النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
انتظار البرء للاقتصاص من الجرح
ج - ١٨
وفيه أيضا (٤١٩:٩): وليس فى شىء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة، سواء فى
ذلك ما دون الموضحة: كالحارصة والبازلة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق، وما فوقها: وهى
الهاشمة والمنقلة والآمة وبهذا قال الشافعى: فأما ما فوق الموضحة، فلا نعلم أحدا أوجب فيها، إلا
ما روى عن ابن الزبير أنه أقاد من المنقلة، وليس بثابت عنه، (وروى حماد بن سلمة، عن عمرو بن
دينار، عن ابن الزبير: أنه اقتص مأمومة، فأنكر ذلك عليه، قال الجصاص: ومعلوم أن المنكرين كانوا
الصحابة (أحكام القرآن ٢: ٤٤١).
وممن قال به أى بنفى القصاص فيما هو فوق الموضحة عطاء، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك،
والشافعى، وأصحاب الرأى، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا خالف ذلك، ولأنهما جراحتان لا تؤمن
الزيادة فيهما أشبها المأمومة والجائفة، وأما دون الموضحة، فقد روى عن مالك وأصحاب الرأى: أن
القصاص يجب فى الدامية، والباضعة، والسمحاق، ولنا أنها جراحة لا تنتهى إلى عظم، فلم يجب
فيها قصاص كالمأمومة، ولأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام.
وبيان ذلك أنه إن اقتص من غير تقدير أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار
العمق أفضى إلى أن يقتض من الباضعة والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقان؛ لأنه قد
يكون لحم المشجوج كثيرا، بحيث يكون عمق باضعته كموضحة الشاج أو سمحاقه، ولأنا لم
نعتبر فى الموضحة قدر عمقها، فكذلك فى غيرها، وبهذا قال الحسن وأبو عبيد اهـ.
ولعلك قد عرفت بذلك أن القصاص يجرى فى الموضحة بالإجماع، سواء كانت فى الرأس.
والوجه، أو فيما سواهما من الأعضاء، ولكن أرشها ليس بمقدر فيما سوى الرأس والوجه، ولا
يجرى القصاص فيما فوق الموضحة إجماعا، وفى جريانه فيما هو دونها خلاف، والراجح عند
صاحب "الكافى" ما ذكره محمد فى "الأصل": أن القصاص یجری فيه، والراجح عندنا ما روى
عن الإمام: أنه لا یجری فیه.
قال ابن حزم بعد ما ذكر أقسام الجراحات، وتفسير معانيها من طريق على بن عبد العزيز: نا
أبو عبيد عن الأصمعى أنه قال بعض السلف: لا قصاص فى العمد فى شىء منها إلا فى الموضحة
وحدها، وادعوا أن المماثلة فى ذلك متعذرة، وقال آخرون: بل القصاص فى كلها، والمماثلة ممكنة
كما أمر الله تعالى، قال ابن حزم: ونحن نشهد بشهادة الله التامة الصادقة، ونقطع قطع الموقن
المصدق بكلام ربه تعالى، أن ربنا لو أراد تخصيص شىء من الجروح بالمنع من القصاص فى العمد

١٤٢
إعلاء السنن
باب لا قصاص فى العظام
٥٨٧٢- قال ابن أبى شيبة: حدثنا حفص، عن حجاج، عن عطاء، عن عمر،
قال: إنا لا نقيد من العظام.
٥٨٧٣- وحدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبى مليكة، عن ابن
عباس، قال: ليس فى العظام قصاص. أخرجهما الزيلعى، وقال ابن حجر فى "الدراية":
حديث عمر ضعيف منقطع، وحديث ابن عباس ضعيف.
لبينها لنا، كما أخبر تعالى عن كتابه: أنه أنزله تبيانا لكل شىء اهـ (٩: ٤٦١).
قلنا: قد بينه الله تعالى فى قوله: ﴿قصاص﴾، فما لا يمكن فيه المماثلة لا يجرى فيه
القصاص؛ لأنه يستدعى المماثلة والمساواة لغة وعرفا، فالله أنزل كتابه تبيانا لكل شىء، وما يعقله إلا
العالمون، وقد قدمنا من حديث نمران ابن جارية عن أبيه: أن رجلا ضرب رجلا بالسيف على
ساعده، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبى معَّه، فأمر له بالدية، فقال: أريد القصاص يا
رسول الله! فقال له: خذ الدية بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص، سنده حسن، كما مر.
وروى البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، ثنا حجاج بن أرطاة، ثنا عطاء بن أبى
رباح: أن رجلا كسر فخذ رجل، فخاصمه إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا أمير
المؤمنين! أقدنى، قال: ليس لك القود، إنما لك العقل اهـ (٦٥:٨)، وهذا مرسل صحيح، وروى من
طريق ابن نمير: ثنا يونس بن بكير، عن طلحة، عن يحيى بن طلحة، عن يحيى وعيسى ابنى طلحة،
أن النبى عّ لّه قال: «ليس فى المأمومة قود)»، ومن طريق رشدين بن سعد، عن معاذ بن محمد
الأنصارى، عن ابن صهبان، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا قود فى
المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقلة))، ورواه ابن لهيعة أيضا عن معاذ، فهذه طرق عديدة يقوى بعضها
بعضا، كلها يرد على من قال بالقصاص فى الجروح كلها، فافهم، والله يتولى هداك.
باب لا قصاص فى العظام
قوله: "قال ابن أبى شيبة": قلت: إنما حكم بالضعف للحجاج، وهو حسن الحديث
عندنا، ولو سلم الضعف فهو لا يضر؛ لأن المسألة قياسية، ومقصودنا تأييد القياس، والضعيف
يصلح للتأييد.

١٤٣
ج - ١٨
باب عدم القصاص فيما دون الموضحة
٥٨٧٤- عن مكحول، قال: قال رسول الله عَ له: ((لا قصاص فيما دون
الموضحة))، أخرجه البيهقى، كذا فى "الزيلعى".
٥٨٧٥- أخبرنا أبو حنيفة، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، قال: فى السمحاق،
والباضعة، وأشباه ذلك إذا كان خطأ أو عمدا لا يستطاع فيه القصاص، ففيه حكومة،
رواه محمد فى " كتاب الآثار"، وقال: به نأخذ، وهو قول أبى حنيفة.
باب حكم شريك المجنون والصغير والأب فى القتل
٥٨٧٦- أخبرنا عباد بن العوام، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن
البصرى، أنه سئل عن قوم قتلوا رجلا عمدا فيهم مصاب، قال: تكون فيه الدیة، أخرجه
الشافعى فى "الأم" (٢٨١:٧).
باب عدم القصاص فيما دون الموضحة
قوله: "عن مكحول" إلخ: قلت: هذا يدل على أنه لا قصاص فى السمحاق الباضعة،
وأمثال ذلك عند أبى حنيفة ومحمد، ولكنه يعارضه ما فى "الهداية"، وغيره أنه قال محمد فى
"الأصل": وهو ظاهر الرواية- يجب القصاص فيما قبل الموضحة، والله أعلم، قال العبد الضعيف:
، قد مر تحقيق الكلام فى هذا الباب، فليراجع، ظ.
باب حكم شريك المجنون والصغير والأب فى القتل
قوله: "أخبرنا عباد بن عوام" إلخ: قلت: هو مذهب أبى حنيفة، قال: إذا قتل رجلا جماعة
عمدا، ومنهم مجنون أو صغير، لا يجب فيه القصاص على أحد، وإنما تجب فيه الدية الواحدة، فى
"العالمكيرية": لا يقتل شريك من لا قصاص عليه: كالأب والأجنبى، والعامد والخاطئ، والصغير
والكبير، كذا فى "التاتار خانية" ناقلا عن "التهذيب" (٢:٧) إلخ.
وقال الشافعى فى "الأم": يجب القصاص على العقلاء البالغين، والدية على المجنون والصغير
بقدر حصتهما، وحجته أن قتل المجنون والصغير عمد، إلا أنه سقط القصاص عنهما لمعنى فى
أنفسهما، وهو كونهما غير مكلفين، وإذا سقط القصاص عن أحد لمعنى فى نفسه لا يؤثر ذلك
السقوط فى فعل غيره الذى لا يوجد فيه ذلك المعنى، كما إذا قتل رجلان رجلا، فعفا الولى عن
أحدهما، لا يسقط ذلك العفو القصاص عن الآخر.

