النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
إعلاء السنن
باب دية الأنف
٥٨٩٠- قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن ابن طاوس، قال فى الكتاب
ومالك فى إحدى الروايتين عنه، وفى الأخرى: فيهما حكومة؛ لأن الشرع لم يرد فيهما بتقدير،
ولا يثبت التقدير بالقياس، ولنا أن فى كتاب النبى عّ لّ لعمرو بن حزم: ((وفى الأذنين الدية)).
وأخرج البيهقى فى "سننه" من طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال:
قرأت فى كتاب النبى معَِّ الذى كتبه لعمرو بن حزم، فكتب فيه: ((وفى الأذن خمسون من
الإبل)»، ثم أخرج من طريقه عن عياض بن عبد الله الفهرى، أنه سمع زيد بن أسلم يقول: مضت
السنة فى أشياء من الإنسان، فذكر الحديث، قال فيه: وفى الأذنين الدية، وقول التابعى: "مضت
السنة" فى حكم المرفوع عند بعضهم).
ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، وعكرمة: أن
عمر رضى الله عنه قضى فى الأذن بنصف الدية، قال معمر: والناس عليه، قال: وقضى فيها أبو
بكر رضى الله عنه بخمس عشرة من الإبل (لعلها قطعت بعضها لا كلها)، ثم أخرج من طريق
سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة، عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على رضى الله عنه، أنه
قال: وفى الأذن النصف، وروى الشعبى عن ابن مسعود أنه قال: فى الأذن إذا استوصلت نصف
الدیة، فما نقص منها فبحسابها اهـ (٨٥:٨).
قال الموفق: ولأن عمر وعليا قد قضيا فيهما بالدية، (وكذلك ابن مسعود)، فإن قيل: فقد
روى عن أبى بكر رضى الله عنه: أنه قضى فى الأذن بخمسة عشر بعيرا، قلنا: لم يثبت ذلك، قاله
ابن المنذر، (وإنما ذكره معمر عنه ولم يسند)، ولأن ما كان فى البدن منه عضوان كان فيهما الدیة
كاليدين، وفى إحداهما نصف الدية بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية فيهما، قال: وإن قطع
بعض إحداهما وجب بقدر ما قطع من ديتها، ففى نصفها نصف ديتها، فى ربعها ربعها، وعلى
هذا الحساب. (قلت: وهو محمل ما ذكره معمر عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه إن صح عنه)،
قال: وتجب فى أذن الأصم؛ لأن الصمم نقص فى غير الأذن؛ فلم يؤثر فى ديتها، كالعمى لا يؤثر
فى دية الأجفان، وهذا قول الشافعى، ولا أعلم فيه مخالفا اهـ، ملخصا (٥٩٤:٩)، ظ.
باب دية الأنف
قوله: "قال عبد الرزاق إلخ": قلت: أخرج الدارقطنى حديث محمد بن عمارة مطولا،

١٨٢
ج - ١٨
دية الأنف
الذى عندهم عن النبى عَّ له: ((فى الأذن إذا قطع مارنه الدية)).
٥٨٩١- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع ثنا ابن أبى ليلى عن عكرمة بن خالد
عن رجل من آل عمر، قال: قال رسول الله عَّه: ((فى الأنف إذا استوصل مارنه الدية)).
فقال: نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا أبو كريب، نا حاتم بن إسماعيل عن محمد بن عمارة عن
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان فى كتاب عمرو بن حزم حين بعثه رسول الله عَ له
إلى نجران: ((فى كل سن خمسون من الإبل، وفى الأصابع فى كل ما هنالك عشر عشر من الإبل،
وفى الأذن خمسون، وفى العين خمسون، وفى اليد خمسون، وفى الرجل خمسون، وفى الأنف
إذا استوصل المارن الدية كاملة، وفى المأمومة ثلث النفس، وفى الجائفة ثلث النفس)).
وأخرجه أيضا من طريق أخرى، عن أبى بكر بن حزم، فقال: نا الحسين بن صفوان، نا عبد
الله بن أحمد بن حنبل، نا أبو صالح الحكم بن موسى، نا إسماعیل عیاش، عن یحیی بن سعيد، عن
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن النبى كتب له إذا وجهه إلى اليمن:
((فى الأنف إذا استوعب جدعه الدية كاملة، والعين نصف الدية، والرجل نصف الدية، والمأمومة
ثلث الدية، والمنقلة خمس عشرة من الإبل، والموضحة خمس من الإبل، وفى كل إصبع مما هنالك
عشر من الإبل)).
وأخرجه أيضا من طريق أخرى، فقال: نا محمد بن أحمد بن قطن، نا أحمد بن منصور، نا
عبد الرزاق، أنا معمر، عن عبد الله بن أبى بكر، عن أبيه، عن جده: أن النبى معَّ له كتب لهم كتابا:
((فى الموضحة خمس من الإبل، وفى المأمومة ثلث الدية، وفى المنقلة خمس عشرة، وفى العين
خمسون من الإبل، وفى الأنف إذا أوعى جدعه الدية كاملة، وفى السن خمس من الإبل، وفى
الرجل خمسون، وفى كل إصبع مما هنالك من أصابع اليدين والرجلين عشر عشر)) (دار قطنى
ص٣٧٦). قلت: دلت هذه الأخبار على أن دية الأنف دية كاملة، وهو مذهب أصحابنا.
تنبيه: قال فى "الهداية" وغيره: فى الأرنبة الدية الكاملة، وقال فى "الدر المختار": قيل: فى
الأرنبة حكومة عدل على الصحيح، قلت: الراجح عندى هو القول لحكومة العدل؛ لأن إيجاب
كمال الدية لا وجه له، وما قال صاحب "الهداية" إن فيه إزالة الجمال على الكمال، فيه نظر ظاهر؛
لأن الأرنبة جزء من الأنف، فيزول بقطعها بعض الجمال المتعلق بالأنف لا كله، فلا معنى لإيجاب
كمال الدیة.
فإن قلت: قد روى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى عَ لّ قضى فى

١٨٣
دية الأنف
إعلاء السنن
٥٨٩٢- وحدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبى بكر بن محمد بن
الأنف إذا جدع الدية كاملة، وإن جدعت ثندوته فنصنف العقل، أخرجه أبو داود من طريق محمد
ابن راشد عن عمرو بن شعيب والدار قطنى من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب.
قلنا: محمد بن راشد يهم ويخطئ، ومحمد بن إسحاق لم يذكر السماع، والظاهر أنه
قوله: ((وفى ثندوته نصف العقل) وهم(١)؛ لأنه لا يستقيم على أصول الديات، كما لا يخفى(٢). ثم
الظاهر من تتبع الكتب أن مسألة دية الأرنبة ليس من منصوصات الأئمة، بل هو من مستخرجات
المشايخ، فإن كان الأمر كذلك، فالأمر بين، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: لقد استروح بعض الأحباب حيث غفل عما ذكره فى المتن أول الباب
عن ابن طاوس، قال: فى الكتاب الذى عندهم عن النبى معَّهِ: ((فى الأنف إذا قطع مارنه الدية)،
ومثله عن عكرمة بن خالد، عن رجل من آل عمر مرفوعا: ((فى الأنف إذا استوصل مارنه الدية))،
ومثله عن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان فى كتاب رسول الله عّ لّه لعمرو بن حزم: ((فى
الأنف إذا استوعب مارنه الدية))، والمارن طرف الأنف كالأرنبة، فمن أين لأحد أن يقول: فيه
الحكومة؟ وقد ثبت عن رسول الله عَّاللّه أن فيه الدية.
قال الموفق فى "المغنى": وفى الأنف الدیة إذا کان قطع مارنه بغیر خلاف بينهم، حكاه ابن
عبد البر وابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم، وإنما الدية فى مارنه، وهو ما لان منه، هكذا
قال الخليل وغيره، ولأن الذى يقطع فيه ذلك فانصرف الخبر إليه، فإن قطع بعضه ففيه بقدره من
الدية، يمسح ويعرف قدر ذلك منه، وإن قطع المارن مع القصبة ففيه الدية فى قياس المذهب، (وهو
قولنا معشر الحنفية)، وهذا مذهب مالك، ويحتمل أن تجب الدية فى المارن، وحكومة فى القصبة،
وهذا مذهب الشافعى؛ لأن المارن وحده موجب للدية، فوجبت الحكومة فى الزائد، ولنا قوله عليه
السلام: ((فى الأنف إذا أوعب جدعا الدية))، ولأنه عضو واحد فلم يجب به أكثر من دية، كالذكر
إذا قطع من أصله، وتجب فى حشفته الدية التى تجب فى جميعه، وأصابع اليد يجب فيها ما يجب
فى اليد من الكوع، وكذلك أصابع الرجل، وفى الثدى كله ما فى حلمته اهـ، ملخصا (٩: ٦٠١).
ولقائل أن يقول: إن المارن يطلق على الأنف، وعلى ما لان منه، وعلى طرفه، كما فى
(١) وعلى تقدير صحة الرواية يحمل إيجاب النصف على أنه كان من باب حكومة العدل، والله أعلم.
(٢) لأنه ليس فى أعضاء الإنسان المتوحدة فيه ما يلزم فى جزء منه نصف الدية، ظ.

