النص المفهرس

صفحات 361-380

ج - ١٨
ميراث الخنثى
٣٦١
وحكى عن على والحسن أنهما قالا: تعد أضلاعه، فإن أضلاع المرأة أكثر من الرجل بضلع،
قال ابن اللبان: فلو صح هذا لما أشكل حاله، ولما احتيج إلى مراعاة المبال، وقال جابر بن زيد: يوقف
إلى جنب حائط، فإن بال عليه فهو رجل، وإن شلشل بين فخذيه فهو امرأة، وليس هذا تعويل،
والصحيح ما ذكرناه، إن شاء الله تعالى (من مراعاة المبال)، وأنه يوقف أمره ما دام صغيرا، فإن
احتيج إلى تقسيم الميراث أعطى هو ومن معه اليقين، ووقف الباقى إلى حين بلوغه، فتعمل المسألة
على أنه ذكر ثم على أنه أنثى، وتدفع إلى كل وارث أقل النصیبین، ونقف الباقى حتى يبلغ، فإن
مات قبل بلوغه، أو بلغ مشكلا فلم تظهر فيه علامة ورث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى.
عند أحمد، وهو قول ابن عباس، والشعبى، وابن أبى ليلى، وأهل المدينة ومكة، والثورى،
واللؤلؤى، وشريك، والحسن بن صالح، وأبى يوسف، ويحيى بن آدم، وضرار بن صرّد، ونعيم بن
حماد، وورثه أبو حنيفة بأسوأ حالاته، وأعطى الباقى لسائر الورثة، وأعطاه الشافعى ومن معه
اليقين، ووقف الباقى حتى يتبين الأمر أو يصطلحوا.
قال: ولنا قول ابن عباس، ولم نعرف له من الصحابة منكر، ولأن حالتيه قد تساوتا، فوجبت
التسوية بين حكميهما، وليس توريثه بأسوأ أحواله بأولى من توريث من معه بذلك، فتخصيصه
بهذا تحكم لا دليل عليه أهـ ملخصًا (١١٦:٧).
قلنا: لو ثبت ذلك عن ابن عباس لم نخالفه إلى غيره، ولعله لم يثبت عنه؛ فإن أصحابنا
لم ينسبوا هذا القول إلا إلى الشعبى وحده، وأخذ به أبو يوسف منا، وجه قوله أن حاله متردد،
والأصل فى المسائل اعتبار الأحوال عند التردد، ويتوزع المستحق على الأحوال.
والجواب أن اعتبار الأحوال يبتنى على التيقن بالسبب، وسبب استحقاق الميراث الفرضية
والعصوبة، ولا يتيقن بواحد من السببين بهذا المشكل، وبدون التيقن بالسبب لا يعتبر الأحوال؛
فلا يعطى إلا القدر الذى يتيقن بأنه مستحق له (المبسوط ٩٣:٣٠)، ولأن الأقل ثابت بيقين، وفى
الأكثر شك؛ فلا يثبت الاستحقاق مع الشك على الأصل المعهود فى غير الثابت بيقين أنه لا يثبت
بالشك (بدائع ٣٢٨:٧).
وقول الموفق: إن حالتيه قد تساوتا ممنوع، فإن الشخص الواحد لا يكون ذكرا وأنثى معا،
فالأقل المتيقن به هو الراجح، وقوله: "توريثه بأسوأ أحواله ليس بأولى من توريث من معه بذلك"
ظاهر البطلان؛ فإن التردد إنما هو فى حال الخنثى دون غيرها، وإنما وقع التردد فى قدر انصباءهم

٣٦٢
إعلاء السنن
باب توريث المرأة عن عقل زوجها
٥٩٩٩- عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة
من دية زوجها شيئا. فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابى أن رسول الله عّ له كتب إليه:
((أن ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها))، رواه الترمذى وقال: هذا حديث حسن
صحيح.
من جهتهما، فكيف يكون تخصيصه بهذا الحكم تحكما من غير دليل، فافهم، والله يهدينا وإياك
سواء السبيل.
باب توريث المرأة عن عقل زوجها
قوله: "عن سعيد بن المسيب" إلخ: قلت: وهو مذهب أبى حنيفة، ثم هذا الحديث يدل على
أن عمر كان يجتهد ويفتى برأيه، وهو مذهب أبى حنيفة أيضا، ثم هو يدل على أنه لو ظهر نص
على خلاف رأى المجتهد وجب ترك الرأى والرجوع إلى النص، وهو مذهب أبى حنيفة أيضا، ثم
هو يدل على أن حكم الزوج مثل حكم الزوجة بالقياس، وهو مذهب أبى حنيفة أيضا، ثم اعلم أن
منشأ قول عمر لم يكن رأيا صرفا، بل رأيا مأخوذا من قوله مرّه: ((الغنم بالغرم))، ففهم منه رضى
الله عنه أن العصبة لما كانوا متحملين للدية ينبغى أن يكونوا وارثين للدية له؛ لأن الغنم بالغرم، فدل
ذلك على أن الرأى المأخوذ من النص لا يجب أن يكون صوابا، بل قد يكون خطأ، وحينئذ لا
يكون مدلولا للنص، وإذ لم يجب أن يكون الرأى المأخوذ من النص صوابا ومدلولا للنص، ثبت
خطأ أهل الظاهر الذين يأخذون الآراء الفاسدة من النصوص، ويجعلونها مدلولة للنصوص
بجهلهم، ويظنون أن ما يقولونه إنما يقولونه من النصوص دون الآراء، وهذا خطأ آخر، عفا الله
عنا وعنهم.
وأخرج الدارمى عن عمر، وعلى وزيد، قالوا: الدية يورث، كما يورث المال، وعن أبى
قلابة قال: الدية سبيلها سبيل الميراث، وعن إبراهيم قال: الدية على فرائض الله، وعن ابن شهاب
قال: العقل ميراث بين ورثة القتيل على كتاب الله وفرائضه. قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى
"المحلى": اختلف الناس فى كيف تورث الدية، فقالت طائفة: الدية للعصبة، وقال آخرون: هى
لجميع الورثة، ثم أخرج من طريق أبى معاوية الضرير، عن ليث بن أبى سليم، عن أبى عمر
والعبدى، عن على بن أبى طالب، قال: تقسم الدية على ما يقسم عليه الميراث.
ومن طريق موسى بن معاوية: نا وكيع، عن سفيان، عن عمار، عمن سمع عليا: لقد ظلم

ج - ١٨
٣٦٣
باب فى الكلالة
٦٠٠٠- عن عاصم الأحول، عن الشعبى، قال: قال أبو بكر الصديق: إنى رأيت
من منع الإخوة من الأم نصيبهم من الدية، ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: نا عبد الرحيم بن
سليمان، عن الشعبى، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يرث من الدية كل وارث، والزوج والزوجة،
فى الخطأ والعمد.
قال ابن حزم: والقول الثانى كما روينا من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن
ابن المسيب، أنه قال عمر بن الخطاب: ما أرى الدية إلا للعصبة؛ لأنهم يعقلون عنه، فهل سمع أحد
منكم فى ذلك من رسول الله عَ ليه؟ فقال الضحاك بن سفيان الكلابى: كتب إلى رسول الله عد له:
((أن أورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها))، فأخذ عمر بذلك! وبه إلى عبد الرزاق: نا معمر،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه كان لا يورث الإخوة من الأم
من الدية شيئا اهـ ملخصا (٤٧٥:١٠). قلت: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فلا قياس بمعرض
النص، ولعل أبا سلمة لم يبلغه رجوع عمر رضى الله عنه عما قاله برأيه، والله تعالى أعلم.
وقال الموفق فى "المغنى": دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله، إلا أنه اختلف فيه عن على،
فروى عنه مثل قول الجماعة، وعنه لا يرثها إلا عصباته الذين يعقلون عنه، و کان عمر يذهب إلى
هذا، ثم رجع عنه لما بلغه عن النبى عّ لّه توريث المرأة من دية زوجها، ثم ذكر ما ذكرناه فى المتن
عن سعيد بن المسيب عنه، رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبى معَّ ◌ُلّ قضى
أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، وبإسناده عن ابن عباس، أن النبى عَ لّه قال: ((المرأة
ترث من مال زوجها وعقله، ويرث هو من مالها وعقلها ما لم يقتل واحد منهما صاحبه)) إلا أن
فى إسناده رجلا مجهولا، وقال إبراهيم: قال رسول الله عَ ليه: ((الدية على الميراث والعقل على
العصبة)) اهـ ملخصا (٢٠٤:٧). قلت: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أخرجه
الهيثمى فى "مجمع الزوائد"، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات اهـ (٢٣٠:٤)، وفيه أيضا عن أنس
ابن مالك رضى الله عنه: أن قتل أشيم كان خطأ، رواه الطبرانى ورجاله رجال "الصحيح".
باب فى الكلالة
قوله: "عن عاصم الأحول" إلخ: قلت: هنا مباحث: الأول فى شرح قول أبى بكر:"إنى

