النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
إعلاء السنن
باب عدم جواز الوصية للوارث
٥٩٧٢- عن يونس بن راشد، عن عطاء الخراسانى، عن عكرمة، عن ابن عباس،
قال: قال رسول الله عَ له: ((لا يجوز لوارث وصية إلا أن يشاء الورثة))، قال الذهبى فى
·"الميزان": وإسناده جيد، وقال ابن حجر فى "الدراية": رجاله لا بأس بهم.
٥٩٧٣- وعن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبى أمامة: أن
النبى عَّ خطب، فقال: ((إن الله تعالى قد أعطى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث))،
قال الترمذى: حديث حسن، وقال ابن حجر فى "الدراية": إسناده قوى.
قلت :: فما حكاه عن أبى حنيفة: القليل أن يصيب أقل الورثة سهما خمسون
درهما (٤١٦:٦) محمول على عرف زمانه، لا على التقييد العام، والله تعالى أعلم،ظ.
باب عدم جواز الوصية للوارث
قوله: "عن يونس" إلخ: قلت: وهذان الحديثان أمثل ما روى فى الباب، وقال البيهقى: قال
أحمد بن حنبل: ما روى إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، وكذلك قاله البخارى وجماعة
من الحفاظ، وهذا الحديث إنما رواه إسماعيل عن شامى، وقال ابن التر كمانى: وليس فى رجاله
مجهول، وابن عیاش معروف، ورواه عن شامی، ولهذا قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
قال العبد الضعيف: قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له بعد ما ذكر طرق الحديث ما
نصه: وهذا الخبر المأثور عن النبى معَّه فى ذلك، ورووه من الجهات التى وصفنا، هو عندنا فى حيز
التواتر؛ لاستفاضته وشهرته فى الأمة، وتلقى الفقهاء إياه بالقبول، واستعمالهم له، وجائز عندنا
نسخ القرآن بمثله إذا كان فى حيز ما يوجب العلم والعمل من الآيات اهـ (١٦٦:١)، وقال ابن المنذر
وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله عَّ ◌ُلّه بذلك، فروى أبو
أمامة قال: سمعت رسول الله عَّ يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذى حق، فلا وصية لوارث))،
رواه أبو داود، وابن ماجة، والترمذى، كذا فى "المغنى" (٤١٩:٦).
قال: فإن أجازها الورثة جازت فى قول الجمهور من العلماء وقال بعض أصحابنا: الوصية
باطلة وإن أجازها سائر الورثة، إلا أن يعطوه عطية مبتدأة، أخذا من ظاهر قول أحمد فى رواية
حنبل: لا وصية لوارث، وهذا قول المزنى وأهل الظاهر، وهو قول للشافعى.

ج - ١٨
عدم جواز الوصية للوارث
٣٠٢
واحتجوا بظاهر قول النبى عَّ له: ((لا وصية لوارث))، وظاهر مذهب أحمد والشافعى أن
الوصية صحيحة فى نفسها، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرف صدر من أهله فى محله،
والخبر قد روى فيه: "إلا أن يجيز الورثة"، والاستثناء من النفى إثبات، فيكون ذلك دليلا على
صحة الوصية عند الإجازة اهـ.
قلت: أخرجه الدارقطنى من حديث ابن عباس بلفظ: "إلا أن يشاء الورثة"، كما هو
مذكور فى المتن، وأبو داود فى "المراسيل": من مرسل عطاء الخراسانى، ووصله يونس بن راشد،
فقال: عن عكرمة، عن ابن عباس، أخرجه الدار قطنى، والمعروف المرسل (التلخيص الحبير ٢٦٩)،
وقد عرفت أن إسناده جيد، ورجاله موثقون، والرفع والوصل زيادة لا تنافى الإرسال، فتقبل من
الثقة، وأخرجه الترمذى: من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن
خارجة، مرفوعا: ((لا وصية لوارث))، وقال: حسن صحيح، وزاد البيهقى فيه: ((إلا أن يجيز
الورثة)) (٢٦٤:٢).
وقال الجصاص: روى عن النبى معَّه أنه قال: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة))، وفيه
بيان أن الأخبار الواردة بأن لا وصية لوارث من غير ذكر إجازة الورثة محمولة على أن الورثة
لم يجيزوها، ويدل أيضا على أن إجازة الورثة معتبرة بعد الموت؛ لأنهم فى حال حياته ليسوا
بورثة، وإنما تحصل لهم هذه السمة بعد موت المورث.
ويدل على أن الورثة متى أجازت الوصية لم يكن ذلك هبة مستأنفة من جهتهم، فتحمل
على أحكام الهبات فى شرط القبض والتسليم، ونفى الشيوع فيما يقسم والرجوع فيها، بل تكون
محمولة على أحكام الوصايا، ودل أيضا على جواز العقود الموقوفة التى لها مجيز؛ لأن الميت عقد
الوصية على مال هو للوارث فى حال وقوع الوصية، وجعلها النبى عّ لّه موقوفة على إجازة
الوارث، فصار ذلك أصلا فيمن عقد عقد بيع، أو عتق، أو هبة، أو رهن، أو إجارة على مال الغير،
أنه يقف على إجازة مالكه، إذ كان عقداً له مالك بملك ابتداءه وإبقاءه.
وقد دل أيضا على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث كانت موقوفة على إجازة الورثة، كما
وقفها النبى عدّة على إجازتهم إذا أوصى بها لوارث، فهذه المعانى كلها فى ضمن قوله عليه
السلام: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة)) اهـ ملخصا (١٦٨:١)،ظ.

٣٠٣
إعلاء السنن
باب عدم جواز الوصية بما زاد على الثلث
وجوازها بالثلث فما دونه
٥٩٧٤- عن سعد بن أبى وقاص قال: قلت: يا رسول الله! إن لى مالا كثيرا، وإنما
يرثنى ابنى أفأوصى بمالى كله؟ قال: لا، قلت: فبالثلثين؟ قال: لا، قلت: فبالنصف؟ قال:
لا، قلت: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، أخرجه الأئمة الستة فى كتبهم (زيلعى).
باب عدم جواز الوصية بما زاد على الثلث إلخ
قوله: عن سعد إلخ: قلت: وهو يدل على أن الوصية لا تجوز بما زاد على الثلث، وتجوز
بالثلث فما دونه.
قال العبد الضعيف: هو مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، قال الموفق فى "المغنى": إن الوصية
لغير الوارث تلزم فى ثلث من غير إجازة، وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه
جاز، وإن ردوه بطل فى قول جميع العلماء، والأصل فى ذلك قول النبى معَ له السعد: ((الثلث
والثلث كثير))، وقوله عليه السلام: ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند مما تكم)) (رواه
الدار قطنى من حديث أبى أمامة، وفيه إسماعيل بن عياش وعتبة بن حميد، وهما ضغیفان، ورواه
أحمد من حديث أبى الدرداء، ورواه ابن ماجة والبزار والبيهقى من حديث أبى هريرة، وإسناده
ضعيف (التلخيص الحبير ٢٦٨).
قلت: لم يعل الحافظ طريق أحمد عن أبى الدرداء بشىء، وهذه طريق عديدة يقوى بعضها
بعضا) قال: ولا يعتبر الرد والإجازة إلا بعد موت الموصى، نص عليه أحمد، وروی ذلك عن ابن
مسعود، وهو قول شريح وطاوس والحكم والثورى والحسن بن صالح والشافعى وأبى حنيفة
وأصحابه وأبی ثور وابن المنذر.
وقال الحسن وعطاء وحماد بن أبى سليمان وعبد الملك بن يعلى والزهرى وربيعة والأوزاعى
وابن أبى ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأن الحق للورثة، فإذا رضو بتركه سقط حقهم، كما لو رضى
المشتری بالعيب، وقال مالك: إن أذنوا له فی صحته فلهم أن یرجعوا، وإن کان ذلك فى مرضه
وحين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم. ولنا أنهم أسقطوا حقوقهم فيما لم يملكوه، فلم يلزمهم
كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، أو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع، ولأنها حالة لا يصح
فيها ردهم للوصية، فلم يصح فيها إجازتهم اهـ (٤٢٨:٦)، ظ.

