النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
إعلاء السنن
باب ما قطع من الحى فهو ميتة
٥٨١٥- عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار قال: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء
ابن يسار، عن أبى واقد الليثى، عن النبى عرّ ◌ُلّه قال: ((ما قطع من البهيمة وهى حية فهو
ميتة، رواه أبو داود، وسكت عنه، والترمذى وحسنه، والحاكم وصححه على شرط
البخارى، وتعقب بأن عبد الرحمن ضعيف، والسند مضطرب؛ لأن عبد الرحمن يرويه
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى واقد، والمسور بن الصلت وخارجة بن
مصعب يتولان عن زيد بن أسلم عن أبى سعيد، وسليمان بن بلال يقول تارة: عن زيد
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبى معَّ ◌ُّه، ويقول أخرى: عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن أبى سعيد، عن النبى عرّ ◌ُلّه، ملخصا (زيلعى).
قلت: ليس هذا الاضطراب موجبا للضعف؛ لأنه يحتمل أن يكون عند زيد بن
أسلم من طريقين، ثم الاختلاف إنما هو فى اسم الصحابى وهو غير مضر، ولا يضر
ضعف عبد الرحمن لأنه لم يتفرد به، بل تابعه عليه مسور، وخارجة، وسليمان بن
بلال، فالرواية حجة، وله شواهد من حديث ابن عمر وغيرها، كما ذكرها الزيلعى.
باب قطع الصيد بنصفين أو بأقل وأكثر
قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا رميت الصيد وسميت فإن
قطعته بنصفين فكله، وإن كان مما يلى الرأس أكثر أكلت مما يلى الرأس، ولم تأكل مما سواه، وإن
· قطعت منه يدا، أو رجلا، أو قطعة منها، فكل منه غير ما قطعت منه.
قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، وقال أيضا: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن
إبراهيم فى الرجل يرمى الصيد أو يضربه، قال: إذا قطعته بنصفين فكلهما جميعا، وإن كان ما يلى
الرأس أقل فكلهما جميعا، وإن كان ما يلى الرأس أكثر، فكل ما يلى الرأس، وألق ما بقى عنه مما
يلى العجز، فإن قطعت منه قطعة أو عضوا فبانت فلا تأكلها إلا أن يكون معلقا، فإن كان معلقا
فكل، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة.
باب ما قطع من الحى فهو ميتة
أقول: الحديث نص فى الباب.

٦٢
ج - ١٨
کتاب الرهن
باب مشروعیة الرهن
٥٨١٦- عن أنس قال: ((رهن رسول الله عَ ◌ّه درعا عند يهودى بالمدينة، وأخذ
منه شعيرا لأهله))، رواه أحمد والبخارى والنسائى وابن ماجه.
باب مشروعية الرهن
أقول: الأحاديث نص فى الباب.
قال العبد الضعيف: الرهن فى اللغة الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أى راكد، ونعمة راهنة
أى ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾، وقال: ﴿كل
نفس بما كسبت رهينة﴾
وقال الشاعر:
يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
وفارقتك برهن لا فكاك له
والرهن فى الشرع: المال الذى يجعل وثيقة بالدين، ليستوفى ثمنه إن تعذر استيفائه ممن هو
عليه، وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾، وأما
السنة: فما ذكرناه فى المتن، وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن فى الجملة، ويجوز
الرهن فى الحضر، كما يجوز فى السفر، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف فى ذلك إلا مجاهدا،
قال: ليس الرهن إلا فى السفر؛ لأن الله تعالى شرط السفر فى الرهن، ولنا أن النبى ءێ اشترى من
يهودى طعاما، ورهنه درعه، وكانا بالمدينة، فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب، لكون
الكاتب يعدم فى السفر غالبا، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضا، والرهن غير
واجب، لا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه وثيقة بالدين فلم يجب كالضمان والكتابة، وقول الله تعالى:
﴿فرهان مقبوضة﴾ إرشاد لنا لا إيجاب علينا، بدليل قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد
الذى ائتمن أمانته﴾، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها، قاله الموفق
فى "المغنى" (٣٦٧:٤).
وقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا؛ لأن حكم الرهن
مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازته بهذه الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها؛ إذ ليس ههنا أصل
آخر يوجب جواز الرهن غير الآية، وقصة رهنه عَّخلّ درعه ليهودى، متأخرة عن الآية جدا، ويدل

٦٣
إعلاء السنن
مشروعية الرهن
٥٨١٧- وعن عائشة: أن النبى عَّ اشترى طعاما من يهودى إلى أجل، ورهنه
درعا من حديد، وفى لفظ: توفى ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير،
أخرجاهما، ولأحمد والنسائي وابن ماجه مثله من حديث ابن عباس كذا فى "المنتقى".
وقال الشوكانى: حديث ابن عباس أخرجه أيضا الترمذى وصححه، وقال
صاحب "الاقتراح": هو على شرط البخارى (نيل: ١٠١).
على أنه لا يصح إلا مقبوضا أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى
الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التى لا وثيقة للمرتهن فيها، وإنما جعل وثيقة له ليكون
محبوسا فى يده بدينه، فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن فى يده
كان لغوا لا معنى فيه، وهو وسائر الغرماء فيه سواء، ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسا بالثمن ما
دام فى يد البائع، فإن هو سلمه إلى المشترى سقط حقه، وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه.
ومن هنا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر: لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم،
وفيما لا يقسم؛ لأنه لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من حيث كان رهنه على
جهة الوثيقة، وكان فى ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو الوثيقة، وجب أن لا يصح رهن
المشاع؛ لأن المعنى الموجب لاستحقاق القبض، وإبطال الوثيقة مقارن للعقد، وهو الشركة التى
يستحق بها دفع القبض للمهايأة، فلم يجز أن يصح مع وجود ما يبطله، قاله الجصاص فى
"الأحكام" (٥٢٤:١) له، ثم ذكر الفرق بينه وبين هبة المشاع فيما لا يقسم حيث يجوز عندنا،
فليراجع، ولم يتنبه ابن حزم لهذا الفرق فأورد على الحنفية ما لا يرد عليهم.
ويجوز أن يوكل فى قبض الرهن، ويقوم قبض وكيله مقام قبضه فى لزوم الرهن، لا نعلم
فيه خلافا، وإذا كان كذلك جاز أن يجعلاه على يدى عدل، ، جملته أن المتراهنين إذا شرطا كون
الرهن على يدى رجل رضيا به، واتفقا عليه جاز، وكان وكيلا للمرتبهن نائبا عنه فى القبض، فمتى
قبضه صح قبضه فى قول جماعة الفقهاء، منهم عطاء، وعمرو بن دينار، والثورى، وابن المبارك،
والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه. وقال الحكم، والحارث العكلى، وقتادة،
وابن أبى ليلى: لا يكون مقبوضا بذلك؛ لأن القبض من تمام العقد، فتعلق بأحد المتعاقدين
كالإيجاب والقبول، ولنا أنه قبض فى عقد، فجاز فيه التوكيل كسائر القبوض، ولو وكل فى
الإيجاب والقبول قبل أن يوجب له صح أيضا، وفارق القبول بعد ما أوجب؛ لأن الإيجاب إذا كان
للشخص كان القبول منه؛ لأنه يخاطب به، قاله الموفق فى "المغنى" (٣٨٧:٤).
18
م