١٨٤
ج - ١٨
دية الأنف
عمرو بن حزم، قال: كان فى كتاب رسول الله عَّ ◌ُلّه لعمرو بن حزم: ((فى الأنف إذا
استوعب مارنه الدية)) (زيلعی).
"القاموس"، والمراد ههنا هو الثانى دون الأول؛ لإضافة المارن إلى الأنف، والشىء لا يضاف إلى
نفسه، ودون الثالث لإباء لفظ الاستيصال والاستيعاب عن كونه مرادا، فإنه لا يقال لمن قطع طرف
أنفه: إنه أوعب جدعا، ولا أنه استوصل مارنه، وإذا تعين الثانى فالدية، إنما هى فى المارن إذا أوعب
جدعا، أى قطع ما لان من الأنف كله، ولا دليل فيه على وجوب الدية فى الأرنبة، وهى طرف
الأنف، فتكون فيه حكومة، يؤيد ذلك ما فى "المحلى" لابن حزم: فحصل من هذا عن على: ((أن
فى الأنف الدية))، وكذلك عن الشعبى، وعن عمر بن عبد العزيز، وعن ابن قسيط، وعن إبراهيم،
ومجاهد: فى المارن الدية، وهو كل ما دون العظم، وعن الشعبى: فى العرنين الدية، وهو ما دون
المارن، وعن مجاهد: فى الروثة ثلث الدية، وهى دون العرنين، وهو قول ابن حنبل، وإسحاق،
وقتادة، وفى الأرنبة بحساب ذلك، وهو طرف الأنف، وقال مالك: فيما دون المارن من كل ما
ذكرنا حكم، وبه قال الشافعى وأبو حنيفة اهـ ملخصا (٤٣٢:١٠).
قلت: فيحمل كل ما روى عن التابعين فى العرنين والروثة ونحوهما على القضاء بالحكم
دون التقدير، ولعل صاحب "الهداية" نظر إلى إطلاق المارن على طرف الأنف، فأوجب فى الأرنبة
الدية احتياطًا، بشمول لفظ المارن إياه لغة، ولما ذكره من المعنى وهو قول فقهاء المدينة قبل مالك،
فقد أخرج البيهقى من طريق إسماعيل القاضى: ثنا ابن أبى أويس وعيسى بن مينا، قالا: ثنا ابن أبى
الزناد عن أبيه عن الفقهاء من أهل المدينة، كانوا يقولون: فى الأنف إذا أوعى جدعا أو قطعت أرنبته
الدية كاملة والذكر مثل ذلك إن قطع كله أو قطعت حشفته الحديث (٩٨:٨) ولكن الظاهر من
مفهوم قوله مَّه: ((فى الأنف إذا استوصل مازنه أو استوعب مارنه))، ومن قوله: ((فى الأنف إذا
أوعب جدعا)) أن كمال الدية إنما يجب فى استيصال المارن دون جدع طرف منه، والله تعالى أعلم.
وأما قول ابن حزم: لا سبيل إلى أن يوجد فى هذا -أى فى دية الأنف- خبر صحيح عن
رسول الله عَّ أصلا، ولا إجماع، فليس فيه إلا القود فى العمد، أو المفاداة، ولا شىء فى الخطأ؛
لقول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ اهـ (٤٣٣:١٠)،
فرد عليه؛ لأن دية الأنف مذكورة فى كتاب رسول الله عّ لّه لعمرو بن حزم، وهو مجمع على
صحته، تلقاه الأئمة بالقبول، وقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾، إنما يفيد رفع
الجناح، ولا نزاع فيه، وأما رفع الضمان فلا، ألا ترى أن الله تعالى قد أوجب الدية فى قتل النفس

١٨٥
إعلاء السنن
باب الدیة فی اللسان
٥٨٩٣- حدنثا وكيع، عن ابن أبى ليلى، عن عكرمة بن خالد، عن رجل من آل
عمر، قال: قال: رسول الله عَّ ◌ُله: ((فى اللسان الدية كاملة)).
خطأ؟ ومقتضاه وجوب الضمان فى إتلاف الأعضاء أيضا، وقد أجمعوا على ضمان المتلفات من
الأموال ولو خطأ، يؤيد ذلك كتاب رسول الله عَّ ◌ُّ لعمرو بن حزم، وكتابه عند آل طاوس،
واتفاق الصحابة والتابعين على إيجاب الدية فيه، ولكن ابن حزم لا يبالى بالشذوذ عن الأمة، فإلى
الله المشتکی، ظ.
باب الدیة فی اللسان
قوله: "حدثنا وكيع" إلخ: قلت: هذه وإن كانت مراسيل إلا أن بعضها يقوى بعضا،
ويؤيدها ما فى صحيفة ابن حزم، قال النسائى: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: ثنا الحكم بن موسى،
قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثنى الزهرى، عن أبى بكر بن محمد بن
حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله عَ له كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض، والسنن،
والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرأت على أهل اليمن هذه نسختها: ((عن محمد النبى
عَّه إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، قيل ذى رعين ومعافر وهمدان، أما
بعد: وكان فى كتابه: أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن
فى النفس الدية مائة من الإبل، وفى الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفى اللسان الدية، وفى الشفتين
الدية، وفى البيضتين الدية، وفى الذكر الدية، وفى الصلب الدية، وفى العينين الدية، وفى الرجل
الواحدة نصف الدية، وفى المأمومة ثلث الدية، وفى الجائفة ثلث الدية، وفى المنقلة خمس عشرة من
الإبل، وفى كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفى السن خمس من الإبل، وفى
الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب خمس دينار)).
ثم قال: خالفه محمد بن بكار بن بلال: أخبرنا الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران
العنسى، قال: ثنا محمد بن بکار بن بلال، قال: ثنا یحیی، قال: ثنا سليمان بن أرقم، قال: حدثنى
الزهرى، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله عَ لّه كتب
بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئ على أهل اليمن هذه
نسخته، فذكر مثله إلا أنه قال: ((وفى العين الواحدة نصف الدية، وفى اليد الواحدة نصف الدية،
وفى الرجل الواحدة نصف الدية))، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم،

