النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
وجوب الضمان على الجارح قصاصا
إعلاء السنن
شعبة: فسألت الحكم وحمادا عن ذلك؟ فقالا جميعا: عليه الدية، وقال حماد: ويرفع عنه بقدر
الشجة. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى: إذا اقتص من يد أو شجة، فمات المقتص
منه، فديته على عاقلة المقتص له (وهذا عين ما قاله السرخسى خلاف ما ذكره الموفق فى "المغنى"،
والصحيح من النقل ما وافق كتب أهل المذهب)، قال: وقد روى ذلك عن ابن مسعود، وعن
إبراهیم النخعى، عن ابن مسعود.
وأما ما رواه من طريق وكيع: نا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: قال
عمر بن الخطاب فى الرجل يموت فى القصاص: قتله كتاب الله تعالى أو حق لا دية له، ومن طريق
الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، نا قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن على بن أبى طالب،
وعمر بن الخطاب، قالا جميعا: من مات فى قصاص أو حد فلا دية له، ومن طريق وكيع: نا مسعر
ابن كدام، وسفيان عن أبى حصين عن عمير بن سعد قال: قال على بن أبى طالب: ما كنت لأقيم
على رجل حدا فيموت فأجد فى نفسى منه شيئا، إلا صاحب الخمر لو مات لوديته (٢٢:١١)،
فكل ذلك محمول على ما إذا استقاد الحاكم ممن جرح رجلا أو شجه، سواء أمر الجلاد
بالاقتصاص منه، أو أمر المجروح أو المشجوج بذلك، وهو مما يجرى فيه القصاص، والذى احتججنا
به محمول على ما إذا استقاد المجروح، أو المضروب، أو المشجوج بنفسه قبل حكم الحاكم به.
والذى ذكره بعض الأحباب من الفرق بين الجلاد وغيره بأن الأول مأمور والثانى مأذون،
ليس بمانع من نسبة الفعل إلى القاضى، ألا ترى لو أذن الرجل لأحد فى طلاق امرأته، ينسب الفعل
إلى الزوج لا إلى الأجنبى؟ فكذلك ههنا؛ لما تقدم فى كتاب الحدود من طريق ابن أبى شيبة، عن
عبد الله بن محيريز، قال: الجمعة والحدود والزكوة والفئ إلى السلطان (التلخيص ٣٥٣)،
والقصاص من الحدود، لا سيما وفى رواية لابن أبى شيبة عن عبدة عن عاصم عن الحسن بلفظ:
أربعة إلى السلطان: الصلوة، والزكوة، والحدود، والقصاص (زيلعى ٨٤:٢)، وإذا كان ذلك إلى
الإمام كان المأذون فيه من الإمام وكيلا له، وفعل الوكيل ينسب إلى الموكل فافهم، فإن بعض
الأحباب قد أطال الكلام فى هذا الباب بلا طائل، وروى أبو يوسف فى "الآثار" له عن أبى حنيفة،
عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال فى رجل قطع يد رجل فاقتص منه فمات المقتص منه: إن ديته على
عاقلة المقتص له (٢٢٠)، والظاهر أن هذا هو مذهب أبى حنيفة، والله أعلم، فما ذكره بعض
الأحباب: إن الدية على القاطع فى ما له، رد عليه، والحق ما قاله السرخسى فى "المبسوط".
٢٢٢
ج - ١٨
باب دیات الجروح
٥٩١٧- فى كتاب عمرو بن حزم: ((فى المأمومة ثلث الدية، وفى الجائفة ثلث
الدية، وفى المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفى الموضحة خمس من الإبل))، رواه النسائي
من رواية يونس، عن الزهرى، وقد ذكرناه فى باب دية الأعضاء.
٥٩١٨- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الأعلى، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا
مكحول، قال: قضى رسول الله عّ لّ فى الموضحة بخمس من الإبل، وفى المنقلة خمس
عشرة، وفى المأمومة الثلث، وفى الجائفة الثلث.
باب دیات الجروح
قوله: "فى كتاب عمرو بن حزم" إلخ: قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": فى
الموضحة خمس من الإبل، وهذه من شجاج الوجه والرأس، وليس فى الشجاج ما فيه قصاص
سواها، ولا يجب المقدر فى أقل منها، وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر، وفى
كتاب النبى معَّ لعمرو بن حزم: ((وفى الموضحة خمس من الإبل))، رواه أبو داود، والنسائى،
والترمذى، وقال: حديث حسن (٦٤٠:٩).
قال: وفى المنقلة - وهى التى تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل
العظم ليلثم-، وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع من أهل العلم، حكاه ابن المنذر، وفى كتاب
النبى معَّ لعمرو بن حزم: ((وفى المنقلة خمس عشرة من الإبل))، قال: وفى المأمومة ثلث الدية،
وهى التى تصل إلي جلدة الدماغ، قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز:
المأمومة، وهى الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ، سميت أم الدماغ؛ لأنها تحوطه وتجمعه، وأرشها
ثلث الدية فى قول عامة أهل العلم إلا مكحولا؛ فإنه قال: إن كانت عمدا، ففيها ثلثا الدية، وإن
كانت خطأ، ففيها ثلثها، ولنا قول النبى معَ لّه فى كتاب عمرو بن حزم: ((وفى المأمومة ثلث الدية))،
وعن ابن عمر عن النبى عّ لّه مثل ذلك، وروى نحوه عن على، ولأنها شجة فلم يختلف أرشها
بالعمد، والخطأ فى المقدار كسائر الشجاج.
قال: وفى الجائفة ثلث الدية، وهى التى تصل إلى الجوف، وهذا قول عامة أهل العلم، منهم
أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل الحديث، وأصحاب الرأى إلا مكحولا، قال: فيها فى العمد ثلثا
الدية، والجواب ما مر فى الجائفة؛ لقول النبى معَ ◌ّه فى كتاب عمرو بن حزم: ((وفى الجائفة ثلث
٢٢٣
ديات الجروح
إعلاء السنن
٥٩١٩- وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن داود بن أبى عاصم، قال:
سمعت ابن المسيب يقول: قضى أبو بكر فى الجائفة إذا نفذت فى الجوف من الجانبين
بثلثی الدیة، وأخرج نحوه عن الثوری عن محمد بن عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب
عن ابن المسيب، ورواه أيضا ابن أبى شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن
عمرو بن شعيب عن ابن المسيب، وأخرجه الطبرانى عن محمد بن عبد الرحمن بن
ثوبان عن أبيه عن جده عن أبى بكر، وأخرجه أيضا عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان
عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبى بكر.
٥٩٢٠- وأخرج عبد الرزاق، عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز: أن النبى عدّةٍ لم
يقض فيما دون الموضحة بشىء، وأخرج عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن حماد عن
إبراهيم النخعى، قال: فيما دون الموضحة حكومة.
الدیة))، وعن ابن عمر مرفوعا مثله.
ذكر ابن عبد البر أن مالكا، وأبا حنيفة، والشافعى، والبتى، وأصحابهم اتفقوا على أن
الجائفة لا تكون إلا فى الجوف، فإن جرحه فى جوفه، فخرج من الجانب الآخر فهما جائفتان، هذا
قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء، ومجاهد، وقتادة، ومالك، والشافعى، وأصحاب الرأى، قال ابن
عبد البر: لا أعلمهم يختلفون فى ذلك ..