٦٤
ج - ١٨
باب الانتفاع بالمرهون
٥٨١٨- عن ابن سيرين، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إن رجلا
رهننی فرسا فر کبتها، قال: ما أصبت من ظهرها فهو ربا، أخرجه عبد الرزاق (كنز
العمال من غير تعقب).
٥٨١٩- عن طاوس، قال: فى كتاب معاذ بن جبل: من ارتهن أرضا فهو
بحسب ثمرها لصاحب الرهن من عام حج النبى عليه. أخرجه عبد الرزاق (كنز
العمال من غير تعقب).
وقال الجصاص فى "الأحكام" له: إن قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ يقتضى جوازه إذا.
قبضه العدل، إذ ليس فيه فصل بين قبض المرتهن والعدل، وعمومه يقتضى جواز قبض كل واحد
منهما، وأيضا: فإن العدل وكيل للمرتهن فى القبض، فكان القبض بمنزلة الوكالة فى الهبة، وسائر
المقبوضات بوكالة من له القبض فيها، فإن قيل: لو كان العدل وكيلا للمرتهن لكان له أن يقبضه
منه، ولما كان للعدل أن يمنعه إياه، قيل له: هذا لم يخرجه عن أن يكون وكيلا وقابضا له، وإن لم
يكن له حق القبض من قبل أن الراهن لم يرض بيده، وإنما رضى بيد وكيله، ألا ترى أن الوكيل
بالشراء هو قابض للسلعة للموكل، وله أن يحبسها بالثمن، ويدل على أن يد العدل يد المرتهن، وأنه
وكيله فى القبض، أن للمرتهن متى شاء أن يفسخ هذا الرهن، ويبطل يد العدل، ويرده إلى الراهن،
وليس للراهن إبطال يد العدل، فدل ذلك على أن العدل وكيل للمرتهن اهـ ملخصا (٥٢٥:١).
باب الانتفاع بالمرهون
قوله: "عن ابن سيرين إلخ": قلت: هذان الأثران يدلان على أنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع
بالمرهون؛ لأنه ربا، وما رواه الطبرانى عن سمرة مرفوعا قال: ((من رهن أرضا بدين عليه فإنه يقضى
من ثمرتها ما فضل بعد نفقتها، يقضى ذلك من دينه ذلك الذى عليه بعد أن يحسب لصاحبها
الذى هى عنده عمله ونفقته بالعدل)) (كنز العمال) من غير تعقب.
قلت: فيه مساتير كما قاله الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٢٤٢:٤)، فتأويله أن يتبرع
صاحب الأرض لرب الدين بالانتفاع من أرضه بالزراعة، ويتبرع رب الدين بإسقاط دينه بقدر ما
انتفع من أرضه فاضلا على نفقته وعمله.
قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": لا ينتفع المرتهن من الرهن بشىء، أى ما لا

٦٥
إعلاء السنن
باب قوله : الظھر یر کب بنفقته إذا کان مر هونا
٥٨٢٠- عن أبى هريرة، عن النبى عَّه، أنه كان يقول: ((الظهر يركب بنفقته إذا
كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذى يركب ويشرب
النفقة))، رواه الجماعة إلا مسلما، والنسائى، وفى لفظ: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى
المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذى يشرب نفقته))، رواه أحمد.
يحتاج إلى مؤنة، كالدار، والمتاع ونحوه، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال، لا
نعلم فى هذا خلافا؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه،
فإن أذن الراهن للمرتهن فى الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه يحصل
قرضا يجر منفعة، وذلك حرام اهـ، ملخصا (٤: ٤٣١).
قال: فأما المحلوب والمر کوب فللمرتهن أن ينفق عليه، ویر کب ویحلب بقدر نفقته، متحريا
للعدل فى ذلك، سواء أنفق مع تعذر النفقة من الراهن لغيبة، أو امتناعه من الإنفاق، أو مع القدرة
على أخذ النفقة من الراهن واستئذانه، وعن أحمد رواية أخرى: لا يحتسب له بما أنفق، وهو
متطوع بها، ولا ينتفع من الرهن، وهذا قول أبى حنيفة، ومالك، والشافعى؛ لقول النبى معَ له:
(الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه))، ولأنه ملك غيره لم يأذن له فى الانتفاع به، ولا الإنفاق
عليه، فلم يكن له ذلك كغير الراهن، قال: ولنا ما روى البخارى، وأبو داود، والترمذى، عن أبى
هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر
يشرب بنفقته إذا كان مرهونا)) اهـ (٤: ٤٣٢)، قلت: وسيأتى الجواب عنه، فانتظر، ظ.
باب قوله: الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا إلخ
أقول: قال الطحاوى: إنه منسوخ بحرمة الربا، بقوله: ((كل قرض جر نفعا فهو ربا»، وقال:
يدل عليه أن هذا الحديث رواه الشعبى عن أبى هريرة، ومع ذلك قال: "لا ينتفع فى الرهن بشىء"،
فلو لم يكن عنده منسوخا لما قال بخلافه، هذا ملخص ما فى "عمدة القارى" (١٩٧:٦-١٩٨)،
وفيه أن الربا هو فضل لا يقابله شىء، وهذا انتفاع بمقابلة النفقة، فكيف يكون من قبيل الربا؟
وكيف يكون منسوخا بحرمة الربا؟ وما روى عن الشعبى محمله هو الانتفاع بدون العوض، فلا
يعارض ما رواه عن أبى هريرة.
فالصواب أن يقال: إن معنى الحديث أن الظهر یر کب بنفقته، أی بقدر نفقته إذا کان مرهونا

٦٦
ج - ١٨
باب کون الرهن مضمونا بالهلاك
٥٨٢١- عن عمرو بن دينار، عن أبى هريرة مرفوعا، قال: "الرهن مما فيه"، رواه
البيهقى، وقال: تفرد به حسان بن إبراهيم، وهو منقطع من عمرو بن دينار وأبى هريرة.
وأجاب عنه ابن التر كمانى بأن حسانا أخرج له الشيخان؛ فلا يضر تفرده،
وسماع عمرو عن أبى هريرة ممكن؛ لأنه ولد سنة ست وأربعين.
إن امتنع الراهن من الإنفاق، وأذن للمرتهن فيه، ولبن الدر يشرب بنفقته أى بقدر نفقته إذا كان
مرهونا بذلك الشرط، وعلى الذى يركب ويشرب بضرورة الإنفاق النفقة إحياء لحقه، وتوقيا عن
تعذيب الحيوان، وهذا المحمل هو الذى اختاره إبراهيم النخعى، حيث قال: "إذا ارتهن شاة شرب
المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا" رواه حماد بن
سلمة فى "جامعه" عن حماد بن أبى سليمان، عن إبراهيم، كما فى "الفتح" (١٠١:٥)، وحينئذ
لا يخالف الحديث مذهب أبى حنيفة؛ لأنه ليس فى المذهب ما ينافى هذا المحمل، وما فى "البدائع"
(١٥١:٦): لو كان فى الرهن نماء، فأراد الراهن أن يجعل النفقة التى ذكرنا أنها عليه فى نماء الرهن،
ليس له ذلك؛ لأن زوائد الرهن مرهونة عندنا تبعا للأصل، فلا يملك الإنفاق منها كما لا يملك
الإنفاق من الأصن اهـ، فمعناه أنه ليس للراهن أن يجبر المرتهن عليه، فلا يخالف ما إذا رضى
المرتهن بذلك؛ لأن الرهن حقه، فهو يملك إبطاله فى التبع، كما يملك إبطاله فى الأصل، فتدبر.
باب كون الرهن مضمونا بالهلاك
قوله: "عن عمرو بن دينار إلخ": قلت: لا اختلاف بين الروايتين، بل فى رواية إسرائيل
زيادة ليس فى رواية على بن صالح، وعن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، أن
عليا قال: إذا كان فى الرهن فضل، فأصابته جائحة فهو مما فيه (هذا إذا لم يكن قال: إنى لا أقبله إلا
بأكثر مما أعطيك، كما يدل عليه رواية إسرائيل)، وإن لم تصبه جائحة، واتهم فإنه يرد الفضل.
(قلت: هذه زيادة على رواية محمد بن الحنفية) رواه الطحاوى، وعن همام، عن قتادة، عن
الحسن، وخلاس بن عمرو، أن عليا قال فى الرهن: يترادان الزيادة والنقصان جميعا، فإن أصابته
جائحة برىء - (بالشرط المذكور فى حديث إسرائيل) رواه الطحاوى أيضا، وعن الحكم، عن
على، قال: يترادان الفضل بينهما فى الرهن، (يعنى بالشروط المذكورة فى الروايات الأخر)، رواه
عبد الرزاق فى "مصنفه" (زيلعى).

