النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ جريم العين إعلاء السنن قال: والضرب الثانى: الماء الجارى فى نهر مملوك، وهو أيضا قسمان: أحدهما: أن يكون مباح الأصل، مثل: أن يحفر إنسان نهرا صغيرا يتصل بنهر كبير مباح، فيصير مالكا لقرار النهر، وحافيته وهواؤه حق له، وكذلك حريمه، وهو ملقى الطين من كل جانب، وإذا تقرر هذا، فإن كان النهر لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة؛ لأنه إنما ملك بالعمارة، والعمارة بالنفقة، فإن كفى جميعهم فلا كلام، وإن لم يكفهم وتراضوا على قسمته بالمهايأة أو غيرها جاز؛ لأنه حقهم لا يخرج عنهم، وإن تشاحوا فى قسمته قسمه الحاكم بينهم على قدر أملاكهم؛ لأن كل واحد منهم يملك من النهر بقدر ذلك. والقسم الثانى: أن يكون منبع الماء مملوكا، مثل: أن يشترك جماعة فى استنباط عين وإجرائها، فإنهم يملكونها أيضا؛ لأن ذلك إحياء لها - إذا كان بإذن الإمام- ويشتركون فيها وفى ساقيتها على حسب ما أنفقوا عليها وعملوا فيها، كما فى القسم الذى قبل هذا، إلا أن الماء غير مملوك، ثم لأنه مباح دخل ملكه، وههنا يخرج على روايتين: أصحهما أنه غير مملوك أيضا، وعلى كل حال فلكل أحد أن يستقى من الماء الجارى لشربه، ووضوئه، وغسله، وغسل ثيابه، وينتفع به فى أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه، إذا لم يدخل إليه فى مكان محوط عليه، ولا يخل لصاحبه المنع من ذلك؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل كان يفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل)) رواه البخارى، ولأن ذلك لا يؤثر فى العادة، وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر، فأما ما يؤثر فيه كسقى الماشية الكثيرة ونحو ذلك، فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله لذلك، وإن لم يفضل لم يلزمه اهـ ملخصا (١٧٧:٦). قال فى "الدر": ولو منعه الماء وهو يخاف على نفسه ودابته العطش، كان له أن يقاتله بالسلاح، لأثر عمر رضى الله عنه اهـ، أى منعه صاحب البئر أو الحوض أو النهر الذى فى ملكه، بأن لم يمكنه من الدخول، ولم يخرجه إليه، ولم يجد ماء بقربه؛ لأنه منعه حقه، وهو الشفة، والماء فى البئر مباح غير مملوك، بخلاف المحرز فى الإناء (هداية)، فإن كان محرزا فى الأوانی قاتله بغیر. سلاح إذا كان فيه فضل عن حاجته؛ لملكه بالإحراز، فصار نظير الطعام عند المخمصة، ويضمن له ما أخذ؛ لأن حل الأخذ للاضطرار لا ينافى الضمان، والبسط فى "رد المحتار" (٤٣٦:٥). والأثر أخرجه أبو يوسف فى "الخراج" تعليقا، ولفظه: فأما الماء خاصة، فإنهم كانوا يرون ٢٢ ج - ١٨ كتاب الأشربة باب حرمة الخمر ٥٧٨٢- عن ابن عباس، قال: ((كان لرسول الله عَّ له صديق من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه، فقال رسول الله عَ ليه: أما علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله عَّ له: إن الذى حرم شربها حرم بيعها، فأمر بها فأفرغت بالبطحاء))، رواه أحمد ومسلم والنسائى، كذا فى "المنتقى" (نيل ٣٩٥:٨). فيه إذا خيف على النفس قتال المانع منه -وهو فى الأوعية- عند الاضطرار، إذا كان فيه فضل عمن هو فى يده، ويحتجون فى ذلك بحديث عمر فى القوم السفر الذين وردوا ماء، فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر، فلم يدلوهم عليها، فقالوا: إن أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت تنقطع من العطش، فدلونا على البئر، وأعطونا دلوا نستقى به، فلم يفعلوا، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: هلا وضعتم فيهم السلاح اهـ (ص١١٦). وقال يحيى بن آدم فى "الخراج": سمعنا عن عمر رضى الله عنه، أنه قال فى قوم وردوا على قوم من الأعراب، فلم يعطوهم دلوا ولا رشاء، ولم يدلوهم على الماء، فقال عمر: "أفلا وضعتم فيهم السلاح"، قال يحيى: حدثنيه محمد بن الحسن، عن أبى حنيفة عن الهيثم، عن عمر مثله اهـ (ص١١٢). قلت: مرسل صحيح، فإن الهيثم لم يدرك عمر رضى الله عنه، عده الحافظ فى "التقريب" من الطبقة السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، والله تعالى أعلم، ظ. باب حرمة الخمر أقول: الحديث نص فى حرمة الخمر، وحرمة بيعها، وحرمتها منصوصة فى القرآن، ومصرح بكونها نجسة، وهذا القدر مما اتفق عليه المسلمون، إلا أن من الخمور ما اتفقوا على كونها خمرا حقيقة بلا شبهة فى خمريتها، وهو النيّ من ماء العنب، إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وهو حرام قطعى يكفر مستحلها، ويحد شاربها ولو قطرة، ويبطل بيعها، ويحكم بنجاستها بلا خلاف، ومنها ما هو خمر بالاتفاق إلا أن فى خمريتها شبهة، وهو النىّ من ماء العنب، إذا غلا واشتد وصار مسكرا، ولكنه لم يقذف بالزبد، وحكمها أنه لا يكفر مستحلها، ولا يحد شاربها ما دون السكر؛ لكونها أدنى حالا من الخمر المقطوع بحرمتها، لنقصانها فى بعض صفاتها عند أبى حنيفة، إلا أنه ٢٣ حرمة الخمر يحكم بنجاستها وحرمة بيعها، وحرمة شربها قليلا أو كثيرا؛ لأنها ليست بأدنى حالا من السكر، والفضيخ، ونقيع الزبيب، والباذق، والمنصف، وعند غير أبى حنيفة هى كالخمر المجمع على خمریتها بلا شبهة، ولم يعتدوا بعدم قذف الزبد. هذا هو تحقيق الخلاف بين أبى حنيفة وغيره فى كون النى من ماء العنب المشتد غير القاذف بالزبد خمرا أو غير خمر، وأصحابنا أطلقوا فى الخلاف، وقالوا: إنها ليست بخمر عند أبى حنيفة وخمر عند غيره، ومقتضاه أن يحل شربها(١)، ويحكم بطهارتها، وجواز بيعها عنده، وهو بعيد غاية البعد عن مثل الإمام، فحقيقة قوله هو ما قلنا، والله أعلم. ومنها ما هى خمور بالاتفاق إلا أن خمريتها ظنية عند الكل، كالسكر، والفضيخ، ونقيع الزبيب، والباذق، والمنصف، وحكمها: أنها حرام شربها قليلا، وكثيرا بالحرمة الظنية، ولا يكفر مستحلها بالاتفاق. واختلفوا فى نجاستها وحرمة بيعها، وحد شارب قليلها، والراجح من مذهب أبى حنيفة نجاستها نجاسة