النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الخذف بالحصاة للمطلع من الجحر ج - ١٨ روى البخارى عن أنس: إن رجلا اطلع من حجر فى بعض حجر النبى معَّةِ، فقام إليه بمشقص أو بمشاقص، وجعل يختله ليطعنه. والجواب عنه أنه لا حجة لهم فيه، لأنه لا أثر فيه لفقأ العين، والكلام فيه. واحتجوا أيضا بما روى البخارى عن سهل بن سعد الساعدي: إن رجلا اطلع فى حجر فى باب النبى مِّه، معه مدرى يحك به رأسه، فلما رأه قال: ((لو أعلم أنك تنظرنى لطعنت به فى عينك، إنما جعل الإذن من قبل البصر)). والجواب عنه أنه لا ذكر فيه أيضا للفقأ، والكلام فيه، فلا حجة فيه أيضا .. واحتجوا أيضا بما رواه ابن أبى عاصم فى "كتاب الديات" (ص٤٨): عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة: أن النبى معَّه قال: ((لو أن رجلا اطلع على قوم بغير إذنهم، لحل لهم أن يفقأوا عينه)). والجواب عنه أن معناه يحل لهم أن يخذفوه تأديبا، وإن أفضى إلى فقأ العين فلا إثم عليهم، لأنهم لم يقصدوا فقأ العين كما يدل عليه رواية الأعرج عن أبى هريرة، وليس معناه أنه يباح لهم فقأ العين قصدا كما زعموا؛ لأنه لو كان كذلك لكان فقأ العين حقا مستحقا لهم عليه، ويجوز لهم مطالبته عند القاضى، وكذا يجوز لهم فقاً عينه بعد الامتناع من الاطلاع، وليس كذلك بالإجماع، فالصواب فى معناه هو ما قلنا. واحتجوا أيضا بما روى ابن أبى عاصم فى "الديات" عن ابن عجلان، عن أبيه، عن الزهرى، عن أبى هريرة، مرفوعا: أنه قال: ((ما كان عليك من ذلك من شىء)). والجواب عنه أن معناه ما كان عليك من ذلك من شىء من الإثم. واحتجوا أيضا بما روى ابن أبى عاصم وغيره، عن بشير بن نهيك، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّه: ((فمن اطلع فى بيت قوم بغير إذنهم، ففقأوا عينه، فلا دية ولا قصاص))، وقالوا: هو أصرح ما فى الباب. والجواب عنه أنه لا حجة لهم فيه أيضا؛ لأنه من باب الرواية بالمعنى على حسب ما فهمه الراوى؛ لأن الرواية قد رويت بألفاظ مختلفة محتملة الوجوه، فلعل راو ما سمع عمن فوقه حديثه بلفظ محتمل، ثم رواه مفسرا بما فهمه، فلا حجة فيه. ولو سلم أنه من لفظ النبى عّ لّه يحمل على التغليظ والتهديد دون الحقيقة، لأنك قد عرفت أن المرء لا يستحق فقاً عينه بالاطلاع، وإلا جاز فقا عينه بعد الانتهاء عن الاطلاع والمطالبة به عند القاضى، وهو باطل بالإجماع، فلا بد من التأويل ١٢٢ إعلاء السنن باب القصاص من الضربة واللطمة ٥٨٥٦- عن أبى سعيد الخدرى، قال: ((بينما رسول الله عَّ له يقسم قسما، أقبل رجل فأكب عليه، فطعنه رسول الله عَّ له بعرجون كان معه، فجرح وجهه، فقال له رسول الله ◌ّ له: فاستقد، فقال: بل عفوت يا رسول الله!))، أخرجه النسائي، وأبو داود، وسکت عنه. وصرف الكلام عن الظاهر، وقاسوا أيضا على جواز دفع الصائل لو أتى على نفس المدفوع، وهو قياس مع الفارق؛ لأن الدافع مضطر إلى دفع الصائل بالقتل، وليس المنظور إليه مضطرا إلى دفع الناظر بالفقا؛ لأنه يمكن دفعه بالزجر، أو بسد الحجر، أو بالطعن الخفيف وغيره، فالقياس غير صحيح، هذا هو التحقيق، فاحفظه، والله أعلم. باب القصاص من الضربة واللطمة * قوله: عن أبى سعيد إلخ: قلت: فى الحديث دليل على أنه إذا رضى الضارب بالقصاص من الضرب يجوز، وهو لا ينافى مذهب أبى حنيفة؛ لأن القول بعدم القصاص من الضرب والطعن واللطم وغيرها مبنى على عدم إمكان المماثلة، وإمكان الاعتداء، فلما رضى الضارب بالقصاص رضى بالاعتداء المحتمل والعفو عنه، فلا معنى لعدم الجواز، وهذا هو تأويل ما روى إبراهيم الجوزجاني عن أبى بكر الصديق: أنه لطم رجلا يوما لطمة، فقال له: اقتص، فعفا الرجل، وعن كميل بن زياد، قال: لطمنى عثمان ثم أقادنى فعفوت عنه (إعلام الموقعين ١١٧:١)، فلا حجة فى تلك الأخبار لمن أوجب القصاص من الضربة واللطمة، لأن الكلام فى وجوب القصاص من اللطمة والضربة، رضى أو لم يرض، وليس الكلام فى الجواز عند الرضا، وفى الأخبار دلالة على الثانى دون الأول. فإن قلت: قد روى إبراهيم الجوزجانى عن طارق، أنه قال: لطم ابن أخ لخالد بن الوليد رجلا من مراد، فأقاده خالدمنه، وعن عمر بن الخطاب أنه قال: إنى لم أبعث عمالى إليكم يضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن إنما بعثتهم ليبلغو کم دينكم وسنة نبيكم، ويقسموا فيئكم، فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلى، فو الذى نفس عمر بيده لأقصنه منه، وعن المطلب بن السائب: إن رجلين من بنى ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر، فكسر أنفه، فانكسر عظم كف الضارب، فأقاد أبو بكر من أنف المضروب ولم يقد من يد الضارب)) (إعلام الموقعين ١١٧:١)، وفى هذه ١٢٣ ج - ١٨ باب قتل الخطأ ٥٨٥٧- عن مجاهد، فى قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا﴾ الآية، الآثار دلالة على وجوب القصاص. قلنا: كلا! لأن كل ذلك كان على وجه التعزير دون القصاص؛ لأن القصاص يشترط فيه المماثلة، ولا مماثلة ههنا، فيحمل على التعزير، وإنما اختاروا هذا التعزير؛ لكونه أقرب إلى القصاص، ولذا سموه قصاصا، فلا حجة لموجبى القصاص فى تلك الآثار أيضًا؛ لأنا لا نقول: إنه لا يجوز للحاكم أن يأمر الملطوم أن يلطم اللاطم، وأن يأمر المضروب أن يضرب الضارب، حتى يحتج علينا بهذه الآثار، بل نقول: لا يجب عليه ذلك قصاصا، ولكن لو فعل ذلك على وجه التعزير جاز؛ لأن التعزير مفوض إليه، فإذا اختار التعزير بمثل ما فعله المعتدى فلا معنى لعدم الجواز، وقال من أوجب القصاص: إن فى القصاص تحريا للمماثلة بقدر الإمكان، وما فيه من احتمال الزيادة غير داخل تحت الوسع، فلا يكون داخلا تحت التكليف بخلاف التعزير، فإنه لا مماثلة فيه؛ لأنه قد يكون بخلاف الجنس، يزيد وينقص، فيكون القصاص أعدل. والجواب عنه أن فى القصاص إيفاء حق، ولا يجوز لصاحب الحق أن يستوفى زائدا من حقه، بخلاف التعزير؛ لأن المقصود فيه هو الزجر لا إيفاء حق، فلا ينطر فيه إلى المماثلة، بل إلى الانزجار فقط، هذا هو الفرق بين القصاص والتعزير، فلا يجوز القصاص بالزيادة ويجوز التعزير بها. وما قال: إن رعاية المماثلة من كل وجه غير داخل فى الوسع، فينبغى