١٤٤
حكم شريك المجنون والصغير والأب فى القتل
إعلاء السنن
والجواب عنه أنه لا تعمد للمجنون والصغير، وهذا منشأ رفع التكليف عنهما، فالقول بكون
فعلهما عمدا مع القول برفع التكليف عنهما تهافت فى الكلام، ومنشأ قوله رحمه الله: إنه لما علم
أن الصغير والمجنون يعلمان الفعل ويقصدانه، والفعل الصادر عن علم، وقصد هو العمد، فلا بد أن
يكون فعل الصبى والمجنون عمدا، وقد خفى عليه أنه لو كان مجرد العلم، والقصد عمدا لكان فعل
البهائم أيضا عمدا، لأنها تعلم وتقصد ما تفعل، والتزام ذلك بعيد، فليس مدار العمدية على مجرد
العلم والقصد، بل على كون ذلك العلم والقصد معتدا بهما، ومعلوم أن علم الصغير وقصده،
وكذا علم المجنون، وقصده ليس علما، وقصدا معتدا بهما، فلا يكون فعلهما عمدا.
ولو سلم أن فعلهما عمد قلنا: ليس مدار سقوط القصاص عن الشريك على كون فعله
عمدا، بل مداره على أن يكون ذلك العمد موجبا للقصاص، فلو كان غير موجب للقصاص، بل
هدرا أو موجبا للدية، لا يجب القصاص على الشريك، ألا ترى أنه لو قتل رجل نفسه، وشركه
غيره فى قتله لا يجب على الشريك القصاص، مع أن فعل قاتل نفسه عمد، وسقوط القود والدية
عنه لمعنى فى نفسه، وكذا لو قتله سبع، ورجل لا يجب على الرجل القصاص، مع أن فعل السبع
كفعل الصبى والمجنون فى كونه صادرا عن علم وقصد، إلا أنه لا يجب عليه المال؛ لكونه لا مال له
ولا عاقلة له، وكذا لو قطع يده حدا أو سرقة، وقطع آخر رجله فمات منهما، لا يجب على قاطع
الرجل قصاص، مع أن فعل قاطع اليد عمد، إلا أنه لا يجب عليه القصاص أو الدية لمعنى فى نفسه،
وهو کونه قاطعا بحق.
فظهر أنه لا أثر لكون فعل أحدهما عمدا فى عدم سقوط القصاص عن الشريك العامد، بل
الأصل فى هذا الباب أنه إذا اجتمع فعلان: أحدهما: موجب للقصاص، والآخر: غير موجب له،
سواء كان غير موجب بشىء، أو موجبا للدية، يسقط القصاص عن الآخر، والسر فيه أنه إذا
اجتمع فعلان: أحدهما: موجب للقصاص، والآخر: غير موجب له، فإما أن يعتبران فعلين منفردين
مستقلين بحكمهما، أو يعتبر مجموعهما فعلا واحدا، لا سبيل إلى الأول؛ لأنه لو اعتبرا فعلين
وجب أن يحكم على أحدهما بالقصاص فى كل صورة، وعلى الآخر بإهدار فعله إن كان فعله
هدرا، أو بالدية الكاملة إن كان فعله موجبا للدية، وهو باطل بالاتفاق؛ لأن الشافعى يوجب
القصاص على شريك من فعله هدر، ولا يوجب الدية كاملة على من يجب عليه الدية، بل يوجبها
عليه بحصته، وهو خلاف مقتضى جعل فعله مستقلا بحكمه، وعلى الأول لا سبيل إلى إيجاب

١٤٥
ج - ١٨
باب سقوط القصاص عن شريك الخاطئ
٥٨٧٧- أخبرنا عباد بن العوام، قال: أخبرنا عمر بن عامر، أنه قال: إذا دخل خطأ
فى عمد فهى دية، أخرجه الشافعى فى "الأم" (٢٨١:٧).
باب عقوبة من أمسك رجلا حتى قتله الآخر
٥٨٧٨- عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبى عدّ له: ((إذا أمسك
الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذى قتل ويحبس الذى أمسك)). أخرجه الدار قطنى،
القصاص؛ لأن القصاص جزاء فعل مستقل، وههنا ليس فعله مستقلا، بل جزء من الفعل بناء على.
الفرض، وإذا لا سبيل إلى إيجاب القصاص عليه، يجب عليه الدية، وهو المدعى.
ثم لما ثبت أن المؤثر فى سقوط القصاص عن الشريك العامد هو كون فعل الآخر غير
موجب للقصاص لا كونه خطأ ثبت أنه لو قتل الأب ابنه عمدا وشرك معه آخر لا يجب على الآخر
القصاص؛ لأنه فعل الأب، وإن كان عمدا إلا أنه غير موجب للقصاص، وبه يندفع ما قال أحمد:
إنه لا يجب القصاص على شريك الصغير والمجنون، ويجب على شريك الأب؛ لأن فعل الصغير
والمجنون خطأ، وفعل الأب عمد، ووجه الاندفاع ظاهر، مما قلنا، إنه لا فرق بين الخطأ والعمد فى
هذا الباب، إذا كان العمد غير موجب للقصاص، بل هدرا أو موجبا للدية، وبه يندفع أيضا قياس
الشافعى الصغير والمجنون والأب على من عفى عنه القصاص لأن فعل من عفى عنه القصاص
موجب للقصاص، وإنما سقط القصاص منه بالعفو بعد الوجوب، ولا كذلك الصبي والمجنون
والأب، فلا يصح القياس، هذا هو التحقيق وبه يظهر دقة فهم أصحابنا رحمهم الله والله أعلم.
باب سقوط القصاص عن شريك الخاطئ
قوله: "أخبرنا عباد بن العوام" إلخ: قلت: هو مذهب أبى حنيفة، وقد مر تحقيق قوله فى
الباب السابق، وبه قال الشافعى، ولكن يتعذر عليه الفرق بين الخاطئ والعامد الذى عمده هدر،
وبين العامد الذى عمده موجب للدية، حيث يسقط هو القصاص عن شريك الخاطئ والعامد،
. الذى ليس عمده موجبا للقصاص ولا للدية، ولا يسقطه عن العامد الذى عمده موجب للدية.
باب عقوبة من أمسك رجلا حتی قتله الآخر
قوله: "عن إسماعيل" إلخ: قلت: معنى الحديث أنه يحبس على وجه التعزير دون القصاص؛

