النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
جواز العزل عن الأمة و كراهته عن الحرة إلا پاذنها
إعلاء السنن
ويمكن أن يقال: إن الحق الذى أنكره الشافعى هو حق القضاء دون حق الديانة،
ومسألة العزل مبنية على حق الديانة دون القضاء، والذى جوز العزل من الشافعية بناء
على أن لا حق لها فى الجماع عند الشافعى لم يفرق بين القضاء والديانة، والله أعلم.
والجواب ما قد تقدم من حق الزوجة إنما هو فى أصل قضاء الشهوة لا فى وصف الكمال،
فلذا كان أمر الجماع الواجب إليها دون مولاها، وأما الإفضاء إليها على وصف الكمال فلا حق لها
فيه وإنما هو حق من له الولد، ألا ترى أنه لو تزوج الأمة وشرط حرية الأولاد كان أولادها أحرارا
بقبول المولى شرطه، ولا حق للأمة فى قبول هذا الشرط ورده، وإذا كان كذلك فلزوج الأمة أن
يعزل عنها بإذن المولى إذا لم يرض بحرية أولادها، لأن عليه ضررا فى استرقاق ولده، ولذا ندب
الله تعالى إلى التحرز عن نكاح الإماء بدون الضرورة بقوله: ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم وأن
تصبروا خير لكم﴾ الآية.
ومفاد ذلك أن زوج الأمة لو شرط حرية الأولاد ورضى به المولى لا يتوقف العزل على إذن
المولى بل على إذنها كما بحثه السيد أبو السعود (رد المحتار ٦٢٢:٢)؛ لأنها حينئذ كالحرة سواء.
ولنا أن نقول: إن مقتضى النظر هو ما ذكره ابن أبى عمران ولكن عارضه فى الأمة المزوجة
نظر آخر، وهو أن نكاح الإماء إنما شرع لصيانة النفس عن العنت لا لابتغاء الولد بدليل ما ذكرناه
من النص، ومقتضاه أن لا يكون للأمة المنكوحة حق إلا فى أصل قضاء الشهوة دون ما فوقها، وإنما
اشترط إذن المولى لأن له حقا فى أولاد أمته، فلا يجوز تفويته إلا بإذنه.
وأما ما رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس قال: تستأمر الحرة فى العزل ولا تستأمر
الأمة السرية، فإن كانت أمة تحت حر فعليه أن يستأمرها (فتح البارى ٩: ٢٧٠)، فهو وإن كان نصا .
فى محل النزاع، ولو كان مرفوعا لم يجز العدول عنه، ولكن مفهوم حديثه مرّ أنه نهى أن يعزل
عن الحرة إلا بإذنها، وقول ابن مسعود وابن عمر: تستأمر الحرة، وتعزل عن الأمة جواز العزل عن
الأمة مطلقا مملوكة كانت أو منكوحة، فقيدناه فى المنكوحة بإذن المولى بالدليل الذى مر ذكره،
وحملنا قول ابن عباس على أنه يستأمر الأمة المنكوحة تطييبا لقلبها ولم نره على الوجوب، ولو قال
قائل: إن أبا حنيفة لم يبلغه أثر ابن عباس هذا، ولو بّغه لقال به، وترك النظر كما قال به صاحباه لم
يكن بعيدا عن الفقه، والذى أدين الله به أن مفهوم الحديث المرفوع نهى أن يعزل عن الحرة إلا
بإذنها، وقول ابن عمر وابن مسعود: تستأمر الحرة وتعزل عن الأمة ليس إلا جواز العزل عن الأمة
المملو کة بغير إذنها.

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
٤٠٢
وأما المنكوحة من الإماء فحكمها ما ذكره ابن عباس رضى الله عنهما لأنه صريح فى معناه،
والمفسر قاض على المفهوم، ولأنها زوجة تملك المطالبة بالوطأ فى الفيئة والفسخ عند تعذره بالعنة،
وترك العزل من تمامه فلم يجز بغير إذنها كالحرة، وأما كون أولادها ملكا للمولى فلا يصلح سببا
لتوقف العزل على إذنه لكون الإعلاق موهوما عند الجماع غير متيقن به ولا حكم للموهوم، وقد
أطال بعض الأحباب الكلام فى هذا الباب بلا طائل، وفى ما ذكرناه كفاية، إن شاء الله تعالى ظ.
تنبيه: قال الشوكانى: قد ضعف أيضا حديث جذامة أعنى الزيادة التى فى آخره بأنه
تفرد بها سعيد بن أبى أيوب عن أبى الأسود، ورواه مالك ويحيى بن أيوب عن أبى الأسود فلم
يذكراها اهـ (نيل ١١٨:٦).
خطأ الشوكانى فى النقل من وجهين:
قلت: هذا خطأ فى النقل من وجهين: أحدهما: أنه قال: رواه مالك ويحيى بن أيوب عن
أبى الأسود، والأمر ليس كذلك، لأنهما روياه عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل لا عن أبى
الأسود، كما زعم.
