النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
إهدار دم من سب النبى عليه
إعلاء السنن
الشافعى: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبا، وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل،
ولكن لا يسقط عنه القود فى ظاهر الحكم، وقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح إلى هانى بن
حزام: إن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، فكتب عمر كتابا فى العلانية أن يقيدوه به، و كتابا فى
السر أن يعطوه الدية. قال ابن المنذر: جاءت الأخبار عن عمر فى ذلك مختلفة، وعامة أسانيدها
منقطعة، وقد ثبت عن على أنه سئل عن رجل قتل رجلا وجده مع امرأته؟ فقال: إن لم يأت بأربعة
شهداء فليعط برمته. قال الشافعى: وبهذا نأخذ، ولا نعلم لعلى مخالفا فى ذلك اهـ، ويؤيد قول
على رضى الله عنه ما أخرجه الطبرانى من حديث عبادة بن الصامت، وفيه: فقال أناس
لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت! قد نزلت الحدود، أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلا؟ كيف كنت
صانعا؟ قال: كنت ضاربه بالسيف حتى يسكنا، فأنا أذهب وأجمع أربعة شهداء؟ فإلی ذلك قضی
الخائب حاجته، فأنطلق وأقول: رأيت فلانا، فيجلدونى، ولا يقبلون لى شهادة أبدا، فذكروا ذلك
لرسول الله عَ ليه، فقال: ((كفى بالسيف شاهدا، ثم قال: لو لا أنى أخاف أن يتتابع فيها السكران
والغيران)) اهـ (١٥٥:١٢).
ولأبى داود ومسلم: ((إن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته رجلا
فيقتله؟ قال: لا، قال: بلى والذى أكرمك بالحق، فقال رسول الله عَ ليه: اسمعوا إلى ما يقول
سيدكم))، وأخرج البيهقى من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد،
عن عبيد بن عمير: إن رجلا أضاف ناسا من هذيل، فذهبت جارية لهم تحتطب، فأرادها رجل
منهم عن نفسها، فرمت بفهر فقتله، فرفع ذلك إلى عمر رضى الله عنه، قال: ذاك قتيل الله، والله لا
يؤدى أبدا، قال الشافعى: هذا عندنا من عمر رضى الله عنه أن البينة قامت عنده على المقتول، أو
على أن ولى المقتول أقر عنده بما يوجب له أن يقتل المقتول.
ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: إن رجلا من أهل الشام يقال
له: ابن خيبرى، وجد مع امرأته رجلا فقتله، أو فقتلهما، فأشكل على معاوية القضاء، فكتب معاوية
إلى أبى موسى الأشعرى يسأل له على بن(١) أبى طالب رضى الله عنه عن ذلك، فقال على: إن
(١) انظر إلى إنصاف الصحابة، كيف يعترفون بفضل الخصم المحارب، ولا يستحيون من طلب العلم من عنده، وفيه دلالة على
فضل على رضى الله عنه فى العلم والقضاء، والفضل ما شهدت به الأعداء.

٢٦٢
صّلىالله
إهدار دم من سب النبى عليه
ج - ١٨
هذا الشىء لم يكن(١) بأرضى، عزمت عليك لتخبرنى، فقال أبو موسى: كتب معاوية ابن
أبى سفيان فى ذلك، فقال على رضى الله عنه: أنا أبو حسن(٢) إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط
برمته اهـ (٣٣٧:٨).
قلت: هذا هو حكم القضاء، وأما حكم الديانة فقد مر فى باب من شهر سيفا على
المسلمين عن "الخلاصة": رجل أراد أن يحلق لحية رجل أن له أن يقتله، ولو أراد أن يقلع
سنه له أن يقتله، ولو قصد بها فاحشة لها أن تقتله اهـ. وینبغی تقییده بما إذا لم يجد سبيلا إلى دفعه
إلا بالقتل، ولو قصد الفاحشة بأهله أو بنته فله أن يقتله، لقوله عرّ خليه: ((من قتل دون أهله فهو
شهيد)) أى من قتل فى الدفع عن بضع حليلته أو قريبته، قاله العزيزى (٣٥٣:٣).
وبالجملة فللمظلوم أن يدفع الظلم عن نفسه بما استطاع، ولو لم يقدر على دفعه إلا بالقتل
فله قتله، سواء قاتله الظالم أو لم يقاتل، وشهر عليه السلاح أو لم يشهر، ولا يتقيد جواز قتل
من أراد الفاحشة بامرأة بأن يكون ثييا، بل لها أن تقتله ولو كان بكرا، وكذا لوليها أن يقتله،
لعموم قوله عَّ: ((من قتل دون أهله فهو شهيد)) والله تعالى أعلم، ظ.
فائدة: فى "الدر" عن "القنية": نظر فى باب دار رجل، ففقاً الرجل عينه، لا يضمن إن
لم يمكنه تنحيته من غير فقئها، وإن أمكنه ضمن. وقال الشافعى: لا يضمن فيهما، ولو أدخل رأسه
فرماه بحجر فقأها لا يضمن إجماعا، إنما الخلاف فيمن نظر من خارجها، والله تعالى أعلم.
قال ابن عابدين: قول "لا يضمن إجماعا"؛ لأنه شغل ملكه، كما لو قصد أخذ ثيابه فدفعه
حتى قتله لم يضمن (منح عن القنية).
وفى "معراج الدراية": ومن نظر فى بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه، فطعنه
صاحب الدار بخشبة، أو رماه بحصاة، ففقأ عينه يضمن عندنا، وعند الشافعى لا يضمن؛ لما روى
أبو هريرة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته
بحصاة وفقأت عينه، لم يكن عليك جناح))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((فى العين نصف الدية))،
وهو عام؛ ولأن مجرد النظر إليه لا يبيح الجناية عليه، كما لو نظر من الباب المفتوح، وكما لو دخل
بيته ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج، لم يجز قلع عينه؛ ولأن قوله عليه الصلوة والسلام:
(١) انظر إلى ثقته بأصحابه، ومعرفته بكونهم متباعدين عن الفحشاء.
(٢) قاله تحدثا بالنعمة شكرا لله تعالى، على أن مخالفه يرجع إليه فى أمور الدين، ولا يستغنى عنه.

٢٦٣
إهدار دم من سب النبى عددية
إعلاء السنن
((لا يحل دم امرئ مسلم)) الحديث، يقتضى عدم سقوط عصمته، والمراد بما روى أبو هريرة المبالغة
فى الزجر عن ذلك اهـ، ومثله فى ط عن "الشمنى"، وقوله: كما لو دخل بيته إلخ مخالف؛ لما
ذكره الشارح إلا أن يحمل ما ذكره على ما إذا لم يمكن تنحيته بغير ذلك، وما هنا على ما إذا
أمكن، فليتأمل اهـ (٥٤٢:٥).
قلت: ليس ما ذكره بمخالف لما ذكره الشارح؛ فإن معنى قوله: "كما لو دخل بيته" أى
بإذنه ثم نظر فيه إلى امرأته ونحوها فافهم. ويؤيد ما قاله الشارح ما رواه البيهقى: فى "سنته" من
طريق عثمان بن أبى شيبة: ثنا محمد بن كثير السلمى (ضعيف من الثامنة) ثنا يونس بن عبيد، عن
محمد بن سيرين، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله عَّ ◌ُّه كان يقول: ((الدار حرم، فمن دخل
علیك حرمك فاقتله)).
قال البيهقى: وهو إن صح فإنما أراد -والله أعلم- أنه يأمره بالخروج، فإن لم يخرج فله
ضربه، وإن أتى الضرب على نفسه اهـ (٨: ٣٤١). وبالجملة فقد أخذ الشافعى رحمه الله بظاهر
الحديث، ووافقه الطحاوى منا، كما فى "مشكل الآثار" (٤٠٦:١).
واختلفت أقوال الحنفية، فظاهر "الدر" أنه لو أدخل رأسه وكشف الستر فلا ضمان على من
خذفه، وفقا عينه ولو رأى من شق الباب ولم يدخل رأسه فعليه الضمان، هذا هو حكم القضاء،
وأما حكم الديانة فلا جناح عليه فى الحالين جميعا؛ لأن هذه الروايات قد جاءت بما فيها متواترة
يشد بعضها بعضا قاله الطحاوى، وهى مشتملة على نفى الجناح عمن خذف عين المطلع عليه بغير
إذن ففقا عينه، كما رواه البخارى من طريق بن عيينة، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة،
بلفظ: ((لو أن امرءً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح)).
وأخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن ابن عيينة، بلفظ: ((ما كان عليك من حرج))، ومن
طريق ابن عجلان عن أبيه عن الزهرى عن أبى هريرة: ما كان عليك من ذلك من شىء (فتح
البارى ٢١٦:١٢).
ومفاد كل ذلك أنه لا يجوز له تعمد فقأ العين، وإنما يجوز له أن ينحيه برمى الحصاة، فإن
أتت على عينة فلا ضمان، واعتبر قدر ما يرمى به بحصى الخذف المقدم بيانها فى كتاب الحج، فلو
رماه بحجر يقتل أو سهم مثلا، تعلق به القصاص والدية إجماعا، وفى وجه للشافعية لا ضمان
مطلقا، كما فى "فتح البارى" أيضا، وهو كما ترى خروج عن نص الحديث بالزيادة عليه.

