النص المفهرس

صفحات 201-220

٠٠
إعلاء السنن
٢٠١
باب الدیة فی الرجل
٥٩١١- فى كتاب رسول الله عَ ليه لعمرو بن حزم: ((فى الرجل الواحدة نصف
الدیة))، وقد ذ کرناه فى باب دية اللسان.
الحديث ذكر غير الأشل، ثم هو يقول: إن منفعة الذكر هو الجماع، ومع ذلك يوجب الدية فى
ذكر الفائت الجماع كالصبى وغيره، فإن قال: ليس هو فائت الجماع تقديرا أو مآلا، قلنا له:
كذلك ليس هو فائت الإحبال تقديرا أو مآلا.
بالجملة هو يورد على خصمه ما يرد عليه نفسه، وهو لا يشعر بذلك، وهذا من العجب،
وقد عرفت الجواب عن قوله: أما الولد فهو ليس من الذكر بل من المنى، ثم قوله هذا يشعر بأن الدية
واجبة فى ذكر الشيخ الكبير والعنين عند خصمه، وقد نقلنا عن "البحر" أن الأمر ليس كذلك، بل
الواجب فيهما حكومة عدل، والله أعلم.
باب الدية فى الرجل
قوله: "فى كتاب النبى معَّه" إلخ: قلت: المراد من الرجل هو الرجل الصحيحة، والرجل
العرجاء فيها حكومة عدل. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى" أجمع أهل العلم على أن
فى الذكر الدية، وفى كتاب النبى معَّه لعمرو بن حزم: ((وفى الذكر الدية))، ولأنه عضو واحد فيه
الجمال والمنفعة، فكملت فيه الدية كالأنف واللسان، وفى شلله ديته؛ لأنه ذهب بنفعه أشبه ما لو
أشل لسانه، وتجب الدية فى ذكر الصغير (إذا كان يتحرك)، والكبير، والشيخ (إذا لم يذهب ماءه
ولم ينقطع لعلة الكبر) والشاب، سواء قدر على الجماع أو لم يقدر، فأما ذكر العنين فأكثر أهل
العلم على وجوب الدية لعموم الحديث، ولأنه غير مأيوس من جماعه، وهو عضو سليم فى نفسه،
فكملت ديته كذكر الشيخ، وذكر القاضى عن أحمد فيه روايتين: إحداهما تجب فيه الدية، والثانية
لا تكمل ديته، وهو مذهب قتادة؛ لأن منفعته الإنزال والإحبال والجماع، وقد عدم ذلك منه فی
حال الكمال، فلم تكمل ديته كالأشل، وبهذا فارق ذكر الصبى والشيخ (إذا لم ينقطع ماءه، وقد
عرفت أن عندنا تجب الحكومة فى ذكر العنين، والخصى، والشيخ الكبير الذى انقطع ماءه).
قال: واختلفت الرواية فى ذكر الخصى، فعن أحمد: فيه دية كاملة، وهو قول سعيد بن عبد
العزيز، والشافعى، وابن المنذر، للخبر، ولأن منفعة الذكر الجماع وهو باق فيه. والثانية لا تجب فيه،
وهو قول مالك، والثورى، وأصحاب الرأى، وقتادة، وإسحاق، لما ذكرنا فى ذكر العنين، ولأن

٢٠٢
الدية فى الرجل
ج - ١٨
المقصود منه تحصيل النسل، ولا يوجد ذلك منه، فلم يكمل ديته كالأشل، والجماع يذهب (أيضا)
فى الغالب، بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها (ولا عبرة بالنادر) قال: ولا نعلم خلافا فى
أن فى الأنثين الدية، وفى كتاب النبى ◌ّ ◌ُلّ لعمرو بن حزم: ((وفى البيضتين الدية)). ولأن فيهما
الجمال والمنفعة؛ فإن النسل يكون بهما فكانت فيهما الدية كاليدين، وروى الزهرى عن ابن
المسيب(١): أنه قال: مضت السنة أن فى الصلب الدية، وفى الأنثيين الدية، وفى إحداهما نصف
الدية فى قول أكثر أهل العلم، (وهو قول على رضى الله عنه، رواه البيهقى من طريق سعيد بن
منصور: أنا أبو عوانة، عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عنه، أنه قال: ((فى الذكر الدية، وفى
إحدى البيضتين النصف)) (٩٧:٨).
وحكى عن سعيد بن المسيب: أن فى اليسرى ثلثى الدية، وفى اليمنى ثلثها؛ لأن نفع
اليسرى أكثر؛ لأن النسل يكون بها. ولنا أن ما وجبت الدية فى شيئين منه وجب فى أحدهما
نصفهما، وما ذكروه ينتقض بالأصابع والأجفان، تستوى دياتها مع اختلاف نفعها، ثم يحتاج إلى
إثبات ذلك الذى ذكره (وقد قال زيد بن ثابت: هما سواء، ولما ذكره مكحول لعمرو بن شعيب
قال: ((العجب لمن يفضل إحدى البيضتين على الأخرى، وقد خصينا غنما لنا من الجانب الأيسر
فالقحن من الجانب الأيمن)) رواه البيهقى (٩٧:٨)، وذكر ابن حزم عن رجل أصابه خراج فى
البيضة اليسرى أشرف منه الهلاك، وسألت كلها، ولم يبق لها أثر أصلا، ثم برئ وولد له بعد ذلك
ذكر وأنثى، ثم أصابه خراج فی الیمنی فذهب أكثرها، ثم برئ ولم يولد له بعدها شىء، وسمى
الرجل أحمد بن سعيد بن حسان العامرى، وقال: كان ثقة اهـ (٤٥١:١٠).
قال الموفق: وإن رض أنثييه أو أشلهما كملت ديتهما، كما لو أشل يديه أو ذكره، فإن قطع
أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دية؛ لأن ذلك نفعهما فلم تزدد الدية بذهابه معهما، كالبصر
مع ذهاب العينين، وإن قطع إحداهما فذهب النسل، لم يجب أكثر من نصف الدية، لأن ذهابه غير
متحقق اهـ ملخصًا (٦٣٠:٩).
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب،
قال: ((قضى أبو بكر فى ذكر الرجل مائة من الإبل))، ومن طريقه عن معمر، عن أبى إسحاق
(١) أخرجه البيهقى من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهرى، عنه، بلفظ: إن السنة مضت فى العقل بأن فى الذكر الدية، وفى
الأنثین الدیة (٩٧:٨)، وأخرجه قبل ذلك بذ کر الصلب وحده (٩٥:٨)