١٤٦
عقوبة من أمسك رجلا حتى قتله الآخر
إعلاء السنن
قال الحافظ فى "بلوغ المرام": صححه ابن القطان ورجاله ثقات، ورواه الدار قطنى
مرسلا أيضا من طريقين: إحداها: من طريق إسماعيل عن ابن المسيب عن النبى عرّ له.
والأخرى: من طريق إسماعيل عن النبى معَّه من غير ذكر ابن المسيب، وقال الحافظ:
رجح البيهقى المرسل.
إذ لا مماثلة بين الحبس حتى يقتله آخر، وبين الحبس إلى أن يموت الحابس، ولا بينه وبين الحبس إلى
وقت معين، ولما كان الحبس على وجه التعزير دون القصاص لم يكن متعينا، بل يكون للإمام أن
يعزره بالحبس أو بغيره؛ لأن التعزيرات مفوضة إلى رأى الحاكم، فالحديث حجة لأبى حنيفة حيث
لا يوجب الحبس إلى الموت، ولا الحبس بخصوصه، بل يقول: يعاقب بما يراه الحاكم.
والعجب من الحنابلة أنهم يقولون: إنه يحبس الممسك إلى الموت، ويحتجون لقولهم بهذا
الحديث، مع أنه لا ذكر فى الحديث لقوله إلى الموت، وإنما هو حبس مطلق، فينبغى أن يكون
مفوضا إلى الإمام، كما هو مقتضى التعزيرات.
ثم الحديث حجة على من قال: إنه يجب القصاص على الممسك، لأنه شريك فى القتل،
كما لا يخفى؛ لأن النبى معَّه لم يوجب عليه القصاص، وإنما أوجب عليه التعزير، وبما فصلنا
يخرج الجواب عما روى الشافعى من طريق سفيان، عن جابر، عن عامر الشعبى، عن على: أنه
قضى فى رجل قتل رجلا متعمدا، وأمسكه آخر، قال: يقتل القاتل، ويحبس الآخر فى السجن حتى
يموت، كما فى "النيل" بأنه إنما يكون حجة إذا صح عن على ولم يصح؛ لأن فى سنده جابر
الجعفى، وهو رافضى كذاب، فهو محمول على التعزير دون القصاص، فلا حجة فيه، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: يجب على من يتكلم على دلائل الخصم بالجرح والتضعيف أن يجمع
الحديث بطرقه، وأثر على هذا رواه ابن أبى شيبة: نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعى، عن يحيى بن
أبى كثير، قال: إن على بن أبى طالب أتى برجلين، قتل أحدهما، وأمسك الآخر، فقتل الذى قتل،
وقال للذى أمسك: أمسكت للموت، فأنا أحبسك فى السجن، حتى تموت (المحلى ٥١٢:١٠)،
وهذا مرسل سالم عن جابر الجعفى، وشاهد لما رواه، فاندفع ما أورده عليه بعض الأحباب، ولكن
سياق الأثر يدل على أن على بن أبى طالب رضى الله عنه، إنما حبس الممسك لرأى رآه، لا لكون
الجبس واجبا عنده؛ لأنه قال: فأنا أحبسك حتى تموت، وبه نقول: إن للحاكم أن يحبسه أو يعاقبه
على ما رأى، وفيه دليل على أن من أمر غيره بقتل إنسان، فقتله المأمور، يقتل المباشر، ويعاقب
الآمر؛ لأن الآمر أدنى منزلة من الحابس؛ لكون الحابس معينا فى القتل مباشرة دون الآمر؛ فإنه لم

١٤٧
ج - ١٨
باب دیة شبه العمد
٥٨٧٩- عن علقمة والأسود، قالا: قال عبد الله: فى شبه العمد خمس وعشرون
حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات
مخاض، أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذری (زیلعی).
يباشر عملا، وإنما أمر بلسانه.
وأما قول ابن حزم: إن الآمر بالقتل والقطع يسمى فى اللغة والشريعة قاتلا وقاطعا، ومتولى
القتل مطيع للآمر منفذ لأمره، ولو لا أمره إياه لم يقتله، فصح أنهما جميعا قاتلان، فعليهما جميعا
ما على القاتل إلخ (٥١١:١٠)، ففيه أن الآمر لا يسمى قاتلا شرعا ولا لغة إلا مجازا، وهذا أظهر
من أن يخفى على المبتدى من طلبة العلم فضلا عن المنتهى.
وأما ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال: نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، أن
على بن أبى طالب قال: إذا أمر الرجل عبده أن يقتل رجلا، فقتله، فهو كسيفه وسوطه، أما السيد
فيقتل، وأما العبد فيستودع فى السجن، فمحمول على العبد الجاهل بتحريم القتل، وقوله: ((أما
السيد فيقتل)) محمول على السياسة، وللإمام أن يقتل المفسد المتعنت سياسةً، والله تعالى أعلم، أو.
هو محمول على ما إذا أكره المولى عبده على ذلك، وهو الظاهر؛ فإن العبد قد يكون مكرها بأمر
المولى، وقد مر فى باب الإكراه أن القصاص على المكره الآمر، دون المكره المأمور، كما فى
"الأشباه" (٢٩٩)، ظ.
باب دية شبه العمد
قوله: "عن علقمة" إلخ: قلت: الحديث وإن كان موقوفا صورة إلا أنه مرفوع حكما؛ لأن
الآراء لا دخل لها فى تقدير مقادير الديات، وحينئذ هو يعارض ما روى عبد الله بن عمرو عن
النبى عّ لّهِ: ((أن دية العمد وشبه العمد ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة))، ويحتاج إلى
الترجيح، فرجح محمد والشافعى رواية عبد الله بن عمرو؛ لكونها مرفوعا صورة، ورجح أبو حنيفة
وأبو يوسف رواية عبد الله بن مسعود؛ لكونها أخف؛ فإن الظاهر أن الدية كانت أولا كما روى
عبد الله بن عمرو، ثم نقصت وصيرت إلى ما روى عبد الله بن مسعود؛ لأن التغليظ أنسب بأول
الأمر، والتخفيف أنسب بثانى الحال، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: روى البيهقى عن طريق يزيد بن هارون، أنبأ سليمان التيمى، عن أبى

١٤٨
دية شبه العمد
إعلاء السنن
مجلز، عن عبيدة، عن عبد الله نحوه (٦٩:٨)، ويؤيده ما رواه ابن أبى عاصم فى "كتاب الديات"
من طريق أبى معشر: ثنا صالح بن أبى الأخضر، عن الزهرى، عن السائب بن يزيد، قال: كانت
الدية على عهد رسول الله عَّ له مائة من الإبل أربعة أسنان، خمس وعشرون حقة، وخمس
وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون (ص٣٤)، فإن
قيل: فيه صالح بن أبى الأخضر متكلم فيه. قلنا: وكذلك فى إسناد حديث عبد الله بن عمر
ومحمد بن راشد، فيه مقال فاستويا، وقول الصحابى: كان الأمر فى عهد النبى عّ لّ كذا، فى
حكم المرفوع، فاندفع ما كان فى حديث ابن مسعود من شبهة الوقف، وإذا استوى الإسنادان فلا
شك أن ابن مسعود أرجح وأفقه وأعلم، فافهم.
وأيضا فلما ثبت أن دية الخطأ أخماس بما روى عن النبى مِّ، كما سيأتى، ثم اختلفوا فى
شبه العمد، فجعله بعضهم أرباعا، وبعضهم أثلاثا، كان قول من قال: بالأرباع أولى؛ لأن فى
الأثلاث زيادة تغليظ لم تقم عليها دلالة، وقول النبى معَّ له: ((الدية مائة من الإبل)) يوجب جواز
الكل، والتغليظ بالأرباع، متفق عليه، والزيادة عليها غير ثابتة، فظاهر الخبر ينفيها فلم نثبتها،
وأيضا: فإن فى إثبات الخلفات - وهى الحوامل- إثبات زيادة عدد، فلا يجوز؛ لأنها تصير أكثر من
مائة لأجل الأولاد.
فإن قيل فى حديث القاسم بن ربيعة، عن ابن عمرو، عن النبى عدّ له: ((فى قتيل خطأ العمد
مائة من الإبل، أربعون منها خلفة فى بطونها أولادها))، وقد احتججتم به فى إثبات شبه العمد،
فهلا أثبتم الأسنان؟ قيل له: أثبتنا به شبه العمد لاستعمال العلماء إياه فى إثبات شبه العمد، ولو كان
ذلك ثابتا لكان مشهورا، ولو كان كذلك لما اختلفوا فيه كما لم يختلفوا فى إثبات شبه العمد،
وليس يمتنع أن يشتمل خبر على معان، فیثبت بعضها، ولا يثبت بعض، إما لأنه غیر ثابت فى
الأصل، أو لأنه منسوخ، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" (٢٣٥:٢).
قلت: والأحسن ما قلنا: إن الكل ثابت، ولكن أبا حنيفة رجح حديث ابن مسعود لكون
التغليظ بالأرباع متفقا عليه، والتغليظ بالأثلاث مختلفا فيه، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا
الخيرات، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": إن القول فى أسنان دية شبه العمد كالقول فى دية العمد بسببواء،
واختلفت الرواية فى مقدارها، فروى جماعة عن أحمد أنها أرباع، كما ذكر الخرقى، وهو قول