٢٦٤
إهدار دم من سب النبى عدّ اء
ج - ١٨
فإن قيل: قد وقع عند مسلم من رواية أبى صالح، عن أبى هريرة، بلفظ: ((من اطلع فى بيت
قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه)).
قلنا: هذا من تصرف الرواة فى سياق الحديث، فيأتى به بعضهم أتم، وبعضهم مختصرا،
ومعناه فقد حل لهم أن يخذفوه بحصاة، ولو أفضت إلى فقأ عينه من غير أن يتعمدوه، ونفى الجناح
ورفع الإثم ديانة لا يلزم منه رفع الدية قضاء، ألا ترى لو قتل رجل لصا دخل بيته للسرقة، أو داعرا
قصد أهله بالفاحشة، لم يكن عليه جناح؟ ومع ذلك لو لم يأت بأربعة شهداء يعطى برمته، ولو
ادعت المرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثا، وعجزت عن إقامة البنية عند القاضى، وجب عليها أن لا
تمكنه من نفسها، ولو لم يندفع إلا بالقتل حل لها أن تقتله، ولا يلزم من إثبات الحل ديانة رفع
القصاص والدية قضاء، فكذا ههنا؛ لأنه لا سبيل للقاضى إلى المعرفة بعدم تعمد فقأ العين، وغاية ما
فيه أن يكون دعواه عدم التعمد تورث شبهة يندرأ بها القصاص دون الدية، فقول الحافظ: إن إثبات
الحل يمنع ثبوت القصاص والدية، غير مسلم.
وأما قوله: إنه ورد من وجه آخر عن أبى هريرة أصرح من هذا عند أحمد، وابن أبى عاصم،
والنسائى، وصححه ابن حبان، والبيهقى، كلهم من رواية بشير بن نهيك عنه بلفظ: ((من اطلع فى
بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية ولا قصاص))، وفى رواية من هذا الوجه: ((فهو هدر أهـ))،
ففيه أنه مما تفرد به بشير بن نهيك، لم يتابعه على ذلك أحد غيره فيما علمنا، وهو وإن كان ثقة من
رجال الجماعة، فقد قال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، كما فى "التهذيب و"الميزان"، والظاهر أنه
روى الحديث بالمعنى ظنا منه أن رفع الحرج، ونفى الجناح يستلزم رفع القصاص والدیة، ولیس ظنه
بحجة، كيف؟ وما رواه معارض بقوله عّ لّه: ((فى العين الدية))، وهو مشهور متواتر قد تلقاه العلماء
بالقبول، كما مر، وقد أجمعوا على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر خارج البيت لا يبيح ذلك
فقأ عينه عمدا، ولا سقوط ضمانه عمن فقأها، فكذا إذا كان المنظور فى بيته، وتجسس الناظر إلى
ذلك، ذكره الحافظ فى "الفتح" عن بعض المالكية، قال: ونازعه القرطبى فى ثبوت هذا
الإجماع اهـ
ولا يخفى أن العارف مقدم على من لم يعرف، وكذا المثبت على النافى، فلا يصح نزاعه ما
لم يذكر نص بعض الأئمة على خلافه، وقوله: إن الخبر يتناول كل مطلع، وإذا تناول المطلع فى
البيت مع المظنة فتناوله المحقق أولى اهـ ممنوع؛ لكون النص واردًا على المطلع فى البيت، فلا يتناول

٢٦٥
صِّلالله
إهدار دم من سب النبى علوّةٍ
إعلاء السنن
كل مطلع إلا بدليل، ولم نر أحدا من الفقهاء قال بعمومه كل مطلع، ولو ذهب إليه أحد منهم لنقل
ولو من وجه ضعيف، وأيضا: فقوله مّ له: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) وهو متواتر
يقتضى عصمة من سواهم، فلا يجوز القول بسقوط عصمة عين المطلع فى البيت بما رواه
بشير بن نهيك وحده بلفظ: ((فلا دية ولا قصاص))، والقدر المتواتر من هذا الحديث، إنما هو
جواز خذفه بحصاة، ورفع الإثم عن الخاذف لوأفضت إلى فقء عين المطلع، وأما جواز تعمد
فقءها، ورفع الدية والقصاص جملةً، فليس بمتواتر، فلا يزاد منه على قوله: ((لا يحل دم امرء مسلم
إلا بإحدى ثلث))، إلا القدر المتواتر، دون ما انفرد به بعض الرواة رواية بالمعنى.
وبهذا اندفع قول الطحاوى(١): حل قتل من دخل بيت غيره بغير إذنه، كما حل فقء عين
من اطلع فى بيت غيره من غير قصاص ولا دية، ويكون هذا مضافا إلى قوله: ((لا يحل دم
امرئ مسلم إلا بإحدى ثلث))؛ لأن الأحكام لم تبق على ما كانت عليه دم قال عَّ له ذلك، ألا
ترى أن من شهر سيفه على رجل ليقتله، فقد حل له قتله، ومن أريد ماله فكذلك، ، فكما لحقت
هذه الأشياء بالثلث فكذلك يلحق هذا.
(قلنا: أما شاهر السيف فلم يخرج من الثلث، بل هو داخل فيمن حارب الله ورسوله، وأما
من أراد مال غيره من غير حرابة فلا يحل تعمد قتله، وإنما للمرء أن يصون ماله، ويدفع من بريدة بما
استطاع، ولو لم يقدر عليه إلا بالقتل حل له قتله، وشتان بين حل شىء قصدا وأصالة، وبین حله
تبعا وضمنا، وقوله مّ له: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا یاحدى ثلث)) محمول على عدم حل دماء
من سواءهم قصدا وأصالةً، ولا ينافيه حل دمائهم ضمنا وتبعا، ألا ترى أن القاذف حده ثمانون
جلدةً بالسوط، لا يجوز لأحد قتله قصدا، ولو مات فى أثناء إقامة الحد عليه لم يأثم الإمام، ولم
يضمن شيئا، وإذا عرفت ذلك فلا يلحق المطلع فى بيت غيره بهؤلاء الثلث، ما لم يتواتر النص
بجواز تعمد فقء عينه، وبرفع القصاص والدية عمن فقاها، و کل ذلك ممنوع، كما ذكرنا).
وأيضا فإنما يصح هذا الإلحاق لو ثبت تقدم قوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم)) على هذا
الحدیث، فأما إذا لم يثبت، واحتمل أن یکون بعده یکون قوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم)» ناسخا له
حينئذ، ويجب أن لا يستباح دمه إلا بإجماع تقوم به الحجة، كما قامت فى الشاهر سيفه ليقتل أو
(١) أى فى حديث على: كان الناس قد كثروا على مارية فى قبطى كان يختلف إليها، فقال لى رسول الله عّ له: ((انطلق فإن وجدته
عندها فاقتله» الحديث.
٠