غليظة، وكراهة بيعها، وعدم حد شارب القليل منها؛ للشبهة فى خمريتها؛ لأن خمريتها ظنية، وهذه الخمور أدنى حالا من النى من ماء العنب المشتد المسكر غير القاذف بالزبد، کما لا يخفى. وقال أصحابنا: إنها ليست بخمر عند أبى حنيفة؛ لأن الخمر عنده مختص بالنى من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وهو خطأ منهم؛ لأن المعانى المختص بها هو الخمر التى خمريتها وحرمتها ونجاستها وبطلان بيعها قطعى، لا مطلق الخمر، إذ لو لم تكن هذه خمورا عنده، كان حكمها حكم النبيذ، وسائر الأشربة التى حكم بحلها ما دون الإسكار، إذ لا فرق بينها، وبين تلك الأشربة على هذا التقدير، كما لا يخفى. فالصحيح هو ما قلنا: إنها خمور عنده إلا أنها ظنية، ويؤيده ما نقله الطحاوى فى "اختلاف العلماء" عن أبى حنيفة: أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، والسكر حرام من غيرها (فتح البارى ٢٩:١٠)، لأن هذه الأشربة لو لم تكن خمرا عنده لما حرم قليلها وكثيرها، بل حرم السكر فقط. وعلى هذا يندفع مصادمة مذهبه لكثير من الأحاديث الحاكمة بكونها خمرا، كحديث (١) وقد صرح بعضهم بحل شربها عنده، وهو خطأ فاحش، فلا ينبغى أن يغتر به، ظ. ٢٤ حرمة الخمر ج - ١٨ أنس: ((أن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر)) "متفق عليه"، وحديث أبى هريرة مرفوعا: ((الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة))، رواه الجماعة إلا البخارى، وما روى عن عبد الله بن أبى الهذيل أنه قال: كان عبد الله يحلف بالله أن التى أمر بها النبى معَّه حين حرمت الخمر أن يكسر دنانه، وأن يكفأ، ثمر التمر والزبيب، رواه الدارقطنى فى "سنته"، وسكت عنه، ونحو ذلك، ووجه الاندفاع ظاهر، وهو أنا نقول بموجب هذه الأحاديث، ونقول: إنها خمر، ولكن ظنا " لا قطعا؛ لظنية تلك الأحاديث ثبوتا ودلالة، فاحفظ ذلك. ومنها ما هى خمور مختلف فى خمريتها، كالتى تتخذ من الحنطة، والشعير، والعسل، وغيرها، فقال أبو حنيفة: إنها ليست بخمر، بل هى نبيذ مسكر، وإطلاق الخمور عليها من قبيل زبد أسد، وقال آخرون: هى خمور السكر، والفضيخ، ونقيع الزبيب، والباذق، والمنصف، وهی حلال عند أبى حنيفة إذا لم يشرب القدر المسكر، وإن شرب هذا القدر، فهى حرام؛ لأن السكر حرام من كل شىء، وعند غيره هى حرام قليلها وكثيرها. واختلفوا أيضا فى النبيذ الشديد، فقال أبو حنيفة: هو حلال، وإن صار مسكرا إلا أنه لا يشرب قدر المسكر، وقال غيره: هو خمر فيحرم قليله وكثيره، واحتجوا لذلك بقول رسول الله عَّ: ((كل مسكر خمر)) رواه مسلم عن ابن عمر. والجواب عنه: أن معناه كل مسكر خمر حقيقة أو حكما، والخمر الحقيقى قطعيا كان أو ظنيا، يحرم شرب قليلها وكثيرها، والخمر الحكمى يحرم منها ما يسكر؛ لأنها ليست بمحرمة لذاتها، بل لسكرها، لأنه روى عن عمر بن الخطاب "أنه أتى بأعرابى قد سكر من النبيذ، فذاق ما فى إداوته، فوجده شديدا تمنعا، فدعا بماء فكسره به، وشرب منه هو وجلساءه، وقال: هكذا اكسروه بالماء إذا غليكم شيطانه"، رواه محمد فى " كتاب الآثار" عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر، فلو كان هذا خمرا حقيقة لما حل، بالكسر بالماء كالخمر، فدل ذلك على أنه خمر حكما لاحقيقة. فإن قلت: روى عن النبى معَّه: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))، رواه الدار قطنى عن ابن عمر وصححه، کما فی "المنتقى" ورواه الترمذى عن عائشة وحسنه، وقد روى نحوه عن کثیر من الصحابة بطرق بعضها جيد، وبعضها ضعيف، كما فى "النيل" (٤٠٧:٨ و٤٠٨). قلنا: لا ننكر الحديث بل نقول: إنه ليس بنص فيما زعمتم؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد منه ٢٥ حرمة الخمر إعلاء السنن ما حرم لعينه دون سكره كالخمر، فيكون معناه الخمر حرام قليلها وكثيرها، وهذا التأويل هو المتعين عندنا؛ لما روينا عن عمر أنه شرب النبيذ المسكر بعد كسره بالماء، ولكنه يرد عليه أن بكسره بالماء لا یبقی مسکرا، والكلام فى المسکر، فما روی عن عمر لیس مما نحن فيه. والجواب عنه: أن مقصودنا من رواية عمر هو إثبات أن النبيذ لا يصير خمرا بحدوث كيفية الإسكار فيه؛ لأن الخمر لا تحل بمزجه بالماء، وإذا لم يصر خمرا لا يصير محرما لعينه، بل يكون محرما لسكره، ولما كان محرما لسكره فالمكسور بالماء والقليل سواء؛ لعدم موجب الحرمة وهو الإسكار. وبهذا التقرير يندفع عامة الإشكالات من مذهب أبى حنيفة، ولكن مشايخنا أفتوا بقول محمد فى باب الأشربة المسكرة بكونهما أقرب إلى ظاهر النصوص والتقوى، وأبعد عن التلهى، فاغتنم هذا التحرير، والله أعلم. قال العبد الضعيف: كل من قال من مشايخنا: النى من ماء العنب إذا غلا واشتد، ولم يقذف الزبد، أو قال: إن السكر، والفضيخ، ونقيع الزبيب، والباذق، والمنصف، ليست بخمر عند أبى حنيفة، إنما أراد أنها ليس خمرا حقيقةً، ولم يرد أنها ليست بخمر أصلا، لا حقيقة، ولا حكما. قال صاحب "عقود الجواهر": واعلم أن كون الخمر اسما للنى من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة بالاتفاق من أئمة اللغة، حتى اشتهر استعماله فيه، وفى غيره سمى بأسامى مختلفة مجازا، والحقيقة هى المرادة فى الحديث، والكل من الطلاء والباذق، إذا اشتد وغلا، وقذف بالزبد حرام عند أبى حنيفة، والسكر إذا غلا كذلك، ونقيع الزبيب كذلك، لكن حرمة هذه الثلاثة أى الطلاء، والسكر، ونقيع الزبيب، دون حرمة الخمر، لأن حرمة الخمر قطعية بالكتاب، والسنة، وعليه إجماع الأمة، وتعلقت بها الأحكام، وحرمة هذه الثلاثة اجتهادية، ولا يكفر مستحلها، وإنما يضلل، ولا يحد شاربها ما لم يسكر، والسكر من كل شراب هو غير الخمر في الحديث؛ لأن العطف يقتضى المغايرة، والله تعالى أعلم اهـ ملخصا (١٤٧:٢). فما ذكره بعض الأحباب ليس مما قد تفرد به، بل سبقه إليه غيره، ولكنه مولع بدعوى التفرد فى كل ما يذكره غالبًا، وهذا من عيوب كتابه، فإنه يطالع الكتب أولا، ثم يلخص ما