٣٠٤
ج - ١٨
باب رد الوصية بعد الإجازة
٥٩٧٥- قال أبو حنيفة: عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود فى
الرجل يوصى بوصية فتجيزها الورثة فى حياته، ثم يردون بعد موته، قال: ذلك النكرة
لا يجوز، رواه محمد فى "الآثار".
باب أن للموصى تغيير وصيته
٥٩٧٦- عن الحجاج بن المنهال، عن همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن
عبد الله بن أبى ربيعة، أن عمر قال: يحدث الرجل فى وصيته ما شاء، وملاك القضية
آخرها، أخرجه ابن حزم (التلخيص الحبير).
باب رد الوصية بعد الإجازة
قوله: قال أبو حنيفة إلخ: وقال: به نأخذ إجازة الورثة قبل الموت ليس بشىء، فإن أجازوه
بعد الموت وهى لوارث أو أكثر من الثلث فذلك جائز، وليس لهم أن يرجعوا، وهو قول أبى
حنيفة. قلت: معنى قوله "ذلك النكرة لا يجوز": إن ذلك الرد هو الإنكار من إجازة الوصية، فلا
يجوز الوصية به، فافهم، والله أعلم . .
باب أن للموصی تغيير وصيته
قوله: عن الحجاج إلخ: قال العبد الضعيف: لم يعله ابن حزم بشىء، وإنما قال: لا حجة فى
أحد دون رسول الله عَّه، وهى كلمة حق أريد بها الباطل، فإن قول الصحابى إذا لم يكن له
مخالف بمنزلة الإجماع، والاحتجاج بالإجماع احتجاج بقول الله وقول رسوله عّ لّه، لأنه لا
يكون إلا حقا كما مر غير مرة.
وأما قوله: ورب قضية خالفوا فيها عمر، ولا يعرف له مخالف فى ذلك من الصحابة أهـ،
فرد عليه، كما لا يخفى على من طالع كتابنا هذا، إن شاء الله تعالى.
قال: وصح عن طاوس وعطاء وأبى الشعثاء وقتادة والزهرى أن للموصى أن يرجع فى
وصيته عتقا كان أو غيره، وهو قول أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وقال آخرون بخلاف ذلك،
روينا عن إبراهيم النخعى فيمن أوصى إن مات أن يعتق غلام له فقال: ليس له أن يرده فى الرق،
وليس للعتق كسائر الوصية.
ومن طريق عبد الرزاق، والضحاك بن مخلد، كلاهما عن سفيان الثورى، عن أبى إسحاق

٣٠٥
إعلاء السنن
باب الوصية للكافر الذمى
٥٩٧٧- عن عكرمة: أن صفية قالت لأخ لها یهودی: أسلم ترثنی، فرفع ذلك
إلى قومه، فقالوا: تبيع دينك بالدنيا، فأبى أن يسلم، فأوصت له بالثلث.
الشيبانى، عن الشعبى، قال: كل صاحب وصية يرجع فيها إلا العتاقة، ومن طريق عبد الرزاق، عن
معمر، عن ابن شبرمة، وغيره من علماء الكوفة، قالوا: كل صاحب وصية يرجع فيها إلا العتاقة،
وبه يقول سفيان الثورى (٣٤١:٩): هو قول ابن حزم، قال: وقياسهم العتق على سائر الوصايا،
فالقياس كله باطل، ولأن الحنيفيين والمالكيين لا يجيزون الرجوع فى التدبير، ولا بيع المدبر، وهذه
وصية بالعتق فى كل حال؛ لأنه عتق لما لا يجب إلا بالموت، ولا يخرج إلا من الثلث اهـ.
. قلت: فرق بين التدبير والوصية بالعتق، فإن التدبير سبب الحرية؛ لأن الحرية ثبتت بعد
الموت، ولا سبب غيره، وجعله سببا فى الحال أولى؛ لوجوده فى الحال وعدمه بعد الموت، بخلاف
الوصية فإنها ليست بسبب للحرية، وإنما هى خلافه فى الحال؛ لأن الموصى يجعل الموصى له خلفا
فى بعض ماله، ولذلك لا يتوقف التدبير على قبول العبد، والوصية تتوقف على قبول الموصى له،
ولذا لم يجز بيع المدبر، وجاز بيع العبد الموصى له بالإعتاق قبل موت الموصى، ولأنه تبرع لم يتم،
فجاز الرجوع عنه كالهبة، ولأن القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول
فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون.
قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على أن للوصى أن يرجع فى جميع ما أوصى به
وفى بعضه إلا الوصية بالإعتاق (ففيه خلاف) والأكثرون على جواز الرجوع فى الوصية به أيضا،
روی عن عمر رضى الله عنه أنه قال: یغیر الرجل ما شاء من وصيته، وبه قال عطاء و جابر بن زيد
والزهرى وقتادة ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال الشعبى، وأبن سيرين، وابن شهرمة، والنخعى: يغير منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه إعتاق
بعد الموت، فلم يملك تغييره. ولنا أنّها وصية، فملك الرجوع عنها، ولأنها عطية تنجز بالموت،
فجاز له الرجوع منها قبل تنجيزها، كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه، وفارق التدبير فإنه تعليق
على شرط، فلم يملك تغييره كتعليقه على صفة فى الحياة اهـ (٤٨٦:٦)، ظ.
باب الوصية للكافر الذمى
قوله: "عن عكرمة" إلخ: قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": الوصية للذمى

ج - ١٨
الوصية للكافر الذمى
٣٠٦
٥٩٧٨- ومن طريق أم علقمة: أن صفية أوصت لابن أخ لها يهودى، وأوصت
لعائشة بألف دينار، وجعلت وصيتها إلى عبد الله بن جعفر، فطلب ومن أخيها الوصية،
جائزة، ولا نعلم فى هذا خلافا وقد قال رسول الله عَ ليه: ((فى كل ذى كبد رطبة أجر)) (٣٢٢:٩).
قلت: الدليل أعم من الدعوى، فإن الحربى ذو كبد رطبة أيضا، وقال الموفق فى "المغنى":
تصح وصية المسلم للذمى، والذمى للمسلم، والذمى للذمى، روى إجازة المسلم للذمى عن شريح
والشعبى والثورى والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وقال محمد
ابن الحنفية، وعطاء، وقتادة، فى قوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾، هو وصية
المسلم لليهودى والنصرانى.
وقال سعيد: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: ((أن صفية بنت حیی باعت حجرتها من
معاوية رضى الله عنهما بمائة ألف، وكان لها أخ يهودى، فعرضت عليه أن يسلم فیرث، فأبى،
فأوصت له بثلث المائة ألف)) اهـ.
قال: وتصح الوصية للحربى فى دار الحرب، نص عليه أحمد، وهو قول مالك وأكثر
أصحاب الشافعى، وقال بعضهم: لا تصح، وهو قول أبى حنيفة، لأن الله تعالى قال: ﴿لا ينهاكم
الله عن الذين لم يقاتلو کم فى الدين﴾ إلى قوله: ﴿إنما ينها كم الله عن الذین قاتلو کم فى الدين﴾
الآية، فيدل ذلك على أن من قاتلنا لا يحل بره. قال: ولنا أنه تصح هبة فصحت الوصية له كالذمى.
وقد روى: أن النبى معَّ أعطى عمر حلة من حرير، فقال: يا رسول الله! كسوتنيها وقد
قلت فى حلية عطارد ما قلت، فقال: إنى لم أعطكها لتلبسها، فكساها عمر أخا مشر كا له بمكة.
وعن أسماء بنت أبى بكر: أن رسول الله عَّ أذن لها فى صلة أمها، وقد جاءت وهى راغبة تعنى
عن الإسلام. وهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم، والآية حجة لنا فيمن لم يقاتل، فأما المقاتل فإنه
نهى عن توليه لا عن بره والوصية له، وإن احتج بالمفهوم فهو لا يراه حجة، ثم قد حصل الإجماع
على جواز الهبة، والوصية فى معناها اهـ (٥٣١:٦).
قلت: لا نزاع فى جواز صلة الحربى، وإنما النزاع فى جواز الوصية له وهو فى دار الحرب،
قال فى "شرح السير الكبير": لا بأس أن يصل الرجل المسلم المشرك، قريبا كان أو بعيدا، محاربا
كان أو ذميا، واستدل عليه بأحاديث، منها: أنه بعث رسول الله عَّة خمسمائة دينار إلى مكة حين
قحطوا، أمر بدفع ذلك إلى أبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، ليفرقا على فقراء مكة، فقبل
ذلك أبو سفيان، وأبى صفوان. قال: وبه نأخذ؛ لأن صلة الرحم محمودة عند كل عاقل وفى كل
..