٢٦٦
إهدار دم من سب النبى عليه
ج - ١٨
يأخذ مالا على سبيل الحرابة، قاله الباجى، وأجاب عنه أبو المحاسن أنه لولا ثبت عنده التقدم لما قال
بحله؛ فإنه أعلى كعبا من أن يقول ما لم يحط به علما سيما فى حل الدم اهـ.
ولا يخفى أنه شبيه بكلام المقلد المعتقد دون المحقق المجتهد، ولو كان قول الطحاوى بحله
دليلا على التقدم، لكان قول مالك وأبى حنيفة بعدم حله دليلا على التأخر؛ لكونهما أعلى كعبا
منه فى الفقه والحديث، كيف؟ وقوله ماۈآ: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا یاحدى ثلث))، قد احتج
به عثمان رضى الله عنه يوم الدار بمحضر من الصحابة، لم ینکره علیه أحد منهم، بل صدقوه
وأذعنوا له، وفيه دليل على كون الحديث متأخرا عنه غير منسوخ ولم يدل دليل على كون
حديث المطلع فى البيت متأخرا عنه ناسخا له، وإذا كان كذلك لم يجز زيادته على الثلث، ولا
زيادة من دخل بيت غيره من غير إذنه، وإنما لصاحب البيت أن ينحيه من بيته، ويخرجه من غير أن
يتعمد قتله، ولو لم يجز إلا بدفع أفضى إلى قتله فلا جناج عليه، ولو أقام بينة على دخوله فى البيت
بغير إذنه فلا دية ولا قصاص، وإلا فعليه الضمان قضاء.
وأما أمره عّ لّه بقتل قبطى كان يختلف إلى مارية، فلم يكن مجرد دخوله بيته بغير إذن، بل
لكون الناس قد أكثروا على مارية فيه، فكان اختلافه إليها قد آذى رسول الله عَ ليه، والذين يؤذون
رسول الله لهم عذاب أليم.
· ويؤيد قولنا بأنه لا يجوز تعمد من دخل بيته بالقتل ما مر عن البيهقى: إنه روى من طريق
قابوس بن مخارق، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبى معَّه، فقال: يا نبى الله! آت أتانى يريد أن
يبزنى، فما أصنع؟ قال: تناشده الله، قال: فإن أبى؟ قال: تستعين بالمسلمين، قال: فإن لم أجد أحدا
منهم؟ قال: تستغيث السلطان، قال: إن لم یکن سلطان، قال: فقاتله، الحدیث مختصر، وفيه دليل
على أن لا يدفع الظلم بالقتل إلا إذا لم يكن سبيل إلى دفعه إلا به. وبهذا اندفع قول صاحب
"العون": عمل بالحديث أى بحديث أبى هريرة فى المطلع فى دار قوم بغير إذنهم الشافعى، وأسقط
عنه ضمان العين، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان، لأن النظر ليس فوق الدخول فمن دخل بيت غيره
بغير إذنه لا يستحق فقأ عينه فبالنظر أولى والقول ما قال الشافعى.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فغير صحيح؛ لمصادرته للحديث، ومعارضته له بالرأى اهـ،
ملخصا (٥٠٩:٤)، فحاشا أبا حنيفة أن يعارض الحديث بالرأى، وإنما حمله على رفع الإثم، إذا لم
يتعمد فقء العين، بل أراد تنحيته برمی حصاة أفضت إلى فقء العين، ولم يحمله على رفع الضمان،

٢٦٧
إهدار دم من سب النبى عديدة
إعلاء السنن
جمعا بينه وبين قوله عدّ له: ((فى العين الدية))، وقوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلث))،
فكيف يكون قول من عمل بالأحاديث كلها غير صحيح، وقول من عمل بحديث ترك العمل
بأحاديث عديدة صحيحا؟ لكن أهل الظاهر لا يفقهون، والله تعالى أعلم، ظ.
فائدة: لا كفارة فى قتل العمد، وبه قال الثورى ومالك وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور
وأحمد وأصحابه وعن أحمد رواية أخرى: تجب فيه الكفارة، وحكى ذلك عن الزهرى، وهو
قول الشافعى (المغنى ٤٠:١١)، قال البيهقى: قال الشافعى رحمه الله: إذا وجبت الكفارة فى
قتل المؤمن بدار الحرب وفى الخطأ الذى وضع الله عز وجل فيه الإثم كان العمد أولى، وقاسه
على قتل الصيد.
وأجاب عنه ابن التر كمانى، أن الله تعالى قد نص على أن حكم العمد القود لا الكفارة،
كما نص على أن حكم الخطأ الدية والكفارة، والمنصوص عليه لا يقاس على غيره، ثم هذا القياس
ينتقض بسجود السهو؛ فإن العمد فيه لا يقاس على السهو، والخطأ فى قتل الصيد غير منصوص
على حكمه، فجاز أن يحمل على السهو، وعن الزهرى: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنة
بالخطأ، ذكره الزمخشرى، فعلى هذا لا قياس.
وقال ابن المنذر فى "الإشراف": كان مالك والشافعى يريان على قاتل العمد الكفارة، وقال
الثورى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله جل ذكره، قال ابن
المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عبادات، فلا يجوز التمثيل عليها (والقياس) وليس لأحد
أن يلزم عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة
من حيث ذكرت أهـ (١٣٢:٨).
وأما احتجاج البيهقى على ذلك بما أخرجه من طريق الغريف بن الديلمى، عن واثلة: أتينا
رسول الله عَّه فى صاحب لنا قد أوجب، فقال: ((أعتقوا عنه)). ففيه الغريف مجهول، وقد ظن قوم
أنه ابن عبد الله بن فيروز الديلمى وهو خطأ؛ لأن ابن المبارك نسب الغريف عن ابن علية، فقال ابن
عياش: ولم يكن فى بنى عبد الله بن فيروز أحد يسمى عياشا، وابن المبارك أوثق وأضبط من عبد
الله بن سالم، ثم لو صح هذا الخبر لما كانت لهم فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنه كان قتل عمدا، فإذ
ليس فيه ذلك فلا شبهة لهم فى هذا الحديث أصلا، وإنما فيه أن صاحبا لنا قد أوجب، ولا يعرف
فى اللغة أوجب بمعنى قتل عمدا، وقد يكون معنى أوجب أى أوجب لنفسه النار بكثرة معاصيه،