(قلت: وما حكاه الموفق عن أبى حنيفة أنه قال: هى جائفة واحدة؛ لأن الجائفة ما تنفذ من
الظاهر إلى الباطن لا ما تنفذ من الباطن إلى الظاهر اهـ، فلم أجده فى كتب أصحابه، والله أعلم)،
قال: ولنا ما روى سعيد بن المسيب: أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه، فقضى أبو بكر رضى الله
عنه بثلثی الدیة، ولا مخالف له فیکون إجماعا، أخرجه سعید بن منصور، وروى عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده: أن عمر رضى الله عنه قضى فى الجائفة إذا نفذت الجوف بأرش جائفتينَ اهـ
ملخصا (٦٥٠:٩).
وروى محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة، عن الهيثم بن أبى الهيثم، عن رجل، عن أبى بكر
الصديق رضى الله عنه: فى رجل رمى رجلا بسهم فأنفذه، فجعل فيه ثلثى الدية، قال محمد:
وبهذا كله نأخذ فى الجائفة ثلث الدية، فإن نفذت إلى الجانب الآخر، ففيها ثلثا الدية، وهو قول
أبى حنيفة اهـ (٨٤)، وفيه رد على ما حكاه الموفق عن الإمام.
٢٢٤
ج - ١٨
دیات الجروح
٥٩٢١- وروى محمد بن الحسن، عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن
شريح، قال: فى الجائفة ثلث الدية، وفى الآمة ثلث الدية، فإذا ذهب العقل فالدية كاملة،
وفى المنقلة عشر ونصف عشر الدية، وفى الموضحة نصف عشر الدية، وفى غير ذلك
من الجراحات حكومة عدل، ولا يكون الموضحة إلا فى الوجه والرأس، ولا يكون
الجائفة إلا فى الجوف، لخصته من "الزيلعى"، وهذه الروايات هى التى ذهب إليها
أئمتنا، والله أعلم.
بقى الكلام فى الهاشمة، وهى التى تهشم العظم وتكسره ولا تنقله، فأخرج البيهقى فى
"سننه" من طريق عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذويب، عن زيد
ابن ثابت، أنه قال: فى الموضحة خمس، وفى الهاشمة عشر، وفى المنقلة خمس عشرة، وفى
المأمومة ثلث الدية اهـ (٨٢:٨).
وقال الموفق فى "المغنى": لم يبلغنا عن النبى معَّ فيها تقدير، وأكثر من يبلغنا قوله من أهل
العلم على أن أرشها مقدر بعشر من الإبل، روى ذلك قبيصة بن ذويب عن زيد بن ثابت، وبه قال
قتادة، والشافعى، والعنبرى ونحوه قال الثورى، وأصحاب الرأى، إلا أنهم قدروها بعشر الدية من
الدراهم، وذلك على قولهم ألف درهم.
(قلت: لم أجد ذلك فى كتب القوم، وإنما قالوا فى الهاشمة عشر الدية، وهو يعم الإبل
والدراهم والدنانير كلها، ظ)، وكان الحسن لا يوقت فيها شيئا، وحكى عن مالك أنه قال: لا
أعرف الهاشمة، لكن فى الإيضاح خمس، وفى الهيشم حكومة، قال ابن المنذر: النظر يدل على
قول الحسن؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع، ولأنه لم ينقل فيها عن النبى معَّ له تقدير، فوجبت فيها
الحكومة كما دون الموضحة، قال الموفق: ولنا قول زيد ومثل ذلك الظاهر أنه توقيف، ولأنه لم
نعرف له مخالفا فى عصره، فكان إجماعا اهـ ملخصا (٦٤٤:٩).
قلت: ويعكر عليه ما رواه البيهقى فى "سننه" من طريق عبد الرزاق، عن محمد بن راشد،
عن مكحول، عن قبيصة بن ذويب، عن زيد بن ثابت رضى الله عنه، أنه قال: فى الدامية بعیر، وفى
الباضعة بعيران، وفى المتلاحمة ثلاث، وفى السمحاق أربع، وفى الموضحة خمس، وهذا كمثل ما
رويناه عنه فى الهاشمة سواء سندا ومعنى، فلو حملنا قوله: ((فى الهاشمة عشر)) على التقدير،
وجب حمل قوله: ((فيما دون الموضحة)) على التقدير أيضا، ولا قائل به، فالظاهر أن قوله فى
الهاشمة محمول على الحكومة، كما فيما دون الموضحة.
٢٢٥
إعلاء السنن
باب أرش ما دون الموضحة
٥٩٢٢- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا حماد عن إبراهيم قال: فى
السمحاق، والباضعة، وأشباه ذلك إذا كان خطأ أو عمدا لا يستطاع فيه القصاص ففيه
حكومة عدل، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة.
٥٩٢٣- وقال عبد الرزاق: عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، أن النبى عَ ◌ّه لم
يقض فيما دون الموضحة بشىء.
وقال محمد فى "الآثار": والهاشمة ما هشمت العظم، وحكومتها عشر الدية، وهو قول
أبى حنيفة، والسمحاق دون الموضحة، بينها وبين الموضحة جلدة رقيقة، وفيها حكم عدل، بلغنا
أن على بن أبى طالب حكم فيها أربعا من الإبل اهـ (٨٣)، وفيه دليل على أن عشر الدية فى
الهاشمة عندنا، إنما هو على وجه الحكومة لا على تقدير الأرش، والله تعالى أعلم، ظ.
وروى البيهقى (٨٣:٨) من طريق عبد الله بن وهب: أخبرنى عبد الجبار بن عمر، عن ابن
شهاب، وربيعة، وأبى الزناد، وإسحاق بن عبد الله، أن رسول الله عَ ليه لم يعقل ما دون الموضحة،
وجعل ما دون الموضحة عفوا بين المسلمين، (يصطلحون فيه على ما شاؤوا) ومن طريق أبى عبيد:
ثنا هشيم بن حصين، قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش فيها صلح، وروى
ابن علاثة عن إبراهيم بن أبى عبلة: أن معاذا وعمر رضى الله عنهما جعلا فيما دون الموضحة أجر
الطبيب، وفى حديث ابن غنم عن معاذ بن جبل رضى الله عنه مرفوعا: ((وفى الموضحة خمس من
الإبل، و كل شىء كان دون ذلك فعلی قدره اهـ)).
باب أرش ما دون الموضحة
قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على ما دون الموضحة، ليس فيه أرش مقدر معلوم ظاهرة،
وأما ما رواه البيهقى من طريق مالك بن أنس، عن يزيد بن عبد الله بن أبى قسيط، عن ابن المسيب
أن عمر وعثمان رضى الله عنهما قضيا فى الملطاة بنصف دية الموضحة، فمحمول على أنهما حكما
فيه بحكومة بلغت هذا المقدار، وفى المتلاحمة ثلاث، وهو محمل ما روى عن زيد أنه قال: فى
الدامية بعير، وفى الباضعة بعيران، وفى المتلاحمة ثلاث، وفى السمحاق أربع؛ لما عرفت أن معاذا
وعمر جعلا فيما دون الموضحة أجر الطبيب، فلو كان فيه أرش معلوم لم يختلف القضاء عنه، والله
تعالی أعلم، ظ.
٢٢٦
ج - ١٨
باب دیة الجنین
٥٩٢٤- عن أبى هريرة: أن النبى معَّ قضى فى جنين امرأة من بنى لحيان بغرة
عبد أو أمة، أخرجه أصحاب الكتب الستة، كذا فى "الزيلعى".