فيها ثانيا، ويزعم أن هذا الملخص مما قد تفرد به، وليس ذلك من ديدن المحصلين، فافهم ظ. ٢٦ ج - ١٨ باب الخمر من البسر والتمر والزبيب ٥٧٨٣- عن أبى هريرة، عن النبى: ((الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب))، رواه الجماعة إلا البخارى. ٥٧٨٤- وعن أنس، قال: إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر والتمر، (متفق عليه)، وفى لفظ للبخارى: حرمت علينا حين حرمت، وما نجد الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر. ٥٧٨٥- وعنه أنه قال: كنت أسقى أبا عبيدة وأبى بن كعب من فضيخ زهو، وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس، فأهرقها، فأهرقتها (متفق عليه)، كذا فى "المنتقى" (نيل ٣٩٩:٨). ٥٧٨٦- وعن جابر، عن النبى عَّيه، قال: ((الزبيب والتمر هو الخمر))، أخرجه النسائى والحاكم وصححه، وقال الحافظ فى "الفتح" (٣٠:١٠): سنده صحيح، وظاهره الحصر، لكن المراد المبالغة، وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذ بالمدينة موجودا، كما تقرر فى حديث أنس، قلت: هو تأويل، وتأويله ليس بأولى من تأويل من أول قوله: ( کل مسكر خمر)). ٥٧٨٧- وعن عبد الله بن أبى الهذيل، قال: ((كان عبد الله يحلف بالله إن التى أمر باب الخمر من البسر والتمر والزبيب قوله: "وعن عبد الله بن أبى الهذيل إلخ": وقال فى تعليق "المغنى": فيه صراحة أن الخمر حقيقة يطلق على كل ما يسمى خمرا اهـ. قلت: ليس فيه إشارة إلى ما قال فضلا عن الصراحة، نعم، هو صريح فى أن خمر الزبيب والتمر کان مجتهدا فیه فیما بینهم؛ لأن ابن مسعود حلف للرد علی من کان ینکر کونها خمرا، ويعلم منه أيضا أن أحاديث أنس فى هذا الباب إنما وردت للرد على من زعم أن الخمر مختصة بالعنب بإثبات خمرية البسر والتمر، لا كما زعم ابن حجر فى "الفتح" (٣٠:١٠)، أن الأظهر أن مراده أن التحريم لا يختص بالخمر المتخذة من العنب، بل يشركها فى التحريم كل شراب مسكر اهـ؛ لأن تلك الأحاديث لا تعرض فيها من كل شراب مسكر، بل من شراب البسر والتمر فقط. فحاصل كلام أنس أن شراب البسر والتمر خمر محرم، فمن ادعى أن المحرم هو خمر العنب ٢٧ الخمر من البسر والتمر والزبيب بها النبى عَ ◌ّم -حين حرمت الخمر - أن يكسر دنانه وأن يكفأ، ثمر التمر والزبيب))، رواه الدار قطنی فی "سننه" (٥٣٢)، وسكت عنه. فقط، فزعمه غير صحيح، وهو ظاهر لمن له معرفة بأساليب الكلام، ويؤيده ما روى عن ابن مسعود، وهذا القدر لا يضر أبا حنيفة؛ لأنه يقول بخمريتها ظنا لمكان الاختلاف منها، كما يرشد إليه الروايات المذكورة، وكون الأخبار المثبتة للخمرية أخبار آحاد، فافهم. وقد أبطلنا قول من ادعى أن الخمر مطلقا مختص بخمر العنب، وغيرها ليست بخمر حقيقة، بل مجازا فقط عند أبى حنيفة، نعم هو يقول: إن ما عدا العنب خمور ظنا، وخمر العنب خمر قطعا، وبهذا ينقطع كثير من شغب المخالفين الذين يلزمون أبا حنيفة بإلزامات لا تلزمه، بناء على خطأ المقلدین فی فهم مذهبه فى ذلك، فتدبر. قال العبد الضعيف: إذا كان ما عدا خمر العنب خمرا عنده ظنا لا قطعا، فهل تسميته بالخمر إلا مجازا، فإن ما كان من أفراد الشىء حقيقة لا يتردد فى إطلاق الاسم عليه، فالقول: بأنه خمر ظنا أو خمر مجازا سواء، لا فرق بينهما إلا بحسب الظاهر، فافهم. ولو قال بعض الأحباب: إن لفظة الخمر مختصة لغة بالنى من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فهذا هو الخمر الحقيقى، وقد ألحق الشارع بها أشياء ليست هى بخمر لغة، ولكنها خمر شرعًا، كشراب البسر، والتمر، ونقيع الزبيب، فهو كمثل الربا، فإنه حقيقة لغة وعرفا فى ربا النسيئة، وألحق الشارع به ربا التفاضل فى بيع المتجانسين أيضا، لكان أولى، وبذلك يندفع كل ما يورده المخالفون على أبى حنيفة - رحمه الله- وترتفع مصادمة مذهبه لكثير من الأحاديث، وهذا هو ما ذكره العلماء من نقلة المذهب. ولما كان أحاديث حرمة التفاضل فى بيع المتجانسين قد بلغت حد الشهرة والتواتر حكما بكونه ربا قطعًا، وأحاديث حرمة شراب البسر، والتمر، ونقيع الزبيب، ونحوه لم تصل إلى هذا الحد، حكمنا بكونها خمرا شرعا بالظن، لا بالقطع، فمن عزى إلى أبى حنيفة أنه قال: بأنها ليست بخمر أراد نفى الخمرية لغة وعرفا، ومن قال: إنها من الخمر عنده أراد إثبات الخمرية شرعا، لكن بالظن لا بالقطع؛ لأن حديث: ((حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب))، يعارض كل ما ورد فى كون شراب البسر، والتمر، ونقيع الزبيب، خمرا، كما سيأتى. وهذا أولى مما ارتكبه بعض الأحباب من تخطئة علماء المذهب النقلة له، فمن أين لنا أن نعزى إلى أبى حنيفة قولا، ونجعله مذهبا له بعد تخطئة الناقلين مذهبه إلينا؟ ولكن بعض الأحباب ٢٨ ج - ١٨ باب أن شراب العسل وغيره ليست بخمر حقيقة ٥٧٨٨- عن ابن عمر، أن عمر قال على منبر النبى عّ له: أما بعد! أيها الناس! إنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة، من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل (متفق عليه). مولع بتخطئة الأكابر من أهل المذهب، ليسلم له دعوى التفرد فيما يذكره من التحقيقات التى هى فى الحقيقة مأخوذة من كلامهم، فالله يهديه ويصلح باله، ظ. باب أن شراب العسل وغيره ليست بخمر حقيقة قوله: "عن ابن عمر إلخ"، قلت: معناه عندنا أن ما يطلق عليه الخمر سواء كان هذا الإطلاق على وجه الحقيقة أو على وجه الإلحاق والتشبيه، بناء على الاشتراك فى مخامرة العقل، ومطلق الحرمة خمسة، خمر العنب، وخمر التمر، وهما خمران حقيقة، إلا أن خمر العنب خمريتها قطعية، وخمر التمر خمريتها ظنية، وخمر العسل، وخمر الحنطة، وخمر الشعير، وهى خمور على سبيل التشبيه دون الحقيقة، كما يقال: زيد أسد. والدليل عليه أن عمر رضى الله عنه شرب نبيذا مسكرا بعد كسره بالماء، كما رواه محمد فى "كتاب الآثار"، فلو كان كل ما خامر العقل خمرا حقيقة لما حل بالكسر بالماء كالخمر، وروى عن أبى موسى قال: قلت: يا رسول الله! أفتنا فى شرابين كنا نصنعها باليمن، البتع - وهو من العسل ينبذ حتى يشتد-، والمزر -وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد-، قال: وكان رسول الله عَ ليه قد أعطى جوامع الكلم بخواتمه، فقال: ((كل مسكر حرام)) (متفق عليه)، كما فى "المنتقى". وعن جابر: أن رجلا من جيشان -وجيسان من اليمن- سأل النبى معَّه، عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المرز، فقال: أ مسكر هو؟ قال: نعم، فقال: ((كل مسكر حرام)) الحديث، رواه أحمد ومسلم والنسائى، كذا فى "المنتقى". والحديثان يدلان على أن شراب العسل، والذرة، والشعير لم يكن معروفا عندهم باسم الخمر، وإلا لما احتاجوا إلى السؤال بعد علمهم بحرمة الخمر، كما لم يحتاجوا إلى السؤال عن خمر العنب والتمر، فهذا دليل على أن هذه الأشربة ليست بخمر على الحقيقة، وإنما يطلق عليها الخمر على وجه التشبيه؛ لمشاركتهما فى بعض المعانى، وهو مخامرة العقل وحرمة الإسكار، فلا حجة فى هذه الأحاديث لمن ادعى أن خمر العسل وغيره خمر حقيقة. ٢٩ باب الخمر حرام لعينيها وما عداها فالحرام منه هو السكر لا ذاته ٥٧٨٩- حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر بن كدام، عن أبى العون الثقفى، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن عبد الله بن عباس، قال: حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب، أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٢٤:٢)، وهكذا رواه وما قال: إنه إن لم تكن خمرا لغة، فهى خمر شرعا؛ لأن الشارع جعلها خمرا، كما روى النعمان بن بشير، أن النبى عّ لّه قال: ((إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا))، رواه الخمسة إلا النسائى، وزاد أحمد، وأبو داود، وأفاد: (نهى عن كل مسكر))، كما فى "المنتقى". فالجواب عنه أن تسمية النبى معَ ◌ّه شراب العسل وغيره خمرا بناء على التشبيه للشركة فى بعض المعانى، لا يدل على أنه جعله خمرا شرعا، وأشركه معها فى جميع الأحكام، فلا حجة لكم فيه، فتحصل من هذا التحقيق أن هذه الأشربة ليست بخمر لغة، ولا دليل على أنها خمر شرعا، فبطل دعوى كونها خمرا حقيقة، لغة أو شرعا، فاحفظ هذا التحقيق، والله ولى التوفيق. قال العبد الضعيف: ولو قال: إنها خمر شرعا إذا أسكر لكان أولى؛ فإن حرمة السكر مجمع عليها؛ لقوله عَّه: ((حرمت الخمر لعينها، والسكر من كل شراب))، وقوله عَ ◌ّه: ((إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا)) إلى آخره، صريح فى أنها ليست بخمر حقيقة، ولو كان كذلك لم يكن له مَّ حاجة إلى البيان؛ لأنه لم يكن يفسر اللغة، ولم يبعث لبيانها، إنما بعث لبيان الأحكام، فتبين بذلك أن هذه خمور شرعا لا لغة، وإنما تصير خمرا شرعا إذا أسكرت؛ لقوله: ﴿ كل مسكر حرام)»، فافهم ظ. باب الخمر حرام لعينها وما عداها فالحرام منه هو السکر لا ذاته قوله: "حدثنا فهد إلخ": وبهذا تبين خطأ النسائى والدار قطنى وغيرهما، حيث خطأوا رواية السكر - بدون الميم - وصوبوا رواية المسكر - بالميم- لأن الرواية بدون الميم صحيحة كما رواه أبو نعيم عن مسعر، وقد روى هكذا عن غيره أيضا، كما رواه ابن شبرمة، وطعن النسائى فى روايته بأن ابن شبرمة لم یسمعه من ابن شداد، ساقط؛ لأنه رواه سریچ بن يونس، عن هشیم، عن ابن شبرمة، عن الثقة، عن ابن شداد، فاندفع طعن الانقطاع، وطعنه رواية هشيم بأن هشيما مدلس، ج - ١٨ الخمر حرام لعينها وما عداها فالحرام منه هو السكر لا ذاته ٣٠ أبو بكر بن أبى خيثمة فى تاريخه: عن أبى نعيم، وأخرجه أيضا من طريق ابن أبى خيثمة قاسم بن إصبغ، وقال ابن حزم: صحيح كما فى "عقود الجواهر المنيفة" (١٤٨:٢). ولم يذكر السماع، ساقط؛ لأن ابن أبى خيثمة أخرجه فى "تاريخه" عن أبيه، عن هشيم، وصرخ بالسماع، كما فى "عقود الجواهر المنيفة" (١٤٨:٢). فظهر أنه لم یدلس فی شیخ، وإنما دلس فی شیخ شیخه، فلما ظهر من رواية سريج بن يونس أنه ثقة، اندفع الطعن بأسره، وقد رواه أيضا شریك، عن عیاش العامرى، عن ابن شداد، بدون الميم، كما رواه عنه ابن أبى خيثمة فى "تاريخه"، وروايته أصح مما رواه الدار قطنى عن ريك بالميم؛ لأن ابن أبى خيثمة رواه عن محمد بن الصباح البزاز، عن شريك، والدار قطنى رواه عن موسى بن هارون، عن بعض أصحابه، عن إسماعيل ابن بنت السدى، عن شريك، ومحمد بن الصباح ثقة من رجال الجماعة، وشيخ موسى بن هارون مجهول، وإسماعيل ابن بنت السدى فيه مقال، فثبت أن الرواية ثابتة من كلا الوجهين -بالميم وبدونه- فحمل أبو حنيفة السكر بدون الميم على معناه الظاهر، وحمل رواية المسكر بالميم على القدر المسكر لا على ذاته، توفيقا بين الروايتين. ولكن يناقش فيه: بأن هذا الحمل غير صحيح؛ لأنه روى الليث عن طاوس، وعطاء ومجاهد عن ابن عباس، أنه قال: قليل ما أسكر كثيره حرام، أخرجه الدار قطنى، وأخرج النسائى عن طريق أبى الجويرية الجرى، عن ابن عباس، أنه سئل عن الباذق؟ فقال: سبق محمد الباذق، وما أسكر فهو حرام، وأخرج من طريق الحكم عنه، أنه قال: من سره أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحرم النبيذ، وأخرج من طريق عبد الرحمن عنه، أنه قال لرجل سأله عن أشربة الزبيب، والعنب، وغيره: اجتنب ما أسكر من تمر، أو زبيب، أو غيره، وأخرج من طريق سعيد بن جبير عنه، أنه قال: نبيذ البسر سحت لا يحل. والجواب عنه: أن ما رواه الليث عن مجاهد وغيره فهو ضعيف؛ لأن الليث هو ابن أبى سليم، وهو ضعيف، ومع ذلك يحتمل أن يكون المراد من "ما أسكر" فى قوله المذكور الخمور لا مطلق الأشياء، وما روى عنه أبو الجويرية من قوله: "ما أسكر فهو حرام"، فمعناه أن ما أسكر إن كان خمرا فهو حرام قليله وكثيره، وإن كان غيرها فهو حرام إن أسكر، فلا حجة فيه. وما روى عنه أبو الحكم فهو مؤول بالإجماع؛ لأن النبيذ ليس بحرام مطلقا، بل إذا كان مسكرا فقط، على اختلاف التأويلين فى المسكر، فلا حجة فيه أيضا، وما روى