٣٦٤
باب فى الكلالة
إعلاء السنن
فى الكلالة رأيا فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمنى ومن
رأيت فى الكلالة رأيا" ، فنقول: تحقيق هذا القول أن الله تعالى ذكر الكلالة فى موضعين من كتابه،
وورث فى موضع منه الإخوة من الأم، وفى موضع آخر الإخوة من الأب والأم، أو من الأب فقط،
فإن لم يكن وجود الأب مانعا من كون المسألة كلالة لزم حرمان الأب فى بعض الصور للإخوة،
وهو باطل، أما لزوم حرمان الأب فلأنه لو ماتت امرأة عن زوج، وأب وأخت لأب مثلا، كان
النصف للزوج، والنصف للأخت، فلا يبقى للأب شىء، فيلزم الحرمان لا محالة، وكذا لو ماتت
امرأة عن زوج، وأبوين، وإخوة لأم، يكون النصف للزوج، والسدس للأم، والثلث للإخوة من
الأم، فلا يبقى للأب شىء فيلزم الحرمان.
وأما بطلان حرمان الأب بالإخوة فلأن الأب لا يحرم بولد الميت، فكيف يحرم بولد نفسه؟
وأيضا هو لا يحرم بأم الميت نفسها، فكيف بأولادها؟.
وأشار شمس الأئمة السرخسى فى "المبسوط" إلى هذا الاستدلال، حيث قال: اتفق أكثر
الصحابة أبو بكر، وعلى، وزيد، وابن مسعود: أن الكلالة ما عد الوالد والولد، وهو قول جمهور
العلماء، وقد روى ذلك عن ابن عباس، وقد صح عنه فى زوج وأبوين أن للأم ثلث جميع المال،
ولا يظن به أنه يسقط الأب بالأخ، ولا أنه ينقص نصيبه من السدس بسبب الأخ ولم يبق السدس،
يعنى أن الله تعالى أثبت للأخ لأم السدس إذا كانت المرأة كلالة، وأما إذا ماتت المرأة عن زوج،
وأبوين، وأخ لأم، فعلى قول ابن عباس للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، ولم يبق إلا
السدس، فلو كانت المسألة كلالة مع قيام الأب عنده لصار ذلك السدس للأخ لأم، فيصير الأب
محجوباً بسبب الأخ لأم، ولا يظن به هذا اهـ.
ووجه الإشارة ظاهر؛ لأنه جعل لزوم حرمان الأب بسبب الأخ سببا لعدم كون المسألة
كلالة مع قيام الأب، وهو عين ما قلنا. وكذا لو مات رجل عن أب وأخ، فلو أعطى المال كله للأب
يلزم حرمان الأخ، مع أن المسألة كلالة بالفرض، ولو أعطى المال كله للأخ يلزم حرمان الأب، وقد
عرفت بطلانه، ولو جعل المال بينهما نصفين يلزم توريث العصبة البعيدة مع العصبة القريبة، وهو
خلاف أصول الفرائض؛ لأن من أصولها حجب الأبعد بالأقرب، لا سيما إذا كان الأقرب مدلى به
كما فيما نحن فيه، فثبت أن الكلالة ما خلا الأب، وكذا ثبت أنها ما خلا الجد؛ لأن الجد عند عدم
الأب يقوم مقام الأب، ويلزم فيه مفاسد كانت تلزم فى الأب؛ فثبت أن الكلالة ما خلا الوالد.
بقى أن الكلالة ما خلا الولد فيقال: إن الوالد لما كان حاجبا للإخوة لزم أن يكون الولد

٣٦٥
ج - ١٨
باب فى الكلالة
الشيطان، والله منه برىء، أن الكلالة ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر قال: إنى
حاجباً بالأولى؛ لأن الولد أقرب إلى الميت من أبيه، وحجب الأقرب أولى من حجب الأبعد؛ فثبت
أن الكلالة ما خلا الولد، فثبت قول الصديق بكلا جزئيه، وهو المدعى.
ولك أن تقول فى وجه الاستدلال أنه تعالى قال: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها
نصف ما ترك﴾ إلى آخر الآية، فدل بذلك أن عند عدم الولد للميت يقوم ولد أبيه مقام ولده،
فتقوم الأخت مقام البنت، والأختان مقام البنتين، والإخوة الرجال والنساء مقام البنات والبنين،
ويظهر منه اشتراط عدم الأب؛ لأن عند وجود الأب الأب أحق بالقيام مقام ولد الميت فى الوراثة
من أولاد نفسه، فلما ثبت اشتراط عدم الأب فى ميراث الإخوة للأب، ثبت اشتراطه فى ميراث
الإخوة للأم بالأولى؛ لأن أولاد الأب أقوى من أولاد الأم، فمن كان حاجبا للأقوى يكون حاجبا
للأضعف بالأولى، فثبت أن الكلالة ما خلا الوالد
بقى أنها ما خلا الولد فلأن الله تعالى شرط فى توريث الإخوة للأب عدم الولد، ومعلوم أن
الإخوة للأب أقوى من الإخوة للأم، فيشترط فى توريثهم عدم الولد بالأولى؛ لأن الولد إذا كان
حاجبا للأقوى يكون حاجبا للأضعف بالأولى، فثبت أن الكلالة ما خلا الولد، فثبت قول الصديق
بکلا جزئیه، وهو المدعى.
ويمكن أن يقال: إن الأخ للأب يسقط بالأب؛ لأن العصبة البعيدة تسقط بالعصبة القريبة،
ويلزم منه سقوط الأخت للأب؛ لأن الأخت أضعف من الأخ، ويلزم منه سقوط الأخت للأم؛
لأنها أضعف من الأخت للأب، ويلزم منه سقوط الأخ للأم؛ لأنه مثل الأخت للأم، وأما أن الأخت
أضعف من الأخ فلان الأخ يحولها عن فرضها ويجعلها عصبةً؛ لئلا تصير سببا لحرمانه أو نقصان
حظه منها، وأما ضعف الأخت للأم فلأن فرضها نصف فرض الأخت للأب، وأما كون الأخ للأم
مثل الأخت للأم فلكون فرضه مثل فرضها، فتبت سقوط الإخوة والأخوات كلها بالأب، ويلزم
منة سقوطها بالجد؛ فثبت أن الكلالة ما خلا الوالد، ويلزم من سقوطها بالأب والجد شقوطها بالولد
بالأولوية، فثبت أن الكلالة ما خلا الولد والوالد، وهو المدعى، هذا هو تحقيق قول أبى بكر رضى
الله عنه عندى.
والبحث الثانى: فى تحقيق قول عمر: "إنى لأُستحبى من الله أن أخالف أبا بكر فى رأى
رآه"، فنقول: تحقيقه أن رأى عمر كان مخالفا لرأى أبى بكر، إلا أنه كان يستحبى من المخالفة
عملا، وليس معناه أنه كان يوافقه فى هذا الرأى ويرى ما كان يرى أبو بكر؛ لأنه لا معنى للمخالفة

