النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ج - ١٨ تقدير الديات من غير الإبل وزن العشرة منها سبعة مثاقيل، القولان، ترجع إلى شىء واحد اهـ (٤٧١)، ومن أراد البسط فى تحقيق أمر النقود، فليراجعه. وأخرج البيهقى فى "سننه" من طريق الشافعى، قال: قال محمد بن الحسن: بلغنا عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه أنه فرض على أهل الذهب ألف دينار فى الدية، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم حدثنا بذلك أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبى عن عمر رضى الله عنه وقال أهل المدينة: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فرض الدية على أهل الورق اثنى عشر ألف درهم: قال محمد: قد صدق أهل المدينة، ولكنه فرضها اثنى عشر ألف درهم وزن ستة. قال محمد: أخبرنا الثورى، عن مغيرة الضبى، عن إبراهيم، قال: كانت الدية الإبل، فجعلت الإبل الصغير والكبير كل بعير مائة وعشرين درهما وزن ستة، فذلك عشرة آلاف درهم (بوزن سبعة، واثنا عشر ألفا بوزن ستة). قال: وقيل لشريك بن عبد الله: إن رجلا من المسلمين عانق رجلا من العدو فضربه، فأصاب رجلا من المسلمين، فقال شريك: قال ابن إسحاق: عانق رجل منا رجلا من العدو فضربه، فأصاب رجلا منا، فسلت وجهه، حتى وقع على حاجبه وأنفه ولحيته وصدره، فقضى فيه عثمان بن عفان رضى الله عنه بالدية اثنى عشر ألفا، وكانت الدراهم يومئذ وزن ستة. قال الشافعى: فقلت لمحمد بن الحسن: أفتقول: إن الدية اثنا عشر ألف درهم وزن ستة، فقال: لا، فقلت: فمن أين زعمت أنك عن عمر قبلتها؟ وأن عمر قضى فيها بشىء لا تقضى به اهـ (٨٠:٨). قلت: إنما قال محمد: لا، لأن الدراهم كانت قد طبعت(١) فى الإسلام وزن سبعة، وهو الذى اعتبره الشرع فى نصاب الزكاة ونحوه، فلا وجه للقضاء بوزن الستة بعد ما طبعت الدراهم على ما اعتبره الشرع من وزنها، وإنما قضى عمر وعثمان بوزن الستة؛ لأن الدراهم لم تطبع حينئذ على نقش الإسلام، وإنما كانت تجىء من الروم والفارس، فلعلها لم تجئ مرة إلا على وزن الستة، فقضيا بالدية اثنى عشر ألف درهم، وكذلك نقضى بها لو انعدمت دراهم الإسلام. (١) قال أبو عبيد فى "الأموال": سمعت شيخا من أهل العلم بأمر الناس كان معينا بهذا الشأن، يذكر قصة الدراهم وسبب ضربها فى الإسلام، وقال: إن الدراهم التى كانت نقد الناس على وجه الدهر لم يزل نوعين: هذه السواد الوافية، وهذه الطبرية العتق، فجاء الإسلام وهى كذلك، فلما كانت بنو أمية وأرادوا ضرب الدراهم نظروا فى العواقب، فقالوا: إن هذه تبقى مع الدهر، وقد جاء قرض الزكاة أن فى كل مأتين أو فى كل خمس أواقى خمسة دراهم، والأوقية أربعون؛ فأشفقوا إن جعلوها كلها، على مثال السود ثم فشافشوا بعد لا يعرفون غيرها إن يحملوا معنى الزكاة على أنها لا تجب حتى تبلغ تلك السود العظام مأتين ١٦٢ تقدیر الدیات من غير الإبل إعلاء السنن وأيضا فقد اعترف البيهقى بأن الرواية فيه عن عمر رضى الله عنه منقطعة، وكذلك عن عثمان رضى الله عنه، والذى أودعناه فى المتن أول الباب موصول عن عمر؛ فإن أبا حنيفة رواه عن الهيثم، عن الشعبى، عن عبيدة السلمانى، عن عمر، وفيه أنه قال: على أهل الورق من الدية عشرة آلاف درهم، وهذا سند صحيح موصول، وروى وكيع، عن ابن أبى ليلى، عن الشعبى، عن عبيدة السلمانى، قال: وضع عمر بن الخطاب على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم. وفى "المحلى": روينا من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: فى الدية عشرة آلاف درهم، قال ابن المنذر: هو قول أبى حنيفة وأصحابه، والثورى، وأبى ثور. وفى "التجريد" للقدورى: لا خلاف فى أن الدية ألف دينار، وكل دينار عشرة دراهم، ولهذا جعل نصاب الذهب عشرين دينارا، ونصاب الورق مائتى درهم (الجوهر النقى ٨٠:٨)، وهذا مما لا خلاف فيه. فلو سلمنا أن عمر وعثمان قضيا فى الدية اثنى عشر ألفا بوزن السبعة، لكان ما رويناه عنه أولى بالأخذ؛ لكونه موصولا سندا؛ ولكونه أقل، وإذا اختلفت الروايات بالزيادة والنقصان فالأخذ عددا، فيكون فى هذا نجس للزكاة، وإن جعلوها كلها على مثال الطبرية فيكون فيها اشتطاطا على رب المال، فأرادوا منزلة بينهما يكون فيها كمال الزكاة من غير إضرار بالناس، وأن يكون مع هذا موافقا لما وقت رسول الله عَّه فى الزكاة، وإنما كانوا قبل ذلك يزكونها شطرين من الكبار والصغار، فنظروا إلى درهم واف فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى درهم من الصغار فكان أربعة دوانيق، فحملوا زيادة الأكبر على نقص الأصغر، فجعلوهما درهمين متساويين، كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال فى آباد الدهر مؤقتا محدودا، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التى واحدها ستة دوانيق وزان سبعة مثاقيل سواء، فاجتمعت فيه وجوه ثلاثة: أنه وزن سبعة، وأنه عدل بين الصغار والكبار، وأنه موافق لسنة رسول الله عَ ظُلِّه فى الصدقة، لا وكس فيه، ولا شطط، فمضت سنة الدراهم على هذا، واجتمعت عليه الأمة، فالناس فى زكاتهم بحمد الله ونعمته على الأصل الذى هو السنة والهدى لم يزيغوا عنه، كذلك الديات على أهل الورق. قال أبو عبيد: وكانت الدراهم قبل هذا وزن ستة، بذلك جاء ذكرها فى بعض الحديث ثم روى من طريق الإصبغ بن نباتة عن على: أنه تزوج فاطمة على أربعمائة وثمانين درهما وزن ستة. قال: فلم تزل عليها حتى نقلت إلى السبعة اهـ ملخصا (٥٢٥). وروى البلاذرى فى "الفتوح": من طريق عبد الله بن موهب، عن أبيه، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير: فلما ولى عبد الملك بن مروان سأل وفحص عن أمر الدراهم والدنانير، فكتب إلى الحجاج بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطا من قراريط الدينار، وضرب هو الدنانير الدمشقية، قال عثمان: قال أبى: فقدمت علينا المدينة، وبها نفر من أصحاب رسول الله ێ، وغيرهم من التابعين، فلم ينكروا ذلك اهـ (٤٧٢) ١٢ ظ. ١٦٣ تقدير الديات من غير الإبل إعلاء السنن بالأقل المتيقن به أولى وألزم؛ ولكونه أوفق بما اعتبره الشارع فى نصاب الزكاة، حيث جعل الدينار بعشرة دراهم، ومقتضاه أن يكون الدية التى أجمعنا على كونها ألف دينار من الذهب عشرة آلاف درهم من الورق. قال ابن حزم: وأما المالكيون فقد تناقضوا، إذ قد رووا دينار الدية، ودينار القطع فى السرقة، ودينار الصداق برأيهم باثنى عشر درهما، وقد رووا دينار الزكاة بعشرة دراهم، وهذا تلاعب لا خفاء به (المحلى ٣٩٧:١٠). وأما قول البيهقى: وحديث عمرو بن شعيب قد رويناه موصولا عن أبيه، عن جده، عن عمر رضى الله عنه، ومعه حديث ابن عباس رضى الله عنه (٨: ٨٠)، ففيه أن حديث عمرو بن شعیب فى هذا الباب مضطرب جدا، فروی البيهقى من طریق مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عنه، قال: كان النبى معَّه يقيم الإبل، فإذا غلت رفع فى قيمتها، وإذا هانت نقص من ثمنها على أهل القرى الثمن ما كان، ورواه من طريق محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كذلك، وزاد: وبلغت على عهد رسول الله عَّه ما بين أربعمائة إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق ثمانية آلاف درهم (٧٧:٨)، ومفاده أنها كانت ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، وروى أبو داود من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((كانت قيمة الدية على عهد رسول الله عَ ليه ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم)) الحديث (٣٠٨:٤)، ولا يخفى ما بينهما من التخالف والاختلاف. وأما حديث ابن عباس ففیه محمد بن مسلم الطائفی، ضعفه ابن حنبل، وقد رواه ابن عيينة عن عمرو، عن عكرمة عنه عليه السلام، لم يذكر ابن عباس، كذا قال أبو داود، وقال ابن معين: ابن عيينة أثبت فى عمرو بن دينار من الطائفى، وأوثق منه، ولهذا قال عبد الحق: المرسل أحق من المسند، ثم ذکره البيهقى من طریق محمد بن میمون، عن ابن عیینة بسنده بذ کر ابن عباس، قلت: أخرجه النسائي عن ابن ميمون بسنده عن عكرمة، سمعناه مرة يقول عن ابن عباس: إنه علیه السلام قضى باثنى عشر ألفا يعنى فى الدية، ثم قال النسائى: ابن ميمون ليس بالقوى، والصواب مرسل، وقال ابن حزم: قوله: يعنى "فى الدية" ليس من كلامه عليه السلام، ولا فى الخبر بيان أنه من قول ابن عباس، وقد يقضى عليه السلام بذلك فى دين أو دية بالتراضى، ورواه مشاهير أصحاب ابن عيينة لم يذكروا فيه ابن عباس كما رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن عيينة، فذكره عن عكرمة مرسلا، وأخرجه الترمذى من طريق ابن عيينة بسنده، ولم يذكر ابن عباس، ثم قال: لا ١٦٤ تقدیر الدیات من غير الإبل ج - ١٨ نعلم أحدا يذكر فى هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم (الجوهر النقى ٧٩:٨). وقال الجصاص فى "الأحكام" له: الدية قيمة النفس، وقد اتفق الجميع على أن لها مقدارا معلوما، لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، وأنها غير موكولة إلى اجتهاد الرأى، كقيم المتلفات ومهور المثل ونحوهما، وقد اتفق الجميع على إثبات عشرة آلاف، واختلفوا فيما زاد، فلم يجز إثباته إلا بتوقيف، وقد روى هشيم، عن يونس، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب قوم الإبل فى الدية مأة من الإبل، قوم كل بعير بمأة وعشرين درهما، اثنى عشر ألف درهم، وقد روى عنه فى الدية عشرة آلاف (رواه عبيدة السلمانى عنه، كما مر فى المتن)، وجائز أن يكون من روى اثنى عشر ألفا على أنها وزن ستة، فتكون عشرة آلاف وزن سبعة، وذكر الحسن فى هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق قيمة الإبل، لا أنه أصل فى الدية، وفى غير هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق، وروى عكرمة عن أبى هريرة فى الدية عشرة آلاف درهم. فإن احتج محتج بما روى محمد بن مسلم الطائفى، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبى معَِّ قال: ((الدية اثنا عشر ألفا))، وبما روى ابن أبى نجيح عن أبيه: أن عمر قضى فى .. الدية باثنى عشر ألفا، وروى نافع بن جبير عن ابن عباس مثله، والشعبى عن الحارث عن على مثله، قيل له: أما حديث عكرمة، فإنه يرويه ابن عيينة وغيره، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة مرسلا، لم يذكر فيه ابن عباس، ويقال: إن محمد بن مسلم غلط فى وصله، وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك احتمل أن يريد بها اثنى عشر ألف درهم وزن ستة، وإذا احتمل ذلك لم يجز إثبات الزيادة بالاحتمال، ويثبت عشرة آلاف بالاتفاق، وأيضا: قد اتفق الجميع على أنها من الذهب ألف دينار، وقد جعل فى الشرع كل عشرة دراهم قيمة لدينار، ألا ترى أن الزكاة فى عشرين مثقالا، وفى مائتى درهم، فجعلت مائتا الدرهم نصابا بإزاء العشرين دينارا، كذلك ينبغى أن يجعل بإزاء كل دينار من الدية عشرة دراهم. قال الجصاص: وقال أبو حنيفة: الدية من الإبل، والدراهم، والدنانير، فمن الدراهم عشرة آلاف درهم، ومن الدنانير ألف دينار، وأبو حنيفة لا يرى الدية إلا من الإبل والورق، والذهب، وقال مالك والشافعى: من الورق اثنا عشر ألفا، ومن الذهب ألف. وقال أبو يوسف ومحمد: الدية من الورق عشرة آلاف، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل البقر مائتا بقر، وعلى أهل الشاة ألفا شاة، وعلى أهل الحلل ١٦٥ إعلاء السنن باب دية أهل الذمة ٥٨٨٣- حدثنا أبو يوسف الصيدلانى، حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، قال: سألت الزهرى، قلت: حدثنى عن دية الذمى كم كانت على عهد رسول مائتا حلة يمانية، ولا يؤخذ من الغنم والبقر فى الدية إلا الثنى فصاعدا، ولا تؤخذ من الحلل إلا اليمانية، قيمة كل حلة خمسون درهما فصاعدا. قال: وإنما لم يجعل أبو حنيفة الدية من غير الأصناف الثلاثة من قبل أن الدية لما كانت قيمة النفس كان القياس أن لا تكون إلا من الدراهم والدنانير، كقيم سائر المتلفات، إلا أنه لما جعل النبى ◌ّ لّه قيمتها من الإبل تبع الأثر فيها، ولم يوجبها من غيرها، والله أعلم اهـ ملخصا بتقديم وتأخير (٢٣٨:٢). لأن التقدير بالإبل عرفناها بآثار مشهورة عدمناها فى غيرها: قاله صاحب "الهداية"، ولا يخفى صحته على من له إلمام بمعرفة الأحاديث، وأيضا فتقييد البقر والغنم فى الدية بالثنى فصاعدا، والحلل بكونه يمانية قيمة كل حلة خمسون درهما، لا أثر فى شىء من الآثار التى ذكرها أبو يوسف ومحمد وغيرهما من المحدثين، ولا يجوز تقدير الدية أو تقييدها بالرأى؛ فلا جل ذلك لم يقل أبو حنيفة بما قالاه، وأما قول أبى يوسف فى "الخراج": هذا قول من أدركت من