النص المفهرس
صفحات 341-360
ج - ١٨ عدم توارث أهل ملتين ٣٤١. يكون لم يشتهر هذا القول منه، ولم يعلم به الصحابة لأجله، ولو اشتهر أيضا لم يكن دليلا على الإجماع؛ لأن عدم المخالفة قد يكون للموافقة، وقد يكون لأن الأمر يكون اجتهاديا فلا ينكر على المخالف؛ لأن المجتهد لا ينكر عليه، لا سيما إذا كان من أولى الأمر الواجب اتباعهم فيما يأمرون به فى الاجتهاديات، فاعرف ذلك فإنه الحق، إن شاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب. ثم ههنا اختلاف آخر، وهو أن اختلاف الدارين مانع من التوارث أم لا؟ فقال أصحابنا ومن وافقهم: نعم، وقال آخرون: لا، وحجة الآخرين أن عمومات النصوص تقتضى توريثهم، ولم يرو فى تخصيصهم نص ولا إجماع، ولا يصح منهم قياس، فيجب العمل بعمومها، كذا فى "المغنى". وقال أصحابنا: إن نصوص الوراثة ليست على إطلاقها، بل هى مقيدة بعدم المانع بالإجماع، فلا يصح الاحتجاج بالإطلاق، وحجة كون اختلاف الدارين مانعا من التوارث أنه قال تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يها جروا﴾، والمراد فيه من الولاية هو الوراثة دون النصر؛ لأنه تعالى أثبت النصر بعد نفى الولاية بقوله: ﴿فإن استنصرو کم فی الدین فعليكم النصر﴾، فدل ذلك أن المراد من الولاية هو الوراثة دون النصر، وهو منقول عن ابن عباس وغيره، لكنهم ادعوا نسخه بقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. والحق أنه ليس بمنسوخ؛ لأن من شرط النسخ التعارض، ولا تعارض بين عدم التوارث بين المؤمنين المهاجرين وغير المهاجرين، وبين كون أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض. فإن قيل: إن أولى الأرحام شامل للمهاجر وغير المهاجر، قلنا: وكذلك هو شامل للمؤمن والكافر، فإن قيل: المؤمن والكافر مُخصوصان بالحديث، قلنا: المهاجر وغير المهاجر مخصوصان بالآية، فلما لم يتحقق التعارض لم يصح دعوى النسخ. فثبت أنه لا توارث بين المهاجر وغير المهاجر لاختلافٍ الدارين، ومعنى قوله ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾: إن هذا بعد تحقق شرط التوارث، وهو اتحاد الدين والدار؛ لأنه قال تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منکم﴾، فپل ذلك على أن الكفار بعد الإيمان والهجرة يدخلون فى جملة المؤمنين السابقين ويصيرون منهم، ولما كان هذا الكلام ظاهرا فى مساواة الجملة، قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾، فدل بذلك على عدم المساواة بينهم، وأولوية ذوى الأرحام منهم من غير ذوى الأرحام؛ فلا تعلق لهذا القول لغير المهاجرين والكفار، هذا هو الحق، إن شاء الله، وهو التحقيق، فاحفظه. ٣٤٢ عدم توارث أهل ملتين إعلاء السنن ثم اختلاف الدار لا يتحقق فى دار الإسلام باختلاف السلطنة؛ لأن سلاطين الإسلام يجمعهم حكومة واحدة؛ لأن حكومة الإسلام حكومة لله تعالى، والسلاطين نوابه وعماله، بخلاف دار الكفر فإنها تختلف باختلاف السلطنة؛ لأن سلاطين الكفر مستبدون بسلطنتهم، ولا يسلمون الملك لله تعالى؛ فلا يجمعهم حكومة واحدة، كما يجمع سلاطين الإسلام، وهذا فرق دقيق، وهذه الدقة من خصائص أصحابنا رحمهم الله تعالى. قال العبد الضعيف: لا يخفى ما فى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ على كون اختلاف الدارين مانعا من التوارث، وإلا لزم نفى التوارث بين المهاجر وغير المهاجر من المسلمين، وقد اتفقوا على أن ذلك كان فى بدء الإسلام، فكان المهاجر لا يتولى غير المهاجر ولا يرثه وهو مؤمن، وكذا بالعكس، وأن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والمؤاخاة التى آخى بها رسول الله عَ ليه بينهم دون الأرحام، وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبى معَّه إلى أن فتح الله عليه مكة، فقال: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)). فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة، وأثبت التوارث بالأنساب، وليس يمتنع أن يكون نفى الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفى التوارث والنصرة إلا إذا استنصر، ثم نسخ نفى الميراث بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو غير مهاجر، ونسخ نفى إيجاب النصرة بقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، قاله الجصاص فى "الأحكام" (٧٦:٣) له. وفيه أيضا: فإن قيل: اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة؛ لأن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان (أو صار أسيرا بأيديهم) لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربى إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته، وكذلك لو أسلم الزوجان فى دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام لم تقع الفرقة. قيل له: ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه، وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام، إما بإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب فيكون حربيا كافرا، فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيما فى دار الحرب والآخر فى دار الإسلام اهـ (٤٣٩:٣). وقد تقدم عن "المبسوط" و"شرح السير" وغيره: أن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون، فكيف يصح الاستدلال بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ على كون اختلاف الدارين مانعا من التوارث، ونحن نقول بالتوارث بين ٣٤٣ عدم توارث أهل ملتين ج - ١٨ المسلم المهاجر وغير المهاجر، وما نزلت الآية إلا فى حق المسلمين. فثبت أن قطع التوارث بين المهاجر وبين من لم يهاجر منسوخ عندنا أيضا، كما هو منسوخ عند غيرنا، وإذا كان كذلك فكل ما ذكره بعض الأحباب ههنا كلام لا طائل تحته، والتحقيق الذى أبداه من عند نفسه رد عليه. والذى يدل على اعتبار اختلاف الدارين قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم). قال أبو سعيد الخدرى: نزلت فى سبايا أوطاس، كان لهن أزواج فى الشرك، وأباحهن لهم بالسبى وقال النبى عّ لّه فى السبايا: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائض حتى تستبرأ بحيضة)). واتفق الفقهاء على جواز وطئ المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج فى دار الحرب إذا لم يسب معها، فلا يخلو وقوع الفرقة من أن يتعلق بإسلامها أو باختلاف الدارين على الوصف الذى بينا، أو بحدوث الملك عليها، وقد اتفق الجميع على أن إسلامها لا يوجب الفرقة فى الحال بعد الاستبراء، ولو كانت كتابية حلت بعد الاستبراء (ولو لم تسلم) وثبت أيضا أن حدوث الملك لا يرفع النكاح، بدلالة أن الأمة التى لها زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة، وكذلك إذا مات رجل عن أمة لها زوج لم يكن انتقال الملك إلى الوارث رافعا للنكاح، فلم يبق وجه لإيقاع الفرقة إلا اختلاف الدارين، قاله الجصاص أيضا. فإن قيل: سبب الفرقة حدوث الرق فى الزوجين أو أحدهما لا حدوث الملك، قلنا: فمن أين جاءت الفرقة بين المهاجرة إلى دار الإسلام، وبين زوجها الكافر الحربى، وهى حرة لا يد لأحد عليها، ولا أثر للرق فيها؟ وقد حكم الله لوقوع الفرقة بينهما بقوله: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن إلى قوله- ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، فنهانا أن نمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربى، فثبت أن اختلاف الدارين بهما هو سبب الفرقة بينهما لا غیر، فافهم. قال الجصاص: وروى قتادة عن سعيد بن المسيب، عن على قال: إذا أسلمت اليهودية والنصرانية قبل زوجها فهو أحق بها ما داموا فى دار الهجرة (٤٣٨:٣) دل بمفهومه أنه لا يكون أحق بها إذا اختلفت بهما الدار، وإذا ثبت كون اختلاف الدار سببا للفرقة بين الأزواج، دل على كونه مانعا من التوارث أيضا؛ لكون كل من النكاح والميراث مبنيا على الولاية، فافهم. ٣٤٤ إعلاء السنن باب میراث المرتد ٥٩٨٦- عن زيد بن ثابت، قال: "بعثنى أبو بكر عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين"، رواه فى "المغنى"، ولم أقف له على سند. قال الجصاص فى قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾: قال ابن عباس والسدى: يعنى فى الميراث، وقال قتادة: فى النصر والمعاونة، وهو قول ابن إسحاق، قال أبو بكر: لما كان قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا - إلى قوله- أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ موجبا لإثبات التوارث بالهجرة، وكان قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا﴾ نافيا للميراث، وجب أن يكون قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ موجبا لإثبات التوارث بينهم؛ لأن الولاية قد صارت عبارة عن التوارث بينهم (دون النصر؛ لأنه تعالى أثبت النصر بعد نفى الولاية، فدل على أن المراد بالولاية هو التوارث دون المعاونة) فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم؛ لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم، ولم تفرق الآية بين أهل الملل بعد أن يكونوا كفارا اهـ ملخصا (٧٦:٣). قلت: ولم يقم دليل على نسخ قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾، فلا يجوز تخصيصه بما روى عن على بن أبى طالب، أنه جعل الكفر مللا مختلفة، والله تعالى أعلم. وروى أبو يوسف فى "الآثار" له عن أبى حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، أنه قال: الكفر ملة واحدة لا نرثهم ولا يرثوننا، ورواه محمد فى "الآثار" نحوه، وأخرجه الحسن بن زياد أيضا، وابن خسرو من طريقه عنه (١٧١)، وهذا سند صحيح مع انقطاعه، وهو لا يضرنا فى القرون الفاضلة، وهو معارض لما رواه الشعبى عن على. واندحض به قول الموفق: إن عليا جعل الكفر مللا مختلفة ولم يعرف له مخالف من الصحابة فكان إجماعا. وأين الإجماع؟ وقد خالفه عمر رضى الله عنه، وجعل الكفر ملة واحدة. وهو منطوق قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير﴾ فافهم. باب ميراث المرتد قوله: "عن زيد إلخ: قلت: ولكنه ذهب إليه العلماء، وهو يدل على أنه ثابت، وتحقيق هذا القول أن المرتد يخرج عن ملكه ما يملكه حين ارتداده موقوفا إلى أن يرجع، أو يموت، أو يقتل، ج - ١٨ ميراث المرتد ٣٤٥ أو يلحق بدار الحرب ويجكم به، فيقع الإياس عن الرجوع، فإن رجع فالمال ماله، وإن مات أو قتل أو وقع الحكم بلحاقه ینتقل ماله إلى ورثته المسلمین مستندا إلى وقت ارتداده؛ لأن ارتداده موت حكمى، فإذا ارتد فكأنه مات، وكان عند الارتداد مسلما، فيرثه ورثته المسلمون ولا يصير فيئا؛ لأنه مال مسلم، وهو لا يكون فيئا، نعم لو اكتسب مالا فى حال الردة يكون فيئا؛ لأنه مال كافر لا وارث له من المسلمين والكفار، وقد خفى هذا الفرق على من جعله فيئا على الإطلاق، فظن أنه مال كافر لا وارث له، فيكون فيئا كالذى اكتسبه فى حال الردة. والجواب: أنه لما كان مالكا لماله لم يكن كافرا بل مسلما، ولما صار كافرا لم يبق مالكل فكيف يكون ماله مال كافر؟ بل هو مال مسلم، فينتقل إلى ورثته المسلمين، ولا يكون فيئا، فتدبر؛ فإنه دقیق. وقد خفى هذا الفرق أيضا على من جعل ماله كله لورثته المسلمین، سواء اکتسبه فى حال إسلامه أو فى حال ردته، بناء على أنه كافر غير مقر على كفر، فيجعل كافرا فى حق نفسه، ومسلما فى حق ورثته؛ لأن معنى عدم إقراره على الكفر أنه لا يترك على كفره، بل يقتل إن لم يرجع، أو یحبس أن يرجع أو موت، وهذا المعنى لا يجعله مسلما لا فی حق نفسه، ولا فى حق ورثته، فالحق هو الفرق، وهو مذهب أبى حنيفة، ولله دره حیث ینتهی نظره إلى دقة لا ينتهى إليها نظر محمد وأبی يوسف، فكيف بغيرهما؟ بقى أن أبا بكر ورث ورثتهم على الإطلاق من غير فرق، فالجواب: أنه لم يكن ذلك لأجل أنه كان لا يرى الفرق، بل لأجل أنه لم يكن هناك مال مكتسب فى حال الإسلام، ومال مكتسب فى حال الردة؛ لأن القتال وقعت معهم مع ارتدادهم، فاشتغلوا بالقتال، ولم یکن له فرصة للاكتساب، ولو اكتسبوا شيئا لم یکن متميزا مما اكتسبوا فى حال الإسلام، فكذلك لم يفرق عٍَّ لا؛ لأنه لم يكن يرى الفرق فاعرف ذلك، والله أعلم بالصواب. قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": واختلفوا فى ميراث المرتد، فصح عن على ابن أبى طالب أنه لورثته من المسلمين، كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال: نا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبى عمرو الشيبانى أن على بن أبى طالب جعل ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وروى مثله عن ابن مسعود ولم يصح (أى لكونه مرسلا منقطعا وهو حجة عندنا)، ومن طريق وكيع: نا سفيان الثورى، عن موسى بن أبى كثير، قال: سألت سعيد بن المسيب عن المرتد، ٣٣٤٦ إعلاء السنن باب میراث الأسير ٥٩٨٧- عن عمر بن عبد العزيز فى امرأة الأسير: أنها ترثه ويرثها. ٥٩٨٨- وعن شريح قال: يورث الأسير إذا كان فى أيدى العدو. ٥٩٨٩- وعن سفيان حدثنى من سمع إبراهيم يقول: يورث الأسير، وخرج هذه روایات الدارمی فی "سننه". هل يرث المرتد بنوه؟ فقال: نرثهم ولا يرثوننا، وتعتد امرأته ثلاثة قروء، فإن قتل فأربعة أشهر وعشرا، ومن طريق سفيان الثورى، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: كان المسلمون يطيبون ميراث المرتد لأهله إذا قتل (أو ألحق بدار الحرب، كما سيجىء)، وروى توريث مال المقتول على الردة لورثته من المسلمين عن عمر بن عبد العزيز، والشعبى، والحكم بن عتيبة، والأوزاعى، وإسحاق بن راهويه، وقال سفيان الثورى: ما كان ماله فى ملكه إلى أن ارتد فلورثته من المسلمين، وما کسب بعد ردته فلجمیع المسلمین اهـ (٣٠٥:٩). قلت: وهو قول أبى حنيفة سواء، وأما ما أورده ابن حزم عليه، فكلام بعض الأحباب مشتمل على الجواب عنه. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: حدثنا الأعمش، عن أبى عمرو - هو الشيبانى- عن على رضى الله عنه أنه أتى بمستورد العجلى، وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام، فأبى فقتله، وجعل ميراثه بين ورثته المسلمين قال: وحدثنا أشعث عن عامر وعن الحكم فى المسلمة يرتد زوجها ويلحق بأرض العدو: فإن كانت ممن تحيض فثلاثة قروء، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فحين تضع ما فى بطنها، ثم تتزوج إن شاءت، ويقسم الميراث بين ورثته من المسلمين اهـ (٢١٦)، وفيه دليل على أن لحوق المرتد بأرض العدو فى حكم الموت، والله تعالى أعلم. باب میراث الأسير قوله: "عن عمر بن عبد العزيز" إلخ: قلت: هو مذهب أئمتنا، قال العبد الضعيف: وبهذا ظهر أن بدخول المسيلم بدار الحرب بأمان أو بغير أمان لا يختلف به وبزوجته الدار، فترثه ويرثها؛ فإن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون، فلو أسلما فى دار الحرب وخرج أحدهما إلى دار الإسلام مهاجرا لم تختلف بهما الدار كما مر، وهذا مما خفى على بعض الأحباب فقال ما قال وأطال، والعلم لله الملك المتعال. ٣٤٧ ج - ١٨ باب حرمان القاتل من الميراث ٥٩٩٠- عن محمد بن راشد: حدثنى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى معَّم قال: ((ليس للقاتل شىء، وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا»، أخرجه أبو داود، وقال الزيلعى: محمد بن راشد فيه مقال. وقال الموفق فى "المغنى": والأسير كالمفقود إذا انقطع خبره، وإن علمت حياته ورث فى قول الجمهور، وحكى عن سعيد بن المسيب: أنه لا يرث؛ لأنه عبد، وحكى ذلك عن النخعى، وقتادة، والصحيح الأول، والكفار لا يملكون الأحرار، والله أعلم اهـ (٢١٢:٧) ظ. باب حرمان القاتل من الميراث قوله: "عن محمد بن راشد" إلخ: قلت: هو مختلف فيه، والاختلاف غير مضر، وأخرجه النسائى من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، ويحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب به مرفوعا: ((ليس للقاتل من الميراث شىء))، وضعفه ابن القطان بأن رواية ابن عياش عن غير الشاميين ضعيفة عند البخارى وغيره. قلت: هو شاهد لرواية محمد بن راشد، وأخرجه النسائی أیضا من طریق مالك، عن یحیی ابن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمر قال: إن النبى عّ لّه قال: ((ليس لقاتل شىء)، وقال: هو الصواب، وحديث ابن عياش خطأ (زيلعى). قلت: هذا ظن من النسائى، وإنما الرواية عند عمرو بن شعيب من طريقين: من طريق أبيه عن جده. ومن طريق عمر، ويحيى يرويها من طريقين، فلا وجه لتخطئة ابن عياش بعد ما روى محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شيعب بتلك الطريق، وقال البيهقى: حديث عمرو بن شعيب عن عمر فيه انقطاع. قلت: لا ضير فإن الانقطاع غير مضر عندنا، لا سيما إذا تأيد بموصول ابن راشد وابن عياش، وهذه أمثل طرق الحديث، وقد عمل به الأئمة مع أن شيئا من طرقه لا يخلو من كلام. ولكنهم اختلفوا فى أن أى قتل موجب للحرمان من الميراث؟ فقال أصحابنا: هو القتل الذى يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، وقال غيرهم: القتل يمنع مطلقا، وقال آخرون: يمنع إذا أوجب قصاصا، أو دية، أو كفارة. وقال آخرون: القتل الموجب للدية يمنع من الوراثة من الدية ٣٤٨ إعلاء السنن باب فی أن العبد لا یرٹ ولا یورث ٥٩٩١- قال رسول الله عَ ليه: ((من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) (متفق عليه). لا من غيرها. قلت: لا وجه للفرق بين الدية وغيرها، فبطل القول الرابع، ولا معنى بجعل مطلق القتل مانعا؛ لأن القتل قد يكون بحق وقد يكون بغير حق، والقتل بحق لا يكون موجبا للحرمان، لأن الحرمان إنما هو جزاء للقتل، والقاتل بحق لا يستحق ذلك الجزاء، فبطل القول الثانى. ثم القتل بغير حق قد يكون موجبا للوزر وقد لا يكون، فالذى لا يكون موجبا للوزر لا يستحق الجزاء، لأن إيجاب الجزاء يجعل غير الموجب للوزر موجبا له، وهو قلب الموضوع؛ فبطل القول الثالث، وثبت أن قول أصحابنا هو الصواب. والتحقيق أن القتل إن كان بحق فالقاتل فيه هو الشارع الذى أمره به، أو أذن له فيه، فهو لا يوجب حرمان القاتل، وإن كان بغير حق فإن كان موجبا للوزر فهو موجب للحرمان؛ لأن هذا هو القتل حقيقة، وإن لم يكن موجبا للوزر فهو قتل صورة لا حقيقة، بل هو إتلاف للمحل فقط؛ فلا يكون موجبا للحرمان، بل يكون كسائر الإتلافات فى إيجاب جزاء المحل دون الحرمان، وهذان من دقة نظر أصحابنا رحمهم الله، فاحفظه، والله أعلم