أن يهدر الزيادة كزيادة فى المكيلات والموزونات فاسد؛ لأن زيادة المكيلات والموزونات زيادة غير معتد بها، بخلاف اللطم والضرب، فإنه معتد بها؛ لأن التفاوت بين الموزونين والمكيلين تفاوت يسير، بخلاف تفاوت اللطمتين والضربتين، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر، وكون المماثلة غير مقدورة لا يكون عذرا فى وجوب القصاص، ألا ترى أنه لو وقع القتل خطأ لا يجب القصاص، مع أن المماثلة غير مقدورة، ومقتضى قولهم: أن يجب القصاص؛ لأن القتل أشبه بالقتل من المال، وما فيه من زيادة التعمد فهو من ضرورة عدم إمكان المماثلة فى كون كل واحد خطأ، فينبغى أن يكون القصاص هناك أعدل من الدية، وليس كذلك، فظهر أن هذا القول ناشٍ من قلة التفقه، والقول بعدم وجوب القصاص، هو أشبه وأعدل. باب قتل الخطأ قوله: "هو مجاهد إلخ": قلت: فدلت هذه الروايات أن الآية كما أنها شاملة لمن قتل مؤمنا ١٢٤ قتل الخطأ إعلاء السنن قال: قتل عياش بن أبى ربيعة رجلا مؤمنا كان يعذبه مع أبى جهل، وهو أخوه، فاتبع النبى عٍَّ، وهو يحسب أن ذلك الرجل كان كما هو. ٥٨٥٨- وعن السدى: "أن عياش بن أبى ربيعة قتل رجلا من بنى عامر - وقد أسلم- وعياش لا يعلم بإسلامه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن: ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا﴾ فيتركوا الدية. ٥٨٥٩- وقال ابن جريج عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد بن نبيشة من بنى عامر بن لوى يعذب عياش بن أبى ربيعة ثم خرج الحارث بن يزيد متأخرا إلى النبى عَّةٍ فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف حتى سكت وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبى معَّهِ فأخبره فنزلت ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾ الآية فقرأها عليه ثم قال: ((قم فحرر)). وقال ابن زيد: إن الآية نزلت فى أبى الدرداء، حين قتل راعى الغنم، وقد قال: لا إله إلا الله، بظن أنه قال ذلك اتقاء من القتل، خصته من ابن جرير. بالخطأ فى العقل- بأن رمى إلى كافر فأصاب مؤمنا- كذلك هى شاملة لمن أخطأ فى الظن، وقتل مؤمنا يظنه كافرا، ويجب على كل منهما الكفارة والدية -إن كان أهل المقتول مسلمين أو معاهدين- ويؤيده ما روى فى "المعتصر" (ص٢٩٨) عن سلمة بن نعيم قال: شهدت مع خالد بن الوليد يوم اليمامة، فلما شددنا جرحنا رجلا منهم، فلما وقع قال: اللهم على ملتك وملة رسولك، وإنى برىء مما عليه مسيلمة، فعقدت فى رجله خيطا، ومضيت مع القوم، فلما رجعت نادیت، من يعرف هذا الرجل؟ فمر بى أناس من أهل اليمن، فقالوا: رجل من المسلمين، فرجعت إلى المدينة زمن عمر بن الخطاب، فحدثته الحديث، فقال: قد أحسنت؛ فإن عليك وعلى قومك الدية، عليك تحرير رقبة اهـ؛ لأن هذا الأثر دال على أن من قتل مؤمنا يظنه كافرا فهو قتل خطأ، وعلى القاتل الكفارة، وعلى عاقلته الدية؛ لأن سلمة إنما قتله فى الجهاد بظن أنه من أتباع مسيلمة. وبه يظهر أن قتل اليمان أبى حذيفة إنما كان خطأ موجبا للدية على العاقلة، والكفارة على القاتل، وإرادة النبى ◌ّ أداء الدية من بيت المال، إنما كان تبرعا، والسكوت عن الكفارة، إنما كان لكونه معلوما، وكذا هو فعل النبى عّ لّه فى قتل خالد بنى جذيمة، فلا يقال فى أمثال هذين القتلين: إنه لا دلالة فيهما على كونهما خطأ، لأن النبى معَّهه لم يأمر فيهما بالكفارة، ولا أمر بالدية على ج - ١٨ ١٢٥ باب من شهر سيفه على المسلمين فدمه هدر لا یجب به قصاص أو دیة ٥٨٦٠- عن ابن الزبير، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من شهر سيفه ثم وضعه العاقلة، فيحتمل أن يكون قتلا عمدا أسقط فيهما القصاص للشبهة، ووجه عدم الإشكال ظاهر مما قررنا، أن السكوت عن الكفارة لم يكن لعدم الوجوب، بل لكونه معلوما، وأداء الدية من بيت المال، إنما كان تبرعا، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب فى مثل هذا القتل الكفارة والدية، وعمر رضى الله عنه أوجب الكفارة على القاتل، والدية على العاقلة. ثم اعلم أن القتل الخطأ الموجب للكفارة على القاتل والدية على العاقلة، هو الذى يكون مباشرة لا تسببا، ويكون مبناه هو ظنه، ويكون ذلك الظن خطأ، فلو لم يكن القتل مباشرة بل تسببا، كالقاضى قضى بقتل رجل، وقتل ذلك الرجل، ثم ظهر أنه أخطأ فى القضاء؛ لكون الشهود غير أهل الشهادة، لا يكون هذا القتل خطأ موجبا للكفارة على القاضى؛ لأنه قتله تسببا، ولم يقتل مباشرة، ولو قتله القاضى بنفسه بعد القضاء لم يكن خطأ أيضا؛ لأن هذا القتل ليس مبنيا على ظنه، بل هو مبنى على قضاء القاضى؛ لأنه لما قضى بالقتل كان قاضيا، ولما قتله لم يكن قاضيًا، بل ملحقا بعامة المسلمين، فصار كما لو قتل غيره بأمره. ومعلوم أنه لو قتله غيره بأمره لم يكن هذا القتل خطأ؛ لأنه لم يقتله بناء على ظنه، بل قتله اعتمادا على قضاء القاضى وائتمارا بأمره، وعلى هذا لو قضى القاضى برجم رجل وضرب إنسان عنقه، ثم ظهر خطأ القاضى لا يكون هذا القتل خطأ؛ لأنه لم يعتمد فى هذا القتل على ظنه، بل اعتمد على قضاء القاضى، فلا يكون هذا القتل خطأ بل عمدا؛ لأن قتل الخطأ ما يكون مبنيا على ظن القاتل، والذى يكون مبنيا على قضاء القاضى، أو أمره لا يكون خطأ بل عمدا، فلو كان هذا القتل مبنيا على أمره، كما هو مبنى على قضائه، سقط عنه عهدته، وانتسب إلى القاضى، ولكن لما لم يكن مبنيا على أمره، بل على قضائه بإهدار دمه فقط، كان عهدته عليه، ويجب الدية فى ماله؛ لأنه قتل عمدا، كما عرفت. والعواقل لا تعقل العمد، ولا يجب عليه القصاص؛ لأنه اعتمد على قضاء القاضى، وهو لا يعلم بكونه خطأ، فلم يكن القتل عدوانا محضا؛ فلا يجب القصاص؛ لأن القصاص، إنما يجب إذا كان القتل عمداً وعدوانا محضا. باب من شهر سیفه علی المسلمین فدمه هدر إلخ قوله: "عن ابن الزبير إلخ": قلت: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وهو مذهب أبى ١٢٦ من شهر سیفه على المسلمین فدمه هدر إعلاء السنن فدمه هدر))، أخرجه النسائى فى ((سننه))، والحاكم فى "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال عبد الحق فى "أحكامه": وقد روى موقوفا، والذى