علمائنا بالعراق، فراجع إلى كون الدية عشرة آلاف درهم من الورق، بدليل ما فى سياقه: فأما أهل المدينة فإنهم يجعلونها من الورق اثنى عشر ألفا اهـ، وإرجاعه إلى كل ما ذكره فيما مضى، كما فعله بعض الأحباب، بعيد من الصواب، والله تعالى أعلم ١٢ظ. باب دية أهل الذمة قوله: "حدثنا أبو یوسف" إلخ: قلت: الزهری لم یذ کر له سندا ولکنه صحح الحدیث، وهو إمام حجة؛ فلا يكون أقل من بلاغات مالك، وتعليقات البخاری، وليس هذا من مراسيل الزهرى التى يرويها من غير تصحيح، فاعرف ذلك، ولا تقل أنه من مراسيل الزهرى، ومرسله ليس بحجة؛ لأن هذا فى المرسل الذى يرويه من غير تصحيح، وأما ما يصححه فقد عرفت أن تصحيحه ليس بأدون من تصحيح البخارى ومالك للتعليقات والبلاغات، ولم يتنبه الشافعى لهذه الدقيقة؛ فرده . لكونه مرسلا، کما نقل عنه الزیلعی من رواية البيهقى. وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى، قال: كان دية اليهودى والنصرانى فى زمن النبى مَِّ مثل دية المسلم، وأبى بكر وعمر وعثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل القتيل النصف، ١٦٦ دية أهل الذمة ج - ١٨ الله عَ لّهِ؟ قد اختلف علينا فيها، فقال: ما بقى أحد بين المشرق والمغرب أعلم بذلك منى، كانت على عهد رسول الله عَ لّله ألف دينار، وأبى بكر وعمر وعثمان، حتى كان وألقى النصف فى بيت المال، ثم قضى عمر بن عبد العزيز فى النصف، وألغى ما كان جعل معاوية، قال الزهرى: ولم يقض لى أن أذاكر عمر بن عبد العزيز فأخبره أن الدية كانت تامة لأهل الذمة، قلت للزهرى: بلغنى أن ابن المسيب قال: ديته أربعة آلاف. فقال: إن خير الأمور ما عرض على كتاب الله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾، أخرجه الزيلعى فى "نصب الراية"، وهذا يدل على كمال وثوق الزهرى بالرواية. وأخرج أبو داود فى "المراسيل" عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله عّ ◌ُله: ((دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار))، رواه الزيلعى، ومراسيل ابن المسيب صحاح عند المحدثين، وقال محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم بن أبى الهيثم، أن النبى مٍَّ وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا: ((دية المعاهد دية الحر المسلم)) كذا فى الزيلعى، وأخرج أبو داود فى "المراسيل" بسند صحيح عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، قال: كان عقل الذمى مثل عقل المسلم فى زمن رسول الله عَ ليه وزمن أبى بكر، وزمن عمر، وزمن عثمان، حتى كان صدر من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كان أهله أصيبوا به فقد أصيب به بيت مال المسلمين. (لفوات الجزية) فجعلوا لبيت المال النصف ولأهله النصف خمسماة دينارٍ، ثم قتل آخر من أهل الذمة، فقال معاوية: لو أنا نظرنا إلى هذا الذى يدخل بيت مال المسلمين فجعلناه وضعا عن المسلمين دعونا لهم، قال: فمن هناك وضع عقلهم إلى خمسمائة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن يعقوب بن عتبة، وإسماعيل بن محمد، وصالح، قالوا: عقل كل معاهد من أهل الكفر كعقل المسلمين، جرت بذلك السنة فى عهد رسول الله عَ ليه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه: أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان فلم يقتله، وجعل عليه ألف دينار. وقال عبد الرزاق: أخبرنا أبو حنيفة، عن الحكم بن عتبة، عن على، قال دية كل ذمى مثل دية المسلم، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، عن ابن مسعود، قال: دية المعاهد مثل دية المسلم، وأخرجه البيهقى أيضا، ثم أخرج البيهقى نحوه عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، وقال: هما منقطعان إلا أنه يعضد كل واحد منهما الآخر، كذا فى " نصب الراية". ١٦٧ دية أهل الذمة إعلاء السنن معاوية أعطى أهل القتيل خمسمائة دينار، ووضع فى بيت المال خمسمائة دينار، رواه ابن أبى عاصم فى " كتاب الديات". قلت: هو مذهب أئمتنا، وقال الشافعى: دية أهل الكتاب ثلث دية المسلم، واحتج له بما روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب: ((أن رسول الله مرّ فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم))، رواه الزيلعى، وقال: هو معضل، وبما رواه عبد الرزاق والشافعى، عن عمر: أنه قضى فى اليهودى والنصرانى أربعة آلاف، وفى المجوسى ثمانمائة، وبما روى الشافعى عن عثمان: أنه قضى فى دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم. وقال مالك وأحمد: دية اليهودى والنصرانى نصف دية المسلم فى الخطأ، ودية المسلم كاملة فى العمد، فحمل ما روينا من الدية الكاملة على العمد، وما روينا من أربعة آلاف على النصف، لما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن دية اليهودى والنصرانى فى عهد النبى عّ لّه كانت نصف دية المسلمين، وكانت الدية يومئذ ثمانية آلاف درهم. ويرد عليه أنه إذا كان كذلك فكيف قضى عمر أربعة آلاف مع كونها ثلثا من دية المسلمين؟ وكيف جاز لعثمان القضاء بأربعة آلاف درهم مع كونها ثلثا من الدية؟ ويرد على الشافعى أنه كيف قضى رسول الله عَّ له بأربعة آلاف؟ وقد كانت الدية ثمانية آلاف درهم؛ لأن أربعة آلاف نصف لثمانية آلاف، وليست بثلث، فلما اختلفت الروايات أخذنا روايات كمال الدية؛ لكونها موافقا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى كما أوجب الدية فى قتل المؤمن، كذلك أوجب فى قتل المعاهد، والظاهر هو المساواة لاتحاد اللفظين. فإن قلت: المرأة داخلة فى الآية، وليست ديتها مساوية للرجل، فكذلك يجوز أن لا يكون دية المعاهد مساوية لدية المسلم. قلنا: إنما قلنا بنقصان دية المرأة للإجماع، وللآثار الواردة فيها من غير معارض، فلو جاءت الآثار كذلك فى المعاهد لقلنا بها، ولكن قد عرفت أن الآثار قد وردت موافقة لظاهر الآية ومخالفة له؛ فيكون القول بما هو موافق للظاهر أولى. والحاصل أن الآية ظاهرة فى مساواة دية المرأة والرجل، كما هى ظاهرة فى مساواة دية المعاهد والمسلم، إلا أنا صرفناها عن الظاهر للآثار والإجماع، وليس كذلك المعاهد؛ لأنه وردت فيه آثار مختلفة، بعضها يوجب صرفها عن الظاهر، وبعضها يوجب إبقاءها عليه؛ فلا يجب صرفها عن الظاهر، ويعمل بالآثار التى يوافق الظاهر لا بالتى