٣٠٧
الوصية للكافر الذمى
إعلاء السنن
فوجد عبد الله قد أفسده، فقالت عائشة: أعطوه الألف دينار التى أوصت لى بها عمته،
رواهما البيهقى (التلخيص الحبير).
دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، قال عرّجله: ((بعث لأتمم مكارم الأخلاق)). فعرفنا
أن ذلك حسن فى حق المسلمين والمشركين جميعا. وقال محمد فى "موطئه": لا بأس بالهدية
إلى المشرك المحارب ما لم يهد إليه سلاح أو درع، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ من
"رد المحتار" (٦٤٣:٥).
وفى "شرح السير" فى باب ما يختلف فيه أهل الحرب وأهل الذمة ما نصه: وصية الذمى
للحربى المستأمن بالثلث صحيحة بمنزلة وصية المسلم للذمى، ووصية المسلم أو الذمى لحربى فى
دار الحرب لا تكون صحيحة، وإن أجازها الورثة، إلا أن يشاءوا أن يهبوا له شيئا من أموالهم
فيجوز ذلك إذا قبض؛ لأن من فى دار الحرب فى حق من هو فى دار الإسلام كالميت اهـ
(٢٢٩:٤)، فتراه قد أجاز الهبة له إذا تمت بالقبض، ولم يجز الوصية له لكونه كالميت فى حقنا،
والوصية للميت باطلة عندنا، وبه قال الشافعى، وأحمد، والفرق بين الهبة والوصية أن الهبة تمليك
العين منجزا، فإذا وصل الموهوب إلى الموهوب له فى دار الحرب -سواء دخلها الواهب مستأمنا، أو
أرسله على يد رسول يدخلها- لم يكن هبة للميت؛ لأن الحربى كالميت فى حق من هو فى دار
الإسلام، لا فى حق من دخل دار الحرب مستأمنا، فتتم بالقبض، بخلاف الوصية، فإنها تمليك
مضاف إلى ما بعد الموت، فلا بد من أن يكون الموصى له حيا فى حقنا، وليس ذلك إلا بأن يكون
فى دار للإسلام، وإلا لزم توقيف عقد ليس له مجيز عند العقد، وذلك لا يجوز.
ولعلك قد عرفت بذلك أن بطلان الوصية للحربى إنما هو مبنى على تباين الدار، فلو أن
مستأمنا فينا أوصى بماله لحربى فى دار الحرب صحت الوصية؛ لأن المستأمن من أهل دار الحرب
حكما، ولو أوصى مسلم أو ذمى لمسلم أو ذمى هو فى دار الحرب بأمان أو الأسير صحت؛ لأن
هناك لم يوجد تبائن الدار حكما، فالمسلم من أهل دار الإسلام حيث ما يكون، وكذلك لو أوصى
لحربى قد أسلم فى دار الحرب؛ لأن المسلم من أهل دار الإسلام حيث ما يكون، كذا فى "شرح
السير" (٢٢٩:٤). وفى "المبسوط": لو أوصى لحربى فى دار الحرب لم تجز الوصية؛ لتبائن
الدارين وإن أجازت الورثة؛ لكونه محاربا حكما اهـ (١٧٧:٢٧).
ولله الحمد على الموافقة، ولم يتنبه الموفق لهذا المبنى، وظن أن بطلان الوصية للحربى مبنى
على النهى عن موالاة المحاربين فقال ما قال، ولو كان كذلك لأبطلنا الهبة والصلة والهدية له أيضا،

ج - ١٨
٣٠٨
باب بطلان وصية الصبى
٥٩٧٩- عن ابن عباس، قال: لا تصح وصية الصبى حتى يحتلم، رواه ابن قدامة
فى "المغنى": بغير إسناد.
وقد عرفت أنا قائلون بجواز كل ذلك للحربى؛ لكونها منجزة غير مضافة إلى ما بعد الموت،
بخلاف الوصية فإن جوازها للحربى يستلزم توقيف عقد ليس له مجيز عند العقد، وهو
باطل، فافهم.
وأيضا فإن الوصية للقاتل باطلة عندنا كما سيأتى، والحربى قاتل حكما إذا كان فى دار
الحرب؛ فلا تجوز الوصية له، وقياس الوصية على الهبة لا يصح؛ فإن الوصية للوارث باطلة، والهبة
له جائزة، فافهم.
باب بطلان وصية الصبى
قوله: "عن ابن عباس" إلخ: قلت: إليه ذهب أبو حنيفة. وقال أحمد، ومالك، والشافعى:
يجوز وصية الصبى إذا بلغ عشر سنين، واحتجوا لذلك بما روى مالك فى "موطئه" عن عبد الله
ابن أبى بكر، عن أبيه أن عمرو بن سليم أخبره، أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا غلاما
يفاعا لم يحتلم وورثته بالشام، وهو ذو مال وليس له ههنا إلا ابنة عم له، فقال عمر: فليوص لها،
فأوصى لها بمال يقال لها بئر جشم، قال عمرو بن سليم: فبعت ذلك المال بثلاثين ألفا، وابنة عمه
التى أوصى لها هى أم عمرو بن سليم، قال أبو بكر: وكان الغلام ابن عشرة أو اثنى عشرة سنة
(المغنى لابن قدامة).
وقالوا: إنه تصرف تمحض نفعا للصبى، فصح منه كالإسلام والصلاة، وذلك لأن الوصية
صدقة، يحصل ثوابها له بعد غناه عن ماله، فلا يلحقه ضرر فى عاجل دنياه ولا أخراه، بخلاف
الهبة والعتق المنجر، فإنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه، إذا ردت رجعت إليه، وههنا لا يرجع
إليه بالرد.
والجواب عنه أن الوصية توريث لغير الوارث بالاختيار؛ فلا تصح من الصبى كإقراره
بالوارث؛ لأن فيه إضرارا بالورثة، فلا يملكه من لا يمكنه الإضرار، بخلاف البالغ فإنه يمكن إضراره
بالإقرار، فيمكنه الإضرار بالوصية، فإن قلت: إنه ليس فى الوصية إضرارا بالورثة؛ لأن حقهم متعلق
بالثلثین دون الثلث الباقى.
قلنا: حقهم متعلق بجميع التركة، ولذا يرثون جميعها إن مات المورث بلا وصية أو إقرار،