٣٦٦
باب فى الكلالة
إعلاء السنن
لأستحیی من الله أن أخالف أبا بکر فی رأی رآه، رواه ابن جرير.
عند الموافقة، ولا للاستحياء من المخالفة، ولكن هذه المخالفة لم يكن فى الأب ولا فى الولد، بل فى
الجد فقط، فأبو بكر كان يقول: الكلالة ما خلا الولد والأب والجد، وعمر كان يقول: الكلالة ما
خلا الولد والأب فقط، والدليل عليه أن خلافه فى الجد مشهور، ولا يعرف عنه المخالفة فى الأب
ولا فی الولد. فإن قلت: قد روى عنه فی الکلالة أنها ما خلا الولد والوالد، وروی عنه أیضا أنه
قال: إنها ما خلا الأب، وروى عنه أيضا أنه قال: إنها ما خلا الولد، وروى عنه أيضا أنه قال: إنى
لم أقض فى الكلالة بشىء، فما وجه التوفيق من هذه الأقوال؟
قلنا: ما روى عنه أنه قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد، فالمراد من الوالد الأب فقط دون
الأب والجد، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه الموافقة لأبی بکر؛ لأنه کان یستحبی من
المخالفة، وما روى عنه أنه قال: الكلالة ما خلا الأب، فليس معناه أن ما سوى الأب كلهم كلالة ابنا
كان أو ابن الابن أو الجد، بل معناه أن الأب ليس من الكلالة، وأما غير الأب فمسكوت عنه،
فكذا قوله: الكلالة ما خلا الولد، ليس معناه أن ما سوى الولد كلهم كلالة، أبا كان أو جدا؛
لأنه صرح بأن الأب ليس بكلالة، بل معناه أن الولد ليس بكلالة وأما غير الولد فمسكوت
عنه، وما روى عنه أنه لم يقض فى الكلالة بشىء، فمعناه إنى لا أثق بما قضيت فى الجد، فاتفق
الأقوال كلها.
والبحث الثالث: فى تحقيق مذهب ابن عباس فى الكلالة، فنقول: روى ابن جرير عن ابن
عباس أنه ورث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين، واستنبط منه أن الكلالة عنده ما خلا الولد، ثم
قال: قد روى عنه خلاف ذلك، وهو أن الكلالة ما خلا الولد والوالد، فقد جعل ابن جرير عن ابن
عباس روايتين، وهو خطأ، والصواب أن الكلالة عنده ما خلا الولد والوالد رواية واحدة، وما روى
عنه من توريث الإخوة من الأم السدس مع الأب، فليس لأن الأب لا يحجبهم عن الميراث؛
لأنه لو کان کذلك لورثهم فرضھم وهو الثلث، ولم يورثهم السدس فقط، و کذلك ورث
الأخت لأب وأم أو لأب فقط مع الأب مع أنه ليس الأمر كذلك؛ فظهر أن هذا التوريث ليس مبنيا
على ما فهمه ابن جرير من توريث الإخوة لأم مع قيام الأب، بل هو مبنى على تشريك أولاد الأم
وهو فى فرض الأم وهو الثلث، والمعنى أن الأبوين إذا انفردا عن الإخوة فللأم الثلث، وإن اجتمع
مع الأخت لأم أو الأخ لأم فللأم الثلث أيضا، وإذا اجتمع مع الإخوة فللأم السدس، وللإخوة
السدس تكملة لنصیب الأم، هذا هو تحقیق مذهب ابن عباس.

ج - ١٨
باب فى الكلالة
٣٦٧
والبحث الرابع: فى تحقيق المراد من الولد فى قوله تعالى: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد﴾،
فقال بعضهم: المراد منه الابن وابن الابن، أعنى الذكور من الأولاد، قال آخرون: المراد أعم من
الذكور والإناث، وحجة من قال بأنه خاص بالذكور أن الأخت ترث مع البنت، فلو كان المراد من
الولد أعم لم ترث معها؛ لأن عدم الولد شرط فى ميراث الأخت، وهنا الشرط غير موجود، وهو
ليس بحجة؛ لأن عدم الولد شرط للميراث الخاص، وهو أن يكون للأخت النصف بالفرض،
وللأختين الثلثان بالفرض، وللإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين بالعصوبة، لا لمطلق الميراث، وهذا
الميراث الخاص لا يثبت للأخت مع البنت؛ لأن ما تأخذ الأخت أو الأختان مع البنت أو البنتين
إنما تأخذ بالعصوبة لا بالفرض، فلا تتم الحجة.
واحتجوا أيضًا بأنه قال تعالى: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾، ومعناه بالاتفاق إن
لم يكن لها ابن؛ لأن الأخ يرث مع الابنة، فلزم أن يكون المراد فى قوله: ﴿ليس له ولد﴾ أيضا
الابن، وهذه الحجة فاسدة أيضا؛ لأن معنى قوله: ﴿هو يرثها﴾ أنه يأخذ مالها كله، وهو موقوف
على أن لا يكون لها ابن ولا ابنة، فليس المراد من الولد الابن فقط، بل أعم من الابن والابنة،
ودعوى الاتفاق باطل، فلا تتم هذه الحجة أيضا.
وحجة من قال بعموم الولد أنه يشتمل الذكور والإناث، ولا دليل على الخصوص، فيكون
العموم مرادا بالضرورة، وهو الحق إن شاء الله تعالى، ثم اختلف القائلون بالعموم، فقال ابن عباس:
الأخت لا ترث مع البنت؛ لأن الله تعالى شرط عدم الولد فى ميراث الأخت، وقال غيره: الأخت
ترث مع البنت؛ لأن عدم الولد شرط فى الميراث الخاص، وهو الأخذ بالفرض لا فى مطلق الميراث،
وهو الحق، والله أعلم.
والبحث الخامس: فى بيان أقوال المفسرين فى آيتى الكلالة، فنقول: قال الرازى فى "التفسير
الكبير": احتج عمر بن الخطاب بقوله تعالى: ﴿إِن امرؤ هلك ليس له ولد﴾ على أن الكلالة من
لا ولد له فقط، قال: لأن المذكور ههنا فى تفسير الكلالة هو أنه ليس له ولد، إلا أنا نقول: هذه
الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد، وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة
والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين،
فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين اهـ، وفيه أن قيد فقط ليس من كلام عمر، ولا
معنى كلامه ما فهمه الرازى، بل معناه ما قد بيناه سابقا، ثم قوله: لا شك أن الإخوة والأخوات لا