٢٠٣
الدية فى الرجل
إعلاء السنن
السبيعى، عن عاصم بن ضمرة، عن على: أنه قضى فى الحشفة بالدية كاملة، وعن مكحول يقول:
قضی عمر فى اليد الشلاء، ولسان الأخرس، وذكر الخصی يستأصل، بثلث الدیة، وعن عمرو بن
شعيب: أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن امرأة أخذت بأنثى زوجها،
فجبذته فخرقت الجلد ولم تخرق الصفاق؟ فقضى عليها بسدس الدية.
(قلت: كان ذلك على وجه الحكومة لا على وجه الدية، بدليل ما ذكره ابن حزم نفسه أن
عمر قال لأصحابه: ما ترون فى الحديث)، وعن الشعبى عن ابن مسعود، قال: الأنثيان سواء، وعن
الشعبى، عن مسروق، قال: البيضتان سواء ففيهما الدية، وعن قتادة: فى ذكر الذى لا يأتى النساء
ثلث دية ذكر الذى يأتى النساء، وكذلك يقيسه على لسان الأخرس والسن السوداء والعين القائمة،
وعن إبراهيم: فى ذكر الخصى حكم، (قلت: وهو معنى قول قتادة، كما لا يخفى).
قال ابن حزم: وقال مالك، والثورى، وأبو حنيفة: فى ذكر الصبى حكومة (قلت: كلا، بل
فيه الدية عندنا إذا كان يتحرك، وإلا فالحكم، كما سيأتى)، وقال أبو حنيفة وأصحابه: فى ذكر
الذى لا يأتى النساء حكومة. (قلت: نعم، وهو قول قتادة والنخعى)، وقال الشافعى: فى ذكر
الخصى، والصبى، والهرم، والعنين، الدية كاملة اهـ (٤٥٠:١٠). قلت: قد خالف ما جاء عن
عمر: أن فى ذكر الخصى ثلث دية، وكان ذلك على وجه الحكم، ولم يعرف له مخالف من
الصحابة، وذكر الهرم الذى انقطع ماءه، وذكر العنين قياسا عليه، فافهم.
بقى الكلام فى لسان الصبى وذكره، فقال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على
وجوب الدية فى لسان الناطق، روى ذلك عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وابن مسعود رضى الله
عنهم وبه قال أهل المدينة، وأهل الكوفة، أصحاب الرأى، وأصحاب الحديث وغيرهم، وفى كتاب
النبى معَّ لعمرو بن حزم: ((وفى اللسان الدية))، ولأن فيه جمالا ومنفعة، فأشبه الأنف، وإذا قطع
لسان صغير لم يتكلم لطفوليته وجبت ديته، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: لا تجب؛ لأنه
لسان لا كلام فيه، فأشبه لسان الأخرس، قال: ولنا أن ظاهره السلامة، وإنما لم يتكلم لأنه لا يحسن
الكلام، فوجبت به الدية كالكبير، وإن بلغ حدا يتكلم مثله فلم يتكلم فقطع لسانه لم تجب فيه
الدية؛ لأن الظاهر أنه لا يقدر على الكلام، ويجب فيه ما يجب فى لسان الأخرس اهـ (٦٠٩:٩).
وفى "البدائع": وأما الصغير الذى لم يمش ولم يقعد وقطع رجله، ولسانه، وأذنه، وأنفه،
وعينه، وذكره، ففى أنفه وأذنه كمال الدية، وكذلك فى يديه ورجليه إذا كان يحركهما، وكذا

٢٠٤
الدية فى الرجل
ج - ١٨
فى ذكره إذا كان يتحرك، وفى لسانه حكومة العدل لا الدية وإن استهل ما لم يتكلم؛ لأن
الاستهلال صياح، وأما العينان فإن كان يستدل بشىء على بصرهما ففيهما مثل عين الكبير، وإنما
كان كذلك لأن الأنف والأذن المقصود منهما الجمال لا المنفعة، وذلك يوجد فى الصغير بكماله
كما يوجد فى الكبير، وأما الأعضاء التى يقصد بها المنفعة، فلا يجب فيها أرش كامل حتى يعلم
صحتها بما ذكرنا، فإذا علم ذلك فقد وجد تفويت منفعة الجنس فى كل واحد من ذلك؛ فيجب
فيه أرش كامل، فإذا لم يعلم يقع الشك فى وجود سبب وجوب كمال الأرش؛ فلا يجب بالشك.
لا يقال: إن الأصل هو الصحة، والآفة عارض، فكانت الصحة ثابتة ظاهرا، لأنا لا نسلم هذا
الأصل فى الصغير، بل الأصل فيه عدم الصحة والسلامة؛ لأنه كان نطفة وعلقة ومضغة، فما لم
يعلم صحة العضو فهو على الأصل، على أن الصحة إن كانت ثابتة ظاهرا بحكم الأصل فإن
الظاهر حجة الدفع لا حجة الاستحقاق، کحیاة المفقود أنها تصلح لدفع الإرث لا لاستحقاقه اهـ
(٣٢٣:٧). قلت: لله دره ما أدق نظره فى الفقه والحكمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو
الفضل العظيم.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على أن فى الرجلين الدية، وفى إحداهما
نصفها، روى ذلك عن عمر، وعلى، وبه قال قتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثورى، وأهل العراق،
والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وقد ذكرنا الحديث والمعنى فيما تقدم، قال: وفى
قدم الأعرج ويد الأعسم الدية؛ لأن العرج لمعنى فى غير القدم، والعسم الاعوجاج فى الرسغ،
وليس ذلك عيبا فى قدم ولا كف، فلم يمنع ذلك كمال الدية فيهما، وذكر أبو بكر أن فى كل
واحدة منهما ثلث الدية كاليد الشلاء، ولا يصح؛ لأن هذين لم تبطل منفعتهما فلم تنقص ديتهما،
بخلاف اليد الشلاء اهـ ملخصا (٩: ٦٣٠). وفى "الهندية" من كتب الحنفية: أن فى قطع الرجل
العرجاء حكومة عدل، كذا فى "فتاوى قاضيخان"، وإذا قطع الرجل خطأ من نصف الساق تجب
الدية لأجل القدم، وحكومة العدل فيما وراء القدم، كذا فى "الذخيره" (١٨:٧)، فالراجح عندنا
ما قاله أبو بكر: إن الرجل العرجاء كاليد الشلاء سواء.
وقول الموفق: إن العرج والعسم ليس بعيب فى قدم ولا كف، ممنوع، والله تعالى أعلم، روى
ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن داود بن أبى عاصم، عن سعيد بن
المسيب: أن عمر بن الخطاب قضى فى اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفى الرجل الشلاء ثلث

٢٠٥
إعلاء السنن
باب ديات الأصابع
٥٩١٢- عن يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عزّ له:
(دية أصابع اليدين والرجلين سواء، عشرة من الإبل لكل إصبع))، رواه الترمذى(١) وقال:
هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن حبان فى "صحيحه"، وصححه ابن
القطان. وروى ابن ماجة وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبى معَُّّ نحوه، وروى عمر نحوه مرفوعا كما روينا عنه فى باب دية الأسنان، وقد
ذكرنا نحوه فى الباب المذكور عن كتاب عمرو بن حزم.
باب دية العقل
٥٩١٣- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن
شريح: وفى الجائفة ثلث الدية، وفى الآمة ثلث الدية، فإذا ذهب العقل فالدية كاملة،
وفى المنقلة عشر ونصف عشر الدية، وفى الموضحة نصف عشر الدية، وفى سائر ذلك
من الجراحة حكومة عدل.
باب دية السمع والكلام وقوة الجماع إذا زال كلها بضربة أو شجة
٥٩١٤- قال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو خالد، عن عوف الأعرابى، قال: سمعت
شيخا فى زمان الحجاجم فنعت نعته، فقيل: ذاك أبو المهلب عم قلابة، قال: رمى رجل
رجلا بحجر فى رأسه فى زمان عمر بن الخطاب، فذهب سمعه، وعقله، ولسانه،
وذكره، فلم يقرب النساء، فقضى فيها عمر بأربع ديات وهو حى، ورواه عبد الرزاق
فى مصنفه: أخبرنا سفيان الثورى عن عوف به وأخرجه البيهقى فى "سننه" (زيلعى).
ديتها (١٠: ٤٤١) أى بطريق الحكم، والرجل العرجاء كالشلاء، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، وما
ذكره الموفق دعوى مجردة لا يجدى مثلها، فافهم.
باب دیات الأصابع
قوله: "عن يزيد النحوى" إلخ: وهذه الأخبار دالة على أن الأصابع كلها سواء فى الدية،
(١) قال العبد الضعيف: بل رواه البخارى أيضا من طريق آدم بن أبى إياس: ثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا
بلفظ: ((هذه وهذه سواء يعنى الخنصر والإبهام)) اهـ (١٩٨:١٢).