١
ج - ١٨
١٤٩
باب دية الخطأ
٥٨٨٠- حدثنا مسدد، نا عبد الواحد، حدثنا الحجاج، عن زيد بن جبير، عن
خشف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((فى دية الخطأ
عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون،
وعشرون بنى مخاض ذكر))، أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقال: هو قول عبد الله.
الزهرى، وربيعة، ومالك، وسليمان بن يسار، وأبى حنيفة، وروى ذلك عن ابن مسعود رضى الله
عنه، وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة فى بطونها
لا أولادها، وبهذا قال عطاء ومحمد بن الحسن والشافعى، وروى ذلك عن عمر، وزيد، وأبى موسى،
والمغيرة؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله عَ ليه قال: ((من قتل متعمدا
دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهى ثلاثون حقة، وثلاثون
جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم))، رواه الترمذى وقال: هو حسن غريب، وعنه
أن رسول الله عَ لّه قال: ((ألا! إن فى قتيل عمد الخطأ -قتيل السوط والعصا- مائة من الإبل، منها
أربعون خلفة فى بطونها أولادها))، رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم، وعن عمرو بن شعيب:
أن رجلا - يقال لهم قتادة- خذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ عمر منه الدية، ثلاثين حقة، وثلاثين
جذعة، وأربعين خلفة، رواه مالك فى "موطائه"، ووجه الأول ما رواه الزهرى، عن السائب بن
يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول الله عَّ أرباعا، الحديث، ولأنه قول ابن مسعود، ولأنه
حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية اهـ ملخصا (٩: ٤٩٠)، ظ.
باب دية الخطأ
قوله: "حدثنا مسدد" إلخ: وأخرجه النسائى من طريق على بن سعيد بن مسروق، عن
يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، عن الحجاج بسنده، وأخرجه الترمذى من هذه الطريق، ومن طريق
أبى هشام الرفاعى، عن ابن أبى زائد، وأبى خالد الأحمر نحوه، ولكن لم يذكر لفظ أبى خالد
الأحمر، وأخرجه ابن ماجة من طريق عبد السلام بن عاصم، عن الصباح بن محارب، عن
الحجاج، نحو حديث عبد الواحد وابن أبى زائدة. وأخرجه الدار قطنى من طريق عبد الرحيم بن
سليمان، عن حجاج بن أرطأة بسنده، وقال: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة
بالحديث من وجوه عدة:

١٥٠
دية الخطأ
إعلاء السنن
أحدها: أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن عبد الله؛ لأنه قال:
((عشرون بنى لبون)) موضع ((عشرين بنى مخاض)) وأيضا هو مخالف لما رواه علقمة وإبراهيم عن
ابن مسعود؛ لأنهما روياه كما رواه أبو عبيدة.
والثانى: أن خشف بن مالك مجهول؛ لأنه لم يرو عنه غير زيد بن جبير، ولا حجة فى
رواية المجهول.
والثالث: أن الحجاج مدلس، وقد عنعن فى الرواية.
والرابع: أنه ضعيف.
والخامس: أنه اختلف على الحجاج فى الرواية، فيروى عبد الواحد وعبد الرحيم عنه
بالتفصيل المذكور، ويروى إسماعيل بن عياش عنه كما يروى أبو عبيدة عن ابن مسعود، ويروى
يحيى بن سعيد الأموى عنه، فيقول: ((عشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون،
وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنی مخاض)).
ويروى أبو معاوية الضرير، وحفص بن غياث، وعمرو بن هاشم أبو مالك، وأبو خالد
الأحمر، كلهم عن الحجاج، ولا يذكرون تفصيلا. ويروى ابن أبى زائدة عنه تارة من غير تفصيل،
وتارة بالتفصيل الذى يرويه عبد الواحد وعبد الرحيم.
والسادس: أنه قد روى عن النبى عّ لّهِ، وعن جماعة من الصحابة والمهاجرين والأنصار، فى
دية الخطأ أقاويل مختلفة، لا نعلم روى عن أحد منهم فى ذلك ذكر بنى مخاض، إلا فى حديث
خشف بن مالك.
والجواب عن الأول أن أبا عبيدة اختلف عليه أيضا، فرواه سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة،
عن لاحق بن حميد، عن أبى عبيدة، عن ابن مسعود، كما قاله الدارقطنى، وكذا رواه بشر بن
المفضل، وحماد بن سلمة، عن سليمان التيمى، عن أبى مجلز، عن أبى عبيدة، عن ابن مسعود.
ولكن رواه يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبى مجلز، عن أبى عبيدة، عن ابن مسعود،
كما رواه خشف ابن مالك عنه، فجاء الاختلاف فى رواية أبى عبيدة. وكذا اختلف فيه على
علقمة، فرواه عباس بن يزيد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبى إسحاق، عن علقمة، عن ابن
مسعود، كما قال الدارقطنى، ولكن قال البيهقى: رواه وكيع فى كتابه "المصنف فى الديات": عن
سفيان عن أبى إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود، كما رواه عنه خشف بن مالك، وقال: كذا