٣٦٨
باب فى الكلالة
إعلاء السنن
يرثون حال وجود الأبوين، دعوى لم يثبتها بدليل، فلا تقوم حجة فى محل النزاع. ثم قوله: حال
وجود الأبوين إن أراد به الأب والجد فلا يصح؛ لأن النزاع فى الجد مشهور، وأما الأب فإن لم
تعرف فيه نزاعا إلا أنه لا يجعله مانعا من توريث الإخوة والأخوات من يقول بأن الكلالة من ليس.
له ولد فقط، فلا بد من دليل يكون حجة عليه، وإن أراد أن المراد به الأب والأم، فإن أراد كل
واحد منهما فخطأ؛ لأن الأم ليست بمانعة من توريث الإخوة، وإن أراد المجموع فذكر الأم حشو
موهوم للفساد، فتدبر.
وقال الزمخشرى: من حكم انتفاء الوالد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة، وهو قوله
عليه السلام: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر))، والأب أولى من الأخ اهـ وفيه
أن السنة لا يدل على حكم الأخت والأختين مع الأب، فبيان السنة ليس بشاق، بل هو يدل على
خلاف المقصود، لأن مقتضى قوله: ((ألحقوا الفرائض بأهله)) أن يكون عند عدم الولد للأخت
النصف، وللأختين الثلثان بالفرض، والباقى لأولى رجل ذكر، وهو الأب، وحينئذ لا يدل السنة
علی حکم انتفاء الوالد.
ثم قال الزمخشرى: ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الولد
أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا أورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد
اهـ وفيه أنه لا كلام فى أن الأخ يرث عند عدم الولد والوالد، وإنما الكلام فى أن الأخ والأخت
يرثان عند عدم الولد ووجود الوالد أم لا، وهذا لا بيان له فيما قاله؛ لأن اشتراط عدم الأقرب وهو
الولد فی الميراث لا يدل على اشتراط عدم الأبعد وهو الوالد؛ فلا یکون قوله: «ليس له ولد)) بیانا؛
لأنه يشترط فيه عدم الوالد أيضا. وقال الخازن: بيانه عند عامة العلماء مأخوذ من حديث جابر بن
عبد الله؛ لأن الآية نزلت فيه، ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن اهـ، وهو كلام ساقط؛ لأن عدم
الولد والوالد لجابر رضى الله عنه لا تدل على الاشتراط كعدم الأم، وأم الأم، وأم الأب وغيرهم.
وقال أبو السعود: اقتصر على ذكر عدم الولد مع أن عدم الوالد أيضا معتبر فى الكلالة لغة؛ بظهور
الأمر ودلالة تفصيل الورثة عليه اهـ، وفيه أن هذا كلام مجمل ومبهم لا يدل على وجه اعتبار عدم
الوالد مع اعتبار عدم الولد.
وقال السرحسى فى "المبسوط": إن المراد بقوله عز وجل: ﴿ليس له ولد﴾ الوالد ومن يقوم
مقام الولد، ألا ترى أن من له ولد ابن لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد؟ فكذلك من له

ج - ١٨
باب فى الكلالة
٣٦٩
أب لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد اهـ، وفيه أن مقتضى هذا الكلام أن من يكون له أخ
أو أخت من الأب لا يكون كلالة؛ لأن الإخوة والأخوات للأب يقومون مقام الولد عند عدمه
كما صرح به السرخسى أيضا، واللازم باطل بالنص، فالملزوم مثله.
وقال السرخسى أيضا: قيل: المراد من الولد ما يشمل الولد والوالد؛ لأنه مأخوذ من الولادة،
فيشمل الوالد والمولود، كالذرية تشمل المذرى والمذرى منه اهـ، وهو عجيب؛ لأن لغة العرب
لا يساعده، ولو سلم فهو يشمل الأمهات لأنها والدات، والأخوات والإخوة؛ لأنهم
يتولدون من الآباء والأمهات، وهو كما ترى، بالجملة ما رأيت فى تفسير أيتى الكلالة كلاما
محققا عندی، والله أعلم.
والبحث السادس: أن الله تعالى لم يذكر قوله: ﴿ليس له ولد﴾ فى آية الشتاء وذکره فی آیة
الصيف، والوجه أن المقصود فى آية الصيف أمران: أحدهما: بيان حكم الكلالة.
وثانيهما: بيان أن وراثة الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب فقط، هذا الميراث
المخصوص من جهة أن أولاد أبى الميت يقوم مقام أولاد الميت عند عدمهم، فللتنبيه على الأمر الثانى
زاد قوله: ﴿ليس له ولد﴾ فى هذه الآية، ولم يزد هذا اللفظ فى آية الشتاء؛ لأن المذكور فيه وراثة
الإخوة للأم والأخوات، وليس فيها جهة النيابة من أولاد الميت، فلم يحتج فيها إلى ذكر هذا
اللفظ، وتحقق بهذا البيان أن قوله: ﴿ليس له ولد﴾ فى آية الصيف وإن حصل به شرح لفظ الكلالة
فى الجملة إلا أنه ليس المقصود منه شرح اللفظ المذكور، بل المقصود هو التنبيه على أن هذا الميراث
المخصوص للإخوة المذكورين من جهة النيابة عن ولد الميت، وحينئذ لا يتوجه أن يقال: إنه تعالى
كيف ذكر عدم الولد ولم يذكر عدم الوالد مع أن عدمه أيضا معتبر؟ ووجه عدم التوجه ظاهر؛ لأن
هذا إنما يتجه لو قلنا: إن المقصود منه شرح لفظ الكلاة، مع أنا لا نقول به، بل نقول: إن المقصود
منه التنبيه المذکور.
فإن قلت: لما كان نيابة الإخوة والأخوات عن الولد مشروطة بعدم الوالد فلم لم يذكر هذا
الشرط.
قلنا: بيان الشرائط والموانع ليس بمقصود فى الآية حتى يتجه ما ذكر، ثم هذا الشرط
ظاهر غير محتاج إلى البيان؛ لأنه لا شك أن الأب أولى من أولاده بالقيام مقام أولاد الميت فى
أخذ الميراث، وإذا كان كذلك فاشتراط عدمه فى نيابتهم ظاهر لا يخفى، ولذا لم يقع الخلاف

٣٧٠
باب فى الكلالة
إعلاء السنن
فيه من أحد، وإنما وقع الخلاف فى الحد فقط، كما قد بينا، فلما كان الأمر بينا لم يحتج إلى
البيان، والله أعلم.
والبحث السابع: فى تحقيق الحديث المرفوع فى معنى الكلالة، فنقول: روى الحاكم بسند
فيه يحيى الحمانى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة: إن رجلا قال: يا رسول الله! ما الكلالة؟ قال:
((أما سمعت الآية التى نزلت فى الصيف؟ ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة﴾، والكلالة
من لم يترك ولدا ولا والدا))، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبى،
فقال: الحمانى ضعيف، ورواه عبد بن حميد، وأبو داود فى المراسيل، والبيهقى عن أبى سلمة بن
عبد الرحمن مرسلا، كما فى "الدر المنثور"، ولم أقف على سنده، وأخرج أبو الشيخ فى
الفرائض عن البراء بن عازب، أنه قال: سئل رسول الله عَّه عن الكلالة؟ فقال: ((ما خلا الولد
والوالد))، كما فى "الدر المنثور".
والتحقيق عندى أنه لم يثبت عن النبى معَّ حديث فى معنى الكلالة، وتفسير آية الصيف
فى رواية الحاكم وغيره، وكذا قوله: ((الكلالة من لم يترك ولدا ولا والدا))، ليس من كلام
النبى عّ لّه، وإنما هو تفسير من أحد من الرواة من عند نفسه، نسبه إلى النبى عّ لّر على وجه الرواية
بالمعنى. وكذا رواية أبى الشيخ عن البراء من قبيل الرواية بالمعنى على ظن الراوى، أن ما يرويه عنه
هو معنى كلامه. والدليل عليه أنه روى ابن جرير عن أبى سلمة الرواية المذكورة، وليس فيه تفسير
آية الصيف بقوله: ﴿يستفتونك﴾ إلخ، بل تفسيره فيه بقوله: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ إلخ،
فظهر أن تفسير آية الصيف ليس من كلام النبى ◌ّ ◌ُلّ، بل هو كلام الرواة فقط، وليس فيه قوله:
((الكلالة من لم يترك ولدا ولا والدا)) أيضا.
وأيضا روى أحمد وغيره عن البراء أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله عَ ليه، فسأله عن
الكلالة؟ فقال: ((تكفيك آية الصيف))، وليس فيه ما روى أبو الشيخ عنه، فهذا يدل ظاهرا على ما
قلنا: إن ما رواه الحاكم وغيره عن أبى سلمة وأبو الشيخ عن البراء ليس من كلام النبى عّ لّه، وإنما
هو تصرف من الرواة، ألا ترى أنه لو كان عند أبى هريرة أو البراء شىء من النبى معَ ◌ّه لم يلجأ أبو
بكر رضى الله عنه إلى القول بالاجتهاد؟ وكذا لم يخف ذلك على عمر مع أنه رضى كان يخطب
على المنبر، ويقول: ((إنى والله ما أدع بعدى شيئا هو أهم إلى من أمر الكلالة، وقد سألت عنها
رسول الله عَ ليه؟ فما أغلظ لى فى شىء ما أغلظ لى فيها، حتى طعن فى نحرى، وقال: ((تكفيك آية