بالصواب. باب فی أن العبد لا يرث ولا يورث قوله: "قال رسول الله عَ ليه " إلخ: قلت: ودل هذا الحديث على أن العبد لا يملك شيئا من المال وإنما ماله لسيده، وهذا يدل على أن العبد لا يورث؛ لأنه لا مال له، ولا يرث؛ لأن الوراثة هو ملك المال، والعبد لا يملك شيئا من المال، وتوريثه توريث لمولاه، وهو لا يستحق الميراث، ففيه توريث غير المستحق؛ فلا يرث، وروى عن طاوس: أن العبد يرث، ويكون ما ورثه لسيده ككسبه، وكما لو أوصى له، ولأنه تصح الوصية له فيرث كالحمل (المغنى)، وهو مخالف لما دل عليه النص، والقياس على الوصية فياس فاسد؛ لأن الوصية للعبد وصية لمولاه وهو أهل للوصية، وتوريثه توريث لمولاه وهو غير أهل له. وكذا القياس على الحمل فاسد؛ لأن الحمل أهل للتملك دون العبد، والقول بأن العبد أهل للتملك دون البقاء فيثبت له الملك أولا، ثم ينتقل منه إلى المولى، . فاسد؛ لأن البقاء أهون من الحدوث، فلما لم يكن أهلا للبقاء لا يكون للحدوث. وروى عن ابن مسعود فى رجل مات وترك أبا مملوكا: يشترى من ماله ثم يعتق فيرث وهو ج - ١٨ ٣٤٩ باب فى أن المكاتب لا يرثَ ولا يورث ٥٩٩٢- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله عَ له: ((أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار قول الحسن (المغنى)، ومعناه عندنا أنه قال ذلك على وجه المشورة دون الإفتاء، يعنى أنه ينبغى للورثة أن يعتقوا أبا المورث من ماله، ويشركوه فى ميراثه أداء لحق مورثهم، وشكرا لإنعامه عليهم بترك المال لهم، وهذا المحمل أولى بشان ابن مسعود وفقهه، لا ما فهمه صاحب "المغنى" : أنه جعله وارثا بعد العتق، ثم رده بأنه لا يصح؛ لأن الأب رقيق عند موت ابنه، فلم يرثه كسائر الأقارب؛ وذلك لأن الميراث جار لأهله بالموت، فلم ينتقل عنهم إلى غيرهم اهـ، والعجب أنه يقول ذلك فى الأب وينساه فى الكافر إذا أسلم بعد موت المورث قبل قسمة التركة، مع أن الدليل جار فيه بعينه. وروى عن مكحول وقتادة أنهما ورثا من أعتق قبل القسمة، وهو غير صحيح؛ لأن ملك المورث قد انتقل إلى الورثة بموته، والعبد لم يكن أهلا للملك إذ ذاك؛ فلا يرث بحصول صلاحية الملك بعده، وعدم القسمة ليس بمانع من ثبوت ملك الورثة، فالقسمة وعدمها سواء، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وقال ابن حزم فى "المحلى": العبد لا يرث ولا يورث، ماله كله لسيده، هذا ما لا خلاف فيه، وقد جاء به نص نذكره بعد هذا إن شاء لله تعالى، وروينا عن بعض الصحابة أنه يباع فيعتق فيرث، وهذا لا يوجبه قرآن ولا سنة، فلا يجوز القول به اهـ (٣٠٢:٩)، والنص الذى أشار إليه هو ما رواه من طريق ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يرث المسلم النصرانى إلا أن يكون عبده أو أمته)) (٣٠٥:٩) حمله الجمهور على المعتق والمعتقة يرثهما مولاهما وإن اختلفت أديانهم، وأعله ابن حزم بأن أبا الزير عن جابر ما لم يقل: سمعت أو أخبرنا تدليس، ولو صح فليس فيه إلا عبده أو أمته، ولا يسمى المعتق ولا المعتقة عبدا ولا أمة اهـ أى فمعناه أن مال العبد والأمة لمولاهما وإن كانا نصرانيين أو يهوديين، فإن اختلاف الدين لا يمنع الملك، والله تعالى أعلم، ظ. باب فی أن المکاتب لا یرٹ ولا يورث قوله: "عن عمرو" إلخ: قلت: فالحديث ثابت وحجة، وهو يدل على أن العتق فى المكاتب لا ينقسم على أجزاء بدل الكتابة، وهو مذهب جمهور الصحابة ومن بعدهم، وأخرج عبد الرزاق عن على أنه قال فى المكاتب يعجز: إنه يعتق بالحساب، كما فى "نصب الراية". ٣٥٠ المكاتب لا يرث ولا يورث إعلاء السنن فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد))، أخرجه الحاكم وصححه، وصححه الذهبى أيضا، وله ويحتج له بما روى عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبى عّ لّه، أنه قال: ((المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه، ويورث بقدر ما عتق منه))، وهذا الحديث وإن كان من جهة الدلالة أقوى من حديث عمرو بن شعيب؛ لأنه نص فى تقسيم العتق والرق على أجزاء بدل الكتابة، بخلاف حديث عمرو بن شعيب فإنه ظاهر فى عدم انقسام وليس بنص فيه، وأنه يحتمل أن يكون معناه أنه عبد فى الجملة ولو باعتبار بعض الأجزاء، إلا أن حديث عمرو بن شعيب أقوى منه من جهة السند؛ لأن حديث عكرمة مضطرب؛ لأنه قد يروى عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبى معَّه، وقد يروى عن عكرمة، عن على، عن النبى معَّ ◌ُلّه، وقد يروى عن عكرمة من قوله (نيل الأوطار). وإن كان دفع هذا الاضطراب ممكنا بأن يكون الرواية عند عكرمة عن ابن عباس وعلى كليهما، فروى تارة عن ابن عباس، وتارة عن على، وقد أفتى به من عند نفسه، إلا أن الذوق تشهد بأن هذا الاضطراب من خطأ الرواة، والصواب أن عكرمة رواه عن على من قوله، فأخطأ بعض الرواة فجعله مرفوعا، وأخطأ الآخر فجعله عن ابن عباس لكثرة روايته عنه. وأيضًا حديث عمرو بن شعيب أقوى من حديث عكرمة من جهة المعنى؛ لأن عقد المكاتبة لا يكون نصافى تقسيم العتق على أجزاء بدل الكتابة، ولا يكون هو مرادا لهم، وإنما يكون مرادهم تعليق العتق بأداء جميع بدل الكتابة، وليس من ضرورة هذا التعليق هذا التقسيم، فحديث عمرو بن شعيب هو الراجح. ثم فى حديث عكرمة كلام آخر، وهو أنه لا يعلم منه أن التقسيم كما يجرى فى الحد والميراث، كذلك يجرى فى ولاية النكاح والشهادة والقضاء وغيرها أم لا، فإن قيل: نعم، فهو بعيد، وإن قيل: لا، فما الفرق؟ فإن قيل: الفرق أن الحد والميراث متجزئ، بخلاف النكاح والشهادة والقضاء وغيرها. قلنا: لا نسلم أن الميراث متجزئ، وإنما المتجزئ هو الموروث أعنى المال، وكذا لا نسلم أن استحقاق الحد متجزئ، وإنما المتجزئ هو الضرب، فإن قلتم: إن استحقاق المال فى الميراث والضرب فى الحد ينقسم بانقسام المتعلق. قلنا: فكذلك النكاح والشهادة والقضاء ينقسم باعتبار المتعلق، فما الفرق؟ والحق أن العتق وإن كان متجزئا باعتبار التحقيق إلا أنه غير متجزئ باعتبار الأثر والحكم، كزوال الحدث فى الوضوء؛ فإنه يزول عن العضو بغسل المغسول، إلا أنه لا يظهر ٣٥١ المكاتب لا يرث ولا يورث ج - ١٨ طرق أخرى عند أبى داود والترمذى وابن ماجة، وإن كان فيها كلام فلا يسقط عن أثره من جواز الصلاة ومس المصحف وغيرهما إلا بعد تمام الوضوء؛ لأن حقيقة الحدث مانعة من هذه الأفعال، وهى موجودة فى المتوضئ فى ضمن بعض الأعضاء، فكذا حقيقة الرق مانعة من استحقاق حد الحر، وهو الزيادة على خمسين. ونكاح الحر وهو الزيادة على اثنتين، والميراث ولو بفلس، وهى موجودة فى ضمن معنق البعض؛ فلا يستحق العبد معها شيئا، وليس قدر الرق مانعا حتى يقال: إنه قد انتقص جزء منه؛ فينقص أثره بقدره. وظهر من هذا التحقيق حقيقة مذهب أبى حنيفة فى تجزئ العتق وعدمه، وهو أنه متجزئ من حيث الذات، غير متجزئ من حيث الأثر، وما يقال: أنه قوة شرعية وهى ولاية النكاح والإنكاح والشهادة وغيرها، وهى غير متجزئة، ظاهر البطلان؛ لأن هذا دليل عدم انقسام الآثار، لا دليل عدم انقسام نفس العتق؛ لأن هذه القوة أثر للعتق لا عينه؛ لأن العتق قوة فى المعتق، يدفع بها التملك من نفسه، وهذه القوة أثر لزوال الملك لا إلى مالك، فإن زال الملك عن الكل حدث هذه القوة فى الكل، وإن زال عن الجزء حدثت فى الجزء، والدليل على المتجزئ أن الرق سار فى العبد كسراية الملك، فيكون متجزئا كالملك، توضيحه أن الرق إنما يثبت فى الإنسان لضرورة الملك، فیکون تابعا للملك ثبوتا وزوالا، فعند ثبوت الملك فی الکل ثبت الرق فی الکل، وعند ثبوته فى الجزء يثبت فى الجزء، وعند زواله عن الكل يزول عن الكل، وعند زواله عن الجزء يزول عن الجزء، هذا هو التحقيق الذى أنعم الله به على، ولم أره لغیری. وبه يظهر أن نظر أبى حنيفة أدق من نظر صاحبيه، حيث حكموا بعدم تجزئ العتق نظرا إلى عدم تجزئ الآثار، والحق أن عدم تجزئ الآثار شىء، وعدم تجزئ العتق شىء آخر، وقد ذكرنا بحث تجزئ العتق وعدمه فى باب أن معتق البعض لا يرث ولا يورث. قال العبد الضعيف: لا يفرح بهذا التحقيق إلا من فرح بما عنده من العلم، كما هو دأب بعض الأحباب، وقد أخطأ خطأ بينا، حيث لم يفرق بين الرق والملك، ولا نزاع فى أن الرق غير متجزأ والملك متجزأ؛ لأن الرق ضعف فى العبد يثبت حقا لله تعالى؛ لأن الكافر لما استنكف أن يكون عبدا لله خالصا، جازاه الله فصيره عبد عبده، والملك أثر هذا الضعف، يصير به العبد محلا لتصرف الغير فيه بيعا وشراء وهبة ونحوها، وإذا ثبت كون الرق غير متجزأ كذلك؛ لأنه قوة شرعية تثبت فى العبد حقا لله تعالى، ولو جعل العتق عبارة عن زوال الملك لا إلى مالك، صح القول بتجزئه، وأما العتق بمعنى زوال الرق فغير متجزأ اتفاقا، وإنما النزاع فى الإعتاق، هل هو متجزأ ٣٥٢ المكاتب لا يرث ولا يورث إعلاء السنن درجة المتابعة والاستشهاد. أو لا؟ فقال أبو حنيفة بأنه متجزأ؛ لأن الإعتاق عبارة عن إزالة الملك؛ لأنه فعل العبد، وتصرف الإنسان يقتصر على حقه، وحقه الملك دون الرق؛ لأنه حق الله تعالى، كما تقدم، فيلزم أن الثابت بالإعتاق زوال الملك أولا ثم يزول الرق شرعا اتفاقا إذا زال لا إلى مالك، ولو جعلنا الإعتاق إزالة للرق قصدا لكان العبد مبطلا لحق الغير قصدا، وهو باطل. وقالا: الإعتاق إثبات العتق بإزالة ضده - وهو الرق - لأن المحل لا يخلو عن أحدهما، فإزالة أحدهما توجب إزالة الآخر، وهما لا يتجزئان بالاتفاق، فكذلك الإعتاق، وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة، أو تجزئ العتق، وهو باطل. أما الأول فظاهر، وأما الثانى فلأن العتق ضد الرق، وهو غير متجزئ فكذلك ضده. والجواب بمنع قولهم: إن الإعتاق إثبات العتق بإزالة الرق، وإنما هو عبارة عن إزالة الملك، وهو متجزأ بالاتفاق، فكذلك الإعتاق. وبالجملة فإن الرق لا يتجزأ زوالا عند أحد، والنازل بالإعتاق بالذات زوال الملك، وإذا ثبت ذلك لزم فى اعتاق بعض العبد أن يعتق ذلك القدر، أى يزول ملكه عنه، ويبقى كمال الرق فيه، ولازمه شرعا أن لا يبقى فى الرق، فلزم أن يسعى العبد فى باقى قيمته لاحتباس مالية الباقى عنده، وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب، إلا أنه لو عجز لا يرد إلى الاستخدام بخلاف المكاتب، لأن المستسعى زال الملك عن بعضه لا إلى مالك صدقة عليه به، بخلاف المكاتب فإن عتقه بمقابلة التزامه بعقد باختياره، يقال يفسخ بتعجيزه نفسه، فافهم، فإن هذا هو الحق، إن شاء الله تعالى، وهو الذى ذكره الفقهاء كالسرخسى وابن الهمام وغيرهما. وما أورده عليه بعض الأحباب رد عليه؛ فإنهم لم يقولوا: إن العتق قوة شرعية، وهى ولاية النكاح والإنكاح، وإنما قالوا: إن العتق قوة شرعية يقدر بها الإنسان على تصرفات شرعية من الولايات، ولا يتصور ثبوت هذه القوة فى بعضه شائعا، فلزم القطع بعدم تجزئه، وكذلك بعدم تجزئ الرق لكونه عبارة عن ضعف فى العبد، يعجز به الإنسان عن تصرفات شرعية من الولايات، ولا يتصور ثبوته فى بعضه شائعا، والملك متجزئ قطعا، فلزم ما قلنا: إن بإعتاق البعض يزول الملك عن البعض، ويتوقف زوال الرق على زوال الملك عن الباقى. وحاصل الخلاف راجع إلى أن إعتاق البعض هل يوجب زوال الرق أم لا؟ فعنده لا يوجب بل يبقى كل المحل رقيقا، ولكن زال الملك بقدره، وعندهما يوجب زوال الرق عن الكل نظرا إلى ظاهر معنى الإعتاق لغة؛ فإنه عبارة عن إثبات العتق الذى هو ضد الرق، ولم ينظرا إلى حقيقته من ٣٥٣ ج - ١٨ باب فى أن معتق البعض لا يرث ولا يورث ٥٩٩٣- عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله عّ لّه قال: ((من أعتق شركا له فى عبد لكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه كونه فعل العبد، وتصرف الإنسان لا يكون متعديًا عن محل تصرفه إلى محل آخر، وإنما يتعدى إلى ما وراءه ضرورة عدم التجزئ، والملك متجزأ، كما مر، فيقتصر عليه، كذا فى "العناية" و "الكفاية" و"فتح القدير (٢٥٦:٤). وأما حديث ابن عباس: ((إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما أعتق منه، وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه))، فلا نعلم أحدا من الفقهاء قال به، كما فى "المغنى" (١٣٢:٧)، والعمل على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده: ((أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم))، وقد تقدم