٦٧
كون الرهن مضمونا بالهلاك
إعلاء السنن
٥٨٢٢- عن على بن سهل الرملى، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعى، عن عطاء، عن
النبى عَِّ، قال: ((الرهن بما فيه))، رواه أبو داود فى "مراسيله"، وقال ابن القطان: مرسل
صحيح (١) (زيلعى ٣٣١:٢).
٥٨٢٣- وعن ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، قال: سمعت عطاء يحدث: أن
رجلا رهن فرسا، فنفق فى يده، فقال رسول الله عَ ليه للمرتهن: ((ذهب حقك))، رواه
أبو داود فى "مراسيله"، وابن أبى شيبة فى "مصنفه"، وضعفه عبد الحق، وابن القطان
بمصعب (٢) بن ثابت (زيلعی).
٥٨٢٤- وعن طاوس: أن النبى عَّه قال: ((الرهن بما فيه))، رواه أبو داود فى
'مراسیله".
٥٨٢٥- وعن أبى الزناد قال: إن ناسا يوهمون فى قول رسول الله عَ لّه قال:
(الرهن بما فيه))، ولكن إنما قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء أن رسول الله عَّ له قال:
((الرهن بما فيه)) إذا هلك، وعميت قيمته، يقال حينئذ للذى رهنه: زعمت أن قيمته مائة
دينار، أسلمته بعشرين دينارا، ورضيت الرهن، ويقال للآخر: زعمت أن ثمنه عشرة
دنانير، فقد رضيت به عوضا عن عشرين دينارا، رواه أيضا أبو داود فى "مراسيله"،
ولكنى لم أطلع على سندهما.
وعن الحارث، عن على، قال: إذا كان الرهن أفضل من القرض، أو كان القرض أفضل من
الرهن، ثم هلك يترادان الفضل، (يعنى بالشروط المذكورة للرد) رواه البيهقى (زيلعى).
قلت: قد علمت بما فسرنا أن لا اختلاف بين الروايات عن على، والروايات متعاضدة فيما
بينهما، فلا يضر ما فيها من الكلام، وهو أن الحكم لم يسمع من على، والحارث فيه مقال، وعبد
الأعلى لم يسمع من ابن الحنفية بل هو كتاب وكذا خلاس لم يسمع من على إنما هو كتاب. وهذه
روايات متفقة على كون الرهن مضمونا بما فيه مع الاختلاف فى التفصيل، فهى حجة على من قال
(١) لأن الوليد قد صرح فيه بالتحديث، ولا ينقم منه إلا التدليس إذا عنعن، وإذا صرح بالسماع أو التحديث فهو ثقة.
(٢) قلت: قال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوى، وذكر ابن حبان فى "الثقات"، وفى الضعفاء أيضا، وقال: هو أستخير
الله تعالى فيه، وقال النسائى فى "الكبرى": لم يتركه يحيى القطان (تهذيب ١٥٩:١)، ومثله حسن الحديث على الأصل الذى
مر ذكره غير مرة.

٦٨
ج - ١٨
كون الرهن مضمونا بالهلاك
٥٨٢٦- وأخرج الطحاوى، عن أبى العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار
المرادى، عن خالد بن نزار الأيلى، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، قال: كان
من أدركت من فقهاءنا الذين ينتهى إلى قولهم، منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن
الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن
عبد الله، فى مشيخة من نظراءهم، أهل فقه وصلاح وفضل، فذكر جميع ما جمع من
أقاويلهم فى "كتابه" على هذه الصفة، أنهم قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك، وعميت
قيمته، ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبى عنّيـ، وصحح الزيلعى سنده.
٥٨٢٧- وعن أبى عاصم، عن أبى العوام، عن مطر، عن عبيد بن عمير، أن عمر
قال فى الرجل يرتهن الرهن فيضيع، قال: "إن كان بأقل ردوا عليه، وإن كان بأفضل
فهو أمين فى الفضل"، أخرجه الطحاوى، وابن أبى شيبة، والبيهقى، وقال: هذا ليس
بمشهور عن عمر (زيلعى)، وقال فى "الجوهر النقى": هذا ليس بجرح.
٥٨٢٨- وعن وكيع، عن على بن صالح، عن عبد الأعلى بن عامر، عن محمد
ابن الحنفية، عن على، قال: إذا كان الرهن أكثر مما رهن به فهلك، فهو بما فيه؛ لأنه أمين
فى الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به فهلك، رد الراهن الفضل، رواه ابن أبى شيبة
(زيلعى).
بسقوط الضمان بالهلاك، وبقاء الدين على الراهن كما هو، وقوله: لا دلالة فيه على سقوط
الضمان؛ لأنه كلام محتمل للوجوه، فلا يعارض ما هو نص فى الباب، وهو الرهن بما فيه.
قال العبد الضعيف: وسيأتى الكلام فى قوله: ((له غنمه وعليه غرمه))، وفسره الشافعى بأن
للراهن منافع الرهن، وعليه نفقته، فيجوز له أن يؤجره، أو يستخدمه، وفيه نظر؛ لأن كون منافع
الرهن للراهن يوجب إبطال قبض المرتهن، وقد قال تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾، فجعل القبض من
صفات الرهن، فلا يصح مع ما يبطله فافهم، والله تعالى أعلم.
واختلف الفقهاء فى حكم الرهن، فقال أبو حنيفة ومحمد وأبو یوسف وزفر، وابن لیلی،
والحسن بن صالح: الرهن مضمون بأقل من قيمته ومن الدين، وقال مالك: إن علم هلاكه فهو من
مال الراهن، ولا ينقص من حق المرتهن شىء، وإن لم يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن وهو ضامن،
وقال الشافعی (وأحمد): هو أمانة لا ضمان علیه فيه بحال، سواء كان هلا كه ظاهرا أو خفيا.