ج - ١٨
باب فى الكلالة
٣٧١
الصيف التى أنزلت فى آخر سورة النساء)). رواه ابن جرير، وهذا يدل على النبى عّ لّه لم يزد لعمر
مع إصراره على قوله: ((تكفيك آية الصيف)) فكيف بغيره؟ ولو سلم فأبو هريرة والبراء ما كانا
بعيدين عنه، فلو كانا يعرفان عن النبى معَِّ فى معنى الكلالة شيئا لأخبراه به، ولم يفعلا ذلك، فدل
ذلك أنه تصرف من الرواة، كما قلنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: ما أجرأ بعض الأحباب على تخطئة الرواة برأيه من غير دليل، ومن
حسن إسلام المرء إذا كان لا يعلم شيئا أن يكله إلى عالمه، وحديث البراء أخرجه البيهقى من طريق
أبى داود: ثنا منصور بن أبى مزاحم، ثنا أبو بكر، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: جاء
رجل إلى النبى معَّ فقال: يا رسول الله! يستفتونك فى الكلالة فما الكلالة؟ قال: ((تجزئك آية
الصيف)).
قلت لأبي إسحاق: هو من مات ولم يدع ولدا ولا والدا؟ قال: كذلك ظنوا أنه كذلك،
والحديث موجود فى "سنن أبى داود مع العون" (٧٩:٣)، وهو صريح فى أن تفسير الكلالة
لم يروه أبو إسحاق عن البراء عن النبى عّ لّه مرفوعا، وإنما رواه عن العلماء، فكان على بعض
الأحباب أن يعتمده، ولا يرد الحديث برأيه.
وحديث أبى سلمة بن عبد الرحمن مرسلا رواه البيهقى من طريق أبى داود أيضا: ثنا حسين
ابن على بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، ثنا عمار بن رزيق، عن أبى إسحاق، عن أبى سلمة بن عبد
الرحمن، قال: جاء رجل إلى النبى عّ لّه، فقال: يا رسول الله! يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة
فما الكلالة؟ قال: ((من لم يترك ولدا ولا والدا، فورثته كلالة)).
قال أبو داود: وروى عمار عن أبى إسحاق عن البراء فى الكلالة، قال: ((تكفيك آية
الصيف))، قال الشيخ: هذا هو المشهور، وحديث أبى إسحاق عن أبى سلمة منقطع وليس
بمعروف اهـ (٢٢٤:٦).
فتراه لم يقل كما قال بعض الأحباب: إنه من تصرف الرواة، وإنما أعله بالانقطاع والغرابة،
هذا هو الأدب، ومن أين لبعض الأحباب أن يرد هذه الرواية؟ وقد حقق من قبل أن عمر لم يخالف
أبا بكر فى الأب ولا فى الولد، بل فى الجد فقط، فأبو بكر كان يقول: الكلالة ما خلا الولد
والوالد، والجد داخل فى الوالد، وكان عمر يقول: الكلالة ما خلا الولد والأب فقط، واستدل
لذلك بأن خلاف عمر فى الجد مشهور، ولم يعرف عنه المخالفة فى الأب ولا فى الولد، وإذا كانٍ

٣٧٢
باب فى الكلالة
إعلاء السنن
كذلك فلا يبعد أن يكون رسول الله عَ لّه قد فسر الكلالة بأنه من لم يترك ولدا ولا والدا،
وأدخل فيه أبو بكر الجد باجتهاده، وخفى ذلك على عمر فلم يدخل الجد فيه، واقتصر على
الظاهر، فقال: الكلالة من لم يترك ولدا ولا أبا وعلى هذا فما قاله بعض الأحباب فى استبعاد
حديث أبى سلمة عن أبى هريرة، وحديث البراء برأيه ساقط بالمرة، ولو قال كما قال الذهبي: إن
فى إسناده يحيى الحمانى وهو ضعيف، أو البيهقى: إن حديث أبى سلمة عن النبى عَّ ◌ُلّه منقطع غير
معروف، لكان أولى وأصوب.
والحق أن عمر رضى الله عنه كان يخالف أبا بكر فى الأب أيضا، وكان يرى أن الكلالة من
لا ولد له، فقد روى البيهقى فى "سننه" من طريق سعيد بن منصور: ثنا سفيان، عن عاصم
الأحول، عن الشعبى، قال: قال عمر رضى الله عنه: الكلالة ما عدا الولد، وقال أبو بكر: الكلالة ما
عدا الولد والوالد، فلما طعن عمر قال: إنى لأُستحبى أن أخالف أبا بكر، الكلالة ما عدا الولد
والوالد، ومن طريق حماد، عن عمران بن حدير، عن السميط بن عمير، أن عمر بن الخطاب رضى
الله عنه قال: أتى على زمان ما أدرى ما الكلالة؟ وإذا الكلالة من لا أب له ولا ولد.
ومن طريق أبى داود (الطيالسى): ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع مرة، قال: قال عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه: ثلاث لأن يكون رسول الله عَ ليه بينهن أحب إلى من حمر النعم،
الخلافة والكلالة والربا، فقلت لمرة: ومن يشك فى الكلالة ما هو دون الولد والوالد؟ قال: إنهم
یشکون فی الوالد.
ثم أخرج من طريق سفيان: ثنا سليمان الأحول، عن طاوس، سمعت ابن عباس يقول:
كنت آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: ما قلت؟ قال: الكلالة من لا ولد
له. قال البيهقى: كذا فى هذه الرواية، والذى روينا عن عمر وابن عباس فى تفسير الكلالة (أنه ما
عدا الولد والوالد) أشبه بدلائل الكتاب والسنة من هذه الرواية، وأولى أن يكون صحيحا لانفراد
هذه الرواية، وتظاهرت الروايات عنهما بخلافها.
وأخرج من طريق سفيان، قال: قال عمرو: سمعت الحسن بن محمد يحدث، قال: سألت
ابن عباس عن الكلالة؟ فقال: من لا ولد له ولا والد، فقلت له: قال الله: ﴿إن امرؤ هلك ليس له
ولد وله أخت﴾، فغضب وانتهرنى، وقال: من لا ولد له ولا والد اهـ ملخصا (٢٢٥:٦) ظ.