وثانيهما أنه قال: تفرد بها سعيد بن أبى أيوب ولم يروها مالك ويحيى بن أيوب، والأمر
لیس کذلك، لأن یحیی بن أيوب روی هذه الزيادة، کما رواه سعيد.
قال مسلم بعد إخراج رواية سعيد: وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة قال: نا يحيى بن إسحاق
قال: نا يحيى بن أيوب عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشى عن عروة عن عائشة عن
جذامة بنت وهب الأسدية أنها قالت: سمعت رسول الله عَّ. وذكر بمثل حديث سعيد بن أبى
أيوب فى العزل والغيلة غير أنه قال: الغيال (صحيح مسلم ١: ٤٦٦)، نعم! رواه مالك عن محمد
ابن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة عن جذامة فاقتصر على الغيلة ولم يذكر العزل، كما
أخرجه عنه مسلم أيضا فى "صحيحه" (٤٦٦:١)، فاحفظه.
قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": قد جاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر
ابن عبد الله وابن عباس وسعد بن أبى وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود، وصح المنع منه عن
جماعة كما روينا عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل،
وقال: لو علمت أحدا من ولدى لنكلته، قال ابن حزم: لا يجوز أن ينكل على شىء مباح عنده.

٤٠٣
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
إعلاء السنن
(قلت: يجوز أن ينكل على فعل ما هو خلاف الأولى تأديبا)، ومن طريق سعيد بن منصور
نا هشيم أخبرنا ابن عون ثنى نافع عن ابن عمر قال: ضرب عمر على العزل بعض بنيه.
(قلت: محمول على العزل عن الحرقة بغير رضاها) بدليل ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن عمر
أنه قال: يعزل عن الأمة ويستأذن الحرة، وعن عمر مثله رواهما البيهقى، وفيه ابن لهيعة وهو
معروف، كما فى "التلخيص" (ص٣٠٩)، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن عاصم
بن بهدلة عن زر بن حبيش أن على بن أبى طالب كان يكره العزل، ومن طريق محمد بن بشار نا
عبد الرحمن بن مهدى نا شعبة نا يزيد بن خمير عن سليمان بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلى
يقول وقد سئل عن العزل، فقال: ما كنت أرى مسلما يفعله، ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم
أرنا يحيى بن سعيد الأنصارى عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
ينكران العزل. قال ابن حزم: سماع سعيد عن عثمان صحيح، قال: وصح (المنع من العزل) أيضا
عن الأسود بن يزيد وطاوس اهـ (ص٧١).
قلت: إنكار من أنكره وكراهة من كرهه محمول على العزل عن الحرة بغير إذنها أو عن
الأمة ثم ينكر حملها وينتفى عن ولدها، ولو سلم أنهم كرهوه مطلقا فكم من مكروه وهو مباح
شرعا كما مر أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.
وبالجملة فلا يخلو العزل عن الكراهة تنزيها ولو كان عن الحرة بإذنها أو عن الأمة، لتدافع
الروايات فى إباحته وكراهته، والله تعالى أعلم ظ.
فائدة: قال العبد الضعيف: قد تقدم فى كلام الحافظ أنه ينتزع من حكم العزل حكم معالجة
المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، وحكمه عندنا ما ذكره فى "الدر" قالوا: يباح إسقاط الولد
قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج اهـ، قال ابن عابدين: قال فى "النهر": هل يباح الإسقاط بعد
الحمل؟ نعم! يباح ما لم يتخلق منه شىء ولن يكون ذلك إلا بعد مأة وعشرين يوما، فالمراد بالتخليق
نفخ الروح، وإطلاقهم يفيد عدم توقف جواز إسقاطها قبل المدة المذكورة على إذن الزوج وفى
كراهة الخانية: ولا أقول بالحل إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد، فلما كان
يؤخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر اهـ، قال ابن وهبان: ومن الأعذار
أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبى الصبى ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه، ونقل عن
"الذخيرة": لو أرادت الإلقاء قبل نفخ الروح هل يباح لها ذلك أم لا؟ اختلفوا فيه، وكان الفقيه

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
٤٠٤
على بن موسى يقول: إنه يكره فإن الماء بعد ما وقع فى الرحم مآله الحياة فيكون له حكم الحياة
(والتقييد بالوقوع فى الرحم يفيد أنه ليس له حكم الحياة قبله) كما فى بيضة صيد الحرام، ونحوه
فى "الظهيرية"، وبه تبين أن قاضى خان مسبوق بما مر من التفقه، انتهى كلام "النهر".
حكم احتيال المرأة لقطع الحمل
تنبيه:
أخذ فى "النهر" من هذا، ومما قدمه الشارح فى "الخانية" و"الكمال": أنه يجوز للمرأة
سد فم رحمها، كما تفعله النساء مخالفا لما بحثه فى "البحر" من أنه ينبغى أن يكون حراما بغير
إذن الزوج قياسا على عزله بغير إذنها.