١٨٦
الدية فى اللسان
ج - ١٨
٥٨٩٤- وحدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن الزهرى: فى اللسان
إذا استوصل الدية كاملة.
وسليمان بن أرقم متروك الحديث اهـ.
قلت: محصل كلامه أن سليمان بن داود فى سند الحكم بن موسى وهم، والصواب هو
سليمان بن أرقم، كما رواه محمد بن بكار بن بلال، فمدار الحديث على سليمان بن أرقم وهو
متروك الحديث.
والجواب عنه أنه لم يتفرد به سليمان بن أرقم؛ لأنه رواه أيضا يونس عن الزهرى كذلك،
قال النسائى: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس بن
يزيد، عن ابن شهاب، قال: قرأت كتاب رسول الله عزّ طل الذى كتب لعمرو بن حزم حین بعثه إلى
نجران، وكان الكتاب عند أبى بكر بن حزم، فكتب رسول الله عَّه: ((هذا بيان من الله ورسوله:
﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، وکتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إن الله سريع الحساب﴾، ثم
كتب: هذا كتاب الجراح، فى النفس مائة من الإبل نحوه))، وهذا وإن كان مرسلا صورة إلا أنه
متصل معنى؛ لأن الزهرى رأى كتاب رسول الله مَ له وعرفه، ولم يصل إلى أبى بكر إلا عن أبيه
عن جده؛ فلا يضر ضعف سليمان بن أرقم، وهذا لو سلم أن قوله: "سليمان بن داود وهم"، وإلا
فلا كلام، وقد رواه ابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى "المستدرك"، وصححه من رواية
سليمان بن داود، كما فى "الزيلعى".
قلت: دلت هذه الأخبار على أن دية اللسان دية كاملة، وهو مذهب أئمتنا، قال محمد:
أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: فى اللسان إذا قطع منه شىء، فامتنع من الكلام أو
قطع من أصله ففيه الدية، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ، وأما لسان الأخرس
ففيها حكومة عدل.
قال العبد الضعيف: أخرج البيهقى فى "سننه" من طريق سعيد بن منصور: نا أبو عوانة،
عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على رضى الله عنه، أنه قال: فى اللسان الدية، ومن
طريق بحر بن نصر، عن ابن ذهب: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره: أن
السنة مضت فى العقل بأن فى اللسان الدية، قال: وحدثنا ابن وهب، أخبرنى عياض بن عبد الله
الفهرى، أنه سمع زيد بن أسلم يقول: مضت السنة فى أشياء من الإنسان، قال: وفى اللسان الدية،
وفى الصوت إذا انقطع الدية، ومن طريق ابن وهب: أخبرنى الحارث بن بنهان، عن محمد بن عبيد

١٨٧
الدية فى اللسان
إعلاء السنن
٥٨٩٥- وحدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن مكحول قال
قال رسول الله عَّ له نحوه أخرج هذه الروايات الثلاث ابن أبى شيبة كذا فى الزيلعى.
الله، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله عَ ليه، قال:
((فى اللسان الدية إذا منع الكلام)) الحديث، محمد بن عبيد الله العزرمى والحارث بن بنهان ضعيفان
(قلت: وللحديث شواهد، سيأتى).
ومن طريق ابن أبى شيبة، أظنه عن محمد بن بكر، عن ابن جريج: أخبرنى عبد العزيز بن
عمران فى كتاب لعمر بن عبد العزيز، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وفى اللسان إذا استوعى
الدية تامة، وما أصيب من اللسان فبلغ أن يمنع الكلام ففيه الدية، وما كان دون ذلك فبحسابه، قال:
وحدثنا أبو بكر، عن ابن فضيل، عن أشعث، عن الشعبى، عن عبد الله، قال: فى اللسان الدية إذا
استوعى، فما نقص فبحساب، قال: وحدثنا أبو بكر، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن
عمرو بن شعيب، قال: قضى أبو بكر رضى الله عنه فى اللسان إذا قطع بالدية، إذا أوعى من أصله،
وإذا قطع فتكلم ففيه نصف الدية، ومن طريق معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن الحسن، أنه قال: فى
ذهاب الكلام الدية، ومن طريق سفيان، عن معمر، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: الحروف
ثمانية وعشرون حرفا، فما قطع من اللسان فهو على ما نقص من الحروف، وروى عن مسروق أنه
قال: فی لسان الأخرس حكومة اهـ (٨٩:٨).
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب،
قال: قضى أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى اللسان إذا قطع بالدية، إذا نزع من أصله، فإن قطع
من أسلته (وهو مستدق اللسان)، فتكلم صاحبه ففيه نصف الدية، وبه إلى عبد الرزاق، عن معمر،
عن رجل، عن عكرمة، قال: قضى أبو بكر فى اللسان إذا قطع الدية، فإن قطعت أسلته فبين بعض
الكلام، ولم يبين بعضه فنصف الدية، وعن سليمان بن موسى أنه قال: فى كتاب عمر بن عبد
العزيز فى الأجناد: ما قطع من اللسان فبلغ أن يمنع الكلام كله ففيه الدية، وما نقص دون ذلك
فبحسابه أهـ (٣٤٣:١٠).
قلت: هذا كقول عمر بن الخطاب الذى قد مر ذكره، وقول مجاهد مفسر لقوليهما، وبه
قال أصحابنا الحنفية، نضر الله وجوههم، وأما قول أبى بكر رضى الله عنه فيما إذا قطع اللسان من
أسلته فتكلم صاحبه، ففيه نصف الدية، فمحمول على ما إذا منع من نصف الكلام، وبين نصفه؛
لأن قطع مستدق اللسان يفضى إلى ذلك غالبا، فليس بين قوله وقول عمر رضى الله عنهما تضاد،

١٨٨
ج - ١٨
باب دية الأسنان
٥٨٩٦- أخبرنا محمد بن معاوية، قال: ثنا عباد، عن حسين، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله عَّه: ((فى الأسنان خمس من الإبل)).
٥٨٩٧- وأخبرنا الحسين بن منصور، قال: ثنا حفص بن عبد الرحمن، قال: ثنا
سعيد بن أبى عروبة عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول
الله ◌َوَ ◌ّهِ: ((الأسنان سواءٍ خمسا خمسا))، رواهما النسائى.
وليس فى قول أصحابنا ما يخالفه، وهذا مما خفى على ابن حزم -رحمه الله- فقال ما قال، وعهدنا
به أنه لا يجمع بين مختلف الأحاديث، ويحملها على التضاد، والله تعالى أعلم، ظ.
فائدة: قال الموفق فى "المغنى": فى المشام الدية، يعنى الشم فى إتلافه الدية؛ لأنه حاسة
تختص بمنفعة ، فكان فيها الدية كسائر الحواس، ولا نعلم فى هذا خلافا، قال القاضى فى كتاب
عمرو بن حزم عن النبى عَّهِ، أنه قال: ((وفى المشام الدية))، فإن عاد الشم قبل أخذ الدية سقطت،
وإن بعد أخذها ردت، وإن رجى عوده إلى مدة انتظر إليها، وإن ذهب شمه من أحد منحزیه، فعليه
نصف الدية، كما لو ذهب بصره من إحدى عينيه، وإن قطع أنفه فذهب شمه فعلیه دیتان؛ لأن
الشم فى غير الأنف، فلا تدخل دية أحدهما فى الآخر، كالسمع مع الأذن، والبصر مع الأجفان اهـ
ملخصا (٥٩٩:٩-٦٠٢)، ظ.
باب دية الأسنان
قوله: "أخبرنا معاوية" إلخ: قلت: هذه الأخبار تدل على أن الأسنان الثنايا والأضراس كلها
سواء فى الدية، ودية كل واحدة منها خمس من الإبل، وهو مذهب أصحابنا، ويشرط أن تكون
صحيحة، وأما الأسنان السود ففيها حكومة عدل.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى أن دية الأسنان
خمس خمس فى كل سن، وقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وسعيد بن المسيب،
وعروة، وعطاء، وطاوس، والزهرى، وقتادة، ومالك، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وأبى حنيفة،
ومحمدبن الحسن، وفى كتاب عمروبن حزم عن النبى معَ ◌ّ: ((فى السن خمس من الإبل)) رواه النسائي،
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى قال: ((فی الأسنان خمس خمس)) رواه أبو داود.
فأما الأضراس والأنياب فأكثر أهل العلم على أنها مثل الأسنان، منهم عروة، وطاوس،