أسنده ثقة (زيلعى ٣٤٤:٢). ٥٨٦١- وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه))، رواه أحمد والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (زيلعى ٣٤٤). حنيفة، قال محمد، عن يعقوب، عن أبى حنيفة: رجل شهر سيفا على المسلمين، فلهم أن يقتلوه، ولا شىء عليهم اهـ (الجامع الصغير ١٦٦)، وهو أعم من أن يقتله المشهور عليه أو غيره؛ لأنه أهدر دمه بالشهر، ولما كان المبيح للدم هو الشهر، والإشارة بالحديد بإرادة القتل، لا يكون مجرد التهديد بالقتل من غير قصد القتل، وإرادته مبيحا، وكذلك الظلم بما دون القتل، فما قال البخارى: إن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه، ولا قصاص محتجا بقوله عدّ له: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه))، وقوله مرّ ◌ُّه: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) خطأ؛ لأن مجرد الظلم لا يجعل الظالم مباح الدم، حتى لا يجوز للمظلوم نفسه قتله، فكيف بمن ينصره؟. وما قال ابن بطال: اختلفوا فيمن قاتل عن رجل خشى عليه أن يقتل، فقتل دونه، ھل یجب على الآخر القصاص أو الدية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شىء، للحديث المذكور ففيه: ((ولا يسلمه))، وفى الحديث الذى بعده: ((انصر أخاك))، وبذلك قال عمر، وقالت طائفة: عليه القود، وهو قول الكوفيين، وهو يشبه قول ابن القاسم، وطائفة عن المالكية. وأجابوا عن الحديث بأن فيه الندب إلى النصر، وليس فيه الإذن بالقتل اهـ، فهو أيضا خطأ؛ لأن مجرد خوف القتل على المسلم لا يجعل من يخاف منه القتل مباح الدم ما لم يرد القتل، ولا دلالة فى الحديثين الذين ذكرهما على ما قال؛ لأن النصرة لا تنحصر فى القتل، بل صورته أن يمنع الظالم بالنصح وغیره، فلما قصد قتله وشهر سیفه قتله؛ لأنه صار مباح الدم حينئذ. وما قال ابن حجر: المتجه قول ابن بطال: إن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه، فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم، وإنما يقصد دفعه، فلو أتى الدفع على الظالم کان دمه هدرا، وحينئذ لا فرق بین دفعه عن نفسه، و دفعه عن غيره اهـ، لیس بشیء؛ لأنك قد عرفت أن النصرة والمدافعة لا تنحصر فى القتل، وكل ظلم لا يبيح القتل، وقوله: القادر على تخليص المظلوم توجه عليه الدفع بكل ما أمكنه، غير مسلم على الإطلاق؛ لأنه لا بد فى ما ينصره ج - ١٨ ١٢٧ باب سقوط القصاص والدية عمن قاتل دون ماله فقتل ٥٨٦٢- عن أبى هريرة، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله عَّ ◌ُله، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالى؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو فی النار))، رواه مسلم. به أن يكون مأذونا فيه من الشرع، فلا بد من إقامة الدليل على أن القتل فى هذه الحال مأذون فيه من الشرع. تنبيه: هل يجوز دفع كل ظلم لا يمكن التلخص منه إلا بقتل الظالم بالقتل، أم هو مختص بشهر السلاح للقتل؟ وهل ناصر المظلوم فى ذلك كالمظلوم؟ لم يتيسر لى تحقيقه، فليحقق. قال العبد الضعيف: قال فى "الخلاصة": رجل أراد أن يحلق لحية رجل أن له أن يقتله، ولو أراد أن يقلع سنه له أن يقتله، ولو جاء إلى آخر، وقصد قلع سنه فقتله، لا ضمان عليه، أما إذا جاءه بالمبرد ليبرد سنه فقتله، فغليه الضمان، ولو قصد بها الفاحشة لها أن تقتله، وقد مر فی کتاب الطلاق، والله أعلم (٤: ٢٤٥)، وفيه دليل على جواز دفع كل ظلم يأتى على النفس، أو على العضو، والطرف، أو المال، لا يدفعه المظلوم عن نفسه إلا بقتل الظالم يقتله، ولا يتقيد جواز قتله بأن يكون قد أراد قتل المظلوم، أو شهر السلاح عليه، وسيأتى لذلك مزيد فى الباب الآتى، فانظر، ظ. باب سقوط القصاص والدية عمن قاتل دون ماله فقتل قوله: "عن أبى هريرة إلخ": قلت: معنى قوله: ((قاتل دون مالك)) إن قاتله مدافعة عن مالك إن قاتلك على أخذه، كما يدل عليه رواية مسلم؛ لأنه إذا قاتل على أخذ المال، فقد شهر السيف بغير حق، واستحق القتل، فجاز قتاله وقتله، وأما قتله بغير أن يشهر السيف لأخذ المال لاستنقاذ ماله، فلا دلالة فى الحديثين على جوازه، ولكن قال محمد فى "الجامع الصغير": رجل دخل على رجل ليلا، فأخرج السرقة ليلا، فاتبعه الرجل فقتله، فلا شىء عليه (الجامع الصغير ١٦٦)، وهو ١٢٨ سقوط القصاص والدية عمن قاتل دون ماله فقتل إعلاء السنن ٥٨٦٣- وعنه قال: ((أتى رجل النبى عَ ◌ّه، فقال: يا رسول الله! أرأيت أراد أحد أن يأخذ مالى؟ قال: أنشده الله والإسلام ثلاثا، قال: قد فعلت، قال: قاتل دون مالك، قال: فإن قتلت؟ قال فى الجنة، قال: فإن قتلت؟ قال: فى النار))، رواه البخارى فى "تاريخه الأوسط" (زيلعى). يدل بظاهره على أنه لو قتله لاستنقاذ ما له من غير أن يشهر السارق عليه سيفا فهو جائز، ولا شىء علیه. ولم يظهر لى حجة لذلك، فإما أن يؤول هذا القول ويقال: إن معناه أنه اتبعه فقاتله السارق، فقتله، وإما أن يطلب دليل آخر يدل على جواز القتل ابتداء؛ إذ لا دليل فى قوله عدّ له: ((قاتل دون مالك)) على جواز القتل ابتداء من غير أن يشهر الآخر عليه السيف كما عرفت. ولو استدل بظاهر لفظ: ((قاتل دون مالك»، فغايته أنه يدل على جواز ابتداء القتال من صاحب المال، لا على جواز القتل؛ لأنه يمكن أن يكون إجازة ابتداء القتال ليرتدع الآخر من إرادة الأخذ خوفا من القتال، أو يقاتل فيباح للمالك قتله، فلا بد لجواز القتل من إقامة دليل آخر. والظاهر عندى تأويل كلام محمد؛ لأنه إن جوز القتل لمجرد استنقاذ المال، قليلا كان أو كثيرا من غير أن يشهر الطالب السيف لأخذ المال، فإما أن يلتزم جواز القتل لدفع كل ظلم أو لا، والأول: بعيد، والثانى: يحتاج إلى بيان الفرق بين أخذ المال وغيره من المظالم، فليتحقق. قال العبد الضعيف: قال فى "الدر": ومن دخل عليه ليلا، فأخرج السرقة من بيته، فاتبعه رب البيت فقتله، لا شىء عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قاتل دون مالك))، وكذا لو قتله قبل الأخذ إذا قصد أخذ ماله، ولم يتمكن من دفعه إلا بالقتل (صدر الشريعة)، هذا إذا لم يعلم أنه لو صاح عليه طرح ماله، وإن علم ذلك فقتله مع ذلك وجب عليه القصاص لقتله