٦٩
كون الرهن مضمونا بالهلاك
إعلاء السنن
٥٨٢٩- وعن إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبى، عن محمد بن الحنفية، أن عليا
قال: إذا رهن الرجل الرجل رهنا، فقال له المعطى: لا أقبله إلا بأكثر مما أعطيت، فضاع،
رد عليه الفضل، وإن رهنه وهو أكثر مما أعطى بطيب نفس من الراهن، فضاع، فهو بما
فيه، أخرجه الطحاوى (معانى الآثار ٢٥٤:٢).
وقال الجصاص فى "الأحكام" له: إن الله تعالى عطف بذكر الأمانة على الرهن فى قوله:
﴿فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته﴾، فذلك يدل أن الرهن ليس
بأمانة، وإذ لم يكن أمانة كان مضمونا؛ إذ لو كان الرهن أمانةً لما عطف عليه الأمانة؛ لأن الشىء لا
يطعف على نفسه، وإنما يعطف على غيره، وقد اتفق السلف من الصحابة والتابعين على ضمان
الرهن، لا نعلم بينهم خلافا، إلا أنهم اختلفوا فى كيفية ضمانه، فروى إسرائيل، عن عبد الأعلى،
عن محمد بن على، عن على رضى الله عنه، قال: إذا كان أكثر مما رهن به فهلك فهو بما فيه؛ لأنه
أمين فى الفضل، وإذا كان بأقل مما رهنه به فهلك رد الراهن الفضل.
وروى عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر، مثله، وهو قول إبراهيم النخعى، (وهو أرجح مما
رواه الحارث والخلاس بن عمرو عن على؛ لأن محمد بن على من أهل البيت، وصاحب البيت
أردى بما فيه)، فروى عن على هذه الروايات الثلاث، وفى جميعها ضمانه، إلا أنهم اختلفوا عنه
فى كيفية الضمان على ما وصفنا، وروى عن ابن عمر أنه قال: يترادان الفضل، وقال شریح،
والحسن، وطاوس، والشعبی، وابن شبرمة: إن الرهن بما فیه، وقال شریح: وإن کان خاتما من حديد
بمائة درهم، فلما اتفق السلف على ضمانه، وكان اختلافهم إنما هو فى كيفية الضمان، كان قول
القائل: "إنه أمانة غير مضمون" خارجا عن قول الجميع، وفى الخروج عن اختلافهم مخالفة
لإجماعهم، فهذا اتفاق قاض بفساد قول من جعله أمانة، وقد تقدم ذكر دلالة الآية على ضمانه،
ثم ذكر ما يدل عليه من جهة السنة، فذكر ما ذكرناه فى المتن، ومن أراد البسط، فليراجع "أحكام
القرآن" (٥٢٧:١) له.
واحتج الشافعی رحمه الله لكونه أمانة بحدیث ابن أبی ذئب، عن الزهرى، عن سعيد بن
المسيب، أن رسول الله ع له قال: ((لا یغلق الرهن من صاحبه الذی رهنه، له غنمه و علیه غرمه))،
وسيأتى الكلام عليه سندا، ومتنا، وتأويلا، وهو حجة لنا لا علينا، ظ.

٧٠
ج - ١٨
باب قوله لا یغلق الرهن
٥٨٣٠- عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، عن النبى عدّيه،
قال: ((لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه))، رواه الدار قطنى، والحاكم، وابن حبان فى
صحیحه"، والبيهقى.
باب قوله: «لا یغلق الرهن»
قوله: "عن الزهرى إلخ"، قلت: هذا الحدیث اختلف فى سنده، و متنه، وتصحيحه،
وتأويله، أما السند فقد رواه زياد بن سعد، وسليمان بن أبى داود، ومحمد بن الوليد الزبيدى،
وإسحاق بن راشد، ومالك فى رواية الحاكم، ومعمر فى رواية الحاكم، والدارقطنى، وابن أبى ذئب
فى روايتهما، عن الزهرى، عن سعيد، عن أبى هريرة، ورواه الأوزاعى، ويونس، ومالك فى رواية
الطحاوى، ومعمر فى رواية عبد الرزاق، وابن أبى ذئب فى رواية الشافعى، وابن أبى شيبة، وعبد
الرزاق، والطحاوى، عن الزهرى، عن سعيد، عن النبى معَّ مرسلا، هذا هو الاختلاف فى السند.
وأما المتن فقال الطحاوى: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أنه سمع مالكا، ويونس،
وابن أبى ذئب، يحدثون عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله عّ لّه قال: ((لا يغلق
الرهن))، قال يونس بن يزيد: قال ابن شهاب: كان ابن المسيب يقول: الرهن لصاحبه غنمه
وعليه غرمه وهو يدل على أن قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) من قول ابن المسيب، لا من قول
رسول الله عَّله، وروى غير ابن وهب عن مالك، وابن أبى ذئب، ومعمر، وغيرهم، أنه قال رسول
الله عَّةِ: ((لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه وعليه غرمه))، وهذا يدل على أن هذا كله من قول
رسول الله عَّ له، هذا هو الاختلاف فى المتن.
وأما الاختلاف فى التصحيح فى جهة السند، فصحح عبد الحق، وابن عبد البر وصله، وأبو
داود، والبزار، والدار قطنى، وابن القطان إرساله، كما فى "التلخيص"، وأما الاختلاف فى
التصحيح من جهة المتن، فصرح ابن وهب فى رواية عن يونس أن قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) من
كلام سعيد بن المسيب، وصححه أبو داود فى "المراسيل"، حيث قال قوله: ((له غنمه وعليه غرمه))
من كلام سعيد، نقله عنه الزهرى، وقال هذا هو الصحيح (زيلعى).
ويؤيده أنه أخرج الطحاوى من طريق ابن جريج، عن عطاء، وسليمان بن موسى، أنهما
قالا: قال رسول الله عّ لّه: ((لا يغلق الرهن))، وليس فيه قوله: ((له غمنه، وعليه غرمه))، وأخرج
أيضا: من طريق سفيان، أو شعيب على اختلاف النسخ عن الزهرى عن سعيد، عن النبى عليرضي.

