النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن ٥٨٤٦- وكذلك بلغنا عن النبى عَّه أنه قتل مسلما بمعاهد،، وقال: ((أنا أحق من وفى بذمته)) (كتاب الآثار ص٤٧). فدمه كدمائنا. خالفه أبان بن تغلب، فرواه عن حسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله، عن أبى الجنوب، وأبو الجنوب ضعيف الحديث اهـ (دار قطنى ص ٣٥٠). قلت: قد تبين من هذه الرواية أن ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن أبى إدريس، عن الليث، عن الحكم، عن على، قال: إذا قتل مسلم يهوديا أو نصرانيا قتل به (أحكام القرآن ١٤١:١) للجصاص لا يصلح أن يكون شاهدا لرواية أبى الجنوب، لأن الحكم إنما يرويه عن حسين بن ميمون، وهو يرويه عن عبد الله بن عبد الله مولی بنی هاشم، وهو يرويه عن أبى الجنوب، فمدار الروايتين على أبى الجنوب، ولا يضرنا ضعفه، لأن لا نحتج به استقلالا، بل نحتج به وبكل ما نحتج به لتقوية تأويل الكافر بالحربى فى قوله عليه السلام: ((لا يقتل مؤمن بكافر))، ولما جاز تأويله بمجرد اجتهاد المجتهد فجوازه مؤيدا بالآثار الضعيفة أولى. وقال الشافعى: أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن يزيد، أخبرنى سفيان بن حسين، عن الزهرى: أن ابن شاس الجذامى قتل رجلا من أنباط الشام، فرفع إلى عثمان بن عفان، فأمر بقتله، فکلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله مێ، فنهؤه عن قتله، فجعل دیته ألف دينار (مسند الشافعى). وقال البيهقى: قال الشافعى: هذا حديث من يجهل، وأجاب عنه فى "الجوهر النقى" (١٤٩:٢) بأن ابن يزيد هو الكلاعى الواسطى، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن حنبل: كان ثبتا فى الحديث، فلا أدرى من الذى يجهل من هؤلاء، وكان الوجه أن يرده الشافعى بالانقطاع بين الزهرى وعثمان اهـ. قلت: قد ضعف الحفاظ رواية سفيان بن حسين عن الزهرى، كما فى "التهذيب"، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه: أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتل به، وغلظ عليه الدية، كذا فى "التلخيص الحبير"، ولكنه لا يعارض ما رواه سفيان بن حسين، عن الزهرى، لأن فى رواية معمر إجمالا، وفى رواية سفيان تفصيلا، فالظاهر أن ما رواه سفيان عنه محفوظ عنه، والله أعلم. وروى ابن أبى شيبة بسند صحيح: إن رجلا من النبط عدا عليه رجل من أهل المدينة، فقتله قتل غيلة، فأتى به أبان بن عثمان وهو إذ ذاك على المدينة، فأمر بالمسلم الذى قتل الذمى أن يقتل، كذا فى "الجوهرى النقى" (١٤٩:٢)، وقال: أبان معدود من فقهاء المدينة، قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحدا أعلم بحديث ولا فقه منه اهـ (الجوهر النقى). ١٠٢ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عمرو بن ميمون، قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز قدم إلى أمير الحيرة فى رجل مسلم قتل رجلا من أهل الذمة: أن ادفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، فدفعه إليه فضرب عنقه، وأنا أنظر، (زيلعى ٣٣٨:٢). أقول: قد عرفت ما يحتج به لأبى حنيفة فى ذهابه إلى قتل المسلم بالذمى، وقد أجاب عنه المخالفون، أما حديث عمر فقالوا: إنه منقطع بين إبراهيم وعمر، ولو سلم صحته فعمر رجع عن رأيه الأول، والأخذ بالمرجوع إليه أولى من الأخذ بالمرجوع عنه، والجواب عنه أن المرسل عندنا حجة لا سيما مرسل إبراهيم، فإن مراسيله صحاح. ولا نسلم أنه رجع عن رأيه الأول، أعنى جواز قتل المسلم بالذمى، بل رجع عن الأمر بقتله، لأنه بداله أن هناك طريقا أخرى، وهو إرضاء الولى بالدية، فإن رضى فيها وإلا أمر بقتله ثانيا. فإن قلت: قد أخرج ابن جرير هذه القصة عن النزال بن سبرة، ولفظه: إن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل البحيرة نصرانيا عمدا، فكتب يحيى بن سعيد فى ذلك إلى عمر، فكتب أن أقيدوه فيه، وكان يقال له: اقتله، فيقول: حتى يجىء الغيظ، حتى يجىء الغضب، فبينما هم كذلك إذ جاء كتاب من عند عمر أن لا تقتلوه، فإنه لا يقتل مؤمن بكافر، وليعط الدية (كنز العمال ٣٠٣)، وفيه تصريح بأن النهى عن القتل إنما كان لرجوعه عن تجويز القتل. قلنا: قد روى هذه القصة الجصاص بهنده عن النزال، وكذا ابن أبى شيبة، وليس فى روايتهما قوله: فإنه لا يقتل مؤمن بكافر، وهذا يدل على أنه تصرف من بعض الرواة ظنا منه بأن مبنى النهى كان قوله: لا يقتل مؤمن بكافر، ويدل عليه أيضا أنه قال النخعى: فرأوا أن عمر أراد أن يرضيهم بالدية، إذ لو كان العلة منصوصة فى كتابه لما رأوا ما رأوا، فلا حجة فى رواية ابن جرير لا سيما إذا لم يعلم سنده، وقد روى عن عمر فى الباب منص وقضايا متخالفة سردها فى "كنز العمال"، وأمثلها رواية وأقربها دراية، هو ما رواه عنه إبراهيم النخعى، فلذا اختاره أبو حنيفة للعمل، فاعرف ذلك. وأما حديث البيلمانى، فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أنه ضعيف ومرسل، وقد عرفت الجواب عنه فى المتن. والثانى: أنه منسوخ بقوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر))؛ لأنه كان ذاك فى خطبة فتح مكة. والجواب عنه بأنه ليس فى حديث ابن البيلمانى أنه كان قبل فتح مكة، بل فى حديث عبد الله بن عبد العزيز الحضرمى ما يدل على أنه كان بعد الفتح؛ لأن فيه: أن القتل كان يوم حنين. وهو متأخر عن فتح مكة. ج - ١٨ قتل المسلم بالكافر ١٠٣ والثالث: أنه روى الواقدى من حديث عمران ابن حصين: أن خراش بن أمية قتل بعد ما نهى النبى معَّه عن القتل، فقال: ((لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر فقتلت خراشا بالهذلى))، يعنى لما قتل خراش رجلا من هذيل يوم فتح مكة، قال: وهذا الإسناد وإن كان واهيا لكنه أمثل من حديث ابن البيلمانی. والجواب عنه أن هذا لا يعارض حديث البيلمانى؛ لأن الهذلى لم يكن من أهل الذمة، والنهى عن القتل بعد فتح بلدة لا يستلزم أن يكون أهلها ذميين، كما لا يخفى، وإن كان حديث ابن البيلمانى حكاية عما جرى فى حنين كما يدل عليه حديث الحضرمى كان ناسخا لما جرى فى الفتح. وأما حديث، فأجابوا عنه بأن عليا يروى عن النبى معَّه: ((لا يقتل مؤمن بكافر))، فكيف يقول بخلافه؟ والجواب عنه أنه لا مخالفة بين قوله عَّ له: ((لا يقتل مؤمن بكافر))، وبين قول على، بل قول على تفسير وتأويل لقوله معرّه، بأن المراد من الكافر فيه هو الحربى دون الذمى. وقال ابن حجر فى "الفتح": ذكر ابن العربى أن بعض الحنفية سأل الشاشى عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر، قال: وأراد أن يستدل بالعموم فيقول: أخصه بالحربى، فعدل الشاشى عن ذلك، وقال: وجه دليلى السنة والتعليل؛ لأن ذكر الصفة فى الحكم يقتضى التعليل، فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر، تفضيل المسلم بالإسلام، فأسكته اهـ. والجواب عنه أنا لا نسلم أن مفاد التعليل هو تفضيل المسلم بالإِسلام، بل معناه بعد التعليل أن المسلم لكونه مسلما لا يقتل بالكافر لكونه کافرا، ونحن لا نقول: إن المسلم لكونه مسلما يقتل بالكافر لكونه كافرا، بل نقول: إن المسلم لكونه قاتلا يقتل بالكافر لكونه محقون الدم على التأبيد بعقد الذمة؛ فالحديث لا يرد علينا. وقال أيضا: ذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر، أنه رجع عن قول أصحابه، فأسند عن عبد الواحد بن زياد، قال: قلت لزفر: إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات، فأقدمتم عليها، المسلم يقتل بالكافر، قال: فاشهد على أنى رجعت عن هذا أهـ. والجواب عنه أنه إن كان كفر الكافر شبهة فكيف لا تعتبرونها فى قتل الذمى بالذمى؟ وإن كان النهى عن قتل المسلم بالكافر شبهة فلا شبهة بعد تأويل الحديث على نحو ما تأولنا، وهو حمل الكافر على الحربى، ثم إن كان النهى شبهة فلم تقتلون ذميا أسلم بعد قتل الذمى بالذمى، مع أنه داخل فى صورة النهى؟ فتبين أنه مغالطة لم يتنبه لها زفر، ورجع عن مذهبه قبل التدبر إن كان ما نقل عنه صحيحا. ١٠٤ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن قال العبد الضعيف: قصة زفر هذه رواها البيهقى فى "سننه" من وجهين، فالظاهر الصحة، ووجه رجوع زفر عن مذهبه أنه ظن النهى عن قتل المؤمن بالكافر شبهة، ولم يطمئن بتأويله بالحربى نظرا إلى عموم اللفظ، وفيه دليل عظيم على كون أصحابنا الحنفية أتبع الناس للأثر، يتركون القياس به فافهم، وبه تبين أن من لم يرجع من أصحابنا عن قول أبى حنيفة إنما لم يرجع عنه الدليل عنده قوى من السنة وأقوال الصحابة، كما سيأتى، هكذا وقع القيل والقال. وتحقيق الكلام فى هذا الباب أن الأصل الكلى فى باب القصاص عند أبى حنيفة هو كون الدم معصوم القتيل بعصمة مقومة على التأبيد، مع كون القتل عمدا وعدم تعذر الاستيفاء، فمتى تحقق هذا الأصل وجب القصاص وإلا فلا، ومن أصل أبى حنيفة أيضا أن النص إذا وقع معارضا لأصل كلى فإن كان غير محتمل للتأويل يخص الأصل الكلى بالنص؛ لعدم إمكان العمل بكليهما، وإن كان محتمل التأويل يؤول للجمع بين الدليلين والعمل بهما؛ لأن العمل بهما أولى من إهمال أحدهما. إذا تقرر هذا فنقول: إذا قتل المسلم ذميا وجب القصاص بالأصل، ويؤول قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر))؛ لكونه محتملا للتأويل، بناء على الأصل الثانى، هذا هو حقيقة مذهب أبى حنيفة، ومتمسكه فى الباب، وأما تمسكه بالآثار فلمجرد التقوية والتأييد، فإن صحت فبها، وإلا فعدم صحتها غير مضر بالمذهب؛ لأن بناء المذهب ليس على تلك الآثار، وإنما بناءه على الأصلين اللذين ذكرناهما. وهذا سر قد خفى على الموافق والمخالف، وهدانى الله له، فله المنة لجليل إنعامه وله الحمد، فمن تكلم على مذهب الإمام ينبغى أن يتكلم على الأصلين اللذين هما مبنى لمذهبه، ولا سبيل إلى الكلام عليهما عند المنصف؛ لأنهما أصلان صحيحان، أو يتكلم على تأويل الحديث، ولا سبيل إليه أيضا؛ لأنه تأويل صحيح؛ لأن الذمى بمن يقتص له، والمسلم ممن يقتص منه، والاستيفاء غير متعذر؛ فلا معنى لترك القصاص؛ فيجب حمل الكافر فى الحديث على الحربى؛ ليكون معنى الحديث أن لا يقتل مؤمن بكافر حربى؛ لأنه غير محقون الدم مطلقا إن كان غير مستأمن، أو على التأبيد إن كان مستأمنا، ويكون الحديث معقول المعنى، وموافقا للأصل الكلى. فإن قلت: المسلم أشرف من الذمى، فكيف يقتل الأشرف بالأخس؟ قلنا: معنى الشرف هدر فى القصاص؛ لأن الرجل أشرف من المرأة، ويقتل بها إجماعا، فإن قلت: أهدرنا ذلك الشرف بالحديث، واعتبرنا هذا الشرف بالحديث. ج - ١٨ قتل المسلم بالكافر ١٠٥ قلنا: إذا أهدر الشارع اعتبار الشرف فى موضع، ولم ينص على اعتبار الشرف فى موضع آخر؛ لأنه يحتمل أن لا يكون الحكم مبينا على اعتبار الشرف، بل على أمر آخر، وهو كون الكافر غير محقون الدم على التأبيد - فكيف ساغ لكم اعتباره بمجرد الرأى؟ فالتأويل الصحيح المطابق للأحاديث والأصول هو ما قلنا. وأما تأويلكم فمبناه مجرد الرأى، ولا حجة فيه. قال العبد الضعيف: حديث عمر فى رجل من أهل الحيرة رواه الحسن بن زياد فى "مسنده" عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، مثل ما رواه محمد عنه، وزاد: ثم كتب إليه أن أفده بالدية من بيت المال، وذلك أنه بلغه أنه فارس من فرسان العرب وأخرج الطبرانى حديث الباب من طريق شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، بلفظ: قتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار، فذهب أخوه إلى عمر، فكتب عمر أنه يقتل، فجعلوا يقولون: اقتل، فیقول حتی یجئ الغضب، قال: فكتب أن يؤدى ولا يقتل (عقود الجواهر ١٧٨:٢). وقد عرفت أن ابن حزم قد صحح هذا الأثر، وفى كل ذلك رد على الشافعى رحمه الله، حيث زعم أن عمر أراد بقوله: "يقتل" التخويف؛ فإن هذا بعيد منه كل البعد كما ذكرنا، بل الظاهر أنه أراد به القتل قصاصا، ثم لما بلغه قول أخى المقتول: "حتى يجىء الغضب"، وهو يدل على وقوفه عن قتله، جعل ذلك شبهة منعه بها من القتل، وبلغه أن القاتل فارس من فرسان العرب، فجعل له ما يجعل فى القتل العمد الذى تدخله شبهة وهو الدية. وحديث ابن البيلمانى المذكور فى المتن قد روى من طرق عن أبى حنيفة، ومالك، والثورى، ثلاثتهم عن ربيعة، وكفى بهؤلاء الأئمة قدوة، وقد تابعه أيضا بمرسل ابن المنكدر، ومرسل عبد الله ابن عبد العزيز، فصار حجة؛ فلا يعيب الحديث الإرسال مع ثبوته من طرق يقوى بعضها بعضا (عقود ١٧٦:٢)، لا سيما وقد وصله إبراهيم بن أبى يحيى، فرواه عن ربيعة، عن ابن البيلمانى، عن ابن عمر، رفعه: أنه ◌ّ قتل مسلما بمعاهد، وقال: ((أنا أكرم من