٢٠٦
ج - ١٨
باب قانون فى الدية
٥٩١٥- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: كل شىء
من الإنسان إذا لم يكن فيه إلا شىء واحد فأصيب خطأ ففيه الدية كاملة: الأنف،
ودية كل واحدة منها عشر من الإبل، وهو مذهب أئمتنا.
باب قانون فی الدیة
قوله: "قال محمد" إلخ: وظاهره يدل على أن فى ثديى الرجل الدية، وفى الواحد نصفها،
إلا أنه قال فى "البداية": فيهما حكومة عدل، وعلله بأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة والجمال،
ويرد عليه أنه إن يكن فى خلقهما منفعة ففيه تفويت جنس ذلك المنفعة، وإن لم يكن فيه
منفعة يكون خلقهما عبثا، وهو باطل، ويجاب عنه بأن المقصود نفى المنفعة المختصة بهما،
ويجوز أن يكون فيهما منفعة غير مختصة بهما؛ فلا يلزم من فواتهما فوات جنس المنفعة، ولا
كون خلقهما عبثا.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": فأما ثديا الرجل - وهما الثندوتان- ففيهما
الدية، وبهذا قال إسحاق، وحكى ذلك قولا للشافعى، وقال النخعى، ومالك، وأصحاب الرأى،
وابن المنذر: فيهما حكومة، وهو ظاهر مذهب الشافعى؛ لأنه ذهب بالجمال من غير منفعة؛ فلم
تجب الدية، كما لو أتلف العين القائمة، واليد الشلاء، وقال الزهرى: فى حلمة الرجل خمس
من الإبل، وعن زيد بن ثابت: فيه ثمنَ الدية، (وهو محمول على الحكومة دون تقدير الدية) قال:
ولنا أن ما وجب فيهِ الدية من المرأة وجب فيه من الرجل، كاليدين وسائر الأعضاء، ولأنهما
عضوان فى البدن يحصل بهما الجمال، ليس فى البدن غيرهما من جنسهما، فوجبت فيهما الدية
كاليدين اهـ (٦٢٥:٩).
قلنا: ثديا الرجل بالنسبة إلى ثديى المرأة كاليد الشلاء بالنسبة إلى اليد الصحيحة، ولا يخفى
أن ثديا المرأة مجمع الجمال فى جسمها، كالعين والأنف مع المنفعة التى لا يوجد مثلها فى أعضاء
الرجل، فالقياس وجوب الحكومة فيهما. روى ابن حزم فى "المحلى" عن الزهرى، قال: فى حلمة
ثدي الرجل خمس من الإبل، وعن عطاء قال: كم فى حلمة الرجل؟ قال: لا أدرى (وفيه دليل على
(أن ليس فيه أرش مقدر)، وعن الشعبى قال: فى إحدى ثديى المرأة نصف ديتها، وعن إبراهيم
النخعى، قال: فى ثدى المرأة الدية، وفى ثدى الرجل حكومة، وبه يقول سفيان الثورى، وأبو

٢.٠٧
قانون فى الدية
إعلاء السنن
والذكر، والصلب، وذهاب العقل، وأشباهه، وما كان فى الإنسان اثنين ففى كل واحد
حنيفة، والشافعى، وأحمد، وأصحابهم، وقال هؤلاء: فى ثدى الرجل حكومة، وقال أحمد
وإسحاق: فيها الدية كاملة آهـ (٤٥٤:١٠).
وأما ما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه جعل فى حلمة ثدى الرجل خمسين
دينارا، وفى حلمة ثدى المرأة مأة دينار، وما روى عمرو بن شعيب عنه: أنه قضى فى ثدى المرأة
بعشرة من الإبل إذا لم يصب إلا حلمة ثديها، فإذا قطع من أصله فخمسة عشر من الإبل، كما فى
"المحلى" أيضا، فلا حجة فيه لأحمد وإسحاق؛ لما فى الأول من التفريق بين ثدى المرأة والرجل،
وفى الثانى التفريق بين ثدى المرأة، وحلمتها، وهما لا يقولان به، مع أن الأول عن رجل عن
عكرمة عنه وفيه مجهول مع الانقطاع، والثانى معضل؛ لأن عمرو بن شعيب لم يدرك أبا بكر،
وإن صح فهو محمول على ما إذا قطع حلمة ثدى المرأة بحيث لا يذهب الرضاع، ولا يقطع اللبن،
والله تعالى أعلم ١٢ظ.
فائدة: فى إفضاء الرجل المرأة، روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق أبى بكر بن أبى شيبة.
نا هشيم، عن داؤد، عن عمرو بن شعيب: أن رجلا استكره امرأة فأفضاها، فضربه عمر بن
الخطاب الحد، وغرمه ثلث ديتها، ومن طريق عبد الرزاق عن رجل، عن عكرمة، قال: قضى عمر
ابن الخطاب فى المرأة إذ غلبت على نفسها فأفضيت، أو ذهبت عذرتها بثلث ديتها اهـ، هذا هو
حكم الأجنبية، وأما إذا أفضى الرجل زوجته، فروينا من طريق عبد الرزاق، عن عبد الله بن محرز،
عن قتادة، أن زيد بن ثابت قال: فى المرأة يفضيها زوجها إن حبست الحاجتين والولد فثلث الدية،
وإن لم تحبس الحاجتين والولد فالدية كاملة اهـ (وبه قال أبو يوسف فى إفضاء الزوجة، وهو قول
أبى حنيفة ومحمد فى الأجنبية، وقالا فى الزوجة بقول أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز،
وسيأتى، وعبد الله بن محرز شيخ عبد الرزاق، ترك الناس حديثه، وقال الجوز جاني: هالك، وقال
الدار قطنى وجماعة: متروك، كما فى "الميزان" (٧٦:٢).
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر عن رجل، عن قتادة، فى الرجل يصيب المرأة فيفضيها،
قال: ثلث الدية (إذا كانت تستمسك البول والغائط، وإلا فالدية كاملة ومن طريقه عن ابن جريج،
عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، أن أباه قال: فى إفضاء المرأة الدية كاملة (أى إذا كانت لا
تحبس الحاجتين) من أجل أنها تمتنع اللذة والجماع.
---

ج - ١٨
قانون فى الدية
٢٠٨
منها نصف الدية: الثديين والرجلين والعينين وأشباه ذلك، قال محمد: وبهذا كله نأخذ،
ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، أنا هشام(١) بن عمر والفزارى، قال:
شهدت عمر بن عبد العزیز إذ جاءه کتاب من عامله بنجران، فلما قرأه قال: ما ترون فی رجل ذی
جدة وسعة خطب إلى رجل ذى فاقة بنته، فزوجه إياها، فقال: ادفعها إلى فإنى أوسع لها فيما أنفق
عليها، فقال: إنى أخافك عليها أن تقع بها، فقال: لا تخف لا أقربها، فدفعها إليه فوقع بها فخرقها،
فهريقت دما وماتت، فقال عبد الله بن معقل بن مقرن: غرم والله، وقال عبد الله بن عمرو بن عثمان
ابن عفان: غرم والله، فقال عمر بن عبد العزيز أعقلا وصداقا أعقلا وصداقا؟ وقال أبان بن عثمان
ابن عفان: إن كانت أدركت ما أدركت النساء فلا دية لها، وإن لم تكن أدركت ما أدركت النساء
فلها الدية، فكتب عمر بذلك إلى الوليد بن عبد الملك.
ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: نا زيد بن الحباب، عن خالد بن عبد، عن خالد الحذاء،
عن أبان بن عثمان: أنه رفع إليه رجل تزوج جارية فأفضاها، فقال فيها هو وعمر بن عبد العزيز: إن
كانت ممن يجامع مثلها فلا شىء عليه، وإن كانت ممن لا يجامع مثلها فعليه ثلث الدية، (أى إذا
كانت تحبس البول والغائط)، وعن ابن جريج: إذا كانت لا تستمسك الغائط فعليه الدية كاملة،
وبه يقول سفيان الثورى، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة مثل ذلك، وزاد: فإذا كان الغائط يستمسك
فثلث الدية، ولا يعرف لمالك ولا للشافعى فيها قول.
قال ابن حزم: أما المأثور فى ذلك عن عمر بن الخطاب وزيد توقيف، والتوقيف لا يؤخذ إلا
عن الله على لسان نبيه معَُّلّه، (قلت: فما منعك أن تقول: إنه موقوف فى حكم المرفوع)، ولقد
كان يلزم المالكيين المشنعين بقول الصاحب الذى لا يعرف له مخالف أن يقولوا ههنا بقول عمر
وزيد، ولكن هذا مما تناقضوا فيه، وأما الحنفيون فإنهم طردوا أصلهم، وقالوا ههنا بما روى عن عمر
وزيد اهـ (٤٥٦:١٠)، وأما قوله: فهلا فعلوا ذلك فى حلمة ثدى الرجل والمرأة، فقد مر الجواب
عنه فى موضعه، فتذ کر.
وتحقيق المذهب فى هذا الباب ما ذكره فى "البدائع": أن الرجل إذا أفضى أجنبية، فإن
كانت مطاوعة فلا عقر على الرجل، ولا أرش لها بالإفضاء، سواء كانت تحبس الحاجتين أو لا،
وعليهما الحد لوجود الزنا منهما، والعقر والحد لا يجتمعان، وإن كانت مكرهة فعليه الحد لا
(١) مقبول من الخامسة، كما فى "التقريب".