باب دية الجنين
قوله: "عن أبى هريرة إلخ": قلت: فى رواية عيسى بن يونس عند أبى داود عن محمد بن
عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قضى رسول الله عَّه فى الجنين بغرة عبد، أو أمة، أو
فرس، أو بغل، فزاد فيه الفرس والبغل، وهو وهم من عيسى بن يونس، قال الخطابي: يقال: إن
عيسى بن يونس قد وهم فيه، وقد يغلط أحيانا فيما يرويه، وقال البيهقى: ذكر الفرس والبغل فيه
غير محفوظ، وروى من وجه ضعيف، ومرسل وهو من تفسير طاوس، كذا فى "بذل المجهود".
وقال أبو داود: روى هذا الحديث عن محمد بن عمر وحماد بن سلمة، وخالد بن عبد الله،
لم يذكرا فرسا ولا بغلا (أبو داود)، وروى ابن ماجة هذا الحديث من طريق محمد بن بشير، عن .
محمد بن عمرو، ولم يذكر فيه فرسا ولا بغلا أيضا، وعن مغيرة بن شعبة: أن النبى معَّ قضى فيه
بغرة وجعلها على العاقلة، أخرجه أبو داود وسكت عليه، وقال الترمذى: هذا حديث حسن
صحیح، كذا فى "الزيلعی".
وقال الموفق فى "المغنى": والغرة عبد أو أمة، سميا بذلك لأنهما من أنفس الأموال، والأصل
فى الغرة الخيار، فإن قيل: فقد روى فى هذا الخبر: "أو فرس أو بغل"، قلنا: هذا لا يثبت، رواه
عيسى بن يونس ووهم فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: "عبد أو أمة"،
وهو متروك فی البغل بلا خلاف، فكذلك فى الفرس، وهذا الذی ذکرناه أصح ما روى فيه وهو
متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، وهو متروك فى البغل بلا خلاف، فكذلك فى الفرس،
وهذا الذى ذكرناه أصح ما روى فيه، وهو متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يلتفت إلى
ما خالفه اهـ (٩: ٥٤٠).
قلت: دل الحديث الأول على وجوب الغرة فى جنين الحرة المسلمة، ولا خلاف فيه بین
الأئمة، وكذا لا خلاف بينهم إذا كان جنين الأمة وهو حر، ولكنهم اختلفوا فى جنين، إذا كان
مملوكا، فقال أبو حنيفة: الواجب فيه نصف عشر قيمة الذكر، إذا كان ذكرا، وعشر قيمة الأنثى
إذا كان أنثى؛ لأن النبى معَّهِ أوجب فى جنين الحرة غرة، وهى نصف عشرة دية الرجل، وعشر
دية الأنثى، فيحتمل أن يكون أوجب ذلك لكونه عشر دية أمه، ويحتمل أن يكون أو جبه اعتبارا
٢٢٧
دیة الجنين
إعلاء السنن
بنفسه، فلما نظرنا فى ذلك علمنا أنه لم يكن ذلك اعتبارا لأمه، بل اعتبارا بنفسه، إذ لو كان ذلك
لاختلف الحال باختلاف الأم، من كونها حرة، أو أمة، أو مدبرة، أو أم ولد، أو مكاتبة، مع أن
الحال لا يختلف، فدل ذلك أنه كان ذلك اعتبارا لنفسه دون أمه، فلما كان وجوب الغرة فى جنين
الحرة باعتبار نفسه دون أمه، ثبت أن الحكم فى جنين الحرة أنه إن كان ذكرا، فالواجب فيه نصف
عشر دية الذكر، وإن كان أنثى، فالواجب فيه عشر دية الأنثى، ولكن لما كان نصف عشر دية
الذكر، وعشر دية الأنثى متساويين فى الحر لم يحتج إلى تحقيق الذكورة والأنوثة فيه، فلما كان
الحكم فى جنين الحرة أن الواجب فيه نصف عشر دية الذكر إن كان ذكرا، وعشر دية الأنثى إن
كان أنثى، قلنا فى جنين الأمة المملوك: إن الواجب فيه نصف عشر قيمة الذكر، إن كان ذكرا،
وعشر قيمة الأنثى إن كان أنثى، قياسا على جنين الحرة. وأورد عليه الشافعى فى "الأم" بأنا إذا لم
نفرق بين أصل حكمهما، وهو جنين الحرة؛ لأن الذكر والأنثى فيه سواء لم يجز أن نفرق بين فرعى
حكمهما، وهو جنين الأمة فى الذكر والأنثى، وقد عرفت الجواب عنه بأنا لا نسلم عدم الفرق فى
الأصل، بل نقول: إن الواجب فى جنين الحرة الذكر نصف عشر دية الذكر، كما أن الواجب فى
جنين الأمة الذكر نصف عشر قيمته، والواجب فى جنين الحرة الأنثى عشر دية الأنثى، كما أن
الواجب فى جنين الأمة الأنثى عشر قيمتها، فسقط الإيراد.
ثم قال الشافعى: إننى وإياك تزعم أن دية الرجل ضعف دية المرأة، وأنت فى الجنين تزعم أن
دية المرأة ضعف دية الرجل، وهو أيضا ساقط؛ لأنا لا نسلم أن دية المرأة فى الجنين ضعف دية
الرجل؛ لأن هذا إنما يلزم لو قلنا: إن الواجب فى الذكر نصف عشر قيمة الأنثى، وفى الأنثى
قيمتها؛ ولكن لا نقول به، بل نقول: إن الواجب فى الذكر نصف عشر قيمة الرجل، وفى الأنثى
عشر قيمة الأنثى، فأين التضعيف؟ إن كان يلزم التضعيف فى صورة، فليس هو من جهة القياس
حتى يلزم فساده، بل هو من جهة القيمة، وهو لازم للشافعى أيضا فى بعض الصور، بأن يكون
جنين أمة وذكرا، ويكون قيمة أمه عشرة دنانير، فيكون الواجب فيه دينارا، ويكون جنين أمة
أخرى أنثى، ويكون قيمة أمها عشرين دينارا، فيكون الوجب فيه دينارين؛ فيكون الواجب فى
الأنثى ضعف الواجب فى الذكر على مذهبه أيضا.
فثبت أنه إيراد ساقط، فتحقق أن ما قاله أبو حنيفة هو القياس، وما قال الشافعى وغيره: إن
الواجب فيه عشر قيمة أمه، سواء كان ذكرا أو أنثى كما فى جنين الحرة، غير صحيح؛ لأن
٢٢٨
دیة الجنين
ج - ١٨
الواجب فى جنين الحرة ليس من جهة أمه، بل من جهة نفسه، وإلا لاختلف الحكم فى الجنين الحر
للأمة أو المكاتبة أو المدبرة أو أم الولد، مع أنه ليس كذلك، وقولهم: إنها تقدر حرة فى هذه الصور
باطل؛ لأن تبعية الأم يقتضى تقدير الجنين رقيقا لا عكسه، ومنشأ خطأهم أنهم لما رأوا أن دية جنين
الحرة متحدة فى حال الذكورة والأنوثة فهموا منه أنها ليست بالنظر إلى حال الجنين، بل بالنظر إلى
حال أمه، ولم يعلموا أن هذا الاتحاد، إنما نشأ من تقدير دية الرجل والمرأة، لا من جهة الأم؛ لأنها لو
كان الاتحاد من جهة الأم لاختلف الحال باختلاف الأم، مع أنه غير مختلف؛ لأن الذى يجب فى
جنين الحرة هو الذى يجب فى جنين الأمة، إذا كان الجنين حرا، فدل ذلك أنه ليس من جهة الأم،
بل من جهة نفس الجنين، فاعرف ذلك، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: ويدل على اعتبار الجنين بنفسه دون أمه كون الغرة موروثا عن الجنين؛
لأنها دية له وبدل عنه فيرثها ورثته، كما لو قتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك، والشافعى، وأبو
حنيفة، وأصحابه، وقال الليث: لا تورث بل تكون بدله لأمه؛ لأنه كعضو من أعضاءه فأشبه يدها،
ولنا أنها دية آدمى، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيا ثم مات، وقوله: "إنه عضو
من أعضاءها" لا يصح؛ لأنه لو كان عضوا لدخل بدله فى دية أمه كيدها، ولما منع القصاص من
أمه، وبالإجماع لا يقتص من الحامل قبل الوضع، ولا من إقامة الحد عليها من أجله، ولما صح عتقها
دونه، ولا عتقه دونها، كذا فى "المغنى" (٤٥٢:٥)، فلما اتفقوا على كون الغرة موروثة عن
اجنین، فقد سلموا اعتباره بنفسه لا بأمه، فافهم، ظ.