٢٦٨
صِّلالله
إهدار دم من سب النبى عاية
ج - ١٨
ويكون معنى قد أوجب أى قد حضرت منيته، وقد قال قوم: إن سكوت النبى عرٍّ فى هذا كالخبر
عن ذكر الرقبة أن تكون مؤمنة وعن تعويض الشهرين، دليل على بطلان قول من أوجب الكفارة
فى العمد، كذا فى "المحلى" (٥١٥:١٠).
ورواه البيهقى من وجه آخر عن الغريف بلفظ: فى صاحب لنا قد أوجب النار بالقتل،
وأوهم عن ابن المبارك، رواه مقيدا بالقتل، وليس كذلك، بل لفظه: "قد أوجبه"، ولم يقل: بالقتل،
كذلك أخرجه ابن أبى شيبة من طريقه، وكذلك أخرجه النسائي والطحاوى (الجوهر النقى)، وإنما
هو من طريق محمد بن الفضل بن جابر، عن الحكم بن موسى، عن ضمرة بن ربيعة، ومحمد بن
الفضل بن جابر لم أعرفه، ولو صح فهو يحتمل أنه كان خطأ أو شبه عمد، ويحتمل أنه أمرهم
بالإعتاق تبرعا، ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق، وقد ذکر أبو داود والنسائی هذا الحديث فى باب
ثواب العتق.
ومما يدل على أن الحديث قد سيق للحض على العتق لا غير أنه عّ لّ أطلق ولم يقيد الرقبة
بالإيمان، ولو كان عن كفارة القتل لقيد بذلك، وأيضا فلم يسألهم أميت هو أم حى؛ فيكون هو
المأمور بذلك، ولم يسألهم أيضا هل أعتق عن نفسه أم لا؟ وهل عفوا عنه أم لا؟ ولو كانوا لم يعفوا
عنه وأعتق عن نفسه، أو أعتقوا عنه، لم يكن ذلك مجزئا ولا مكفرا، حتى يسلم إليهم نفسه
ليقتلوه أو يعفوا عنه (الجوهر النقى ١٣٣:٨).
وأما ما روى ابن حزم فى "المحلى" (٥١٥:١٠): من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل،
(عن سماك) عن النعمان، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله عَ ليه
فقال: يا رسول الله عَّه! إنى وأدت بنات لى فى الجاهلية، فقال: أعتق عن كل واحدة منهن
رقبة، قال: يا رسول الله عّ لّه! إنى صاحب إبل، قال: ((فانحر عن كل واحدة منهن بدنة))، فإن
صح فليس لهم فيه حجة؛ لأن الواد ليس من قتل العمد بل من شبهة، وأيضا: فكان فى إيجاب
ذلك على كل من قتل نفسا فى الجاهلية وهو كافر حربى، كما كان قيس بن عاصم المأمور بهذه
الكفارة فى هذا الحديث، وهم لا يقولون بهذا أصلا، فبطل تعلقهم بهذا الخبر، وأيضا فقوله:
((فانحر عن كل واحدة منهن بدنة)) ليس من الكفارة فى شىء، والله تعالى أعلم، ظ.

٢٦٩
إعلاء السنن
كتاب القسامة
باب فى ثبوت أصل القسامة
٥٩٥١- عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من
أصحاب النبى معَّه من الأنصار: أن النبى معَّ أقر القسامة على ما كانت عليه فى
الجاهلية، أخرجه أحمد ومسلم والنسائى، كذا فى "المنتقى".
باب فى كيفية القسامة
٥٩٥٢- قال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى، عن مجالد بن سعيد، وسليمان
الشيبانى، عن الشعبى: إن قتيلا وجد بين "وادعة" و"ساكر"، فأمر عمر أن يقيسوا ما
بينهما، فوجدوه إلى "وادعة" أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يمينا، كل رجل: ما قتلت
ولا علمت قاتلا، ثم أغرمهم الدية.
باب فى ثبوت أصل القسامة
قوله: "عن أبى سلمة" إلخ: قلت: معناه أن النبى مرّ أقر أصل القسامة على ما كانت عليه
فى الجاهلية، لا أنه أقرها على كيفية كانت عليه فيها؛ لأن كيفية القسامة فى الجاهلية هى ما رواه
البخارى عن ابن عباس، أنه قال: أول قسامة كانت فى الجاهلية لقبيلة بنى هاشم، ثم قص قصة قتيل
بنى هاشم وقال فيها: فأتاه (أى المتهم بالقتل) أبو طالب فقال: اختر منها إحدى ثلث: إن شئت أن
تؤدى مأة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك: إنك لم تقتل، وإن
أبيت قتلناك به، وهذه كيفية لا يقول بها أحد فى الإسلام؛ فظهر أن معنى الحديث هو ما قلنا إنه
أقر أصل القسامة لا كيفيتها، وفيه رد على من أنكر أصل القسامة، وهو سالم بن عبد الله وسليمان
ابن يسار والحكم بن عتيبة وقتادة وأبو قلابة ومسلم بن خالد وابن علية والبخارى وغيرهم، كما
فى النووى، والله أعلم بصحة هذه النسبة إلى هؤلاء الأعيان.
باب فى كيفية القسامة
قوله: "قال عبد الرزاق" إلخ: قلت: هذه صفة القسامة فى الإسلام، وبه قال أبو حنيفة.
وههنا مباحث: الأول أنه قال أبو حنيفة: لا يشترط فى القسامة الدعوى على معين؛ لأن عمر لم
يدع على معين من أهل "وادعة"، ومع ذلك استحلفهم وأوجب عليهم الدية، وقال أحمد: يشترط
فيها الدعوى على معين، واحتج له بأنها دعوى فى حق، فلم تسمع على غير معين كسائر

٢٧٠
كيفية القسامة
ج - ١٨
٥٩٥٣- قال الثورى: وأخبرنى منصور، عن الحكم، عن الحارث بن الأزمع،
أنهم قالوا: يا أمير المؤمنين! لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ولا أموالنا دفعت عن أيمانا، فقال
عمر: كذلك الحق.
الدعاوى، والجواب أنه قياس مع الفارق؛ لأن دعوى الدم ليس كسائر الدعاوى بل أهم منها.
وقالوا أيضا: قد بين النبى ◌ّ أن الدعوى لا تصح إلا على واحد، بقوله: "تقسمون على
رجل منهم، فيدفع إليكم برمته"، وفى هذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين. والجواب عنه
أن الروايات مضطربة فى عرض الحلف على المدعين، وهى متفقة على أن الدعوى لم تكن على
واحد معين، ومع ذلك هو عرض عليهم استحلاف اليهود، فلو لم تصح الدعوى على غير معين لم
يكن لعرض استحلاف اليهود عليهم معنى، فما بالكم تحتجون بالمضطرب، ولا تحتجون بالمتفق
عليه؟ فظهر أن ما قاله أبو حنيفة هو الصواب.
والثانى: أنه قال أبو حنيفة: يشترط فى القسامة وجود القتيل فى ملك أحد، أو فى ما فى
يده، أو يقرب منها بحيث يسمع الصوت، ولا يشترط اللوث، لأن عمر قضى بالقسامة مع عدم
اللوث، وقال أحمد: يشترط اللوث، واحتج له بأن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((لو أعطى الناس بدعواهم
لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه)).
والجواب عنه أنه ليس فيه اشتراط اللوث لصحة الدعوى، وإنما فيه نفى أن يقضى للمدعى
بمجرد الدعوى، وليس هذا من ذاك، وقالوا: إن قول النبى أحق بالاتباع من قول عمر. والجواب
عنه أن ما قلتم على الرأس والعين، ولكن أين قول النبى معَّه باشتراط اللوث فى دعوى الدم أو
غيره؟ وقالوا أيضا: قصة عمر يحتمل أنهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد.
والجواب عنه أنه باطل؛ لأنهم قالوا: يا أمير المؤمنين! ما دفعت أيماننا أموالنا، ولا أموالنا
أيماننا، وهذا يدل على أنهم لم يعترفوا بالقتل خطأ، بل أنكروا القتل والعلم به مطلقا، ثم الحلف
الذى استحلفهم به عمر هو أنه ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، وكيف يصح هذا الحلف مع الاعتراف
بالقتل؟ فظهر أن ما قالوه صريح البطلان. وقالوا أيضا: إنهم لا يعملون بخبر النبى المخالف للأصول،
وقد صاروا ههنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للأصول، وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليهم،
وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم، والجمع بين تحلفيهم وتغريمهم وحبسهم على الأيمان.
قال ابن المنذر: سن النبى ◌ّ البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه، وسن القسامة فى
القتيل الذى وجد بخيبر، وقول أصحاب الرأى خارج عن هذه السنن (المغنى).