بغير حق، كالمغصوب منه إذا قتل الغاصب، فإنه يجب القود؛ لقدرته عليه دفعه باستغاثه بالمسلمين والقاضى اهـ، قال ابن عابدين: انظر إذا لم يقدر المسلمون والقاضى، كما هو مشاهد فى زماننا، والظاهر أنه يجوز له قتله لعموم الحدیث (٥٣٩:٥). ومفاده أنه إنما يشترط لجواز قتل الظالم عدم التمكن من دفع ظلمه إلا بالقتل، ولا يشترط أن يكون الظالم أراد قتل المظلوم، أو يكون قد شهر السلاح عليه؛ فإن السارق لو لم يرد إلا أخذ المال، ولم يتمكن المسروق منه من صيانة ماله عنه إلا بقتله، جاز قتله؛ لإطلاق قوله : ((من قتل دون ١٢٩ سقوط القصاص والدية عمن قاتل دون ماله فقتل ج - ١٨ ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))، قال العزيزى: وهو متواتر، وروى البخارى والنسائى والضياء عن سويد بن مقرن رفعه: ((من قتل دون مظلمة فهو شهيد))، كذا فى "العزيزى" (٣٥٣:٣)، وهذا يعم ما تقدم فيما قبله. ومفاده أن من قتل فى دفع الظلم عن نفسه أو ماله أو أهله فهو شهيد، سواء كان الظالم قاتله أو لا، وأراد قتله، أو أراد ظلما دون القتل، ولم يتمكن المظلوم من دفعه إلا بقتله فله قتله، وهل يشترط فيمن قصد ماله كثرة المال الذى قصده؟ فقال فى الصغرى: إن عشرة أو أكثر له قتله، وإن أقل قاتله ولم يقتله اهـ، يريد به تقييد ما أطلقه المتون والشروح، ولكنها لا تقيد بما فى "الفتاوى"، وقال فى "المنح" عن "البحر": استقبله اللصوص ومعه مال لا يساوى عشرة، حل له أن يقاتلهم؛ لقوله مرّ ◌ُّه: ((قاتل دون مالك))، والمال يقع على الكثير والقليل اهـ من "رد المحتار" (٥٣٩:٥)، وفيه عن "الخانية": رأى رجلا يسرق ماله، فصاح به ولم يهرب، أو رأى رجلا ينقب حائطه أو حائط غيره، وهو معروف بالسرقة (قيد به ليكون النقب دليلا على قصد السرقة)، فصاح به ولم يهرب، حل له قتله، ولا قصاص عليه اهـ، وفى كل ذلك دليل على جواز الابتداء بقتل الظالم، ولو لم يرد إلا أخذ المال ونحوه، فافهم، ومن أراد البسط، فليراجع كتب القوم. وأخرج البيهقى فى "سننه" من طريق سماك، عن قابوس بن مخارق، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبى معَّهِ، فقال: يا نبى الله! آت أتانى يريد أن يبزنى (أى يسلبنى) فيما أصنع به؟ قال: تناشده الله، قال: أرأيت إن ناشدته فأبى أن ينتهى؟ قال: تستعين بالمسلمين، قال: يا نبى الله! أرأيت إن لم يكن أحد من المسلمين أستعينه عليه؟ قال: استغث السلطان، قال: يا نبى الله! أرأيت إن لم يكن عندى سلطان أستغيثه عليه قال: فقاتله، فإن قتلك كنت فى شهداء الآخرة، وإلا منعت مالك (٣٣٦:٨) اهـ، وفيه دليل على جواز دفع الظالم بالقتل، إذا لم يكن سبيل إلى دفع ظلمه إلا به. وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة: نا عبد الله بن إدريس الأودى عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: أصلت ابن عمر على لص بالسيف، فلو تركناه لقتله، ومن طريقه: نا عباد عن عوف هو ابن أبى جميلة عن الحسن البصرى قال: اقتل اللص، والحرورى، والمستعرض، وعن محمد بن سيرين أنه قال: ما علمت أحدا من المسلمين ترك قتال رجل يقطع عليه الطريق، أو يطرقه فى بيته، تأثما من ذلك، وعن إبراهيم النخعى قال: إذا دخل اللص دار الرجل فقتله، فلاضرار عليه اهـ (١٣:١١)، وسيأتى بسط الكلام فيه فى باب من اطلع فى بيت قوم ففقأوا عينه، فانتظر. ١٣٠ إعلاء السنن باب جناية المجنون ٥٨٦٤- مالك عن يحيى بن سعيد، أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبى سفيان، أنه أتی بمجنون قتل رجلا، فكتب إليه معاوية، أن أعقله ولا تقد منه؛ فإنه لیس على مجنون قود (الموطأ). باب جناية السكران ٥٨٦٥- مالك أنه بلغه، أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبى سفيان يذكر، أنه أتى بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية، أن اقتله (الموطأ). ٥٨٦٦- ورواه البيهقى فى "السنن" (٤٢:٨): من طريق ابن وهب عن مالك عن يحيى بن سعيد: أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية يذكر له أنه أتى بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية أن اقتله به اهـ. باب عمد الصبي والمجنون خطأ . ٥٨٦٧- عن على بن ماجد قال: قاتلت غلاما فجدعت أنفه، فرفعت إلى أبى بكر أبواب جناية المجنون والسكران وعمد الصبى والمجنون خطأ قوله: "عن على بن ماجد إلخ": قلت: دل هذا على أن عمد الصبى فى حكم الخطأ، وقد روى معناه عن عمر، وعلى، أما عمر فرواه عنه جابر الجعفى، عن الحكم، وجابر فيه كلام، وأما على فرواه عنه حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال على: عمد الصبى . والمجنون خطأ، وقال البيهقى فى "المعرفة": إسناده ضعيف بمرة، (زيلعى)، ولكن يؤيده أثر معاوية المذكور. قال العبد الضعيف: قد صح عن النبى عّ لّه أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يحتلم، وعن المعتوه حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ))، ومن رفع عنه القلم يكون عمده وخطأه سواء، ومقتضاه عدم وجوب القصاص، وأما ضمان الفعل -وهو الدية- فلا يسقط عنهم، بل ·يجب الدية على عواقلهم، وروى حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن عبيد بن القعقاع، ورواه أبو الأحوص عن سماك، عن عبد الرحمن بن القعقاع، عن على بن أبى طالب: أن سكارى تضاربوا بالسكاكين، وهم أربعة، فجرح اثنان ومات اثنان، فجعل على دية الاثنين المقتولين على قبائلهما، وعلى قبائل الذين لم يموتا، وقاص الحيين من ذلك بدية جراحهما، وأن الحسن بن على ١٣١ ج - ١٨ عمد الصبي والمجنون خطأ الصديق، فنظر فلم أبلغ القصاص (للصبا) فقضى على عاقلتى بالدية، أخرجه ابن جرير، كذا فى "كنز العمال" (٣٠٦:٧) ساكتا عليه. رأى أن يقيد الحيين للميتين، ولم ير على ذلك، وقال: لعل الميتين قتل كل واحد منهما الآخر، كذا فى "المحلى" (٣٤٦:١٠). وأعله ابن حزم بأن سماكا يقبل التلقين، وقد مر الجواب عنه غير مرة أنه من رجال مسلم والأربعة، علق له البخارى، وحماد بن سلمة من أصحابه القدماء، فلا يضرنا تغيره بآخره، قال ابن حزم: وعبيد بن القعقاع أو عبد الرحمن بن القعقاع مجهول، قلت: قد ذكره الحافظ فى "التعجيل" فى