٧١
قوله: ((لا يغلق الرهن))
إعلاء السنن
قوله: ((لا يغلق الرهن)) بدون قوله: ((له غمنه وعليه غرمه)).
فالظاهر أن هذا القول مدرج فى الحديث من ابن المسيب، أدرجه على وجه التفسير لقوله:
((لا يغلق الرهن من صاحبه))، وقال الشافعى: هو من كلام النبى عَّهِ، بناء على ما رواه ابن أبى
فديك، عن ابن ذئب، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن النبى عرّ ◌ُليه، قال: ((لا يغلق الرهن من
صاحبه الذی رهنه، له غنمه و علیه غرمه) من غیر تفصیل ذكره یونس فى روايته عن ابن شهاب،
هذا هو الاختلاف فى التصحيح.
وأما الاختلاف فى التأويل، فقال الشافعى: معناه لا يحبس الرهن من صاحبه أن ينتفع به؛
لأن له غنمه ومنافعه، وعليه غرمه وهلاكه، فلو هلك فى يد الراهن أو المرتهن لا يسقط حق
المرتهن، ونحن نقول: معناه لا يحبس الرهن من صاحبه بعد انقضاء الأجل المعين لأداء الدين
بدعوى التملك، بل يباع فى الدين، ولصاحبه غنمه وفضله إن بيع بأكثر من الدين، وعليه غرمه
ونقصه إن بيع بأقل من الدين، كذا فى "معانى الآثار".
وتأويلنا: أوجه من تأويل الشافعى؛ لأن حق القبض ثابت للمرتهن إلى أداء الدين، والنهى
عن غلق الرهن بما فسره ينافى ذلك الحق، فيفسر بما لا ينافيه، وهو ما قلنا، ثم التفسير الذى فسرنا
به غلق الرهن منقول عن إبراهيم، وطاوس، ومالك بن أنس، وسفيان الثورى، والزهرى، كما نقله
الطحاوى عنهم بأسانيده، وتفسير الشافعى لم ينقل عن أحد، وإنما هو اجتهاد منه، فما فسرنا به
أولى، وتفسيره لقوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) بما فسره منافٍ لما روى عن النبى عَُِّّ، وعمر،
وغيرهما: ((أن الرهن بما فيه))، فتفسيرنا أولى من تفسيره، هذا إذا صح أنه قول رسول الله عَ لّه،
وإن کان من قول سعيد، فلا حجة له فيه.
ويقال من جهة النظر: إن المرتهن له حقا على الراهن، وهو أداء الدين، وللراهن فى مقابلته
حقا على المرتهن، وهو أداء الرهن إلى الراهن عند اقتضاء الدين منه، فلما عجز من أداء حق الراهن
إلى الراهن لهلاك الرهن لا يمكن له مطالبة حقه منه؛ لأن أحد الحقين كان عوضا عن الآخر، فلما
سقط أحد العوضين سقط الآخر، كسقوط الثمن من المشترى عند هلاك المبيع عند البائع، وبهذا
ثبت الفرق بين الرهن والأمانات؛ لأن الأمانة لا تكون عوضا عن شىء، والرهن عوض عن الدين،
فلا يكون أمانة، هذا توضيح ما قاله الطحاوى فى "معانى الآثار"، والحاصل أن ما ذهب إليه أبو
حنيفة هو أرجح مما ذهب إليه الشافعى من جهة الرواية، والدراية، والله أعلم.

٧٢
قوله: ((لا يغلق الرهن))
ج - ١٨
قال العبد الضعيف: فلو تلف الرهن بغير جناية من المرتهن ضمنه المرتهن بأقل الأمرين من
قیمته أو قدر الدين؛ لكون الرهن مضمونا بما فيه، بدليل ما مر فى الباب السابق.
وأما إذا تعدى المرتهن فى الرهن، أو فرط فى حفظه، فإنه يضمن اتفاقا، لا نعلم فى وجوب
الضمان عليه خلافا، وإنما النزاع فيما إذا تلف من غير تعد منه ولا تفريط.
فقال عطاء، والزهرى، والأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر: لا ضمان
عليه، وهو من مال الراهن؛ لكونه أمانة فى يده، ويروى عن شريح، والنخعى، والحسن: أن الرهن
يضمن بجميع الدين، وإن كان أكثر من قيمته؛ لقوله مِّ: ((الرهن بما فيه)).
ومذهبنا ما ذكرنا من الضمان بأقل الأمرين، وبه قال الثورى، ويروى ذلك عن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه، قاله الموفق فى "المغنى" (٤٤٢:٤)، ودلائلها مبسوطة فى المتن، وأخذنا من
أقوال على ما وافق قول عمر بن الخطاب؛ لأنه لم يختلف عليه، وهو مفسر لقوله عّ لّه: ((الرهن بما
فیه))، ظ.
فوائد شتى تتعلق بكتاب الرهن:
فائدة: استدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره زال لزوم
الرهن، وبقى العقد كأن لم يوجد فيه قبض، سواء أخرجه بإجارة، أو إعارة، أو إيداع، أو غير
ذلك، فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق.
قال أحمد فى رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا، ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن، فإذا
رجعت إليه صارت رهنا، وقال فيمن رهن جارية ثم سأل المرتهن أن يبعثها إليه لتخبز لهم، فبعث
بها فوطئها، انتقلت من الرهن، فإن لم يكن وطئها فلا شىء، قال أبو بكر: لا يكون رهنا فى تلك
الحال، فإذا ردها رجعت إلى الرهن، وممن أوجب استدامة القبض مالك، وأبو حنيفة.
وقال الشافعى: استدامة القبض ليست شرطا؛ لأنه عقد يعتبر القبض فى انتقاله، فلم يشترط
استدامته كالهبة، ولنا قول الله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾، ولأنها إحدى حالتى الرهن، فكان
القبض فيها شرطا كالابتداء، ويفارق الهبة لأن القبض فى ابتداءها يثبت الملك، فإذا ثبت استغنى
عن القبض ثانيا، والرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه، واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن فى يده
لم يتمكن من بيعه، ولم تحصل وثيقته، وإن أزيلت يد المرتهن لغير حق، كغصب، أو سرقة، أو إباق

٧٣
قوله: ((لا يغلق الرهن))
إعلاء السنن
العبد، أو ضياع المتاع، ونحو ذلك، لم يزل لزوم الرهن؛ لأن يده ثابتة حكما فكأنها لم تزل اهـ
ملخصا من "المغني" (٣٧٠:٤).
فائدة: يجوز أن يستعير شيئا يرهنه، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم
على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه على دنانير معلومة عند رجل سماه إلى وقت معلوم
ففعل، أن ذلك جائز، وينبغى أن يذكر المرتهن، والقدر الذى يرهنه به، وجنسه، ومدة الرهن؛ لأن
الضرر يختلف بذلك، فاحتيج إلى ذكره كأصل الرهن، ومتى شرط شيئا من ذلك، فخالف ورهنه
بغيره لم يصح الرهن؛ لأنه لم يؤذن له فى هذا الرهن، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ذلك
اهـ من "المغنى" (٤: ٣٨٠).
فائدة: لا يصح رهن ما لا يصح بيعه، كأم الولد، والمدبر، والوقف، والعين المرهونة، لأن
مقصود الرهن استیفاء الدین من ثمنه، وما لا يجوز بيعه لا یمکن ذلك فیه، ولا يصح رهن المجهول،
لأنه لا يصح بيعه، فلو قال: رهنتك هذا الجراب، أو البيت، أو الخريطة بما فيها، لا يصح، لأنه
مجهول، وإن لم يقل: بما فيها، صح رهنبها للعلم بها، إلا أن يكون ذلك مما لا قيمة له. وفى الجملة
أنه يعتبر للعلم فى الرهن ما يعتبر فى البيع، وكذلك القدرة على التسليم، فلا يصح رهن الآبق، ولا
الجمل الشارد، ولا غير مملوك، قاله الموفق فى "المغنى"، ولم يذكر فيه خلافا (٣٨٣:٤).
فائدة: إذا كان الرهن على يدى عدل، وشرطه له أن يبيعه عند حلول الحق صح، ويصح
بيعه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، فإن عزل الراهن العدل عن البيع صح عزله،
ولم يملك البيع عند أحمد، والشافعى. وقال أبو حنيفة، ومالك، لا ينعزل، لأن وكالته صارت من
حقوق الرهن، فلم يكن للراهن إسقاطه (بغير رضا المرتهن) كسائر حقوق الرهن، وهو وجه
للحنابلة، لأن أحمد قد منع الحيلة فى غير موضع من كتبه، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن، فإنه
يشترط ذلك للمرتهن لیجیبه إليه ثم يعزله كذا في المغنى (٤: ٣٩٠).
فائدة: لا يجوز للراهن وطأ أمته المرهونة فى قول أكثر أهل العلم، وقال بعض أصحاب
الشافعى رضى الله عنه: له وطأ الآئسة والصغيرة، لأنه لا ضرر فيه، فإن علة المنع الخوف من الحمل
مخافة أن تلد منه فتخرج بذلك عن الرهن، أو تتعرض للتلف، وهذا معلوم فيهما. وأهل العلم على
خلاف هذا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطأ أمته المرهونة،
ولأن سائر من يحرم وطؤها لا فرق فيه بين الآئسة والصغيرة وغيرهما كالمعتدة والمستبرأة والأجنبية