بسط الكلام فيه فى كتاب المكاتب، فليراجع، ظ. باب فی أن معتق البعض لا يرث ولا يورث قوله: "عن مالك" إلخ: قلت: هذا الحديث نص فى أن العتق يتجزأ، وهو الذى ذهب إليه أبو حنيفة، وخالفه صاحباه، فقالا: إن العتق لا يتجزئ (قال العبد الضعيف: ولا تغفل عما نبهناك عليه سابقا أن الخلاف فى تجزئ الإعتاق وعدمه، أو فى العتق بمعنى زوال الملك، لا فى العتق الذى هو ضد الرق، فهو غير متجزأ اتفاقا، ظ) واحتج لهما الطحاوى بما رواه بسنده عن أبى المليح، عن أبيه: أن رجلا أعتق شقصا له فى مملوك، فأعتقه النبى معَّ ه، وقال: ((ليس لله شريك)). وقال: دل قول النبى عَّ ◌ُله: (ليس لله شريك)) على أن العتاق إذا وجب به بعض العبد لله انتفى أن يكون لغيره على بقيته ملك، فثبت بذلك أن إعتاق الموسر والمعسر جميعا يبرءان العبد من الرق. والجواب عنه أن لا دلالة فى الحديث على ما قال؛ لأن الأصل أن المعتق للبعض إذا كان قادرا على إعتاق الباقى يجب عليه إعتاقه؛ لأنه روى الطحاوى وغيره عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّ، أنه قال: ((من أعتق نصيبا له فى مملوك فعليه خلاصه كله فى ماله، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير شقوق عليه)). وروى الطحاوى أيضا عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى عَ ليه قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من أعتق شركا له فى مملوك فعلیه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه، وإن لم يكن مال يقوم قيمة عدل على المعتق وقد عتق به ما عتق)). ولما كان فيما نحن فيه قادرا على إعتاق الباقى؛ لأن العبد كان كله له، أعتقه النبى معَ ◌ّ لهذا الأصل، لا لأن العتق لا يتجزأ، وقوله: ٣٥٤ معتق البعض لا يرث ولا يورث إعلاء السنن حصتهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق))، رواه الشافعى فى "الأم"(١). (ليس لله شريك)) علة لوجوب إعتاق الباقى، ومعناه أنك إذا أعتقت شقصا منه أبقيت الشقص الآخر على ملكك صرت شريكا مع الله صورة، ولا ينبغى للعبد أن يشارك مع الله؛ لأنه لا شريك له، فوجب عليك إعتاق الشقص الآخر، فلذا أعتقه عليك، فلا دليل فى هذا القول على أن العتق لا يتجزأ، فاندفع الحجة، واستقر عرش التحقيق على ما قال أبو حنيفة. واندحض قول الطحاوى: إن ما قال أبو يوسف ومحمد أصح القولين عندنا، لموافقته لما روى عن النبى معَّ، فمذهب أبى حنيفة كما هو أقوى من جهة الرواية، كذلك هو أقوى من جهة الدراية أيضا؛ لأن الرق ضعف فى العبد، يجعله عرضة للملك، فلا يكون الإعتاق -وهو فعل الإنسان- مؤثرا فى إزالة هذا الوصف قصدا؛ لكونه خارجه عن محلية تصرفه، وإنما يكون مؤثرا فى إزالة الملك الذى هو حقه، وهو متجزأ اتفاقا فكذلك الإعتاق، فافهم. فإذا ثبت أن معتق البعض يبقى رقيقا لا يكون وارثا ولا موروثا؛ لأن توريثه يستلزم توريث الرقيق، وهو خلاف الإجماع، فقد أجمعوا على أن العبد لا يرث ولا يورث كما تقدم، ولأجل ذلك لا يجوز وطئ المعتقة البعض مع كون بعضها مملوكا، ولا توليته على بعض الأبناء والبنات. وقد خفى هذه الدقیقة على بعضهم فقالوا: معتق البعض یرث ویورث، ويحد ویودی، على حسب ما عتق منه ميراث الحر وحده وديته، وقد خفيت هى أيضا على من قال: إنه لا يرث ولا يورث، ولا يحد حد الحر ولا يودى ديته، إلا أنه يستعبده المولى على حسب ما رق منه، فیستخدمه بقدره، ويترك على قدر ما عتق منه. ويطالبون هؤلاء بالفرق بين الوطئ والاستخدام، فإن قالوا: إن الوطئ لا يجوز؛ لأن فيه تصرفا فى غير ما يملكه. قلنا: فكذا فى الاستخدام تصرف فى غير ما يملكه، فإن قالوا: نقيسه على الأمة المشتركة لا يجوز وطئها، ويجوز المباياة فى الاستخدام. قلنا: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الأمة المشتركة مشتركة بين العبدين، ومعتق البعض مشترك بين الله وبين العبد، فالتصرف فى الأمة المشتركة تصرف فى ملك الغير بإجازة المالك، وليس كذلك معتق البعض؛ لأنه لم يأذن الله فى استعباد الحر، بل أوجب على معتق البعض إعتاق الباقى (١) قال العبد الضعيف: رواه الأئمة الستة، فكان العزو إليهم أولى وأوجب. ج - ١٨ معتق البعض لا يرث ولا يورث ٣٥٥ تحرزا عن استعباد الحر إن كان مالكا للباقى أو موسرا، وأوجب فى صورة الإعسار وعدم الملك استسعاء العبد، ولم يأذن باستعباده أصلا. وبهذا التحقيق ظهر أن مذهب الإمام فى معتق البعض أقوى المذاهب، ولله دره ما أدق نظره وأثقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم اعلم أن المکاتب ومعتق البعض کلاهما فی حکم العبد عندنا ما داما حیین، فلا يرثان أحدا، وإذا ماتا يؤدى من تركة المكاتب ما بقى من كتابته إن ترك وفاء، والباقى لورثته، وإن لم یترك وفاء فكل ما تر که لسیده، وإذا مات معتق البعض فإن کان کله مملو کا لواحد فحكمه حكم المكاتب، وإن كان بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، فإن كان الذى لم يعتق استسعى العبد فله من تركته سعايته وله نصف ولائه، وإن كان أغرم الشريك فولاءه كله للذى أعتق بعضه. واحتج الموفق فى "المغنى" لمن قال: إن معتق البعض يرث ويورث على مقدار ما فيه من الحرية، بما روى عبد الله ابن أحمد: حدثنا الديلى، عن يزيد بن هارون، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبى عّ لِّ قال فى العبد يعتق بعضه: ((يرث ويورث على قدر ما عتق منه)) اهـ (٧: ١٣٥). قلت: الرملى هذا لعله محمد بن عبد العزيز العمرى -المعروف بالواسطى - يروى عن طبقة يزيد بن هارون وممن هو دونه، وهو مختلف فيه، قال أبو زرعة: ليس بالقوى. وقال أبو حاتم: عنده غرائب لم يكن عندهم بالمحمود، وهو إلى الضعف ما هو. كذا فى "التهذيب". ولا أعرف ليزيد سماعا من عكرمة؛ فهو منقطع الإسناد أيضا، ولو صح لكان نصا فى محل النزاع، والله تعالى أعلم. قال الحافظ فى "التلخيص": حديث على رضى الله عنه أنه كان يقول فى المبعض: يحجب بقدر ما فيه من الرق. كذا ذكره عنه، والمحفوظ عنه خلاف ذلك، روى البيهقى عنه أنه كان يقول: المملوكون وأهل الكتابة بمنزلة الأموات اهـ (٢٦٧)، وإذا كان ذلك محفوظا عن على ففيه دليل