٣٧٣
إعلاء السنن
باب فرض الجد
٦٠٠١٠- عن عمران بن حصين، قال: جاء رجل إلى رسول الله عَ ليه، فقال: إن
ابن ابنى مات، فمالی من ميراثه؟ قال: لك السدس، فلما أدبر دعاه، فقال: سدس آخر،
فلما أدبر دعاه، فقال: لك السدس الآخر طعمة، رواه الدار قطنى، وقال فى "التعليق.
المغنى": رواه أحمد والترمذى وأبو داود عن عمران بن حصين نحوه.
٦٠٠٢- ورواه ابن ماجة عن معقل بن يسار المزنى، قال: قضى رسول الله عَ ليه
فی جد کان فينا بالسدس.
باب سقوط الإخوة والأخوات بالجد
٦٠٠٣- قال عبد الرزاق: ثنا ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث أن
ابن الزبير كتب إلى أهل العراق: إن الذى قال له النبى عّ لّه: ((لو كنت متخذا خليلا
حتى ألقى الله سوى الله لاتخذت أبا بكر خليلا))، كان يجعل الجد أبا.
باب فرض الجد
قوله: "عن عمران" إلخ: قلت: قالوا فى صورة المسألة: بأن مات رجل وخلف بنتين، وهذا
السائل الذى هو الجد، فللبنتين الثلثان فبقی الثلث فدفع السدس إلیه بالفرض، ثم دفع سدسا آخر
للتعصيب، ولم يدفع الثلث مرة لئلا يتوهم أن فرضه الثلث، وإنما سماه طعمة لكونه زائدا على أصل
الفرض الذى لا يتغير اهـ، كذا فى "اللمعات".
باب سقوط الإخوة والأخوات بالجد
قوله: "قال عبد الرزاق" إلخ: قلت: وهذه الآثار تدل على أن الجد يحجب الإخوة
والأخوات كالأب، وهو مذهب أبى حنيفة، وشيد ابن القيم فى "أعلام الموقعين" أركان هذا القول
بعشرين وجها لا نطيل الكلام بذكرها، فإن شئت الاطلاع عليها، فارجع إلى "أعلام الموقعين"
(من ١٣٩ إلى ١٤٢).
قال العبد الضعيف: للناس فى الجد اختلاف كثير، فطائفة توقفت فیه، وإلى هذا رجع
محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة فى آخر أقواله، وقالت طائفة: ليس للجد شىء معلوم
مع الإخوة، إنما هو على حسب ما يقضى فيه الخليفة، وقالت طائفة: يقاسم الجد الإخوة إلى سبعة
إخوة، فیکون له الثمن معهم.

١
٣٧٤
ج - ١٨
سقوط الإخوة والأخوات بالجد
٦٠٠٤- وقال الدارمى فى "صحيحه": ثنا سالم بن إبراهيم، ثنا أيوب، عن
عكرمة عن ابن عباس قال: جعله الذى قال رسول الله عَّ له: ((لو كنت متخذا خليلا
لاتخذته خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل)) يعنى أبا بكر جعله أبا.
٦٠٠٥- ثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى بردة قال:
لقيت مروان بن الحكم بالمدينة، فقال: يا ابن أبى موسى، ألم أخبر أن الجد لا ينزل فيكم
منزلة الأب وأنت لا تنكر، قال: قلت: لو كنت أنت لم ننكر، قال مروان: فأنا أشهد
على عثمان بن عفان أنه شهد على أبى بكر، أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب.
وقالت طائفة: يقاسمهم إلى ستة، فيكون له السبع معهم، وقالت طائفة: يقاسمهم إلى
السدس، ثم لا ينقص من السدس، وبه قال الحسن بن زياد اللؤلؤى، وبعض أصحاب أبى حنيفة،
وقالت طائفة: للجد مع الإخوة الثلث على كل حال.
وقالت طائفة: إن الجد يقاسم الإخوة للأب والأم، والإخوة للأم، ما كانت المقاسمة خيرا له
من الثلث، فإن كثر الإخوة أعطى الجد الثلث، وبه يقول الأوزاعى وسفيان الثورى ومالك وعبيد
الله بن الحسين وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، ثم رجع إلى التوقف جملة، والحسن
اللؤلؤى والشافعى وأحمد بن حنبل وأبو عبيد. وقالت طائفة: لا يرث مع الجد أخ شيئا، لا شقيق،
ولا لأب، ولا لأم، وميراث الجد كميراث الأب سواء سواء إذا لم يكن هناك أب وارث، وهو
مذهب أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
وروينا من طريق سعيد بن منصور: نا أبو معاوية الضرير، عن أبى إسحاق الشيبانى، عن
سعيد بن أبى بردة، عن أبيه أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبى
موسى الأشعرى: أن اجعل الجد أبا، فإن أبا بكر جعل الجد أبا. ومن طريقه نا خالد بن عبد الله، عن
ليث بن أبى سليم، عن عطاء: أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابن عباس، كانوا يجعلون الجد أبا،
وقال ابن عباس: پرثنی ابن ابنی دون أخى، ولا أرث ابن ابنى دون أخيه.
ومن طريقه: نا سفيان -هو ابن عيينة- عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:
الجد أب، وقرأ: ﴿واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾، ومن طريق إسماعيل القاضى: نا
ابن أبى أويس، ثنى عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، أخبرنى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه:
أن عمر بن الخطاب لما استشار فى ميراث بين الجد والإخوة، وعمر يرى يومئذ أن الجد أولى بميراث
ابنه من إخوته، وذ کر باقی الخبر.

٣٧٥
سقوط الإخوة والأخوات بالجد
إعلاء السنن
٦٠٠٦- ثنا يزيد بن هارن، ثنا أشعث، عن عروة، عن الحسن، قال: إن الجد قد
مضت فيه سنة، وأن أبا بكر جعل الجد أبا، ولكن الناس تحيروا.
٦٠٠٧- وقال حماد بن سلمة: ثنا هشام بن عروة عن عروة عن مروان قال: قال
عثمان بن عفان. إن عمر قال لى: إنى قد رأيت فى الجد رأيا، إن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه،
فقال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد، وإن نتبع رأى الشيخ فتلك، فنعم ذو الرأى كان،
قال: وكان أبا بكر يجعله أبا، روى هذى الآثار كلها ابن القيم فى "أعلام الموقعين".
ومن طريق أيوب بن سليمان: أنا عبد الوارث -هو ابن سعيد- عن إسحاق بن سويد، أنه
سمع عبد الله بن بريدة، أنه سمع أبا عياض، أنه سمع زيد ثابت يقول: إنه دخل على عمر بن
الخطاب فى الليلة التى قبض فيها، فقال له زيد: إنى قد رأيت أن انتقص الجد، فقال له عمر: لو
كنت منتقصا أحدا لأحد لانتقصت الإخوة للجد، أليس بنو عبد الله بن عمر يرثوننى دون إخوتى؟
فما لى لا أرثهم دون إخوتهم، لإن أصبحت لأقولن فيه، قال: فمات من ليلته، فهذا آخر قول عمر
رضى الله عنه، وإسناده فى غاية الصحة.
ومن طريق حماد بن سلمة: أنا ليث بن أبى سليم، عن طاوس: أن عثمان بن عفان، وابن
مسعود، قالا جميعا: الجد بمنزلة الأب.
ومن طريق عبد الرزاق قال: قال ابن جريج: أخبرنى عطاء أن على بن أبى طالب كان يجعل
الجد أبا زاد البيهقى: فأنكر قول عطاء ذلك عن على بعض أهل العراق (٢٤٦:٦) قال عبد الرزاق:
وسمعت ابن جريج يقول: سمعت ابن أبى ملكية يحدث أن ابن الزبير كان يجعل الجد أبا.
ومن طريق سعيد بن منصور: نا حماد بن زيد، عن كثير بن شنظير، قال: سمعت الحسن
يقول: لو وليت من أمر الناس شيئا لأنزلت الجد أبا، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
أنه کان یفتى بأن الجد أب.
فهؤلاء من الصحابة أبو بكر وعمر عثمان وعلى وابن مسعود وأبو موسى الأشعرى
وابن عباس وابن الزبير، وروى أيضًا عن عائشة أم المؤمنين وأبى الدرداء وأبى بن كعب ومعاذ
ابن جبل وأبى هريرة.
ومن التابعين طاوس وعطاء وعبيد الله بن عتبة بن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة
وعثمان البتى وشريح والشعبى وجماعة سواهم، ومن بعدهم أبو حنيفة ونعيم بن حماد والمزنى،
وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وداود بن على وجميع أصحابه وجماعة غيرهم، ورواه عن أبى بكر