يخالفها هذا. ١٦٨ دية أهل الذمة ج - ١٨ ودية المجوسى عندنا كاملة، وعند الشافعى وغيره ثمانمأة درهم، وحجتهم ما روى عن عمر: أنه جعل دية المجوسى ثمانمأة درهم، وحجتنا ظاهر الآية؛ لأنه لم يفصل بين معاهد ومعاهد، والنصوص التى رويناها فى كمال دية المعاهد والذمى. والجواب عن أثر عمر أنه معارض بما روى عنه سابقا أن دية أهل الذمة كانت فى عهده كاملة، وهو موافق لظاهر الكتاب، فيكون هو الراجح. قال العبد الضعيف: روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق عبد الرزاق: نا معمر عن الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الذمة عمدا، فدفع إلى عثمان بن عفان، فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية كدية المسلم، قال الزهرى: وقتل خالد بن المهاجر -هو ابن خالد بن الوليد- رجلا ذميا فى زمن معاوية، فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية ألف دينار. قال ابن حزم: هذا فى غاية الصحة عن عثمان، ولا يصح فى هذا شىء غير هذا عن أحد من الصحابة، إلا ما ذكرنا عن عمر أيضاً من طريق النزال بن سبرة، ومن طريق عبد الرزاق: نا رباح بن عبد الله بن عمر، أخبرنى حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك: أن يهوديا قتل غيلة، فقضى فيه عمر بن الخطاب باثنى عشر ألف درهم (٣٤٩:٨). قلت: وفى كل ذلك رد على من قال: لا قصاص فى قتل الذمى ولا دية، كابن حزم، وعلى من قال: دية الذمى نصف دية المسلم أو ثلثها. وأما أن عمر وعثمان ومعاوية لم يقتلوا المسلم بالذمى، فلعل ذلك لشبهة درأت القصاص، أو لكون رضاء الولى بالدية مرجوا، فقد روينا عن عمر وعثمان أنهما أقادا الذمى من المسلم، كما مر فى الأبواب السالفة فتذكر، وأما أن عمر قضى باثنى عشر ألفا، فقد مر تأويله أيضا، وقول البيهقى فى رواية الزهرى عن سالم عن ابن عمر: إنه غير محفوظ، رد عليه؛ فإن عبد الرزاق أخرجه عن الزهرى من وجهين، وأن ابن حزم قال: هو فى غاية الصحة عن عثمان، فلا أدرى ما معنى قول البيهقى: غير محفوظ؟. ويؤيده ما روى البيهقى نفسه من طريق الشافعى: أنبأ محمد بن الحسن، أنبأ محمد بن يزيد، أنبأ سفيان بن حسين، عن الزهرى: أن ابن شاس الجذامى قتل رجلا من أنباط الشام، فرفع إلى عثمان رضى الله عنه، فأمر بقتله، فكلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله عَ لّ- رضى الله عنهم فنهوه عن قتله، قال: فجعل ديته ألف دينار. قال الشافعى: قلت: هذا حديث من يجهل؛ فدع الاحتجاج به، وإن كان ثابتا فقد زعمت أنه أراد قتله، فمنعه أناس من أصحاب رسول الله عَ ليه فرجع لهم، فهذا عثمان ومن معه مجمعون أن لا يقتل مسلم بكافر، فكيف خالفتهم؟ اهـ. ١٦٩ دية أهل الذمة إعلاء السنن قلت: ابن يزيد هو الكلاعى الواسطى، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن حنبل: كان ثبتا فى الحديث، فلا أدرى من الذى يجهل من هؤلاء؟ (الجوهر النقي ٣٣:٨). وأما قوله: إنه أراد قتله فمنعه أناس من أصحاب رسول الله عَ ليه، فليس فيه ما يدل على المنع، وإنما فيه أنهم كلموه، ومعناه أنهم كلموا أن لا يعجل بالقصاص؛ لما كانوا يرجون من أولياء المقتول أن يرضوا بالدية، وهل هو إلا نظير قوله مّ ◌ُّه فى الربيع بنت النضر حين كسرت ثنية جارية من الأنصار: ((يا أنس، كتاب الله القصاص))، وقول أنس: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فرضى القوم وعفوا. فهل لأحد أن يقول: إن أنس بن النضر منع النبى معَّ ◌ُلّه من القصاص؟ كلا، بل كلمه وتشفع إليه وإلى القوم، كذلك ههنا، فالحديث حجة على الشافعى؛ لأن عثمان ومن معه كلهم مجمعون أن دية الذمى ألف دينار كدية المسلم سواء، فإن قال: هو منقطع بين الزهرى وعثمان. قلنا: مثل هذا المنقطع حجة عند الشافعى، فالمنقطع یقوى عنده بمنقطع مثله، فکیف بمنقطع تقوى بموصول؟. وقال الطحاوى: ثنا إبراهيم بن منقذ، ثنا عبد الله بن يزيد المقرى، عن سعيد بن أبى أيوب، حدثنى يزيد بن أبى حبيب، أن جعفر بن عبد الله بن الحكم أخبره: أن رفاعة بن السمؤل اليهودى قتل بالشام، فجعل عمر ديته ألف دينار. وهذا السند رجاله على شرط مسلم خلا ابن منقذ، وهو ثقة، أخرج له الحاكم فى "المستدرك" وابن حبان فى "صحيحه"، وأخرج أبو داود فى "مراسيله" بسند رجاله ثقات عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله عَ ليه: ((دية كل ذى عهد فى عهده ألف دینار)). وهذا يدل على أن ما رواه البيهقى من طريق الشافعى، عن سفيان بن عيينة، عن صدقة بن يسار، قال: أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن دية المعاهد؟ فقال: قضى فيه عثمان بن عفان رضى الله عنه بأربعة آلاف، قال: فقلنا: من قبله؟ قال: فحسبنا اهـ (٨: ١٠٠) كان قبل أن يبلغه عن رسول الله عَّ ما ذكره، فيبعد كل البعد أن يكون عنده حديث عن رسول الله عَ ليه فيتر كه، ويأخذ بقضاء عثمان، بل الظاهر أنه أخذ بقضاءه قبل أن يبلغه عن رسول الله عّ تي: ((دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار))، وهذا هو اللائق بشأنه، فقول الشافعى -رحمه الله- هم الذين سألوه أى ابن المسيب آخرا، دعوى مجردة عن دليل، فليس فى قضية ما يدل على أن ذلك كان آخرا، وذكر أبو عمر فى "التمهيد" عن جماعة منهم ابن المسيب، أنهم قالوا: دية المعاهد كدية المسلم، ١٧٠ دية أهل الذمة ج - ١٨ وروى الطحاوى بسنده عنه قال: ((دية كل معاهد فى عهده ألف دينار)». ثم ذكر البيهقى من طريق أبى المقدام، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قضی فی دیة المجوسی بثمانماة درهم اهـ. قلنا: قد ثبت عن عمر خلافه كما تقدم، ولا فرق بين معاهد ومعاهد، ثم ذكر من طريق أبى صالح: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله عَّ: ((دية المجوسى ثمانمأة درهم))، قال البيهقى: تفرد به أى برفعه ووصله أبو صالح - كاتب الليث- والأول أشبه أن يكون محفوظا اهـ، أراد بالأول ما رواه ابن وهب: أخبرنى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ابن شهاب: أن عليا وابن مسعود رضى الله عنهما كانا يقولان: فى دية المجوسى ثمانمأة درهم وهو مرسل ابن شهاب لم يدرك عليا ولا ابن مسعود. ويعارضه ما رواه البيهقى من طريق أبى بكر بن عياش، عن أبى سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((جعل رسول الله عَ لهدية