١٥١
ج - ١٨
دية الخطأ
رأيته فى جامع سفيان، وقال: كذلك رواه إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود.
وكذلك رواه ابن أبى زائدة، عن أبيه وغيره، عن أبى إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود فجاء
الاختلاف فى رواية علقمة أيضا.
و کذلك اختلف علی إبراهیم أیضا، فرواه العباس بن یزید، عن و کیع، عن سفیان، عن
منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله، كما قال الدار قطنى. ولكن قال البيهقى: رواه وكيع فى كتابه
"المصنف فى الديات": عن الثورى، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله، كما رواه عنه خشف
ابن مالك، وقال: كذا رأيته فى جامع سفيان، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدى، وعبد الله بن
الوليد العدنى، عن الثورى، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله،. فجاء الاختلاف فى رواية
إبراهيم أيضا، هذه الروايات أخذتها من "التعليق المغنى" و"التلخيص الحبير".
فلما جاء الاختلاف فى الروايات كلها قلنا: الأصح من روايات إبراهيم هو ما رواه وكيع
نفسه فى "كتابه": عن سفيان، عن منصور، لا ما رواه عنه غيره، وكذا الأصح ما رواه سفيان
نفسه فى "جامعه"، لا ما رواه عنه غيره، ويؤيده رواية ابن مهدى وعبد الله بن الوليد العدنى.
والأصح من روايات علقمة هو ما رواه وكيع نفسه فى "مصنفه" عن سفيان، عن أبى إسحاق، عن
علقمة؛ لأنه يؤيده رواية إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن علقمة. ويؤيده أيضا رواية سفيان نفسه فى
"جامعه": والأصح من روايات أبى عبيدة هو ما رواه يزيد بن هارون - وهو إمام- عن سليمان
التيمى، عن أبى مجلز، عن أبى عبيدة؛ لأنه مؤيد برواية إبراهيم وعلقمة. والأصح من رواية
الحجاج هو ما رواه عنه عبد الواحد، وعبد الرحيم، وابن أبى زائدة؛ لأن ابن عياش ضعيف فى غير
الشاميين رواية شاذة، ويحيى بن سعيد الأموى رواية شاذة أيضا، فاندفع الطعن الأول.
والجواب عن الثانى أن خشف بن مالك وثقه النسائى، وذكره ابن حبان فى "ثقات
التابعين"، ورواية الواحد غير مضر؛ لأن الرجل متى كان ثقة يقبل قوله، واشتراط المحدثين أن يروى
عنه اثنان لا وجه له، کذا قال ابن الجوزى (زيلعی).
والجواب عن الثالث: أن التدليس ليس بجرح عندنا، والجواب عن الرابع أن الحجاج ثقة
عندنا، والجواب عن الخامس أن الراجح من روايات حجاج هو ما رواه عنه عبد الواحد، وعبد
الرحيم، وابن أبى زائدة، ورواية يحيى وإسماعيل شاذة، وروايات خفص بن غياث وغيره غير
مخالفة؛ فلا اختلاف.

١٥٢
دية الخطأ
إعلاء السنن
والجواب عن السادس: أن ما روى عن النبى عّ لّه فى قتل الخطأ فله طريقان: طريق عبادة بن
الصامت، وطريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.
أما طريق عبادة فأعله الدار قطنى بأن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة عن عبادة منقطع،
وهو معلول أيضا بأن إسحاق قال ابن عدى: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن حجر فى
"التهذيب": لم يرو عنه غير موسى بن عقبة، فهو مجهول العين، وقال فى "التقريب": هو
مجهول الحال مع قوله فى "التهذيب": بأن ابن حبان ذكره فى "الثقات": وأما طريق عمرو بن
شعيب فأعله الدارقطنى من وجهين: أحدهما: أن عمرو بن شعيب لم يصرح بسماع أبيه عن
جده، وثانيها: أن فى طريقه محمد بن راشد وهو ضعيف.
ثم كلا الحديثان مختلفان؛ لأنه روى عبادة بن الصامت عن النبى عّ لّه فى دية الخطأ ثلاثين
حقة، وثلاثین جذعة، وعشرین بنات لبون، وعشر من بنی لبون ذکور، وروى عمرو بن شعيب
عن جده: أن النبى عّ لّه قضى فى قتل الخطأ بثلاثين بنات مخاض، وثلاثين بنات لبون، وثلاثين
حقة، وعشر بنى لبون، فكيف يعل حديث ابن مسعود بهذين الحديثين المعلولين المتخالفين؟ وهل
هذا إلا تحکم؟ وما روی عن عمر فهو مثل ما روی إسحاق عن عبادة، ولكن لم یذ کر سنده، حتى
ينظر فيه، ولو سلم صحته فحديث ابن مسعود أرجح؛ لكونه أخف وأقل.
وما روى عن عثمان وزيد بن ثابت فهو أنهما قالا: فى دية الخطأ ثلثون حقة، وثلثون بنات
لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض. وما روى ابن مسعود وقال به أحوط لما قال به
عثمان وزيد بن ثابت؛ لكونه أقل وأخف، وما روى عن على فهو أنه قال: دية الخطأ خمس
وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمسة وعشرون بنات لبون، وخمسة وعشرون بنات
مخاض، وما روى ابن مسعود، وقال به أحوط مما قال به على أيضا؛ لكونه أقل وأخف مع كون
الخطأ مقتضيا للتخفيف؛ فلا يعل بهذه الروايات أيضا رواية ابن مسعود، بالجملة رواية ابن مسعود
عن النبى معَّر بأن دية الخطأ أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون،
وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض ثابتة، وهو مذهبه المشهور عنه، ولا يقدح فيه كلام
الدارقطنى، وهو أحوط وأنسب بقتل الخطأ من سائر المذاهب، ولذا اختاره أصحابنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": بعد ما ذكر دية الخطأ كما رويناه عن ابن
مسعود: لا يختلف المذهب فى أن دية الخطأ أخماسا، وهذا قول ابن مسعود، والنخعى، وأصحاب

ج - ١٨
دية الخطأ
١٥٣
الرأى، وابن المنذر. وقال: عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهرى، والليث، وربيعة،
ومالك، والشافعى: هى أخماس إلا أنهم جعلوا مكان بنى مخاض بنى لبون، وهكذا رواه سعيد فى
"سننه" عن النخعی عن ابن مسعود.
(قلت: هو وهم من بعض الرواة؛ فإن مذهب ابن مسعود فی بنی مخاض مشهور، نبه على
ذلك البيهقى فى "سننه")، وقال الخطابى: روى أن النبى عّ لّه ودى الذى قتل بخيبر بمائة من إبل
الصدقة، وليس فى أسنان الصدقة ابن مخاض، وروى عن على، والحسن، والشعبى، والحارث
العكلى، وإسحاق: أنها أرباع كدية العمد سواء. وقال طاؤس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون،
وثلاثون بنات مخاض، وعشر بنى لبون ذكور؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن
رسول الله عَّ قضى فى دية الخطأ نحوه، رواه أبو داود وابن ماجة.
وقال أبو ثور: الديات كلها أخماس كدية الخطأ؛ لأنها بدل متلف؛ فلا تختلف بالعمد
والخطأ كسائر المتلفات، وحكى عنه أن دية العمد مغلظة، ودية شبه العمد والخطأ أخماس؛ لأن شبه
العمد تحمله العاقلة؛ فكان أخماسا كدية الخطأ. ولنا ما روى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول
الله ◌َ طِّ: ((فى دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات
لبون، وعشرون بنى مخاض))، رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجة، ولأن ابن لبون يجب على
طريق البدل عن ابنة مخاض فى الزكاة إذا لم يجدها؛ فلا يجمع بين البدل والمبدل فى واجب،
ولأن موجبها واحد، فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض، ولأن ما قلناه الأقل، فالزيادة عليه لا
تثبت إلا بتوقیف، يجب على من ادعاه الدليل.
فأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يدعوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا؛ فتكون
ديته دية العمد، وهى من أسنان الصدقة، والخلاف فى دية الخطأ، وقول أبى ثور يخالف الآثار
المروية التى ذكرناها؛ فلا يعول عليه اهـ (٤٩٦:٩).
قلت: وفى إسناد حديث عبد الله بن عمر ومحمد بن راشد، وهو ضعيف عند أهل
الحديث، قاله على بن عمر الحافظ، وقال البيهقى: ومذهب عبد الله بن مسعود فى بنى المخاض
مشهور، وقد اختار أبو بكر بن المنذر فى هذا مذهبه، واحتج بأن الشافعى -رحمه الله- إنما صار
إلى قول أهل المدينة فى دية الخطأ؛ لأن الناس قد اختلفوا فيها، والسنة عن النبى معَّ وردت مطلقة
بمائة من الإبل غير مفسرة، واسم الإبل يتناول الصغار والكبار، فألزم القاتل أقل ما قالوا إنه يلزمه