١٨٩
دية الأسنان
إعلاء السنن
٥٨٩٨- وقال النسائى: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن
القاسم حدثنى مالك، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه،
قال: الكتاب الذى كتب رسول الله عّ لّه لعمرو بن حزم فى العقول: ((إن فى النفس مائة
من الإبل، وفى الأنف إذا أوعب جدعا مائة من الإبل، وفى المأمومة ثلث النفس، وفى
الجائفة مثلها، وفى اليد خمسون، وفى العين خمسون، وفى الرجل خمسون، وفى كل
إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفى السن خمس، وفى موضحة خمس)).
وقتادة، والزهرى، ومالك، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن،
وروى ذلك عن ابن عباس، ومعاوية، وروى عن عمر رضى الله عنه: أنه قضى فى الأضراس ببعير
بعير، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: لو كنت أنا لجعلت فى الأضراس بعيرين بعيرين، فتلك الدية
سواء، روى ذلك مالك فى "موطائه"، وعن عطاء نحوه، وحكى عن أحمد: أن فى جميع الأسنان
والأضراس الدية، فيتعين حمله على مثل قول سعيد، فيكون فى الأسنان ستون بعيرا؛ لأنها اثنا عشر
سنا، وفيه عشرون ضرسا، فى كل جانب عشرة، خمسة من فوق، وخمسة من أسفل، فيكون فيها
أربعون بعيرا، فتكمل الدية.
وحجة من قال هذا: إنه ذو عدد يجب فيه الدية، فلم يزد ديته على دية الإنسان، كالأصابع
والأجفان، وسائر ما فى البدن، ولنا ما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبى عّ لّه قال: ((الأسنان
سواء، الثنية والضرس سواء، وهذه وهذه سواء))، وهذا نص، وقوله فى الأحاديث المتقدمة: ((فى
الأسنان خمس خمس))، ولم يفصل، يدخل فى عمومها الأضراس؛ لأنها أسنان، ولأن كل دية
وجبت فى جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع، كالأصابع، والأجفان، والشفتين، وقد
أومأ ابن عباس إلى هذا، فقال(١) لا أعتبرها بالأصابع، فأما ما ذكره من المعنى فلا بد من مخالفة
القياس فيه، فمن ذهب إلى قولنا خالف القياس الذى ذكروه، ومن ذهب إلى قولهم خالف التسوية
الثابتة بقياس سائر الأعضاء من جنس واحد، فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار، وقول أكثر أهل
العلم أولى. وأما على قول عمر: "إن فى كل ضرس بعيرا"، فيخالف القياسين جميعا والأخبار؛
فإنه لا يوجب الدية الكاملة، وإنما يوجب ثمانين بعيرا، ويخالف بين الأعضاء المتجانسة، (فيحمل
على أنه قضى بذلك فى الأضراس السود الناقصة دون الصحيحة، وفيها حكومة، كما مر).
(١) كذا فى الأصل والصواب ما سيأتى، ظ.

١٩٠
دية الأسنان
ج - ١٨
٥٨٩٩- وقال ابن ماجة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الباسى، ثنا على بن الحسن
ابن شقيق، ثنا أبو حمزة المروزى، ثنا يزيد النحوى، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن
النبى عَ له: ((أنه قضى فى السن خمسا)).
وإنما يجب هذا الضمان فى سن من قد ثغر، وهو الذى أبدل أسنانه، وبلغ حدا إذا قلعت
سنه لم يعد بدلها، فأما السن الذى لم يثغر فلا يجب بقلعها شىء فى الحال، هذا قول مالك،
والشافعى، وأصحاب الرأى، ولا أعلم فيه خلافا، وذلك لأن العادة عود سنه، ولكن ينتظر عودها،
فإن مضت مدة ييأس من عودها وجبت ديتها، قال أحمد: يتوقف سنة؛ لأنه الغالب فى نباتها اهـ
ملخصا (٦١٣:٩).
وأخرج البيهقى من طريق الشافعى عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبى غطفان بن
طريف المرى: أن مروان بن الحكم بعثه إلى عبد الله بن عباس، ليسأله ما ذا فى الضرس؟ فقال ابن
عباس: فيه خمس من الإبل، قال: فردنى إليه مروان، قال: أ تجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ فقال
ابن عباس: أو لم يعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء، قال الشافعى: وهذا كما قاله ابن عباس إن
شاء الله، والدية الموقتة على العدد دون المنافع اهـ، قال البيهقى: وقد روى جابر الجعفى عن عامر
(الشعبى) عن شريح، ومسروق، عن عمر رضى الله عنه: الأسنان سواء (وجابر وإن تكلم فيه،
فليس بمطرح، ولما رواه شاهد)، قال البيهقى: ويذكر عن الحسن، عن عمر رضى الله عنه قال:
الأسنان سواء الضرس الثنية اهـ (٩٠:٨-٩١) مرسل، ولكن مراسيل الحسن صحاح، وهذا هو
الظاهر عن عمر رضى الله عنه، فيحمل ما روى عنه أنه جعل فى كل ضرس بعيرا على ما ذكرناه.
وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق وكيع: نا سفيان، عن أبى إسحاق السبيعى، عن
عاصم بن ضمرة، عن على بن أبى طالب، قال: فى السن خمس من الإبل (٤١٣:١٠)، قال:
وروينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن مكحول، قال: قال زيد بن ثابت: فى السن
الزائدة ثلث ديتها (ليس بتقدير بل حكومة)، وعن الحسن البصرى قال: فيها حكم، وبهذا يقول
الثورى، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأصحابهم، (وعليه حملوا قول زيد كما مر)، قال: وأما
سن الصغير فروينا من طريق الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن
الوليد بن أبى مالك، عن أخيه: أن عمر بن الخطاب قضى فى سن صبى كسرت قبل أن يثغر يبعير.
(قلت: منقطع، فإن أخا الوليد - واسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أبى مالك- لم يدرك
عمر رضى الله عنه، وإن صح فلم يقض بذلك على أنه دية، بل على أنه ضمان الألم، وإليه ذهب