المعاهدين دية المسلم)). وأما قوله: إن سعيد بن المرزبان البقال لا يحتج به، ففيه أن على من يحتج بابن لهيعة أن يحتج به، فقد وثقه كثيرون كما مر غير مرة، لا سيما وقد عضده ما رواه البيهقى نفسه من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ودى رسول الله عَّ ◌ُّه رجلين من المشركين -وكانا منه فى عهد- دية الحرين المسلمين. والحسن بن عمارة ليس بدون ابن لهيعة، وأيده ما رواه من طريق على بن الجعد: ثنا أبو كرز، عن نافع، عن ابن عمر أن النبى مَّه قال: ((دية ذمى دية مسلم))، ولا يضرنا قول الدار قطنى: أبو كرز هذا متروك الحديث؛ فإن ابن لهيعة أيضا ليس بمقبول عنده. ويشيده ما رواه البيهقى من طريق يحيى بن آدم: ثنى الحسن بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه- قال: ((من كان له عهد أو ذمة فديته دية المسلم))، ولا يضرنا قول البيهقى: هذا منقطع موقوف؛ فإن ما رواه ابن لهيعة، عن يزيد بن حبيب، عن ابن شهاب، عن على وابن مسعود، منقطع موقوف أيضا، والقاسم من أهل بيت عبد الله، وهو أعلم بحديث جده من ابن شهاب. قال ابن التركمانى: هذا هو مذهب ابن مسعود مشهور عنه وإن كان منقطعا، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود، قال: ((دية المعاهد مثل دية المسلم)). وقال ذلك على أيضا، وهو أيضا منقطع إلا أن كلا منهما يعضد الآخر ويقويه، وذكر عبد ١٧١ دية أهل الذمة إعلاء السنن الرزاق عن أبى حنيفة، عن الحكم بن عتيبة، أن عليا قال: دية اليهودى والنصرانى وكل ذمى مثل دية المسلم. (ولا يخفى أن أهل الكوفة أعلم بقضايا على وابن مسعود من ابن شهاب) وذكر أيضا بسندين صحيحين عن النخعى والشعبى: أن دية اليهودى والنصرانى كدية المسلم، وذكر أيضا عن ابن جريج، عن يعقوب بن عتبة، وإسماعيل بن محمد، وصالح، قالوا: عقل كل معاهد من أهل الكفر كعقل المسلمين، ذكرانهم وإناثهم، جرت بذلك السنة فى عهد رسول الله عَّه، وبهذا قال عطاء ومجاهد وعلقمة والنخعى ذكره عنهم ابن أبى شيبة بأسانيده، وبه ظهر أن مرسل ابن المسيب قال: قال رسول الله عَ له: ((دية كل ذى عهد فى عهده ألف دينار))، قد تأيد بمرسلين صحيحين، وبعدة أحاديث مسندة وإن كان فيها كلام، وبمذاهب جماعة كثيرة من الصحابة، ومن بعدهم، فوجب أن يعمل به الشافعى، كما عرف من مذهبه. وفى "التمهيد": روى ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس فى. قضية قريظة والنضير: أنه عليه السلام جعل ديتهم سواء دية كاملة، وهو الذى دل عليه ظاهر كتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، ثم قال: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة﴾. والظاهر أن هذه الدية هى الدية الأولى، وكذا فهم جماعة من السلف. قال ابن أبى شيبة: ثنا عبد الرحيم -هو ابن سليمان- عن أشعث - هو ابن سوار- عن الشعبى، وعن الحکم، وحماد عن إبراهیم، قالا: دیة الیہودی، والنصرانى، والحربى المعاهد، مثل دية المسلم، ونساءهم على النصف من دية الرجال، وكان عامر يتلو هذه الآية: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾، وأشعث وإن تكلموا فيه يسيرا، فقد تقدم أن مسلما روى له متابعة، وأخرج له ابن خزيمة فى "صحيحه"، والحاكم فى "المستدرك". وقال ابن أبى شيبة أيضا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن الزهرى، سمعته يقول: دية المعاهد دية المسلم، وتلا الآية السابقة. وهذا السند فى غاية الصحة، فلو كان مذهب عمر وعثمان، كما ذهب إليه الشافعى؛ لما تركت هذه الأدلة لقولهما، فكيف وقد اختلف عنهما؟ وفى "التهذيب" لابن جرير الطبرى: لا خلاف أن الكفارة فى قتل المسلم والمعاهد سواء، وهو تحرير رقبة، فكذلك الدية. ١٧٢ ج - ١٨ باب دية المرأة ٥٨٨٤- أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبد الله بن عمر، عن أيوب بن موسى، عن ابن شهاب، عن مكحول، وعطاء، قالوا: أدر كنا الناس على أن دية الحر المسلم على عهد النبى عَّ مائة من الإبل، فقوم عمر تلك الدية على أهل القرى ألف دينار، واثنى عشر وفى "الاستذكار": وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثورى، وعثمان البتى، والحسن بن حيى: دية المسلم والذمى والمجوسى والمعاهد سواء، وهو قول ابن شهاب، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروى إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودى والنصرانى الذميين مثل المسلم اهـ ملخصا من "الجوهر النقى" (١٠٣:٨). باب دية المرأة قوله: "أخبرنا مسلم" إلخ: قلت: روى البيهقى من طريقين عن عبادة بن نسئ عن ابن غنم، عن معاذ، قال: قال رسول الله عّ لّه: ((دية المرأة على النصف من دية الرجل)). وقال: روى بإسناد لا يثبت مثله، لخصته من "الزيلعى" و"الجوهر النقى". قلت: لم يذكر البيهقى العلة، فإن لم يكن يصلح الاحتجاج فهو لا يسقط عن درجة الاستشهاد، ورويناه للاستشهاد، وأخرج البيهقى عن إبراهيم، عن على: قال: عقل المرأة على النصف من دية الرجل فى النفس وما دونها (زيلعى). وأخرج الشافعى فى "الأم" عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلى، أنهما قالا: عقل المرأة على النصف من دية الرجل فى النفس، وما دونها (كتاب الأم ٢٨٢:٧). قلت: هذه الآثار تدل على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وهو مذهب أصحابنا، وقال فى "المغنى": قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وحكى غيرهما غن ابن علية، والأصم، أنهما قالا: ديتها كدية الرجل، بقوله عليه السلام: ((فى النفس المؤمنة مأة من الإبل))، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبى عّ لّه؛ فإن فى كتاب عمرو بن حزم: ((دية المرأة على النصف من دية الرجل)) وهى أخص مما ذكروه، وهما فى كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسرا لما ذكروه مخصصا له اهـ، ثم قول على: "فى النفس وما دونه"، وكذا إطلاق الحكم فى الأحاديث المرفوعة يدل على أن الحكم فى الثلث وما فوقها وما ٢٠ إعلاء السنن دية المرأة ١٧٣ ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار، أو ستة آلاف دونها واحد، وهو التنصيف، وما روى النسائى عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها)) فضعيف؛ لأن ابن جريج حجازى، ورواية ابن عياش عن الحجازيين ضعيفة. وما روى البيهقى عن ربيعة أنه سأل ابن المسيب: كم فى إصبع المرأة؟ قال: عشر قال: كم فى اثنين؟ قال: عشرون، قال كم فى ثلث؟ قال: ثلثون، قال كم فى أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ قال: أ عراقى أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخى! إنها السنة اهـ. فقال الشافعى: كنا نقول به، ثم وقفت عنه وأنا أسأل الخيرة، لأنا نجد من يقول: السنة، ثم لا نجد نفاذا بها عن النبى معدّ ليره، والقياس أولى بنا فيها اهـ، كذا فى "الزيلعى" نقلا عن البيهقى، وفى "التلخيص الحبير": قال الشافعى: وكان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه وفى نفسى منه شىء، ثم علمت أنه يريد سنة أهل المدينة، فرجعت عنه اهـ (٣٤٠). وأخرج البيهقى عن الشعبى، عن زيد بن ثابت قال: ((جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف))، رواه الزيلعى، وقال: هو منقطع. قلت: إذا اختلف الروايات أخذنا بما هو موافق للقياس، وهو روايات التنصيف على الإطلاق، ولكن يرد عليه أن ما رويتم عن مكحول وعطاء فهو فى النفس، ولا تعرض له عما دون النفس، وما رويتم عن معاذ فليس بثابت، وما رويتم عن على فهو معارض بما روى عن زيد بن ثابت، وما روى عن زيد أرجح مما روى عن على، لأنه يحتمل أن يكون قاله على من جهة القياس، وليس هذا الاحتمال فيما روى عن زيد، لأنه مخالف للقياس، ويؤيده ما روى عن ابن المسيب. ويجاب عنه بأن عليا وافقه عمر بن الخطاب. قال محمد الحسن: أخبرنا محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، أنهما قالا: عقل المرأة على النصف من دية الرجل فى النفس، وفيما دونها، ثم قال: فقد اجتمع عمر وعلى على هذا، فليس ينبغى أن يؤخذ بغيره، رواه الشافعى فى "الأم"، وقال محمد أيضا: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: قول على أحب إلى من قول زيد، رواه الشافعى فى "الأم" أيضا. وتحقيق هذا الجواب أن أمر الدية سماعى، فكما أن قول زيد مرفوع حكما، كذلك قول على مرفوع حكما، وهو یتقوی بقول عمر وبالقیاس، لأن كون الدیة فی ثلث أصابع ثلثین إبلا، ١٧٤ دية المرأة ج - ١٨ درهم، وإذا كان الذى أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، رواه الشافعى فى "مسنده" (زيلعى). وفى الأربع عشرين غير معقول، فيكون قول على هو الراجح. ويمكن أن ينازع فى كون أمر الدية كله مبنيا على السماع، ويجاب بأن هذا أمر راجع إلى ذوق المجتهد، فإذا علم المجتهد أن عليا وعمر لم يقولا ما قالا إلا سماعا لا من رأيهما، فعلمه هو الحجة فى حقه، وإن لم يستطع إقامة البرهان عليه. ورجح الشافعى قول على بأنه لا يثبت عن زيد كثبوته عن على، وحاصل هذا الجواب أن المعارض لا بد له أن يكون مساويا لما يعارضه فى الثبوت والدلالة، وقول زيد ليس كذلك، فلا يعارضه. ولم يتبين لى معنى قوله: لا يثبت عن زيد كثبوته عن على، لأن ما قال زيد رواه عنه الشعبى على ما تقدم عن البيهقى، ورواه أيضا إبراهيم، كما رواه محمد بن الحسن، عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن زيد، وما روى عن على لم يروه إلا إبراهيم، فلا أدرى كيف كان قول على أثبت؟. ويجاب عنه بأن أمر التنقيد أمر ذوقى لا يمكن إقامة الدليل عليه، قال ابن أبى حاتم: سمعت أبى يقول: مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مأة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم، وقال: حدثنى أبى، أخبرنا محمود بن إبراهيم بن سميع، قال: سمعت أحمد بن صالح يقول: معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشبه، فإن الجوهر إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قلت له: كيف قلت؟ يعنى أنه الجيد أو الردى اهـ (كتاب العلل ١٠:١). قلت: فإذا اختلف أهل الحديث فى التصحيح فهو كاختلاف أهل البصيرة بالجواهر والذهب، فاعرف ذلك. قال العبد الضعيف: لا أدرى من أين أخذ بعض الأحباب قول الشافعى فى قول زيد: إنه لا يثبت عنه كثبوته عن على. والذى رأيته فى "سنن البيهقى" قال: ولا يثبت عن زيد إلا كثبوته عن على اهـ (٩٦:٨) أى وإذا استوى القولان ثبوتا تعارضا، فلزم المصير إلى القياس للترجيح، والقياس قد رجح قول على فى هذا الباب، فهو أولى. هذا معنى كلام الشافعى رحمه الله، فلم يرجح قول على إلا بالقياس لا لقوه الإسناد، فإنهما فى ذلك بمنزلة سواء، وبعد ذلك فكل ما ذكره بعض الأحباب فى تصحيح هذا الكلام لا طائل تحته. وأما قوله: وما رويتم عن معاذ فليس بثابت، ففيه أن البيهقى أخرجه من طريق إبراهيم بن طهمان، عن بكر بن خنيس، عن عبادة بن نسى، عن ابن غنم، عن ابن معاذ بن جبل، قال: قال ١٧٥ دية المرأة إعلاء السنن رسول الله عَّ ه: ((دية المرأة على النصف من دية الرجل))، قال البيهقى: وروى من وجه آخر عن عبادة بن نسى وفيه ضعف اهـ، وظاهره أن قوله: "وفيه ضعف" يعول إلى الوجه الآخر، والله تعالى أعلم، وهو ما ذكره البيهقى فى باب دية السمع، قال: روى أبو يحيى الساجى فى " كتابه": بإسناد فيه ضعف، عن عبادة بن نسى، عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل، عن النبى عَّ ◌ُّه: ((وفى السمع مأة من الإبل))، ثم أخرجه من طريق الحاكم سنده عن رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسى، عن ابن غنم، عن معاذ مرفوعا. ورشدین وابن زياد فيهما مقال، ضعفهما البيهقى فى غير ما موضع واحد. وقول بعض الأحباب: وما روى عن على لم يروه إلا إبراهيم اهـ ففيه أن البيهقى أخرجه من طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، عن الشيبانى، وابن أبى ليلى، وزكريا، عن الشعبى، أن عليا رضى الله عنه كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر. ومن طريق على بن الجعد: أنبأ شعبة، عن الحكم، عن الشعبى، عن زيد بن ثابت، أنه قال: جراحات النساء والرجال سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف. وقال على بن أبى طالب: على النصف من كل شىء، قال: وكان قول على رضى الله عنه أعجبها إلى الشعبى (٩٦:٨)، وروى محمد فى "الآثار" عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: قول على بن أبى طالب أحب إلى من قول عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وشريح، فى جراحات النساء والرجال، قال محمد: بقول على وإبراهيم نأخذ، كان على بن أبى طالب