قلت: لكن فى "البزازية": أن له منع امرأته عن العزل اهـ، (فلا يجوز لها سد فم رحمها
بغير إذنه) نعم! النظر إلى فساد الزمان يفيد الجواز من الجانبين، فما فى "البحر" مبنى على ما هو
أصل المذهب، وما فى النهر على ما قاله المشايخ، والله المستعان اهـ (٦٢٣:٢)، وفيه أيضا عن
"الخانية": أنه يباح (العزل عن الحرة بغير إذنها) فى زماننا لفساده، قال الكمال: فليعتبر عذرا
مسقطا لإذنها، وعبارته فى "الفتاوى": إن خاف من الولد السوء فى الحرة يسعه العزل بغير رضاها
(كأن كانت جاهلة أو حمقاء لا تعرف تربية الأطفال وتأديبهم فيجوز العزل عنها بلا إذنها) لفساد
الزمان اهـ، فعلم منه أن منقول المذهب عدم الإباحة، وإن هذا تقييد من مشايخ المذهب لتغير بعض
الأحكام بتغير الزمان، وأقره فى الفتح، وبه جزم القهستانى أيضا حيث قال: وهذا إذا لم يخف على
الولد السوء لفساد الزمان وإلا فلا يجوز بلا إذنها اهـ.
ويحتمل أن يلحق بهذا العذر مثله كأن يكون فى سفر بعيدا أو فى دار الحرب فخاف على
الولد أو كانت الزوجة سيئة الخلق ويريد فراقها فخاف أن تحبل اهـ (٦٢٢:٢).
قلت: فبالنظر إلى فساد الزمان يجوز للمرأة سد فم رحمها أو تعاطيبها ما يقطع الحبل من
أصله، ولكن هذا مما يعرف ولا يعرف، فإن العامة لا يراعون الحدود ولا يقفون عندها، والفقيه من
عرف حال زمانه، وقد نشأت فى أوروبا جماعة من النساء تسعى فى تقليل النسل وقطعها وتعلم
أخواتها أنواعا من الحيل لقطع الحبل، وانتشرت دعوتها إلى أقصى البلاد من الهند والعرب ومصر
والشام، ولو تمت حيلة هؤلاء الخبيثات لأفضت إلى قطع النسل وفساد العالم. وقد حث النبى عر ضي.

٤٠٥=
إعلاء السنن
باب استبراء السبايا ومن فى معناها
٥٧٣٠- عن أبى سعيد أن النبى معَّه قال فى سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى
تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة))، رواه أحمد وأبو داود (كذا فى "المنتقى")،
وقال فى "النيل" (٢٤١:٦): أخرجه الحاكم أيضًا وصححه، وإسناده حسن، قلت:
النص عام للبكر والثيب، وكذا العلة عامة لهما، لأن العلة هو تحقق الشغل بماء الغير أو
توهمه والبكر متوهمة الحبل كالثيب.
قال ابن قدامة فى المغنى: قال أبو عبد الله (الإمام أحمد): قد بلغنى أن العذراء
تحمل فقال له بعض أهل المجلس: نعم، قد كان فى جيراننا اهـ (مغنى ١٥٩:٩)، فاندفع
ما قال بعضهم: إن البكر لا تستبراً.
.. ٥٧٣١- وما احتجوا له بحديث رويفع بن ثابت أنه قال: من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض، رواه أحمد، كما فى "المنتقى"،
فلا حجة لهم فيه، أما أولا: فلأنه احتجاج بالمفهوم وهو غير حجة.
وثانيًا: بأن هذا المفهوم معارض بمنطوق حديث أبى سعيد، لأنه قال: "ولا غير
حامل حتى تحيض" وهو يعم البكر والثيب.
على تعاطى أسباب الولد فقال: ((تنكحوا تناسلوا تكثروا))، وقال سوداء: ولود خير من حسناء
عقيم، فلا يفتى بجواز العزل ونحوه إلا أن يكون لحاجة ظاهرة مثل أن يكون فى دار الحرب
فتدعوه الحاجة إلى الوطأ فيطأ ويعزل أو تكون زوجته أمة فيخشى الرق على ولده أو تكون له أمة
يحتاج إلى وطئها وبيعها، وقد روى عن على رضى الله عنه أنه كان يعزل عن إمائه، كما فى
"المغنى" (١٢٣:٨)، ظ.