١٩١
دية الأسنان
إعلاء السنن
٥٩٠٠- وقال البزار فى مسنده: حدثنا عبدة بن عبد الله القسملى ثنا عبد الصمد
ابن عبد الوارث، ثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى معَّ له: ((الثنية
والضرس سواء، والأسنان كلها سواء، وهذه وهذه سواء)، وقال البزار: لا نعلم أحدا
يرويه عن شعبة بهذا اللفظ إلا عبد الصمد، وغيره يرويه مختصرا اهـ (زيلعى).
أبو يوسف منا، حيث قال: تجب حكومة عدل مكان الألم الحاصل) (هداية).
قال: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن أبى حنيفة، قال: قال زيد بن ثابت: فى سن الصبى
الذى لم يثغر عشرة دنانير (وهى قيمة البعير عندنا فى الدية، وهو محمول على ما ذكرنا)، قال عبد
الرزاق: قال معمر: وهو قول بعض علماء الكوفة، وعن الحسن قال: فى سن الصبى إذا لم يشغر،
قال: ينظر فيه ذوا عدل، فإن نبتت جعل له شىء (مكان الألم)، وإن لم تنبت كان كسن الرجل،
وعن سليمان بن يسار: أنه استفتى فى غلام لم يثغر أصيبت سنه، هل فيها من عقل؟ قال: لا، وقال
أبو حنيفة: فيها حكومة.
(قلت: كلا! بل الدية إذا لم تنبت، ولا شىء إذا نبتت، ويجعل له شىء مكان الألم عند أبى
يوسف)، وقال مالك والشافعى: إن نبتت فلا شىء فيها، وقال مالك: إن نبتت ناقصة أعطى بقدر
نقصها عن التى تليها، فإن لم تنبت ففيها خمس فرائض.
(قلت: وهو قولنا معشر الحنفية). قال: وهذا مما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشافعى
وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضى الله عنهما فيما روى عنهما فى هذا الباب، ولا يعرف لهما
مخالف من الصحابة رضى الله عنهم اهـ (٤١٨:١٠).
قلت: لم يخالفوهما أصلا، وإنما حملوا ما روى عنهما على ضمان الألم بطريق الحكم دون
الدية، ولكن ابن حزم لا يعرف الجمع بين الآثار، ويحملها على التضاد، وما أبعد ذلك من الفقه
والرشاد ..
هذا إذا كسر الأسنان وهى صحيحة، وأما إذا كانت سودا ناقصة، فروى عن ابن عباس أن
عمر بن الخطاب قال: فى السن السوداء إذا سقطت ثلث ديتها (أى بطريق الحكومة)، قال ابن حزم
فى "المحلى": هذا هو الثابت عن عمر ابن الخطاب؛ لاتصال سنده، وجودة روايته، واتصاله، ثم
أسنده من طريق محمد بن بشار: نا يحيى بن سعيد القطان، نا هشام الدستوائى، نا قتادة، عن عبد
الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس: عن عمر بن الخطاب، وبه يقول أحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: فى السن السوداء ثلث الدية، وعن مجاهد أنه

١٩٢
دية الأسنان
ج - ١٨
٥٩٠١- وأخرج البزار فى "مسنده": عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى
عن عكرمة بن خالد عن أبى بكر بن عبيد الله بن عمر عن أبيه عن عمر قال: قال رسول
الله عَ له: (( فى الأنف إذا استوعب جدعة الدية، وفى العين خمسون من الإبل، وفى اليد
خمسون، وفى الرجل خمسون، وفى الجائفة ثلث الدية، وفى المنقلة خمس عشرة، وفى
الموضحة خمس، وفى السن خمس، وفى كل إصبع مما هنالك عشر عشر)) (زيلعى).
قال: إذا اسودت السن أو رجفت، ثم طرحت، فنصف قدرها، وذكر ابن أبى نجيح عن مجاهد:
فى السن السوداء ربع ديتها، وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط، أنه قال: فى السن السوداء إذا
كسرت خمس ديتها، كذا فى "المحلى" (٤١٧:١٠)، واختلاف الأقوال مبنى على اختلاف
الحكم؛ لأن لا دية فى قطع الناقص من الأعضاء مقدرة، بل فيه حكومة.
قال فى "البدائع": وفى لسان الأخرس، والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السوداء
القائمة، واليد الشلاء، والرجل الشلاء، وذكر الخصى والعنين، حكومة عدل؛ لأنه لا قصاص فى
هذه الأشياء، وليس(١) فيها أرش مقدر أيضا؛ لأن المقصود ههنا المنفعة، ولا منفعة فيها ولا زينة
- أيضا؛ لأن العين القائمة الذاهب نورها لا جمال فيها عند من يعرفها، على أن المقصود من هذه
الأشياء المنفعة، ومعنى الزينة تابع لها، فلا يتقدر الأرش لأجله (بخلاف الأنف والأذن؛ لأن
المقصود منهما الجمال لا المنفعة؛ لأن الشم والسمع فى غير الأنف والأذن، ولهذا يجب كمال
الدية فى قطع أذنى الأصم، وفى أنف من بطل شمه، ولو قطع أنفا مقطوع الأرنبة ففيه حكومة
العدل؛ لأن المقصود من الأنف الجمال، وقد نقص بقطع الأرنبة فينتقص أرشه) (بدائع ٣٢٤:٧).
(١) يرد عليه ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق النسائى: نا أحمد بن إبراهيم بن محمد، نا ابن عائذ، نا الهيثم بن حميد العلاء
ابن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله عّ لّه قضى فى العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست
ثلث ديتها، وفى اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها، وفى السن السوداء إذا نزعت ثلث ديتها (٤٤١:١٠)، وهذا ظاهره التقدير
بالثلث، وحمله على الحكم بعيد، لا سيما وقد صح عن عمر: أنه قضى فى السن السوداء بالثلث، قال ابن مالك: عمل بظاهر
الحديث إسحاق، فأوجب الثلث فى العين المذكورة، وعامة العلماء أوجبوا حكومة العدل، وحملوا الحديث على معنى
الحكومة؛ إذا الحكومة بلغت ثلث الدية، كذا فى حاشية النسائى عن "المرقاة" (٢٥٠:٢)، وهذا وإن كان محتملا ولكنه بعيد،
اللهم إلا أن يقال: إن الإسناد إلى عمرو بن شعيب كلهم قدریون فيهم مقال، وهو معارض بما روى البيهقى بسند صحيح عن
زيد بن ثابت: أنه قضى فى العين القائمة إذا طفئت بمائة دينار، قال: وروينا عن مسروق أنه قال: فى العين العوراء حكم، وفى
اليد الشلاء حكم (٩٨:٨)، فلو كان فى أرش مقدر لم يعدلا إلى غيره، فإن لم يكن الحديث ثابتا فلا كلام، وإن كان ثابتا،
فالظاهر أنهما حملاه على الحكم دون التقدير، والله أعلم.

١٩٣
إعلاء السنن
باب دية الشفتين
٥٩٠٢- فى كتاب النبى عَ ◌ّ لعمرو بن حزم: ((فى الشفتين الدية كاملة))، وقد
رویناه فى باب دية اللسان.
باب دية اللحية
٥٩٠٣- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم بن أبى الهيثم، عن على بن أبى
طالب، فى الرجل يحلق لحية الرجل فلا تنبت، قال: عليه الدية، قال محمد: وبه نأخذ
(كتاب الآثار).
قال: وفى الإصبع الزائدة والسن الزائدة حكومة عدل؛ لأنه لا قصاص فيها، وليس بها أرش
مقدر أيضا؛ لانعدام المنفعة والزينة، لكنها جزء من النفس، وأجزاء النفس مضمونة مع عدم المنفعة
والزينة اهـ ملخصا (٣٢٣:٧).
هذا إذا كان السن أسود قبل الضرب والكسر، وأما إذا اسودت بالضرب فرويناه من طريق
عبد الرزاق، عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، قال: فى السن يستانى بها
سنة، فإن اسودت ففيها العقل كاملا، وإلا فما اسود منها فبالحساب، ومن طريق عبد الرزاق عن
ابن جريج، أخبرنى عبد الكريم، أن على بن أبى طالب قال: فى السن تصاب فيخشون أن تسود
ينتظر بها سنة، فإن اسودت ففيها قدرها وافيا، وإن لم تسود فليس فيها شىء، وقال عبد الكريم:
ويقولون: فإن اسودت بعد السنة فليس فيها شىء، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى
عبد العزيز أن فى كتاب لعمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب: فى السن خمس من الإبل أو
عدلها من الذهب أو الورق، فإن اسودت فقد تم عقلها، فإن كسر منها إذ لم تسود فبحساب
ذلك اهـ، من "المحلى" (٤١٦:١٠).
وهذه وإن كانت كلها منقطعات فتعدد الطريق يجعل المرسل حجة كما مر غير مرة، وهذا
قول ثلاثة من الصحابة، لم نعرف لهم مخالفا، وبه قال أصحابنا، كما فى "الهداية" و"البدائع"
وغيرهما، وهو قول الأئمة الثلاثة، كما فى "البناية".
واختلفوا فى الاصفرار والاخضرار والاحمرار، فعند الثلاثة يجب الحكومة فى الكل،
وعندنا يجب الأرش فى الاخضرار والاحمرار، وهو رواية عن أحمد؛ لكونهما كالاسوداد، ولو
اصفر فيه روايتان، روى أبو يوسف عن أبى حنيفة: أن فيه الحكومة، وذكر هاشم عن محمد عن