يقول: جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال فى كل شىء، وكان عبد الله بن مسعود وشريح يقولان: تستوى فى السن والموضحة، ثم على النصف فيما سوى ذلك. فقول على بن أبى طالب: "على النصف فى كل شىء" أحب إلينا، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله (٨٦). قلت: وقد روى عن عمر الخطاب مثل قول ابن مسعود، أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن شريح، قال: أتانى عروة البارقى من عند عمر: أن جراحات النساء والرجال تستوى فى السن والموضحة وما فوق ذلك، فإن المرأة على النصف من دية الرجل، كذا فى "الجوهر النقي" (٩٦:٨). وقد عرفت أن محمد بن الحسن روى عن محمد بن أبان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر مثل قول على: عقل المرأة على النصف من دية الرجل فى النفس وفيما دونها. فالظاهر أن لعمر فى ١٧٦ ج - ١٨ باب دیة العین ٥٨٨٥- عن أبى بكر بن حزم، قال: فى كتاب رسول الله عَّ ◌ُّه لعمرو بن حزم: ((فى العين نصف الدية، وفى العينين الدية كاملة))، وقد رويناه فى باب دية الأسنان والأنف واللسان بطرقه. باب دية أشفار العین والجفون ٥٨٨٦- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عنحماد، عن إبراهيم، قال: فى أشفار العين الدية كاملة إذا لم تنبت، وفى كل واحدة منهن ربع الدية، وفى الجفون الدية، وفى كل جفن منها ربع الدية، وفى الشفتين الدية، وفى كل واحد منها نصف الدية، قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثا). ٥٨٨٧- قلت: روى الدارقطنى من طريق عبد الرزاق عن محمد بن رشد عن مكحول عن قبيصة بن ذويب عن زيد بن ثابت فى جفن العين ربع الدية (دار قطنى ٣٧٣). باب الأعمى يفقأ عين الصحيح عمدا ٥٨٨٨- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى الأعمى يفقأ ذلك قولين: أخذ ابن مسعود وشريح بقوله الأول، وأخذ على بقوله الآخر، وأما قول زيد بن ثابت فلم يذهب إليه أحد من الصحابة غيره، نعم هو قول الفقهاء من أهل المدينة، وروى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بإسناد ضعيف مثل قوله كما مر، ولو كان ذلك ثابتا عن النبى عد له لم يعدل عنه عمر وعلى رضى الله عنهما إلى غيره، والمروى عنهما، وإن كان موقوفا فهو فى حكم المرفوع، كما مر، والله تعالى أعلم بالصواب. باب دية العین قوله: "عن أبى بكر" إلخ: قلت: وهو يشمل عين الصحيح والأعور كما هو مذهب أصحابنا، وهذا إذا كانت صحيحة، وأما إن كانت ذاهبة البصر ففيها حكومة عدل. باب دية العين وأشفار العين والجفون والأ عمى يفقأ عين الصحيح عمدا قال العبد الضعيف: كتاب رسول الله عّ لّه لعمرو بن حزم فى الديات سيأتى الكلام فى تصحيحه وتضعيفه من حيث الإسناد فى باب دية اللسان، وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور ١٧٧ الأعمى يفقأ عين الصحيح عمدا إعلاء السنن عين الصحيح، قال: عليه الدية فى ماله، قال: محمد: وبه نأخذ؛ لأنه لا يستطاع جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة، فقال الشافعى فى "رسالته": لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله عَ ليه. وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر فى مجيئه؛ لتلقى الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله عَ ليه وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهرى، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم فى جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله عٍَّ والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز (الخليفة الراشد المجمع على إمامته وعدالته)، وإمام عصره الزهرى لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما اهـ من "التلخيص الحبير" (٣٣٧). قال الموفق فى "المغنى": قد روى الزهرى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده: أن رسول الله عَّم كتب له فى كتابه: ((وفى الأنف إذا أوعب الدية، وفى اللسان الدية، وفى الشفتين الدية، وفى البيضتين الدية، وفى الذكر الدية، وفى الصلب الدية، وفى العينين الدية، وفى الرجل الواحدة نصف الدية))، رواه النسائى وغيره، ورواه ابن عبد البر وقال: كتاب عمرو بن حزم معروف عند الفقهاء، وما فيه متفق عليه عند العلماء إلا قليلا اهـ (٥٨٤:٩). قلت: وإنما اختلفوا فى هذا القليل للاختلاف فى كونه ثابتا فى كتاب عمرو بن حزم هذا، فترى ابن حزم يقول فى "المحلى": إن رسول الله عَّه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت باليمن، وهذه نسختها، فذكر فيه: "وفى النفس مأة من الإبل"، ولم يذكر ذهبا ولا ورقا اهـ (٤٠٠:١٠). وروى البيهقى من طريق الحكم بن موسى: ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهرى، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبى مێ فى الكتاب الذى كتبه فى الديات: "وعلى أهل الذهب ألف دينار" اهـ (٧٩:٨)، وفيه ذكر الذهب خلاف ما قاله ابن حزم، ولذلك لم يختلف الأئمة فى أن دية الرجل من الذهب ألف دينار، وإنما اختلفوا فى الدية من الفضة، كما مر. ج - ١٨ الأعمى يفقأ عين الصحيح عمدا ١٧٨ القصاص فى ذلك، وإنما يعنى العمد، وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثا). واختلفوا فى الصحيح يفقأ عين الأعور، فقال أحمد: له القصاص من مثلها، ويأخذ نصف الدية؛ لأنه ذهب بجميع بصره، وأذهب الضوء الذى بدله دية كاملة، وقد تعذر استيفاء جميع الضوء؛ إذ لا يمكن أخذ عينين بعين واحدة، ولا أخذ يمين بيسرى، فوجب الرجوع ببدل نصف الضوء، ويحتمل أنه ليس له إلا القصاص من غير زيادة، أو العفو على الدية، كما لو قطع الأشل يدا صحيحة، ولأن الزيادة ههنا غير متميزة؛ فلم يكن لها بدل كزيادة الصحيحة على الشلاء، هذا مع عموم قوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ اهـ من "المغنى" (٤٣٢:٩). وكذلك اختلفوا فى الأعور بقلع عين الصحيح، فقال أحمد: لا قود وعليه دية كاملة، روى ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، قال الحسن والنخعى: إن شاء اقتص وأعطاه نصف دية، وقال: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ دية كاملة، وقال مسروق، والشعبى، وابن سيرين، وابن مغفل، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأى، وابن المنذر: له القصاص ولا شىء عليه، وإن عفا فله نصف الدية؛ لقول الله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾، وجعل النبى معَّه فى العينين إلدية، ولأنها إحدى شيئين فيهما الدية، فوجب القصاص ممن له واحدة، أو نصف الدية كما لو قطع الأقطع يد من له يدان، قال الموفق: ولنا قول عمر وعثمان رضى الله عنهما، ولم نعرف لهما مخالفا فى عصرهما اهـ (٩: ٤٣٠). قلت: قد خالفهما عبد الله بن مغفل -وهو صحابى- فقد روى البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أنبأ إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى الضحى، عن عبد الله بن مغفل، كذا قال (أى، كمثل قول مسروق المار قبله) فى أعور فقأ عين صحيح، قال: "العين بالعين"، وروى من طريق سفيان، عن فراس، عن الشعبى، عن مسروق، فى الأعور تصاب عينه الصحيحة، فقال: ما أنا فقأت عينه، أنا أدى قتيل الله؟ فيها نصف الدية اهـ (٩٤:٨)، ومسروق وإن كان من التابعين فهو من كبارهم فقيه عابد مخضرم، وبخلاف مثله لا ينعقد الإجماع، كيف؟ وقد وافقه عبد الله ابن مغفل من الصحابة، وروى البيهقى من طريق ابن وهب: ثنا يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيب، أنه قال: فى عين الأعور إذا فقئت عينه الباقية عمدا القود، لا يزاد أن يقاد بها عينا مثلها، فإن قبل فيها العقل ففيها الدية كاملة؛ لأنها بقية بصره. قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، أنه قال فى أعور فقأ عين رجل صحيح، قال ابن شهاب: قضى الله فى كتابه أن العين بالعين، فعينه قود وإن كان بقية بصره اهـ (٩٤:٩). ١٧٩ الأعمى يفقأ عين الصحيح عمدا إعلاء السنن وقال الشافعى: لا يجوز أن يقال: فى عين الأعور الدية (كاملة)، وإنما قضى رسول الله عَ ليه فى العين بخمسين، وهى نصف دية، وعين الأعور لا تعد، وأن تكون عينا اهـ. وبالجملة: فإنما تركنا قول عمر وعثمان فى أن قود على الأعور إذا فقأ عين صحيح، وأن عليه الدية كاملة، وفى الصحيح إذا فقأ عين الأمور أن عليه الدية كاملة ولا قصاص؛ لأن ظاهر الكتاب يدل على أن العين بالعين وظاهر السنة يدل على أن فى إحداهما: نصف الدية ولم يفرق، فهو أولى، وإذا اختلفت أقوال الصحابة فما كان منها أوفق بالكتاب والسنة كان أرجح، والله تعالى أعلم. وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن وهب: أخبرنى يونس بن يزيد، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، أنه قال فى فقأ عين صحيح، أو عيينة جميعا، قال: ما فيه مأخذ لقود، عليه الدية اهـ (٤٢٤:١٠)، ولا نعلم فى ذلك خلافا لأجل امتناع القود لفقدان المحل، وأما خلاف ابن حزم فلا يعتد به؛ لكونه محجوجا یاجماع من تقدمه. وأما أشفار العين، فروى عن الحسن البصرى فى كل شفر ربع الدية، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: فى كل شفر ربع الدية، إذا قطع، ولم ينبت شعره، وبه إلى معمر، عن بعض أصحابه، عن الشعبى فى كل شفر ربع دية (١) العوض، وقال أبو حنيفة، وسفيان الثورى، والشافعى، وأصحابهم: كل جفن من أجفان العين نصف دية العين (وهو ربع كمال الدية)، قال الشافعى: فإن نتفت الأهداب، فلم تنبت ففيها حكومة، وقال مالك وأصحابه: ليس فى شفر العين، وحجابها إلا اجتهاد الإمام قال أبو محمد بن حزم: أما قول مالك فمخالف لأصول أصحابه لأنهم یعظمون علی خصومهم خلاف الصاحب الذی لا یعرف له مخالف إذا وافق تقليدهم وههنا خالفوا قول زيد بن ثابت ولا يعرف له من الصحابة مخالف اهـ ملخصا من المحلى (٤٢٣:١٠). ثم اعلم أن الأشعار حروف الأجفان التى ينبت عليها الشعر، وقال العتبى: تذهب العامة فى أشفار العين أنها الشعر، وذلك غلط، وقال المطرزى فى "المغرب": لم يذكر أحد من الثقات أن الأشفار الأهداب (الجوهر النقى). قلت: جعل محمد فى "الأصل" لأشفار اسما للشعر الذى ينبت على حروف العين، وخطأه أهل اللغة فى هذا، فقالوا: الأشفار منابت الشعور، والشعور تسمى أهدابا، ولا معنى (١) كذا فى الأصل، ولعل الصواب ربع دية العينين، ظ. ١٨٠ ج - ١٨ باب دیة الأذن ٥٨٨٩- عن محمد بن عمارة، عن أبى بكر بن حزم، قال: كان فى كتاب عمرو بن حزم: «فى الأذن خمسون من الإبل)) مختصرا، رواه الدار قطنى، وقد ذكرناه فى باب دية الأنف مطولا. لتخطئتهم إياه؛ فإنه إمام فى اللغة من أقران ثعلب وسيبويه، ويحتمل أن يكون قد أطلق الأشفار على الأهداب مجازا للمجاورة، من طريق إطلاق اسم المحلى، وهو شائع فى كلام العرب، لا ينكره إلا من لا مسرح له من العلوم ونظيره إطلاق الراوية للقربة وهى حقيقة فى البعير. وبالجملة: فالأهداب والأشفار حكمهما واحد، فى كل واحد منهما بانفراده ربع دية العين، ولو قطع الجفون بأهدابها ففيه دية واحدة لأن الكل كشىء واحد وصار كالمارن مع القصبة (هداية مع البناية ٤: ٤٩١). فائدة: قال محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: كل شىء من الإنسان إذا لم يكن فيه إلا شىء واحد، فأصيب خطأ، ففيه الدية كاملة: الأنف، والذكر، واللسان، والصلب، وذهاب العقل وأشباهه، وما كان فى الإنسان اثنين ففى كل واحد منهما نصف الدية، الثديين، والرجلين، والعينين، وأشباه ذلك (٨٢). وقال الموفق فى "المغنى" بعد ما ذكر نحوه: إن ما فيه منه شيئان ففيهما الدية كاملة، وفى إحداهما نصف الدية؛ لأن فى إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس، وهذه الجملة مذهب الشافعى، ولا نعلم فيه مخالفًا (وأصله قوله مَّ: ((فى العينين الدية، والعين الواحدة نصف الدية))، أخرجه النسائى فى كتاب رسول الله عَ ◌ّ لعمرو بن حزم مطولا)، قال: وما فى الإنسان منه أربعة أشياء ففيها الدية، وفى كل واحد منها ربع الدية، وهو أجفان العينين وأهدابها، وما فيه منه عشرة ففيها الدية، وفى كل واحد منها عشرها، وهى أصابع اليدين، وأصابع الرجلين اهـ ملخصا (٥٨٥:٩). باب دية الأذن قوله: "عن محمد بن عمارة إلخ": فدل الحديث على أن دية الأذن نصف دية النفس، وهو مذهب أصحابنا، وهذا يعم أذن السميع والأصم؛ لأن فوات الجمال موجب للدية، وبقطع أذن الأصم يفوت الجمال المتعلق بالأذن، فيجب الدية. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": وفى الأذنين الدية، روى ذلك عن عمر، وعلى، وبه قال عطاء، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأصحاب الرأى،