حميد بن القعقاع بالحاء، وذكر أن شعبة روى عن ابن مسعود عنه، عن رجل جعل يرمق النبى معَّ، فكان يقول فى دعاءه: ((اللهم اغفرلى ذنبى، ووسع لى فى دارى)) الحديث (ص١٠٧)، وشعبة لا يروى إلا عن ثقة، ولا يحمل من أحادث مشايخه إلا ما هو صحيح، فلا بد أنه كان يعرف حميد بن القعقاع بالصدق والأمانة، وبرواية اثنين ترتفع جهالة العين، على أن المجهول فى القرون الفاضلة لا يضرنا. وفى الأثر دليل على ما قلنا من وجوب الدية على عاقلة السكران إذا اشتبه كونه قاتلا، فيكون عمده كالخطأ سواء، وإذا علم كونه قاتلا، فعليه القصاص، كما قاله الحسن بن على رضى الله عنهما، وتأيد به ما رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن معاوية منقطعا، وروى ابن حزم فى "المحلى" (٣٤٧:١٠): من طريق عبد الرحمن بن أبى الزناد: أن معاوية أقاد من السكران، وهذه متابعة جيدة لما رواه يحيى بن سعيد عنه، والمرسل إذا تعدد مخرجه كان حجة عند الكل. وأما قوله: إن عبد الرحمن بن أبى الزناد فى غاية الضعف، فرد عليه؛ فإنه من رجال مسلم والأربعة، علق له البخارى، وروى ابن حزم فى "المحلى" أيضا من طريق صخر بن جوهرية، عن نافع مولى ابن عمر: أن مجنونا على عهد ابن الزبير دخل البيت بخنجر، فطعن ابن عمه فقتله، فقضى ابن الزبير بأن يخلع من ماله، ويدفع إلى أهل المقتول، ومن طريق حماد بن سلمة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن الزبير قال: جناية المجنون فى ماله، قال: وهذان الأثران فى غاية الصحة اهـ (١٠: ٣٤٥). قلت: فقد اتفق ابن الزبير، وعلى، ومعاوية على إيجاب الدية على المجنون القاتل، وإن اختلفوا فى كيفيته، فأوجب على ومعاوية الدية على عاقلته، وأوجبها ابن الزبير فى ماله، ويحتمل أن يكون قد أوجبها فى ماله؛ لأنه لم يكن له عاقلة، أو كانت ولم يثبت عليه القتل بالبينة، بل لكونه ١٣٢ إعلاء السنن باب القصاص عن البصر إذا كانت العين قائمة ٥٨٦٨- قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحكم بن عتيبة، قال: لطم رجل رجلا فذهب بصره وعينه قائمة، فأرادوا أن يقيدوه منه، فأعيا عليهم وعلى الناس كيف يقيدونه؟ وجعلوا لا يدرون كيف يصنعون؟ فأتاهم على، فأمر به، فجعل على وجهه كرسفًا، ثم استقبل به الشمس، وأدنى من عينه مرأة، فالتمع بصره وعينه قائمة، أخرجه الزيلعی. باب القصاص فى السن ٥٨٦٩- حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، وابن نمير، قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس بن مالك: أن النبى ◌َّ له أمر بالقصاص فى سن، وقال: ((كتاب الله القصاص))، أخرجه ابن أبى عاصم فى " كتاب الديات". قد أخذ مع المقتول والخنجر فى يده، ونحو ذلك من الاحتمالات، فمن قال: أن لا قودعلى مجنون، ولا سكران، ولا على من لم يبلغ الحلم، ولا على أحد من هؤلاء دية ولا ضمان، محجوج بأقوال هؤلاء الصحابة الذين لم يعرف لهم مخالف فى عصرهم. وأما احتجاجه بقوله مّ: ((رفع القلم عن الصبى)) الحديث، فلا يصح؛ فإن رفع القلم ينبئ عن رفع الإثم، ولكنه صار شبهة فى رفع القود، وهو مما يندرئ بالشبهات، وأما الدية فهى من ضمان المال، لا تؤثر فيه الشبهة، فلا ترتفع إلا بنص صريح، ولم يوجد، ومن ادعى ذلك فعليه البيان، والله تعالى أعلم. باب القصاص عن البصر إذا كانت العين قائمة قوله: "قال عبد الرزاق إلخ": قلت: شيخ معمر مجهول، وحكم عن على منقطع، ولكن لا ضير؛ فإن المسألة قياسية، والرواية الضعيفة تصلح للتأييد والتقوية. باب القصاص فى السن قوله: "حدثنا أبو بكر إلخ": قال العبد الضعيف: والأثر أخرجه البخارى من طريق أبى إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: كسرت الربيع - وهى عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبى معَِّ، فأمر رسول الله عَّ خلّه بالقصاص، فقال أنس ابن النضر -عم أنس بن مالك- والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله! فقال رسول الله عَ له: يا أنس! ج - ١٨ ١٣٣ باب التأخير فى الاقتصاص من السن إلى السنة ٥٨٧٠- عن على فى السن: إذا كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، ويتربص بها حولا، فإن اسودت تم عقلها، وإلا لم يزد على ذلك، أخرجه البيهقى، ونقله عنه فى "كنز العمال" ساكتا عليه. كتاب الله القصاص، فرضى القوم وقبلوا الأرش، فقال رسول الله عَ ◌ّه: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) أهـ، ظ. باب التأخير فى الاقتصاص من السن إلى السنة قوله: "عن على إلخ": قلت: هذا هو المأخذ لأبى حنيفة فى قوله: إن فى السن يستانى سنة، واحتج أصحابنا له بما روى الدار قطنى عن يزيد بن عياض، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله عَّ: ((يقاس الجراحات ثم يستانى بها سنة، ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت)) اهـ، وهو احتجاج ساقط؛ لأن يزيد بن عياض متروك كما قاله الدارقطنى، ثم أبو حنيفة لا يقول به؛ لأنه لا يستانى فى الجراحات إلى السنة، بل إلى البرء، فكيف يصح الاستدلال به له؟ فالصحيح فى الاستدلال هو ما قلنا: إنه أخذ فى ذلك بأثر على، والأثر وإن كان واردا فى الدية إلا أنه يقاس عليها القصاص؛ لأن هذا التأخير ليس إلا لتعيين الموجب، فيستوى فيه الدية والقصاص، فافهم، والله أعلم. وعن يزيد بن ثابت قال فى السن: يستانى بها سنة، فإن اسودت ففيها العقل كاملا، وإلا فما اسود منها فبحساب ذلك، رواه عبد الرزاق، نقله عنه فى "كنز العمال" أيضا ساكتا عليه، قلت: هو شاهد لما روى عن على. قال العبد الضعيف: رواه عبد الرزاق عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، كما فى "المحلى" (٤١٦:١٠)، وأثر على رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى عبد الكريم، أن على بن أبى طالب قال فى السن تصاب فيخشون أن تسود، ينتظر بها سنةٍ، فإن اسودت ففيها قدرها وافيا، وإن لم تسود، فليس فيها بشىء، قال عبد الكريم: ويقولون: فإن اسودت بعد سنة، فليس فيها شىء اهـ، ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى عبد العزيز أن فى كتاب لعمر بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب فى السن خمس من الإبل، أو عدلها من الذهب أو الورق، فإن اسودت فقدتم عقلها، فإن كسر منها، ولم تسود فبحساب ذلك، ظ. ١٣٤ إعلاء السنن باب انتظار البرء للاقتصاص من الجرح ٥٨٧١- عن ابن المبارك، عن عنبثة بن سعيد، عن الشعبى، عن جابر، قال: قال رسول الله عَّ: ((لا يستفاد من الجرح حتى يبرأ))، أخرجه الطحاوى، وقال فى باب انتظار البرء للاقتصاص من الجرح قوله: "عن ابن المبارك" إلخ: قلت: إنما هو ظن من أبى زرعة، ولا أدرى لم قال ذلك؟ وقد أخرجه البزار فى "مسنده" عن مجالد، عن الشعبى، عن جابر: أن النبى عرّ نهى أن يستفاد من جرح حتى يبرأ، فهذه متابعة قوية لعنبثة، ومجالد وإن كان فيه مقال، لكنه لا ينحط عن درجة الاستشهاد، وقد روی نحوه عن أبی الزبير عن جابر. قال الطبرانى فى "الصغير": حدثنا الحسن بن على بن خلف الدمشقى، ثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، ثنا محمد بن عبد الله الذمارى، عن زيد بن أبى أنيسة، عن أبى الزبير، عن جابر، قال: رفع إلى رسول الله عَ ظُلّه رجل طعن رجلا على فخذه بقرن، فقال الذى طعنت فخذه: أقدنى يا رسول الله! فقال رسول الله عَّه: وادها واستأن بها حتى ننظر إلى ما تصير، فقال الرجل: يا رسول الله! أقدنى، فقال له مثل ذلك، فقال الرجل: أقدنى يا رسول الله! فأقاده رسول الله عَّهِ: فيبست رجل الذى أقاده، وبرأ رجل الذى استفيد منه، فأبطل رسول الله عّ لّه ديتها، لم يروه عن زيد إلا محمد بن عبد الله، تفرد به سليمان (المعجم الصغير ص٧٥)، ومحمد بن عبد الله الذمارى ضعفه الدار قطنى وغيره، كذا فى "الميزان" و"اللسان". ولكن له طريق أخرى عند الدار قطنى، رواه عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد الله بن عبد الله الأموى، عن ابن جريج وعثمان بن الأسود، ويعقوب بن عطاء، عن أبى الزبير، عن جابر: أن رجلا جرح، فأراد أن يستقيد، فنهى رسول الله عَّ أن يستقاد من الجارح، حتى يبرأ المجروح، وقال فى "التنقيح": عبد الله بن عبد الله الأموى ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: يخالف فى روايته، وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه، ولا يعلم روى عنه غير ابن كاسب، وهذا شاهد لرواية محمد بن عبد الله الذمارى، وقد روى نحوه عن عمرو بن دينار عن جابر، أخرجه الدار قطنى عن محمد بن عبدوس بن كامل، عن أبى بكر، وعثمان بن أبى شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر: أن رجلا طعن رجلا بقرن فى ركبته، فأتى النبى معَ لّم يستقيد، فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل فاستقاد، قال: فعنت رجله، وبرئت رجل المستقاد منه، فأتى النبى معَِّ، فقال له: ((ليس لك شىء، إنك أبيت))، ثم قال الدارقطنى: قال أبو أحمد بن ١٣٥ ج - ١٨ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح "التنقيح": إسناده صالح، وعنبثة وثقه أحمد وغيره، وقال ابن أبى حاتم: سئل أبو زرعة عبدوس: ما جاء بهذا إلا أبو بكر وعثمان، قال الشيخ: أخطأ فيه ابنا أبى شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن علية، عن أيوب، عن عمرو مرسلا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه، وهو المحفوظ مرسلا اهـ. قلت: هذا ظن من ابن عبدوس، وأبو بكر وعثمان ابنا أبى شيبة إمامان جلیلان، ولو رواه أحدهما لكفى، فكيف إذا اتفقا؟ والحق أن الحديث عند ابن دينار من طريقين: أحدهما: طريق جابر، والثانية: طريق محمد بن طلحة، فهو قد يرويه من طريق جابر مسندا، وقد يرويه من طريق محمد بن طلحة مرسلا، وهكذا الحديث عند أيوب من طريقين: من طريق عمرو بن دينار عن جابر به، ومن طريق عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة وهكذا الحديث عند ابن علية من طريقين: من طريق أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر، ومن طريق أيوب عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة، فهم قد يروونه من طريق جابر، وقد يروونه من طريق محمد بن طلحة، فلا وجه لتخطئة ابنى أبى شيبة، لا سيما إذا روى الحديث عن جابر من طريق أبى الزبير والشعبى أيضا كما عرفت. وقد روى نحوه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أخرجه الدارقطنى عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: إن رجلا طعن رجلا بقرن فى ركبتيه، فجاء النبى مد لآه، فقال: يا رسول الله! أقدنی، قال: حتى تبرء، ثم جاء إليه فقال: أقدنی، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله! عرجت، قال: قد نهيتك فعصيتنى، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله عَِّ أن يقتص من جرح، حتى يبرء صاحبك، وقال الحازمى: إن صح سماع ابن جريج عن عمرو بن شعيب، فهو حديث حسن. قلت: رواه الدارقطنى من طريق معمر، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب مرسلا، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((أبعدك الله أنت عجلت))، وهذا يدل على أنه ثابت عن عمرو بن شعيب. ثم يستشهد لهذه الأحاديث ما رواه عبد الرزاق، عن الثورى، عن يحيى بن المغيرة، عن بديل بن وهب: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى طريف بن ربيعة - وكان قاضياً بالشام: أن صفوان بن المعطل ضرب حسان بن ثابت بالسيف، فجاءت الأنصار إلى النبى معَّ له، فقالوا: القود، فقال: ينتظر فإن برء صاحبكم فاقتصوا، وإن يمت نقدكم، فعوفى، فقالت الأنصار: قد علمتم أن هوى النبى معَّ فى العفو، قال: فعفوا عنه، فأعطاه صفوان جارية، فهى أم عبد الرحمن بن حسان، كذا فى "الزيلغى". ١٣٦ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح إعلاء السنن عن هذا الحديث، فقال: هو مرسل مقلوب، كذا فى "الزيلعى". فهذه روايات تدل على التأخير فى القصاص عن الجروح إلى البرء، وهو قول جماهير العلماء، حتى قال ابن المنذر: كل من نحفظ منه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرء، كذا فى "المغنى" لابن قدامة. فهذا المقدار لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فى أنه لو سأل المجروح القصاص قبل البرء، هل يقتص له أم لا؟ فقال الشافعى: لو سأل القود ساعة قطعت إصبعه أقدته؛ لما روى جابر: أن رجلا طعن رجلا بقرن فى ركبتيه، فقال: يا رسول الله! أقدنی، قال: حتى پبرء، فأبى وعجل، فاستقاد له رسول الله عَّةِ، كذا فى "المغنى" ، وقال أبو حنيفة: لا يقتص به قبل البرء؛ لأنه لا يعلم قبل البرء أن الجناية جرح أم قتل، فإن كان جرحا فلا يعلم أن موجبه القصاص، أو الأرش، أو لا شىء، فلما لم يتعين له حق فى القصاص لا يقتص له، وما فعله رسول الله مرّ ي لم يكن على وجه التشريع، بل على وجه التنكيل بالطالب والعقاب له، إذ لم يطع أمره وعصاه، كما قال عّ لّه لعائشة: ((اشترطى لهم ما شاؤوا))، ثم أبطل ذلك الشرط. فإن قيل: كيف جاز هذا التنكيل مع أن فيه إضرار بالجانى؟ إذ أوجب عليه ما لا يجب، قلنا: يحتمل أن يكون عّ لّ علم من الجانى أنه يرضى بالتبرع بالقصاص، وإن لم يكن مستحقا عليه، فلا يكون فيه إلحاق ضرر به من غير رضاه، ثم كان مّ أولى المؤمنين من أنفسهم، فلا يقاس عليه غيره، فلا يترك بهذا الفعل الجزئى الأصل الكلى فى القصاص المنصوص عليه، وهو أنه لا يقتص من الجرح قبل البرء. وبهذا يخرج الجواب عما قال الحنابلة: إنه لو اقتص له قبل البرء؛ ليهدر ما حدث منه؛ لأن النبى معَّ أهدر عرج الذى استقاد قبل البرء، وهو أن فعل رسول الله عّ لّ ذلك لم يكن تشريعا عاما، بل تنكيلا به على عصيانه، كما يدل عليه قوله: ((نهيتك فعصيتنى، فأبعدك الله، وبطل عرجك)). قال العبد الضعيف: والصحيح من الجواب ما ذكره الموفق فى "المغنى": إن حديثهم رواه الدار قطنى، وفى سياقه: فقال: يا رسول الله! عرجت، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((قد نهيتك فعصيتنى، فأبعدك الله وبطل عرجك))، ثم نهی أن يقتص من جرح، حتى يبرء صاحبه، وهذه زيادة يجب قبولها، وهى متأخرة عن الاقتصاص، فتكون ناسخة له. (وحاصله: أن الاقتصاص من الجرح قبل برئه فى هذه القصة كان قبل النهى، فلا حجة ج - ١٨ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح ١٣٧ (فيه)، قال: وفى نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية؛ لقوله: ((قد نهيتك فعصيتنى اهـ)) (٤٤٦:٩)، ولكن النهى لم يكن عاما إذا ذاك، ثم نهى النبى عدّ له عن الاقتصاص من الجرح قبل البرء عموما، فافهم، ظ. قال بعض الأحباب: بقى ههنا بحث، وهو أنه قال فى "البدائع": أما الجرح فإن مات من شىء منها المجروح وجب القصاص؛ لأن الجراحة صارت بالسراية نفسا، وإن لم يمت، فلا قصاص فى شىء منها، سواء كانت جائفة أو غيرها؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة (بدائع ٣١٠:٧). وقال فى موضع آخر: أما الشجاج فلا خلاف فى أن الموضحة فيها القصاص فيها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ إلا ما خص بدليل، ولأنه يمكن استيفاء القصاص فيها على سبيل المماثلة؛ لأن لها حدا ينتهى إليه السكين وهو العظم، ولا خلاف فى أنه لا يقاص فيما بعد الموضحة؛ لتعذر الاستيفاء فيها على سبيل المماثلة، وأما قبل الموضحة فقد ذكر محمد فى "الأصل". أنه يجب القصاص فى الموضحة، والسمحاق، والباضعة، والداية، وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا قصاص فى الشجاج، إلا فى الموضحة، والسمحاق إن أمكن القصاص فى السمحاق. وجه رواية الحسن أن ما دون الموضحة لأحد له ينتهى إليه السكين، فلا يمكن الاستيفاء بصنعة المماثلة، وجه رواية "الأصل" أن استيفاء المثل فيه ممكن؛ لأنه يمكن معرفة قدر غور الجراحة بالمسباء، ثم إذا عرف قدره به لعمل حديدة على قدره فتنفذ فى اللحم إلى آخرها، فيستوفى منه مثل ما فعل (بدائع ٣٠٩:٧). قلت: قياس رواية "الأصل" فى أن يقتص فى غير الشجاج من الجراحات؛ لأنه يمكن فيها رعاية المماثلة بمثل ما يراعى فى الشجاج من الموضحة وما دونها، فلا يصح الحكم فيها بعدم القصاص؛ لتعذر المماثلة مطلقا، ولكن قال فى "البدائع" ردا على من قال: إن حكم سائر الجراحات فى البدن حكم الشجاج، أنه إن قال ذلك لأن لفظ الشجاج يشمل الجراحات كلها لغة فهو خطأ، وإن رجع فيه إلى المعنى فهو خطأ أيضا؛ لأن حكم هذه الشجاج يثبت للشين الذى يلحق المشجوج ببقاء أثرها، بدليل أنها لو برئت ولم يبق لها أثر، لم يجب بها أرش، والشين إنما يلحق فيما يظهر فى البدن، وذلك هو الوجه والرأس، وأما ما سواهما فلا يظهر، بل يغطى عادة، فلا يلحق الشين فيه مثل ما يلحق فى الوجه والرأس (بدائع ٢٩٦:٧). ١٣٨ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح إعلاء السنن وفيه أنه منقوض بالأعضاء المكشوفة عادة: كالخد والكفين والقدمين والعنق، وبأن الرأس ليس من الأعضاء المكشوفة عادة؛ فإنه يغطى بالعمامة وغيرها، فلا يستقيم هذا التعليل أيضا، كما لا يستقيم التعليل بتعذر الاستيفاء. بالجملة: لم يتحقق لى مذهب الأئمة فى الجروح غير الشجاج، فإن كان المذهب هو ما يقتضى قياس الشجاج على اختلاف الروايتين فى ما دون الموضحة والاتفاق فى غيره، فلا كلام، وإن كان المذهب هو عدم القصاص مطلقا، يرد عليه كيف أجاب رسول الله عّ لّه إلى القصاص من جرح الركبة أو الفخذ، ولو لم يقل: إنه ليس فيه قصاص، لا قبل البرء ولا بعده؟ وإذا لم يقل ذلك دل على أن سائر الجروح كالشجاج فى القصاص وعدمه، ولم يظهر لى الجواب عن هذا الإشكال. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": وفى موضحة الحر خمس من الإبل، سواء كان من رجل أو امرأة، وهى التى تبرز العظم، وهذه من الشجاج الرأس، وليس فى الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر فى أقل منها: وهى التى تصل إلى العظم، وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر، وفى كتاب النبى معَّه لعمرو بن حزم: ((وفى الموضحة خمس من الإبل)). وأكثر أهل العلم على أن الموضحة فى الرأس والوجه سواء، روى ذلك عن أبى بكر، وعمر رضى الله عنهما، وبه قال شريح، ومكحول، والشعبى، والنخعى، والزهرى، وربيعة، وعبيد الله بن الحسن، وأبو حنيفة، والشافعى، وإسحاق، ويجب أرش الموضحة فى الصغيرة، والكبيرة، والبارزة، والمستورة بالشعر؛ لأن اسم الموضحة يشمل الجميع، وليس فى موضحة غير الرأس والوجه مقدر فى قول أكثر أهل العلم، منهم إمامنا، ومالك، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر. قال