٢٠٩
قانون فى الدية
إعلاء السنن
وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار).
عليها، ولها الأرش بالإفضاء، ثم إن كانت تستمسك البول ففيه ثلث الدية؛ لأنه جائفة، وإن كانت
لا تستمسك ففيه كمال الدية، ولا فرق بين الإفضاء بالآلة وبغيرها من الحجر ونحوه، إلا أن الأرش
فى هذا الفصل يجب فى ماله، وفى الفصل الأول تتحمله العاقلة؛ لأن الإفضاء بآلة الجماع فى معنى
الخطأ، وبغيرها يكون عمدا، (وبهذا ظهر حكم الإفضاء إذا ماتت به، فإن كان بالآلة يجب كمال
الدية على العاقلة، وإذا كان بحجر ونحوه ففى ماله، وأما إذا كان بآلة جارحة فالقصاص).
فأما إذا كانت زوجة فأفضاها فلا شىء عليه، سواء كانت تستمسك البول أو لا تستمسك،
فى قولهما الشرط أن تكون قد أدركت ما أدركت النساء (بدليل التعليل الآتى) وقال أبو يوسف:
إن كانت لا تستمسك البول فعليه الدية فى ما له، وإن كانت تستمسك فعليه ثلث الدية فى ما له.
وجه قوله أنه مأذون فى الوطأ لا فى الإفضاء، فكان متعديا فى الإفضاء؛ فكان مضمونا عليه. ولهما
أن الوطأ مأذون فيه شرعا، فالمتولد منه لا يكون مضمونا كالبكارة.
(قلت: ولا يخفى أن الوطأ إنما يكون مأذونا فيه إذا كانت المرأة تصلح له، وأدركت
وصارت تحمله، وأما الصغيرة التى لا تتحمله لا يجوز وطئها ولو زوجة؛ فلا بد من التقييد بما قيده
به أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز - رضى الله عنهما- وهذا أظهر من أن يخفى على فقيه)
قال: ولو وطئ زوجته فماتت فلا شىء عليه فى قولهما، (أى إذا كانت قد أدركت ما أدركت
النساء) وقال أبو يوسف: على عاقلته الدية اهـ ملخصا (٣٢٠:٧).
ثم رأيت(١) الموفق قد صرح بما ذكرته، فقال: ومن وطئ زوجته وهى صغيرة ففتقها لزمه
ثلث الدية، معنى الفتق خرق ما بين مسلك البول والمنى، وقيل: معناه خرق ما بين القبل والدير،
(١) ثم وجدت فى "الهندية" ما يوافقه، وهذا نصه: رجل جامع صغيرة لا يجامع مثلها فماتت، إن كانت أجنبية تجب الدية على
العاقلة، وإن كانت منكوحة فالدية على العاقلة، والمهر على الزوج، كذا فى "الخلاصة"، وعن ابن رستم عن محمد: رجل
جامع امرأته، ومثلها تجامع، فماتت عن ذلك، فلا شىء عليه، وقال أبو يوسف: إذا جامع امرأته، فذهب منها عين أو أفضاها
وماتت، فهو ضامن، وقال محمد: يضمن فى هذا كله إلا الإفضاء والقتل من الجماع، وهو قول أبى حنيفة، وفيما حكاه هشام
عن محمد أنه قال أيضا نحو قول أبى يوسف، كذا فى "الذخيرة" (١٩:٧)، وهذا كما ترى مقيد بكون المرأة تجامع مثلها،
فلو كانت صغيرة لا يجامع مثلها فلا خلاف فى وجوب الضمان على الزوج، فلله الحمد على الموافقة. وفى "رد المحتار" عن
"الشرنبلانى": أنه قيد قولهما بما إذا كانت بالغة مختارة مطيقة لوطئه، ولم تمت منه، فلو صغيرة أو مكرهة أو لا تطيق تلزم
ديتها اتفاقا بالموت والإفضاء (٥٥٨:٥).

٢١٠
قانون فى الدية
ج - ١٨
وهذا بعيد؛ لأنه يبعد أن يذهب بالوطأ ما بينهما من الحاجز؛ فإنه حاجز غليظ قوى، فالضمان إنما
يجب بوطأ الصغيرة والنحيفة، التى لا تتحمل الوطأ - دون الكبيرة المتحملة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعى: يجب الضمان فى الجميع؛ لأنه جناية فيجب الضمان، (والإذن فى وطأ الكبيرة
مقيد بشرط السلامة)، كما لو كان فى أجنبية.
ولنا أنه وطأ مستحق؛ فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة، ولأنه فعل مأذون فيه ممن يصح
إذنه؛ فلم يضمن ما تلف بسرايته، كما لو أذنت فى مداواتها بما يفضى إلى ذلك، وعكسه الصغيرة
والمكرهة على الزنا، والواجب هو ثلث الدية، وبهذا قال قتادة، وأبو حنيفة، وقال الشافعى: تجب
الدية كاملة، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز؛ لأنه أتلف منفعة الوطئ، فلزمته الدية كما لو
قطع اسکتیها.
ولنا ما روى عن عمر بن الخطاب: أنه قضى فى الإفضاء بثلث الدية، ولم نعرف له من
الصحابة مخالف، ولأن هذه جناية تخرق الحاجز بين مسلك البول والذكر، فكانت كالجائفة
موجبها ثلث الدية، ولا نسلم أنها تمنع الوطأ، وأما قطع الأسكتين(١)، فإنما أوجب الدية لأنه قطع
عضوين فيهما نفع وجمال، فأشبه قطع الشفتين، وإن استطلق بولها مع ذلك لزمته دية من غير
زيادة، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: تجب دية وحكومة، لأنه فوت منفعتين. ولنا أنه أتلف
عضوا واحدا لم يفت غير منافعه؛ فلم يضمنه بأكثر من دية واحدة، كما لو قطع لسانه فذهب ذوقه
وكلامه، وما قاله لا يصح؛ لأنه لو أوجب دية المنفعتين لأوجب ديتين؛ لأن استطلاق البول موجب
للدية، والإفضاء عنده موجب للدية منفردا، ولم يقل به، وإنما أوجب الحكومة ولم يوجد مقتضيبها،
ولا نعلم أحدا أوجب فى الإفضاء حكومة اهـ (٩: ٦٥٢)، ثم ذكر حكم إفضاء المكرهة والموطوءة
بشبهة نحو ما ذكرناه عن البدائع مع اختلاف يسير فى فروعها من أراد البسط فى ذلك، فليراجع.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وفى الإليتين الدية، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من
أهل العلم يقولون فى الإليتين الدية، وفى كل واحدة منهما نصفها، منهم عمرو بن شعيب،
والنخعى، والشافعى، وأصحاب الرأى ولأنهما عضوان من جنس فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة
فوجب فيهما الدية، وفى إحداهما نصفها كاليدين والإليتان هما ما علا وأشرف من الظهر عن
(١) الأسكتان هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم، وأهل اللغة يقولون: الشفران حاشيتا الأسكتين.