ودل الحديث الثانى على أن دية الجنين على العاقلة، وهو مذهب أبى حنيفة، وقال أحمد: إن
ماتت الأم فدية المرأة والجنين على العاقلة، وإن لم تمت فدية الجنين فى ماله؛ لأن العاقلة لا تتحمل ما
دون ثلث الدية.
والجواب أن عدم تحمل العاقلة ما دون الثلث غير مسلم، ولما أوجب عّ لّه دية الجنين على
العاقلة، دل ذلك على أن العاقلة كما تحتمل الثلث، وما فوقه كذلك تحتمل ما تحته أيضا، ولا دخل
فى ذلك لموت الأم وعدمه؛ لأن موت الأم جناية، وسقوط الجنين جناية أخرى، فيستقل كل واحد
منهما بحکمه.
وما يقال: إن العاقلة، إنما تحتمل الدية لإعانة الجانى، ولا حاجة إلى الإعانة فيما دون الثلث؛
لأنه قليل، وإنما الحاجة إليها فى الثلث وما فوقه؛ لأن الثلث كثير، كما قال عّ لّه: ((الثلث كثير)).
٢٢٩
دیة الجنين
إعلاء السنن
فالجواب عنه أن الغرة كثيرة فى باب الدية؛ لأنه عرّ أوجبها على العاقلة، ولو لم تكن
كثيرة لأوجبها فى مال الجانى، وما ورد من قوله: ((الثلث كثير))، فهو فى باب الوصية دون الدية،
وما روى عن عمر: أنه قضى فى الدية أن لا يحمل منها شىء حتى تبلغ عقل المأمومة ("مغنى")،
فليس بثابت عندنا، وإن صح ذلك عنه فهو اجتهاد منه، وحجتنا ما روينا أن النبى عّ لّه جعل دية
الجنين على العاقلة، مع كونها عشر دية الأنثى ونصف عشر دية الرجل، وما يجاب عنه بأنها دية
نفس كاملة، فغير مفيد لهم؛ لأنه لا فرق بين دية العضو والنفس أعنى الجنين، وهذا المجيب لا يقول
بالفرق أيضا؛ لأنه كما لا يوجب ما دون الثلث من دية العضو على العاقلة، كذلك لا يوجب ما
دون الثلث من دية النفس عليها كدية المجوسى والجنين، فاعرف ذلك.
قال العبد الضعيف: ذكر ابن حزم فى "المحلى" فى حجة أبى حنيفة ومحمد وزفر، أنهم
يقولون: لما كانت الغرة فى جنين الحرة مقدرة بخمسين دينارا كان ذلك نصف عشر دية لو خرج
حيا، وكان ذكرا، أو عشر ديتها لو كانت أنثى وخرجت حية، فوجب فى جنين الأمة مثل ذلك
أيضا؛ لأنه لو خرج حيا، فقتل لكانت فيه القيمة اهـ (٣٦:١١)، ثم أورد عليه بأنه قياس، والقياس
كله باطل، قلنا: ولكن عهدنا بك أنك تقيس أكثر من أصحاب القياس، وتسميه دلالة النص،
والقول بالأقل والاستصحاب، أو القول بالمفهوم، وليس هو إلا القياس، ومع ذلك فقد فرغنا من
إقامة الدلائل على حجية القياس من الكتاب والسنة فى باب القضاء.
قال: ولو صح القياس، لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن تقويم الغرة بخمسين دينارا باطل، لم
يصح قط فى قرآن، ولا سنة، ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، فصار قياسهم هذا قياسا
للخطأ على الخطأ اهـ.
قلنا: قد ثبت ذلك عن عمر رضى الله عنه - كما سيأتى- وعن جماعة من التابعين، وله
أصل فى السنة أيضا، فسقط قولك جملة، ولما ثبت بالإجماع أن دية العبد أقل من دية الحر، فيجب
فى الحر مائة من الإبل أو عشرة آلاف درهم، وفى العبد قیمته، فکیف یصح أن یکون دية جنین
الأمة - وهو عبد- كدية جنين الحرة، أو جنين الأمة وهو حر؟ فقول ابن حزم بوجوب الغرة فى
الكل باطل بالمرة.
وأما حديث المغيرة ومحمد بن مسلمة فى إملاص المرأة: أن رسول الله عَ ◌ّ، قضى فيه بغرة
عبد أو أمة، رواه مسلم، وكذا حديث أبى هريرة: أن رسول الله عَ ل قضى فى امرأتين من هذيل
=
٢٣٠
دیة الجنين
ج - ١٨
اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما فى بطنها، أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى
بالدية على عاقلتها، فمحمول على جنين الحرة فقط، بدليل ما ذكرنا من الإجماع على الفرق بين
دية الحر والعبد، فافهم.
قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم أن فى العبد الذى لا تبلغ قيمته دية الحر قيمته، وإن
بلغت قيمته دية الحر فذهب أحمد إلى أن فيه قيمة بالغة ما بلغت، وقال النخعى، والشعبى،
والثورى، وأبو حنيفة، ومحمد: لا تبلغ به دية الحراهـ (٣٨٢:٩).
وبالجملة فقد أجمعوا على الفرق بين دية الحر والعبد، فكذلك لا بد من الفرق بين الجنين
الحر والعبد، وأما ما رواه الموفق عن عمر: أنه قضى فى الدية أن لا يحمل منها شىء حتى تبلغ عقل
المأمومة، فلم یصح عنه، وقد روى البيهقى: من طریق أيوب بن سويد، ثنی یونس بن یزید، عن
الزهرى، عن سعيد بن المسيب، أن زيد بن ثابت قال: لا تعقل العاقلة ولا يعمها العقل إلا فى ثلث
الدیة فصاعدا.
قال البيهقى: هكذا رواه أيوب، والمحفوظ أنه من قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار،
ثم أخرجه من طريق عبد الله بن وهيب عن ابن أبى ذئب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار
من قولهما كذا قالا وذهب الشافعى إلى أنها تحمل ما كثر وقل، قال: وقضى رسول الله عَ ◌ّه فى
الجنين بغرة، وقضى به على العاقلة، وذلك نصف عشر الدية، قال الشافعى: قال بعضهم: قال يحيى
بن سعيد: من الأمر القديم أن تعقل العاقلة الثلث فصاعدا. قلنا: القديم قد يكون ممن يقتدى به، وقد
يكون من الولاة الذين لا يقتدى بهم، أفنترك اليقين أن النبى معَّ لّ قضى بنصف عشر الدية على
العاقلة بظن؟ قال ابن التر كمانى: القياس أن لا يلزم العاقلة جناية كما إذا جنى على مال وعموم قوله
تعالى: ﴿لا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ينفى اللزوم عليها، وكذا قوله
عليه السلام: ((لا يجنى عليك، ولا تجنى عليه))، فإذا حملها النبى معَّ ◌ُّه شيئا كان ذلك على خلاف
القياس؛ فيقتصر عليه ولا يقاس، ومذهب مالك وأصحابه أن العاقلة لا تحمل من ديته الخطأ إلا
الثلث فصاعدا، وهو قول الفقهاء السبعة وعبد العزيز بن أبى سلمة وابن أبى ذئب، وقال أبو حنيفة
وأصحابه: لا تحمل إلا نصف عشر الدية فصاعدا، وهو قول الثورى وابن شبرمة اهـ (١٠٩:٨).