١٩٤
ج - ١٨
باب دية حلمة الثدى
٥٩٠٤- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: فى حلمة
تدى المرأة نصف الدية، وفى حلمتين الدية، قال محمد: وبه تأخذ، وفى حلمتى الرجل
حكومة عدل، وهذا كله قول أبى حنيفة (كتاب الآثار).
أبى حنيفة: لا يجب شىء إن كان حرا، وإن كان مملوكا ففيه الحكومة، وهذه الرواية لا تكاد تصح
عنه؛ لأن الحر أولى بإيجاب الأرش من العبد، وقال زفر رحمه الله: فى الصفرة الأرش تاما كما فى
السواد؛ لأن كل ذلك يفوت الجمال، ولنا أن الصفرة لا توجب فوات المنفعة، وإنما توجب
نقصانبها، فتوجب حكومة العدل، وروى عن أبى يوسف: أنه إن كثرت الصفرة حتى تكون عيبا
كعيب الحمرة والخضرة ففيها عقلها تاما، ويجب أن يكون هذا قولهم جميعا، كذا فى "البدائع" و
البناية (٣١٥:٧ و٥٠٣:٤)، ظ.
باب دية حلمة الثدى
قوله: "قال محمد" إلخ: قلت: قد روى الدار قطنى من طريق عبد الرزاق، عن محمد بن
راشد عن مكحول عن قبيصة بن ذويب عن زيد بن ثابت أنه قال: فى حلمة الثدى المرأة ربع الدية.
ولعل وجهه أنه قسم الثدى على قسمين: فقسم نصف الدية الذى هو دية الثدى عليهما ووجه ما
قال إبراهيم: إن الحلمة هى المقصودة فى الثدى؛ لأن منفعة الثدى لا تحصل إلا بها؛ فصارت
كالحشفة فى الذكر، فيكون ديتها كدية الثدى، كما أن دية الحشفة دية الذكر، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": لا خلاف بين أهل العلم أن فى الشفتين الدية،
وفى كتاب عمرو بن حزم الذى كتبه له رسول الله عَّ ه: ((وفى الشفتين الدية))، قال: وظاهر
المذهب أن فى كل واحدة منهما نصف الدية، وروى هذا عن أبى بكر وعلى رضى الله عنهما،
وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وفى رواية عن أحمد: أن فى العليا ثلث الدية، وفى السفلى الثلثين؛ لأن
هذا يروى عن زيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب، والزهرى، ولأن المنفعة بها أكثر وأعظم؛
لأنها التى تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام، والعليا ساكنة لا حركة فيها، ولنا قول أبى بكر
وعلى رضى الله عنهما، ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية وجب فى أحدهما نصفها كسائر
الأعضاء (٦٠٣:٩).
قال: وفى قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية، وفى شعر اللحية الدية إذا لم تنبت، وفى

١٩٥
إعلاء السنن
باب دیة الید
٥٩٠٥ فى كتاب النبى عَ ◌ّ لعمرو بن حزم: ((فى اليد الواحدة نصف الدية)).
وقد رويناه فى باب دية اللسان والأسنان مطولا، ويشترط أن تكون صحيحة، وأما
الشلاء ففيتها حكومة عدل.
الحاجبين الدية إذا لم تنبت، هذه الشعور الثلاثة فى كل واحد منها دية، وذكر أصحابنا معها شعرا
رابعًا، وهو أهداب العينين، وقد ذكرناه قبل هذا، ففى كل واحد منها دية، وهذا قول أبى حنيفة،
والثورى. وممن أوجب فى الحاجبين الدية سعيد بن المسيب، وشريح، والحسن، وقتادة. وروى عن
على وزيد بن ثابت، أنهما قالا: فى الشعر الدية. وقال مالك، والشافعى: فيه حكومة، واختاره ابن
المنذر؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة؛ فلم تجب فيه الدية كاليد الشلاء والعين القائمة.
ولنا أنه أذهب الجمال على الكمال؛ فوجب فيه دية كاملة، كأذن الأصم، وأنف الأخشم،
وما ذكروه ممنوع؛ فإن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه، وهدب العين يرد عنها ويصونها،
فجرى مجرى أجفانها، ويفارق اليد الشلاء؛ فإنه ليس جمالها كاملا اهـ (٥٩٧:٩).
قال: وأما ثديا المرأة ففيهما ديتهما، (كاملة) لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا، وفى الواحد
منهما نصف الدية. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن فى ثدى المرأة
نصف الدية، وفى الثديين الدية، وممن حفظنا ذلك عنه الحسن والشعبى والزهرى ومكحول وقتادة،
ومالك والثورى والشافعى وأصحاب الرأى، ولأن فيهما جمالا ومنفعة، وفى أحدهما نصف
الدية؛ لأن كل عضوين وجبت الدية فيهما وجب فى أحدهما نصفها، كاليدين، وفى قطع حلمتى
الثديين ديتهما، نص عليه أحمد رحمه الله، وروى نحو هذا عن الشعبى والنخعى والشافعى، (وهو
قول أبى حنيفة وأصحابه) وقال مالك، والثورى: إن ذهب اللبن وجبت ديتهما وإلا وجبت
حكومة بقدر شيئه، ونحوه قال قتادة.
ولنا أنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه، فوجبت ديتهما كالأصابع مع الگف،
والحشفة مع الذكر، وبيان ذهاب المنفعة أن بهما يشرب الصبى ويرتضع، فهما كالأصابع مع
الكف، وإن قطع الثديين كلهما فليس فيهما دية، كما لو قطع الذكر كله اهـ ملخصًا (٦٢٤:٩).
وروى ابن حزم من طريق وكيع: نا منهال بن خليفة العجلى، عن أبى عبد الله سلمة ابن تمام
الشقرى، قال: مر رجل بقدر، فوقعت منه على رأس رجل، فأحرقت شعره، فرفع إلى على بن أبى
طالب، فأجله سنة فلم ينبت، فقضى على عليه فيه بالدية. ومن طريق سعيد بن منصور: نا