٢١١
قانون فى الدية
إعلاء السنن
استواء الفخذين، وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذى تحتهما، وفى ذهاب بعضهما بقدره؛ لأن
ما وجبت فيه دية وجب فى بعضه بقدره، فإن جهل المقدار وجبت حكومة اهـ (٦٢٦:٩).
قال: وفى البطن إذا خرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفى المثانة إذا لم يستمسك البول
الدية، وبهذا قال ابن جريج، وأبو ثور، وأبو حنيفة، ولم أعلم فيه مخالف إلا أن ابن أبى موسى
ذكر فى المثانة رواية أخرى، فيها ثلث الدية، والصحيح الأول؛ لأن كل واحد من هذين المحلين
عضو فيه منفعة كبيرة ليس فى البدن مثله؛ فوجب فى تفويت منفعته دية كاملة كسائر الأعضاء
المذكورة، والنفع بهما كثير، والضرر بفواته عظيم، فكان فى كل واحد منهما الدية كالسمع
والبصر، وإن فاتت المنفعتان بجناية واحدة وجب على الجانى ديتان، كما لو ذهب سمعه وبصره
بجناية واحدة اهـ (٦٣٣:٩).
روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، أنا قتادة، عن
أبى مجلز، أنه قال: فى المثانة إذا فتقت ثلث الدية؛ (لكونها جائفة) ومن طريق وكيع: نا سفيان
الثورى، عن أزهر، عن أبى عون الثقفى، عن شريح، قال: فى الفتق ثلث الدية. ومن طريق عبد
الرزاق، عن معمر، عن رجل، عن الشعبى، قال: فى المثانة إذا أخرقت ثلث الدية.
(وبه نقول إذا لم يبطل الخرق منفعتها)، قال عبد الرزاق: قال ابن جريج: وأنا أقول: إن فيها
إذا لم تمسك البول الدية كاملة، قاله أهل الشام: وقال سفيان الثورى كذلك اهـ.
ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، أنه قال: "فى المقعدة إذا لم يستطع
أن يمسك خلاه الدية"، وبه يقول الثورى، ومن طريقه عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن عمرو
ابن شعيب، أنه قال: فى الإليتين إذا قطعتا حتى يبد والعظم الدية كاملة، وفى إحداهما نصف الدية،
وعن إبراهيم النخعى: فى الإليتين الدية. ومن طريقه عن ابن جريج، أخبرنى محمد بن الحارث بن
سفيان، قال: يقضى فى شفر قبل المرأة إذا أوعب حتى يبلغ العظم نصف ديتها، وفى شفريها بديتها
إذا بلغ العظم وإن كانت عاقرا لا تحمل.
قال ابن جريج: واجتمع لعمر بن عبد العزيز فى ركب (١) المرأة إذا قطع بالدية؛ لأنها تمتنع من
لذة الجماع، قال ابن جريج: وأخبرنى عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: اجتمع العلماء لأبى
فى خلافته على أن فى العفلة تكون من الضربة الدية كاملة؛ لأنها تمنع اللذة والجماع، وقال
(١) بالتحريك منبت العانة، قيل: هو خاص للمرأة، ١٢.

٢١٢
قانون فى الدية
ج - ١٨
الشافعى: فى العفلة(١) إذا بطل الجماع الدية، وفى ذهاب الشفرين كذلك، وقال أبو حنيفة،
والشافعى، وأحمد، وأصحابهم: فى الإليتين الدية اهـ (٤٥٨:١٠).
قلت: وهو قولنا فى العفلة وقطع الشفرين إذا منع الجماع، قال فى "الهندية": ولو قطع فرج
امرأة وصار بحال لا يستطاع وقاعها ففيه الدية اهـ (١٩:٧).
فائدة: وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق حماد بن سلمة: أنا جعفر بن أبى وحشية،
عن الشعبى: إن جوارى من أهل حمص كن يتزاورن ويتهادين، فأرن وأشرن فلعين الأخرقة،
فركبت واحدة على الأخرى ونخستها الثالثة، فوقعت فذهبت عذرتها، فسأل عبد الملك بن مروان
قبيصة بن ذويب وفضالة بن عبيد عن ذلك؟ فقالا جميعا: الدية ثلاثة أثلاث، وتبقى حصتها؛ لأنها
أعانت على نفسها، فكتب إلى العراق، فسأل عبد الله بن مقرن عن ذلك؟ فقال: برئن(٢) من نطفها
إلا من نخستها، وقال الشعبى مثل قول عبد الله، وقال: لها العقر. ومن طريقه عن عبد الله بن قيس:
أن ثلاث جوارى قالت إحداهن: أنا الزوج، وقالت الأخرى: أنا الزوجة، وقالت الأخرى: أنا الأب
فنخست التى قالت: أنا الزوج التى قالت: أنا الزوجة، فذهبت عذرتها، فقضى عبد الملك بن مروان
بالدية عليهن، وقال الشعبى: لها العقر.
ومن طريقه: نا حميد، عن بكر بن عبد الله: إن جاريتين دخلتا الحمام، فدفعت إحداهما
الأخرى، فذهبت عذرتها، فقال شريح: لها عقرها، ومن طريقه: أنا داود بن أبى هند، عن عمرو
ابن شعيب: إن رجلا استكره جارية فافتضها، فقال عمر بن الخطاب: هى جائفة، فقضى لها
عمر (٣) بثلث الدية اهـ (٥١٧:١٠).
ومن طريق عبد الرزاق: نا ابن جريج، عن عطاء، عن على بن أبى طالب، والحسن بن على:
أن الحسن أفتى فى امرأة افتضت أخرى بإصبعها، وأمسكها نسوة لذلك، أن العقل بينهن، وقضى
على بذلك، ومن طريقه عن سفيان الثورى، عن منصور، ومغيرة، قال منصور: عن الحكم، وقال
(١) شىء يخرج من قبل المرأة وحياء الناقة، شبيه بالأدرة التى للرجال والمرأة عفلاء ١٢ظ.
(٢) أى من لوثها وفسادها، ١٢.
(٣) محمول على أن صداقها كان كثلث ديتها، وعلى أن الحد قد اندراً عن الرجمال شبهة ادعاها، وإلا فالحد والعقر لا يجتمعان،
وعمرو بن شعيب عن عمر معضل، والراجح ما رواه إبراهيم عن على والحسن، وسيأتى، ويدل على ضعف ما رواه عمرو بن
شعيب قوله: "فقال عمر: هى جائفة"، فإن كون الافتضاض جائفة محل نظر، كما سيأتى ١٢ ظ.

٢١٣
قانون فى الدية
إعلاء السنن
مغيرة: عن إبراهيم، ثم اتفق الحكم وإبراهيم قالا: عن على والحسن: أن الحسن أفتى فى امرأة
افتضت امرأة بإصبعها، أن عليها والممسكات الصداق بينهن، هكذا قال المغيرة، وقال الحكم فى
روايته: على المفتضة وحدها، واتفقا أن عليا قضى بذلك اهـ. وعن الزهرى: لو افتضت امرأة
بإصبعها غرمت صداقها كصداق امرأة من نساءها اهـ (٣٩٣:١١).
قلت: فبطل قول ابن حزم: هاتان مسألتان فى إحداهما قول فضالة بن عبيد، وهو صاحب
من قضاة الصحابة، لا يعرف له فى ذلك مخالف منهم، والأخرى فيها قول عمر بن الخطاب، ولا
يعرف له مخالف من الصحابة، وجميع الحاضرين من المالكيين والحنفيين والشافعيين مخالفون لهما
فى ذلك، وهم يعظمون ذلك اهـ.
فقد رأيت أن على بن أبى طالب، والحسن بن على، قضيا فى اقتضاض المرأة وإزالة عذرتها
بالصداق، هذا هو الصحيح عنهما؛ لأن إبراهيم أصح إرسالا من عطاء، وهو والحكم أعلم بقضايا
على والحسن منه، وبه قال شريح والشعبى والزهرى، كما مر، ولا معنى لوجوب الدية فيه؛ لأنه لا
يبطل منفعة الفرج، وإنما يورث نقصا فى صداق المرأة؛ فالأقرب ما قاله على والحسن، وهو الأشبه
بالقياس؛ فقلنا به، وحملنا قول عمر على أنه رأى ثلث الدية صداق مثلها فأوجبه.
وأما كونه جائفة فمحل نظر، وإلا لوجب على كل زوج ثلث دية المرأة مع صداقها إذا أزال
عذرتها؛ لأن ضمان الجائفة لا يبطل بالنكاح، فالظاهر أنه أراد أنه کالجائفة شبیه بها من وجه،
فيجب فيها ثلث دية المرأة إذا كان صداق مثلها كثلثها، والله تعالى أعلم.
قال فى "الهندية": عن أبى نصر الدبوسى: إذا دفع أجنبية فسقطت وذهبت عذرتها، فعلى
الدافع مهر مثلها والتعزير، وعن أبى حفص: أن عليه الصداق فى ماله، كذا فى "الظهيرية"، ولو
دفع امرأته يدخل بها فذهبت عذرتها، ثم طلقها فعليه نصف المهر، ولو دفع امرأة الغير وذهبت
عذرتها، ثم تزوجها ودخل بها، وجب لها مهران، كذا فى "المحيط" اهـ (١٩:٧) ١٢ ظ.
فائدة: روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، عن .
محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، قال: كان فى كتاب أبى بكر وعمر رضى الله عنهما: أن
فى الرجل إذا يبست فلم يستطع أن يبسطها، أو بسطها فلم يستطع أن يقبضها، أو لم تنل الأرض،
ففيها نصف الدية، (أى وفى الرجلين الدية كاملة) فإن قال منها شىء الأرض فبقدر ما نقص منها،
وفى اليد إذا لم يأكل بها ولم يشرب بها ولم يأتزر بها، ولم يستصلح بها ففيها نصف الدية، ومن