3
إعلاء السنن
بطلان وصية الصبى
٣٠٩
فيكون الوصية والإقرار إضرارا لهم لا محالة، فيجوز ممن يجوز منه الإضرار كالبالغ، ولا يجوز
ممن لا يجوز منه الإضرار كالصبى، وتركنا قول عمر فى ذلك لقول ابن عباس؛ لأنه أرجح من
حيث الدليل وأقوى، وهذا مما من الله به على وما رأيته لأحد من قبلى، وليس هذا بأول من منه عز
وجل على، بل لو تتبعت هذا الكتاب لوجدت مننا كثيرة من جنسه، والحمد لله على ذلك.
وأجاب صاحب "الهداية": عن أثر عمر بأنه محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم
مجازا، أو كانت وصيته فى تجهيزه وأمر دفنه، وهذا الجواب صيغ على أنه لم يطلع على الرواية
بتمامھا، فإنه قد صرح فى الرواية بأنہ کان لم يحتلم، ووصیته لم تکن بالتجهيز والتکفین، بل ببئر
جشم الذى باعه عمرو بن سليم بثلاثين ألفا، وقال أيضا: إن قول الصبى غير ملزم، وفى تصحيح
وصيته إلزام بقوله، وفيه أنه كون قوله غير ملزم على الإطلاق غير مسلم؛ لأن إسلامه ملزم لحرمان
ورثته، وهو مقبول منه.
وقال أيضا: هو يحرز الثواب بالترك على ورثته، وفيه أن مشروعية الوصية تدل على أن
المقصود منها غير الثواب الحاصل بالترك على ورثته، وإلا لبطلت الوصية بالكلية، وقال أيضا:
والمعتبر فى النفع والضرر النظر إلى أوضاع التصرفات لا إلى ما يتفق بحكم الحال، وفيه أنه مسلم،
ولكن الكلام فى أن وضع الوصية نافع محض كقبول الهبة، أو دائر بين النفع والضرر كالإعتاق
والطلاق، فلا يفيد هذا الاعتبار، وبهذا يتبين أن ما قلنا فى تحقيق المسألة هو الأولى.
وبه يتبين أن أجناح المقلدين، قد لا تصل إلى مدارك المجتهدين، فيعللون أقوالهم بتعليلات
توهن أقوالهم فى نظر الناظر، مع أنها تكون قوية فى نفس الأمر، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: فهل عند بعض الأحباب ما يدل على أن فهمه قد وصف إلى مدارك
المجتهدين؟ فإن قال: نعم، فما أجرأه على الدعوى، وإن قال: لا، فمن أين له أن يرمى صاحب
"الهداية" ومن هو مثله من الفقهاء بقصور أفهامهم عن مدارك المجتهدين، وقد أذعنت الأمة والأئمة
فى عصرهم وبعده على جلالتهم فى الفقه، ومعرفتهم بأصول المذهب وفروعه، أما بعض الأحباب
فما أبعده عن الفقه والمعرفة بمدارك الإمام.، وبعد ذلك فقوله: إن الوصية توريث لغير الوارث
بالاختيار، فلا تصح من الصبى كإقراره بالوارث إلخ باطل قطعا، وإلا لزم بطلان وصية المسلم .
للذمى وبالعكس؛ فإن توريث الكافر لا يملكه مسلم أصلا، ولزم أيضا بطلان وصية المرأة، فإنها لا
تملك الإقرار بالوارث؛ لما فيه من إلحاق النسب بزوجها، ولا يصح إلا بتصديقه، فالحق ما ذكره

٣١٠
بطلان وصية الصبى
ج - ١٨
صاحب "الهداية" وغيره: أن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، فلا تصح من
الصبى والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع؛ لكونه من التصرفات الضارة المحضة، إذ لا يقابله
عوض دنیوی.
وأما قول الشافعی: یحصل له عوض، وهو الثواب، فمسلم لكنه ليس بعوض دنیوی،
فلا يملكه الصبى كالصدقة، ولا يصح قياسه على صلاة التطوع وصوم التطوع؛ لأنه ليس من باب
التمليك بطريق التبرع، وأيضا فهو فى حد التعارض؛ لأنه كما يثاب على الوصية يثاب على الترك
للوارث، بل هو أولى فى بعض الأحوال، كما تقدم.
وأما قول بعض الأحباب: إن مشروعية الوصية تدل على أن المقصود منها غير الثواب
الحاصل بالترك على الوارث، وإلا لبطلت الوصية بالكلية، ففيه أن ذلك لا يستلزم بطلان الوصية
بالكلية، وإنما يستلزم كون ترك الوصية أولى فى بعض الأحوال، وإذا كان كذلك لم يصح القول
بجواز وصية الصبى، وبكونها نفعا محضا إلا إذا ثبت كونها أولى من الترك على الوارث مطلقا،
وهو فى محل النزاع، ولو كان حصول الثواب فى الجملة مستلزما لكون الفعل نفعا محضا، لزم
القول بجواز صدقة الصبى وهبته ونحو ذلك، ولا قائل به. وأيضا فإن قول الصبى غير ملزم، وفى
تصحيح وصيته قول بإلزام قوله؛ لأن الوصية لازمة بعد الموت.
وأما قول بعض الأحباب: إن إسلام الصبى ملزم لحرمان ورثته وهو مقبول منه، ففيه أن ذلك
ليس من الإلزام فى شىء، وإنما هو من باب اللزوم الشرعى، ألا ترى أنه لو أسلم وأراد توريث
ورثته المشركين لم يملك ذلك؟ ولو كان بإسلامه ملزما حرمانهم لكان له ذلك؛ لأن القدرة تتعلق
بالضدين، بخلاف الوصية فإنها من باب الإلزام قطعا؛ لكون اختيار الموصى متعلقا بها فعلا وتر كا
فافهم. وأما قوله: ولكن الكلام فى أن وضع الوصية نافع محض أو دائر بين النفع والضرر إلخ
فنقول: لا يتكلم فى ذلك إلا من لم يعرف معنى الوصية، وإلا فقياس الوصية بالمال على الصدقة
بالمال أولى من قياس الوصية على الحج والإسلام والصلاة، فالقول ببطلان صدقة الصغير يستلزم
القول ببطلان وصيته سواء.
وأما الجواب عن أثر عمر رضى الله عنه فقال ابن حزم: إنه لا يصح عن عمر؛ لأن أم عمرو
ابن سليم مجهولة، وعمرو بن سليم لم يدرك عمر، وكذلك لا يصح ما رواه ابن وهب عن
رجال من أهل العلم عن ابن مسعود: أنه أجاز وصية الصبى؛ لأنه لا یدری من رواه عن ابن