١٩٦
ج - ١٨
باب دية الصلب
٥٩٠٦- فى كتاب النبى عدّ لعمرو بن حزم: ((فى الصلب الدية))، وقد رويناه
فى باب دية اللسان مطولا.
أبو معاوية - هو الضرير - نا حجاج، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، قال: فى الشعر الدية إذا لم
تنبت. وهو قول الشعبى، وقال سفيان الثورى، وأبو حنيفة، والحسن بن حى، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق بن راهويه: فى شعر الرأس إذا لم ينبت الدية، وفى شعر اللحية إذ لم ينبت الدية. وأما
المالكيون والشافعيون فليس عندهم فى ذلك إلا حكومة، وهذا مما نقضوا فيه أصولهم فى تشنيعهم
خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف، وقد جاء ههنا عن على بن أبى طالب وزيد بن ثابت
ما لا يعرف له عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين مخالف (المحلى ٤٣٣:١٠). وروى أيضا من
طريق حماد بن سلمة: أنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، إن شريحا قال: فى الحاجبين،
والشفتين، واليدين، والرجلين، نصف الدية، يعنى فى كل واحد منهما، وفى كل فرد من أفراد
الإنسان الدية، وهو قول الحسن، وقتادة، وعن سعيد بن المسيب قال: فى الحاجبين إذا استوعبا
الدية، وفى أحدهما نصف الدية، وقال الشعبى: "فى الحاجبين الدية" اهـ (٤٣٠:١٠).
قلت: وهو مقتضى ما روى عن على وزيد بن ثابت فى الشعر، فما روى ابن حزم عن
عمرو بن شعيب عن أبى بكر الصديق معضلًا: أنه قضى فى الحاجب إذا أصيب شعره موضحتين
عشرا من الإبل. وما روى عن زيد بن ثابت بلا سند: إن فى الحاجب الواحد ثلث الدية. وما روى
عن عبد الكريم معضلا: أنه بلغه عن أصحاب النبى معَّر: فى الحاجب يتحصص شعره أن فيه
الربع. لا يقاوم ما رويناه عن على وزيد بن ثابت بالإسناد، وهو محمول عندنا على ما إذا نبت
الحاجب وفيه شين وعيب، ففيه الحكم، وما روى عن على وزيد فى الشعر محمول على ما إذا لم
ینبت أصلا، والله تعالى أعلم.
١
وقال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على وجوب الدية فى اليدين، ووجوب نصفها
فى إحداهما، واليد التى تجب فيه الدية من الكوع؛ لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها؛ فإن
قطع يده من فوق الكوع فليس عليه إلا دية اليد، وهذا قول عطاء، وقتادة، والنخعى، وابن أبى
ليلى، ومالك، وهو قول بعض أصحاب الشافعى، وظاهر مذهبه عند أصحابه أنه يجب مع دية اليد
حكومة لما زاد؛ لأن اسم اليد لها إلى الكوع، ولنا أن اسم اليد للجميع إلى المنكب، بدليل قوله
تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾، ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة إلى المناكب، وقال ثعلب: اليد

١٩٧
دية الصلب
إعلاء السنن
إلى المنكب، وفى عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا، فإذا قطعها من فوق الكوع فما قطع إلا
يدا، فلا يلزمه أكثر من دية. وقولهم: إن الدية تجب فى قطعها من الكوع، قلنا: وكذلك تجب بقطع
الأصابع منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب فى قطع الأصابع، والذ کر یجب فى
قطعه من أصله مثل ما يجب بقطع حشفته، فأما إذا قطع اليد من الكوع، ثم قطعها من المرفق،
وجب فى المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول، فوجبت بالثانى حكومة،
كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف، أو قطع حشفة الذكر، ثم قطع بقيته، أو كما لو فعل ذلك
اثنان اهـ (٦٢١:٩).
قلت: مذهب أصحابنا الحنفية فى ذلك كظاهر مذهب الشافعی؛ لأن الید فى باب الجنايات
هو الكف إلى الكوع، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وكان
الواجب قطعهما من الكوع، ولأن الأصابع أصل فى دية اليد والرجل، وإنما يجب الدية فى قطع
الكف، والقدم لفوات منفعة الأصابع، والأصابع إنما هى فى الكف والقدم، والكف إلى الكوع لا
إلى ما فوقه، وكذلك القدم إلى الكعبين، قال فى الهندية: وفى اليد إذا قطعت من نصف الساعد
دية اليد وحكومة عدل فيما بين الكف إلى الساعد وهذا قول أبى حنيفة كذا فى المبسوط(١٨:٧).
قال الموفق: وفى الصلب الدية إذا كسر فلم ينجبر؛ لما روى فى كتاب النبى عدّ ◌ُّه لعمرو بن
حزم: ((وفى الصلب الدية))، وعن سعيد(١) بن المسيب أنه قال: مضت السنة أن فى الصلب الدية،
وهذا ينصرف إلى سنة النبى معَّهِ، وممن قال بذلك زيد بن ثابت، وعطاء، والحسن، والزهرى،
ومالك، (وأبو حنيفة وأصحابه) وقال القاضى، وأصحاب الشافعى: ليس فى كسر الصلب دية إلا
أن يذهب مشيه أو جماعه، فتجب الدية لتلك المنفعة؛ لأنه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه
دية كاملة كسائر الأعضاء.
ولنا الخبر، ولأنه عضو ليس فى البدن مثله، فیه جمال ومنفعة، فوجبت الدیة فیه بمفرده، وإن
ذهب مشيه بكسر صلبه ففيه الدية فى قول الجميع، ولا يجب أكثر من دية؛ لأنها منفعة تلزم كسر
الصلب غالبا، فأشبه ما لو قطع رجليه، وإن لم يذهب مشيه لكن ذهب جماعه ففيه الدية أيضا،
روى ذلك عن على رضى الله عنه؛ لأنه نفع مقصود فأشبه ذهاب مشيه، وإن ذهب جماعه ومشيه
(١) أخرجه البيهقى من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهرى عنه، ثم أخرج من طريق المحاربى عن أشعث عن الزهرى قال: بلغنا
عن النبى معَّ أنه قال: ((فى الصلب مائة من الإبل)) (٩٥:٨).

١٩٨
دية الصلب
ج - ١٨
وجبت ديتان فى ظاهر كلام أحمد؛ لأنهما منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة منهما منفردة،
فإذا اجتمعتا وجبت ديتان كالسمع والبصر اهـ ملخصا (٦٢٦:٩).
وفى "الدر": وتجب دية كاملة فى كل عضو ذهب نفعه بضرب ضارب كيد شلت، وعين
ذهب ضوءها، وصلب انقطع ماءه، وكذا لو سلس بوله أو أحد به، (لأن فيه تفويت منفعة الجمال
على الكمال؛ لأن جمال الآدمى فى كونه منتصب القامة ١٢ ش)، ولو زالت الحدوبة فلا شىء
عليه (عندهِ، بل يعزر ويؤدب، وعندهما عليه ضمان الألم، وهو أجرة الطبيب ونحوها ١٢ ظ)،
ولو بقى أثر الضربة فحكومة عدل اهـ (٥٧٠:٥).
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهد، قال: فى الصلب إذا كسر فذهب ماءه الدية كاملة، فإن لم يذهب (الماء فنصف الدیة،
قضى بذلك رسول الله عَ ليه
قلت: نصف الدية كان على وجه الحكومة؛ لبقاء أثر الضربة من غير إحداب، والله أعلم)
وعن الزهرى قال: فى الصلب إذا كسر الدية كاملة. (أى إذا كسر ولم ينجبر، وصار المكسور
أحدب أو منقطع الماء) وعن عطاء مثل ذلك، وعن سعيد بن جبير مثل ذلك، وهو قول الحسن
البصرى، ويزيد بن قسيط، وبه يقول الثورى، والشافعى إذا منعه المشى، وبه يقول أحمد وإسحاق
إذا لم يولد له اهـ (٤٥١:١٠)، قلت: قد مر قول أحمد مفصلا، فتذكر.
ولا يرد علينا ما رواه: من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال:
قضى أبو بكر فى صلب الرجل إذا كسر، ثم جبر بالدية كاملة إذا كان لا يحمل له، وبنصف الدية
إن كان يحمل له، (فإن نصف الدية كان على وجه الحكومة؛ لبقاء أثر الضربة من غير إحداب)
وهو حجة على الموفق حيث أوجب الدية كاملة فى كسر الصلب مطلقا، سواء ذهب مشيه أو
جماعه أو لم يذهب شىء، وعلى أصحاب الشافعى حيث لم يوجبوا شيئا إلا بذهاب واحد منهما،
وأما ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى محمد بن الحارث بن سفيان، أن محمد بن عبد
الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة قال: حضرت عبد الله بن الزبير، قضى فى الرجل كسر صلبه
فاحدودب هو، ولم يقعده وهو يمشى محدودبا، بثلثى الدية. فمحمول على حدوبة يسيرة لا تزيل
الجمال على وجه الكمال، وفيه حكومة عندنا، فرأى عبد الله بن الزبير فيه الثلثين، وهو محمل ما
رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن الشعبى عن زيد بن ثابت مفصلا كما فى المحلى (٤٥١:١٠).