٢١٤
قانون فى الدية
ج - ١٨
طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن قتادة، وعن رجل، عن عكرمة: فى اليد إذا شلت
ديتها كاملة اهـ (٤٣٨:١٠)، وفيه دليل على ما ذكرنا أن فى إبطال منفعة العضو الدية، وإن كان
العضو باقيا ١٢ظ.
فائدة: روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق: نا ابن جريج، أخبرنى عكرمة بن
خالد: أن نافع بن علقمة أتى فى رجل رجل كسرت، فقال: كنا نقضى فيها بخسماة درهم، حتى
أخبرنى عاصم بن سفيان أن سفيان بن عبد الله كتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب بخمس أواقی
فى اليد تكسر ثم تجبر وتستقيم، قلت لعكرمة: فلا يكون فيها عوج ولا شلل، قال: نعم. قلت:
فقضى فيها ابن علقمة بمأتى درهم، ومن طريقه عن سفيان الثورى، عن ابن أبى ليلى، عن عكرمة .
ابن خالد، عن رجل، عن عمر، أنه قال: فى الساق أو الذراع إذا انكسرت ثم جبرت فاستوت فى
غیر عثم، عشرون دينارا أو حقتان.
ومن طريقه: نا ابن جريج، عن عبد العزيز، عن أبيه عمر بن عبد العزيز، قال: كتب سفيان
ابن عبد الله إلى عمر بن الخطاب - وهو عامله بالطائف- يستشيره فى يد رجل كسرت، فكتب
إليه عمر بن الخطاب: إن كانت جبرت صحيحة فله حقتان. ومن طريقه عن ابن جريج، قال لى
عطاء: فى كسر الرجل واليد والترقوة ثم تجبر فى ذلك شىء وما بلغنى ما هو؟ وكان شريح يقول:
إذا جبرت فليس فيها شىء. ومن طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن
مكحول، قال: فى الرجل إذا كسر أحد زنديه ثم انجبر، ففيه عشرة أبعرة. قال ابن حزم: وهذا مما
خالف فيه الحنفيون والمالكيون والشافعيون الرواية عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهم
يشنعون بخلاف الصاحب اهـ (١٠: ٤٤٠).
قلنا: لم نخالفه أصلا؛ لأنا نقول: لو بقى أثر الضربة فحكومة عدل، وهو محمل قول عمر
عندنا، ولو لم يبق لها أثر فلا شىء عليه عند أبى حنيفة، وهو محمل قول شريح عنده، وقالا: عليه
أجرة الطبيب وضمان الألم، كذا فى "الهداية" و"الدر" و"الهندية"، والله تعالى أعلم.
وأخرج البيهقى فى "سنته" من طريق البخارى: ثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبى غنية، عن إسحاق
ابن المحتضر الأعرابى، عن الكاسر: أنه كسر ساق رجل، فقضى فيه عمر رضى الله عنه بثمان من
الإبل. (وهذا خلاف ما روى عنه قال: فى كسر الساق والذراع عشرون دينارا أو حقتان. يعنى إذا
برئت على غير عثم)، قال البيهقى: اختلاف هذه الروايات يدل على أنه قضى فيه بحكومة بلغت

٢١٥
قانون فى الدية
إعلاء السنن
هذا المقدار اهـ (٩٩:٨)، أى وليس فى شىء منها أرش مقدر معلوم.
قلت: ويؤيد قول أبى يوسف فى إيجاب أجرة الطبيب وضمان الألم ما رواه البيهقى من
طريق عبد الله بن وهب: أنا عبد الجبار، عن ابن شهاب، وربيعة، وابن أبى فروة، عن كتاب معاوية
ابن أبى سفيان، وكتاب عمر بن عبد العزيز، ويقولون: لم يجعل رسول الله مَّ فى كسر اليد فى
الخطأ (إذا برئت) إلا جعل الجابر، وإن هى استوت وفيها عثم أو شىء أقيمت قيمة ثم غرمها الذى
كسرها (وهو معنى قول الفقهاء: فيها حكومة عدل)، ومن طريق إسماعيل بن إسحاق القاضى:
ثنا إسماعيل بن أبى أويس، وعيسى بن مينا، ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، أن أباه قال: كان من
أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم يقولون: كل عظم كسر خطأ، ثم جبر مستويا غير
منقوص ولا معيب، فليس فى ذلك إلا عطاء المداوى وشبه ذلك، فإن جبر شىء من ذلك وبه عيب
أو نقص فإنه يقدر شين ذلك وعيبه، يقيم ذلك أهل البصر والعقل الحديث (٩٩:٨).
قلت: وهذا هو حكم كسر العظم عمدا؛ لما مر عن عمر أنه قال: لا قصاص فى العظم، وعن
ابن عباس مثله، فتذكر، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.
فائدة: فى الضلع والترقوة: روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق مالك، عن زيد بن أسلم،
عن مسلم بن جندب، عن أسلم مولى عمر، قال: قضى فى الفرس بجمل، وفى الترقوة بجمل،
وفی الضلع بجمل، ومن طریق و کیع: نا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن مسلم بن جندب، عن
أسلم مولى عمر، قال: سمعت عمر يقول على المنبر: فى الضلع جمل، وفى الفرس جمل، وفى
الترقوة جمل، وعن سعيد بن المسيب: فى الترقوة والضلع مثله، وعن مسروق: فى الضلع حكم،
وقال الشافعى فى أحد قوليه وأحمد بن حنبل وإسحاق: فى الضلع بعير، وفى الترقوة بعير، وقال
مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والشافعى فى أحد قوليه: ليس فى ذلك إلا حكم. قال ابن حزم:
هذا إسناد فى غاية الصحة عن عمر بن الخطاب، يخطب به على المنبر بحضرة الصحابة رضى الله
عنهم، لا يوجد منهم مخالف، وقال به كل من عرف له قول فى ذلك من التابعين حاش مسروقا
وقتادة، فاستسهل المالكيون والحنفيون خلاف ذلك بآراءهم اهـ ملخصا (٤٥٣:١٠).
قلنا: لم نخالفه أصلا، بل حملناه على ما إذا انجبر الكسر وبقى للضربة أثر، ففيها حكومة
عندنا، ولو لم يبق لها أثر فأجرة الطبيب، وضمان الألم عند أبى يوسف، كما مر.
وقال الشافعى رحمه الله فى كتاب "الجراح": يشبه -والله أعلم - أن يكون ما حكى عن

