزل منه، كبناته، وبنات أخيه، وبنات ابن عمه، ولا أعلم فى هذا خلافا بين القائلين بثبوت تعصيب بنات الابن مع بنى الابن بعد استكمال الثلثين به اهـ ملخصا من "المغنى" (١١،١٠:٧). ٤٠٢ ج - ١٨ باب الرد ٦٠٢٥- عن الشعبى، قال: كان على يرد على كل ذى سهم قدر سهمه إلا الزوج والمرأة، وكان عبد الله لا يرد على أخت لأم مع الأم، ولا على بنت ابن مع البنت، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم، ولا على جدة، ولا على امرأة، ولا على زوج، رواه سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، كذا فى "كنز العمال". باب الرد قوله: "عن الشعبى" إلخ: قلت: اختار أبو حنيفة مذهب على، قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه": من طريق يزيد بن هارون: أنا محمد بن سالم (فيه مقال) عن الشعبى، عن خارجة بن زيد، قال: رأيت أبى يجعل فضول المال فى بيت المال، ولا يرد على وارث شيئا، قال: وأخبرنى محمد بن سالم، عن الشعبى، قال: كان على -رضى الله عنه- يرد على كل وارث الفضل بحصة ما ورث غير المرأة والزوج، وكان عبد الله لا يرد على امرأة، ولا زوج، ولا ابنة ابن مع ابنة الصلب، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم، ولا على إخوة لأم مع أم، ولا على جدة إلا أن لا يكون وارث غيرها، وكان زيد لا يرد على وارث شيئا، ويجعله فى بيت المال اهـ. قال ابن التر كمانى: وقال صاحب "الاستذكار": سائر الصحابة يقولون بالرد، وانفرد زيد من بينهم فجعل الفاضل عن ذوى الفروض والعصبات لبيت المال اهـ (٢٤٤:٦). وقال الموفق فى "المغنى": إن الميت إذا لم يخلف وارثا إلا ذوى فرائض، ولا يستوعب المال كالبنات والأخوات والجدات، فإن الفاضل عن ذوى الفروض يرد عليهم على قدر فروضهم إلا على الزوج والزوجة، روى ذلك عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عباس -رضى الله عنهم- وحكى ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وشريح، وعطاء، ومجاهد، والثورى، وأبى حنيفة وأصحابه. قال ابن سراقة: وعليه العمل اليوم فى الأمصار، إلا أنه يروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرد على بنت ابن مع بنت، ولا على أخت من أب مع أخت من أبوين، ولا على جدة مع ذى سهم،؛ لأنهم تساووا فى السهام؛ فيجب أن يتساووا فيما يتفرع عليها، ولأن المسألة لو عالت لدخل النقص على الجميع، فالرد ينبغى أن ينالهم أيضا، فأما الزوج والزوجة فلا يرد عليهما باتفاق من أهل ٤٠٣ إعلاء السنن باب العول ٦٠٢٦- عن إبراهيم النخعى عن على وعبد الله: أنهما أعالا الفرائض، رواه البيهقى (كنز العمال). العلم، إلا أنه روى عن عثمان - رضى الله عنه- أنه رد على زوج، ولعله كان عصبة (١) أو ذا رحم، فأعطاه لذلك، أو أعطاه من بيت المال لا على سبيل الميراث. وسبب ذلك- إن شاء الله- أن أهل الرد كلهم من ذوى الأرحام، فيدخلون فى عموم قول الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾، والزوجان خارجان من ذلك، وذهب زيد بن ثابت إلى أن الفاضل عن ذوى الفروض لبيت المال، ولا يرد على أحد فوق فرضه. وبه قال مالك، والأوزاعى، والشافعى - رحمهم الله تعالى- لأن الله تعالى قال فى الأخت: ﴿فلها نصف ما ترك﴾. ومن رد عليها جعل لها الكل. ولأنها ذات فرض مسمى، فلا يرد عليها كالزوج. ولنا قول الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ وهؤلاء من ذوى الأرحام، وقد ترجحوا بالقرب إلى الميت؛ فيكونون أولى من بيت المال؛ لأنه لسائر المسلمين، وذو الرحم أحق من الأجانب عملا بالنص، وقد قال النبى معَّه: ((من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلى))، متفق عليه. وهذا عام فى جميع المال. فأما قوله تعالى: ﴿فلها نصف ما ترك﴾، فلا ينفى أن يكون لها زيادة عليه لسبب آخر، كقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد﴾، لا ينفى أن يكون للأب السدس وما فضل عن البنت بجهة التعصيب اهـ ملخصا (٤٧:٧). باب العول قوله: "عن إبراهيم النخعى" إلخ: قلت: مسألة العول من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين الصحابة، واختار أصحابنا مذهب عامة الصحابة لقوته؛ لأنه إذا كان لكل فرض مقدر فلا معنى لإدخال النقص على البعض، أو جعله محروما بالكلية، بل الأولى إدخال النقص على الكل حسب نصیبه، کالغرماء الذین لا یفی التر كة بدینهم. وقد روى أنه قال رجل لابن عباس: ما يغنيك فتياك شيئا؛ فإن ميراثك يقسم بين ورثتك على غير رأيك، فغضب، فقال: هلا يجتمعون حتى نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إن الذى (١) كما قلنا فى امرأة ماتت عن ابنى عم، أحدهما زوجها والآخر أخ لأم، فللزوج النصف، وللأخ من الأم السدس، والباقى بينهما نصفان، فقد وقع الرد فى هذه المسألة على الزوج؛ لكونه ابن عم زوجتها، فافهم. ج - ١٨ باب العول ٤٠٤ ٦٠٢٧ - وعن ابن عباس، أنه قال: أول من أعال الفرائض عمر، وأيم الله! لو قدم من قدمه وأخر من أخره الله ما عالت فريضة. فقيل له: وأيها قدم الله وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة، فهذا ما قدم الله عز وجل، وكل أحصى رمل عالج عددا لم يجعل فى مال نصفين وثلثا. والجواب عنه أن من أحصى رمل عالج عددا كيف يجعل النصف لمن لا يأخذ إلا السدس؛ لأن المسألة التى أشار إليه ابن عباس مسألة امرأة ماتت عن أم، وزوج، وأخت لأب وأم، أو لأب، فالنصف للزوج، والثلث للأم، والسدس للأخت عند ابن عباس، وقد قال الله تعالى: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾، فالمحذور الذى ألزمه القائلين بالعول لازم له لا محالة، فالحق هو ما قاله الجمهور، والله تعالى أعلم. قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه": من طريق يحيى بن آدم: ثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد: عن أبيه أنه أول من المال الفرائض، وكان أكثر ما أعالها به الثلثين. ومن