عن عبد الرحمن عنه، من قوله: "اجتنب ما أسكر من تمر، أو زبيب، أو غيره"، فلا حجة فيه أيضا؛ لأنه يحتمل أن ٣١ إعلاء السنن باب قوله: کل مسکر حرام و کل مسکر خمر ٥٧٩٠- عن ابن عمر، أن النبى معَّ لّه قال: ((كل مسكر حرام))، رواه الجماعة، إلا البخارى وابن ماجة، وفى لفظ له: (( كل مسكر خمر وكل خمر حرام))، رواه مسلم والدار قطنى، كذا فى "المنتقى" (نيل الأوطار ٣٩٩:٨)، وقد روى هذا من عشرين. صحابيا بأسانيد صحاح وحسان وضعاف، كما فى "الفتح" (٣٧:١٠). يكون معناه اجتنب ما أسكر من تمر، أو زبيب، أو غيره مطلقا إن كان خمرا، ومن القدر المسكر إن كان غيرها، وما روى سعيد بن جبير عنه، فهو مؤول أيضا بالإجماع؛ لأن نبيذ البسر ليس بحرام مطلقا، بل يفيد أن يكون مسكرا على اختلاف التأويلين، فلا حجة فيه أيضا. فالحاصل أن أبا حنيفة يحمل قول ابن عباس: " حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" على ظاهره، ويؤول ما يعارضه ظاهرا من أقواله، وغيره يخطئ تلك الرواية، ويحمل أقواله الأخر على الظاهر المتبادر، وقد عرفت أن التخطئة خطأ، وغاية ما يجاب عنه هو أن يقال: إن المراد من السكر فى قوله هو المسكر، كما يقال "زيد عدل"، وحينئذ يرجع الخلاف إلى اختلاف التأويل، ولا يمكن لأحدهما تخطئة الآخر وطعنه، فاحفظه؛ فإنك لا تجد أحدا حام حول هذا البحث على هذا الوجه، والله أعلم، وقد احتج أبو حنيفة لهذه المسألة بغير رواية ابن عباس، كما سيأتى مشروحا. باب قوله: کل مسکر حرام و کل مسکر خمر قوله: "عن ابن عمر إلخ": قلت: وأخطأ صاحب "الهداية" حيث قال: "طعن فيه يحيى بن معين" ؛ لأنه لم يوجد هذا فى شىء من كتب الحديث، كما صرح به الزيلعى فى "نصب الراية"، وابن الهمام فى كتاب الحدود من "فتح القدير"، ولعله التيس عليه الأمر، وإنما طعن إبراهيم النخعى فيما روى عن النبى معَّهِ: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))، قال محمد فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) خطأ من الناس، إنما أراد السكر حرام من كل شراب، قال محمد: وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار ص ١٢٠)، وليس مراد النخعى القدح فى الرواية؛ لأن الرواية صحيحة، كما سنذكره، بل المراد أن الناس تأولوا على غير تأويله، فجعلوا كل ما أسكر كثيره حراما قليله، سواء كان خمرا أو غير خمر، وإنما هو مختص بالخمر، والصحيح على العموم هو أن السكر حرام من كل شراب، خمرا كان أو غير ٣٢ ج - ١٨ قوله عّ لّه: كل مسكر حرام وكل مسكر خمر ٠ خمر، وإن كان هذا قدحا فى الرواية فهو أهل لذلك؛ لأنه من أكابر المجتهدين، لا يقوله جزافا، ورب حديث صحيح عند قوم ضعفه الآخرون، وبالعكس، فلا طعن فيه على النخعى، ولا على من وافقه عليه تقليدا أو تحقيقا كأبى حنيفة رضى الله عنه. ومعنى قوله: ((كل مسكر حرام)) أن كل مسكر خمر حقيقة أو حكما، والخمر حقيقة حرام قليلها وكثيرها، والخمر حكما حرام منها السكر، ومعنى قوله: ((كل مسكر حرام)» أن كل مسكر خمرا كان أو غيرها حرام، أما الخمر فحرام قليلها وكثيرها، وأما غيرها فحرام القدر المسكر منه. وأما ما رواه أحمد عن عبد الله بن إدريس، قال: سمعت المختار بن فلفل يقول: سألت أنسا، فقال: نهى رسول الله عَّ له عن المزفت، وقال: ((كل مسكر حرام))، قال: فقلت له: صدقت المسكر. حرام، فالشربة والشربتان على الطعام؟ فقال: ما أسكر كثيره فقليله حرام، كما فى "الفتح" (٣٨:١)، ففى سنده مختار بن فلفل، وهو وإن وثقه الناس، وأخرج له مسلم، إلا أن السليمانى جده فى رواة المناكير عن أنس مع أبان بن عياش وغيره، كما صرح به الحافظ فى "التهذيب"، فروايته إنما يصلح للدفع لا للإلزام؛ لأنه يمكن أن يكون من خالف هذه الرواية رأيه فى المختار ما هو رأى السليمانى فيه، فلا يصح إلزامه بتوثيق الناس، وإخراج مسلم حديثه؛ لأنه مجتهد وهم مجتهدون، فیعمل کل باجتهاده. وعلى تقدير تسليم الصحة فقوله ليس بنص فى كل شراب، بل يحتمل أن يكون محمولا على الأشربة التى هى خمور، وعلى تقدير تسليم العموم، لا حجة فى تأويل الصحابى؛ لأنه مجتهد، ومن خالفه مجتهد أيضا، كإبراهيم النخعى، فإنه لا يخالفه إلا لدليل هو فوق تأويل هذا الصحابى عنده، فلا يصح إلزامه بتأويله، وقد صح عند إبراهيم أن عمر شرب النبيذ المسكر بعد كسره بالماء، فلو كان خمرا عنده لما ساغ له شربه بعد كسره بالماء، ولم يذقه قبل الكسر، فلما ثبت أن عمر لم يكن يرى كل مسكر خمر حراما قليلها وكثيرها، رجح تأويله على تأويل أنس، وتبعه أبو حنيفة بصحة اجتهاده عنده، فاعرف ذلك، واحفظه. وقد روى الحجاج بن أرطاة، عن حماد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله فى قوله عليه السلام: ((كل مسكر حرام) هى الشربة التى أسكرتك، رواه الدار قطنى وغيره، وأعلوه بأن الحجاج تفرد برفعه إلى ابن مسعود، وحجاج ضعيف مدلس. والصواب أنه من قول إبراهيم، ولما وصل هذا الحديث ابن المبارك قال: هذا حديث باطل، ٣٣ إعلاء السنن باب قول إبراهيم ما أسكر كثيره فقليله حرام خطأ من الناس ٥٧٩١- قال محمد: حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" خطأ من الناس، إنما أراد السكر حرام من كل شراب، قال محمد: وهو قول أبى حنيفة. باب النبيذ الشديد المسکر ٥٧٩٢- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن عمر أتى وقال البيهقى: روى ابن المبارك، عن الحسن بن عمرو الفقيمى، عن فضل بن عمرو، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب لم يحل له أن يعود فيه أبدا، فكيف يكون عند إبراهيم قول ابن مسعود هذا ثم يخالفه؟ فدل على بطلان ما رواه الحجاج بن أرطاة، كذا فى "نصب الراية". قلت: إذا صح عن إبراهيم القول: بأنه آخر شربة أسكرتك، دل ذلك على أن ما رواه الحجاج عنه صحيح؛ لأنه إنما يتبع مذهب ابن مسعود غالبا، ولا يضره ضعف الحجاج وتدليسه؛ لأن التدليس ليس بجرح عندنا، وضعفه لم يصل إلى حد يترك حديثه، بل غايته أنه ينزله من مرتبة الصحیح إلى مرتبة الحسن، لأنه قال الذهبى: أُكثر ما نقموا علیه التدليس، و کان فيه تیه لا يليق بأهل العلم، كذا فى "التهذيب"، ونقم عليه بعضهم تغيير الألفاظ، كما فى "التهذيب" أيضا، ولا يعارضه ما رواه ابن المبارك عنه لأنه على سبيل الإنكار، لا على سبيل الاحتجاج كما يدل عليه ما رواه الدارقطنى من مذهبه، وكما يدل عليه ما رواه أبو حنيفة، عن حماد عنه، أنه قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام" من خطأ الناس، وكما يدل عليه ما رواه إبراهيم عن عمر، أنه ذاق من نبيذ أعرابى سكر منه، وشربه بعد كسره بالماء، فسقط ما قاله البيهقى وغيره، فتنبه له. باب قول إبراهيم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" خطأ من الناس قوله: قال محمد إلخ: قلت: يرد عليه أنه كيف يقول إبراهيم: إنه خطأ من الناس، وقد رواه ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر، وسعد بن أبى وقاص، وعلى، وعائشة، وخوات بن جبير، وزيد بن ثابت، وميمونة مرفوعا، كما فى "نصب الراية" للزيلعى و "النيل"، والجواب فی باب قوله: «كل مسكر حرام)). باب النبيذ الشديد والمسكر قوله: "قال محمد إلخ": قلت: هو مرسل؛ لأن إبراهيم لم يلق عمر، ومراسيل إبراهيم ٣٤ النبيذ الشديد المسكر ج - ١٨ بأعرابى قد سكر، فطلب له عذرا، فلما أعياه لذهاب عقله قال: احبسوه، فإذا صحا فاجلدوه، ودعا بفضلة فضلت فى إدارته، فذاقها فإذا نبيذ شديد ممتنع، فدعا بماء فكسره -وكان عمر يحب الشراب الشديد- وسقى جلساءه؛ ثم قال: هكذا اكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه، رواه محمد فى " كتاب الآثار" (ص١١٩). صحاح، كما صرحوا به، وفيه دليل على أن النبيذ المسكر حلال ما دون السكر، لأن عمر ذاق منه بعد ما علم سكر الأعرابى منه، ولو كان حراما قليله وكثيره؛ لما ذاق منه، ويعلم منه أيضا أنه لم يكن خمرا حقيقة، ولا فى معناه من كل الوجوه؛ لأنه ذاق منه عمر، ولا يجوز ذوق الخمر، ثم شربه بعد كسره بالماء، ولا يجوز ذلك فى الخمر، وهذا الفعل من عمر هو الذى ألجأ إبراهيم إلى تخطئة الناس فى قولهم: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام" على الإطلاق، وقال: الصحيح أن السكر حرام على الإطلاق؛ لأن عمر -وهو أفضل الصحابة وأعلمهم فى زمانه- لا يجعل ما أسكر كثيره حراما قليله على الإطلاق، ولا يجعل كل مسكر خمرا حقيقة أو فى معناه من كل الوجوه، مع أنه روی « کل مسکر حرام». وبه يتحصل الجواب عن اعتراض عبيد الله بن عمر العمرى على أبى حنيفة، توضيحه: أنه أخرج الدار قطنى عن عبد الله بن مبارك، أنه سأل عبيد الله بن عمر العمرى عن الشراب؟ قال: حدثونا من قبل أبيك، قال: أن رابكم فاکسروه بالماء، فقال له عبد الله: فإذا تيقنت ولم ترب؟ اهـ. والمقصود من هذا السؤال هو الاعتراض بأن قول عمر ذلك فى الارتياب، فكيف يجوز لك الاحتجاج به فى التيقن؟ والجواب عنه: أن الفرق فى الارتياب والتيقن من فساد الرأى؛ لأن الأمر بالكسر فى صورة الارتياب ليس إلا لاحتمال كونه مسكرا، فإذا تيقن فالكسر بالأولى، وليس هذا استنباطا محضاً، بل هو مروى عن عمر؛ لأنه رضى الله عنه كسر نبيذ الأعرابى بالماء بعد التيقن بكونه مسكرا، ولعل الإمام سكت عن جوابه حذرا من القيل والقال، وإلا فالجواب ظاهر لا يخفى. وهذا الرواية التى رواها إبراهيم عن عمر أصرح شىء فى باب حل النبيذ المسكر، والعجب من أصحابنا كالطحاوى وغيره أنهم يحتجون لهذا المدعى بما لا حجة لهم فيه، ويضربون عن مثل هذه الرواية الصريحة صفحا، فتدبر، والله أعلم. واختلف علماءنا فى تفسير النبيذ الذى قال أبو حنيفة بحله، فقال بعضهم: هو نقيع التمر اليابس إذا اشتد وأسكر، نيا كان أو مطبوخا، وقال بعضهم: هو نقيع التمر إذا طبخ، أو فى طبخة ٣٥ : النبيذ الشديد المسكر إعلاء السنن واشتد وأسكر، وأما نقيع التمر إذا كان نيا واشتد وأسكر فحرام، ولم أره صريحا فى كلام الأئمة، والظاهر من كلام "الجامع الصغير"، هو القول الثانى؛ لأنه فسر السكر بالنى من ماء التمر، وعده فى الأشربة المحرمة، ولكن صاحب "الهداية" فسر التمر بالرطب لإخراج اليابس، والله أعلم. قال العبد الضعيف: لم يضرب الطحاوى عن أثر عمر صفحا، بل جعله عمدة ما فى الباب، ونصه بعد ما روى من طريق عامر بن سعد، عن أبيه، رفعه: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره))، ومن طريق الشعبى، سمعت النعمان بن بشير يخطب على منبر الكوفة يقول: قال رسول الله مد خله: ((أنهاكم عن كل مسكر))، ومن طريق محمد المنكدر، عن جابر رفعه: ((ما أكسر كثيره فقليله حرام))، ومن طريق أبى سلمة، عن عائشة رفعته: (( كل شراب أسكر فهو حرام))، ومن طريق القاسم ابن محمد، عن عائشة مثله، ومن طريق شهر بن حوشب، عن أم سلمة، رفعته: ((نهى عن كل مسکر». قال: فذهب قوم إلى تحريم قليل النبيذ وكثيره، واحتجوا فى ذلك بهذه الآثار، وخالفهم فى ذلك آخرون، فأباحوا من ذلك ما لا يسكر، وحرموا الكثير الذى يسكر، وكان من الحجة لهم فى ذلك أن هذه الآثار التى ذكرنا، قد رويت عن جماعة من الصحابة، ولكن تأويلها يحتمل أن يكون ما ذكروا، ويحتمل أن يكون على المقدار الذى يسكر منه شاربه خاصة، فلما احتملت كلا منهما نظرنا فيما سواها؛ لنعلم به أى المعنيين أريد بما ذكر فيها، فوجدنا عمر بن الخطاب، وهو أحد النفر الذين رفعوا إلى رسول الله مّ له: ((كل مسكر حرام))، قد روى عنه فى إباحة القليل من النبيذ الشديد، ثبت عندنا من طريق الأعمش: حدثنى إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمر: أنه كان . فى سفر فأتى بنبيذ فشرب منه فقطب، ثم قال: إن نبيذ الطائف له غرام، فذكر شدة لا أحفظها، ثم دعا بماء فصب علیه ثم شرب. ومن طريق زهير بن معاوية، عن أبى إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر حين طعن، فجاء الطبيب فقال: أى الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ، فأتى