٢١٦
قانون فى الدية
ج - ١٨
عمر فيما وصفت حكومة لا توقيت عقل، ففى كل عظم كسر من إنسان غير السن حكومة،
وليس فى شىء منها أرش معلوم اهـ من "البيهقى" (٩٩:٨).
وقول ابن حزم: إنه قول عمر ولا يوجد له من الصحابة مخالف، ممنوع، فقد مر عن ابن
عباس مرفوعا: ((إن فى كل سن خمسا من الإبل، الضرس والثنية سواء)). وبه قال ابن عباس، وروى
ابن حزم نفسه من طريق الحجاج بن المنهال: أنا الحجاج، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، أنه قال:
فى الترقوة أربعة أبعرة اهـ (٤٥٣:١٠)، واختلاف الروايات يدل على أنه قضى فيه بحكومة بلغت
هذا المقدار، وكذا عمر رضى الله عنه، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وفى الصعر الدية، والصعر أن يضربه فيصير وجهه فى
جانب، فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه فى جانب، فعليه دية كاملة،
روى ذلك عن زيد بن ثابت، وقال الشافعى: ليس فيه إلا حكومة، ولنا ما روی مکحول، عن زيد
ابن ثابت، أنه قال: وفى الصعر الدية. ولم يعرف له فى الصحابة مخالف، فكان إجماعا، قال: فإن
جنى عليه فصار الالتفات عليه شاقا أو ابتلاع الماء أو غيره، ففيه حكومة اهـ ملخصا (٢٣٦:٩)
قلنا: روى ابن حزم فى "المحلى": من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، نا الحجاج، عن
مكحول، أن زيد بن ثابت قال: فى الحدب الدية كاملة، وفى البحح الدية كاملة، (أى إذا لم يبين
الكلام أصلا وبه نقول) وفى الصعر نصف الدية، وفى الغنن بقدر ما غنن (أى فيه حكومة عدل) ثم
روى من طريق عبد الرزاق عن غير واحد، عن الحجاج، عن مكحول، عن زيد، قال: فى الصعر
إذا لم يلتفت الدية كاملة (٤٤٥)، وهذا كما ترى فيه مجاهيل مع الانقطاع، وليس فى الأول
مجهول، فهو أولى، ونصف الدية محمول عندنا على الحكم دون التوقيت.
قال ابن حزم: وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى: ليس فى ذلك إلا حكومة، وهذا مما
خالفوا فيه الرواية عن زيد بن ثابت، ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلافه اهـ.
قلنا: لم نخالفه أصلا، بل حملنا اختلاف الروايات عنه على أنه قضى بالنصف، أو بالدية
بطريق الحكم دون التوقيت، وليس ذلك من المخالفة فى شىء، والله تعالى أعلم ١٢ظ.
فائدة: أخرج البيهقى من عدة طرق عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا: أنه معَ لّ قضى فى
الأصابع بعشر عشر من الإبل. وفى لفظ له عنه مرفوعا: ((الأصابع سواء، قلت: فى كل إصبع عشر
من الإبل؟ قال: نعم))، وأخرج من طريق سعيد بن منصور: نا أبو عوانة، عن أبى إسحاق، عن

٢١٧
إعلاء السنن
باب وجوب الضمان على الجارح قصاصا
إذا سرى جرحه إلى نفس المقتص منه
٥٩١٦- أخبرنا سعيد عن أبى معشر عن إبراهيم عن عبد الله فى الذى يقتص منه
فيموت قال: على الذى اقتص منه الدية، ويرفع عنه بقدر جراحة، رواه الشافعى فى
"الأم" (١٦٤:٧).
عاصم بن ضمرة، عن على، أظنه قال: وفى الأصابع عشر عشر. وعن زيد بن ثابت نحوه، وأخرج
من طريق جابر، عن الشعبى، عن شريح، قال: كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أن الأصابع
سواء، وروى ذلك أيضا عن مسروق عن عمر اهـ (٩٢:٨-٩٣)، قال الترمذى: العمل على هذا
عند أهل العلم، وبه يقول الثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق.
قال الحافظ فى "الفتح": وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خلاف قديم، فأخرج ابن
أبى شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر: فى الإبهام خمسة عشر، وفى السبابة والوسطى
عشر عشر، وفى البنصر تسع، وفى الخنصر ست، ومثله عن مجاهد، وفى جامع الثورى عن عمر
نحوه، وزاد: وقال سعيد بن المسيب: حتى وجد عمر فى كتاب الديات لعمرو بن حزم: ((فى كل
إصبع عشر)) فرجع إليه، وأخرج ابن أبى شيبة من طريق الشعبى: كنت عند شريح، فجاءه رجل
فسأله، فقال: فى كل إصبع عشر، فقال: سبحان الله! هذه وهذه سواء، الإبهام والخنصر؟ قال:
ويحك إن السنة منعت القياس، (أى لا يجوز القياس بمعرض النص) اتبع ولا تبتدع. وأخرجه ابن
المنذر وسنده صحيح اهـ (١٩٩:١٢).
وأخرج البيهقى من طريق يزيد بن أبى حبيب، أن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت أخبره،
عن أبى غطفان، أن ابن عباس كان يقول: فى الأصابع عشر عشر، فأرسل مروان إليه فقال: أتفتى
فى الأصابع عشر عشر، وقد بلغك عن عمر رضى الله عنه فى الأصابع؟ فقال ابن عباس: رحم الله
عمر! قول رسول الله مرّ أحق أن يتبع من قول عمر رضى الله عنه اهـ (٩٣:٨).
قلت: لعلهما لم يبلغهما رجوع عمر إلى كتاب عمرو بن حزم، وقد بلغ ذلك شريحا
ومسروقا، فرويا عنه أن الأصابع سواء، والله تعالى أعلم ١٢ ظ.
باب وجوب الضمان على الجارح قصاصا إلخ
قوله: "أخبرنا سعيد" إلخ: قلت: اختلف فى وجوب الدية على المقتص إذا سری جرحه إلى

٢١٨
وجوب الضمان على الجارح قصاصا
ج - ١٨
نفس المقتص منه فمات، فقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعى: لا شىء عليه؛ لأنه جرحه بحق،
وهو معذور فى السراية؛ لأنه لا سبيل له إلى الاحتراز منها، وقال أبو حنيفة: عليه الدية؛ لأن حقه
إنما كان فى القطع لا فى القتل، وهذا قد وقع قتلا؛ فيكون متعديا لا مستوفيا لحقه فقط. وما قالوا:
إنه ليس له سبيل إلى الاحتراز عن السراية، فليس بسديد، لأنه كان له سبيل إليها بالعفو، وهو
مندوب إلیه.
فإن قيل: إن فيه تر كا لحقه، قلنا: ففى القتل إتلاف لحق المقتص منه، ورعاية حقه ليست
بأولى من رعاية حق المقتص منه؛ فلا بد من أن يكون إجازة استيفاء حقه من الشرع مقيدا بأن لا
يكون ذلك مفضيا إلى إتلاف حق المقتص منه، فلما استوفى حقه بحيث أتلف به حق المقتص منه
یکون ضامنا له، وهو مذهب ابن مسعود، كما عرفت.
ثم اختلف ابن مسعود وأبو حنيفة، فقال: يرفع من الدية بقدر جراحته، وقال أبو حنيفة: لا
يرفع منها شىء، بل يجب الدية كاملة، وجه قول ابن مسعود أنه لما صار القطع قتلا، لم يستوف
منه حقه، ولما تعذر استيفاءه من جهة القصاص فله أن يستوفيه من الدية، ووجه قول أبى حنيفة أنه
قطع حالا، وقتل مآلا، فمن جهة أنه قطع حالا استيفاء لحقه، ومن جهة أنه قتل مآلا تعد منه؛ فيكون
مستوفيا لحقه منه ومتعديا عليه، فمن جهة استيفاء حقه منه لا يجب له عليه شىء، ومن جهة أنه
تعد عليه يجب عليه الدية كاملة.
وكان مقتضى القياس أن يقتص منه إلا أنه قد سقط القياس؛ لأنه لم يكن تعد محضا؛ لأنه
لم يرد قتله، وإنما أراد استيفاء حقه، فصار هذا شبهة فى إسقاط القصاص، ولو سلم أنه لم يستوف
حقه فلا معنى لأخذه من الدية؛ لأن حقه إنما كان فى القصاص دون الدية، وقد فات محل
القصاص فسقط حقه بفوات المحل بإتلافه؛ فلا يستحق شيئا، وهذه الدية يكون فى ما له؛ لأنه قتل
عمدا، والعاقلة لا تتحمل العمد.
أما إن العاقلة لا تتحمل العمد فظاهر، وأما كونه عمدا لأنه لاخفاء فى أنه قطع عمدا، وهو
القتل إذ لا فعل منه غيره؛ فيكون القتل عمدا لا محالة، وإرادته استيفاء القصاص دون القتل لا
يخرجه عن كونه عمدا، لأنه لو قطع أحد يد رجل ظلما ولم يرد القتل، ثم سرى إلى النفس،
ومات المقطوع منه، يقتص من القاطع، ولا يكون عدم إرادة القتل مسقطا عنه القصاص؛ فظهر أن
عدم إرادة القتل لا يخرج القطع من كونه قتلا عمدا، وكذا إرادة استيفاء القصاص لا يخرجه عن