٧٤
قوله: ((لا يغلق الرهن))
ج - ١٨
فإن وطئ فلا حد عليه، لأنها ملكه، وإنما حرمت عليه لعارض كالمحرمة، والصائمة، فإن كان الوطأ
بإذن المرتهن خرجت من الرهن ولا شىء للمرتهن لأنه أذن فى سبب ما ينافى حقه فكان إذنا فيه،
ولا نعلم فى هذا خلافا، وإن لم تحبل فهى رهن بحالها اهـ. من "المغنى" ملخصا. (٤: ٤٠٣).
٥
فائدة: لا يحل للمرتهن وطئ الجارية المرهونة إجماعا، لقول الله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم
أو ما ملكت أيمانهم). وليست هذه زوجة، ولا ملك يمين، فإن وطئها علما بالتحريم فعليه الحد،
لأنه لا شبهة له فيه، فإن الرهن استيثاق بالدين، ولا مدخل لذلك فى إباحة الوطأ، فإن ادعى الجهل
بالتحريم واحتمل صدقه فلا حد عليه، وولده حر، لأنه وطئها معتقدا إباحة وطئها، فهو كما لو
وطأها يظنها أمته، وعليه قيمة ولدها، لأن اعتقاده الحل منع انخلاق الولد رقيقا، ففوت رق الولد .
على سيدها، فلزمته قيمته كالمغرور بحرية أمته، كذا فى "المغنى" (٤: ٤٠٧) ملخصا.
فائدة: العبد المرهون إذا جنى على إنسان أو على ما له تعلقت الجناية برقبته، فكانت مقدمة
على حق المرتهن، لا نعلم فى هذا خلافا، وذلك لأن الجناية مقدمة على حق المالك، والملك أقوى
من الرهن، فأولى أن يقدم على الرهن، كذا فى "المغنى" أيضا (٤: ٤١٠).
فائدة: إن جرح العبد المرهون أو قتل فالخصم فى ذلك سيده، لأنه مالكه، والأرش الواجب
بالجناية ملكه، وإنما للمرتهن فيه حق الوثيقة، فصار كالعبد المستاجر، والمودع، وبهذا قال الشافعى
وغيره، فإن ترك المطالبة، أو أخرها، أو كان غائبا، أو له عذر يمنعه منها، فللمرتهن المطالبة بها، لأن
حقه متعلق بموجبها، فكان له الطلب بها، كما لو كان الجانى سيده، كذا فى "المغنى (٤: ٤٢٠).
وهو مذهبنا معشر الحنفية، كما فى "الهداية" وغيرها، لا نعلم فيه خلافا.
فائدة: الشروط فى الرهن تنقسم قسمين: صحيحا وفاسدا، فالصحيح مثل أن يشترط كونه
علي يد عدل عينه، أو عدلين، أو أكثر، وأن يبيعه العدل عند حلول الحق، ولا نعلم فى صحة هذا
خلافا، وإن شرط أن يبيعه المرتهن صح، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعى: لا يصح، كذا
فى "المغنى" (٤: ٤٢٨) أيضا.
فائدة: إذا اخلتفا فى قيمة الرهن بعد ما أتلف، فالقول قول المرتهن مع يمينه، لأنه غارم،
ولأنه منكر لوجوب الزيادة على ما أقربه، والقول قول المنكر، وبهذا قال الشافعى، ولا نعلم فيه
مخالفا، وإن اختلفا فى قدر الحق، نحو أن يقول الراهن: رهنتك عبدى هذا بألف، فقال
المرتهن: بل ألفين، فالقول قول الراهن، وبهذا قال النخعى، والثورى، والشافعى، والبتى،

٧٥
إعلاء السنن
کتاب الجنايات
باب وجوب القصاص فى العمد وجواز العفو عنه
٥٨٣١- عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس
قال: قال رسول الله عَّ ◌ُّه: ((العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول))، أخرجه ابن شيبة،
وإسحاق بن راهويه (كذا فى "الزيلعى")، وفيه إسماعيل بن مسلم المكى ضعفه الأئمة.
وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وحكى عن الحسن، وقتادة: أن القول قول المرتهن ما لم يجاوز ثمن الرهن أو قيمته، ونحوه
قول مالك، لأن الظاهر أن الرهن يكون بقدر الحق، ولنا أن الراهن منكر للزيادة التى يدعيها
المرتهن، والقول قول المنكر، لقول رسول الله عّ لّه: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء
رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه))، رواه مسلم (المغنى ٤: ٤٤٥).
فائدة: المرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء حتى يستوفى حقه، حيا كان أو ميتا،
وجملته أنه إذا ضاق مال الراهن عن ديونه، وطالب الغرماء بديونهم، أو حجر عليه لفلسه، وأريد
قسمة ماله بين غرماءه، فأول من يقدم من له أرش جناية يتعلق برقبة بعض عبيد الراهن، لما ذكرنا
من قبل، ثم من له رهن فإنه يخص بثمنه عن سائر الغرماء، لأنه حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن
معا، وسائرهم يتعلق حقه بالذمة دون العین، فكان حقه أقوى، وهذا من أكبر فوائد الرهن، وهو
تقديمه بحقه عند فرض مزاحمة الغرماء، ولا نعلم فى هذا خلافا، وهو مذهب الشافعى، وأصحاب
الرأى، وغيرهم، "المغنى" (٤: ٤٥٢) هذه جملة من مسائل الرهن قد اتفقوا عليها، أو المتفق
عليها أكثر العلماء، ومن أراد البسط فليراجع "المغنى" لابن قدامة، "وأحكام القرآن" للجصاص.
والله تعالى أعلم .١٢ظ.
باب وجوب القصاص فی العمد
أقول: مما ينبغى أن يعلم أن القتل هو إزهاق الروح، والعمد هو القصد، فالموجب للقود هو
إزهاق الروح بالقصد، ولا دخل فيه لخصوص الآلة، إلا أن القصد أمر مبطن لا يعلم إلا من جهة
الدليل، فإن كان الدليل هو إقرار القائل بأن أقر بأنه قتله بالقصد، فلا خلاف فى أن هذا القتل
موجب للقود بأى آلة كانت، كما علمت أنه لا دخل لخصوص الآلة فى وجوب القود، وإنما
الموجب له هو القتل عمدا، وإن لم يكن الدليل هو إقرار بأن أنكر قصد القتل، فإن كان الآلة ما لا