باب استبراء المملو کة إذا تملكها
أقول: تحقيق هذا المقام أن تحقق الشغل بماء الغير موجب للاستبراء بوضع الحمل مطلقا سواء
كانت أمة أو حرة موطوءة بملك اليمين أو بالنكاح حاملا بحمل ثابت النسب أو غير ثابت النسب
لتحقق سقى ماء الغير فى كل واحد منها وهو منهى عنه وأما توهم الشغل بماء الغير فلم يثبت تأثيره
فى إيجاب الاستبراء مطلقا، بل ثبت عدم تأثيره فى باب النكاح لأنه من المعلوم بالبداهة من الشرع
أن الشارع لم يوجب الاستبراء على كل رجل تزوج امرأة كما أوجبه على كل رجل سبى امرأةً،

ج - ١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
٤٠٦
٥٧٣٢- وثالثًا بأن الحديث روى عن رويفع بلفظ آخر أيضًا وهو أنه قال: من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره، ومن كان يؤمن بالله فلا يقع على
امرأة من السبى حتى يستبرئها، رواه أبو داود، وإذا كان الحديث مرويًا بألفاظ مختلفة
فلا يختص الاحتجاج بلفظ واحد دون غيره، فإن كان الحديث ثابتًا من رويفع
بخصوص لفظ الثيب، فالظاهر أنه روى الحديث بالمعنى بظنه أن البكر لا توهم فيه
للحبل، فلا حجة فيه.
سواء كانت حاملا أو غير حامل بكرا أو ثيبا منكوحة أو غير منكوحة.
فلما ثبت أن توهم الشغل غير مؤثر فى وجوب الاستبراء على الإطلاق قال أئمتنا الثلاثة: إن
التوهم لا يكون مؤثرا فى إيجاب الاستبراء إلا بشرط أن يتملك الرجل الرقبة والبضعة معا، أما إذا
تملك إحداهما دون الأخرى أو تملك إحداهما فى وقت والأخرى فى وقت لا يجب الاستبراء، لأن
النص لم يرد إلا فيما تملكها معا.
أما إذا يتملك إحداهما دون الأخرى أو تملكهما لكن لا معا، بل مرة هذه وأخرى هذه،
فلم يرد فيه نص، ولا يصح إلحاقه بالمنصوص عليه بالقياس؛ لأن من شرط القياس أن لا يكون
الفرع أدون من الأصل وكون الصورتين المذكورتين أدنى من المنصوص عليه ظاهر، لأن تأثير
مجموع الأمرين لا يستلزم تأثير كل واحد بانفراده، وكذا لا يستلزم تأثير الأمرين المجتمعين من أول
الأمر تأثيرهما إذا اجتمعا فى آخر الأمر، لأنه يحتمل أن يكون الاجتماع من أول الأمر شرطا فى
التأثير، هذا هو الأصل وفرعوا عليه أنه لو تزوج أحد أمة غيره لا يجب عليه الاستبراء، لأنه ملك
بضعها ولم يملك رقبتها، ولو اشترى أحد أمة غيره المزوجة من الآخر لا يجب عليه الاستبراء لأنه
ملك رقبتها ولم يملك بضعها ولو طلقها الزوج بعده لا يجب عليه الاستبراء أيضا لأنه وإن ملك
رقبتها وبضعها لكن لم يملكهما معا من أول الأمر بل اجتمعا فى ملكه آخر الأمر.
وكذا من تزوج امرأة ثم اشتراها لا يجب عليه الاستبراء لما قلنا. وعلل فقهاءنا سقوط
الاستبراء عمن اشترى أمة مزوجة من الغير وقبضها ثم طلقها الزوج قبل الدخول بأن الشارع حكم
بفراغ رحمها لإجازة النكاح وتحليله وطئ الزوج وعدم إيجابه العدة عليه بالطلاق، وهذا تعلیل
ساقط لأن إجازته النكاح وتحليله الوطئ ليس حكما منه بالفراغ، بل هو مبنى على إسقاطه اعتبار
التوهم فى باب النكاح، وأما عدم إيجابه العدة عليها فهو حكم منه بالفراغ من ماء الزوج لا من

٤٠٧
استبراء السبایا ومن فى معناها
إعلاء السنن
٥٧٣٣- وقال على: من اشترى جارية فلا يقربها حتى يستبرئها بحيضة، احتج
بها فى "البحر"، وأقره الشوكانى عليه، وهو دليل على أن الأثر ثابت، وبعد الثبوت هو
دليل على أن حكم الاستبراء لا يختص بالسبايا، كما ذهب إليه داود، وهو دليل أيضًا
على عموم الحكم للبكر والثيب.
٥٧٣٤- وقال ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التى توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ
بحيضة ولا تستبرأ العذراء، حكاه البخارى فى "صحيحه"، كما فى "المنتقى".
ماء المولى، فلا يصح هذا التعليل، والتعليل الصحيح هو ما قلنا: إنه لم يثبت من دليل، لا نص،
ولا قياس اعتبار التوهم فى هذه الصورة وفى مثلها.
وبهذا تبين أن أئمتنا فى هذه المسائل أقرب من الكتاب والسنة وأبعد من الرأى والقياس ممن
خالفهم فيها بالرأى والقياس، ومع ذلك هم يطعنونهم بمخالفة الكتاب والسنة بالرأى، وهل هذا إلا
من العجائب التى يتعجب منها كل من له بصيرة وإنصاف، وأعجب منه أن من أصحابنا من
صحح وجوب الاستبراء على المولى إذا أراد تزويج أمته الموطوءة، ومنهم من صحح استحبابه.