قلت: ولم يثبت أنه معَِّ حمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية؛ فلا تحمل أقل منه بالقياس؛
لما تقرر فى الأصول أن ما كان خلاف القياس يقتصر على مورده، لا يجوز تعديته إلى غيره
٢٣١
إعلاء السنن
باب تقويم الغرة
٥٩٢٥- حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا وكيع، عن سفيان، عن طارق، عن الشعبی،
قال: الغرة خمسمائة.
بالقياس، قال محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: لا تعقل العاقلة
فى أدنى من الموضحة. قال: وأخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: تعقل العاقلة الخطأ كله
إلا ما كان دون الموضحة والسن، مما ليس فيه أرش معلوم، قال محمد: وبهذا کله نأخذ، وهو قول
أبى حنيفة اهـ (٨٥) ١٢ظ.
إفادة: فى "المعراج": طعن بعض الملحدين، وقال: لا جناية من العاقلة، فتكون فى مال
القاتل، لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
قلنا: إيجابها عليهم مشهور ثبت بالأحاديث المشهورة، وعليه عمل الصحابة والتابعين،
فيزاد به على الكتاب، على أن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظه ومراقبته وخصوا
بالضم؛ لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره، فكانوا هم المقصرين، وكانوا قبل الشرع يتحملون عنه تكرما
واصطناعا بالمعروف، فالشرع قرر ذلك، وتوجد هذه العادة بين الناس، فإن من لحقه خسران من
سرقة أو حرق يجمعون له مالا لهذا المعنى اهـ ملخصا من "رد المحتار" (٦٢٩:٥) ١٢ظ.
باب تقويم الغرة
قوله: "حدثنا أحمد بن حنبل" إلخ: قلت: قد علم من هذه الآثار أن قيمة الغرة من الذهب
خمسون دينارا، ومن الورق خمسمائة درهم، ولا خلاف بين الأئمة فى قيمة الذهب، وإنما اختلفوا
فى قيمة الورق، فقال أبو حنيفة: خمسمائة درهم، كما قال الشعبى.
وقال غيره: ستمائة درهم، ومبنى هذا الاختلاف هو الاختلاف فى أن الدية من الورق
عشرة آلاف درهم، أو اثنا عشر ألف درهم؟ فمن قال: إنها اثنا عشر ألفا، قال: قيمة الغرة ستمائة
درهم، ومن قال: إنها عشرة آلاف درهم، قال: الغرة خمسمائة درهم؛ لأن الغرة نصف عشر الدية
عند الكل، وتحقيق أن الدية عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفا، قد ذكرناه فى بابه.
وقد ورد بعض الأحاديث المرفوعة فى تقدير الغرة، فقال النسائى: أخبرنا يعقوب بن
إبراهيم، وإبراهيم بن يونس بن محمد، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى. قال ثنا يوسف بن صهيب،
عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن امرأة خذفت امرأة فأسقطت، فجعل رسول الله عَ ◌ّ فى ولدها
٢٣٢
ج - ١٨
تقويم الغرة
٥٩٢٦- وحدثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، قال: الغرة خمسون
دينارا، رواهما إبراهيم الحربى فى كتابه "غريب الحديث" (زيلعى).
خمسين شاة، ونهى يومئذ عن الخذف، وقال أيضا: أخبرنا أحمد بن يحيى، قال: ثنا أبو نعيم، قال:
ثنا يوسف بن صهيب، قال: حدثنى عبد الله بن بريدة: أن امرأة خذفت امرأة، فأسقطت المرأة
المخذوفة، فرفع ذلك إلى النبى مرێّ، فجعل عقل ولدها خمسمائة من الغنم، ونهی يومئذ عن
الخذف، ثم قال النسائى: هذا وهم، وينبغى أن يكون أراد مائة من الغنم (نسائى).
وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، نا عبيد الله بن موسى، نا يوسف بن صهیب،
عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن امرأة خذفت امرأة فأسقطت، فرفع ذلك إلى رسول الله عَ ليه
فجعل فى ولدها خمسمائة شاة، ونهى يومئذ عن الخذف، وقال أبو داود: كذا الحديث خمسمائة
شاة، والصواب مائة شاة (أبو داود)، والصواب عندى أن لفظ: "خمسمائة" صحيح فى الحديث
وإنما وقع الوهم فى قوله: "من الغنم أو شاة".
ويؤيد ما قلنا: إن البزار رواه بغير هذه الزيادة، حيث قال: حدثنا محمد بن معمر، وصفوان
ابن المفلس، قالا: ثنا عبيد الله بن موسى، عن يوسف بن صهيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه:
أن امرأة خذفت امرأة، فقضى رسول الله فى ولدها بخمسمائة، ونهى عن الخذف. "زيلعى"،
فالمراد من الخمسمائة هو الدراهم دون الشاة والغنم، وحينئذ يكون الحديث حجة لأبى حنيفة فى
قوله: إن الغرة خمسمائة.
وقال الطبرانى فى "معجمه": حدثنا على بن عبد العزيز، ثنا عثمان بن سعيد المزى، ثنا
المنهال بن خليفة، عن سلمة بن تمام، عن أبى المليح الهذلى، عن أبيه قال: ((كان فينا رجل يقال له
حمل بن مالك، له امرأتان، إحداهما هذلية والأخرى عامرية، فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود
خباء أو فسطاط فألقت جنينا ميتا، فانطلق بالضاربة إلى رسول الله عَّه ومعها أخ لها، يقال له
عمران بن عويمر، فلما قصوا عليه القصة، قال لهم رسول الله عَّ له: ((اده، فقال له عمران: يا رسول
الله! أندى من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل؟ ومثل هذا يطل، فقال رسول الله عّ لّه: دعنى
من رجز الأعراب، فيه غرة عبد أو أمة أو خمسمائة أو فرس أو عشرون ومائة شاة، فقال: يا رسول
الله! إن لها ابنين هما سادة الحى، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قال: أنت أحق أن تعقل عن أختك
من ولدها قال: مالى شىء أعقل فيه، قال: يا حمل بن مالك وكان يومئذ علی صدقات هذيل، وهو
زوج المرأتين وأبو الجنين المقتول، اقض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومائة شاة نعقل)).
٢٣٣
تقويم الغرة
إعلاء السنن
٥٩٢٧- وقال أبو داود: قال ربيعة: الغرة خمسون دينارا.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن شعيب العسال الاصبهانى، ثنا إسماعيل بن عمرو البجلى ثنا
سلمة بن صالح عن أبى بكر بن عبد الله عن أبى المليح الهذلى عن أبيه عن النبى عّ لّه نحوه، زيلعى.
وفى "مجمع الزوائد": رواه الطبرانى والبزار باختصار كثير، والمنهال بن خليفة وثقه أبو
حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات اهـ (٦: ٣٠٠)، وفى هاتين الروايتين ذكر خمسمائة
شاهد لرواية البزار، إلا أن قوله: "فرس أو عشرون ومائة شاة" وهم، فافهم، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وقال الموفق فى "المغنى": إن الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهى
خمس من الإبل، روى ذلك عن عمر وزيد رضى الله عنهما، وبه قال النخعى، والشعبى، وربيعة،
وقتادة، ومالك، والشافعى، وأصحاب الرأى، ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع فى الجنايات، وهو
أرش الموضحة ودية السن، فرددناه إليه.