٧٦
ج - ١٨
وجوب القصاص فى العمد وجواز العفو عنه
وقال محمد بن عبد الله الأنصارى: كان له رأى، وفتوى، وبصر، وحفظ الحديث
فكنت أكتب عنه لنباهته (كذا فى التهذيب) قلت: لا يؤثر فى الحديث ضعف إسماعيل
فإن الحديث ثابت بمعناه بالنصوص الصحيحة المتواترة، ومجمع عليه عند العلماء.
يقصد به إلا القتل عادة، كالسلاح، وما يجرى مجراه كالنار، فهو قتل عمدا موجب للقصاص بلا
خلاف أيضا، وإن كان الآلة بما يقصد به القتل تارة، والتاديب أخرى، كالعصا الكبير، والحجر
الكبير ونحوهما، فقال أبو يوسف، ومحمد، والأئمة الثلاثة: إنه قتل عمدا، لأن الآلة من آلات
القتل کالسلاح، فلا يصدق فى إنكاره القتل.
وقال أبو حنيفة: نعم! هو من آلات القتل، إلا أنه يستعمل فى غير القتل أيضا، بخلاف
السلاح، فإنه لا يستعمل إلا فى القتل عادة، فليس ههنا ما يكذب دعواه ظاهرا، كما كان فى
السلاح، فيصدق قوله، ولا يجب القصاص، لعدم ثبوت التعمد للقتل، نعم! إن أقر بأنه قتله قصدا
يجب القصاص، وهذا التفصيل فى القتل بالحجر الكبير، وغيره عنده يعلم مما قال صاحب
"المجتبى"، لأنه قال: يشترط عند أبى حنيفة (فى عدم وجوب القصاص فى القتل بالمثقل) أن يقصد
التأديب دون الإتلاف، كما فى "البناية شرح الهداية" (٤: ٤٤٥). فتنبه له.
وإن كان القتل بآلة لا يستعمل فى القتل عادة، كالسوط ونحوه، فهو ليس بعمد بالاتفاق،
بل شبة العمد، إلا أن يتكرر الضرب بحيث تكون جملة الضربات قاتلة غالبا فإن فيه قولين: الأول:
أنه عمد محض عندهما. والثانى: أنه شبه عمد كقول أبى حنيفة، هذا تحقيق الإختلاف فيما بينهم،
فاحفظه.
قول ابن عباس فى توبة القاتل عمدا
قال العبد الضعيف: اتفق الأئمة الأربعة، كما فى "رحمة الأمة" على أن القاتل لا يخلد فى
النار، وتصح توبته من القتل، وحكى عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، والضحاك: أنه لا تقبل توبته.
قلت: روى عن ابن عباس، أنه سئل عمن قتل أله توبة؟ فقال مرة: لا، وقال مرة: نعم،
فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت فى عينى الأول أنه يقصد القتل فقمعته، وكان الثانى صاحب واقعة
يطلب المخرج، روى ابن أبى شيبة: نا يزيد بن هارون، أنا أبو مالك الأشجعى، عن سعد بن عبيدة،
قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا، إلى النار، فلما ذهب قال له
جلساءه: ما هكذا كنت تفتينا، فما بال هذا اليوم؟ قال: إنى أحسبه مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا.

٧٧
إعلاء السنن
باب ثبوت الخيار لولى المقتول بين القصاص
والدية بعد رضاء القاتل بالدية
٥٨٣٢- أخبرنا محمد بن إسماعيل، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد بن أبى سعيد
المقبرى، عن أبى شريح الكعبى، أن رسول الله عّ لّه قال: ((من قتل له قتيل فأهله بين
خيرتين: إن أحبوا فلهم العقل، وإن أحبوا فلهم القود))، أخرجه الشافعى فى "الأم"،
قال: فبعثوا فى أثره فوجدوه كذلك، رجاله ثقات، وروى سعيد بن منصور: نا سفيان، قال: كان
أهل العلم إذا سئلوا عن القاتل قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلى رجل قالوا له: تب، وهو نظير ما أخرجه
أبو داود عن أبى هريرة: أن رجلا سأل النبى عّ لّه عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فسأله
فنهاه، فإذا الذى رخص له شيخ، وإذا الذى نهاه شاب اه من "التلخيص الحبير" (٤٠٣:٢).
ولعلك قد عرفت بذلك موافقة ابن عباس للجمهور فى أن للقاتل توبة، وإنما اختلفت فتاواه
لاختلاف أحوال السائل، وهكذا يفعل الفقيه، فللّه دره من حبر، قد فتحت له أبواب الفقه.
قال فى "رحمة الأئمة": واتفقوا على أن من قتل نفسا مسلمة مكافئة له فى الحرية، ولم
يكن المقتول أبنا للقاتل، وكان فى قتله له متعمدا، وجب عليه القود، وأن للسيد إذا قتل عبده، فإنه
لا يقتل به، وإن تعمد اهـ (ص١٢٣). وفى "المغنى" لابن قدامة: إن ضربه بمحدد وهو ما يقطع
ويدخل فى البدن كالسيف، والسكين، والسنان، وما فى معناه مما يحدد، فيجرح من الحديد،
والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة والزجاج، والحجر، والقصب، والخشب، فهذا كله إذا
جرح به جرحا كبيرا فمات، فهو قتل عمد، لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمنا، وإن جرحه
جرحا صغيرا، ففيه تفصيل وخلاف (٣٢١:٩).
باب ثبوت الخيار لولى المقتول بين القصاص والدية
قوله: "أخبرنا محمد بن إسماعيل" إلخ: قلت: قال الشافعى: قوله: "أعله بين خيرتين" يدل
على أن موجب القتل العمد أحد الأمرين: القصاص، أو الدية، وتعيين أحدهما إلى ولى المقتول،
ونحن نقول: إن قوله: ((أهله بين خيرتين)) لا يدل على ما قال، لأنه يحتمل أن يكون أهله بين
الخيرتين بعد أن يرضى القاتل بالدية، ويكون ترك هذا القيد بناء على ما عرف من عادة الناس أنهم
يرضون بالدية حفظا لأنفسهم، ويحتمل أن يكون معناه ما قال الشافعى، فلما احتمل أمرين قلنا:
الظاهر هو الاحتمال الأول، لأن القصاص قضاء بالمثل، والدية قضاء بالقيمة، وحق صاحب الحق

٧٨
ثبوت الخيار لولى المقتول بين القصاص والدية
ج - ١٨
وقال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة،
عن النبى عّ لّه مثله أو مثل معناه.
فى المثل دون القيمة، وإنما يعدل إلى القيمة إما لتعذر المثل أو برضاء الفريقين. هذا هو الأصل، فلا
یعدل عنه إلا لدليل هو نص فى خلافه، وما نحن فيه ليس كذلك، فلا يعدل عن الأصل الكلى،
ويؤول الحديث بنحو ما تأولنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: والأصل فى ذلك قول الله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص فى
القتلى﴾، وقوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾، وقوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا
لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل﴾، وقد اتفقوا أن القود مراد به، وقال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به﴾، وقال: ﴿فمن اعتدى علیکم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدی علیکم﴾، والمثل هو
القود، فاقتضت هذه الآيات إيجاب القصاص لا غير، ويدل على أن موجب العمد القود لا غير
حديث أنس فى قصة الربيع عمته، فقال النبى ◌ّ له: (( كتاب الله القصاص)) (متفق عليه).
قال الطحاوى: فإنه ◌َّه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولى لأعلمهم
النبى معَّه، إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأنه
الحق له فى أحدهما، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله: ((فهو بخير النظرين)) أى
ولى المقتول مخير بشرط أن يرضى الجانى أن يغرم الدية، وتعقب بأن قوله مرّ له: ((كتاب الله
القصاص))، إنما وقع عند طلب أوليا المجنى عليه فى العمد القود، فأعلم أن كتاب الله القصاص إذا
طلبه أهل المجنى عليه. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد، وقد تقدم عن ابن عباس
رفعه: ((العمد إلا أن يعفو ولى المقتول)). والمراد بالعفو العفو عن القصاص.
وأخرجه أبو داود، والنسائی، وابن ما جه، عن عمرو بن دینار، عن طاوس، عن ابن عباس
قال: قال رسول الله عَ له: ((من قتل فى عميا، أو رميا تكون بينهم بالحجارة، أو بالسياط، أو ضرب
بالعصا، فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله،
والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل)). ورواه الطبرانى من طريق عبد الله بن
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبى معَّه، قال: ((العمد قود والخطأ
دية)) (زيلعى ٣٣٣:٢).
ورواه ابن حزم من طريق الزهرى، عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن
جده، أن رسول الله عّ لّ كتب فى كتابه إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم، فذكره، (٣٦٢:١٠)