وفى بذمته))، أخرجه الدار قطنى، ولا يضرنا ضعف إبراهيم، ولا ضعف عمار بن مطر فى سنده؛ لأن المرسل إذا روى موصولا ولو من طرق ضعيفة صار حجة عند الكل، كما مر فى "المقدمة". قال فى "التدريب": وصور الرازى وغيره من أهل الأصول المسند العاضد بأن لا يكون منتهض الإسناد، ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلا فالاحتجاج حينئذ بالمسند فقط (ص٦٨)، وقد مر أن ابن حبان ذكر ابن البيلمانى فى "الثقات"، وإنما ضعفه من ضعفه لما روى عنه ابنه من ١٠٦ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن الغرائب، وهذا من رواية ربيعة عنه لا من رواية ابنه، فافهم. وإبراهيم بن أبى يحيى وإن ضعفه الناس فقد اعتمده الشافعى واحتج به، وعمار بن مطر وثقه بعضهم، ومنهم من وصفه بالحفظ، قال عبد الله بن سالم: حدثنا عمار بن مطر الرهاوى وكان حافظا للحديث، وقال يوسف بن الحجاج: حدثنا محمد بن الخضر بن على بالرقة، حدثنا عمار بن مطر ثقة، كذا فى "اللسان" (٢٧٦:٤): ومثله صالح للاحتجاج به، ولا أقل من أن يستشهد به وأما قوله عّ لّه: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) فإنما وجدناه فى موضعين: الأول: فى كتابه الذى كتبه بين المؤمنين، وأهل يثرب مقدمه المدينة، رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص٢٠٢): حدثنى يحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الله بن صالح، قالا: ثنا الليث بن سعد، ثنی عقيل بن خالد، عن ابن شهاب: أنه قال: بلغنى أن رسول الله عَّ ◌ُلِّ كتب بهذا الكتاب، فذكره مطولا، وفيه: ((وأن المؤمنين أيديهم على كل من بغى وابتغى منهم وسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعه، ولو كان ولد أحدهم لا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن))، والحديث وهو مرسل صحيح، ولا ريب أن المراد بالكافر فيه الحربی دون الذمى، ومعناه لا يجوز لمؤمن أن يقتل مؤمنا فى كافر قتله فى الجاهلية، فقد كان من عوائد العرب أخذ ثأر المقتول من أبناء القاتل، وأبناء أبناءه، فنهاهم النبى عّ لّه عن ذلك، يدل على ذلك سياق الكتاب وسباقه. قال أبو عبيد: وإنما كان هذا الكتاب فيما نرى حدثان مقدم رسول الله عَّه المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوى، وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب اهـ، وقرينة ذلك قوله فى هذا الكتاب: (لليهود دینهم وللمؤمنین دینهم))، فافهم. والثانى: فى خطبته يوم فتح مكة، رواه البيهقى من طريق الشافعى، أنبأ مسلم بن خالد (الزنجى): عن ابن أبى حسين، عن عطاء، وطاوس، أحسبه قال: وعن مجاهد، والحسن، أن رسول الله عَّه تكلم به فى خطبته يوم الفتح: ((لا يقتل مؤمن بكافر))، قال الشافعى رحمه الله: وهذا عام عند أهل المغازى أن رسول الله عَ ظيم تكلم به فى خطبته يوم الفتح، وهو يروى عن النبى عد اله مسندا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحديث عمران بن حصين اهـ (٢٩:٨): فقال عليه السلام: ((إن كل دم كان فى الجاهلية فهو موضوع تحت قدمى هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده»، يعنى -والله أعلم- بالكافر الذى قتله فى الجاهلية، وكان ذلك تفسيرا لقوله: «کل دم کان فى الجاهلية فهو موضوع))؛ لأنه مذ کور فى خطاب واحد فى حديث واحد، ج - ١٨ قتل المسلم بالكافر ١٠٧ وقد ذكر أهل المغازى أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة، وأنه إنما كان قبل ذلك بين النبى عليه السلام وبين المشركين عهود إلى مدة، لا على أنهم داخلون فى ذمة الإسلام وحكمه، وكان قوله يوم فتح مكة: "لا يقتل مؤمن بكافر" منصرفا إلى الكفار المسالمين، إذ لم يكن هناك ذمى ينصرف الكلام إليه. ويدل عليه قوله: ((ولا ذو عهد فى عهده))، كما قال تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾، فلم يكن الكفار حينئذ إلا على ضربين: أحدهما: أهل الحرب، ومن لا عهد بينه وبين النبى معَّه، والآخر أهل عهد إلى مدة، ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف الكلام إلى الضربين المذكورين، فالحكم المذكور فى نفى القصاص مقصور على الحربى المعاهد دون الذمى، قاله الجصاص فى "الأحكام" (١٤٢:١) له. ويؤيده ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق وكيع: نا أبو بكر الهذلى، عن سعيد بن جبير قال: إنما قال رسول الله عَ ظُله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) أن أهل الجاهلية كانوا يتطالبون بالدماء، فلما جاء الإسلام قال رسول الله عَ ليه: ((لا يقتل رجل من المسلمين بدم أصابه فى الجاهلية)) (٣٥٤:١٠). وأما قول ابن حزم: أبو بكر الهذلى كذاب مشهور، فرد عليه، فقد قال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه، ولا يحتج بحديثه، كما فى "التهذيب" (١٢: ٤٦)، ومثله حسن الحديث فى الدرجة الثانية، ولا بأس بمثله فى المتابعات، والشواهد. وإذا عرفت هذا فما كان فى "صحيفة على -رضى الله عنه-" ليس بخبر آخر قائم بنفسه، بل الظاهر أنه مأخوذ من خطبته عّ لّه يوم الفتح، يدل على ذلك ما فى ألفاظهما من التقارب والتناسب، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، ويؤيد ما قلنا ما رواه ابن حزم من طريق عبد الله بن إدريس، عن ليث ابن أبى سليم، عن الحكم بن عتيبة، أن على بن أبى طالب، وابن مسعود، قالا جميعا: "من قتل يهوديا أو نصرانيا قتل به" ، فلو كان عنده أن المؤمن لا يقتل بالكافر مطلقا لم يكن لقوله ذلك معنى. فالحق ما قلنا: إن قوله مَّ له: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) محمول على الحربى، أو المستأمن، وأما قول ابن حزم: "إن هذا مرسل" فلا يضرنا، لا سيما وقد أيده ما ذكرنا عن عمر بن الخطاب: أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الحيرة، فأقاده عمر، وصح مثل ذلك عن عمر بن عبد العزيز، رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن ميمون عنه، وصح أيضا عن إبراهيم النخعى، كما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبى سليمان، عنه، قال: المسلم الحر يقتل باليهودى والنصرانى، وروى عن الشعبى مثله، وهو قول ابن أبى ليلى، وعثمان البتى، قاله ابن حزم (٣٤٨:١٠). ١٠٨ قتل المسلم بالكافر إعلاء السنن واحتج من منع ذلك بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ والجواب أن معناه لن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا، بقرينة قوله فى السباق: ﴿فالله يحكم بينهم يوم القيامة﴾، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، فإن الاحتمال يضر الاستدلال، لا سيما وقد روى ابن حزم من طريق سفيان الثورى، عن الأعمش، عن زر، عن یسیع الکندى، قال: جاء رجل إلى على بن أبى طالب، فقال له: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ وهم يقتلون يعنى المسلمين؟ فقال على: فالله يحكم بينهم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا (٣٥٢:١٠). وأما قول ابن حزم: يسيع الكندى مجهول، لا يدرى أحد من هو؟ فالمجهول فى القرون الفاضلة لا يضرنا، مع أننا فى مقام المنع، ويكفينا إبداء الاحتمال بقرينة السياق التى ذكرناها، وإنما ذكرنا هذا الأثر اعتضادا لا احتجاجا به، فافهم. ثم اعلم أن الجصاص والطحاوى قبله قالا: إن فى فحوى هذا الخبر أى حديث: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) ما يدل على أن الحكم مقصور على الحربى دون الذمى، وذلك أنه عطف عليه قوله: ((ولا ذو عهد فى عهده))، ومعلوم أن قوله: ((ولا ذو عهد فى عهده» غير مستقل بنفسه فى إيجاب الفائدة، وانفرد عما قبله، فهو إذا مفتقر إلى مضمر، والمضمر هو ما تقدم ذكره، ومعلوم أن الكافر الذی لا یقتل به ذو العهد هو الحربی. فثبت أن مراده مقصور على الحربى، وغير جائز أن يجعل المضمر "ولا يقتل ذو عهد فى عهده" من وجهين: أحدهما: أنه لما كان القتل المبدو بذكره قتلا على وجه القصاص، و کان ذلك القتل بعينه مضمرا فى الثانى، لم يجز لنا إثبات المضمر قتلا مطلقا، إذ لم يتقدم فى الخطاب ذكر قتل مطلق؛ فوجب أن يكون المنفى بقوله: ((ولا ذو عهد فى عهده))، فصار تقديره لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد فى عهده بالكافر المذكور بديا، ولو أضمرنا قتلا مطلقا كنا مثبتين لمضمر لم يجر له ذكر فى الخطاب، وهذا لا يجوز. وإذا ثبت ذلك وكان الكافر الذى لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربى، كان قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر» بمنزلة قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر حربی))، فلم يثبت عن النبى معّ نفى قتل المؤمن بالذمى. والوجه الآخر: أنه معلوم أن ذكر العهد يخطر قتله ما دام فى عهده، فلو حملنا قوله: ((ولا ذو عهد فى عهده)) على أنه لا يقتل ذو عهد فى عهده، لأخلينا اللفظ من الفائدة، وحكم كلام النبى معَّ حمله على الفائدة، وغير جائز حمله على معنى ظاهر لا ج - ١٨ قتل المسلم بالكافر ١٠٩ يحتاج إلى البيان (أحكام القرآن ١٤٣:١) اهـ. وهذا كما ترى كلام لا يشك عاقل فى رزانته ولا فى متانته؛ لأنه لو أراد نفى قتل المؤمن بالذمى لقال: ((لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذى عهد فى عهده))، فلما قال: ((ولا ذو عهد» عطفا على قوله: ((مؤمن)) صار ذلك كقوله: ((لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد فى عهده بكافر))، كما هو مقتضى العطف وحكمه، وقد نجد مثله فى القرآن كثيرا، قال الله تعالى: ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن﴾، والمعنى واللائى يئسن من المحيض واللائى لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، فكذا هذا. ولكن ابن حزم قد جبل على الإقذاع فى الكلام إذا لم يجد محيدا عن إيراد الخصم، فقال: هذا كذب آخر على رسول الله عَ ليه، موجب لصاحبه ولوج النار واللعنة، إذا تحكموا فى كلامه عدّ له بلا دليل، وليس إذا وجد نص قام البرهان بأن فيه تقديما وتأخيرا، وجب أن يحكم فى نص آخر بالتقديم والتأخير بلا دليل اهـ (٣٥٥:١٠). قلنا: إنما الكاذب من يورد على خصمه ما لا يرد عليه، فلا يخفى على عاقل أن القيد المذكور فى المعطوف عليه يكون مراعى فى المعطوف أبدا، وهذا يستلزم التقديم والتأخير حتما، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، أى ولا يستقدمون ساعة، وقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾، أى فسيرى الله ورسوله والمؤمنون عملكم. وإذا كان ذلك مقتضى العطف فكيف يكون القاتل أن معنى قوله عّ لّ: ((لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهده)) أى لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد فى عهده بكافر، كاذبا؟ وهل الكاذب إلا من عطف القتل المطلق على المقيد؟ مع أن الظاهر كون المعطوف عليه والمعطوف كليهما مقيدين، وهل الكاذب إلا من صرف الكلام عن ظاهره تمشية للمذهب؟ وهل الكاذب إلا من لم يفرق بين الحجة والمنع، والمدعى والمانع؟ فإن الطحاوى والجصاص لم يدعيان أن هذا هو المعنى والمراد، وإنما قالا: إن الكلام محتمل لهذا المعنى، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؛ فلا بد لمن يحتج بالحديث على منع قتل المؤمن بالكافر مطلقا من رفع هذا الاحتمال الذى دون رفعه خرط القتاد، ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه، ولا يمعن النظر فى كلام خصمه، ولا يعرف إلا الإقذاع فى الكلام، والسب، والشتم، والنيل من أعراض الخصوم إذا لم يكن عنده جواب، وليس ذلك من شأن المحصلين، ولا من دَيدن المناظرين المحققين، وإنما هو ١١٠ إعلاء السنن باب قتل الحر بالعبد ٥٨٤٧- عن على، أن النبى معَّ لّه قال: ((المؤمنون تتكافأ دماءهم))، الحديث، رواه أحمد وأبو داود، والنسائى، قال ابن تيمية فى "المنتقى": هو حجة فى أخذ الحر بالعبد، وهو تصحيح للحديث مع الاعتراف بدلالته على جواز قتل الحر بالعبد، وقال الشوكانى: أخرجه الحاكم وصححه (نيل ٦: ٦٨٠) وقال فى "التنقيح": سنده صحيح، وقال ابن حجر فى "الفتح": سنده حسن. من شيم المجادلین. وأيضا فقد وافقنا الشافعى ومن هو مثله فى الفقه والمعرفة بالنصوص، على أن ذميا لو قتل ذميا ثم أسلم لم يسقط عنه القود، فلو كان الإسلام مانعا من القصاص ابتداء لمنعه إذا طرى بعد وجوبه قبل استيفاءه، ألا ترى أنه لما لم يجب القصاص للإبن على الأب إذا قتله، كان ذلك حكمه إذا ورث ابنه القود من غيره، فمنع ما عرض من ذلك من استيفاءه، كما منع ابتداء وجوبه، وكذلك لو قتل مرتدا لم يجب