٣١١
بطلان وصية الصبى
إعلاء السنن
مسعود، وقد خالفهما ابن عباس رضى الله عنهما، روينا من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم بن أبى
يحيى، عن الحجاج بن أرطاة، عن ابن عباس: لا تجوز وصية الغلام حتى يحتلم، وصح هذا عن
الحسن البصرى، وإبراهيم النخعى أيضا، وهو قول أبى حنيفة، والشافعى، وأبى سليمان،
وأصحابهم اهـ ملخصا (٣٣١:٩-٣٣٢).
قال: فلما بطل كل ما احتجوا به وجدنا الله تعالى يقول: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى
جعل الله لكم قياما -إلى قوله- وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا
إليهم أموالهم﴾، فصح بنص القرآن أن المجنون والصغير ممنوعان من أموالهما، حتى يعقل الأحمق،
ويبلغ الصغير، فصح أنه لا يجوز لهما حكم فى أموالهما أصلا، وتخصيص الوصية فى ذلك خطأ،
و کذلك صح عن النبی عێ أنه قال: (رفع القلم عن ثلاثة))، فذکر فیهم الصغیر حتى يبلغ، فصح
أنه غير مخاطب اهـ أى ومن لا يكون مخاطبا لا يكون له ولاية أصلا، فلا يملك الصدقة والهبة
والوصية؛ لكونها مبنية على الولاية، فافهم.
وبالجملة فنص القرآن والسنة المعروفة عن النبى عّ لّه قد رجحا قول ابن عباس فى هذا
الباب، فلا بد من التأويل فى ما روى عن عمر فى ذلك لو سلمنا صحته، منها ما قاله صاحب
"الهداية": إنه محمول على أن الصبى كان قريب العهد بالحلم مجازا.
وأما قول بعض الأحباب: إنه مبنى على أنه لم يطلع على الرواية، لأنه قد صرح فيها بأنه
كان لم يحتلم إلخ ففيه أنك لم تنظر إلى قوله: "مجازا"، والمعنى أنه كان غلاما محتلما يعنى كان
يافعا حقيقة، فيجوز أن يكون الراوى رواه بالمعنى، وقال: "لم يحتلم" مجازا تسمية للشىء باسم
ما كان عليه، ففى "القاموس": يفع الحبل كمنع صعده، والغلام راهق العشرين كأيفع وهو يافع
اهـ (٢: ٥٥٧)، ومن راهق العشرين يكون بالغا اتفاقا، ويحتمل أن يكون الغلام يافعا بالغا بالسن
دون الاحتلام، فيصح القول بكونه بالغًا وبكونه لم يحتلم، فافهم.
وقوله "إنه أوصى لابنة عم له بماله": لا ينافى أن يكون فيما يتعلق بتجهيزه ودفنه، وأيضا:
فلا دليل على كون الصبى مسلما، لما فى لفظ مالك فى "الموطأ" قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا
غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان، ووارثه بالشام. والغسانيون كانوا نصارى، فيحتمل أن يكون
نصرانيا، ووارثه بالشام نصرانى أيضا، وكان ذلك قبل فتح الشام، وقبل صيرورتها دار الإسلام،
والجربى فى دار الحرب لا يرث الذمى، فكان ماله كله لبيت المال؛ لحرمان النساء عن الميراث فى

٣١٢
ج - ١٨
باب الوصية بكل المال عند عدم الوارث
٥٩٨٠- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا الهيثم، عن عامر الشعبى، عن
عبد الله بن مسعود أنه قال: يا معشر همدان، إنه يموت الرجل منكم ولا يترك وارثا،
دين النصارى، إلا أن يوصى لهن، ولكون ابنة عمه مسلمة، ولا توارث بين أهل ملتين، فقول عمر
له: "فليوص لها" كان بمنزلة الإعطاء من بيت المال، أو كان من دين النصارى صحة وصية الصبى
المراهق العاقل، فأقرهم وما يدينون.
وبالجملة فلا يصح الاستدلال بالأثر ما لم يثبت إسلام الصبى، ولو ثبت ففيه ما ذكرنا من
احتمال كونه بالغا بالسن دون الامختلام، والاحتمال يضر الاستدلال.
وأما قول ابن حزم: إن عمرو بن سليم ثم يدرك عمر، فرده ابن التركمانى فى "الجوهر
النقى" بأنه فى الثقات لابن حبان قيل: إنه كان يوم قتل عمر بن الخطاب قد جاوز الحلم، وقال أبو
نصر الكلاباذى: قال الواقدى: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر انتهى، وظهر بهذا أنه ممكن
لقاءه لعمر، فتحمل روايته عنه على الاتصال على مذهب الجمهور كما عرف اهـ (٢٨٢:٦)،
ولعل لابن حزم والبيهقى والطحاوى وغيرهم فى ثبوت هذا القيل نظرا، وكذلك فيما قاله
الواقدى؛ لأن من كان قد جاوز الحلم يوم قتل عمر لا بد أن يكون قد ولد فى عهد النبى معَ له،
فيكون صحابيا صغيرا؛ لأن عمرو بن سليم من الأنصار، وكانوا يأتون بأبنائهم النبى ما ێ يحنکھم
ويبرك عليهم، ولم يذكر أحد من المحدثين عمرو بن سليم فى الصحابة، وإنما عداده فى التابعين،
فظاهر الإسناد أنه منقطع بين عمرو بن سليم وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وهو وإن كان
حجة عندنا ولكنه معارض بالنص والسنة المعروفة التى ذكرناهما، مع ما فيه من الاحتمال
الذى مر ذكره، وأما الشافعى فلا يحتج بالمرسل، فافهم، والله تعالى أعلم، ظ.
باب الوصية بكل المال عند عدم الوارث
قوله: "قال محمد" إلخ: قال العبد الضعيف: والأثر رواه الطبرانى عن أبى ميسرة عمرو
ابن شرحبيل الهمدانى قال: قال لى عبد الله بن مسعود: إنكم من أحرى حى بالكوفة أن يموت
أحدكم، ولا يدع عصبةً ولا رحما، فما يمنعه أن يضع ماله فى الفقراء والمساكين؟ ورجاله
رجال "الصحيح"، كما فى "مجمع الزوائد" (٢١٢:٤)، وقال الموفق فى "المغنى" (٥٣٥:٦):
اختلف الرواية عن أحمد -رحمه الله- فى من لم يخلف من وارثه عصبة، ولا ذا فرض، فروى

٣١٣
الوصية بكل المال عند عدم الوارث
إعلاء السنن
فليضع ماله حیث أحب. قال محمد: وبه نأخذ إذا لم يدع وارثا فأوصى بماله كله جاز
ذلك، وهو قول أبى حنيفة.
عنه أن وصيته جائزة بكل ماله، ثبت هذا عن ابن مسعود، وبه قال عبيدة السلمانى،
ومسروق، وأهل العراق.
والرواية الأخرى: لا يجوز إلا الثلث، وبه قال مالك، والأوزاعى، وابن شبرمة، والشافعى،
والعنبرى؛ لأن له من يعقل عنه، فلم تنفذ وصيته فى أكثر من ثلثه، ولنا أن المنع من الزيادة على
الثلث، إنما كان لتعلق حق الورثة به، بدليل قول النبى عرّ له: ((إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن
تدعهم عالة يتكففون الناس))، وههنا لا وارث له يتعلق حقه بماله، فأشبه حال الصحة اهـ.
وقال ابن حزم فى "المحلى": قالت طائفة: من لا وارث له فله أن یوصی بماله كله، صح ذلك
عن ابن مسعود وغيره، كما روينا من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن أبى إسحاق
السبيعى، عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: قال لى عبد الله بن مسعود فذكر الحديث، ومن
طريق سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن مسروق، أنه قال فيمن ليس له
مولى عتاقة: إنه يضع ماله حيث يشاء، فإن لم يفعل فهو فى بيت المال، ومن طريق عبد الرزاق، عن
معمر، عن أيوب السختيانى، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلمانى، قال: إذا مات، وليس عليه عقد
لأحد ولا عصبة يرثونه، فإنه يوصى بما له كله حيث شاء، ومن طريق حماد بن سلمة: أن أبا العالية
الرياحى أعتقته مولاته سائبة، فلما احتضر أوصى بماله كله لغيرها، فخاصمت فى ذلك، فقضى لها
بالميراث، وهو قول الحسن البصرى، وأبى حنيفة، وأصحابه، وشريك القاضى، وإسحاق بن
راهويه، وقال مالك، وابن شبرمة، والأوزاعى، والحسن بن حبى، والشافعى، وأحمد، وأبو
سليمان: ليس له أن يوصى بأكثر من الثلث، كان له وارث أو لم يكن.
ثم رد على الأولين بأن قولهم: إن رسول الله عَّ جعل العلة فى أن يتجاوز الثلث غنى
الورثة، باطل من قولهم، ما قال عليه السلام قط: إن أمرى بأن لا يتجاوز الثلث فى الوصية إنما هو
لغنى الورثة، إنما قال عليه السلام: ((الثلث والثلث كثير))، فهذه قضية قائمة بنفسها، وحكم فصل
غير متعلق بما بعده. قلنا: فهل قال عليه السلام: إن هذه قضية قائمة بنفسها غير متعلق بما بعده؟ وإذا
لا فكيف حل لك أن تنسب إلى رسول الله عَ ليه ما لم يقل؟.
قال: ثم ابتدأ عليه الصلاة والسلام قضية أخرى مبتدأة قائمة بنفسها، غير متعلقة بما قبلها،
فقال: ((إنك أن تدع ورثتك أغنياء)) الحديث.