٧٩
ثبوت الخيار لولى المقتول بين القصاص والدية
إعلاء السنن
فالمراد بجده هو عمرو بن حزم لا ابنه محمد، فانتفت شبهة الإرسال.
وروى أبو داود فى "سنته": نا محمد بن عوف الطائى، نا عبد القدوس بن الحجاج، ثنا
يزيد بن عطاء الواسطى، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه: ((أن رسول
الله عَّةِ أتى بقاتل، فقال له: هل لك من مال تؤدى ديته؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أرسلتك تسأل
الناس تجمع ديته؟ قال: لا، قال: فمواليك يعطونك ديته؟ قال: لا، قال لولى المقتول: خذه))
الحديث، فأخبر عليه السلام فى الحديثين الأولين أن الواجب بالعمد هو القصاص، ولو كان لولى
المقتول خيار فى أخذ الدية لما اقتصر على ذكر القود دونها، ولا حجة للخصم فى قوله: "إلا أن
يعفو أولياء المقتول"، فإن العفو غير أخذ الدية، ولا فى قوله فى رواية: "إلا أن يرضى أولياء
المقتول"، لأن الرضا أعم من العفو ومن أخذ الدية، قلنا أن نحمل على الرضا بترك القود فضلا
وإحسانا. وفى حديث وائل أنه مرّ له استشار القاتل فى إعطاء الدية، فلو كانت إلى ولى المقتول ما
استشار القاتل، بل استشار الولى، وأجبر القاتل عليها.
وروی عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن طاوس، قال: فی الکتاب الذی هو عند أبى، وهو
عن رسول الله عَّ له: ((إذا اصطلحوا فى العمد فهو على ما اصطلحوا عليه)) (المحلى ٣٦٣:١٠)، فلم
يذكر فى العمد دية، وإنما ذكر الاصطلاح، ولا يكون إلا برضا الفريقين، وروى عبد الرزاق، كما
فى "المحلى" أيضا: عن ابن جريج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن عمر بن
الخطاب، قال: لا يمنع السلطان ولى الدم أن يعفو إن شاء، أو يأخذ العقل إن اصطلحوا عليه، ولا
يمنعه أن يقتل إن أبى إلا القتل بعد أن يحق القتل فى العمد اهـ، وهذان مرسلان صحيحان، وفيها
أن ولی المقتول لا يستحق الدیة إلا بالاصطلاح، وبه نقول.
وأما قوله مرّ ◌ُله: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يودى))، فإن
النسائى رواه من طريق الأوزاعى: نا يحيى بن أبى كثير، حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله عَ لّه قال: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يقاد
وإما یفادی)).
ورواه ابن أبى شيبة من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير به، ولفظه: من قتل له قتيل فهو
بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفادى أهل القتيل)) (المحلى ٣٦٣:١٠)، فلم يذكر دية، وإنما
ذكر المفاداة، والمفاداة إنما تكون بين اثنين، كالمقاتلة، والمضاربة، ونحوها، فدل على أن مراده فى

٨٠
ثبوت الخيار لولى المقتول بين القصاص والدية
ج - ١٨
سائر الأخبار أخذ الدية برضا القاتل، كما قال تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾، والمعنى فداء برضا
الأسير، فاكتفى بالمحذوف عن ذكره، لعلم المخاطبين عند ذكر المال بأنه لا يجوز إلزامه إياه بغير
رضاه، قاله الجصاص (١٥٥:١).
وقال المهلب وغيره: يستفاد من قوله: ((فهو بخير النظرين)) إن الولى إذا سئل فى العفو على
مال إن شاء قبل ذلك، وإن شاء اقتص، وعلى الولى اتباع الأولى، وليس فيه ما يدل على إكراه
القاتل على بذل الدية، كذا فى "فتح البارى" (١٨٤:١٢).
فإن قال قائل: لما كان عليه إحياء نفسه وجب أن يحكم عليه بذلك إذا اختار الولى أخذ
المال، قلنا: فيجب على هذه القضية إجبار الولى على أخذ المال أيضا إذا بذله القاتل، لأنه يجب
على كل أحد أن يحيى غيره إذا خاف عليه التلف، مثل: أن يرى إنسانا قد قصد غيره بالقتل، أو
خاف عليه الغرق، وهو يمكنه تخليصه، فإن كان على القاتل إعطاء المال لإحياء نفسه فعلى الولى
أيضا إحياءه إذا أمكنه ذلك، وهذا يؤدى إلى بطلان القصاص أصلا. وأيضا فينبغى إذا طلب الولى
داره أو عبده أو ديات كثيرة أن يعطيه، لأنه لا يختلف فيما يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير،
فلما لم يلزمه إعطاء أكثر من الدية عند القائلين بهذه المقالة، كان بذلك انتقاض هذا الاعتلال
وفساده، "أحكام القرآن" ١٥٦:١) للجصاص، وأيضا فلا نزاع فى أنه يجب على القاتل إحياء
نفسه ديانة ببذل المال إذا رضى به الولى وأمكنه البذل، وإنما النزاع فى وجوب ذلك عليه قضاء،
حتى يكره على بذل الدية، ولا دليل فى حديث على إكراه القاتل على ذلك.
ولا حجة للخصم فيما رواه البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: كانت فى
بنى إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص فى
القتلى﴾ إلى قوله: ﴿فمن عفى له من أخيه شىء﴾، قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية فى العمد،
الحديث، فأخبر ابن عباس أن الآية أبا حت للولى قبول الدية تخفيفا من الله علينا ورحمة بنا،
ونسخت ما كان على بنى إسرائيل من حظر قبول الدية، فلو كان الأمر على ما ادعاه الخصم من
إيجاب التخيير لما قال: "فالعفوا أن يقبل الدية"، لأن القبول لا يطلق إلا فيما بذله غيره، ولو لم
يكن أراد ذلك لقال إذا اختار الولى، فثبت أن المعنى كان عند جواز تراضيهما على أخذ الدية.
وبالجملة فقول أبى حنيفة أقوى ما يكون فى هذا الباب، وبه قال مالك، والثورى، وابن
شبرمة، والحسن بن صالح، وأبو يوسف، ومحمد، وغيرهما من أصحاب الإمام أبى حنيفة، كما