على ضعف ما رواه عبد الله بن أحمد بإسناده عن ابن عباس مرفوعا، فإن عليا أعلم بالفرائض من ابن عباس، فيبعد أن يكون سمع من رسول الله عَّم فى ذلك ما لم يسمعه على رضى الله عنه، فافهم. ٣٥٦ إعلاء السنن باب ميراث الحمل ٥٩٩٤- عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبى هريرة عن عَ لّم قال: ((إذا استهل المولود ورث))، رواه أبو داود ساكتا عليه. النبى عداء باب میراث الحمل قوله: "عن ابن إسحاق إلخ: قلت: هذه الأحاديث تدل على أن الحمل يرث، ولا خلاف فيه، ويشترط لوراثته أن يولد حيا، فإن ولد ميتا لا يرث، ويعلم حياته باستهلاله، أو بما يماثله فى الدلالة على الحياة، كالعطس، أو البكاء، أو غير ذلك، وهو مذهب أبى حنيفة. وقال بعضهم: يشترط الاستهلال فقط، ثم اختلفوا فى معناه، فقال بعضهم: هو رفع الصوت بالبكاء، وقال بعضهم: هو كل صوت يصدر منه، وليس هذا شىء؛ لأن المعتبر هو دليل الحياة، وهو غير مختص بالبكاء أو مطلق الصوت. وأخرج الدارمى عن مكحول، قال: قال رسول الله عرّ له: ((لا يرث المولود حتى يستهل صارخا وإن وقع حيا)). وهذا يدل على اشتراط الاستهلال بخصوصه. والجواب عنه أن قوله: ((وإن وقع حيا)) زيادة منكرة، تفرد بها مكحول عن مجهول؛ لأن الحديث مرسل، ثم الاستهلال لم يكن شرطا إلا لدلالته على الحياة، فكل ما كان دالا على الحياة يكون مثله، وإن سلم صحة هذه الزيادة يقال: إن معنى الحديث أن المولود لا يرث حتى يعلم حياته بالاستهلال أو مثله وإن كان حيا فى الواقع؛ لأنه لما لم يعلم حياته كان كالميت فى علمنا، والله أعلم. قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": من ولد بعد موت موروثه فخرج حيا كله أو بعضه، أقله أو أكثره، ثم مات بعد تمام خروجه أو قبل تمام خروجه، عطيس أو لم يعطس، وصحت حياته بيقين، بحركة عين أو يد أو نفس أو بأى شىء صحت، فإنه يرث ويورث، ولا معنى للاستهلال، وهو قول أبى حنيفة، وسفيان الثورى، والأوزاعى، وأبى سليمان، وبرهان ذلك قول الله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى أولادكم﴾، وهذا ولد بلا شك، وقال الشافعى: لا يرث ولا يورث حتى يخرج حيا كله، وهذا قول لا برهان على صحته. وقالت طائفة: لا يرث ولا يورث وإن رضع وأكل ما لم يستهل صارخا، وهو قول مالك. واحتج له مقلدوه بما روى عن عمر: أنه كان يفرض للصبى إذا استهل صارخا. ولا حجة فيه على أنه لا يورث أباه إلا بالاستهلال، وبالخبر الثابت عن رسول الله عّ لّه أنه قال: ((صياح المولود حين يقع فزعة من الشيطان))، وليس فيه شىء مما ذكروه من حكم الميراث، وبما روينا من طريق ابن ج . - ١٨ ميراث الحمل ٣٥٧ ٥٩٩٥- ورواه ابن ماجة فقال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا الربيع بن بدر، ثنا أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله عدّ له: ((إذا استهل الصبى صلى عليه وورث)). إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى هريرة مرفوعا: ((إذا استهل المولود ورث))، ومن طريق النسائى بسنده عن أبى الزبير، عن جابر مرفوعا: ((الصبى إذا استهل ورث وصلى عليه))، وبه نقول ولیس فیہ أنه إذا لم يستهل لم یرث. وأيضا الاستهلال فى اللغة الظهور، نقول: استهل الهلال إذا ظهر، فيكون المعنى إذا ظهر المولود حيا ورث، وهو قولنا. ومن طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن، حدثت عن أبى الأحوص (فيه انقطاع) عن محمد بن الهيثم: نا محمد بن أبى السرى العسقلانى، عن بقية، عن الأوزاعى، عن أبى الزبير، عن جابر مرفوعا: ((إذا استهل المولود صلى عليه وورث، ولا يصلى عليه حتى يستهل)). وفيه بقية (وقد عنعن وهو مدلس، ومحمد بن أبى السرى له مناكير، وقال ابن عدى: كثير الغلط)، كذا فى "الميزان" (١٢٨:٣). قال: والآثار المذكورة عن الصحابة إنما فيها أنه إذا استهل ورث، ولم نخالفهم فى ذلك، وليس فيها إذا لم يستهل لم يورث؛ فلا حجة لهم فيها، ثم نسألهم عن مولود ولد فلم يستهل إلا أنه تحرك ورضع وطرف بعينه، ثم قتله قاتل عمدا، أيجب فيه قصاص أو دية أم ليس فيه إلا غرة؟ فإن قالوا: فيه القود أو الدية، نقضوا قولهم، وأوجبوا أنه ولد حى، فلم منعوه الميراث؟ وإن قالوا: ليس فيه إلا غرة، تركوا قولهم، والله الموفق اهـ ملخصا (٣١٠:٩). ثم اعلم أن الآثار التى ذكرها بعض الأحباب ههنا لا تناسب ترجمة الباب، فإنه لا دلالة فيها على ميراث الحمل، وإنما فيها بيان ميراث المولود أنه متى يرث؟ ومما يدل على ميراث الحمل ما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - زوج النبى عّ لّه - قالت: (إن أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- قال فى الأوساق التى نحلها إياها: فلو كنت جددتيه أو احتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله تعالى، فقالت عائشة -رضى الله عنها: والله يا أبت لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هى أسماء فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة أراها جاوية)). وهذه قضية قد انتشرت تلقتها الأمة بالقبول، ولم يخالفها أحد من الفقهاء، فكان إجماعا. وروی البیہقی فی "سننه" من طریق إبراهيم بن یحیی بن زيد بن ثابت (له ذكر فى "تعجيل المنفعة" ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا) عن جدته أم سعد بنت سعد الربيع - امرأة زيد ٣٥٨ ميراث الحمل إعلاء السنن ٥٩٩٦- وحدثنا العباس بن الوليد الدمشقى، ثنا مروان بن محمد، ثنا سليمان بن بلال، حدثنى يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة، قالا: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يرث الصبى حتى يستهل صارخا، قال: واستهلا له أن يبكى أو يصيح أو يعطس)). ابن ثابت- أنها أخبرته، قالت: رجع إلى زيد بن ثابت يوما، فقال: إن كانت لك حاجة أن نكلمه فى ميراثك من أبيك، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- قد ورث الحمل اليوم، وكانت أم سعد حملا مقتل أبيها سعد بن الربيع، فقالت أم سعد: ما كنت لأطلب من إخوتى شیئا اهـ (٢٥٨:٦). قال الموفق فى "المغنى": إذا مات الإنسان عن حمل يرثه وقف الأمر حتى