فإن قيل: فقد وجب فى الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر تموه. قلنا: الذى نص
عليه صاحب الشريعة غرة قيمتها أرش الموضحة، وهو خمس من الإبل اهـ (٥٤١:٩)، يشير إلى
ما رويناه فى المتن من قوله عّ لّه: ((غرة عبد أو أمة أو خمسمائة))، وأن عمر قومها خمسين دينارا،
وأيضا فوجوب ثلاثة أبعرة وثلث فى الأنملة ليس بمنصوص من الشارع، كنصه على أرش الموضحة
والسن، وإنما هو قول زيد بن ثابت، رواه البيهقى من طريق حجاج بن أرطاة، عن مكحول، عنه،
قال: "فى الأصابع فى كل مفصل ثلث الدية (أى ثلث دية الإصبع) إلا الإبهام؛ فإن فيها نصف
الدية؛ لأن فيها مفصلين" اهـ (٩٣:٨)، وقوله: "لأن فيها مفصلين" يدل على أنه قسم دية الإصبع
على مفاصلها بالرأى دون التوقيف، والله تعالى أعلم.
فائدة: إنما يجب الغرة فى الجنين إذا ألقته أمه ميتا، وأما إذا ضرب بطنها فألقت جنينا حيا،
ثم مات من الضربة، ففيه دية حر إذا كان حرا، وقيمته إن كان مملوكا، إذا كان سقوطه لوقت
يعيش لمثله، وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا، هذا قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع كل
من نحفظ عنه من أهل العلم على أن فى الجنين يسقط حيا من الضرب دية كاملة، منهم زيد بن
ثابت، وعروة، والزهرى، والشعبى، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور،
وأصحاب الرأى، ذكره الموفق فى "المغنى"، وذكر اختلافا فى بعض فروعه من الأمارات التى تعلم
به حياته، ومن أن السقوط لدون ستة أشهر يوجب الغرة دون الدية، خلافا للشافعى فقال: فيه دية
كاملة؛ لأننا علمنا حياته وقد تلف من جنايته، من أراد البسط فى الفروع، فليراجعه (٩: ٢٥١).
ج - ١٨
تقويم الغرة
٢٣٤
٥٩٢٨- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن زيد بن أسلم: أن
عمر بن الخطاب قوم الغرة خمسين دينارا (زيلعى).
فائدة: إذا ضرب بطن امرأة فألقت أجنة، ففى كل واحد غرة، وبهذا قال الزهرى، ومالك،
والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر، قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم. وإن ألقتهم أحياء فى وقت
يعيشون فى مثله ثم ماتوا، ففى كل واحد دية كاملة، وإن كان بعضهم حيا فمات، وبعضهم ميتا،
ففى الحى دية، وفى الميت غرة، كذا فى "المغنى" (٥٤٤:٩).
فائدة: إن الغرة إنما تجب إذا سقط الجنين من الضربة، ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب
الضرب، أو ببقاءها متألمة إلى أن يسقط، ولو قتل حاملا لم يسقط جنينها، أو ضرب من فى جوفها
حركة أو انتفاخ، فسكن الحركة وأذهبها لم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك، وقتادة، والأوزاعى،
والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر. وحكى عن الزهرى أن عليه الغرة؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين
فلزمته الغرة، كما لو أسقطت، ولنا أنه لا يثبت له حكم الولد إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له
وصية ولا ميراث؛ ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح فى البطن سكنت، ولا يجب الضمان
بالشك، فأما إذا ألقته ميتا فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة؛ فيجب ضمانه سواء ألقته فى
حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعى، وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه
اهـ من "المغنى" (٥٣٨:٩) أى للشك فى أن تلفه من الضربة أو من موت الأم؛ فلا يجب الضمان
بالشك، هذا هو الوجه لا ما ذکره الموفق ثم رده، ولا يلزم من ضعف الدليل الذی ذکره من عند
نفسه ضعف دليل الخصم فى نفس الأمر، فافهم.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وعلى كل من ضرب ممن ذكرت عتق رقبة مؤمنة، سواء
كان الجنين حيا أو ميتا، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، والزهرى، والحكم،
والشافعى، وإسحاق، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن
المرأة تلقى جنينا الرقبة مع الغرة، وروى ذلك عن عمر رضى الله عنه، وقال أبو حنيفة: لا تجب
الكفارة؛ لأن النبى معَّ لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة. قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿ومن قتل
مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾، وقال: ﴿فإن كان من قوم بينكم وبينهم میثاق فدية مسلمة إلى
أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ الآية (٥٥٦:٩).
قلنا: إن الله تعالى قد قرن الكفارة بالدية؛ فلا تجب إلا بوجوب الدية، والغرة ليست بدية،
فلا دلالة فى الآية على وجوبها مع الغرة، والمروى عن عمر ما أخرجه البيهقى فى "سنته" من
٢٣٥
تقويم الغرة
إعلاء السنن
طريق وكيع عن سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب: أن عمر رضى الله عنه صاح بامرأة
فأسقطت، فأعتق عمر رضى الله عنه غرة. إسناده منقطع (١١٦:٨)، وكان ذلك فى الجنين الحى
دون الميت؛ لأن البيهقى أخرج القصة من طريق سلام عن الحسن البصرى مفصلة، بلفظ: إن عمر
أرسل إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فأنكر ذلك، فقيل لها: أجيبى عمر، قالت: ويلها! ما لها
ولعمر؟ فبينما هى فى الطريق ضربها الطلق، فدخلت دارا فألقت ولدها، فصاح صيحتين ومات،
فاستشار عمر الصحابة، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شىء، إنما أنت وال ومؤدب. فقال
عمر: ما تقول يا على؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأوا، وإن كانوا قالوا فى هواك فلم
ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها فألقت ولدها من سببك، فأمر علينا أن يقيم
عقله على قريش (التلخيص الحبير ٣٤٤).
والظاهر أن المرأة دخلت على عمر، فصاح بها وأفزعها؛ فألقت ولدها حين رجعت من
عنده، جمعا بين الروايتين؛ لأن رواية شهر بن حوشب يدل على أن عمر صاح بها، ولا يكون ذلك
قبل أن تدخل عليه؛ فلا يصح القول بأن السلطان إذا بعث إلى امرأة ليحضرها فأسقطت جنينا ميتا
ضمنه، كما ذكره الموفق فى "المغنى" (٥٧٩:٩)، واحتج بهذا الأثر، فإن مجرد البعث ليس من
الجناية فى شىء، ولو فزعت بمجرد البعث إليها وأسقطت لا ينسب ذلك إلى السلطان، بل إلى
ضعف قلب المرأة، نعم! إذا دخلت عليه فصاح بها وأفزعها؛ فأسقطت، ضمنه؛ لوجود الجناية من
السلطان بالصياح والإفزاع.
وبالجملة فإن عمر رضى الله عنه إنما أعتق الرقبة مع الدية لا مع الغرة؛ لما ذكرنا أن المرأة
كانت قد ألقت جنينا حيا لا ميتا، وأبو حنيفة لا ينكر وجوب الكفارة فى الجنين الحى، وإنما ينكر
وجوبها فى الميت، قال فى "الدر": ولا كفارة فى الجنين عندنا وجوبا بل ندبا (زيلعى) إن وقع
ميتا، وأن خرج حيا ثم مات ففيه الكفارة، كذا صرح به فى "الحاوى القدسى"، (وكذا صرح به
فى "الاختيار"، وسيذكره الشارح عن "الواقعات" ش)، وهو مفهوم من كلامهم؛ لتصريحهم
بوجوب الدية حينئذ، فتجب الكفارة فيه، كما لا يخفى، فليحفظ اهـ (٥١٠:٥).