بنبيذ فشرب منه، فخرج من إحدى طعنتيه، قال عمرو: وكان يقول: إنا نشرب من هذا النبيذ شرابا يقطع لحوم الإبل فى بطوننا من أن يؤذينا، قال: فشربت من نبيذه فكان كأشد النبيذ. ومن طريق زهير، عن أبى إسحاق، عن عامر بن سعيد، قال: أتى عمر برجل سكران فجلده، فقال: إنى شربت من شرابك، فقال: وإن كان. ٣٦ ج -: ١٨ باب فى المثلث ونبيذه ٥٧٩٣- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا طبخ العصير فذهب ثلثاه وبقى ثلثه قبل أن يغلى فلا بأس به، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار ص١١٩). ومن طريق الأعمش: حدثنى أبو إسحاق، عن سعيد بن ذر حدان، قال: جاء رجل قد ظمئ إلى خازن عمر فاستسقاه، فلم يسقه، فأتى سطحية لعمر، فشرب منها، فسكر، فأتى به عمر، فاعتذر إليه، وقال: إنما شربت من سطيحتك، فقال عمر: إنما أضربك على السكر، فضربه. ومن طريق الأعمش حدثنى حبيب بن أبى ثابت، عن نافع بن علقمة، قال: أتى عمر بنبيذ قد أخلف واشتد، فشرب منه ثم قال: إن هذا شديد، ثم أمر بماء فصب عليه، ثم شرب هو وأصحابه، . إلى أن قال. فلما ثبت بما ذكرناه عن عمر إباحة قليل النبيذ الشديد - وقد سمع رسول الله عَ ليه يقول: ((كل مسكر حرام))- كان ما فعله من هذا دليلا على أن ما حرم رسول الله عَ ليه بقوله ذلك هو المسكر منه لا غير، فإما أن يكون سمع ذلك من النبى عّ لّه قولا، أو رآه رأيا، فأقل ما يكون منه فى ذلك أن يكون رأيه رأيا، فرأيه فى ذلك عندنا حجة، لا سيما إذا كان فعله المذكور فى الآثار التى تقدمت بحضرة أصحاب رسول الله مێے، فلم ینكره علیه منکر، فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه، انتهى ملخصا، ولكن بعض الأحباب لا يراجع كتب القوم، ويطعنهم بماء شاء رجما بالغیب، ظ. باب فی المثلث ونبيذه قوله: "قال محمد إلخ": قلت: أخذ إبراهيم ذلك عن عمر؛ لأنه أخرج سعيد بن منصور، من طريق أبى مجلز، عن عامر بن عبد الله، قال: كتب عمر إلى عمار: أما بعد: فإنه جاءنى غير متحمل شرابا أسود، كأنه طلاء الإبل، فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه الأخبثان، ثلث بريحه، وثلث بيعنه، فمر من قبلك أن يشربوه، ومن طريق سعيد بن المسيب: أن عمر أحل من الشراب ما طبخ فذهب ثلثاه. وأخرج النسائى من طريق عبد الله بن يزيد، قال: وكتب عمر: اطبخوا شرابكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين ولكم واحد، وأخرجه مالك فى "الموطأ" من طريق ٣٧ المثلث ونبيذه إعلاء السنن محمود لبيد الأنصارى: أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وصوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر: اشربوا العسل، قالوا: ما يصلحنا العسل، فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان، وبقی الثلث، فأتوا به عمر، فأدخل فیه إصبعه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء مثل طلاء الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال عمر: اللهم إنى لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم، كذا فى "الفتح" (٥٥:١)، وقال: أسانيدها صحيحة. ثم لما قال عمر: "الثلثان نصيب الشيطان"، استنبط منه أبو حنيفة عدم جواز المنصف إذا اشتد وغلا وأسكر؛ لأن نصيب الشيطان باق فيه، فهو فى حكم عصير العنب غير المطبوخ، واستنبط منه أيضا: أنه لو جعل فى المثلث ماء واشتد، وغلا لا يكون خمرا؛ لأن قوة الإسكار قد زالت منه بذهاب الثلثين، فلا يكون هذا الإسكار من عصير العنب، بل من اجتماع العصير مع الماء، ويكون حكمه حكم نبيذ التمر، وقد روى هذا عن إبراهيم النخعى، حيث قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه كان يشرب الطلاء قد ذهب ثلثاه، وبقى ثلثه، ويجعل له منه نبيذ، فيتركه حتى إذا اشتد شربه، ولم ير ذلك بأسا، قال محمد: وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار ص: ١١٩). قال العبد الضعيف: روى ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود ابن أبى هند: سألت سعيد بن المسيب عن الشراب كان أجازه عمر للناس؟ فقال: هو الطلاء الذی قد طبخ، حتی ذهب ثلثاه، وبقی ثلثه. حدثنا على بن مسهر، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن أبا عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبا طلحة، كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه، وبقى ثلثه. حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن ميمون -هو ابن مهران- عن أم الدرداء، قالت: كنت أطبخ لأبى الدرداء الطلاء ما ذهب ثلثاه، وبقى ثلثه. حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبى عبد الرحمن -هو السلمى- قال: كان على يرزم لنا (أى يجمع) الطلاء، فقلت له: ما هيئته؟ قال: أسود يأخذه أحدنا بإصبعه. حدثنا وكيع عن سعيد بن أوس عن أنس ابن سيرين، قال: كان أنس بن مالك سقيم البطن، فأمرنى أن أطبخ له طلاء حتى ذهب ثلتاه، وبقى ثلثه، فكان يشرب منه الشربة على أثر الطعام. ٣٨ ج - ١٨ باب حرمة السكر أعنى التى من ماء التمر إذا اشتد و غلا ٥٧٩٤- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم، عن ابن مسعود: أنه أتاه رجل به صفر، فسأله عن السكر فنهاه عنه. قال محمد: وبه نأخذ (كتاب الآثار ص١١٩). ٥٧٩٥- وقال عبد الرزاق فى "مصنفه": أخبرنا الثورى، عن منصور، عن أبى وائل، قال: اشتكى رجل منا بطنه، فبعث له السكر، فقال عبد الله بن مسعود: إن الله لم یکن لیجعل شفاء کم فیما حرم علیکم. حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن مغيرة، عن شريح: أن خالد بن الوليد، كان يشرب الطلاء بالشام اهـ، من "عقود الجواهر" (١٥٢:٢)، وهذه أسانيد حسان صحيحة، ودلالتها على معنی الباب ظاهرة، ظ. باب حرمة السكر أعنى النى من ماء التمر إذا اشتد و غلا قوله: "قال محمد إلخ": قلت: ليس معنى قوله: (إن الله لم يكن ليجعل شفائكم فيما حرم عليكم))، أنه لا شفاء فى الحرام؛ لأنه