وكل هذا خلاف المذهب، لأن المذهب أن الاستبراء السابق على السبب أو المجتمع معه لا يجزئ
عن الاستبراء الواجب بعده، وهو مصرح فى كلامهم، فما معنى وجوب الاستبراء أو استحبابه
مقدما على السبب؟ وقالوا أيضا: إن الاستبراء واجب على الزوج إذا تزوج أمة غيره الموطوءة له
ولم يستبرئها المولى عند محمد قياسا على الشراء وقالوا: هذا أصح. وهو خطأ أيضا، لأن محمدا
لم يصرح بالوجوب، وإنما قال: أحب أن لا يطأها قبل أن يستبرتها.
وحمله على الوجوب بالقياس على الشراء فاسد للفرق بين ملك اليمين وملك النكاح فى
اعتبار التوهم وإسقاطه، ولو صح القياس لوجب الاستبراء على كل زوج كما وجب على كل
مشتر أو ساب، ولا يقول به محمد، فظهر أن ما نسبوا إليه غير صحيح لا من حيث النسبة ولا من
حيث الدلیل.
وكذا نسبوا إليه وجوب الاستبراء على الزوج إذا تزوج امرأة تزنى مع أن محمدا لم يصرح
فيه بالوجوب ولا هو صحيح على أصله، وإنما صرح هو بالاستحباب فقط، وهو مبنى على التورع
عن احتمال سقى ماءه ماء غيره، ولا شك فى أنه لو تورع أحد عن مثل هذا كان أحسن، وإن
لم يكن واجبا عليه لإسقاط الشارع اعتبار التوهم فى باب النكاح، فلا ينبغى الاغترار بمثل هذه

ج - ١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
٤٠٨
ويظهر منه أيضًا أن الاستبراء غير مختص بالسبى، بل هو عام لكل ما هو سبب
الملك الرقبة والمتعة معًا كالشراء والهبة وغيرهما، وأما قوله: لا تستبرأ العذراء، فهو مبنى
على ظنه أن البكر لا توهم فيه للحبل، وقد عرفت أنه خلاف الواقع لما نقلنا عن أحمد
وأهل مجلسه، فلا يؤخذ به لأجل هذا ولعموم نصوص الاستبراء للبكر والثيب.
الأقوال، لأن الصحيح الموافق لأصولهم وتصريحاتهم هو ما قلنا: إنه ليس على السيد الاستبراء لا
وجوبا ولا استحبابا، ولا على الزوج إلا استحبابا لا فى الأمة ولا فى المزنية.
وقال ابن القيم فى "إعلام الموقعين" (٢٧٨:١): إنهم يوجبون استبراء البكر التى لا توطأ
مثلها مع العلم القطعى ببراءة رحمها اهـ.، وهذا خطأ أيضا لأنهم لا يوجبون استبراء البكر التى لا
توطأ مثلها، لأن الاستبراء مشروع للوطئ فلما لم تكن صالحة للوطئ فلا معنى لاستبراءها، وإنما
يوجبون استبراء البكر التى هى صالحة للوطئ لتوهم الشغل بماء الغير لأن البكارة غير مانعة من
الحمل كما صرح به إمامه أحمد الذى هو أعلم الناس بالحديث وأتبعهم له عنده، فالطعن ناشئ من
خطأه فى فهم مذهب الأئمة، وشنع أيضا بأنهم يسقطون الاستبراء عمن أراد وطئ الأمة التى
وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملكها لغيره ثم وكله فى تزويجها منه فقالوا: يحل له وطئها
وليس بين وطئ بائعها ووطئه هو إلا ساعة من نهار اهـ، وهذا طعن على الشارع حيث أسقط
اعتبار التوهم فى النكاح فأحل نكاح الموطوءة ووطئها مع توهم الحبل بناء على أن اعتبار التوهم فى
باب النكاح مفضٍ إلى إلقاء الناس فى الحرج والضيق والعنت وليس بطعن على الأئمة، لأنهم لم
يقولوا ذلك من عند أنفسهم، فالطاعن هو المطعون، وهل عند هذا الطاعن نص يوجب حرمة وطئ
أحدهما بعد وطئ الآخر مطلقا؟ فإن قال: نعم، فلينقل لنا ذلك النص حتى ننظر فيه، وإن قال: لا،
قلنا له: فكيف ساغ لك التشنيع؟
فإن قلت: قد روى عن النبى معَّ أنه قال: ((لا يقع اثنان على امرأة فى طهر واحد))، قلنا:
نطالبك أولا بالسند وثانيا بأنك كيف علمت أن النهى فيه محمول على التحريم؟ لم لا يجوز أن
يك محمولا على الأعم منه وهو خلاف الأولى؟ فإن قلت: الأصل فى النهى التحريم قلنا: هذا إذا
لم تكن هناك قرينة على خلافه، وهنا القرينة قائمة على خلافه، وهو أن الشارع لا يعتبر التوهم
فى النكاح.