٢٧١
كيفية القسامة
إعلاء السنن
٥٩٥٤- ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، فقال: حدثنا وكيع ثنا إسرائيل عن
أبى إسحاق عن الحارث بن الأزمع قال: وجد قتيل بين "وادعة" و"أرحب" فذكر
بنحوه، ثنا وكيع، ثنا ابن أبى ليلى، عن الشعبى بنحوه، ثنا على بن مسهر عن الشيبانى
عن الشعبی بنحوه.
والجواب عنه أن قضاء عمر ليس مخالف للأصول؛ لأن عمر كان مدعيا فيما نحن فيه،
وأهل وادعة كانوا مدعى عليهم، فأحلف المدعى عليهم لا غيرهم، فأين مخالفة الأصول؟ واشتراط
اللوث لصحة الدعوى لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه؛ لأن القتل قد يقع من الصديق خطأ
أو عمدا لعارض، ولا يطلع عليه أحد، لا يكون على القاتل أثر، فلا معنى لاشتراط اللوث، وإنما
يكفى فى القسامة أن يوجد القتيل فى موضع يكون فى حفظ المدعى عليهم، أو يقر به بحيث
يسمع الصوت، فصح أن ما قاله أبو حنيفة هو الصواب، وسيأتى الجواب عن باقى الإيرادات
فانتظره مفتشا.
والثالث: أنه قال أبو حنيفة: إنه إذا صح الدعوى يسأل المدعى عليهم، فإن أقروا بالقتل قضى
بإقرارهم، وإن أنكروا يطلب البينة من المدعين إن كان الدعوى على معين، فإن أقاموا البينة فلا
قسامة، بل يقضى بالبينة، وإن لم يقيموا البينة، أو لم يكن الدعوى على معين، لا يحلف المدعون؛
لأن عمر كان مدعيا فيما نحن فيه ولم يحلف، وقال أحمد وغيره: يحلفون؛ لأن النبى مر له
استحلف الأنصار. والجواب عنه أن الروايات فى استحلاف الأنصار مضطربة، فمنها ما يثبت
طلب البينة، ومنها ما يثبت طلب الحلف، ومنها ما يثبت أنه طلب منهم البينة أو لا، وإذ لم يأتوا
بالبينة طلب منهم الحلف، وإذ أبوا عرض عليهم استحلاف اليهود، ومنها ما يثبت أنه بدأ باليهود
بالاستحلاف، فلما أبوا عرض الحلف على المدعين، وهذا اضطراب فى نفس الاستحلاف.
ثم وقع الاضطراب فى المقصود من هذا الاستحلاف، هل كان لإيجاب القود لو
حلفوا، أو لإيجاب الدية؟ فلما رأى أبو حنيفة هذا الاضطراب رجع إلى الأصول، فرأى أن
حلف المدعى لا يوجب فلسا على المدعى عليه، فيعيد أن يوجب عليه القود أو الدية، ورواة
قصة قتيل خيبر لم يحفظوا القصة كما هى؛ فلا يترك ما أجمعوا عليه بما اختلفوا فيه، واضطربوا
اضطرابا يعلم منه ضرورة أنهم لم يحفظوا القصة على وجهها.
وقالوا أيضا: روى عن النبى معَّ له أنه قال: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه إلا
القسامة)). والجواب عنه أن قوله: "إلا القسامة" لا يصح من قول رسول الله ملێ؛ لأنه من رواية

٢٧٢
كيفية القسامة
ج - ١٨
٥٩٥٥- وأخرجه البيهقى فى "المعرفة" عن الشافعی: ثنا سفيان، عن منصور،
عن الشعبى: أن عمر بن الخطاب كتب فى قتيل وجد بين "خيوان" و"وادعة": أن
يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج به خمسين رجلا حتى يوافوه مكة،
فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما دفعت أموالنا أيماننا، ولا
أيماننا أموالنا، فقال عمر: كذلك الأمر.
مسلم بن خالد الزنجى، وقد تكلم فيه غير واحد من الحفاظ، ثم هو يضطرب فى الإسناد، فيقول
مرة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرى: عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده، وأخرى عن ابن جريج عن عطاء عن أبى هريرة، ولا يثبت مثل هذا عندهم، فكيف
يحتجون به؟ والظاهر أن هذه اللفظة مدرج من بعض الرواة، أدرجه على وجه التفسير وتقييد
الإطلاق، ولو سلم فهو لا يدل على أنه استثناء من كلا الحكمين أو أحدهما، وإن كان الثانی فمن
أيهما؛ فلا يصح الاحتجاج بمثل هذا المجمل المبهم لرد ما أجمعوا عليه: أن البينة على المدعى،
واليمين على المدعى عليه فقط، قولهم فى استحلاف المدعى، وثبت قول أبى حنيفة.
والرابع: أنه قال أبو حنيفة: إذا أنكر المدعى عليهم القتل ولا يكون البينة للمدعين، أو لم
يدعوا على معين، يحلف المدعى عليهم؛ لأن اليمين على المدعى عليه، وقد عرض النبى معَّه على
الأنصار استحلاف اليهود، واستحلف عمر أهل وادعة، وهذا متفق عليه.
والخامس: أنه قال أبو حنيفة: إن أبوا الحلف يحبسون حتى يحلفوا، أو يقروا بالقتل أو يعلم
القاتل؛ لأنه حق مستحق عليهم وهم يمتنعون من إيفاءه مع القدرة، فيحبسون كسائر الحقوق،
وقال غيره: لا يحبسون، بل يقضى عليهم بالنكول كسائر الحقوق. والجواب عنه أنه فرق بين
النكول فى باب الدم وبينه فى غيرها؛ لأن موجب النكول هناك متعین، وفیما نحن فيه ليس بمتعین؛
لأن غاية النكول أن يجعلوا مقرين بالقتل أو العلم بالقاتل، والقتل يختلف موجبه فى العمد
والخطأ والقتل بالسبب، والعلم بالقاتل لا يوجب عليهم شيئا من القود أو الدية، بل الإعلام به
فقط فيما إذا يقضى مع النكول، وإذا تعذر القضاء به وجب الحبس؛ ليظهر وجه القضاء من إيجاب
القود أو الدية وغير ذلك. فظهر أن ما قاله أبو حنيفة هو الصواب.
والسادس: أنه قال أبو حنيفة: لو حلفوا يقضى عليهم بالدية؛ لأن عمر قضى على وادعة
بالدية مع الحلف، وقال غيره: إذا حلفوا برعوا؛ لأن النبى معَِّ لم يوجب الدية على اليهود، وإنما
وداه من عنده.

٢٧٣
كيفية القسامة
إعلاء السنن
٥٩٥٦- قال البيهقى: قال الشافعى: وقال غير سفيان عن عاصم الأحول عن
الشعبى فقال عمر: حقنتم(١) دماؤكم بأيمانكم ولا يطل دم امرئ مسلم كذا فى الزيلعى.
والجواب عنه أن الروايات فى هذا الباب مضطربة أيضا؛ لأن منها ما يثبت أن اليهود حلفوا،
ومنها ما يثبت أنهم أبوا الحلف، ومنها ما يدل على أنهم لم يحلفوا؛ لأن المدعين لم يرضوا
بأيمانهم، هذا اضطراب فى حلف اليهود، ثم اضطربت الروايات فى أنه أوجب الدية على اليهود
أم لا، فمنها ما يدل على أنه أوجب الدية عليهم، ومنها ما يدل على أنه لم يوجبها عليهم، وإنما
وداه من عنده، فلا حجة لهم فى هذه الروايات المضطربة، وقد أوجب عمر الدية مع الحلف
فیؤخذ به.
وقالوا: إن إيجاب الدية مع الحلف خلاف الأصول؛ لأن الحلف عرف مبرأ، وقد قال
رسول الله عَ ◌ّ: ((لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على
المدعى عليه».
والجواب عنه أنا لا نعطى المدعين بمجرد الدعوى، بل بشهادة ظاهر الحال لصدقهم، ولا
تلغى أيمانهم بل نقول: أيمانهم عصمت دماءهم كما قال عمر، ثم حلفهم بأنا ما قتلنا ولا علمنا له
قاتلا، لا يدفع عنهم إلزام التقصير فى الحفظ، والسبب الموجب للدية والقسامة عليهم هو هذا؛ فلا
يكون إيجاب الدية عليهم مع الحلف خلافا للأصول، نعم إيجابكم الدیة بحلف المدعین خلاف
للأصول، ومخالف لقوله معَّه: ((لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم))؛ لأن.
الحلف على الدعوى دعوى منهم على أنهم صادقون فى دعواهم، فكيف تعطون بالحلف مع
كونه دعوى؟ وقد نهى النبى معَّه عن إعطاء الناس بدعواهم؛ فظهر أن ما قاله أبو حنيفة هو
الصواب واندفع قولهم: بأن قول أصحاب الرأى خارج عن هذه السنن كما مر نقله من ابن المنذر.
والسابع: أنه روى البيهقى عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعى يقول: سافرت فيوان
ووادعة أربع عشر سفرة، وأنا أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب فى القتيل، وأنا أحكى لهم ما
روی عنه فیه، فقالوا: هذا شىء ما کان ببلدنا قط.
والجواب عنه أنه إن صحت الرواية عن الشافعى فلا يقدح فيما رواه الثقات عن عمر؛ لأن
(١) فيه دليل لصحة ما قاله صاحب "الهداية" فى تأويل قوله معرّ له: ((فتبرئكم اليهود بأيمانها)) أنه محمول على الإبراء عن القصاص
والحبس، والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة، فيقروا بالقتل.