القود، فلو جرحه وهو مسلم ثم ارتد - والعياذ بالله- ثم مات من الجراحة سقط القود، فاستوى فيه حكم الابتداء والبقاء، فكذلك لو لم يجب قتل المؤمن بالكافر ابتداء لما وجب إذا أسلم بعد القتل. وأما احتجاج الخصم بأنه لا خلاف أن المسلم لا يقتل بالحربى المستأمن، فكذلك لا يقتل بالذمى، وهما فى تحريم القتل سواء، فنقول: ما ذكره من الإجماع ليس كما ظن، لأن بشر بن الوليد قد روى عن أبى يوسف أن المسلم يقتل بالحربى المستأمن، ولو سلمنا فالفرق بين الذمى والمستأمن كما بين السماء والأرض؛ فإن الذمى محرم الدم محظوره، والمستأمن مباح الدم إباحة مؤجلة، ألا ترى أنا لا نتركه فى دار الإسلام، ونلحقه بمأمنه، والتأجيل لا يزيل عنه حكم الإباحة، كالثمن المؤجل لا يخرجه التأجيل عن وجوبه، وهذا مما لا يتنبه له إلا ذو حظ من الدراية. وأما ابن حزم وأمثاله من أهل الظاهر والرواية، فأخلق بهم أن لا يتنبهوا له، فافهم، والله يتولى هداك. باب قتل الحر بالعبد قوله: "عن على" إلخ: فالحديث حجة لأبى حنيفة فىء ذهابه إلى قتل الحر بالعبد؛ لأن النبى عَّ جعل دماء جميع المؤمنين سواسية، أحرارا كانوا أو عبيدا، وقال آخرون: لا يقتل حر بعبد، وأولوا الحديث بتكافئ الدماء فى الحرمة دون القصاص؛ بدليل ما روى عن ابن عباس، عن ١١١ ج - ١٨ قتل الحر بالعبد النبى عّ لّه، أنه قال: ((لا يقتل حر بعبد))، رواه الدارقطنى، وبدليل ما روى عن على، أنه قال: من السنة أن لا يقتل حر بعبد، رواه أيضا الدارقطنى، وبدليل ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد، رواه أيضا الدارقطنى. والجواب أن تأويل تكافئ الدماء بالتكافئ فى نفس الحرمة خلاف الظاهر، والظاهر هو التكافئ فى القصاص، كما يدل عليه الأصل الذى هو مبنى القصاص، وهو كون القتيل معصوم الدم بعصمة مقومة على وجه التأبيد مع كون القتل عمدا، وعدم تعذر الاستيفاء، وما احتجوا به ليس بثابت، أما حديث ابن عباس فلأن فى طريقه جويبر وغيره من المتروكين، كما صرح ابن حجر فى "التلخيص". وأما تحديث على ففى طريقه جابر الجعفى، وقد كذبه أبو حنيفة وغيره، وقد روى الحكم عن على وابن مسعود أنهما قالا: إذا قتل الحر العبد متعمدا فهو قود، أخرجه الدارقطنى، وهو وإن کان مرسلا إلا أنه أمثل من حديث جابر. وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبى بكر وعمر: أنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد، فالظاهر أنه خطأ من الرواة، لأنه أخرج ابن أبى شيبة، والبيهقى، كما فى كنز العمال" (٢٩٧:٧): عن عمرو بن شعيب: أن أبا بكر وعمر كانا يقولان: لا يقتل المولى بعيد، ولكن يضرب ويطال حبسه ويحرم سهمه، وأخرج عبد الرزاق بما فى "كنز العمال" (٣٠٣:٧) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الرجل بعبده، كانا يضربانه مائة، ويسجنانه سنة، ويحرمانه سهمه مع المسلمين سنة إذا قتله متعمدا اهـ، وهاتان الروايتان تدلان أن ما رواه عمرو بن شعيب عنهما، إنما كان فى قتل المولى عبده، فجعله الرواة عاما، ظنا منهم أن ترك قتل المولى بعبده إنما كان منهما لأجل أنهما لا يريان قتل الحر بالعبد، وهو خطأ منهم؛ فلا حجة لهم فى رواية عمرو بن شعيب. ثم رأيت فى " كتاب الديات" لابن أبى عاصم أنه عقد بابا لقتل الحر بالعبد، وذكر فيه رواية عمرو بن شعيب هذا، فقال: حدثنا أبو بكر، حدثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا يقولان: الحر يقتل بالعبد. فالظاهر أن قوله فى رواية الدارقطنى والبيهقى: "لا يقتلان" خطأ، والصواب هو قوله: يقتلان، زيد فيه حرف النفى خطأ من الرواة أو النساخ، والله أعلم. ١١٢ إعلاء السنن باب عدم وجوب القصاص على المولى بقتل عبده ٥٨٤٨- عن محمد بن عبد العزيز الرملى، عن إسماعيل بن عياش، عن واحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿الحر بالحر، والعبد بالعبد﴾. وهو فاسد؛ لأنه لا يدل على نفى قتل الحر بالعبد، كما لا يدل على نفى قتل العبد بالحر، وعلى نفى قتل الرجل بالأنثى، فإن قالوا: إنما قلنا: يقتل العبد بالحر بدلالة النص؛ لأنه لما جاز قتل العبد بالعبد بالنص فجوازه بالحر بالأولى، وقلنا بجواز قتل الرجل بالأنثى بالحديث. قلنا: فدلالة النص والحديث دلا على أنه ليس المقصود من النص نفى القتل عن غير المذكور، فكيف تخالفون الدلالة، والحديث بنفى القتل عن الحر بالعبد؟ ثم إذا ساغ لكم إثبات قتل العبد بالحر، والرجل بالأنثى بدليل آخر، فكيف لا يسوغ إثبات قتل الحر بالعبد بدليل آخر؟ وهو الأصل الكلى فى القصاص، وقوله: ((المسلمون تتكافأ دماءهم))، فظهر أن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾ فاسد. واحتجوا أيضا بأنه لا مساواة بين الحر والعبد؛ لأن الحر آدمى من كل وجه والعبد آدمى من وجه ومال من وجه، والحرية تنبئ عن العز والشرف، والرق يشعر بالذل والنقصان. والجواب: أن جهة المالية فى العبد ملحوظة فى القصاص أم لا؟ فإن كانت ملحوظة ينبغى أن لا يقتل العبد بالعبد أيضا؛ للتفاوت فى المالية، وإن لم تكن ملحوظة فينبغى أن يقتل الحر بالعبد أيضاء لأنه لما أهدر المالية فى القصاص بقى الآدمية، وهما متساويان فيه، وكما أن المالية هدر فى العبد فى حق القصاص -ولأجل ذلك يقتل العبد الثمين بالعبد الأدون- كذلك الشرف والعز هدر فى الحر، وبهذا يقتل الشريف بالوضيع، والصحيح بالسقيم، والعاقل البالغ بالصبى والمجنون، والرجل بالمرأة، ولما أهدر الشرف من جانب الحر، والمالية من جانب العبد، بقى الآدمية، أنها متساويان فيها؛ فيقتل أحدهما بالآخر. وقالوا أيضا: لا يقطع طرف الحر بطرف العبد؛ فلا يقتل به. والجواب: أن قياس النفس على الطرف قياس مع الفارق؛ لأن الأطراف فى حكم الأموال عندنا، ولهذا تعتبر فى قصاصها شرائط لم تعتبر فى قصاص النفوس، كالمماثلة بين المحلين فى المنافع، والفعلين، والأرشين، ولهذا يجرى القصاص بين الرجل والمرأة فى النفس، ولا يجرى فى الأطراف عندنا، فالقياس فاسد، والله أعلم. باب عدم وجوب القصاص على المولى بقتل عبده قوله: "عن محمد بن عبد العزيز" إلخ: قلت: قال ابن حجر فى "التلخيص": فى طريقه ١١٣ عدم وجوب القصاص على المولى بقتل عبده ج - ١٨ الأوزاعى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبى معَّ ◌ُّه مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة"، أخرجه الدارقطنى فى "سننه" (ص٣٤٨). إسماعيل بن عياش، لكن رواه عن الأوزاعى، وروايته عن الشاميين قوية، لكن من دونه محمد بن عبد العزيز الشامى، قال فيه أبو حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. قلت: لم يتفرد به محمد بن عبد العزيز، بل تابعه ضمرة بن ربيعة، قال الجصاص: حدثنا ابن قانع، قال: حدثنا المقبرى، قال: حدثنا خالد بن يزيد بن صفوان النوفلى، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن عياش، عن الأوزاعى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وساق الحديث (أحكام القرآن ١٣٨:١)، وضمرة وثقه ابن معين، والنسائى، وأحمد، وأبو حاتم، وابن سعد، والعجلى، وابن حبان، كما فى "التهذيب"، وفيه حجة لأبى حنيفة فى ذهابه إلى أنه لا يقتل المولى بقتل عبده، والوجه فيه أن ولى حق القصاص هناك هو المولى، وإتلاف شىء بإذن صاحب الحق يسقط الضمان عن المتلف، فكيف إذا كان المتلف هو صاحب الحق نفسه؟ ولهذا قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لآخر: اقتلنى، فقتله، أنه لا قصاص عليه، كما فى "البدائع"؛ لأنه صاحب الحق أصالة، فلما أتلف نفسه بإذنه أتلفه بإذن من له حق الضمان؛ فيسقط الضمان، ولم يتنبه زفر لهذه الدقيقة، فقال بوجوب القصاص، وعلله بأن الأمر بالقتل لم يقدح على العصمة؛ لأن عصمة النفس مما لا يحتمل الإباحة بحال، ألا ترى أنه يأثم بأمر، فكان الأمر ملحقا بالعدم، وفيه إنا لا نجعله قادحا فى العصمة، ومؤثرا فى زوالها، وإنما نقول بتأثيره فى سقوط الحق؛ لأنه حق محتمل السقوط بالعفو، فيكون محتملا للسقوط بالإذن، ولم يتنبه لهذه الدقيقة أيضا صاحب "البدائع"، حيث قال فى تعليل قول أبى حنيفة: لنا أنه تمكنت فى هذه العصمة شبهة العدم؛ لأن الأمر وإن لم يصح حقيقة فصيغته تورث شبهة، والشبهة فى هذا الباب لها حكم الحقيقة اهـ، لأنك قد عرفت أن بناء مذهبه ليس على ما قال، بل بناءه هو ما قلنا. ثم قال صاحب "البدائع": وإذا لم يجب القصاص فهل تجب الدية؟ فيه روايتان عن أبى حنيفة، فى رواية تجب، وفى رواية لا تجب، وذكر القدورى أن هذا أصح الروايتين، وهو قول أبى يوسف ومحمد، وينبغى أن يكون الأصح هى الأولى؛ لأن العصمة قائمة مقام الحرمة، وإنما سقط القصاص لمكان الشبهة، والشبهة لا تمنع وجوب المال اهـ، وهو بناء الفاسد على الفاسد؛ لأنك قد عرفت أن سقوط القصاص ليس مبنيا على شبهة سقوط العصمة التى هى حق الله تعالى، وإنما هو ١١٤ إعلاء السنن باب جريان القصاص بين الرجال والنساء ٥٨٤٩- عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبى عَّ له، فقال: القصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها! فقال: سبحان الله! يا أم الربيع! القصاص مبنى على سقوط العصمة الموجبة للضمان بإذن صاحب الحق بالإتلاف، فالحق هو ما قال صاحب "القدورى": إن الأصح هو عدم وجوب الدية كالقصاص؛ لأن كل واحد ضمان النفس، والآمر هو صاحب الحق، ومعلوم أنه إذا حصل الإتلاف بإذن صاحب الحق فصاحبه لا يستحق الضمان على التلف. والحاصل أن النفس معصوم بحق الله وبحق العبد، ومن جهة العصمة الأولى ليس له قتل نفسه، والإذن بقتله، ولو فعل يكون آثما، ومن جهة العصمة الثانية يستحق الضمان على قاتله قصاصا كان أو دية، ومن جهة هذه العصمة يستحق العفو عن القصاص والدية، فلما أذن فى قتله يأثم من جهة العصمة الأولى، ولا يستحق القصاص والدية من جهة العصمة الثانية، فاحفظه. وما روى عن الحسن، عن سمرة، مرفوعا: ((من قتل عبده قتلناه)) الحديث، فمتأول بالحمل على السياسة؛ لئلا يجترئ الناس على قتل العبيد؛ للعلم بعدم القصاص، والله أعلم، وقد روى عن أبى بكر وعمر أنهما كان يقولان: ((لا يقتل المولى بعبده))، وقد مر ذلك فى الباب السابق. باب جريان القصاص بين الرجال والنساء قوله: "عن حماد بن سلمة" إلخ: قلت: احتج به البخارى على جريان القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس، وليس بصحيح؛ لأن لفظ الإنسان شامل للرجل والمرأة؛ فلا دليل فيه على أن الإنسان كان رجلا، وقد روى هذه القصة حميد عن أنس عند البخارى، وقال فيه: "إن الربيع كسرت ثنية جارية"، وهو مفسر لما أبهمه ثابت؛ لأن القصة واحدة، كما يدل عليه السياق، واختلاف ثابت وحميد فى أن الجانية كانت الربيع أو أختها، والحالفة كانت أم الربيع أو أخوها أنس، لا يجعلها قصتين، كما توهمه النووى وغيره؛ لأن هذا اختلاف ناشئ من قلة ضبط الرواة، وربما يختلفون فى أمر مقصود، فما ظنك بغير المقصود؟ واحتج البخارى أيضا بأنه يذكر عن عمر: تقاد المرأة من الرجل فى كل عمد يبلغ نفسه فما دوننها من الجراح اهـ، وقال ابن حجر فى "الفتح" (١٨٨:١٢): وصله سعيد بن منصور من طريق ١١٥ ج - ١٨ جريان القصاص بين الرجال والنساء كتاب الله، قالت: لا والله لا يقتص منها أبدا، قال: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، رواه مسلم. النخعى، قال: کان فیما جاء به عروة البارقی إلی شريح من عند عمر، قال: جرح الرجال والنساء سواء، وسنده صحيح إن كان النخعى سمعه من شريح، وقد أخرجه ابن أبى شيبة من طريق آخر، فقال: عن إبراهيم، عن شريح، قال: أتانى عروة، فذكر اهـ. :قلت: قال فى "كنز العمال" (٣١٠:٧): عن شريح قال: أتانى عروة البارقى من عند عمر: أن جراحات الرجال والنساء تستوى فى السن والموضحة، فما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل، أخرجه ابن أبى شيبة اهـ، وهذا يدل على أن معنى ما رواه سعيد بن منصور: "أن جرح الرجال والنساء سواء" فى الدية فى الجملة، وليس معناه أنه يقتص أحدهما من الآخر مطلقا، كما ظنه ابن حجر، وإن كان رواية سعيد بن منصور محتملة للمعنى الذى فهمه؛ لتقصير من الرواة فى أداء المعنى المقصود، فرواية ابن أبى شيبة كانت نصا فى خلافه، فالعجب من ابن حجر، كيف فهم من رواية ابن أبى شيبة هذا المعنى؟ وأما ذكره البخارى فذكره بصيغة التمريض التى تدل على ضعف الرواية، فكيف ساغ له الاحتجاج به؟ ثم لم يظهر لى أنه رواه بالمعنى أو باللفظ، فلا حجة فيه أيضا. واحتج البخارى أيضا بما روت عائشة، عن النبى معَّه، أنه قال: ((لا يبقى أحد منكم إلا لُدَّ غير العباس فإنه لم يشهد كم)). قلت: لا حجة فيه له؛ لأن هذا القول لم يكن منه على وجه القصاص، بل على وجه المعاقبة على مخالفة الأمر، والدليل عليه أن فعلهم كان ناشئا من الخطأ فى التأويل، والخطأ لا يوجب القصاص، والمعاقبة تجوز على ترك التدبر، فافهم. وقد أخرج عبد الرزاق عن على، قال: ما كان بين المرأة والرجل ففيه القصاص، من جراحات، أو من قتل النفس، أو غيرهما إن كان عمدا كما فى "كنز العمال" (٣٠٠:٧)، ولكن لم أقف على سنده، فإن صح عن على فهو اجتهاد منه بقياس الطرف على النفس، وهو قياس غير صحيح؛ لأن ما دون النفس فى حكم الأموال دون النفس، ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء إجماعا، كما نص عليه الجصاص فى "أحكام القرآن" (١٤٠:١) مع أن الصحيح يقتل بالسقيم بالإجماع. فإن قلت: سلمنا أن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء، ولكن الشلاء تقطع بالصحيحة، ١١٦ إعلاء السنن باب قتل الجماعة بالواحد ٥٨٥٠- أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن عمر قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: لو تمالا عليه أهل صنعاء قتلتهم به، أخرجه محمد فى "الموطأ"، وسنده صحيح، وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة، والبخارى فى التعليقات بإسناد صحيح، كما يظهر من "الزيلعى". ٥٨٥١- وحدثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن سعيد بن وهب، قال: خرج رجال سفرا فصحبهم رجل، فقدموا وليس معهم، فاتهمهم أهله، فقال شريح: شهود كم أنهم قتلوا صاحبكم، وإلا حلفوا بالله ما قتلوه، فأتى بهم إلى على وأنا عنده، ففرق بينهم، فاعترفوا، فأمر بهم، فقتلوا، أخرجه ابن أبى شيبة (زيلعى)، وسنده على شرط مسلم. فينبغى أن تقطع يد المرأة بيد الرجل. قلنا: لا فرق بين الصحيحة والشلاء إلا بالنقص والكمال، فيجوز لصاحب الحق أن يقتصر على بعض حقه، بخلاف يدى الرجل والمرأة، فإن منافع أحدهما مغايرة لمنافع الآخر، فصارا كاليسرى واليمنى، فلا يقطع أحدهما بالآخر، كما لا يقطع اليمنى بالیسری وبالعكس، فاعرف ذلك. باب قتل الجماعة بالواحد أقول: اختلف فى قتل الجماعة بالواحد، فقال أبو حنيفة ومن وافقه: يقتلون به، وقال آخرون: لا يقتلون به، ثم اختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم: تجب عليهم الدية، وقال بعضهم: يقتل واحد منهم، والاختيار للولى، ويعفى عن الباقين، وقال بعضهم: يقتل واحد منهم، وتجب على الباقين الدية بقدر حصتهم. وحجة هؤلاء أن القصاص يشترط فيه التماثل، ولا مماثلة بين الواحد والكثير، ثم قتل الجماعة بالواحد كأخذ ديات لمقتول واحد، وأما ما روى عن عمر وغيره فهو محمول على السياسة. والجواب أن القتل جرح صالح لإزهاق الروح، وقد وجد من كل واحد منهم بحيث لو انفرد عن الباقين كان قاتلا بصفة الكمال، والحكم إذا حصل عقیب علل لا بد من الإضافة إليها، فإما أن يضاف إليها توزيعا أو كملا، والأول باطل لعدم التجزى، فتعين الثانى، ولهذا لو حلف جماعة كل واحد منهم أن لا يقتل فلانا، فاجتمعوا على قتله حنثوا، فلما صار كل واحد قاتلا على ١١٧ ج - ١٨ قتل الجماعة بالواحد ٥٨٥٢- وحدثنا أبو معاوية، عن مجالد، عن الشعبى، عن المغيرة بن شعبة: "أنه قتل سبعة برجل"، أخرجه ابن أبى شيبة (زيلعى)، ورجاله رجال الصحيح إلا مجالدا، فإنه أخرج له مسلم مقرونا بغيره. وجه الكمال وجب عليه القصاص؛ لانعقاد السبب فى حقه أعنى القتل عمدا فيقتل به، ولا يعدل عنه إلى الدية؛ لعدم تعذر الاستيفاء. وما قالوا: إنه لا مماثلة بين الواحد والكثير. فالجواب إنا لا نقتل الكثير بالواحد، بل نقتل الواحد بالواحد، إلا أن الكثرة جاءت من جهة كثرة الجنايات؛ لكون كل واحد قاتلا، فلا يقدح مثل هذه الكثرة فى المماثلة. وما قالوا: إن قتل الجماعة بالواحد كأخذ الديات لمقتول واحد. فالجواب عنه أن القصاص جزاء للجناية مع رعاية المماثلة، فيجوز تعدد القصاص حسب تعدد الجنايات، بخلاف الدية فإنه جزاء للمحل، وهو واحد؛ فلا يجوز تعددها مع وحدة المحل، فالقیاس فاسد. وما قالوا: إن الآثار محمولة على السياسة، فتأويل من غير ضرورة؛ فلا يقبل، وقال بعض الفضلاء: إنه لا يلزم من أن لا يجوز إضافة القتل إلى تلك العلل توزيعا، بناء على أن القتل لا يتجزأ. أن يضاف إلى كل واحد كملا، بل يجوز أن يضاف كملا إلى مجموع تلك العلل من حيث هى مجموع، بل هو الظاهر؛ لئلا يلزم توارد العلل المستقلة بالاجتماع على معلول واحد بالشخص، فحينئذ لا یتم المطلوب، کما لا يخفى. ويمكن توجيه مسألة الحلف بأن مدار الإيمان على العرف، كما صرحوا به فى محله، فإذا اجتمعت جماعة على قتل رجل، ووجد من كل واحد منهم جرح صالح لإزهاق الروح، فيقال لكل واحد منهم فى العرف أنه قتل فلانا، وإن كان القتل فى الحقيقة كملا مضافاً إلى مجموعهم من حيث هو مجموع، فجاز أن يكون بناء حنث كل واحد منهم فى مسألة الحلف على العرف، وأما القصاص فالمعتبر فيه الحقيقة لا غير اهـ. وفيه بحث، لأنا نقول: إن فعل كل واحد مؤثر فى إزهاق الروح أم لا؟ والثانى باطل بالبداهة، وعلى الأول إما أن يكون مؤثرا فى البعض أو فى الكل، والأول باطل لعدم التجزى، فتعين الثانى، وهو المطلوب، وبه يظهر بطلان استحالة توارد العلل المستقلة على معلول واحد شخصى، کما لا يخفى. وقوله: يجوز أن يضاف القتل كملا إلى المجموع من حيثَ المجموع باطل؛ لأن المفروض أن كل فعل صالح لإزهاق الروح، فسلب التأثير عنه، والإثبات للمجموع من حيث المجموع من غير ١١٨ إعلاء السنن ٥٨٥٣- وأخبرنا إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لو أن مائة قتلوا رجلا قتلوا به، أخرجه عبد الرزاق (زیلعی)، وفى سنده ابن أبى يحيى تركوه، ولكن الشافعى كان يوثقه. باب قطع أیدی الجما عة بید رجل واحد ٥٨٥٤- حدثنا أبو روق الهزانى نا أحمد بن روح نا سفيان عن مطرف عن أن يكون للهيئة الاجتماعية دخل فى التأثير مكابرة، ومعارضة للبداهة. وما قال فى مسألة الحلف باطل أيضا؛ لأن جعل العرف كل واحد منهم قاتلا ليس مبنيا على اصطلاح منهم، بل هو مبنى على حقيقة يعرفه البلغاء والصبيان، وهو أن انزهاق الروح منسوب إلى كل واحد منهم كملا؛ لأنه لا يجوز صرف الأثر عن المؤثر بادعاء استحالة اجتماع العلل المستقلة على معلول واحد شخصى بالمكابرة للبداهة الفطرية، فلا يضرنا بناء مسألة الحلف على العرف. وهل يجوز عاقل أن يكون كل واحد من الفعلين مؤثرا على الانفراد، وينسلخ عنهما التأثير عند الاجتماع، ويثبت للهيئة الاجتماعية؟ كلا! فثبت أن القول بتأثير المجموع من حيث المجموع قول باطل، والصحيح هو القول بتأثير كل واحد منهما، ولما لم يجز تأثيرهما على التوزيع ثبت تأثيرهما كملا، وهو المقصود، فثبت أن وجوب القصاص على كل واحد هو مقتضى القياس أيضا، وليس هو حكم الاستحسان بالآثار فقط، كما زعمه بعض أصحابنا. ولما كان القصاص حكما للقياس، فالعدول إلى الدية يكون مخالفا للقياس؛ فيبطل قول من قال بوجوب الدية بمجرد الرأى، وأشد منه مخالفة للقياس إيجاب القصاص على واحد والعفو عن الباقين، لأن فيه إهدار الجناية الباقين مع المماثلة فى الفعل. ثم إن كان فعل ذلك الواحد الذى يقتص منه موجبا للقصاص فكل واحد مثله، وإن كان غير موجب له فکیف یقتص منه؟ وأشد منه إيجاب القصاص على واحد وحصة الدية على الباقين؛ لأن فيه إيجابا للبدلين، القصاص والدية معا، وجعل الحصة الدية فداء عن القصاص، وهو غير معقول؛ فظهر أن الأوفق بالرواية والدراية هو قول أصحابنا، والله أعلم. باب قطع أیدی الجماعة بيد رجل واحد أقول: إذا اشترك رجلان فصاعدا فى قطع يد واحد بحيث لا يتميز فعل البعض عن فعل ج - ١٨ قطع أیدی الجماعة بید رجل واحد الشعبى قال: جاء رجلان برجل إلى على بن أبى طالب، فشهدوا عليه بالسرقة، فقطعه، ثم جاءا بآخر بعد ذلك، فقالا: هو هذا، غلطنا بالأول، فلم يقبل شهادتهما على الآخر، وغرمهما دية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما، أخرجه الدار قطنى فى "سننه" (ص٣٦٤)، وقال الذهبى فى "الميزان": أحمد بن روح البزاز بغدادى يجهل، وأقره الحافظ عليه فى "اللسان"، وإن صح هذا الأثر عن على فهو محمول عندنا على السياسة والتهديد، كقول عمر لمن تمتع بامرأة فى زمانه: "لو تقدمت إليك لرجمتك"، وبالإجماع لا رجم على من تمتع بامرأة؛ لكون الشبهة دارئة للحد. البعض الآخر، كان يأخذوا سكينا ويمروا على المفصل حتى يبينوا، فهل يجب عليهم القصاص أم لا؟ اختلف فيه، فقال علماءنا: لا يجب عليهم القصاص، بل يجب عليهم الدية. وقال أحمد والشافعى: يجب عليهم القصاص، واحتجوا لذلك بأثر على، والقياس على القتل، وأجاب علمائنا عن أثر على بما عرفت فى المتن، وعن القياس على القتل بأنه قياس مع الفارق، لأن القتل غير متجزئ فإذا صدر عن الجماعة ينتسب إلى كل واحد منهم على وجه الكمال، وتقتل به لتحقق المماثلة بين الجانى والمجنى عليه، والجناية وجزاءها، بخلاف القطع فإنه متجزئ، فإذا صدر عن الجماعة ينقسم عليهم، ويكون كل واحد منهم قاطعا لبعض اليد، فلو قطع أيديهم كان قطعا لليد ببعض اليد، وينتفى المماثلة بين الجناية وجزاءها، والمقطوع والمقطوع به، كذا فى "الهداية". وزاد فى "البدائع": أنه لا تماثل بين الأيدى واليد ذاتا ومنفعة، فلا يصح قطع الأيدى، باليد هكذا قالوا. والذى يظهر لى أن ما قالوا فى دفع القصاص غير كاف، لأن للقائلين بالقصاص أن يقولوا: سلمنا أن القطع متجزئ، ولكن معناه أنه يمكن قطع بعض اليد دون بعض، ولا نسلم أنه لو اشترك جماعة في القطع ينقسم عليهم، لأن الانقسام إنما يكون إذا كان الاشتراك على المزاحمة، كالاشتراك فى الملك، والاشتراك فى القطع ليس من قبيل الاشتراك على وجه المزاحمة، بل هو من قبيل الاشتراك على وجه المعاونة، لأن المفروض أن كل واحد قطع كل جزء من أجزاء اليد، وأعانه عليه آخرون، فينسب إلى كل واحد منهم على وجه الكمال كالقتل، ولا يصح جعله قاطعا للبعض دون البعض، وحينئذ يصح القياس، ويبطل الفرق. ولا نسلم أيضا أنه لا تماثل بين الأيدى واليد ذاتا ومنفعة، لأن التماثل إنما يعتبر فى كل جناية على حدة، لا في مجموع الجنايات، ولما ثبت أن كل واحد منهم قاطع لليد على وجه الكمال ١٢٠ إعلاء السنن باب الخذف بالحصاة للمطلع من الجحر ٥٨٥٥- حدثنا على، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، قال: قال أبو القاسم: ((لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقئت عينه، لم يكن عليك جناح))، أخرجه البخارى. كانت الجنايات متعددة، وينظر التماثل فى كل جناية على الانفراد، وظاهر أن يد كل قاطع مماثل ليد المقطوع منه، فيقطع به، وهذا هو السر فى قتل الجماعة بالواحد مع عدم التماثل بين الواحد والكثير، لأن كل قتل جناية مستقلة، والقاتل مماثل للمقتول، ومن لم يهتد لهذا السرّ منع قتل الجماعة بالواحد، فأخطأ فى الحكم والحق أنه لا يمتنع قتل الجماعة بالواحد، إذا تعدد القتل، وإنما هو متنع فى القتل الواحد، فكذلك القطع، فبطل دعوى عدم المماثلة بين الأيدى واليد أيضا، بالجملة لم يظهر لى فرق مؤثر بين قتل الجماعة بالواحد، وقطعهم به، فليتأمل، والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم. قال العبد الضعيف: لقد غفل بعض الأحباب عن دليل صاحب "الهداية"، فلا يرد عليه ما أورده، فإنه قال: ولنا أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد، لأن الانقطاع حصل باعتماد أيديهما، والمحل متجزئ، فيضاف إلى كل واحد منهما البعض، فلا مماثلة، بخلاف النفس لأن الانزهاق لا يتجزئ، ولأن القتل بطريق الاجتماع غالب حذار الغوث، والاجتماع على قطع اليد من المفصل فى حيز الندرة، لافتقاره إلى مقدمات بطيئة، فيلحقه الغوث، أى فالتمالؤ على قتل واحد يوجب مزجرة، فيجب القصاص تحقيقا لحكمه الإحياء، فإنه لو لم يجب لما عجز المفسد عن أن يجمع عليه أمثاله ويقتل، لعلمه بأن لا قصاص، فيؤدى إلى سد باب القصاص، بخلاف الاجتماع على قطع اليد، فإنه نادر، فلا يوجب الزجر بالقصاص مع وجود ما ينفيه، فافهم، والله يتولى هداك. باب الخذف بالحصاة للمطلع من الحجر قوله: "حدثنا على" إلخ: قلت: معناه عندنا أنك إذا خذفته للتأديب من غير أن تقصد به فقأ العين، ولكن وقع الفقأ اتفاقا، لم يكن عليك إثم، لأنك لم تقصد الفقأ، وإنما وقع ذلك خطأ، ولكن يجب عليك الدية كما هو حكم الخطأ، وذلك لأن الفقا ليس حقه مستحقا له على المطلع، وإلا لكان له الاستيفاء عند القاضى -إن لم يمكنه من ذلك بنفسه- وإذا لم يكن حقا عليه كان عدوانا موجبا للقصاص فى العمد، والدية فى الخطأ. وقال آخرون: معناه أن لا دية عليه ولا قصاص، سواء تعمد ذلك أو لم يتعمد، واحتجوا بما