فإن قلت: إذا لم يعتبر التوهم فى النكاح فكيف توجبون الاستبراء على من أسلمت من

٤٠٩
استبراء السبايا ومن فى معناها
إعلاء السنن
وأما قوله بوجوب استبراء الأمة المعتقة فمبنى على توهم الشغل بماء المولى، ولا
يخفى أن كل توهم ليس بموجب للاستبراء وإلا لوجب استبراء كل امرأة تزوجها، كما
يجب استبراء كل أمة ملكها رجل، واللازم بديهى البطلان، فلا حجة فى هذا القول.
أزواج المشركين، وهاجرت إلينا وحدها؟ قلنا: من نقل هذا عن أئمتنا فقد أخطأ، فإن أبا حنيفة لا
يوجب عليها العدة، ويجوز لها التزوج فى الحال من غير استبراء.
وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما لا يوجبان الاستبراء أيضا وإنما يوجبان العدة بثلاث حيض،
فلا قائل بوجوب الاستبراء بالحيضة فى أئمتنا، ولا هو صحيح على أصلهم، لأن الاستبراء السابق
على السبب لا يجزئ عن الاستبراء اللاحق، فلا أدرى من أين قال العينى فى "شرح البخارى": إنه
قال أبو حنيفة: لا عدة عليها، وإنما عليها الاستبراء بحيضة، واحتج بأن العدة إنما تكون عن طلاق
وإسلامها فسخ وليس بطلاق اهـ (عمدة القارى ٥٧٩:٩)، ولم يدر أن الاستبراء إنما يكون عنده
فى ملك اليمين لا فى ملك النكاح، ويجب بعد تحقق سبب الملك، وتمام الملك بالقبض لا قبله،
فاحفظ هذا التحقیق فإنه نافع جدا.
قال العبد الضعيف: لقد أجاد بعض الأحباب فى هذا الباب وأفاد غير أنه يرمى مشايخ
المذهب بأنهم ينسبون إلى الأئمة ما ليس من مذهبهم، وحاشاهم من ذلك، بل الأمر أن بعض
الأحباب لم يطلع من أقوال الأئمة على ما اطلعوا عليه، منها: قال ابن حزم فى "المحلى": قال أبو
حنيفة وأصحابه: لا يطأ الرجل الجارية يشتريها حتى يستبرئها بحيضة، فإن كانت لا تحيض فشهر،
ولا يحل له أن يتلذذ منها بشىء قبل الاستبراء. قالوا: فلو اشتراها فلم يقبضها حتى حاضت لم يجز
له أن يعد تلك الحيضة استبراء بل يستبرئها بحيضة أخرى ولا بد، قالوا: فلو زوجها من رجل لم
يكن عليه أن يستبرئها لا هو ولا الناكح إلا فى رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة، قال: لا يطأها
حتى يستبرئها بحيضة اهـ (٣١٨:١٠).
وقوله: لا يطأها حتى يستبرئها ظاهر وجوب الاستبراء وحرمة الوطأ قبله، وليس هذا قول
محمد فقط بل هو رواية الحسن عن الإمام أيضا، والاستدلال بقول محمد: "أحب أن لا يطأها"
على نفى الوجوب غير صحيح، فإنه كثيرا ما يقول: "ينبغى" مكان "يجب" و "يكره" مكان
"يحرم"، كما لا يخفى على من مارس كلام الفقهاء.
وأما قوله: ولو صح القياس لوجب الاستبراء على كل زوج كما وجب على كل مشتر

ج - ١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
٤١٠
وساب، ففيه أنه إنما لا يجب على من تزوج حرة لأنها إن تكن متزوجة بزوج آخر قبله لم يجز
نكاحها إلا بعد تمام العدة سواء طلقها بعد الدخول بها أو مات عنها، والعدة تغنى عن الاستبراء،
وإن لم تكن متزوجة بل بكرا أيما أو متزوجة قد طلقها الزوج قبل الدخول بها فلا حاجة إلى
الاستبراء أيضا لكونها لا يحل لأحد وطئها فى الأول والتيقن بكونها غير موطوءة شرعا فى الثانى،
ولا كذلك الأمة يزوجها المولى فإنها كانت تحل لمولاها قبل ذلك، والاستبراء إنما شرع لما شرعت
له العدة، فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من أجل الحمل، وسن رسول الله مر له
استبراء الأمة بحيضة من أجل الحمل، فإذا وطيبها سيدها اليوم ثم زوجها فوطئها الزوج فى آخر
اليوم أفضى ذلك إلى اختلاط المياه وامتزاج الأنساب، وهذا لا يحل، ولا يتصور جواز مثل ذلك
فى الحرة أبدا فكذا فى الأمة، ألا ترى أنه لو اشتراها من مولاها لا تصير به فراشا ولا يحل
للمشترى وطئها حتى يستبرئها كيلا يفضى إلى اختلاط المياه، ولذا يصح بيع الأمة المعتدة
والمزوجة، ولا يصح تزويجها.