٢٧٤
كيفية القسامة
ج - ١٨
٥٩٥٧- وأخرجه الطحاوى عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدى عن
عثمان بن مطر عن أبى جرير عن الشعبى عن الحارث الوادعى نحوه، وزاد فيه: قال
الحارث: "فكنت فيمن أقسم" (معانى الآثار).
بين عمر والشافعى مهامه لا تطوى، والروايات إنما تكون محفوظة عند أهل العلم إذا اعتنوا بحفظها
وتبليغها، فما يدريك أنهم كانوا من أهل العلم أبا عن جد من زمن الشافعى إلى عمر بن الخطاب؟
ولو سلم أنهم كانوا من أهل العلم أبا عن جد فيحتمل أنهم لم يعتنوا بحفظها ونقلها إلى من
بعدهم، فلا يرد بجهلهم رواية الثقات.
ثم نقل البيهقى عن الشافعى أنه قال: إن هذه الرواية ليست بثابتة عن عمر؛ لأنه رواه الشعبى
عن الحارث، وهو مجهول. والجواب عنه أن الحارت المذكور ليس بالحارث الأعور، وإنما هو
الحارث بن الأزمع الوادعى؛ لأنه رواه الطحاوى فى "معانى الآثار": عن إبراهيم بن مرزوق،
عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن الحكم، عن الحارث بن الأزمع. وعن محمد بن خزيمة،
عن يوسف بن عدى، عن عثمان بن مطر، عن أبى جرير، عن الشعبى، عن الحارث الوادعى،
وقال فيه: قال الحارث: فكنت فيمن أقسم ثم غرمنا الدية. وفى رواية أبى إسحاق: فقال له
الحارث: نحلف وتغرمنا؟ فقال: نعم، والحارث بن الأزمع ذكره أبو عمر وغيره فى الصحابة، وابن
حبان فى ثقات التابعين، كما فى "الجوهر النقى".
وقد روى عنه الحكم وأبو إسحاق، والشعبى، فكيف يقال لمثله: إنه مجهول؟ ولو كان هذا
الحارث هو الأعور، فالقول بجهالته أيضا عجيب؛ لأنه معروف وإن كان معروفا بالضعف. فاندفع
الإيراد بجهالة الحارث.
ثم يقال: إن ما رواه الحارث معارض بما روی مالك، عن ابن شهاب، عن سلیمان بن يسار،
وعراك بن مالك: إن رجلا من بنى سعد بن ليث أجرى فرسا، فوطئ على إصبع رجل من جهنية،
فنزا منها فمات، فقال عمر بن الخطاب للذين ادعى عليهم: أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات
منها؟ فأبوا وتجرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم، فأبوا، فقضى عمر بن الخطاب بشطر
الدية على السعديين. رواه الشافعى فى "الأم"؛ لأن فيه بحلف المدعين وأنتم لا تقولون به.
والجواب عنه أن تحلیف المدعى قد يكون للاحتجاج على المدعى عليه، وقد يكون لاختبار
المدعى، أن ما يدعيه هل يدعيه من علم ويقين أو من ظن واشتباه، ونحن لا ننكر التحليف لهذا
الغرض، وإنما ننكره لإلزام الخصم بحلفه؛ فلا يكون معارضا لما روى عنه الحارث.

٢٧٥
كيفية القسامة
إعلاء السنن
ثم قصة السعديين والجهنيين لم يكن من باب القسامة، بل من باب سائر القضايا، وتحقيق
قضاءه فى هذه القضية أن وطئ الفرس كان مسلما عند الفريقين، وإنما كان النزاع فى أن سبب
الموت هو ذلك الوطئ أو غيره، فكان الجهنيون يقولون: إن سبب الموت هو الوطئ؛ لأنه لم يوجد
سبب غيره، والسعديون يقولون: إن الوطئ ليست سببا للموت، بل السبب غيره؛ لأن وطئ
الإصبع لا يكون مفضيا إلى الموت غالبا، فكان قول كل منهما ظاهرا من وجه، وغير ظاهر من
وجه، فحلف عمر السعديين أولا؛ لأنهم منكرون، وهم الأصل فى الحلف، فلو حلفوا قضى لهم،
ولكنهم أبوا، فحلف المدعين ليعلم أن ما يقولون من علم ويقين أم لا، فلما أبوا علم منه أنهم
ليسوا على يقين مما يدعون، فلما علم أنه ليس كل واحد على يقين مما يدعيه، والسبب متردد بين
أن يكون قاتلا، وأن لا يكون، رأى تنصيف الدية من هذا الوجه. وأما التحليف بخمسين أيمانا فلم
يكن لأن القضية من باب القسامة، بل لأنه رأى التغليظ للاحتياط فى باب الدم، هذا هو وجه قضاء
عمر فى تلك القضية، وهو غير مخالف لنا؛ لأنه كان ذلك اجتهادا منه فى واقعة جزئية
لخصوصياتها، ولم يكن أصلا كليا، فاعرف ذلك.
والثامن: أنه قال الشافعى: نحن نروى بإسناد ثابت أنه بدأ بالمدعين، فلما لم يحلفوا قال:
فتبرئكم اليهود بخمسين يمينا، وإذ قال: فتبرئكم فلا يكون عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصار
أيمانهم وداه علیه السلام، ولم يجعل على اليهود شيئا.
والجواب عنه كأن ما رويتم معارض بما روى عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهرى، عن
أبى سلمة، وسليمان بن يسار، عن رجال من أصحاب النبى معَِّ من الأنصار، أنه عليه السلام قال ,
لليهود بدأبهم: يحلفون منكم خمسون رجلا، فأبوا، فقال للأنصار: أتحلفون؟ فقالوا: لا نحلف
على الغيب، فجعلها رسول الله عَّ دية على اليهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم اهـ، كذا فى
"الجوهر النقى"، وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه أبو داود فى "سننه": عن
الحسن بن على، عن عبد الرزاق، وفيه أنه قال للأنصار: استحقوا، مكان قوله: أتحلفون، فسقط
الاحتجاج بما احتج به الشافعى.
· وأما قوله: إذ قال "فتبرئكم" فلا يكون عليهم غرامة، عجيب من مثله؛ لأنه إن صحت
الرواية فمعناه أن الحلف مستحق عليكم، أفترضون أن تبرئكم اليهود من هذا الحق بحلفهم؟ فلا
تعرض فيه لبراءة اليهود من الدية، وإنما فيه تبرئة الأنصار من جدة الحلف، فاعرف ذلك.