خلاف المشاهدة والتجربة، بل معناه أن الله لم يكن ليجعل شفائكم منحصرا فيما حرم عليكم؛ لأن حصره الشفاء فى الحرام إلجاء منه إلى استعماله، ونهيه عنه صد عن استعماله، فيحصل التضاد بين قوله وفعله، وحاشاه من ذلك، ولا إلجاء فى جعل الشفاء فى الحرام بدون الحصر، فمعنى قول ابن مسعود هذا أن الشفاء ليس بمنحصر فى الحرام، فينبغى ترك الحرام، وطلب الحلال للشفاء. قال العبد الضعيف: وفى "الدر" من باب الحظر والإباحة: يجوز الحقنة للتداوى بطاهر لا بنجس، وكذا كل تداو لا يجوز إلا بطاهر، وجوزه فى "النهاية" بمحرم إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء، ولم يجد مباحا يقوم مقامه، وفى "البزازية": ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم))، نفى الحرمة عند العلم بالشفاء، دل عليه جواز إساغة اللقمة بالخمر، وجواز شربه لإزالة العطش اهـ. قال ابن عابدين: ونصه - أى صاحب "النهاية" - عن "التهذيب": يجوز للعليل شرب البول، والدم، والميتة، للتداوى، إذا أخبره طبيب مسلم أن شفائه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطبيب: يتعجل شفائك به، فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوى، فيه وجهان، كذا ذكره الإمام التمرتاشى أهـ، قال فى "الدر المنتقى" بعد نقله ما فى ٣٩ حرمة السكر أعنى النى من ماء التمر إذا اشتد وغلا إعلاء السنن ٥٧٩٦- وأخرجه أيضا عن معمر، عن منصور، ورد عن معمر، أنه قال: السكر یکون من التمر. ٥٧٩٧- وقال ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: السكر الخمر. ٥٧٩٨- وقال أيضا: حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن حرب عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أنه سئل عن السكر فقال: الخمر كذا فى نصب الراية (٣٢٠:٢). "النهاية": وأقره فى "المنح" وغيرها، وقدمنا فى الطهارة، والرضاع أن المذهب خلافه اهـ. قال: وحاصل معنى الحديث حينئذ أن الله أذن لكم بالتداوى، وجعل لكل داء دواءً، فإذا كان فى ذلك الدواء شىء محرم، وعلمتم به الشفاء زالت حرمة استعماله؛ لأنه تعالى لم يجعل شفائکم فیما حرم علیکم اهـ (٣٨٣:٥). واحتج من جوز للتداوى بالمحرم بحديث أنس فى قصة العرنيين، أن رسول الله عّ لّ أذن لهم فى شرب أبوال الإبل وألبانها، قال ابن العربى: تعلق بهذا الحديث من قال بطهارة أبوال الإبل، وعورضوا بأنه أذن لهم فى شربها للتداوى، وتعقب بأن التداوى ليس حال ضرورة؛ بدليل أنه لا يجب، فكيف يباح الحرام لما لا يجب؟ وأجيب لمنع أنه ليس حال ضرورة، بل هو حال ضروة، إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما وقت تناوله، لقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرر تم إليه﴾، فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه، كالميتة للمضطر، والله أعلم. وما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح إلا لأمر واجب غير مسلم؛ فإن الفطر فى رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز، كالسفر (١) مثلا، وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوى به لقوله معرّه: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها))، رواه أبو داود من حديث أم سلمة، والبخارى فى الأشربة من طريق أخرى، والنجس حرام، فلا يتداوى به؛ لأنه غير شفاء، فجوابه: أن الحديث محمول على حالة الاختيار، وأما فى حال الضروة فلا يكون حراما، كالميتة للمضطر. ولا يرد قوله عّ لّهه فى الخمر: (إنها ليست بدواء إنها داء)) فى جواب من سأله عن التداوى بها فيما رواه مسلم؛ فإن ذلك خاص بالخمر، والفرق بينه وبين غيره من النجاسات أن الحد يثبت (١) وأيضا: فكشف العورة حرام، ويجوز كشفها للختان وهو سنة، ولبط الدمل عند الطبيب، وهو مباح، فافهم، ظ. ٤٠ ج - ١٨ باب إباحة الخليطين ٥٧٩٩- قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن سليمان الشيبانى، عن ابن زياد: أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه شرابًا له، فكأنه أخذ فيه، فلما أصبح قال: ما هذا الشرب؟ ما كنت أهتدى إلى منزلى، فقال عبد الله: ما زدناك على عجوة وزبيب، أخرجه محمد فى "كتاب الآثار" (ص١٢٠). باستعماله فى حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا فى الجاهلية يعتقدون أن فى الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم، قاله الطحاوى بمعناه. وأما أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا: ((إن فى أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم))، والذرب فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفى الدواء عنه، والله أعلم اهـ من "فتح البارى" (٢٩٢:١). باب إباحة الخليطين قوله: "قال محمد إلخ": وقال فى "عقود الجواهر": قال الحافظ: ابن زياد لا أعرفه، ولم أر من سماه، قلت: الأشبه أحمد بن زياد أحد شيوخ شعبة، روى عن أبى هريرة حديث ((الرجل جبار))، وذكره المنذرى فى "مختصر السنن"، وهو من أقران ابن سيرين اهـ، كما فى "عقود الجواهر" (١٦٠:٢). قلت: محمد بن زياد -الذى هو من شيوخ شعبة - هو محمد بن زياد القرشى الجمعى أبو الحارث، وهو كما يروى عن أبى هريرة يروى عن عبد الله بن عمر أيضا، كما فى "التهذيب"، فما قاله فى عقود الجواهر" ليس ببعيد. وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينبذ له نبيذ الزبيب فلم يكن يستمرأه، فقال للجارية: اطرحى فيه تمرات (كتاب الآثار ص: ١٢٠). قلت: فى هذين الأثرين حجة لأبى حنيفة فى إباحة الخليطين من الزبيب والتمر بعبارة النص، وفى إباحة الخليطين من البسر والتمر، أو الرطب والتمر، أو البسر والرطب بدلالته، وما روى عن النبى عّ فى النهى عنه، فهو محمول على زمن شدة العيش، كما قاله إبراهيم النخعى، أخرجه محمد فى "كتاب الآثار" (ص: ١٢٠). وأورد عليه ابن حجر فى "الفتح": بأنه وقع الإذن بأن ينبذ كل واحد من الزبيب والتمر أو