٣٧٦
ج - ١٨
باب أن الأخوین تردان الأم إلی السدس
٦٠٠٨- حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا ابن أبى فديك، قال:
ثنى ابن أبى ذئب، عن شعبة -مولى ابن عباس- عن ابن عباس، أنه دخل على عثمان،
فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس؟ وإنما قال الله تعالى: ﴿فإن كان له
الصديق عمر وعثمان وابن عباس وابن الزبير وأبو موسى الأشعرى وأبو سعيد الخدرى وغيرهم،
وثبتت الأسانيد عنهم بلا شك، ورواه عن عمر أبو بردة بن أبى موسى أنه كتب بذلك إلى أبيه،
وهو إسناد ثابت، ورواه أيضا عنه زيد بن ثابت، ورواه عن ابن عباس عكرمة وعطاء وطاوس
وسعید ابن جبير وغيرهم، ورواه عن ابن الزبير ابن أبی ملیکة، کل ذلك بأصح إسناد.
وروى عن عثمان وعلى وابن مسعود بأسانيد هى أحسن من كل ما روى عنهم وعن زيد
مما أخذ به المخالفون اهـ (٢٨٨:٩) من "المحلى" ملخصا.
ومن أراد الاطلاع على أسانيد أقوال الطوائف كلها، فليراجع "المحلى"؛ فإن ابن حزم
قد أطال الكلام فى هذا الباب، فأجاد وأفاد، وجاء بالعجب العجاب، وإنما اختلفت الأقوال فى
ذلك لأنهم قالوا: وجدنا ميراث الإخوة منصوصا فى القرآن، ولم نجد للجد ميراثا فيه، ووجدنا
الجد يدلى بولادته لأبى الميت، ووجدنا الإخوة يدلون بولادة أبى الميت، فهم أقرب منه.
والجواب الذى نعتمد عليه فى هذا قول الله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما
ترك إن كان له ولد﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبویکم من
الجنة﴾، فصح أن الجد أب، وأن ابن الابن ابن، فله ميراث الأب؛ لأنه أب، ولابن الابن ميراث
الابن؛ لأنه ابن وكفى، وإليه رجع معظم الصحابة الذين خالفوا أبا بكر رضى الله عنه فيه أولا.
وأما إن الجد يدلى بولادته لأبى الميت، والإخوة أقرب منه إليه، فليست المواريث بالقرب
ولا بالبعد، فهذا ابن البنت أقرب من ابن العم -الذى لا يلقى مع الميت إلا إلى أزيد من عشرين أبا-
وهو لا يرث مع ابن العم المذكور شيئا، وهذه العمة أقرب من ابن العم، ولا ترث معه شيئا،
فكيف والجد أقرب؟ لأن ولادته لأبى الميت كانت قبل ولادة أبى الميت لإخوته، فولد الابن هو.
بعض الجد، فالجد أقرب إليه من أخيه، والله تعالى أعلم، ظ.
باب أن الأخوین یردان الأم إلى السدس
قوله: "حدثنى محمد بن عبد الله" إلخ: قلت: دل هذا الأثر على أن الأخوين للأم يردان

٣٧٧
الأخوان تردان الأم إلى السدس
إعلاء السنن
إخوة﴾، والأخوان فى لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان: هل أستطيع
نقض أمر كان قبل، وتوارثه الناس ومضى فى الأمصار؟ رواه ابن جرير.
الأم من الثلث إلى السدس، وهما داخلان فى الإخوة المذكورة فى النص، وهذا لا خلاف فيه
: لأحد إلا ما يروى عن ابن عباس، وعندى أنه ليس بصحيح؛ لأن ابن عباس أجل من أن يقول ذلك،
والآفة فيه من شعبة مولى ابن عباس، وهو وإن وثقه البعض إلا أنه قال منه ابن حبان: روى عن ابن
عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر. وصدق ابن حبان؛ لأن هذه الرواية تدل على أن ابن
عباس ليس هو ابن عباس الفقيه الحبر بل آخر غيره، فاحفظ هذا التحقيق.
قال العبد الضعيف: شعبة مولى ابن عباس وإن كان متكلما فيه فقد وثقه كثيرون، وقال ابن
عدى: لم أجد له حديثا منكرا فأحكم عليه بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به، ولما رواه شاهد،
فقد أخرج البيهقى من طريق يحيى بن آدم: ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة
ابن زيد، عن أبيه، أنه كان يحجب الأم بالأخوين، فقالوا له: يا أبا سعيد! فإن الله يقول: ﴿فإن
كان له إخوة فلأمه السدس﴾ أنت تحجبها بأخوين؟ فقال: إن العرب تسمى الأخوين إخوة،
فقالوا له: يا أبا سعيد! أوهمت إنما هى ثمانية أزواج، من الضأن اثنين اثنين، ومن المعز اثنين اثنين،
ومن الإبل اثنين اثنين، ومن البقر اثنين اثنين، فقال: لا، إن الله يقول: ﴿فجعل منه الزوجين الذكر
والأنثى﴾، فهما زوجان كل واحد منهما زوج يقول: الذكر زوج، والأنثى زوج اهـ (٢٢٧:٦).
وفيه دلالة على أن ما رواه شعبة عن ابن عباس كان قد يختلج فى صدور غيره من الصحابة
والتابعين أيضا، حيث أنكروا على زيد حجبه الأم بأخوين، وذلك لما رأوا أن بنية التثنية فى اللغة
العربية غير بنية الجمع بالثلاثة فصاعدا، فذهبوا إلى أن الحاجب للأم عن الثلث إلى السدس هو
الجمع من الإخوة دون الاثنين، فقال زيد: إن العرب قد تسمى الأخوين إخوة، يدل لذلك قوله
تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾، وهما قلبان، وقال تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا
المحراب﴾، ثم قال: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾، فأطلق لفظ الجمع على اثنين، وقال تعالى:
﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، فلو كانا أخا وأختا كان حكم الآية
جاريا فيهما.
وقد روى عن النبى معَّ له: ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) وقد مر تخريجه فى أبواب الصلاة،
ولأن الاثنين إلى الثلاثة فى حكم الجمع أقرب منهما إلى الواحد؛ لأن لفظ الجمع موجود فيهما،
فلما كان الاثنان فى حكم اللفظ أقرب إلى الثلاثة منهما إلى الواحد، وجب إلحاقهما بالثلاثة دون