٢٧٦
ج - ١٨
كيفية القسامة
وقال الطحاوى: قوله: أتحلفون وتستحقون إنكار منه على الأنصار، بأنه كيف تستحقون
عليهم بمجرد دعواكم؟ وهو تأويل لا يلائمه ألفاظ الرواية؛ لأن جواب الأنصار: بأنا كيف نحلف
على الغيب، يرد هذا التأويل صريحا، وكذا قوله "فتبرئكم اليهود" يرده، والحق فى الجواب هو
العذر باضطراب الروايات.
والتاسع: أنه قال فى "بذل المجهود": لم أر أحدا كتب هذا البحث (أى بحث القسامة)
مفصلا من بيان المذاهب، والجمع بين الاختلافات الواقعة فى الروايات، مثل ما كتب مولانا
محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا، فأحب أن أذكرها لينتفع بها الطالبون والمدرسون،
قال: باب القسامة المذهب فيه معلوم، وهو استحقاق القود بحلف خمسين من أولياء المقتول عند
الشافعى إن كان هناك لوث، وإلا فمذهبهم مثل مذهبنا، وهو أنه يجب على ولى المقتول إقامة
البينة، وإن تعسر حلف المتهمون خمسين يمينا: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، فإن أقامت البينة أقيد
منه، وإن لم تقم ونكلوا عن اليمين وجب الدية، وإن حلفوا تبرؤا من الدية عندهم، وعندنا يغرمون
الدية على كل حال، سواء حلفوا أو نكلوا عن اليمين اهـ.
قلت: هذا كلام غير محرر، لا لمذهب الشافعى، ولا لمذهبنا، وتحرير الاختلاف بيننا
وبين الشافعى أنه لو ادعى على غير معين من الجماعة المعلومة لا يصح الدعوى عند الشافعى،
نعم لو أراد تحليفهم ففى "منهاج العابدين" من كتب الشافعية: لم يحلفوا على الأصح، وفى
"الوجيز" للغزالى: حلفوا؛ لأنه ليس عليهم ضرر فى هذا الحلف، وهو يتضرر بالامتناع، فإن
حلفوا لا يجب عليهم شىء، وعندنا الدعوى صحيحة فيحلفون خمسين يمينا، ويجب عليهم
الدية إذا حلفوا، وإن نكلوا فينبغى أن لا يجب عليهم شىء عند الشافعى؛ لأن الحلف ليس
بواجب عليهم؛ لعدم صحة الدعوى عنده، وإنما هو تبرع منهم، وما رأيته صريحا، وعندنا يجب
عليهم الدية؛ لصحة الدعوى وتوجه اليمين إليهم، هذا إذا كان الدعوى على غير معين، وإن ادعى
على معين، فإن كان هناك لوث، ولا بينة للمدعى، يحلف خمسين يمينا، فإذا حلف يقضى فى
دعوى العمد بالقود فى قوله القديم، وبالدية فى قوله الجديد، وفى دعوى الخطأ يقضى بالدية.
وعندنا لا حلف على المدعى، ولا يقضى عليه بشىء، وإن كان له شاهد واحد فهل يحلف معه
يمينا واحدا أو خمسين يمينا؟ فيه له قولان، وعندنا لا عبرة بالشاهد الواحد ولا بحلف المدعى.
وإن نكل المدعى يحلف المدعى عليه عنده يمينا واحدا أو خمسين يمينا، وهما قولان له،

٢٧٧
كيفية القسامة
إعلاء السنن
وعندنا يحلف المدعى عليه خمسين يمينا قولا واحدا، فإن حلف المدعى عليه يبرأ من الدية عنده،
وعندنا لا يبرأ بل يجب عليه الدية. وإن نكل يجب عليه الدية بالاتفاق بيننا وبينه، وإن لم يكن
هناك لوث فهو كسائر الدعاوى، يقضى فيه بما يقضى فيها، إلا أنه يحلف المدعى عليه فيه
خمسين، كما فى "المنهاج"، ويظهر من "الوجيز" أن فيه قولان عند الشافعى، وعندنا هو من
باب القسامة إذا وجد القتيل فى ملكه، يقضى فيه بما يقضى فى القسامة، هذا هو تحرير الاختلاف
بيننا وبين الشافعى، لخصته من "وجيز" الغزالى و"المنهاج" من كتب الشافعية، ومن كتب
مذهبنا، ويظهر منه أن ما فى "بذل المجهود" فى بيان الاختلاف غير محرر، فاعرف ذلك.
ثم بعد نقل المذاهب قال فى "بذل المجهود": هذا هو الثابت بالنظر إلى مجموع
الروايات، إذ البينة على المدعى واليمين على من أنكر، ولا معنى لإيجاب اليمين على أولياء
المقتول، وقد ذكرت البينة فى كثير من الروايات، وما لم يذكر فيها محمول على ما ذكر، لأن
الواقعة متحدة، فيعمل بما وافق الأصول منها دون ما خالف اهـ. وهذا كلام مخبوط، وليس
بمضبوط؛ لأنه لا يظهر منه المشار إليه فى قوله: هذا هو الثابت إلخ، ثم ليس فيه الجمع بين
الروايات، بل قبول الروايات الموافقة للأصول، ورد المخالفة بها، ثم للشافعى أن يقول: إن ما لم
يذكر فيه الحلف يحمل على ما ذكر فيه الحلف؛ لأن الواقعة متحدة.
ثم لا ينكر الشافعى البينة حتى يقال: ما لم يذكر فيه البينة يحمل على ما ذكرت فيه، فهذا
كلام لا يحتاج إليه، وأن ما يحتاج إليه هو الجواب عما ذكر فيه الحلف، ولم يذكر الجواب عنه
غير رد تلك الروايات لمخالفة الأصول، فما قاله ليس بمنقح.
ثم قال فى "بذل المجهود": وكذلك اختلف فيها بين حلف اليهود خمسين يمينا، فمن مثبت
لها، ومن ناف إياها، والجمع أن اليهود كتبوا إليه بحلف خمسين، ولم يشهدوا ولم يطلبهم،
ولا معتبر بما كتبوا به إليه عَّه؛ فإن الأيمان لا بد وأن تكون فى مجلس القضاء بحضور الحاكم،
ولم يوجد، فمن ذكر عنى بها كتابتهم، ومن نفاها قضى اليمين المطابق للقاعدة اهـ. وفيه أن هذا
الجمع لا يصح؛ لأن فى بعض الروايات أن النبى معَّ عرض على الأنصار استحلاف اليهود فأبوا
استحلافهم، وفی بعضها أنه حلف اليهود فأبوا، ولا یندفع هذا الاختلاف بما ذکر فی وجه الجمع،
وليس منها حديثان فى أحدهما الإثبات على الإطلاق، وفى بعضها النفى على الإطلاق، حتى
يحتاج إلى هذا الجمع.