وقد أشكل الأمر على ابن حزم، فقال: إن الصحابة قد اختلفوا؛ فالواجب الرجوع إلى ما
أمر الله تعالى به بالرجوع إليه عند التنازع، فوجدنا الله تعالى يقول: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾.
وقال رسول الله مرّ له: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)). فصح أن فرضا
٢٣٦
تقويم الغرة
ج - ١٨
على كل مسلم قدر على ذلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ووجدنا هذه المبعوث فيها بعث
فيها بحق، ولم يباشر الباعث فيها شيئا أصلا؛ فلا شىء عليه، وإنما كان يكون عليه دية ولدها لو
باشر ضربها أو نطحها، وأما إذا لم يباشر فلم يجن شيئا أصلا اهـ (٢٥:١١).
قلنا: أما اختلاف الصحابة فقد ارتفع حین أذعنوا لقول على، ولم ینکره علیه أحد منهم،
وأما أن الباعث فيها لم يباشر شيئا أصلا، فمنشأه الغفلة عن رواية شهر بن حوشب وفيه: "أن عمر
صاح بها فأسقطت"، والأمر بالمعروف لم ينحصر فى الصياح والإفزاع، لا سيما ولم يثبت على
المبعوث فيها ما يوجب الحد عليها، وإنما كان يدخل عليها، فأورث ذلك مظنة، وكذلك الجناية لم
تنحصر فى الضرب والنطح، بل كل ما يفضى إلى الهلاك فهو جناية، ألا ترى لو کمن رجل لآخر
بالليل فى مكان مظلم، فإذا حاذاه صاح عليه صيحة منكرة تكون سببا لموته، فعليه الدية، كذا هذا،
وهو مما لم أر أحدا من الحنفية صرح به، ولكنه مقتضى القياس، وقد تأيد بأثر عمرو على رضى الله
عنبهما، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": ولو شهر سيفا فى وجه إنسان، أو دلاه من شاهق، فمات من
روعته، أو ذهب عقله، فعليه ديته، وإن صاح لصبى أو مجنون صيحة شديدة، فخر من سطح أو
نحوه فمات، أو ذهب عقله، أو تغفل عاقلا فصاح به، فأصابه ذلك، فعليه ديته تحملها العاقلة، فإن
فعل ذلك عمدا فهو شبه عمد، وإلا فهو خطأ، ووافق الشافعى فى الصبى، وله فى البالغ قولان،
ولنا أنه سبب إتلافه فضمنه اه ملخصا (٥٧٨:٩).
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وإذ شربت الحامل دواء فألقت به جنينا، فعليها غرة لا ترث
منها شيئا، وتعتق رقبة، ليس فى هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلا ما كان من قول من
لم يوجب عتق الرقبة؛ وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها؛ فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو
جنى عليه غيرها، ولا ترث من الغرة شيئا؛ لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرة لسائر ورثته،
وعليها عتق رقبة، وهذا قول الزهرى والشافعى وغيرهما اهـ ملخصا (٥٥٧:٩).
قلت: وهو قولنا معشر الحنفية إلا أن الغرة على عاقلة المرأة، وإن لم تكن لها عاقلة ففى
مالها، وإنما تجب إذا أسقطته ميتا، وقد استبان بعض خلقه عمدا بدواء أو فعل كضربها بطنها،
وكما إذا عالجت فرجها حتى أسقطت، أو حملت حملا ثقيلا على قصد إسقاطه بلا إذن زوجها،
فإن أذن أو لم تتعمد أو لم يستبن خلقه فلا، وقال الشرنبلالى: لا تسقط الغرة عن عاقلة المرأة بمجرد
٢٣٧
إعلاء السنن
باب من يتطبب وهو غير طبيب فيهلك
٥٩٢٩- حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكى، ومحمد بن صباح بن سفيان، أن
الوليد بن مسلم أخبرهم عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن
رسول الله عَ لّه قال: ((من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن))، قال نصر: حدثنى ابن
جریج، وقال أبو داود: هذا لم يرووه إلا الوليد، لا ندرى صحيح هو أم لا.
أمر زوجها بإتلاف الجنين؛ لأن أمره لا ينزل عن فعله، فإنه إذا ضرب امرأته فألقت جنينا لزم عاقلته
الغرة، ولا يرث منها، كذا فى "الدر المختار مع الشامية" (٥٨١:٥).
قلت: ولا يجب عليها عتق الرقبة لو ألقته ميتا، وأما إذا لو ألقته حيا فعلى عاقلتها الدية،
وعليها الكفارة، سواء أذن الزوج فى إسقاطه أو لم يأذن؛ لأن الإباحة لا تجرى فى النفوس، وسقط
القصاص للشبهة، والله تعالى أعلم.
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، عن
الحجاج، عن عبدة الضبى: أن امرأة كانت حبلى فذهبت تستدخل فألقت ولدها، فقال إبراهيم
النخعى: عليها عتق رقبة، ولزوجها عليها غرة عبد أو أمة، من طريق وكيع: نا سفيان الثورى، عن
المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعى، أنه قال فى امرأة شربت دواء فأسقطت، قال: تعتق رقبة،
وتعطى أباه غرة.
قال ابن حزم: هذا أثر فى غاية الصحة اهـ (٣١:١١)، وقد مر أن عليها عتق رقبة وجوبا إذ
ألقته حيا، وندبا لو ألقته ميتا، فلا يرد الأثر علينا، فافهم.
:
فائدة: قال الموفق: وإن جنى على بهيمة فألقت جنينها، ففيه ما نقصها فى قول عامة أهل
العلم، وحكى عن أبى بكر (من الحنابلة) أن فيه عشر قيمة أمه قياسا على جنين الأمة، وهذا لا
يصح؛ لأن الأمة آدمية ألحقت بالأحرار فى تقدير أعضاءها من ديتها، بخلاف البهيمة فإنما يجب
فى الجنایة علیها قدر نقصها، فكذلك فى جنينها اهـ ملخصا (٥٥٨:٩).
باب من يتطبب وهو غير طبيب فيهلك
قوله: حدثنا نصر بن عاصم إلخ: قلت: معنى قوله "ليس بالنعت": إنه لا يضمن الطبيب
بذكره الدواء المـ بض، لأن ذلك الهلاك إنما يكون بفعل المريض، وإنما يضمن إذا عالجه بنفسه، بأن
قطع العروق أو بط أو كوى فهلك، والله أعلم.
٢٣٨
ج - ١٨
من يتطبب وهو غير طبيب فيهلك
٥٩٣٠- قلت: يشهد له ما رواه أبو داود نفسه، وقال: حدثنا محمد بن العلاء، نا
حفص، نا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثنى بعض الوافدين الذين قدموا على
أبى، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل
ذلك، فأعنت فهو ضامن))، قال عبد العزيز: أما إنه ليس بالنعت إنما هو قطع العروق
والبط والكى (أبو داود).