١٥٤
إعلاء السنن
باب الدية فى العمد من الإبل
٥٨٨١- حدثنا الحلوانى، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر، حدثنا صالح
ابن أبى الأخضر عن الزهرى عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول
الله عَّه مائة من الإبل أربعة أسنان: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة،
وخمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، رواه ابن أبى عاصم فى
"كتاب الديات" (ص٣٧).
باب تقدير الديات من غير الإبل
٥٨٨٢- قال محمد فى "كتاب الآثار" (ص٨١): أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم،
(لكون الأقل متيقنا به)، فكان عنده قول أهل المدينة أقل ما قيل فيها، وكأنه لم يبلغه قول عبد الله
ابن مسعود فوجدنا قول عبد الله أقل ما قيل فيها؛ لأن بنى المخاض أقل من بنى اللبون، واسم الإبل
يتناوله؛ فكان هو الواجب دون ما زاد عليه، وهو قول صحابى؛ فهو أولى من غيره، وبالله التوفيق.
قال البيهقى: وقد روی حدیث ابن مسعود من وجه آخر مرفوعا، ولا يصح رفعه. ثم روى
من طريق أبى داود حديث خشف بن مالك عن عبد الله مرفوعا، قال: وقال أبو داود: وهو قول
عبد الله، يعنى إنما روى من قول عبد الله موقوفا غير مرفوع.
قال ابن التركمانى: لا يفهم هذا من كلام أبى داود، بل المفهوم من كلامه أنه أخرج
الحديث وسكت عنه، ثم أفاد أنه قول عبد الله أيضا، وفى "أحكام القرآن" للرازى: لم يرو عن أحد
من الصحابة ممن قال بالأخماس خلافه، وقول الشافعى لم يرو عن أحد من الصحابة، وخشف بن
مالك وثقه النسائى، وذكره ابن حبان فى "الثقات" من التابعين اهـ ملخصا (٧٥:٨).
باب الدیة فی العمد من الإبل
قوله: "حدثنا الحلوانى" إلخ: وصالح بن أبى الأخضر قد ضعفوه، إلا أنه يؤيده أن هذا هو
مذهب الزهرى، كما رواه عنه مالك فى "الموطأ" بلاغا، ويؤيده أيضا ما روى عن ابن مسعود فى
شبه العمد، فاعرف ذلك، والله أعلم. قال العبد الضعيف: قد تقدم له طريق أخرى فى باب دية
شبه العمد ١٢ظ.
باب تقدیر الدیات من غير الإبل
قوله: "قال محمد" إلخ: قلت: قال أبو يوسف فى "كتاب الخراج": الدية مائة من الإبل، أو

ج - ١٨
تقدير الديات من غير الإبل
١٥٥
عن عامر الشعبى، عن عبيدة السلمانى: عن عمر بن الخطاب، قال: على أهل الورق من
ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو ألفا شاة، أو مائتا حلة، أو مائتا بقرة، على ما روى عن رسول
الله عَِّ، ثم من الأئمة من الصحابة. ثم قال: وهذا قول من أدركت من علماءنا بالعراق، فأما أهل
المدينة فإنهم يجعلونها من الورق اثنى عشر ألفا - اهـ" كتاب الخراج" (١٨٥) لأبى يوسف وقال
الشافعى فى القديم مثل قول أهل المدينة، وبه قال أحمد، وقال فى الجديد: الدية مائة من الإبل أو
قيمتها من غيرها بالغة ما بلغت من غير تقدير بشىء. فالكلام ههنا فى موضعين: الأول: فى أن
الدية مقدرة بغير الإبل أم لا .
والثانى: أن الدية عشرة آلاف درهم من الفضة أو اثنا عشر ألفا. فنقول: قال أبو يوسف فى
"كتاب الخراج": حدثنى محمد بن إسحاق، عن عطاء: أن رسول الله عَّ، وضع الدية على الناس
فى أموالهم، على أهل الإبل مائة بغير، وعلى أهل الشاة ألفى شاة، وعلى أهل البقر مائتى بقرة،
وعلى أهل البرد مائتى حلة. وهو ظاهر فى التقدير بغير الإبل؛ لأن النبى معَ ◌ّه ساق الغنم والبقر
والحلل مساق الإبل، والإبل مقدرة فكذاك غيرها.
فإن قلت: فی "مسنده" محمد بن إسحاق، وهو مختلف فيه، ثم هو مدلس وقد عنعن، ثم
عطاء عن النبى معَّه مرسل. قلنا: الاختلاف غير مضر، والتدليس غير جرح عندنا، وعنعنة المدلس
مقبولة عندنا، والمرسل يحتج به عندنا، ثم قد رواه أبو تمیلة یحیی بن واضح عن محمد بن إسحاق،
عن عطاء، عن جابر، أخرجه أبو داود فى "سننه"، وأبو تميلة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، فجاء
الاتصال، واندفع الإرسال.
فإن قلت: هو معارض بما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن الدية
كانت على عهد رسول الله عَ لّه ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يؤمئذ
النصف من دية المسلمين، فكان كذلك حتى استخلف عمر فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر
على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتى بقرة، وعلى
أهل الشاة ألفى شاة، وعلى أهل الحلل مائتى حلة، قال: وترك دية أهل الذمة، لم يرفعها فيما رفع
من الدية اهـ؛ لأن هذا نص فى التقويم دون التقدير.
قلنا: ما رواه ابن إسحاق مبنى على العلم، وما رواه عمرو بن شعيب يحتمل أن يكون مبنيا
على عدم العلم بتقدير رسول الله عّ لّ، فيرجح ما روى ابن إسحاق على ما روى عمرو بن
شعيب، ولو سلم رواية عمرو بن شعيب يلزم أن يكون دية أهل الذمة أنقص من نصف دية

١٥٦
تقدیر الدیات من غير الإبل
إعلاء السنن
الدية عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتا بقرة،
المسلمين، وقد قدره رسول الله عرّ ◌ُله بالنصف، فكيف يظن بعمر أنه بدل سنة رسول الله عَّ له فى
أهل الذمة؟ ثم لما كان بالدينار فى زمنه عَّه مقابلا بعشرة دراهم، كما يدل عليه قوله: كانت الدية
على عهد النبى معَّه ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم.، كان مقتضى التقويم أن يقوم بعشرة
آلاف درهم؛ لأنه قومها بالدينار بألف دينار، فالظاهر أن الرواية غير مبنية على التحقيق، ولا تغتر
بوثاقة الرواة؛ فإن الثقة محفوظ عن الكذب، وليس بمعصوم عن الخطأ والتوهم وعدم الحفظ،
فالراجح هو حديث ابن إسحاق. هذا ما يتعلق بالمقام الأول.
والكلام المتعلق بالمقام الثانى: أن الدية من الورق عشرة آلاف درهم أو اثنا عشر؟ فنقول:
حجتنا فى ذلك ما روينا عن الشعبى، عن عبيدة السلمانى، وحجة أهل المدينة هو ما روى محمد
ابن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: إن رجلا من بنی عدی قتل، فجعل
النبى معَّه ديته اثنى عشر ألفا، رواه أصحاب السنن الأربعة، وقد روى عن عمر وعلى وغيرهما
أنهم جعلوا الدية اثنى عشر ألفا.
والجواب عنه أن الذى يظهر من تتبع الروايات والتعمق فيها أن الدراهم كانت على عهد
رسول الله عَّه والخلفاء الراشدين صنفين: صنف صرف عشرة بدينار، وصنف صرف اثنى عشر
بدینار، وهذه الدراهم كانت متفاوتة فى الوزن، فالصنف الذی کان صرف عشرة بدینار كان وزن
سبعة، والصنف الذى كان صرف اثنى عشر بدينار كان وزن ستة إلا سدسا، والدراهم التى كانت
وزن سبعة كانت خمسة منها مساوية لستة من الدراهم التى كانت وزن ستة إلا سدسا فى الوزن
والقيمة، فقد كانوا يقضون بعشرة آلاف من الدراهم التى كانت وزن سبعة، وقد كانوا يقضون
باثنى عشر ألفا من الدراهم التى كانت وزن ستة إلا سدسا؛ لكونها متساوية فى الوزن والقيمة،
وبهذا يرتفع الخلاف من بین الروايات.
فإن قلت: ما الدليل على وجود الصنفين فى زمنه مآ؟ قلنا: الدليل على ذلك أنه روی
النسائى عن الحسن بن حى، عن منصور، عن الحكم، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن، قال: ثمن المجن
على عهد رسول الله عَّه دينار أو عشرة دراهم.
وهذا يدل على أن الدينار كان يصرف إذ ذاك بعشرة دراهم، فإن قلت: هذا مرسل، قلنا: لا
ضير؛ فإن المرسل عندنا حجة، ويؤيده ما روى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن الدية
کانت على عهد رسول الله مێ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، لأنه يدل على أن الدينار