٣١٤
إعلاء السنن
باب کون الوصية بعد الدین
٥٩٨١- عن أبى إسحاق عن الحارث عن على قال: إنكم تقرأون هذه الآية ﴿من
بعد وصية توصون بها أو دين﴾، وأن رسول الله عَّ الله قضى بالدين قبل الوصية،
رواه الترمذى وقال: قد تكلم بعض أهل العلم فى الحارث، والعمل على هذا الحديث
عند أهل العلم.
(قلنا: فهل قال عليه الصلاة والسلام: إن هذه قضية مبتدأة غير متعلقة بما قبلها؟ وإذ لا
فكيف جاز لك أن تصرف الكلام عن ظاهره؟ والظاهر ارتباط أجزاء الكلام بعضها ببعض، وهذا
أظهر من أن يخفى على من له إلمام باللسان وأساليبه، ولكن أهل الظاهر لا يفقهون). قال: ولا
يحل أن ينسب إلى رسول الله عَ ◌ّ أنه علل علة فاسدة منكرة، حاش له من ذلك، ونحن نجد من له
عشرة من الورثة فقراء، ولم يترك إلا درهما واحدا، فإن له بإقرارهم أن يوصى بثلثه، ولا يترك لهم
ما يغنيهم من جوع غداء واحدا، ولا عشاء واحدا إلخ (٣١٨:٩).
قلنا: لم يجئ فساد هذا التعليل إلا من قبلك، فإن الفقهاء لم يقولوا قط، إن المنع من الزيادة
على الثلث، إنما هو لإغناء الورثة، وإنما قالوا: إن علة المنع من ذلك تعلق حق الورثة بماله، وهذا
أظهر من أن يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل، فإن المال مال الموصى وملكه، وكان مقتضى
ذلك جواز الإيصاء بماله كله؛ لأنه ملكه وللمالك أن يتصرف فى ملكه كيف شاء كما فى حال
الصحة، وإنما منع من التصرف بالمحاباة فيما زاد على الثلث فى مرضه لتعلق حق الورثة بماله،
ولولا ذلك لم يمنع منه قط، يدل على ذلك قوله عرّ له: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟
قالوا: يا رسول الله! ما من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه
ما أخر)) رواه مسلم (مشكاة ٣٧٥).
وقوله عّه: ((أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر،
ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان))، رواه أحمد،
وابن ماجه، وأبو داود، والنسائى عن أبى هريرة (عزيزى ٢٤٦:١)، فقولنا بتعلق حق الورثة بماله
ليس من رأينا، بل هو مما أمر الله به ورسوله مرّ له، فاندحض بذلك ما ذكره ابن حزم فى هذا الباب
کله، فافهم، و کن من الشاکرین.
باب کون الوصية بعد الدین
قوله: "عن أبى إسحاق" إلخ: قال العبد الضعيف: قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له:

٣١٥
ج - ١٨
باب عدم جواز الوصية للقاتل
٥٩٨٢- عن مبشر بن عبيد، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد
روى الحارث عن على قال: تقرأون الوصية قبل الدين، وأن محمدا عَّه قضى بالدين قبل الوصية.
قال أبو بكر: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمین، وذلك لأن معنى قوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها
أو دين﴾ أن الميراث بعد هذين، وليست "أو" فى هذا الموضع لأحدهما، بل قد تناولهما جميعا،
لأن قوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ مستثنى عن الجملة المذكورة فى قسمة المواريث،
ومتى دخلت "أو" على النفى صارت فى معنى "الواو"، كقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو
كفورا﴾ فكانت "أو" فى هذه المواضع بمنزلة "الواو"، فكذلك قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى
بها أو دين﴾ لما كان فى معنى الاستثناء كأنه قال: إلا أن تكون هناك وصية أو دين، فيكون الميراث
بعدهما جميعا، وتقديم الوصية على الدين فى الذكر غير موجب للتبدئة بها على الدين؛ لأن "أو"
لا توجب الترتیب اهـ.
قال ابن جرير فى "تفسيره": فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت، ولا لأحد ممن
أوصى له بشىء إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته، ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه
شركاء ورثته فيما بقى لما أوصى لهم به، ما لم يجاوز ذلك ثلثه، وإن جاوز ذلك ثلثه جعل الخيار
فى إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو رده إلى ورثته، فأما ما كان من ذلك إلى الثلث فهو ماض
عليهم، وعلى كل ذلك الأمة مجمعة، وقد روى عن رسول الله عَّ - بذلك خبر، فذكر حديث
الحارث عن على رضى الله عنه (١٨٩:٤) ظ.
باب عدم جواز الوصية للقاتل
قوله: "عن مبشر بن عبيد" إلخ: قلت: القول بأنه يضع الحديث ظن واجتهاد، والمجتهد
يخطئ ويصيب، ولو سلم أنه يضع الحديث فليس كل ما يرويه المتهم بالوضع كذبا موضوعا؛
لأن غاية الوضع أن يكون فسقا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، فأمرنا بتبيين
ما يخبر به لا برده وطرحه؛ فدل ذلك على أن لیس کل ما یخبر به الكاذب کذبا، وقد روی یعلی
ابن عبيد أنه قال سفيان: اتقوا الكلبى، فقيل له: فإنك تروى عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من
كذبه (الميزان للذهبى)، فدل ذلك على أن ليس كل ما يرويه المتهم بالوضع مطروحا، بل يقبل
روايته بعد التبيين، فلما تبينا ما رواه مبشر عرفنا أنه لم يكذب فيه؛ لأن النبى معَ ◌ّه قال: ((لا يرث