ابن عبد البر: ولا يكون فى البدن موضحة يعنى ليس فيها مقدر قال: على ذلك جماعة العلماء إلا الليث بن سعد قال: الموضحة تكون فى الجسد أيضا، وقال الأوزاعى: فى جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس وحكى نحو ذلك عن عطاء الخراسانى. ولنا أن اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة فى الوجه والرأس، وقول الخليفتين الراشدين: "الموضحة فى الوجه والرأس سواء" يدل على أن باقى الجسد بخلافه، ولأن الشين فيما فى الرأس والوجه أكثر وأخطر مما فى سائر البدن، فلا يلحق به، ثم إيجاب ذلك فى سائر البدن يفضى إلى أن يجب فى موضحة العضو أكثر من ديته، مثل: أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة وثلث، ودية الموضحة خمس، وأما قول · الأوزاعى وعطاء الخراسانى فتحكم، لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه، فيجب إطراحه أهـ (٦٤٢:٩). ج - ١٨ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح ١٣٩ وفيه دليل على أن لا قصاص فى الشجاج فيما سوى الموضحة، ولم يذكر فيه خلافًا، وهذا يعم ما دونبها ما فوقها جميعا، وروى البيهقى فى "سننه" من طريق عبد الوهاب بن عطاء: ثنا إسماعيل المكى، عن محمد بن المنكدر، عن طاوس، ذكر النبى ◌ّ لّ أنه قال: ((لا طلاق قبل ملك، ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات))، هذا منقطع (٦٥:٨)، والإرسال ليس بعلة عندنا، لكنه لا يصلح مخصصا لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وأخرج ابن ماجة والبيهقى من طريق أبى بكر بن عياش، عن دهشم بن قران العجلى: حدثنى نمران بن جارية، عن أبيه: أن رجلا ضرب رجلا بالسيف على ساعده، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبى عّ لّه، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله! أريد القصاص، قال له: خذ الدية بارك الله لك فيها، ولم يقض له بالقصاص، دهشم متكلم فيه، وذكره ابن حبان فى الثقات، وفى "الكاشف" للذهبى: نمران وثق (الجوهر النقى ٦٦:٨)، وفيه تأييد لمرسل طاوس. فالراجح ما روى عن الإمام أبى حنيفة أنه لا قصاص فى بقية الشجاج سوى الموضحة، سواء كانت دونها أو فوقها، وأما قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، فعام مخصوص بالإجماع، فقد اتفقوا على أنه لا يقتص مما فوق الموضحة، ولأن قوله: ﴿والجروح قصاص﴾، يقتضى أخذ المثل سواء، ومتى لم يكن مثله فليس بقصاص، ولا يخفى أن أخذ المثل فيما سوى الموضحة متعذر، وإذا صار العام مخصوصا، فلنا أن نخصه بخبر الواحد، ومرسل طاوس يدل على أن لا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات، فقلنا به. ويؤيد ما ذكره محمد فى "الأصل" ما رواه البيهقى فى "سننه" من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضى: ثنا إسماعيل بن أبى أويس، وعيسى بن مينا، قالا: ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء من أهل المدينة، كانوا يقولون: القود بين الناس من كل كسر أو جرح، إلا أنه لا قود فى مأمومة، ولا جائفة، ولا متلف كائنا ما كان، وقال عيسى فى حديثه: "وكانوا يقولون: الفخذ من المتالف" (٦٥:٨)، ويمكن حمله على الموضحة؛ لأنها هى التی یمکن جریان القصاص فيها. وأما قول بعض الأحباب: فكيف أجاب رسول الله عَّه إلى القصاص من جرح الركبة والفخذ؟ ففيه أنه يحتمل أن يكون موضحة قد أوضحت عن العظم، وفى الموضحة القصاص فى سائر البدن، وليس لها أرش مقدر إلا فى الوجه والرأس، وفيما سواهما حكومة عدل، وفى "البناية": قال محمد فى "الأصل" أى "المبسوط" -وهو ظاهر الرواية -: إنه يجب القصاص فيما ١٤٠ انتظار البرء للاقتصاص من الجرح إعلاء السنن قبل الموضحة، أى دون الموضحة فى الأثر كالسمحاق ونحوه، وفى "الكافى": هذه هو الصحيح؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ويمكن اعتبار المساواة، وهو قول مالك اهـ (٤٩٤:٤)، وهو عام للموضحة وما دونها فى الوجه، والرأس، وسائر البدن، نظرا إلى العلة، وهى إمكان اعتبار المساواة. وأما ما ذكره فى "البدائع" من الفرق بين الشجاج، وبينَ سائر الجراحات فى البدن، فحاصله أن سائر الجراحات فى البدن لا أرش له مقدر؛ لأن التقدير إنما ورد فى الشجاج، فيقتصر على مورده، ولا يصح قياس غيرها عليها؛ لما ذكره من المغنى، وليس مراده نفى القصاص عما دون الموضحة من الجراحات فى البدن، فافهم. قال الموفق فى "المغنى": إن القصاص يجرى فيما دون النفس من الجروح إذا أمكن للنص والإجماع، أما النص فقول الله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن، ويشترط لوجوب القصاص فى الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون عمدا محضا، فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعا. والثانى: التكافئ بين الجارح والمجروح، والثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة، ومن ضرورة المنع من الزيادة المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، فلا يكن المنع منها إلا بالمنع منه، وهذا لا خلاف فيه نعلمه، ومن منع القصاص فيما دون الموضحة الحسن والشافعى وأبو عبيد وأصحاب الرأى، ومنعه فى العظام عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعى والزهرى والحكم وابن شبرمة والثورى والشافعى وأصحاب الرأى. إذا ثبت هذا؛ فإن الجرح الذى يمكن استيفاؤه من غير زيادة هو كل جرح ينتهى إلى عظم، كالموضحة فى الرأس والوجه، ولا نعلم فى جواز القصاص فى الموضحة خلافا، وفى معنى الموضحة كل جرح ينتهى إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه: كالساعد، والعضد، والساق، والفخذ فى قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعى. وقال بعض أصحابه: لا قصاص فيها؛ لأنه لا تقدير فيها، وليس بصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ولأنه أمكن استيفاءها بغير حيف، ولا زيادة؛ لانتهائها إلى عظم، فهى كالموضحة، والتقدير فى الموضحة ليس هو المقتضى للقصاص، ولا عدمه مانعا، وإنما كان التقدير فيها لكثرة شيئها، ولهذا قدر ما فوقها من شجاج الرأس والوجه، ولا قصاص فيه اهـ (٤١١:٩).