فمقتضى النظر أن لا يجوز للمولى تزويج أمة كان يصيبها إلا بعد أن يستبرئها بحيضة أو
يجب على الزوج أن يستبرئها بها ولا يطأها قبل ذلك، ولا يخفى أن الأصل فى الأحكام التعليل،
ولا ريب أن علة وجوب الاستبراء مظنة اختلاط المياه، وامتزاج الأنساب، فحيثما وجدت العلة
وجب الاستبراء، وقد وجدت فى تزويج المولى أمته التى كان يطأها، فلا بد من وجوب الاستبراء
إما على المولى أو على الناكح، فالراجح عندنا ما رواه الحسن عن أبى حنيفة قال: لا يطأها الزوج
حتى يستبرئها، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله تعالى.
وأما قول بعض الأحباب ردا على ابن القيم: إن هذا طعن على الشارع حيث أسقط اعتبار
التوهم فى النكاح فأحل نكاح الموطوءة ووطئها مع توهم الحبل إلخ فدعوى مجردة عن دليل، فإن
الشارع لم يبح قط أن يطأ رجل امرأة فى أول النهار ويطأها آخر فى آخر النهار ومن ادعى فعليه
البيان، وقد أوجب الاستبراء على من اشترى أمة تصلح للوطأ بكرا كانت أو ثييا، ونبه بذلك على
وجوبه على من نكحها، فإن الشراء قد يكون للاستخدام دون الوطئ، والنكاح موضوع
للاستمتاع منها بالوطئ ونحوه، فإيجابه على المشترى دليل على وجوبه على الناكح.
والأحسن فى الاعتذار عن الشيخين أن يقال: إن وجوب استبراء الإماء عند السبى والشراء
ونحوه ثبت بالنص على خلاف القياس، لأن مقتضى ملك الرقبة حل الاستمتاع بها إذا كان المحل

٤١١
استبراء السبايا ومن فى معناها
إعلاء السنن
يصلح له، وإذا كان كذلك يقصر على مورده لا يتعداه، وقد ورد النص بالاستبراء عند حدوث
ملك اليمين، فيكون مختصا به. وبالجملة فالاستبراء وظيفة ملك اليمين كما أن العدة وظيفة
ملك النكاح، فكما لا ينقل وظيفة النكاح إلى ملك اليمين فكذلك لا ينقل وظيفة ملك اليمين
إلى النكاح، فلا معنى لوجوب الاستبراء على الزوج، فلو وجب عليه شىء لكان هو العدة
دون الاستبراء.
قال فى "المبسوط": ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول: لا فرق بين البيع والتزويج بل فى
الموضعين جميعا يستحب للمولى أن يستبرئها من غير أن يكون واجبا عليه، ألا ترى أنه لو زوجها
قبل أن يستبرئها جاز، كما لو باعها.
والأظهر أن عليه أن يستبرئها إن أراد أن يزوجها بعد ما وطئها صيانة لمائه، لأنه لا يجب
على الزوج أن يستبرئها بخلاف البيع فهناك يجب على المشترى أن يستبرئها، فيحصل معنى
الصيانة، وإن زوجها قبل أن يستبرئها جاز، لأن وجوب الاستبراء على المولى لا على الأمة ولا يمنع
صحة تزويجها، والأحسن للزوج أن لا يقربها حتى تحيض حيضة وليس ذلك بواجب عليه فى
القضاء (مفاده وجوب ذلك عليه ديانة).
وفى "الجامع الصغير": للزوج أن يطأها قبل أن يستبرئها عند أبى حنيفة وأبى يوسف
رحمهما الله، وقال محمد: أحب إلى أن لا يطأها حتى يستبرئها كيلا يؤدى إلى اجتماع رجلين
على امرأة واحدة فى طهر واحد، لأن ذلك حرام. قال معَّ: ((لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم
الآخر أن يجتمعا على امرأة واحدة فى طهر واحد)) اهـ (١٥٢:١٣)، وفيه دلالة على ما قدمنا أن
معنى قول محمد: أحب إلى أى أن ذلك واجب عنده نظرا إلى التعليل، وفيه أن الحديث ثابت عند
فقهاءنا بدليل احتجاجهم به، فحمله محمد على التحريم، والشيخان على التنزيه.
ولعلك قد عرفت بذلك وجوب الاستبراء على المولى إذا أراد تزويج أمته الموطوءة
واستحبابه إذا أراد بيعها، ودليل الاستحباب فى البيع ما رواه عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال:
باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يطأها قبل أن يستبرئها، فظهر بها حبل عند الذى اشتراها
فخاصموه إلى عمر، فقال له عمر: كنت تقع عليها؟ قال: نعم. قال: فبعتها قبل أن تستبرئها؟ قال:
نعم. قال: ما كنت لذلك بخليق، ذكره الموفق فى "المغنى" (١٦٤:٩).