قال العبد الضعيف: قول عبد العزيز: "إنه ليس بالنعت إنما هو قطع العروق والبط والكى"
مبنى على حمله الضمان على ضمان النفس ونحوها، ولكن لفظ الطبيب عام لكل من يعالج الجسم
لغة، عالج بالنعت أو بقطع العروق والبط ونحوه، فلا بد للتخصيص ببعض الأنواع من دليل،
فالظاهر الحمل على العموم، وقوله: "فهو ضامن" كقوله مَظله: ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن)) أى
ضامن عند الله فى الأخرة، ولا يخفى أن من تطبب ولا يعلم منه طَب فهو آثم، لو مات بطبه أحد
كان عليه إثم القاتل، قال فى "الدر": ولا يحجر حر مكلف بسفه، وفسق ودين وغفلة، بل يمنع
مفتى ماجن يعلم الحيل الباطلة، (وكالذى يفتى عن جهل)، وطبيب جاهل (بأن يسقيهم دواء
مهلكا، فإذا قوى عليهم لا يقدر على إزالة ضرره (زيلعى)، فمنع هؤلاء المفسدين للأديان والأبدان
دفع إضرار بالخاص والعام، فهو من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر اهـ ١٢ ش (١٦١:٥).
قلت: وللإمام أن يعزر هؤلاء بما رأى إذا لم ينتهوا عن الفساد فى الأرض، كما مر فى باب
· التعزيز، هذا حكم من تطبب بالنعت، وأما الفصاد والبزاغ فإنما يضمنان إذا تجاوزا الموضع المعتاد، أو
فصد الفصاد وبزغ البزاغ عبدا بغير إذن مولاه، أو صبيا بغير إذن وليه، كما فى "الهداية"
(٢٩٤:٢) وإذا لم يتجاوزا الموضع المعتاد فلا يضمنان إذا كان لهما معرفة بالصنعة، وإلا فهما
ضامنان، لم أره صريحا ولكنه مقتضى القواعد، وهو ظاهر الأثر، والله أعلم.
ثم رأيت الخطابى -رحمه الله - يقول: لا أعلم خلافا فى أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض
كان ضامنا، والمتعاطى علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط
القود، لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب فى قول عامة الفقهاء على عاقلته،
انتهى من "عون المعبود" (٣٢١:٤).
قلت: ومراده المعالج بيده كالفصد والبط والكى ونحوه، وأما المعالج بالنعت فلم يتولد
التلف بفعله، بل بفعل المريض حيث اغتر بقوله، فكان كمن غر إنسانا فقال له: طريق كذا آمن
غاية الأمن، وهو يدرى أن فى الطريق أسدا هائجا، أو جملا هائجا، أو كلابا عقاره، أو قوما
٢٣٩
إعلاء السنن
باب تصادم الرجلین
٥٩٣١- أخبرنا أشعث، عن الحكم، عن على: أن رجلين صدم أحدهما صاحبه،
يضمن كل واحد منهما صاحبه، يعنى الدية، رواه عبد الرزاق (زيلعى).
٥٩٣٢- وحدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن حماد، عن إبراهيم،
عن على: فى فارسين اصطدما فمات أحدهما، أنه ضمن الحى للميت.
٥٩٣٣- وحدثنا أبو خالد الأحمر، عن أشعث، عن الحكم، فى الفارسين
اصطدما، قال: يضمن الحى دية الميت. رواهما ابن أبى شيبة، كذا فى "الزيلعى".
قطاعين للطريق يقتلون الناس، فنهض الرجل بخبر هذا الغار، فقتل وذهب ماله، لا قود عليه، ولا
ضمان أصلا فى دم ولا مال، لأنه لم يباشر شيئا ولا أكرهه، وإن كان عاصيا آثما فى الغرور، فليس
كل عاص يجب عليه الضمان والدية، فافهم ١٢ظ.
باب تصادم الرجلين
قوله: أخبرنا أشعث إلخ: قلت: فى الآثار حجة لأبى حنيفة، وقال الشافعى: إذا اصطدما
وماتا فكل واحد شريك فى قتل نفسه، فيسقط حصته من الدية، ويجب عليه ما بقى وهو النصف.
قلنا: الشركة غير مسلم، بل كل واحد قتل الآخر بصدمة، فيجب عليه كل الدية كما لو مات
أحدهما.
قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": وأما الفارسان يصطدمان فإن أبا حنيفة،
ومالكا، والأوزاعى، والحسن بن حى، قالوا: إن ماتا فعلى عاقلة كل واحد منها دية الآخر كاملة،
وقال عثمان البتى، وزفر، والشافعى: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه. قال: وإذا اقتتل
اثنان فقتل أحدهما الآخر، فقد قال قوم: على الحى نصف دية الميت، لأن المقتول مات من
فعله وفعل غيره، وهذا ليس بشىء، لأن المقتول وإن كان عاصيا لله تعالى وفى النار، لقول رسول
الله عَّ ◌ُلّ: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)).
(أما القاتل فظاهر، وأما المقتول فلكونه حريصا على قتل صاحبه) فإنه ليس كل عاص لله ..
تعالى يحل دمه ولا يغرم دية، لكن القاتل الحى هو قاتل الآخر بلا شك، فإذ هو قاتله بیقین علیه ما
على القاتل، لما روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سئل ابن شهاب عن أول من جعل
على المصطدمين نصف عقله؟ فقال ابن شهاب: ترى أن العاقل تاما على الباقى منهما، وتلك السنة
٢٤٠
ج - ١٨
باب القتل بالتسبب
٥٩٣٤- عن على، قال: من حفر بئرا أو أعرض عودا فأصاب إنسانا ضمن. رواه
عبد الرزاق، أخرجه فى "كنز العمال" (٣١٠:٥) ساكتا عليه، وفى "المحلى".
(٥٢٦:١٠) لابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن
على، فذكره، وهو منقطع، وابن مجاهد ضعيف.
٥٩٣٥- ولكنه تأيد بما رواه من طريق الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة،
عن على، قال: من أخرج رحا من ركن داره فعقرت رجلا ضمن، وعن الحجاج عن
قتادة، عن شریح نحوه اهـ.
باب قوم حفروا حائطا فوقع عليهم
٥٩٣٦- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن إبراهيم، أنه قال فى القوم يحفرون
جدارا فوقع الجدار عليهم، قال: عليهم الدية بعضهم لبعض (كتاب الآثار)، وقال
محمد: وبه نأخذ إلا أنه يرفع من دية كل واحد منهم حصته، فإن كانوا أربعة بطل ربع
الدية من كل واحد، وإن كانوا ثلاثة بطل ثلث الدية من كل واحد، وهو قول أبى
حنيفة، قلت: هو قتل بالتسبيب كحفر البئر، فيكون أثر على المذكور فى الباب السابق
مؤيدا له.
فيما أدر كنا اهـ ملخصا (٥٠٢:١٠).
قلت: وكذلك القول فى المتصارعين، والمتلاعبين، والمتماقلين فى الماء، وما أباح الله تعالى فى
اللعب شيئا خطره فى الجد، والله تعالى أعلم، ظ.
باب القتل بالتسبب
قوله: عن على إلخ: قلت: هو يدل على أن القتل بالتسبب موجب للضمان، إلا أنه يشترط
فيه أن يكون على وجه التعدى، كحفر البئر فى غير ملكه، وهو مذهب أبى حنيفة.
قال العبد الضعيف: وفى الباب أثر مرفوع ولكنه مرسل، روى عبد الرزاق عن ابن عيينة،
عن عمرو، عن الحسن، قال: قال رسول الله عَُّله: ((من أخرج من حده شيئا فأصاب إنسانا فهو
ضامن))، كذا فى "المحلى" (٥٢٧:١٠)، وهذا مرسل صحيح، وقد مر غير مرة أن مراسيل الحسن
وابن سيرين صحاح عند القوم، وروى ابن حزم من طريق وكيع: نا سفيان، عن عطاء بن السائب،