٢١٩
وجوب الضمان على الجارح قصاصا
إعلاء السنن
كونه عمدا؛ لأن غايته أنه أراد قطعا بحق، والعمد قد يكون بحق، وقد يكون ظلما، كما لا يخفى،
فكونه حقا لا ينافى كونه عمدا، فلما ثبت أنه عمد يكون الدیة فی ما له لا محالة، وقد زل قدم
شمس الأئمة السرخسى، حيث قال فى "المبسوط": إن الدية على العاقلة، وتبعه من أتى بعده،
وعللوه بأنه فى معنى الخطأ؛ لأنه لم يرد القتل، وإنما أراد استيفاء القصاص، ولم يعلموا أنه قطع
عمدا، وهذا القطع هو الذى صار قتلا؛ فيكون القتل عمدا، وعدم إرادة القتل وإرادة استيفاء الحق
لا يخرجه من كونه عمدا كما عرفت، بل غايته أنه يكون شبهة فى إسقاط القصاص؛ لأنه لم يكن
عدوانا محضا بل مشوبا باستيفاء الحق، ويلزم هؤلاء الموجبين للدية على العاقلة أن يزيدوا قسما
سادسا فى أنواع القتل، إذ ليس هذا داخلا فى نوع من أنواعه الخمسة، وهم لا يقولون به.
ثم إن كان هذا قتلا فى معنى الخطأ - ولهذا أوجبوا الدية على العاقلة- فكيف لم يوجبوا
الكفارة على القاتل؟ لأنه ليس بأدنى من انقلاب النائم على شخص وقتله به، ويجب عليه الكفارة،
كما يجب فيه الدية على العاقلة، فإن قيل: إنه عمد من وجه، وخطأ من وجه، ولهذا أوجبنا الدية
على العاقلة، ولم نوجب الكفارة عليه، رعاية لكلا الشبهين. قلنا: لو أسقطتم الدية عن العاقلة،
وأوجبتم الكفارة عليه، كان أولى مع رعاية كلا الشبهين. بالجملة إيجاب الدية على العاقلة وهم،
والصحيح هو وجوبها فى مال القاتل، وإليه يشير ما فى "الهداية"، حيث قال: يضمن دية النفس
عند أبى حنيفة؛ لأن الضمان مشعر بكونه فى ما له، ويشير إليه أيضا فى "مجمع الأنهر" حيث
قال: عليه أى على المقتص دية النفس عند الإمام؛ لأنه قال عليه، ولم يقل: على عاقلته.
ويدل عليه أيضا أنه قال فى "البدائع": أما مشعر إذا لم يكن متعديا فيها فلا يجب القصاص
للشبهة، وتجب الدية فى بعضها، ولا تجب فى بعضها، وبيان ذلك فى مسائل: إذا قطع يد رجل
عمدا حتى وجب عليه القصاص، فقطع الرجل يده، فمات من ذلك، ضمن الدية عند أبى حنيفة؛
لأن لفظ الضمان ظاهر فى أنه يكون فى ما له، وقوله: لا يجب القصاص للشبهة ظاهر فى أنه قتل
عمدا، وسقوط القصاص إنما هو للشبهة، ومعلوم أنه إذا سقط القصاص فى العمد للشبهة يكون
الدية فى مال القاتل، فاعرف ذلك. وقيد صاحب "الدر": المسألة أن يكون تقطع فيها بنفسه بلا
حكم الحاكم، وتبعه صاحب "الدر المختار" وقال: قلت: هذا إذا استوفاه بنفسه بلا حكم الحاكم،
وهذا خطأ، نبه عليه صاحب "التحرير المختار" حيث قال تحت قول الشامى: ظاهره أنه لو استوفاه
بنفسه بعد حكم الحاكم لا يضمن. إن الأصل الآتى يفيد الضمان، وقد تبع الشارح فى هذه العبارة

٢٢٠
وجوب الضمان على الجارح قصاصا
ج - ١٨
الدر، حيث جعله تفسيرا لما فى متنه، والظاهر عدم صحتها اهـ
(إفادة) قال فى "المغنى" لابن قدامة الحنبلى: قال أبو حنيفة: علیه کمال الدیة فی ما له،
وقال غيره: على عاقلته اهـ، وقوله: "عليه كمال الدية" يدل على أنه لا يرفع منه شىء، وهو الظاهر
من كتب أصحابنا؛ لأنهم يذكرون وجوب الدية لا غير، وقوله: "فى ما له" صريح فى أن ما قاله
السرخسى وغيره مخالف لمذهب الإمام، وهو الذى قلنا به، وإليه يشير كلام "الهداية" وغيره،
کما عرفت، فاحفظه.
قال العبد الضعيف: قد نسى بعض الأحباب ما قدمه فى أول كتاب الجنايات، أن القتل هو
إزهاق الروح، والعمد هو القصد، فالموجب للقود هو إزهاق الروح بالقصد اهـ، ولا خلاف فى أن
المقتص لو تعمد القتل للزمه القود، وإنما الكلام فيما إذا تعمد استيفاء القود مما فعل به، ولم يتعمد
إزهاق الروح، فمات المقتص منه مما فعل به بحق، فلا ريب أن دمه قد أصيب خطأ؛ ففيه الدية على
عاقلته. ألا ترى أن من أدب امرأته فماتت ففيها الدية؟ مع أنه قد تعمد التأديب، ولكنه لم يرد
القتل؛ فكان من قتل الخطأ دون العمد، ويجب الدية على عاقلة الزوج لا فى ما له: فكذا ههنا.
قال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قلت لعطاء: رجل
استقاد من رجل قبل أن يبرأ، ثم مات المستقيد من الذى أصابه؟ قال: أرى أن يؤدى، قلت: فمات
المستقاد منه؟ قال: أرى أن يؤدى، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاؤس، عن أبيه، قال: لو
أن رجلا استقاد من آخر ثم مات المستقاد منه غرم ديته. ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، وابن
جريج، عن ابن شهاب، قال: السنة أن يؤدى يعنى المستقاد منه، وعن عبد الرزاق، عن هشيم، عن
أبى إسحاق الشيبانى أو غيره -شك عبد الرزاق- عن الشعبى فى رجل جرح رجلا، فاقتص منه ثم
هلك المستقاد، قال: عقله على المستقاد منه، ويطرح عنه دية جرحه من ذلك، فما فضل فهو عليه
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شبرمة، عن الحارث العقيلى، (الصواب العقلى من كبار
فقهاء التابعين) فى الذى يستقاد منه، ثم يموت قال: يغرم ديته؛ لأن النفس خطأ (وهذا عين ما قاله
السرخسى) وعن إبراهيم النخعى، عن علقمة، أنه قال فى المقتص منه: أيهما مات ودى.
ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة: نا وكيع، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: استأذنت
زياد بن جرير فى الحج، فسألنى عن رجل شج رجلا، فاقتص له منه، فمات المقتص منه؟ فقلت:
عليه الدية، ويرفع عنه بقدر الشجة، ثم نسيت ذلك فجاء إبراهيم فسألته؟ فقال: عليه الدية، قال