طريق يحيى بن آدم أيضا: ثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن الحارث، عن على رضى الله عنه(١) فى امرأة، وأبوين، وبنتين: صار ثمنها تسعا اهـ (٢٥٣:٦). وقال الموفق فى "المغنى": ومعنى العول أن تزوحم فروض لا يتسع المال لها، فيدخل النقص عليهم كلهم، ويقسم المال بينهم على قدر فروضهم، كما يقسم مال المفلس بين غرمائه بالحصص لضيق ما له عن وفاءها، ومال الميت بين أرباب الديون إذا لم يفها، والثلث بين أرباب الوصايا إذا ضاق عنها، وهذا قول عامة الصحابة ومن تبعهم من العلماء -رضى الله عنهم - يروى ذلك عن عمر وعلى والعباس وابن مسعود وزيد، وبه قال مالك فى أهل المدينة والثورى وأهل العراق والشافعى وأصحابه وإسحاق ونعيم بن حماد وأبو ثور وسائر أهل العلم، إلا ابن عباس وطائفة شذت يقل عددها، نقل ذلك عن محمد ابن الحنفية، ومحمد بن على بن الحسين، وعطاء، وداود، فإنهم قالوا: لا تعول المسائل. روى عن ابن عباس: أنه قال فى زوج وأخت وأم: من شاء باهلته أن المسائل لا تعول، (١) مسألة ٢٤ عـ ٢٧ ميتـ بنت زوجة أم أب بنت ٤ ٨ ٨ ٤ ٣ ٤٠٥ إعلاء السنن باب العول فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقى، فتلك التى أخر الله، كالزوج والزوجة والأم، والذى أخر كالبنات، والأخوات، فإذا اجتمع من قدم الله وأخر بدئ بمن قدم، فأعطى حقه كاملا، فإن بقى شىء كان لمن أخر، وإن لم يبق شىء فلا شىء له، رواه الحاكم، وصححه على شرط مسلم. فسميت هذه المسألة مسألة المباهلة لذلك، وهى أول مسألة عائلة حدثت فى زمن عمر - رضى الله عنه- فجمع الصحابة للمشورة فيها، فقال العباس: أرى أن تقسم المال بينهم على قدر سهامهم، فأخذ به عمر -رضى الله عنه- واتبعه الناس على ذلك حتى خالفهم ابن عباس. ولنا أن كل واحد من هؤلاء لو انفرد أخذ فرضه، فإذا ازدحموا وجب أن يقتسموا على قدر الحقوق كأصحاب الديون والوصايا، ولأن الله تعالى فرض للأخت النصف كما فرض للزوج النصف، وفرض للأختين الثلثين، كما فرض الثلث للأختين من الأم، فلا يجوز إسقاط فرض بعضهم مع نص الله تعالى عليه بالرأى والتحكم، ولم يمكن الوفاء بها؛ فوجب أن يتساووا فى النقص على قدر الحقوق كالوصايا والديون. وقد يلزم ابن عباس على قوله مسألة فيها زوج، وأم، وأخوان من أم، فإن حجب الأم إلى السدس خالف مذهبه فى حجب الأم بأقل من ثلاثة من الإخوة، وإن نقص الأخوين من الأم رد النقص على من لم يهبطه الله من فرض إلى ما بقى، وإن أعال المسألة رجع إلى قول الجماعة وترك مذهبه، ولا نعلم اليوم قائلا بمذهب ابن عباس، ولا نعلم خلافا بين فقهاء الأمصار فى القول بالعول بحمد الله ومنه اهـ (٢٦:٧-٢٧). قلت: وأما أهل الظاهر فليسوا بفقهاء؛ فلا عبرة بخلافهم، وأما قول خارجة: وكان أكثر ما أعالها به الثلثين، فمثاله: زوج، وأم، وإخوة وأخوات لأم، وأخت لأب وأم، وأخوات لأب(١) فللزوج النصف، وللأخت من الأب والأم النصف، وللأم السدس، وللإخوة والأخوات من الأم الثلث بينهم بالتسوية، وللأخت من الأب السدس، فقد اجتمع فى هذا المسألة فروض يضيق المال (١) مسألة: ٦ عـ ١٠ ميتسـ زوج، أخت من الأبوين، أم، إخوة وأخوات من الأم، أخوات للأب. ١ ٢ ٣ ٣ ١ ٤٠٦ ج - ١٨ باب ميراث ابن الملاعنة ٦٠٢٨- عن الشعبى: أن عليا قال فى ابن الملاعنة ترك أخاه وأمه: لأمه الثلث، ولأخيه السدس، وما بقى فهو رد عليهما بحساب ما ورثا. وقال عبد الله: للأخ السدس، وما بقى فللأم وهى عصبة، وقال زيد: لأمه الثلث، ولأخيه السدس، وما بقى ففى بيت المال، رواه سعيد بن منصور والبيهقى (كنز العمال). عنها؛ فإن النصف للزوج والنصف للأخت من الأبوين يكمل المال بهما، ويزيد ثلث ولد الأم، وسدس الأم، وسدس الأخت من الأب؛ فتعول المسألة بثلثيها، وأصلها من ستة، فتعول إلى عشرة، وتسمى أم الفروخ لكثرة عولها، شبهوا أصلها بالأم، وعولها بفروخها، وليس فى الفرائض مسألة تعول بثلثیها سوى هذه وشبهها، ولا بد فى أم الفروخ من زوج واثنين فصاعدا من ولد الأم، وأم أو جدة، واثنين من ولد الأبوين، أو الأب، أو إحداهما من ولد الأبوين، والأخرى من ولد الأب، فمتى اجتمع فيها هذا عالت إلى عشرة، كذا فى "المغنى" (٢٥:٧)، ظ. فائدة: حصل خلاف ابن مسعود فى الفرائض فى ست مسائل إحداهن: ابنا عم أحدهما أُخ لأم، فللأخ من الأم جميع المال عنده، وعند الجمهور للأخ للأم السدس، وما بقى بينهما نصفين. والثانية: فی بنت، وبنات ابن، وابن ابن، الباقى عنده للابن دون أخواته. الثالثة: فى أخوات الأبوين، وأخوات لأب، وأخ لأب، الباقى عنده للأخ دون أخواته. الرابعة: بنات، وابن ابن، وبنات ابن، عنده لبنات الابن الأضر بهن من السدس أو المقاسمة. الخامسة: أخت لأبوين، وأخ وأخوات لأب، للأخوات عنده الأضربهن من ذلك. السادسة: كان يحجب الزوجين والأم بالكفار والعبيد والقاتلين، ولا يورثهم اهـ ملخصا من "المغني" (٢٩:٧)، ظ. باب ميراث ابن الملاعنة قوله: "عن الشعبى" إلخ: ويظهر منه أن ما رواه الشعبى عن على وعبد الله أنهما قالا: الأم عصبة ابن الملاعنة وترث ما له أجمع، فإن لم يكن له أم فعصبتها عصبة، رواه سعيد بن منصور والبيهقى أيضا، كما فى كنز العمال" محمول على عموم المجاز؛ لأنك قد عرفت أن عليا لا يجعل الأم ولا عصبتها عصبة حقيقة؛ لأنه أعطاها الثلث، وولدها السدس وجعل لهما ما بقى بالرد. وكذا ما روى الحاكم وصححه عن ابن عباس: أن عليا أعطى ميراث ابن الملاعنة أمه، وجعلها ٤٠٧ ميراث ابن الملاعنة إعلاء السنن عصبة. وما رواه الحاكم أيضا وصححه عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رجل من أهل الشام: أن رسول الله عَّ قال فى ولد الملاعنة: ((عصبته أمه)» اهـ محمول على المجاز، ومعناه أن وارثه أمه وقومه دون أبيه وقومه فاعرف ذلك واختار أئمتنا مذهب على لأن جعل الأم وقومها عصبة خلاف أصول الفرائض، وكذا توريث بيت المال مع وجود ذوى الأرحام مخالف لقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ ولا يرد عليه مولى العتاقة؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب كما نص عليه رسول الله مرّ ◌ُلّه فهو من ذوى الأرحام ولذا يرث مع ذوى الأرحام بالعصوبة. وما روى الحاكم وغيره عن واثلة مرفوعا: ((إن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، والولد الذى لاعنت عليه)) اهـ، فمعناه أن المرأة تحوز ميراث عتيقها بالعصوبة، ولقيطها بالتبرع دون الاستحقاق، وولدها الذى لاعنت عليه بالفرض والرد إذا لم يكن هناك وارث غيرها. وقال ابن قدامة الحنبلى فى "المغنى(١)": إن خلف أما وخالا فلأمه الثلث، وما بقى فللخال، وهو عجيب؛ لأنه إذا جعل الخال بمنزلة العم وجب أن تجعل الأم بمنزلة الأب، وإذا لم تجعل بمنزلة الأب فكيف يجعل الخال بمنزلة العم؟ واحتجاجه بقوله مرّ له: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر)) أعجب؛ لأن المراد من أولى رجل ذكر هو العصبة دون ذى الرحم، وإلا لوجب أنه لو مات رجل عن ابنة وخال أن يكون النصف للابنة والنصف للخال؛ لأنه أولی رجل ذکر بعد ذات الفرض، ولا يقول به أحد؛ فظهر أن ما قاله أسخف جدا، والله أعلم. قال العبد الضعيف: ليس قول الموفق من السخافة فى شىء؛ لأن قوله: للأم يكون الثلث وللخال ما بقى، مبنى على أن عصبة ولد الملاعنة عصبة أمه لا أمه، وإذا لم تكن أمه عصبة له فكيف يجب عليه أن يجعل الأم بمنزلة الأب؟ وقد صرح الموفق بأن فى المسألة روايتين عن أحمد: إحداهما أن عصبته عصبة أمه، اختارها الخرقى، ويروى ذلك عن على وابن عباس وابن عمر وبه قال الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والشعبى والنخعى والحكم وحماد والثورى والحسن بن صالح. والثانية: أن أمه عصبة، فإن لم تكن فعصبتها عصبة. وروى عن على نحوه، ومكحول، والشعبى؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبى معَّ ◌ُلِّ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها. (١) قلت: روى الدارمى هذا القول عن الحسن البصرى ١٢ منه. ج - ١٨ ميراث ابن الملاعنة ٤٠٨ ولما روى واثلة عن النبى عَ ليه، قال: ((تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذى لاعنت عليه))، وعلى هذه الرواية تكون أمه بمنزلة أبيه لا على الرواية الأولى، فإذا مات عن أم وخال تكون للأم الثلث وللخال ما بقى على الأولى، وللأم جميع المال على الثانية؛ لكونها بمنزلة الأب، وكون الخال بمنزلة العم، ولا يرث العم مع الأب قط، ووجه قول الخرقى أن الأم ليس بمنزلة الأب، بل هى أم كما هى، نعم عصبتها عصبة ابنها الذى لاعنت عليه؛ لما روى أبو داود فى المراسيل عن رجل من أهل الشام: أن النبى عّ لّه قال: ((ولد الملاعنة عصبته عصبة أمه))، رواه البيهقى، وأعله بالانقطاع (٢٥٩:٦). وإذا ثبت أن عصبته عصبة أمه صح الاستدلال بقول النبى معَّ ظله: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر))، وأولى الرجل به أقارب أمه، ومنهم الخال، فله ما بقى بعد فرض الأم، فافهم. ولنا أن أحكام الميراث ثابتة بنص الكتاب؛ فلا يجوز القول بخلافها إلا بنص مثله، والذى روى فى كون الملاعنة عصبة لولدها، أو كون عصبتها عصبة له، أخبار آحاد، ولا تخلو من المقال: فلا يترك ليها النص، ولا نص فى توريث الأم أكثر من الثلث، ولا فى توريث الأخ من أم أكثر من السدس، ولا فى توريث أبى الأم ونحوه من عصبة الأم، ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث، والإدلاء بالأم أضعف؛ فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث. وأما حديث: ((تحوز المرأة ثلاثة مواريث))، ففيه بيان أنها تحرز، والإحراز لا يدل على العصوبة؛ فإنه يجوز أن تحرز فرضا وردا إذا لم يكن لابنها وارث غيرها لا تعصيبا، وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن النبى معَِّ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. فلا يدل على العصوبة أيضا، ومعناه أن ابن الملاعنة إذا لم يكن له وارث غير أمه فميراثه لها، وإذا لم تكن فلورثتها من بعدها، وبه نقول. وأما حديث: ((عصبته عصبة أمه)) فمعناه فى الاستحقاق بمعنى العصوبة وهى الرحم، لا فى إثبات حقيقة العصوبة. وأما أقوال الصحابة فمختلفة، فاخترنا منها ما هو أقرب إلى النص، فروى البيهقى من طريق إبراهيم بن طهمان: ثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء قوم إلى على رضى الله عنه، فاختصموا فى ولد المتلاعنين، فجاء ولد أبيه يطلبون ميراثه، قال: فجعل ميراثه لأمه وجعلها عصبة. ٤٠٩ ميراث ابن الملاعنة إعلاء السنن (ومعناه أنه لم يعط ولد أبيه شيئا لانقطاع نسبة من أبيه، وأعطى الميراث كله أمه؛ لأنه كان قد مات ولا ابن له ولا أخ من أمه، فأحرزت الأم ميراثه بالفرض والرد، فصارت كالعصبة) ومن طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن سالم، عن الشعبى: أن عليا رضى الله عنه قال فى ابن الملاعنة ترك أخاه وأمه: لأمه الثلث، ولأخيه السدس، وما بقى فهو رد عليهما بحساب ما ورثا (وهذا يؤيد ما قلنا، فلو جعل الأم عصبة لجعل لها ما بقى بعد السدس كله، ولم يجعل لها الثلث، ولا رد عليها بحساب ما ورثت)، وقال زيد: لأمه الثلث، ولأخيه السدس، وما بقى ففى بيت المال (٢٥٨:٦)، فاتفق زيد وعلى رضى الله عنهما على أن الأم ليست بعصبة لابنها، واختلفا فى الرد، فرد على رضى الله عنه ما بقى بعد الثلث والسدس على الأم والأخ بحساب ما ورثا، وجعله زيد لبيت المال. وروى البيهقى من طريق يزيد، عن حماد بن سلمة، عن قتادة: أن عليا وابن مسعود قالا فيمن ترك أخاه وأمه: للأخ الثلث، وللأم الثلث. (وهذا يدل على أن ابن مسعود أيضا لم يجعل أمه عصبة له) ومن طريق ابن المبارك: أنا سعيد، عن قتادة: أن ابن مسعود كان يجعل ميراث كله لأمه، فإن لم تكن له أم كان لعصبتها، قال: وكان الحسن يقول ذلك اهـ، وهذا يدل على أنه كان يجعل الأم بمنزلة الأب، فلا يرثه أخوه مع الأم، ولا يخفى أن قول على وزيد أشبه بما ذكرنا من السنة، والله تعالى أعلم. وقال محمد فى "الآثار" له: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال فى ابن الملاعنة: إذا كانت الأم وولدها ورثته فعلى الميراث، وإن كانت الأم وحدها فلها الميراث كله. قال: وأخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال فى ابن المتلاعنين يموت ويترك أمه، وأخاه وأخته لأمه، قال إبراهيم: لهما الثلث، وما بقى لأمه. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، وهذا قياس قول عبد الله؛ لأنه كان لا يرد على الإخوة من الأم مع الأم، ولكن لهما الثلث، وللأم السدس، وما بقى فهو رد على ثلاثة أسهم على قدر مواريثهم، كان على رضى الله عنه يرد عليهم على مواريثهم، فبقول على بن أبى طالب نأخذ. محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ابن الملاعنة عصبته عصبة أمه، إذا ترك أمه كان لها المال. قال محمد: يكون لها المال إذا لم يترك وارثا غيرها، وإنما تفسير قوله: ((عصبته عصبة أمه)) فى العقل، هم الذين يعقلون عنه، فأما الميراث فيرثه أقرب الناس منه على قدر القرابة من الملاعنة، وهو قول أبى حنيفة اهـ (١٠٢). ٤١٠ ج - ١٨ ميراث ابن الملاعنة وقال الحافظ فى "الفتح" فى حديث ابن عمر: ففرق النبى عرّ بينهما، أى بين المتلاعنين، وألحق الولد بالمرأة، قد اختلف السلف فى معنى إلحاقه بأمه، مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذى نفاه (بعد تفريق الحاكم، وأما قبله فيتوارثان عندنا؛ لأن المتلاعنین لا یفترقان بمجرد اللعان، بل بتفريق الحاكم بينهما، كما بسطنا الكلام فى ذلك فى باب اللعان)، فجاء عن على، وابن مسعود: أنهما قالا فى ابن الماعنة: عصبته عصبة أمه، يرثهم ويرثونه، أخرجه ابن أبى شيبة، وبه قال النخعى، والشعبى. وجاء عن على وابن مسعود: أنهما كان يجعلان أمه عصبة وحدها، فتعطى المال كله، فإن ماتت قبله فماله لعصبتها، وبه قال جماعة، منهم الحسن وابن سیرین ومكحول والثورى. وأحمد فى رواية. وجاء عن على: أن ابن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها (هذا هو الصحيح عن على، وكان يرد الباقى على أمه وإخوته منها بحساب ما ورثوا) قال: فإن فضل شىء فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت (قلت: وأما على فقد وافق زيدا فى جعله الثلث للأم، والسدس لأخيه من الأم، ولم يوافقه فى جعله الباقى لبيت المال، بل رده على الأم والأخ على ميراثهما كما تقدم) وبه قال جمهور العلماء، وأكثر علماء الأمصار، قال مالك: وعلى هذا أى على قول زيد أدركت أهل العلم (أى من أهل المدينة، وأما أهل العراق فعلى ما صح عن على رضى الله عنه). قال ابن بطال: هذا الخلاف إنما نشأ من حديث الباب، حيث جاء فيه: وألحق الولد بالمرأة. لأنه لما ألحق بها قطع نسب أبيه، فصار كمن لا أب له من أولاد البغى، وتمسك الآخرون بأن معناه إقامتها مقام أبيه، فجعلوا عصبة أمه عصبة أبيه. قال ابن بطال: تمسك بعضهم بالحديث الذى جاء فيه: أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه. وليس فيه حجة؛ لأن المراد أنها بمنزلة أبيه وأمه فى تربيته وتأديبه وغير ذلك مما يتولاه أبوه، فأما الميراث فقد أجمعوا أن ابن الملاعنة لو لم تلاعن أمه، وترك أباه وأمه كان لأمه السدس، فلو كانت (بعد اللعان) بمنزلة أبيه وأمه لورثت سدسين فقط، سدس بالأمومة، وسدس بالأبوة، وحجة الجمهور ما تقدم فى اللعان أن فى رواية فليح، عن الزهرى، عن سهل فى آخره: فكانت السنة فى الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها. أخرجه أبو داود، وحديث ابن عباس: فهو لأولى رجل ذكر. فإنه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميت دون عصبة أمه، وإذ لم يكن لولد الملاعنة عصبة من قبل أبيه (ولا من قبل نفسه كأن مات ولا ولد له)، فالمسلمون عصبته، وقد تقدم من حديث أبى هريرة: ((ومن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا)) اهـ ملخصا (٢٦:١٢). ٤١١ إعلاء السنن باب میراث ذوی الأرحام ٦٠٢٩- عن أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب معى عمر بن الخطاب إلى أبى عبيدة: أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له))، رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح. باب میراث ذوی الأرحام قوله: "عن أسامة" إلخ، قلت: الأحاديث تدل على وراثة الخال، وهو مذهب أئمتنا، وبما روى الحاكم عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبى عرّ له، أنه قال: ((لا ميراث للعمة والخالة)). ففى سنده عبد الله بن جعفر، وقد شهد علیه ابنه على ابن المدینی بسوء الحفظ، وقال الذهبى: لم يحتج به أحد، وما روی عن سليمان بن داود الشاذ کونی، عن ابن علية، عن محمد ابن عمر بن علقمة، عن شريك ابن أبى نمر، أن الحارث بن عبد الله أخبره: أن رسول الله عّ لّ سئل عن ميراث العمة والخالة؟ فنزل عليه جبريل، فقال: ((حدثنى جبريل أن لا ميراث لها)). ففى سنده الشاذكونى، وهو مرسل أيضا، كذا قال الذهبى فى "التلخيص". وما روى عن ضرار بن صرد، عن عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى: أن النبى معَّه قال: ((لا ميراث للعمة والخالة)). ففى سنده ضرار بن صرد، وهو هالك، قاله الذهبى فى "التلخيص" ولم سلم صحة الروايات وجب تأويلها بأن المراد بنفى الوراثة نفى الفرائض والعصوبة دون مطلق الوراثة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ يثبت الوراثة على الإطلاق بين أولى الأرحام. وعن الشعبى عن زياد قال: أتى عمر فى عم لأم، وخالة، فأعطى العم للأم الثلثين، وأعطى الخالة الثلث. رواه الدارمى. قلت: هذا يدل على أن لقرابة الأب من ذوى الأرحام الثلثان، ولقرابة الأم منهم الثلث، وهو مذهب أئمتنا. وعن الحسن: أن عمر بن الخطاب أعطى الخالة الثلث، والعمة الثلثين. رواه الدارمى أيضا، وفيه أيضا دليل على أن لقرابة الأم الثلث، ولقرابة الأب الثلثان. وعن عبد الله بن مسعود قال: الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذى رحم بمنزلة زحمه التى يدلى بها إذا لم يكن وارث ذو قرابة. رواه الدارمى، وفيه دليل على أنه يعتبر فى الفروع من ذوى الأرحام حال أصولهم. وعن النعمان بن سالم، قال: قلت لابن عمر: أرأيت رجلا ترك ابن ابنة أيرثه؟ قال: لا، ومعناه أنه من ذوى الأرحام دون ذوى الفروض والعصبات، فلا يرث مع ذوى الفروض والعصبات، لا أنه لا يرثه منفردا؛ لأنه لو لم يرث لكان ما له لعامة ٤١٢ میراث ذوى الأرحام ج - ١٨ ٦٠٣٠ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله عَّ له: ((الخال وارث من لا وارث له))، رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد أرسله منهم، ولم يذكر فيه عن عائشة، وأخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبی علیه. المسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. قال العبد الضعيف: كتاب عمر إلى أبى عبيدة أخرجه ابن حبان فى "صحيحه" أيضا، وكذلك حديث المقدام، ثم ذكر أن راشدا سمعه من أبى عامر عن المقدام، ومن ابن عائذ عنه، فالطريقان محفوظان، والمتتان متبائنان، (فلا يضره قول أبى داود: رواه الزبيدى، عن راشد، عن ابن عائذ، عن المقدام، ورواه معاوية بن صالح عن راشد، سمعت المقدام)، وذكر الدارقطنى فى "علله": أن شعبة وحمادا وإبراهيم بن طهمان رووه عن بديل عن ابن أبى طلحة عن راشد عن أبى عامر عن المقدام، وأن معاوية بن صالح خالفهم، فلم يذكر أبا عامر بين راشد والمقدام، ثم قال الدار قطنى: والأول أشبه بالصواب، قال ابن القطان: وهو على ما قال؛ فإن ابن أبى طلحة ثقة، وقد زاد فى الإسناد من يتصل به، فلا يضره إرسال من قطعه وإن كان ثقة فكيف وفيه (أى فى معاوية بن صالح) مقال؟ فنرى هذا الحديث صحيحا، انتهى كلام ابن القطان. (واندحض به ما تعقب به الذهبى الحاكم، فافهم). وما ذكره أبو داود صريح فى أنه لا إرسال فى رواية معاوية؛ فإن راشدا صرح فيها بالسماع، وراشد قد سمع ممن هو أقدم من المقدام، كمعاوية وثوبان -رضى الله عنهما- فيحمل على أنه سمعه من المقدام مرة بلا واسطة، ومرة بواسطة أبى عامر، ومرة بواسطة ابن عائذ. ثم ذكر البيهقى حديث أبى هريرة عن النبى عّ لّه قال: ((الخال وارث)) من طريق شريك عن ليث بن أبى سليم عن محمد بن المنكدر عنه، ومن طريق شريك عن ليث عن أبى هبيرة عنه، وقال: هذا مختلف فیه کما تری، ولیث بن أبى سليم غير محتج به. قلت: الأمر فى ليث قريب، قد أخرج له مسلم فى "صحيحه"، واستشهد به البخارى، ويحتمل أنه روى الحديث عنهما عن أبى هريرة، وأقل أحواله أن يكون حديث شاهدا لحديث المقدام أو غيره. ثم ذكره من حديث عائشة مرفوعا، فى سنده عمرو بن مسلم، فحكى عن ابن حنبل وابن معين أنهما قالا فيه: ليس بالقوى، وذكر أنه روى موقوفا أيضا، والرفع غير محفوظ. قلت الرفع زيادة ثقة، فوجب قبولها، وقد أخرجه الحاكم مرفوعا، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه الترمذى أيضا مرفوعا، وقال: حسن. وعمرو بن مسلم احتج به مسلم فى ٤١٣ ميراث ذوى الأرحام إعلاء السنن ٦٠٣١- عن على بن أبى طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبى عامر الهوزنى، عن المقدام الكندى، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((أنا مولى من لا مولى له، أرث ماله وأفك "صحيحه"، وفى الكاشف للذهبى: قواه ابن معين. ثم ذكر البيهقى دفع النبى عَ ◌ّ- ميراث ثابت ابن الدحداح إلى ابن أخته، فحكى عن الشافعى أنه أجاب عنه بأنه قتل يوم أحد قبل نزول الفرائض. قلت: ذكر صاحب "الاستيعاب" عن الواقدى (وهو مقبول فى السير والمغازى) قال: وبعض أصحابنا الرواة للعلم يقولون: إن ابن الدحداح برئ من جراحاته، (يوم أحد) ومات على فراشه من جرح أصابه (بعد ذلك)، ثم انتقض به مرجع النبى معَّ من الحديبية، ويشهد لهذا القول ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى: عن جابر بن سمرة قال: أتى النبى معَّ ◌ُّه بفرس معرور، فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن حوله. وقال ابن الجوزى فى "الكشف لمشكل الصحيحين": اختلف الرواة فى موته، فقال بعضهم: قتل يوم أحد فى المعركة، وقال آخرون: بل جرح وبرئ ومات على فراشه مرجع رسول الله عُ ◌ّهم من الحديبية، وهذا أصح لهذا الحديث. ثم ذكر البيهقى من طريق يزيد بن هارون: أنا داود بن أبى هند، عن الشعبى، قال: أتى زياد فى رجل توفى وترك عمة، فقال: هل تدرون كيف قضى عمر رضى الله عنه فيها؟ قالوا: لا، فقال: والله إنى لأعلم الناس بقضاء عمر فيها، جعل العمة بمنزلة الأخ، والخالة بمنزلة الأخت، فأعطى العمة الثلثين، والخالة الثلث، قال: ورواه الحسن، جابر بن زيد، وبكر بن عبد الله المزنى وغيرهم: أن عمر جعل للعمة الثلثين وللخالة الثلث، وجميع ذلك مراسيل، ورواية المدنيين عن عمر أولى أن تكون صحيحة اهـ، أراد برواية المدنيين ما رواه من طريق مالك، عن محمد بن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن عبد الرحمن بن حنظلة الزرقى، أنه أخبره عن مولى لقريش - كان قديما يقال له ابن مرسا- قال: كنت جالسا عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلما صلى الظهر قال: يا يرفأ هلم الكتاب - كان كتبه فى شأن العمة يسأل عنها ويستخير فيها- فأتاه به، فدعا بتور أو قدح فيه ماء، فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيك الله لأقرك، لو رضيك الله لأقرك، ومن طريق مالك، عن محمد أبى بكر بن عمرو بن حزم، أنه سمع أباه كثيرا يقول: كان عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- يقول: عجبا للعمة تورث ولا ترث. قلت: قال ابن التركمانى: كشفت عن ابن حنظلة، وابن مرساء، فلم أعرف لهما حالا، وقال الطحاوى: ابن مرساء غير معروف، والذى روى عن عمر بخلاف ذلك إسناده صحيح : ٤١٤ ميراث ذوى الأرحام ج - ١٨ عانيه، والخال وارث من لا وارث له، ويفك عانيه))، رواه الحاكم، وقال: صحيح على متصل، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، ورواية المدنيين من طريقين أحدهما فيه مجهول، والآخر منقطع، فكيف تكون أولى بالصحة؟ وذكر الطحاوى أن رواية زياد عن عمر صحيحة متصلة، وفى "مصنف ابن أبى شيبة": ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عمر: أنه قسم المال بين عمة وخالة. وهذا سند صحيح متصل، وقال صاحب "الاستذكار": لم يختلف أهل العراق أنه ورثهما. وفى "المصنف" أيضا: ثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، عن عمر، قال: للعمة الثلثان، وللخالة الثلث، ثنا عبد الوهاب الثقفى، عن يونس، عن الحسن: أن عمر ورث العمة الثلثين، والخالة الثلث، ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر وعبد الله يورثان الخالة والعمة إذا لم يكن غيرهما، وفيه أيضا عن ابن جريج: أخبرنى عبد الكريم بن أبى المخارق، أن زياد ابن جارية أخبر عبد الملك بن مروان: أن أمراء الشام كتبوا إلى عمر، فذكر أشياء، منها: أنهم بينما هم يرمون مر بصبى فقتله أحدهم، وليس له وارث ولا ذو قرابة إلا خال، فكتب عمر أن ديته لحاله، إنما الخال والد. فهذه وجوه كثيرة عن عمر يقوى بعضها بعضا أنه ورث ذوى الأرحام، وقد قدمنا ما فى رواية المدنيين من الجهالة والانقطاع. وفى "المصنف" أيضًا عن الثورى: أخبرنى منصور، عن حصين، عن إبراهيم، قال: كان عمر وابن مسعود يورثان ذوى الأرحام دون الموالى قلت: فعلى ابن أبى طالب؟ قال: كان أشدهم فى ذلك. وقال الطحاوى: لا اختلاف عن على وابن مسعود - رضى الله عنهما- فى توريث ذوى الأرحام. وفى "المصنف" عن ابن جريج، قال لى عبد الكريم، عن عمر، وعلي، وابن مسعود، ومسروق، والنخعى، والشعبى: أن الرجل إذا مات وترك مواليه الذين أعتقوه، ولم يدع ذا رحم إلا أما أو خالة، دفعوا میراثه إليها، ولم يورثوا مواليه معها، وأنهم لا یورثون موالیه مع ذی رحم، كذا فى "الجوهر النقى" (٢١٧:٧). فإن قيل: فى بعض هذه الآثار دلالة على تقديم ذوى الأرحام على مولى العتاقة، وأنتم لا تقولون بذلك، بل تجعلونه آخر العصبات. قلنا: إنما ذكرناها لتضمنها توريث ذوى الأرحام، وأما تقديمهم على مولى العتاقة فتركناه؛ لكونه معارضا للنص، وهو قوله عّ لّهلمن أعتق عبدا: ((هو مولاك، فإن شكرك فهو خير له، وإن كفرك فهو شر له، وإن مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبة))، رواه الدارمى وغيره، وقد مر تخريجه فى الكتاب. ٤١٥ ميراث ذوى الأرحام إعلاء السنن شرط الشيخين، وتعقبه الذهبى، فقال: على بن أبى طلحة قال أحمد: له أشياء منكرات،. ولم يخرج له البخاری. ومعنى قوله: "لم يترك وارثا" - والله أعلم- أنه لم يدع وارثا هو عصبة، ألا ترى أنه قال فى آخره: "كنت أنت عصبة"، وإذا كان مولى العتاقة عصبة هو آخر العصبات كان مقدما علی ذوى الأرحام، والرد؛ لتقدم العصبات عليهما، والذى روى عن عمر وعلى فى تقديم ذوى الأرحام على مولى العتاقة إنما هو من رواية عبد الكريم بن أبى المخارق عنهما مرسلا، أو من رواية إبراهيم مرسلا، فلا يترك بهما ما ثبت عن النبى عّ لّه مرفوعا إليه متصلا. والصحيح عن على ما رواه البيهقى فى "سنته": من طريق يزيد بن هارون: أنا محمد، عن الشعبی، قال: کان عبد الله لا يورث مع ذى رحم شيئا، وكان على وزيد رضى الله عنهما يقولان: إذا كان ذو رحم ذو سهم فله سهمه، وما بقى فللموالى، هم كلالة، ومن طريق يزيد: أنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: رأيت المرأة التى ورثها على -رضى الله عنه- فأعطى الابنة النصف، والموالى النصف اهـ (٢٤١:٦). قال الموفق فى "المغنى": إن المولى المعتق وعصباته أحق من ذوى الأرحام، وهو قول عامة من ورثهم من الصحابة وغيرهم، وهو قول من لا يرى توريثهم أيضا، وروى عن ابن مسعود تقديمهم على المولى، وبه قال ابنه أبو عبيدة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، وجابر بن زيد، والشعبى، والنخعى، والقاسم بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وميمون بن مهران، والأول أصح؛ لقوله عليه السلام: ((الخال وارث من لا وارث له))، والمولى وارث (لقوله عليه السلام: ((إنما الولاء لمن أعتق)))، ولأن المولى يعقل وينصر، فأشبه العصبة من النسب اهـ (٩٣:٧). قال الموفق: وكان أبو عبد الله يورث ذوى الأرحام إذا لم يكن ذو فرض، ولا عصبة، ولا أحد من الوارث إلا الزوج والزوجة، روى هذا القول عن عمر، وعلى، وعبد الله، وأبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبى الدرداء - رضى الله عنهم- وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة. وكان زيد لا يورثهم، ويجعل الباقى لبيت المال، وبه قال مالك، والشافعى، وأبو ثور، وداود، وابن جرير؛ لأن عطاء بن يسار روى أن رسول الله عَّه ركب إلى قباء يستخير الله تعالى فى العمة والخالة، فأنزل عليه أن لا ميراث لهما. رواه سعيد فى "سننه"، وأبو داود فى "المراسيل" من طريق عبد الله بن مسلمة، عن عبد العزيز ابن محمد، عن زيد بن أسلم. وروى البيهقى من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن مطرف، ٤١٦ ميراث ذوى الأرحام ج - ١٨ ومحمد ابن عبد الرحمن بن المجبر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء قال: أتى رجل من أهل العالية رسول الله عَّ، فقال: يا رسول الله! إن رجلا هلك وترك عمة وخالة، انطلق تقسم ميراثه، فتبعه رسول الله عَّ ◌ُلّ على حمار، وقال: ((يارب، رجل ترك عمة وخالة، ثم قال: لا أرى ينزل على شىء، لا شىء لهما)) اهـ (٢١٢:٦)، وفيه أن قوله: ((لا شىء لهما)) لم يكن بالوحى، بل بالاجتهاد، والأثر مرسل كما ترى، وعلى تقدير صحته معناه لم ينزل عليه فيهما شىء فى ذلك الوقت، ثم نزل عليه: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. وقال عليه السلام بعد ذلك: ((الخال وارث من لا وارث له))، ولا يجوز أن يعكس هذا، إذا لو تقدمت الآية ما قال عليه السلام: ((لا أرى ينزل على شىء)) وذكر عبد الحق هذا الحديث فى "أحكامه"، وقال فى آخره: قال أبو داود: معناه لا سهم لهما. ولكن يورثون للرحم. وأما ما رواه البيهقى من طريق ضرار بن صرد ، عن عبد العزيز، موصولا بذكر أبى سعيد الخدرى، فضرار بن صرد متروك الحديث، كذا قال النسائى، وكان ابن معين يكذبه، والذى روى عن شريك بن أبى نمر، أن الحارث بن عبد أخبره: أن رسول الله عّ لّه سئل عن ميراث العمة والخالة؟ فسكت، فنزل عليه جبريل عليه السلم، فقال: ((حدثنى جبريل: أن لا ميراث لهما)). فقد اختلف فى هذا الحديث، فروى ابن أبى شيبة فى "المصنف" عن شريك: سئل النبى عّ لّ- الحديث من غير ذكر الحارث، وكذا ذكره الدار قطنى فى "سننه" من طريقين، ثم إن الحارث(١) هذا لم أعرف حاله، ولا ذكر له فى شىء من الكتب التى بأيدينا سوى "المستدرك" للحاكم، فإنه ذكره فى هذا الحديث مستشهدا به، وابن أبى نمر فيه كلام يسير، كذا فى "الجوهر النقى" (٢١٣:٦). قلت: قد مر أن حديث الحارث بن عبد هذا رواه الحاكم من طريق الشاذ کونی، عن ابن علية، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن شريك بن نمر، عنه. وقال الذهبى: فيه الشاذكونى، وهو مرسل (٣٤٣:٤)، والشاذكونى وإن كان حافظا فلا يحتج به، وظنى أن المحفوظ فى هذا الحديث قوله عّ لّه: ((لا أرى ينزل على شىء لا شىء لهما))، رواه الشاذكونى وغيره بالمعنى بلفظ: فأنزل عليه لا ميراث لهما، أو: فنزل عليه جبريل وقال: لا ميراث لهما، ولو صح فيحمل على (١) قلت: سماه الحافظ فى "الإصابة" الحارث بن عبد مناف، وذكر له هذا الحديث، وقال: ولكن وقع فى نسخة "المستدرك" الحارث بن عبد بغير إضافة، فالله أعلم، وقال الذهبى: إن صح فهو مرسل اهـ (٢٩٧:١). قلت: وفى نسخة "المستدرك" التى : : بأيدينا الحارث بن عبد الله (٣٤٣:٤) ظ. ٤١٧ إعلاء السنن باب میراث المقر له بالنسب ٦٠٣٢- ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عبد الرحمن بن المحاربى، عن الأعمش، عن إبراهيم فى الإخوة يدعى بعضهم الأخ وينكر الآخرون، قال: يدخل معهم بمنزلة عبد يكون بين الإخوة، فيعتق أحدهم نصيبه. قال: وكان عامر، والحكم، وأصحابهما يقولون: لا يدخل إلا فى نصیب الذى اعترف به، رواه الدارمى. أنهما لم يكن لهما شىء لكون الميت قد ترك وارثا من ذوى الفروض أو العصبات، ظ. قال الموفق: ولنا قول الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾، أى أحق بالتوارث فى حكم الله تعالى، وقال رسول الله عَّ: ((الخال وارث من لا وارث له))، قال الترمذى: حديث حسن، وروى المقداد مرفوعا: ((الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه)). أخرجه أبو داود، وفى لفظ: ((مولى من لا مولى له، يعقل عنه ويفك عانيه)). فإن قيل: المراد به أن من ليس له إلا خال فلا وارث له، كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة. قلنا: هذا فاسد؛ لأنه قال: ((يرث ماله)) وفى لفظ قال: "يرثه"، ولأن الصحابة فهموا ذلك، فكتب عمر بهذا جوابا لأبى عبيدة حين سأله عن ميراث الخال، وهم أحق بالفهم، وأصوب من غيرهم، وحديثهم مرسل، (فى رجاله كلام قد ذكرناه) ثم يحتمل أنه لا ميراث لهما مع ذوى الفروض والعصبات، ولذلك سمى الخال وارث من لا وارث له، أى لا يرث إلا عند عدم الوارث. وإنما لا ترث العمة والخالة مع إخوتهما لأنهما أقوى منهما، وقولهم: إن الميراث إنما ثبت نصا. قلنا: قد ذكرنا نصوصها فى توريث ذوى الأرحام، ثم التعليل واجب مهما أمكن، وقد أمكن ههنا؛ فلا يصار إلى التعبد المحض اهـ ملخصا (٧: ٨٥) ظ. باب ميراث المقر له بالنسب قوله: "ثنا أبو بكر" إلخ: قلت: هو مذهب أبى حنيفة، وقال الدارمى: أخبرنا يزيد بن هارون، ثنا الأشعث، عن الشعبى، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى شريح أن لا يورث الجميل إلا ببينة وإن جاءت به فى خرقها. قلت: المراد من الجميل هو محمول النسب على الغير، بأن تقول المرأة: هذا الصبى ولد زوجى، أو يقول الرجل لآخر: هذا أخى. وهذا المقر له وارث فى حق هذا المقر دون غيرهم من المنكرين، إلا أن يقيم بينة فيكون وارثا فى حق الكل، هذا هو محمل ما روى ٤١٨ ج - ١٨ میراث المقر له بالنسب ٦٠٣٣- وقال الدارمى: أخبرنا أبو نعيم، قال: قلت لشريك: كيف ذكر فى عن عمر وغيره فى عدم توريث الحميل، رواه الدارمى عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وهو الصواب على المعنى الذى قلنا. وروى مالك عن سعيد بن المسيب، قال: أبى عمر أن يورث أحدا من الأعاجم إلا ما ولد فى العرب. رواه محمد فى "الموطأ". وقال: بهذا نأخذ لا يورث الحميل الذى يسبى وتسبى معه امرأة فتقول: هو ولدى، أو تقول: هو أخى، أو يقول: هى أختى، ولا نسب من الأنساب يورث إلا ببينة إلا الولد والوالد، فإنه إذا ادعى الوالد أنه ابنه، وصدقه فهو ابنه، ولا يحتاج فى هذا إلى بينة إلا أن يكون الولد عبدا، فيكذبه مولاه بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبدا حتى يصدقه المولی، والمرأة إذا ادعت الولد، وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها ولدته، وهو يصدقها وهو حر، فهو ابنها، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ. ويظهر من هذا الكلام أن محمدا حمل كلام عمر على معنى أن الأعاجم الذين يسبون لا يورثهم عمر؛ لأن نسبهم لا يثبت إلا بإقرار بعضهم لبعض، وإقرار بعضهم لبعض بالنسب ليس بحجة؛ لأنهم عبيد، وإقرار العبد إقرار على مولاه، أما إذا ولدوا بعد السبى يكون النسب ثابتا؛ لكونه معلوما عند الناس لا بالإقرار فقط، والله أعلم. قال العبد الضعيف: روى ابن حزم فى "المحلى": عن يحيى بن سعيد الأنصارى: أدركت الصالحين يذكرون: أن فى السنة أن ولادة العجم ممن ولد فى أرض الشرك