٢٧٨
كيفية القسامة
ج - ١٨
ثم قال فى "بذل المجهود": ثم إن الروايات مختلفة أيضا فى بذل الدية ممن كان، والأصل(١)
أن اليهود لم يثبت عليهم شىء لعدم البينة وكانوا مستعدين للأيمان، إلا أن أولياء المقتول لم يقبلوها
منهم، وكان ذلك حقا لهم، فسقوط أيمانهم بإسقاط هؤلاء، إلا أن اليهود بذلوا من المال شيئا، ظنا
منهم أن القصة منجرة إلى أزيد من ذلك، وقد خانوا على أنفسهم ثبوت المدعى حيث وجد القتل
منهم، فأحبوا أن يسلموا من ذلك بما يذمو، وقبله النبى معَّ ◌ُّه منهم لما علم أنه(٢) لو لم يثبت عليهم
المدعى -وهو الظاهر لعدم البينة، وعدم مبالاة هؤلاء بالأيمان- سلموا من غير شىء، ولم يزرأوا فى
مال ولا نفس، فهذه حقيقة القصة. ثم أنه مرّ أكمل ديته من عنده، فمن أنكر الأخذ من اليهود
فإنما أنكر أخذ كلها، وبعد ثبوتها حسب القاعدة المقررة شرعا، ومن أثبت أخذها منهم، فإنما قصد
بذلك أخذ شىء من ذلك اهـ. وهذا كلام لا يوافق الأحاديث ولا المذهب؛ لأن المذهب فى هذه
الصورة إيجاب الدية عليهم، لا تركهم من غير شىء، وعلى هذا التقرير لا يجب عليهم شىء،
فالتقرير مخالف للمذهب.
وأما مخالفة الأحاديث فلأنه ليس فى شىء من الأحاديث أن اليهود بذلوا بعض
الدية من عند أنفسهم، وإنما فى بعضها أنهم أبوا من الحلف، فأوجب النبى عّ لّ الدية، وفى
بعضها كأن الأنصار لم يرضوا بحلفهم فلم یحلفهم، ووداه من عنده تحرزا عن هدر الدم، وفی
بعضها أنه لما لم يرض الأنصار بحلفهم قسم النبى معَّ الدية عليهم وأعانهم بنصفها، ولا يندفع
هذا الاختلاف بما ذكر، وما ذكر أن اليهود بذلوا بعض الدية خوف أن يثبت المدعى فلا أثر له فى
الأحاديث؛ لأن الأنصار أقروا بأن لا بينة بهم، ثم أبوا من الحلف أيضا، واليهود كانوا مستعدين
للحلف، فما وجه خوفهم من ثبوت المدعى؟ فعلم من هذا البيان أن كل هذا التقرير خلط وخبط،
ولعل سببه عدم الضبط لتقرير الشيخ على وجهه، والله أعلم.
والحق أن قصة قتيل خيبر لم يضبطها الرواة على وجهها؛ فوقع الخلط والخبط فى روايتها،
ولأجل ذلك اعتمد أئمتنا على قضاء عمر، والآن نذكر تلك الروايات المتعارضة المضطربة بأسرها،
حتى يتبين لك حقيقة ما قلنا.
فنقول: رواه سهل بن أبى حثمة، ووقع الاضطراب فى روايته؛ لأنه رواه مالك بن أنس، عن
(١) هذا مخالف لمذهب الحنفية؛ لأن الأيمان لا يسقط الدية منهم، فكيف يسقط استعدادهم لها؟ ظ.
(٢) هو مخالف للمذهب؛ لأن عدم البينة للمدعين وحلف المدعى عليهم لا يسقط بالدية عنهم عندنا.

٢٧٩
كيفية القسامة
إعلاء السنن
أبى ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصارى أن سهل بن أبى حثمة أخبره بقصة قتل عبد الله بن
سهل، وقال فيها: ((إن النبى عرّ ◌ُّه قال للأنصار فى ذلك: إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا
بحرب. فكتب النبى معَّ ◌ُلّه فى ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال للأنصار: تحلفون وتستحقون
دم صاحبكم، قالوا: لا، قال: فتحلف لكم اليهود، قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله معدّ لآه من
عنده، فبعث إليهم بمأة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: لقد ركزتنی ناقة حمراء)). رواه
الشیخان. هذہ روایة أبی لیلی عن سهل.
وقد رواه أيضا بشير بن يسار عن سهل، وعنه سعيد بن عبيد الطائی، وهو يقول فى روايته:
(إن النبى معَّه قال للأنصار: تأتون بالبينة على من قتل، قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون لكم، قالوا:
لا نرضى بأيمان اليهود، وكره رسول الله عَّه أن يطل دمه، فوداه مأة من إبل الصدقة))، رواه
الشيخان أيضا. هذه رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبى حثمة، ثم رواه
يحيى بن سعيد الأنصارى، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبی حثمة، واختلف فیه علی یحیی،
فرواه عنه ليث، وقال فى إجابته: إن النبى معَّه قال للأنصار: ((أتحلفون خمسين يمينا فتسحقون
صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، قالوا:
وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله مرّ- أعطى عقله)) (مسلم) ورواه حماد بن
زيد عنه، فقال: إنه قال لأولياءه: ((استحقوا قتيلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين منكم)) (بخارى)،
وفى لفظ له: أنه قال: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)) (مسلم)، ورواه بشير
ابن المفضل، وقال فيه: إنه قال للأنصار: ((أتحلفون وتسحقون دم صاحبكم؟)) (بخارى)، ورواه
مالك فقال: إنه قال للأنصار: ((أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم))؟ (نسائى
وأبو داود)، ورواه سفيان فقال: إنه قال للأنصار: (أفتبرئكم يهود بخمسين يمينا أنهم لم
يقتلوه؟ فلما أبوا من قبول حلف اليهود قال: فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه، فلما أبوا وداه
رسول الله عَّه من عنده)) (معانى الآثار)، وفى لفظ له: أنه قال: ((أفتقسمون خمسين يمينا أن
اليهود قتلته، فلما أبوا قال: فتبرئكم يهود بخمسين أنهم لم يقتلوه)) (نسائی)، ورواه عبد الوهاب
فقال: إنه قال: ((أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون قاتلكم؟)) (نسائى).
فهذه طرق رواية سهل، ولا يخفى ما فيها من الاضطراب؛ لأن رواية سعيد بن عبيد يدل
على أنه لم يطلب منهم الحلف، وإنما طلب منهم البينة وروايات غيره تدل على أنه لم يطلب منهم

٢٨٠
كيفية القسامة
ج - ١٨
البينة، وإنما طلب منهم الحلف، ثم الروايات التى تدل على أنه طلب منهم الحلف منها ما يدل على
أنه طلب منهم الحلف أولا، ومنها ما يدل على أنه طلب منهم الحلف بعد عرضه عليهم أيمان اليهود
وإباءهم من قبولها، ثم الروايات التى تدل على أنه طلب منهم الحلف أولا، منها ما يدل على أنه
قال: ((أتحلفون خمسين يمينا أن اليهود قتلته))؟ ولم يذكر الاستحقاق، ومنها ما يدل على أنه ذكر
الاستحقاق، ثم التى تدل على ذكر الاستحقاق منها ما يدل أنه قال: ((تستحقون قاتلكم)) ومنها ما
يدل على أنه قال: ((تستحقون صاحبكم أو قاتلكم))، ومنها ما يدل على أنه قال: ((استحقوا قتيلكم
أو صاحبكم)، ومنها ما يدل على أنه قال: (تستحقون دم صاحبكم)). ومنها ما يدل على أنه قال:
((تستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم))، ومنها أنه قال: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع
برمته))، فلا يعلم منها أنه طلب منهم الحلف أم لا، فإن طلب منهم الحلف قبل طلب منهم الحلف
على معين أو على غير معين، فإن طلب منهم الحلف على معين أو غير معين قبل طلب ذلك
الإيجاب القود أو الإيجاب الدية، أو طلب منهم الحلف لا لاستحقاق شىء، بل ليعلم أن ما
يدعونه هل يدعونه من علم ويقين أو بمجرد الظنة. هذه حالة رواية سهل أبى حثمة.
وروى هذه القصة عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أنه قال لابن محيصة الأصغر: ((أقم
شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته، فلما أبى قال: فتحلف منهم خمسين قسامة، فلما أبى
قسم رسول الله عَ ◌ّ ديته عليهم وأعانهم بنصفها)) (نسائى)، وفيه أنه طلب منهم البينة أولا، ورتب
الدفع برمته على إقامة البينة، فلما أبوا طلب منهم الحلف، ولا يعلم منه أن طلب الحلف كان
على معين أو على غير معين، وهل كان لإيجاب القود أو الدية أو لمجرد اختبارهم؟ ثم فيه مخالفة
الرواية سهل من جهة أن فيها أن رسول الله عَ ظيم لم يوجب الدية على اليهود وفى هذه الرواية أنه
أوجب عليهم الدية وأعانهم بنصفها.
وقد رواه أبو داود عن رافع بن خديج، أنه قال لهم: ((أ لكم شاهدان يشهدان على قتل
صاحبكم؟ قالوا: لا، فقال: فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه رسول الله عَ ليه من
عنده)). وليس فى هذه الرواية إلا طلب البينة أو استحلاف اليهود، وهو مخالف لبعض روايات
سهل، وهو رواية أبى ليلى ويحيى بن سعيد، وموافق لرواية سعيد بن عبيد. وقد روى عنه مسلم
موافقا لرواية يحيى وأبى ليلى من رواية يحيى، عن بشير، عن معاوية بن خديج.
ثم أخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عبد