ج - ٠١٨
الأخوان تردان الأم إلی السدس
٣٧٨
الواحد، والله تعالى أعلم.
وقد عزى جماعة من الفقهاء والمحدثين إلى ابن عباس القول بأنه لا يحجب الأم عن
الثلث إلى السدس إلا ثلاثة من الإخوة والأخوات، وحكى ذلك عن معاذ، كما لا يخفى على
من راجع "أحكام القرآن" للجصاص، و"المغنى" لابن قدامة، و"المحلى" لابن حزم، لم يقل
أحد منهم أن ذلك لا يصح عن ابن عباس كما قال بعض الأحباب، بل شيد ابن حزم أركانه،
وقال: أما ابن عباس فقد وقف عثمان على القرآن واللغة فلم ينكر عثمان ذلك أصلا، ولا شك
بأنه لو كان عند عثمان فى ذلك سنة عن النبى مرّ أو حجة من اللغة لعارض ابن عباس بها،
ما فعل بل تعلق بأمر كان قبله توارثه الناس، ومضى فى الأمصار، فعثمان رأى هذا حجة، وابن
عباس لم يره حجة، والمرجوع إليه عند التنازع هو القرآن والسنة، ونصهما يشهد بصحة قول
ابن عباس اهـ (٢٥٨:٩).
قلت: فى قوله "وابن عباس لم يره حجة": نظر؛ لأن ابن عباس لم ينكر على عثمان ما
احتج به، وظاهره التسليم، فلو لم يره حجة لقال: لا حجة فى توارث الناس ولا فى مضى أمر فى
الأمصار، وقد بينا من نص الكتاب والسنة ما يؤيد قول عثمان، وذكرنا من قول زيد ما يدل على
إطلاق الجمع على الاثنين لغة، فاندحض قول ابن حزم كله، ولكنه يدل على أن ما رواه شعبة عن
ابن عباس صحيح ثابت عنه، ليس بمنكر ولا مستبعد، ولا مما ينقص من شأن ابن عباس كما زعم
بعض الأحباب أن هذه الرواية تدل على أن ابن عباس ليس هو ابن عباس الفقيه الحبر بل آخر غيره،
فافهم، والله يتولى هداك، وهو يتولى الصالحين.
وقال الموفق فى "المغنى": حصل خلاف ابن عباس للصحابة فى خمس مسائل اشتهر قوله
فيها: أحدها: زوج وأبوان، والثانية: امرأة وأبوان، للأم ثلث الباقى عندهم، وجعل هو لها ثلث المال
فيهما. والثالثة: أنه لا يحجب الأم إلا بثلاثة من الإخوة، والرابعة: أنه لم يجعل الأخوات مع البنات
عصبة، والخامسة: أنه لا يعيل المسائل. فهذه الخمس صحت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول
بها، وشذت روايات سوى هذه ذكرنا بعضها فيما مضى اهـ (٢٧:٧)، وفيه دليل على أن شعبة
مولى ابن عباس لم ينفرد بما رواه عنه فى مسألة الباب، بل رواه عنه غيره حتى اشتهر عنه القول
بها، وإذا كان كذلك فلا معنى لحمل بعض الأحباب على شعبة، ورده الرواية من أجله، ظ.

٣٧٩
إعلاء السنن
باب ميراث زوج وأبوين أو زوجة وأبوین
٦٠٠٩- عن عبد الله بن مسعود، قال: أتى عمر رضى الله عنه فى امرأة وأبوين،
فجعل للمرأة الربع، والأم ثلث ما بقى، وللأب ما بقى، رواه الحاكم(١) فى "المستدرك"
وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبى عليه.
باب ميراث زوج وأبوين أو زوجة وأبوین
قوله: "عن عبد الله" إلخ: قلت: وهو مذهب زيد بن ثابت وجمهور الصحابة إلا ابن
عباس(٢) فإنه تفرد عن الجمهور، وقال: إن للأم ثلث جميع المال، وقد أخرجة عبد الرزاق والبيهقى
عن عكرمة قال: أرسلنى ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؟ فقال زيد: للزوج
النصف، وللأم ثلث ما بقى، وللأب بقية المال. فأرسل إليه ابن عباس أفى كتاب الله تجد هذا؟ قال:
لا، ولكن أكره أن أفضل أما على أب، كذا فى "الدر المنثور".
وقال(٣) إبراهيم: خالف ابن عباس أهل الصلاة فى زوج وأبوين، فجعل النصف للزوج،
وللأم الثلث من رأس المال، وللأب ما بقى، رواه عبد الرزاق، كما فى "كنز العمال".
واختار أصحابنا مذهب جمهور الصحابة، ولكن قال أبو حنيفة ومحمد: لو كان مكان
الأب الجد لكان للأم ثلث الكل، وعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين الأب والجد. فنقول: قال الله
تعالی: ﴿فإن لم یکن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾. فإذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة یکون
ما ورثه أبواه ما بقى بعد فرض أحد الزوجين، فيكون للأم ثلث ما بقى بعد فرض أحد الزوجين
بحكم الآية، وأما الجد فليس حكمه منصوصا فى الآية المذكورة؛ لأن المراد من الأب هو الأب
دون الجد، وإلا لكان المراد من الأم الأم والجدة. وهو باطل بالإجماع، فتعين أن يكون المراد من
الأب الأب فقط دون الجد، لأن اللفظ واحد لا يحتمل الحقيقة والمجاز معا، وإذا لم يكن حكمه
منصوصا فإما أن يقاس على الأب وهو فاسد؛ لأن الجد أدنى من الأب وأبعد؛ فلا يقاس الأدنى على
الأعلى، وإما أن يقال: إن للأم ثلث الكل بالإجماع، كما إذا لم يكن معها أب أو جد، والباقى
(١) رواه الدارمى أيضًا.
(٢) قد أخرج الدارمى عن على روايتين مختلفتين، إحداهما عن الشعبى عن على، وهى موافقة للجمهور، والأخرى عن إبراهيم
عن على، وهى موافقة لابن عباس ١٢ منه.
(٣) أخرجه الدارمى أيضا ١٢.

٣٨٠
ميراث زوج وأبوين أو زوجة وأبوين
ج - ١٨
للجد بحكم العصوبة؛ وهو ما قال أبو حنيفة ومحمد.
وهذا التقرير أقرب وأولى بالصواب مما قال السيد السند فى شرح السراجية: إنا تركنا ظاهر
قوله تعالى: ﴿فلأمه الثلث﴾ فى حق الأب، وأولناه بما مر كيلا يلزم تفضيلها عليه مع تساويهما فى
القرب، وأيدنا تأويله بقول أكثر الصحابة، وأما فى حق الجد فأجريناه على ظاهره؛ لعدم التساوى
فى القرب وقوة الاختلاف بين الصحابة اهـ؛ لأن مدلوله أن النص شامل للأب والجد، والمراد من
الثلث مع الأب ثلث ما بقى ومع الجد ثلث الكل، وأن إرادة ثلث ما بقى خلاف الظاهر، وإرادة
ثلث الكل هو الظاهر، مع أن الأمر ليس كذلك؛ لأنك قد عرفت أن النص ليس بشامل للجد، وأن
إرادة ثلث ما بقى ليس خلاف الظاهر، فاعرف ذلك، والله هو الملهم للصواب.
قال العبد الضعيف: هاتان المسئلتان تسميان العمريتين؛ لأن عمر رضى الله عنه قضى فيها
بأن للأم ثلث الباقى بعد فرض أحد الزوجين، وما بقى فللأب، فاتبعه على ذلك عثمان، وزيد بن
ثابت، وابن مسعود، وروى ذلك عن على، وبه قال الحسن، والثورى، ومالك، والشافعى، وأبو
حنيفة، وأصحابه رحمهم الله تعالى، وجعل ابن عباس ثلث المال كله للأم فى المسألتين؛ لأن الله
تعالى فرض لها الثلث عند عدم الولد والإخوة، وليس ههنا ولد ولا إخوة (والمراد بالثلث ثلث المال
کله) ویروی ذلك عن علی.وروى عن شریح فی زوج وأبوین.
وقال ابن سيرين كقول الجماعة فى زوج وأبوين، وكقول ابن عباس فى امرأة وأبوین، لأننا
لو فرضنا للأم ثلث المال كله فى زوج(١) وأبوين لفضلناها على الأب، وذلك لا يجوز، وفى مسألة
المرأة(٢) لا يؤدى إلى ذلك.
واحتج ابن عباس بعموم قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾
(١) مسألة: ٦
ميتـ
زوج أم أب
٣ ٠١ ٢
(٢) مسألة: ١٢
مسألة : ١٢
ميتـ
وعند الجمهور:
مينـ
زوجة أم أب
زوجة أم أب
٤
٣
٥
٦٠٣
٣