ج - ١٨
تقدير الديات من غير الإبل
١٥٧
وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الغنم ألفا شاة، وعلى أهل الحلل مائتا حلة،
كان إذ ذاك بعشرة دراهم، ويدل عليه أيضا أنه روى القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود،
قال: لا تقطع اليد إلا فى دينار أو عشرة دراهم، ومثل هذا لا يقال بالرأى، فالظاهر أنه سمعه من
رسول الله عَّ، وهو يدل على أن الدينار كان إذ ذاك بعشرة دراهم.
وروى أحمد عن عائشة، عن النبى عَّ، قال: ((اقطعوا فى ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو
أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلثة دراهم، والدينار اثنى عشر درهما))، وهذا يدل على أن
الدينار كان يصرف إذ ذاك باثنى عشر درهما؛ فثبت وجود كلا الصنفین فی زمنه.
فإن قلت: سلمنا أن الدينار قد كان يصرف بعشرة دراهم، وقد كان يصرف باثنى عشر
درهما، ولكن ما الدليل على أنهما كانا صنفين؟ لم لا تجوز أن تكون صنفا واحدا، ويكون
الاختلاف فى الصرف للاختلاف فى سعر الدينار؟
قلنا: فإن كان تلك الدراهم وزن سبعة ففيه أنه روى الشافعى فى "الأم" عن محمد بن
الحسن، عن شريك، عن أبى إسحاق: أنه قضى عثمان فى الدية باثنى عشر ألف درهم، وكان
الدرهم يومئذ وزن ستة. ويلزم منه أن الصحابة أحدثوا بعد النبى عَّ ◌ُلّه درهما غير شرعى من غير
ضرورة، ولم يقل به أحد، وإن كانت تلك الدراهم وزن ستة، يلزم أن تكون الأحكام الشرعية من
نصاب الزكاة وغيره متعلقا به، ولا يقول به أحد من الأمة، فالظاهر هو ما قلنا: إن الدراهم كانت
إذ ذاك صنفين: صنف وزن سبعة، وصنف وزن ستة إلا سدسا.
وما روى أنها كانت وزن ستة قول تقريبى لا تحقيقى، والدراهم الشرعية كانت وزن سبعة،
كما يدل عليه إجماع الأمة، والدراهم وزن الستة كانوا يتعاملون بها على مساواة وزن السبعة فى
الوزن والقيمة.
ويدل أيضا على أن اختلاف الصرف لم يكن للاختلاف فى السعر بل للاختلاف فى
الوزن، أنه يروى أن الدراهم كانت تصرف عشرة بدينار، ولا يروى غير ذلك، ولا خفاء فى أن
اختلاف السعر لا ينحصر فيهما. فهذا دليل ظاهر على أن اختلاف الصرف إنما كان لأجل
اختلاف وزن الدراهم، لا للاختلاف فى سعر الدينار.
فإن قلت: كيف قلت: إن الدراهم صرف عشرة بدينار كانت وزن سبعة، والدراهم صرف
اثنى عشر بدينار كانت وزن ستة إلا سدسا؟ قلنا؛ إذا انحصر الدراهم فى صنفين، وكان أحدهما
" وزن سبعة بدليل الإجماع، دل ذلك على أنها هى التى كانت تصرف عشرة مننها بدينار؛ لأنها

١٥٨
تقدير الديات من غير الإبل
إعلاء السنن
ورواه أبو يوسف فى "كتاب الخراج": عن ابن أبى ليلى عن الشعبى عن عبيدة
أكبر من الدراهم التى كانت تصرف اثنا عشر منها بدينار، ولما كانت الدراهم التى كانت تصرف
اثنا عشر منها بدينار أصغر كانت هى وزن الستة.
فإن قلت: كيف عرفت أن الدراهم وزن الستة كانت أنقص من ستة مثاقيل بقدر السدس؟
قلنا: إذا عرفنا أن الدراهم وزن سبعة مثاقيل كانت عشرة منها تساوى اثنى عشر من الدراهم وزن
الستة فى الصرف، عرفنا أنها كانت تساويها فى الوزن، فكان وزن اثنى عشر منها سبعة مثاقيل،
كما كان وزن عشرة الصنف الآخر سبعة مثاقيل، فيكون الدراهم من وزن السبعة وزنه اثنان
وأربعون جزء من ستين جزء من المثقال، ويكون الدراهم من الصنف الآخر وزنه خمسة وثلثون
جزء من ستين جزء من المثقال، فيكون وزن عشرة من هذا الصنف خمسة مثاقيل وخمسون جزء
من ستين جزء من مثقال، أعنى (٦٠:٥- ٥٠)، وهو خمسة مثاقيل وخمسة أسداس مثقال، فيكون
وزن عشرة منها خمسة مثاقيل وخمسة أسداس مثقال، وهو وزن الستة إلا سدسا، وعلى هذا
يكون قولهم وزن الستة مبنيا على التقريب دون التحقيق.
فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون اثنا عشر منها مساويا لعشرة من الصنف الآخر فى القيمة
العرفية دون الوزن؟ فتكون وزن الستة على التحقيق. قلنا: هو محتمل، لكن الظاهر هو المساواة فى
الوزن والقيمة، ولو سلم المساواة فى القيمة دون الوزن يقال: إن القضاء باثنى عشر ألفا كان قضاء
بقيمة الدية؛ لأنها كانت مساوية لألف دينار وعشرة آلاف دراهم من وزن السبعة فى القيمة
بحسب عرف ذلك الزمان، والدية هو ألف دينار أو عشرة آلاف دراهم من وزن السبعة، والتقدير
باثنى عشر ألف درهم من الدراهم وزن السبعة غير صحيح؛ لأن رواية أبى إسحاق عن عثمان
صريحة فى أن قضاءه باثنى عشر ألفاً كان من وزن الستة، ويحمل عليه قضاء عمر باثنى عشر ألف
درهم؛ لأنه صح أنه قضى بعشرة آلاف درهم، ولا يحصل التوفيق إلا بحمل أحدهما على وزن
السبعة، والآخر على وزن الستة، والعمل بأحدهما وترك العمل بالآخر إلغاء للرواية الصحيحة من
غير ضرورة.
والقول بأن هذا الاختلاف إنما كان لأجل الاختلاف فى قيمة الإبل، يرده القضاء بألف
دينار فى كلتا الروايتين، إذ لو كان ذلك لاختلاف القيمة لاختلف القضاء بالدنانير أيضا، وكذا
يرده اتحاد القضاء بمائتى بقرة، وألفى شاة، ومائتى حلة لما قلنا. والقول باختلاف قيمة الدنانير قد
عرفت بطلانه فيما عرفت؛ فتعين أن ذلك كان لاختلاف الدراهم فى الوزن والقيمة لا لغيره.