ثم تحمل أن لا يتوارثوا. وعن عمر بن عبد العزيز؛ وعروة بن الزبير، وعمرو بن عثمان بن عفان، وأبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة، وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: لا يورث أحد بولادة الأعاجم إلا أحد ولد فى العرب اهـ (٣٠٣:٩)، وأعله بالانقطاع، وليس بعلة عندنا لا سيما إذا كان له طرق عديدة یقوی بعضها بعضا، وههنا كذلك. وأما قوله: وما ورث عمر ولده عبد الله، وأم المؤمنين حفصة إلا بولادة الشرك. ففيه أنه ليس معنى قول عمر وعثمان: إنه لا يرث أحد بولادة الشرك، ما فهمه ابن حزم، وإنما معناه أن نسب الأعاجم إذا سبوا لا يثبت بإقرارهم بالولادة التى كانت فى العجم إلا ببينة عادلة؛ لما مر أن إقرار العبد إقرار على مولاه، وليس بحجة، أما إذا ولدوا فى أرض الشرك وهاجروا، أو أسلموا ولم يجبر عليهم الرق، تكون أنسابهم ثابتة؛ لأنه ليس من إقرار العبيد على الموالى، بل من إقرار الأحرار على الأحرار، وإذا ولدوا فى دار الإسلام بعد السبى يكون النسب ثابتا بالولادة؛ لكونها معلومة عند الناس، يدل على ذلك ما روى ابن حزم من طريق عبد الرزاق: نا معمر، عن سفيان الثورى، عن ٤١٩ ميراث المفقود إعلاء السنن الأخوين يدعى أحدهما أخا؟ قال: يدخل عليه فى نصيبه، قلت: من ذكره؟ قال: جابر، عن عامر، عن على. مجالد، عن الشعبى، عن شريح: أن عمر بن الخطاب كتب إليه: أن لا يورث الجميل إلا ببينة. ومن طريق عبد الرزاق: نا معمر، أخبرنى عاصم بن سليمان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يتوارث الحملاء فى ولادة الكفر. فعاب ذلك عليه الحسن، وابن سيرين، وقالوا: ما شأنهم أن لا يتوارثوا إذا عرفوا وقامت البينة؟ (قلت: فإذن لا يكون التوارث بالولادة، بل بالبينة، ولا ينكره عمر بن عبد العزيز) ومن طريق حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن ابن سيرين والحسن قال جميعا: إذا قامت البينة، ورث الحميل، ومن طريق حماد بن سلمة: عن الحجاج وحماد بن أبى سليمان، أو أحدهما: عن الشعبى والنخعى قالا جميعا: لا يورث الحميل إلا ببينة، وهو قول الثورى، وأبى حنيفة، وأبى سليمان، وأصحابهما اهـ ملخصا (٣٠٣:٩). ١ باب ميراث المفقود قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله، لا من مات قبل ذلك ولو بيوم، واختلفوا فيمن مات وفى ورثته مفقود، فمذهب أحمد وأكثر الفقهاء على أنه يعطى كل وارث من ورثته اليقين، ويوقف الباقى حتى يتبين أمره، أو تمضى مدة الانتظار، فتعمل المسألة على أنه حى، ثم على أنه ميت، وتضرب إحداهما فى الأخرى إن تباينتا، أو فى وفقهما إن اتفقتا، وتجتزا بإحداهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما إن تناسبتا، وتعطى كل واحد أقل النصيبين، ومن لا يرث إلا من إحداهما لا تعطيه شيئا، وتقف الباقى، ولهم أن يصطلحوا على ما زاد على نصيب المفقود اهـ (٢٠٨:٧). قلت: وقد تقدم فى باب المفقود من الجزء الثالث عشر أن المفقود نوعان: أحدهما: الغالب من حاله الهلاك، ومن يفقد فى مهلكة، كالذى يفقد بين الصفين. والثانى: من ليس الغالب هلا كه، كالمسافر لتجارة، أو طلب علم، أو سياحة، ونحو ذلك، ولم يعلم خبره، ولم يفرق سائر أهل العلم بين الصورتين وبين سائر صور الفقدان فيما علمنا، إلا أن مالكا والشافعى - رحمهما الله تعالى- فى القديم، قالا فى الزوجة: إنها فى الصورة الأولى تعتد عدة الوفاة بعد التربص به أربع سنين بأمر الحاكم، فتحل للأزواج، والأظهر من مذهبه مثل قول الباقين، فأما ماله فاتفقوا على أنه لا يقسم ٤٢٠ ج - ١٨ باب میراث من لا وارث له ٦٠٣٤- عن عبد الرحمن بن عمرو، قال: مات مولى على عهد عثمان ليس له والى، فأمرهما له فأدخل بيت المال، رواه الدارمى. ٦٠٣٥- وعن مسروق فى رجل مات ولم يكن له مولى عتاقة: ماله حيث أوصى به، فإن لم يكن أوصى فهو فى بيت المال، رواه الدارمى. حتى تمضى مدة لا يعيش فى مثلها. وقال أحمد: إنه ينتظر به أربع سنين فى الصورة الأولى، فإن لم يظهر له خبر قسم ماله، واعتدت امرأته عدة الوفاة، وحلت للأزواج؛ لاتفاق الصحابة - رضى الله عنهم - على تزويج امرأته، وإذا ثبت ذلك فى النكاح مع الاحتياط للإيضاع ففى المال أولى. ولنا أن عليا رضى الله عنه خالفهم، فقال: هى امرأة ابتليت، فلتصبر حتى يتبين موته أو طلاقه وقد صح رجوع عمر رضى الله عنه إلى قول على رضى الله عنه كما مر فى باب المفقود من هذا الكتاب. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: بلغنى أن ابن مسعود وافق عليا على أنها تنتظره أبدا، فأين الإجماع؟ وأيضا فقد أجمعوا على أنه لا يقسم ماله حتى تمضى مدة لا يعيش إلى مثلها فى الصورة الأخرى، وهى ما إذا لم يكن الغالب هلاكه، ولم يفرق عمر رضى الله عنه بينها وبين سائر صور الفقدان، فمن أين لأحمد ومن وافقه أن يفرقوا بينها برأيهم من غير توقيف؟ وأيضا فإن امرأة المفقود إذا تعذر الإنفاق عليها من ماله فلها أن تطلب فسخ النكاح، فيفسخ نكاحه قبل تمام أربع سنين عند القائلين بجواز فسخه بالإعسار، ولا يقسم ماله بين الورثة قبل تمامها اتفاقا؛ فبطل قياسهم قسمة المال على جواز النكاح، والفارق أن جواز النكاح إنما هو للضرورة؛ فإن المرأة لا تكاد تصير عن الزوج والنفقة، ولا ضرورة فى قسمة المال، فافهم، ظ. باب میراث من لا وارث له قوله: "عن عبد الرحمن" إلخ: قال العبد الضعيف: روى الحاكم فى "المستدرك" من طريق ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة - رضى الله عنها- عن رسول الله عَ لّه، قال: ((الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له))، وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى (٣٤٤:٤). وروى البيهقى فى "سننه": من طريق يزيد بن هارون: أنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن محمد بن المنتشر، عن مسروق، قال: أتيت عبد الله يعنى ابن مسعود، فقلت: إن رجلا كان