٣١٦
عدم جواز الوصية للقاتل
إعلاء السنن
الرحمن بن أبى ليلى، عن على بن أبى طالب، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((ليس لقاتل
القاتل شيئا)) كما سيأتى فى المواريث. وهذا يدل على أن القتل يجعل الوارث غير مستحق للميراث
والوجه فيه أن الميراث مبنى على الاتصال بين المورث والوارث كالقرابة وغيرها، والقتل مبنى على
كمال الانقطاع، كما لا يخفى، فيكون بين القتل والميراث منافاة؛ فلا يستحق القاتل الميراث.
ثم لما كانت الوصية أخت الميراث -لأن كل واحد منهما نيابة فى مال الميت- ينبغى أن
يكون الاتصال ملحوظا فيها أيضا، إلا أن الميراث لما كان أقوى نوعى النيابة -لكونه اضطراريا-
يحتاج فيه إلى كمال الاتصال، والوصية لما كانت أضعف نوعيتها لا يحتاج فيها إلى كمال
الاتصال، بل يكفى فيها نفس الاتصال، وهو كونهما من بنى آدم، وهو ظاهر لا يخفى على من له
فطانة، فلما كان الاتصال ملحوظا فى الوصية يكون القتل منافيا للوصية أيضا، كما هو منافٍ
للميراث؛ لأنه مبنى على كمال الانقطاع المنافى للاتصال، فيدل الحديث على بطلان الوصية
للقاتل، كما يدل على بطلان الميراث بهذا الوجه، ويظهر به صدق ما رواه مبشر أنه معَّ خيّه قال:
((ليس لقاتل وصية))، وبه يظهر صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم جواز الوصية للقاتل. بقى أنه
من أين أخذ هذا المذهب؟ فيحتمل أن يكون أخذه من قوله: ((لا يرث القاتل شيئا)) على طريق
الاجتهاد والاستنباط، ويحتمل أن يكون سمع قوله: ((ليس لقاتل وصية)) من الحجاج بن أرطاة،
أو الحكم بن عتيبة، فإنهما من المشائخ الذين روى عنهم أبو حنيفة، أو سمعه من غيرهما من
أصحاب عبد الرحمن بن أبى ليلى، وحينئذ لا يضر ضعف مبشر واتهامه بالوضع، والله أعلم.
وقال آخرون: يصح الوصية للقاتل؛ لأن نصوص الوصية مطلقة، لا تفرق بين القاتل وغيره،
ولأن الوصية كالهبة فتصح، كما تصح الهبة.
" والجواب عنه أن قوله: ((لا وصية للوارث)) يدل على أن نصوص الوصية ليست على
إطلاقها، فيبطل الاحتجاج بإطلاقها، والفرق بين الهبة والوصية بأن الوصية تمليك وإنابة بعد الموت، /
وهو يقتضى الاتصال(١) كالميراث، بخلاف الهبة فإنه تمليك فى الحياة، وهو لا يقتضى الاتصال،
فبطل القياس.
(١) انظر ما معنى هذا الاتصال؟ فإن الوصية تجوز من المسلم للمستأمن والذمى والعدو، ولا اتصال بينهم، ولا تصح للقاتل ولو
خطأ، وقتل الخطأ لا يدل على الانقطاع، فقد يقتل الرجل حبيبه خطأ، وهذا هو حال اجتهاد بعض الأحباب؛ فإنه لا يدرى ما
يخرج من رأسه، يعترض على الفقهاء، ويفرح بآراءه الفاسدة الكاسدة التى هى كالهواء أو كالهباء.

٣١٧٠٠
ج - ١٨
عدم جواز الوصية للقاتل
وصية))، أخرجه الدار قطنى، وقال: مبشر بن عبيد متروك يضع الحديث، كذا فى "الزيلعى".
وقال آخرون: إن القتل مبطل للوصية المتقدمة على الجرح دون المتأخرة عنه، وهو باطل أيضا
لأن القتل يبطل استحقاق الميراث سابقا أو لاحقا، كأن جرح رجل امرأة ثم تزوجها ثم ماتت من
الجرح، فكما لا فرق بين استحقاق الميراث المتقدم والمتأخر كذا لا فرق بين الوصية المتقدمة
والمتأخرة؛ لأنك قد عرفت أن الميراث والوصية كليهما من باب واحد، وسبب بطلانهما واحد،
وهو أن القتل مناف للاتصال المشروط للميراث والوصية، وبما ذكرنا يظهر الفرق بين القتل وبين
الموانع الأخر كالرق واختلاف الدينين والدارين؛ لأن الموانع المذكورة لا تدل على كمال الانقطاع،
بل تدل على ضعف الاتصال فقط، فهى تمنع الوراثة المبنية على شدة الاتصال دون الوصية المبنية
على نفس الاتصال بخلاف القتل فإنه يدل على كمال الانقطاع المنافى لنفس الاتصال.
وبما ذكرناه تبين أيضا عدم جواز الوصية لأهل الحرب، وهو أنه لا يجوز الوصية للقاتل؛ لأن
القتل منشأه(١) كمال العداوة، وكمال العداوة منافية للاتصال المقتضى لصحة الوراثة والوصية،
وأهل الحرب قاتلون حكما؛ فلا يجوز الوصية لهم، وإذ لم تجز الوصية للقاتل الحكمى فعدم الجواز
للقاتل الحقيقى أولى، وهذا تحقيق قد من الله به على، ولم أر من سبقنى إليه، والحمد لله على ذلك.
قال العبد الضعيف: حديث المتن قد أخرجه البيهقى فى "سننه" أيضا، وقد التزم أن لا
يخرج فى كتبه شيئا من الموضوع، قاله السيوطى فى "اللآلئ" (٢: ١٤٠) فثبت أن الحديث ليس
بموضوع، بل له أصل عنده، وأخرجه الطبرانى فى "الأوسط" عن على، قال: سمعت النبى عدّة
يقول: ((ليس لقاتل وصية)).
قال الهيثمى فى "المجمع": وفيه بقية مدلس اهـ (٢١٤:٤)، والظاهر سلامة الطريق من
مبشر بن عبيد، وإلا لصاح به الهيثمى أولا، فإنه أضعف من بقية بدرجات، ولم ينقم على بقية إلا
التدليس، وأيضا: فإن بقية قد صرح بالتحديث عن مبشر بن عبيد عند البيهقى وغيره، وبذلك
تزول علة التدليس، فالظاهر أنه روى ذلك عن غير مبشر أيضا، ولم يصرح بالتحديث عنه، فليس
(١) هذا مسلم فى قتل العمد دون الخطأ؛ فينبغى صحة الوصية للقاتل خطأ، والحنفية لا يقولون به؛ فلا يصح تعليل قولهم بهذه
العلة الفاسدة، والحق ما ذكره فى "المبسوط": أنهم اتفقوا على أنه لا ميراث للقاتل عمدا كان أو خطأ، والوصية أخت
الميراث، فلا تصح له، وأيضا بطلان الوصية للوارث لدفع المغايظة عن سائر الورثة، وبطلان الوصية للقاتل لهذا المعنى أيضا،
فإنه يغيظهم أن يقاسموهم قاتل أبيهم تركته بسبب الإرث، أو بسبب الوصية، سواء كان قاتلا عمدا أو خطأ، هذا هو الفقه،
لا ما اغتر به بعض الأحباب من الظنون، ظ.

٣١٨
إعلاء السنن
باب الإعتاق فى مرض الموت
٥٩٨٣- عن عمران بن حصين: أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له
غيرهم، فأقرع رسول الله بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، رواه الطحاوى(١) فى
"معانى الآثار".
المدار على مبشر وحده، بل للحديث طريق غير طريقه، فاندفع شبهة الوضع، والله تعالى أعلم.
فإن أجازت الورثة الوصية للقاتل جازت فى قول أبى حنيفة ومحمد، ولم تجز فى قول أبى
يوسف، ذكر قوله فى "الزيادات"؛ لأن الوصية أخت الميراث، ولا ميراث للقاتل وإن رضى به
الورثة، فكذلك الوصية، وهذا لأن الحرمان كان بطريق العقربة حقا للشرع، فلا يتغير ذلك بوجود
الرضا من الورثة. والدليل عليه أنه لو أوصى لحربى فى دار الحرب لم تجز الوصية؛ لتباين الدارين،
وإن أجازت الورثة، وإنما امتنعت الوصية للحربى لكونه محاربا حكما، والقاتل محارب له حقيقة،
فلأن لا تنفذ الوصية له بإجازة الورثة كان أولى.
وجه قولهما أن الوصية للقاتل أقرب إلى الجواز من الوصية للوارث؛ لأن الأمر فى نفى
الوصية للوارث مشهور، وفى نفى الوصية للقاتل مسبور (أى مجتهد فيه) والعلماء اتفقوا على أن
لا وصية للوارث، واختلفوا فى جواز الوصية للقاتل، ثم بإجازة الورثة تنفذ الوصية للوارث،
فكذلك للقاتل، والمعنى فيهما واحد وهو أن المغليظة تنعدم عند وجود الرضا من الوارث بالإجازة
فى الموضعين جميعا، بخلاف ميراث القاتل، فإن ثبوت الملك بالميراث بطريق الحكم، حتى لا
يتوقف على القبول، ولا يرتد بالرد، والإجازة إنما تعمل فيما يعتمد القبول والرد، وبخلاف الوصية
للحربی فى دار الحرب؛ لأن بطلانها لانعدام الأهلية فى جانب الموصى له، فإن من فی دار الحرب
فى حق من هو فى دار الإسلام كالميت، ولهذا تنقطع العصمة بتباين الدارين حقيقة وحكما،
والميت لا يكون أهلا للوصية له، ولا تأثير للإجازة فى إثبات الأهلية لمن ليس له بأهل اهـ من
"المبسوط" (١٧٨:٢٧)، هذا هو الفقه لا ما فرح به بعض الأحباب من تحقيقه، وهذا الحمال لا
حمال خيبر، ظ.
باب الإ عتاق فى مرض الموت
قوله: "عن عمران" إلخ: واحتج به أصحابنا على أن الإعتاق فى مرض الموت فى حكم
(١) قال العبد الضعيف: ورواه مسلم فى "صحيحه" والأربعة، فكان العزو إليهم أولى ..