ج - ١٨
تقدیر الديات من غير الإبل
١٥٩
السلمانى (ص ١٨٥)، ورواه ابن أبى شيبة عن وكيع، عن ابن أبى ليلى بسنده المذكور،
كما فى "الزيلعى".
ولما فرغنا من الكلام مع الشافعى وأهل المدينة نقول: إن أبا يوسف قال فى "كتاب الخراج":
الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، أو ألفا شاة، أو مائتا حلة، أو مائتا بقرة.
ثم قال: وهذا قول من أدركت من علمائنا بالعراق اهـ.
وهذا يدل على أنه لا خلاف فيه لأبى حنيفة، وقوله فى ذلك مثل قول أبى يوسف فى أن
الدية مائتا بقرة، ومائتا حلة، وألفا شاة. ولكن قال محمد فى "كتاب الآثار" بعد نقل رواية الشعبى
عن عبيدة التى رويناها فيما سلف: بهذا كله نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ من ذلك بالإبل
والدراهم والدنانير اهـ، وهذا يدل على أنه لا يأخذ بقول عمر فى البقر والغنم والحلل، فقال بعض
الفقهاء: إن فى المسألة عن أبى حنيفة روايتان: فى رواية يأخذ بالكل، وفى رواية يأخذ بالإبل
والدراهم والدنانير، ولا يأخذ بالبقر والغنم والحلل.
وقال بعضهم: لا اختلاف فى الرواية، وقوله فى ذلك هو عدم الأخذ بالبقر والغنم والحلل،
ولا أدرى ماذا يقول فيما روى أبو يوسف عن علماء العراق من غير ذكر بخلاف أبى حنيفة.
والحق عندى أنه لا خلاف لأبى حنيفة فى المسألة، وإنما قوله قولهما، ومعنى قول محمد: إن
أبا حنيفة كان يأخذ من ذلك بالإبل والدراهم والدنانير، أنه كان يأخذ بها على وجه الأولوية؛ لأن
الإبل أصل فى الدية بلا شبهة، وفى غيرها احتمال التقويم، فما هو أصل بلا شبهة أولى مما فيه شبهة
البدلية، ثم الدراهم والدنانير أمر معلوم لا يحتمل النزاع، والبقر والغنم والحلل أمر مجهول يحتمل
النزاع، فما هو غير محتمل للنزاع أولى مما يحتمل النزاع، وليس معناه أنه لا يأخذ بالبقر والغنم
والحلل أصلا؛ لأن التقدير بها ثابت عن النبى معَّه وعن عمر، فكيف لا يأخذ به؟ وما يقال: إنها
مجهولة ولا يصح التقويم بالمجهول، غير صحيح؛ لأنها كالإبل فى الجهالة، فلما صح التقويم بالإبل
مع الجهالة، فكيف لا يجوز التقويم بالبقر وغيرها مع الجهالة؟ وما يقال: إن التقدير بالإبل مشهور
دون التقدير بالبقر وغيرها، غير مفيد؛ لأنه لا أثر للشهرة فى صحة التقويم بالمجهول، والمؤثر فيما هو
صحة الخبر، وقد سلم أبو حنيفة صحته فى باب الدراهم والدنانير، فکیف لا یعتبر صحته فى باب
البقر والغنم والحلل؟.
ويحمل عليه ما رواه محمد فى كتاب الديات من "المبسوط": أنه لا يثبت الدية عند أبى
حنيفة إلا من هذه الأنواع الثلاثة، أعنى الإبل، والدنانير، والدراهم، أى لا يثبت على وجه .

١٦٠
تقدیر الدیات من غير الإبل
إعلاء السنن
الأولوية، ويدل على صحة هذا التأويل أنه ذكر محمد فى "كتاب المعاقل": "أنه لو صالح أحد
على أكثر من مائتى بقرة أو حلة لا يصح" لأنه لم يذكر فيه خلافا لأبى حنيفة، وهذا يدل على أن
الدية مقدرة من البقر والحلل عنده، كما هى مقدرة من الإبل.
واختلف المشايخ فى رواية "كتاب المعاقل"، فقال بعضهم: هى على الاتفاق، واحتجوا فى
ذلك بعدم ذكر الخلاف، وقال بعضهم: هو قولهما، وقوله هو الصحة، واحتجوا فى ذلك برواية
الديات أنه لا تثبت الدية عند أبى حنيفة إلا من الإبل والدراهم والدنانير، وخطأوا قول الاتفاق،
وأجاب عنه بعضهم بأن قول الاتفاق مبنى على عدم تسليم صحة رواية كتاب الديات، وفيه نظر؛
لأن قول الاتفاق ليس فيه تصريح بعدم تسليم صحة رواية كتاب الديات، ولا هو مستلزم له؛ لأنه
يمكن أن يكون مبنيا على تأويل رواية كتاب الديات على نحو ما أولناه، ولا وجه لعدم التسليم
للصحّة بعد الثبوت، وقد عرفت أن الحق عندى هو عدم الخلاف بينهم، ورواية " كتاب الآثار"
والديات مؤولة، والله أعلم.
.. ثم اعلم أنه روى البزار عن يوسف بن صهيب، عن أبيه: أن امرأة خذفت امرأة، فقضى
رسول الله عَّ فی ولدها بخمسمائة ونهى عن الخذف، كذا فى "الزيلعى"، وهذه رواية تدل على
أن الدية عشرة آلاف درهم؛ لأن الواجب فى الجنين نصف عشر الدية، فإذا كانت خمسمائة نصف
العشر كانت الدية عشرة آلاف درهم، كما لا يخفى، فهى شاهدة لما روى عن عمر فاعرف ذلك.
قال العبد الضعيف: ذكر البلاذرى فى "الفتوح": حدثنا الحسين بن الأسود، حدثنا يحيى
ابن آدم، حدثنى الحسن بن صالح، قال: كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة، كبارا أو
صغارا، فكانوا يضربون منها مثقالا، وهو وزن عشرين قيراطا، ويضربون منها وزن اثنى عشر
قيراطا، ويضربون عشرة قراريط، وهى أنصاف المثاقيل، فلما جاء الله بالإسلام واحتيج فى أداء
الزكاة إلى الأمر الوسط، فأخذوا عشرين قيراطا واثنى عشر قيراطا وعشرة قراريط، فوجدوا ذلك
اثنين وأربعين قيراطا، فضربوا على وزن الثلث من ذلك وهو أربعة عشر قيراطا، فوزن الدرهم
العربى أربعة عشر قيراطا من قراريط الدينار العزيز، فصار وزن كل عشرة دراهم سبع مثاقيل،
وذلك مائة وأربعون قيراطا وزن سبعة، وقال غير الحسن بن صالح: كانت دراهم الأعاجم ما
العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وما العشرة منها وزن ستة مثاقيل، وما العشرة منها وزن خمسة
مثاقيل، فجمع ذلك فوجد إحدى وعشرين مثقالا، فأخذ ثلاثة، وهو سبعة مثاقيل، فضربوا دراهم