يتبين، فإن طالب الورثة بالقسمة لم يعطوا كل المال بغير خلاف، إلا ما حكى عن داود، والصحيح عنه مثل قول الجماعة، ولكن يدفع إلى من لا ينقصه الحمل كمال ميراثه وإلى من ينقصه أقل ما يصيبه، ولا يدفع إلى من يسقطه شىء، فأما من يشاركه فأكثر أهل العلم قالوا: يوقف للحمل شىء، ويدفع إلى شركاءه الباقى، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وشريك، والليث، ويحيى بن آدم، وهو رواية الربيع عن الشافعى، والمشهور عنه أنه لا يدفع إلى شركائه شىء؛ لأن الحمل لا حد له، ولا نعلم كم يترك له. وقد حكى الماوردى (الشافعى) قال: أخبرنى رجل من أهل اليمن ورد طالبا للعلم - وكان من أهل الدين والفضل - أن امرأة ولدت باليمن شيئا كالكرش، فظن أن لا ولد فيه، فألقى على قارعة الطريق، فلما طلعت الشمس وحمى بها تحرك، فأخذ وشق، فخرج منه سبعة أولاد ذكور، عاشوا جميعا، وكانوا خلقا سويا إلا أنه كان فى أعضادهم قصر، قال: وصارعنى أحدهم فصرعنى، فكنت أعير به، فيقال: صرعك سبع رجل، وقد أخبرنى من أثق به سنة ثمان وستمائة أو سنة تسع عن ضرير بدمشق أنه قال: ولدت امرأتى فى هذه الأيام سبعة فى بطن واحد. (قلت: لم يقل من كان يثق به: إن الضرير كان ثقة؛ فلا حجة فيه) قال: وكان بدمشق أم ولد لبعض كبراءها، وتزوجت بعده من كان يقرأ على، وكانت تلاقى كل بطن ثلاثة، وقال غيره: هذا نادر ولا يعول عليه؛ فلا يجوز منع الميراث من أجله، كما لو لم يظهر بالمرأة حمل (لا يمنع الميراث بالاحتمال). واختلف القائلون بالوقف فيما يوقف، فروى عن أحمد أنه: يوقف نصيب ذكرين إن كان ج - ١٨ ٣٥٩ باب میراث الخنثى ٥٩٩٧- عن الشعبى: أن عليا ورث خنثى من حيث يبول، رواه عبد الرزاق، كذا فى "كنز العمال". ميراثهما أكثر، أو ابنتين إن كان نصيبهما أكثر، وهذا قول محمد بن الحسن، واللؤلؤى (لأن ولادة التوأمين كثير معتاد، والزيادة عليهما نادر، فلم يوقف له شىء)، وقال شريك: وقف نصيب أربعة؟ فإنى رأيت لأبى إسماعيل أربعة ولدوا فى بطن واحد، محمد، وعمر، وعلى، قال يحيى بن آدم: وأظن الرابع إسماعيل. وروى ابن المبارك هذا القول عن أبى حنيفة، ورواه الربيع عن الشافعى، وقال الليث وأبو يوسف: نصيب غلام، ويؤخذ ضمين من الورثة، ومتى ولدت المرأة من يرث الموقوف كله أخذه وإن بقى منه شىء رد إلى أهله، وإن أعوز شيئا رجع على من هو فى يده (أو على الضامن) أهـ ملخصا (٧: ١٩٤). قلت: قول أبى يوسف هو المفتى به فى المذهب، كما فى "السراجية"، والله تعالى أعلم. باب میراث الخنثى قوله: "عن الشعبى" إلخ: قلت: وقال الدارمى: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو هانى، قال: سئل عامر (الشعبى) عن مولود ولد وليس بذكر ولا أنثى، ليس له ما للذكر وليس له ما للأنثى، يخرج من سرته كهيئة البول والغائط، سئل عن ميراثه؟ فقال: نصف حظ الذكر ونصف حظ الأنثى اهـ، قلت: به يعلم حكم الخنثى المشكل. قال العبد الضعيف: روى البيهقى فى "سننه" من طريق محمد بن إسماعيل البخارى: حدثنى بشر بن محمد، أنا عبد الله أنا الحسن بن كثير سمع أباه، قال: شهدت عليا فى خنثى، قال: انظروا مسيل البول فورثوه منه، وفى لفظ له من وجه آخر: فقال على رضى الله عنه: إن بال من مجرى الذكر فهو غلام، وإن بال من مجرى الفرج فهو جارية. ومن طريق همام عن قتادة، قال سجن جابر بن زيد (أبو الشعثاء) زمن الحجاج، فأرسلوا إليه يسألونه عن اخنثی کیف یورث؟ فقال: تسجنوننی وتستفتوننی؟ ثم قال: انظروا من حیث یبول، فورثه منه، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، قال: فإن بال منهما جميعا؟ قلت: لا أدرى، فقال سعيد: يورث من حيث يسبق، قال: وقد روى فيه حديث مسند بإسناد ضعيف. ٣٦٠ میراث الخنثى إعلاء السنن ٥٩٩٨- وأخرج عبد الرزاق نحوه عن سعيد بن المسيب، وزاد: فإن كانا فى البول سواء فمن حيث سبق، كذا فى "الزيلعي" ثم أخرج من طريق يعقوب بن إبراهيم القاضى (صاحب الإمام أبى حنيفةٍ): ثنا محمد إبن السائب، عن أبى صالح، عن ابن عباس: أن رسول الله عّ لّه سئل عن مولود ولد له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال النبى غَ طِّ: ((يورث من حيث يبول)). قال البيهقى: محمد بن السائب الكلبى لا يحتج به (٦٦١:٦). قلت: نعم ولكن تأيد بقول على رضى الله عنه، فالظاهر أنه لم يقل ما قال إلا بالسماع، والله تعالى أعلم. وقال الموفق فى "المغنى": الخنثى هو الذى له ذكر وفرج امرأة، أو ثقب فى مكان الفرج يخرج منه البول، وينقسم إلى مشكل وغير مشكل، فالذى تبين فيه علامات الذكورية أو الأنوثية فيعلم أنه رجل أو امرأة فليس بمشكل، وإنما هو رجل فيه خلقة زائدة، أو امرأة فيه خلقة زائدة، وحکمه فى إرثه وسائر أحکامه حکم ما ظهرت علاماته فیه، ويعتبر بمباله فى قول من بلغنا قوله من أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الخنثى يورث من حيث يبول، إن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة، وممن روى عنه ذلك على، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وأهل الكوفة، وسائر أهل العلم، قال ابن اللبان: روى الكلبى عن أبى صالح، عن ابن عباس: أن النبى معَّ قال، فذكر ما رواه البيهقى من طريق أبى يوسف القاضى. قال: وروى أنه عليه السلام أتى بخنثى من الأنصار، فقال: ((ورثوه من أول ما يبول منه)). ولأن خروج البول أعم العلامات لوجودها من الصغير والكبير، وسائر العلامات إنما يوجد بعد الكبير، مثل نبات اللحية، وتفلك الثدى، وخروج المنى، والحيض، والحبل، وإن بال منهما جميعا اعتبرنا أسبقهما، نص عليه أحمد، وروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال الجمهور، فإن خرجا معا ولم يسبق أحدهما فقال أحمد: يرث من المكان الذى ينزل منه أكثر، وحكى هذا عن الأوزاعى، وصاحبى أبى حنيفة، ووقف فى ذلك أبو حنيفة، ولم يعتبره أصحاب الشافعى فى أحد الوجهين، فإن استويا فهو حينئذ مشكل، فإن مات له من يرثه، فقال الجمهور: يوقف الأمر حتى يبلغ، فيتبين فيه علامات الرجل من نبات اللحية، وخروج المنى من ذكره، وكونه منى رجل، أو علامات النساء من الحيض، والحيل، وتفلك الثديين، نص عليه أحمد.