ج - ١٨
الإعتاق فى مرض الموت
٣١٩
الوصية، واحتج به غيرهم على أنه لو أعتق رجل ستة أعبد له وهم كل المال، يعتق اثنان منهم
ويقرع بينهم. وأجاب عنه أصحابنا بأن هذه واقعة جزئية محتملة للاختصاص به معد له، فيحمل
على الاختصاص، ولا يجعل أصلا كليا؛ لأنه يلزم منه أن يزيد الوصية على الثلث إذا كانت قيمة
الاثنين عشرة آلاف، وقيمة الأربعة مائة أو أقل أو أكثر، وهو مخالف لقوله عّ لّه: ((الثلث والثلث
كثير)). فلا يترك قوله العام بفعله المحتمل للخصوص، بل يحمل فعله على الخصوص، وقوله على
العموم جمعا بين الأدلة، ولا دليل على أنه فعل ما فعل على وجه العموم لا الخصوص، حتى
يخصص عموم قوله بعموم فعله، هذا هو التحقيق عندنا، والله ولى التحقيق، وهو أعلم بالصواب.
قال العبد الضعيف: والجواب المحقق أن هذا فعل، وحديث سعد: ((الثلث والثلث كثير))
قول، وقد اتفقوا على ترجيح القول على الفعل؛ فيجب العمل على قصر الوصية على الثلث، وهو
فيما قلنا: إنه يعتق من كل واحد من العبيد ثلثه، ويسعى فى ثلثيه للورثة، بخلاف الإقراع فيجوز
خروج القرعة على اسم عبد قيمته أكثر من الخمسة، أو على اسم عبدين قيمتهما أزيد من الثلث،
وإذا كان كذلك فلا بد من تأويل حديث عمران هذا، وأحسنه ما قاله الطحاوى فى "مشكله": إن
القرعة فى مثل هذا مختلف فيها. فعند أهل الحجاز والشافعى يجوز استعمالها فى مثله، وعند أبی
حنيفة وأصحابه هى منسوخة، والواجب السعاية فى ثلثى قيمتهم لورثة معتقهم، استدلالا
بالإجماع على ترك القرعة فيما هو فى معنى العتق، مثل هبة المريض ستمائة لست رجال وتقبيضه
إياها، (فبالإجماع يشترك الستة فى مأتين، ويسترد منهم أربعمائة، فكذا هذا) وكذا فى دعوى
النسب من ثلاثة نفر، ادعوا ولد أمة وطئوها فى طهر واحد، روى أن عليا رضى الله عنه حكم فى
مثل هذه القضية بالقرعة، ودفع الولد بها، وبلغ النبی مێ حكمه، فضحك حتى بدت نواجذه،
ففيه رضاه به منه، ثم وجدنا عن على أنه حكم فى مثل هذه القضية بخلاف هذا الحكم، فإنه أتاه
رجلان وقعا على امرأة فى طهر، فقال: الولد بينكما (١).
قال الطحاوى: فاستحال أن یکون علی رضی الله عنه یقضی بخلاف ما کان قضی به فى
زمن الرسول ◌َّه ولم ينكره إلا وقد اطلع على نسخ القرعة التى قضى بها أولا، هذا فيما طريقة
الأحكام، وأما ما طريقه نفى الظنون وتطييب النفوس - كإقراع النبى عَّ له بين نسائه فى السفر،
(١) رواه عبد الرزاق عن الثورى عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن على، وابن أبى شيبة عن حسين بن على عن زائدة عن سماك
عن حنش عن على، وهذا السند على شرط مسلم (الجوهر النقى ٢٥٦:٢) ظ.

٣٢٠
الإعتاق فى مرض الموت
إعلاء السنن
وكإقراع القاسم على السهام بعد تعديلها- فهى مستحسنة غير منسوخة وغير واجبة، والله تعالى
أعلم (٢٨١:١ من "المعتصر").
ولا يبعد أن يقال: إنه معّ ◌ُلّه أعتق اثنين بالشيوع، وأرق أربعة كذلك، أى أعتق ثلثهم وأرق
ثلثيهم، بدليل ما رواه الطبرانى فى "الأوسط" عن أبى أمامة الباهلى، قال: أعتق رجل فى وصية
ستة أرؤوس لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك رسول الله عَّ فتغيظ عليه، ثم أسهم فأخرج
ثلثهم، قال الهيثمى: فيه توبة بن نمير ولم أجد من ترجمه، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث،
وقد ضعف ووثق، وبقية رجاله ثقات (٢١١:٤).
قلت: هو توبة(١) بن نمر بن حرمل الحضرمى أبو محجن المصری قاضیها، روی عنه اللیث،
وابن لهيعة، وعمر، وابن إسماعيل، وجماعة. وقال الدار قطنى: جمع له القضاء والقصص بمصر،
وكان فاضلا عابدا، كذا فى "تعجيل المنفعة" (٦١)، ومعنى قوله: "أسهم" أى جزأهم أثلاثا، رواه
بعض الرواة بالمعنى، فقال: أقرع بينهم، فإن الإسهام وإن كان قد يطلق على الإقراع فقد يطلق على
التقسيم، وجعل الشىء سهما سهما، كما لا يخفى على من له إلمام باللسان، وكذلك روى قوله:
"فأخرج ثلثهم" بالمعنى أيضا، وقال: ((فأعتق اثنين وأرق أربعة))، وهذا كله من معائب الرواية بالمعنى
إذا كان الراوى غير فقيه، فافهم، والله تعالى أعلم.
وبهذا اندحض قول ابن حزم فى "المحلى": أما أبو حنيفة فاقتصر على حديث الاستسعاء،
وخالف خبر عمران بن حصين، ولا يجوز ترك شىء من السنن الثابتة اهـ (٣٤٥:٩) فقد عرفت أن
أبا حنيفة لم يخالف خبر عمران، وحاشاه من ذلك، وإنما رجح القول على الفعل، وحمل الفعل
على محمل حسن، وليس ذلك من المخالفة، وإلا فابن حزم أشد مخالفة للحديث منه، فإنه ترك
أحاديث كثيرة قد عمل بها أبو حنيفة رحمه الله.
قال ابن حزم: إننا لم نجد لأحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولا لأحد من التابعين رحمهم
الله، فى الوصية بالعتق فيما هو أكثر من الثلث شيئا إلا لعطاء وحده، فيمن أوصى بعتق ثلث عبد له
لا مال له غيره، فإنه يعتق كله ويستسعى الورثة فى قيمة ثلثيه. ومن طريق ابن أبى شيبة: نا هشيم،
عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبى» قال: من أوصى بعتق مملوك له فهو من الثلث، فإن كان أكثر
(١) كما فى الدار قطنى (٥٢٤) ظ.