١٩٩
إعلاء السننْ
باب الدية فى الذكر
٥٩٠٧- فى كتاب النبى عٍَّ لعمرو بن حزم: ((وفى الذكر الدية، وفى البيضتين
الدية))، وقد ذكرناه فى باب دية اللسان.
٥٩٠٨- وأخرج البيهقى عن ابن المسيب أنه قال: مضت السنة فى العقل بأن فى
الذكر الدية، وفى الأنثيين الدية (زيلعى).
باب الدیة فی الذکر
قوله: "فى كتاب النبى معَّه" إلخ: قلت: الرجل من آل عمر الظاهر أنه أبو بكر عبيد الله بن
عمر؛ لأنه روى البزار عن ابن أبى ليلى، عن عكرمة بن خالد، عن أبى بكر بن عبيد الله بن عمر،
عن أبيه، عن عمر، عن النبى عّ لّه حديثا فى الديات، كما رويناه فى باب الديات، فالظاهر أن هذاء
الرجل هو أبو بكر، وقد رواه عن أبيه عن جده، فاختصر عكرمة السند، وأرسل وأبهم، والله أعلم.
قلت: قوله "فى الذكر الدية": وإن كان مطلقا فى الصورة إلا أنه مقيد فى المعنى بكونه تام
النفعة فى الجال تحقيقا، كذكر الصحيح البالغ، أو تقديرا كذكر المريض؛ لأنه وإن لم يكن تام
المنفعة فى الحال إلا أنه تام المنفعة بعد زوال المرض، أو بكونه تام المنفعة فى المآل كذكر الصبى؛ لأنه
تام النفعة بعد البلوغ، وأما ذكر العنين والخصى، والشيخ الكبير الذى قد ذهب ماءه، وانقطع لعلة
الكبر لا لمرض عارض، ففيه حكومة عدل، كما فى "البحر الرائق"؛ لأنه ناقص المنفعة، والدية
الكاملة إنما تجب إذا كانت الجناية على عضو تام المنفعة، ولذا لا تجب الدية الكاملة فى قطع اليد
الشلاء، والرجل العرجاء، وقلع السن السوداء، وفقا العين الذاهبة البصيرة، بل تجب فيها حكومة
عدل، كما فى "رد المحتار" وغيره.
فاندفع ما قال الشافعى: إنه ليس فى الحديث ذكر غير الخصى، بل هو مطلق شامل للخصى
وغيره؛ لأن(١) قوله: ((فى الذكر الدية)) كقوله: ((فى اليد نصف الدية، والرجل نصف الدية، والعين
نصف الدية، والسن خمس إبل))، وغير ذلك فى إطلاق اللفظ، وتقييد المعنى.
وأما الأنثيان ففيهما الدية، سواء كان الذكر موجودا أو مقطوعا؛ لأن منفعة الأنثيين أعنى
إنضاج المنى وإعدادها لا تنتقص بانقطاع الذكر، بخلاف الذكر فإن منفعته متنقص بقطع الأنثيين؛
لأن من منافعه الجماع والإحبال، إلى إيصال المنى إلى الرحم، فإن شل الذكر بقطع الخصيتين ذهب
(١) متعلق بقوله: فاندفع ١٢ ظ.

٢٠٠
الدية فى الذكر
ج - ١٨
٥٩٠٩- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن
الزهرى: أن النبى عَّ قضى فى الذكر الدية مائة من الإبل إذا استوصل أو قطعت
حشفته.
٥٩١٠- وقال: حدثنا و کیع، ثنا ابن أبی لیلی، عن عكرمة بن خالد، عن رجل
من آل عمر، عن النبى عَّ هله، قال: ((فى الذكر الدية)) (زيلعى).
منفعة الجماع والإحبال، وإن لم تشل فمنفعة الجماع وإن كانت باقية إلا أنه فات منفعة الإحبال،
فاندفع ما قال الشافعى فى "الأم": ومن أعجب قول أبى حنيفة أنه زعم أنه إن قطع الذكر أولا ثم
قطعت الأنثييان ففى الذكر الدية، وفى الأنثيين الدية، وإن قطع الأنثبيان قبل ثم قطع الذكر، ففى
الأنثيين الدية، وفى الذكر حكومة عدل اهـ؛ لأن وجه قول أبى حنيفة: إنه إذا قطع الذكر أولا، ثم
قطع الأنثيين، فقد جنى على عضوين تامى المنفعة؛ فيكمل الدية بكليهما، وإذا قطع أولا الأنثيين،
ثم قطع الذكر، فقد جنى على الأنثيين، وهما تاما المنفعة، وجنى على الذكر، وقد انتقصت منفعته
بانقطاع الخصيتين بزوال منفعة الجماع أو الإحبال.
والشافعى جعل منفعة الذكر هو الجماع، ولم يجعل الإحبال منفعته؛ لأنه يتعلق بالمنى، ولذا
فرق بين ذكر الخصى والأشل، وقال: الواجب فى ذكر الخصى الدية كاملة؛ لأنه قادر على
الجماع، والواجب فى الذكر الأشل حكومة عدل؛ لأنه فائت منفعة الجماع.
والجواب عنه أن الحبل وإن كان متعلقا بالمنى إلا أن الإحبال وإيصال المنى إلى الرحم من
منافع الذكر، وهو فائت فى ذكر الخصى، فاعرف ذلك، والله أعلم.
والعجب من الشافعى أنه يقول فى "الأم": فى ذكر الخصى الدية، وكذلك ذكر الرجل
يقطع أنثياه ويبقى ذكره تاما كما هو، فإن قال قائل: ما الحجة؟ قيل: أرأيت الذكر إذا كانت فيه دية
الخبر لازم هى؟ فإن قال: نعم، قيل: ففى الخبر اللازم أنه ذكر غير خصى، فإن قال: لا، قيل: فلم
خالفتم الخبر، فإن قال: لأنه لا يحبل، قيل: أفرأيت الصبى يقطع ذكرا، والشيخ الذى قد انقطع عنه
أمر النساء أو المخلوق خلقا ضعيفا لا يتحرك؟ فإن زعم أن فى هذه الدية، فقد جعلوا فيما لا يحبل
ولا يجامع به، وذكر الخصى يجامع به أشد ما كان الجماع قط، ولا أعلم فى الذكر نفسه منفعة إلا
مجرى البول والجماع وهما قائمان، وجماعه أشد من جماع غير الخصى، فأما الولد فشىء ليس
من الذكر، إنما هو بمنى يخرج من الصلب اهـ (كتاب الأم ٢٨٦:٧) مع أن كل ما أورده على
مخالفه يرد عليه نفسه، لأنه يقال له: إنك تقول: إنه لا دية فى الذكر الأشل، مع أنه ليس فى