وقوله: "ما كنت لذلك بخليق" ظاهره فى الاستحباب، كما لا يخفى، ولأن الاستبراء

٤١٢
استبراء السبايا ومن فى معناها
ج - ١٧
يجب على المشترى فأغنى عن وجوبه على البائع بخلاف التزويج فإن الاستبراء لا يجب فيه على
الزوج، فالأظهر أن يجب على المولى، وقول بعض الأحباب: إن الاستبراء السابق على السبب،
أو المجتمع معه لا يجزئ عن الاستبراء الواجب بعده لا يرد علينا، فإنا إن قلنا بوجوبه على المولى
فالسبب إرادة التزويج فلم يكن الاستبراء مقدما على السبب بل متأخرا عنه، وإن قلنا بوجوبه على
الزوج على قول محمد فالسبب هو التزويج؛ فكان الاستبراء متأخرا عن السبب فى الحالين.
فإن قيل: إن الاستبراء إنما عرف بالنص عند حدوث ملك اليمين دون ملك النكاح قلنا:
نعم! ولكنا أوجبناه فى الأمة الموطوءة مطلقا كيلا يؤدى إلى اجتماع رجلين على امرأة فى طهر
واحد وهو منهى عنه. والاحتراز عن اختلاط المياه وامتزاج الأنساب من مقاصد الشرع
ومحاسنها، فلو أفضى مراعاة الأصول إلى إبطال هذا المقصد لزم ترك الأصول محافظة على هذا
المقصد المتفق على وجوب حفظه، فافهم.
وقال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: قال عطاء: تداول
ثلاثة من التجار جارية فولدت فدعا عمر بن الخطاب القافة، فألحقوا ولدها بأحدهم ثم قال عمر:
من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض، فإن كانت لم تحض فليتربص بها خمسا
وأربعين ليلة (وهو مرسل، فإن عطاء لم يدرك عمر رضى الله عنه، وفيه دليل على أن حكم
الاستبراء لا يقتصر على السبايا كما قاله داود الظاهرى).
ومن طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم أخبرنا الحجاج ومنصور قال الحجاج: عن عطاء
وقال منصور: عن سعيد بن المسيب قالا جميعا: تستبرأ الأمة التى لم تحض بشهر ونصف. ومن
طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى ومعمر قال سفيان: عن فراس عن الشعبى عن علقمة عن ابن
مسعود، وقال معمر: عن نافع عن ابن عمر قالا جميعا: تستبرأ الأمة بحيضة، ومن طريق عبد
الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: كم عدة الأمة تباع؟ قال: حيضة، وقاله أيضا عمرو بن دينار:
! ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فى الأمة تباع وقد حاضت قال: يستبرئها الذى باعها
ويستبرئها الذى اشتراها بحيضة أخرى، وقال به الثورى (وبه قال أبو حنيفة إلا أن استبراء البائع
ليس بواجب عنده بخلاف استبراء المشترى فإنه واجب).
ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن فى الأمة إذا باعها سيدها وهو يطأها قال:
يستبرئها بحيضة قبل أن يبيعها ويستبرئها المشترى بحيضة أخرى، وهو قول الشافعى وأبى

٤١٣
استبراء السبايا ومن فى معناها
إعلاء السنن
سليمان، ومن طريق عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة
عذراء لم يستبرئها إن شاء، قال أيوب: يستبرئها قبل أن يقع عليها، وبه إلى معمر عن قتادة قال فى
أمة عذراء اشتراها من امرأة قال: لا يستبرئها، فإن اشتراها من رجل فليستبرئها. وقال سفيان
الثورى: تستبرأ التى لم تبلغ، كما تستبرأ العجوز (٣١٨:١٠).
ولعل ابن عمر كان يرى أن البكارة تمنع الحمل أو تدل على عدمه أو عدم الوطئ، وفيه نظر،
فقد كان للإمام أبى حنيفة جارة لها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فقال أهلها: كيف تلد
وهى بكر؟ فقال أبو حنيفة: هل لها أحد تثق به؟ قالوا: عمتها، فقال: تهب الغلام منها ثم تزوجها
منه، فإذا أزال عذرتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح، كذا فى "الأشباه" (ص٤٤٣)، وأيضا ففى
الاستبراء شائبة تعبد، ولهذا تستبرأ التى يئست من الحيض، قاله الحافظ فى "الفتح" (٤: ٣٥١).
وإذا عرفت ذلك فما رواه ابن المنذر فى "الكتاب الأوسط": نا على بن عبد العزيز نا حجاج
نا حماد (هو ابن سلمة، كما فى "المحلى " ٣٢٠:١٠) أنا على بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمى
عن ابن عمر قال: وقعت فى سهمى جارية من سبى جلولاء فنظرت إليها، فإذا عنقها مثل إبريق
الفضة فلم أتمالك نفسى أن وقعت عليها فقبلتها والناس ينظرون ولم ينكر على أحد، وأخرجه ابن
أبى شيبة فى "مصنفه": عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة والخرائطى من طريق هشيم عن
على بن زيد نحوه، كما فى "التلخيص الحبير" (٣٣١:٢): لا يصلح حجة على جواز تقبيل
المسبية، أو المشتراة قبل الاستبراء، لاحتمال أن تكون الجارية بكرا، وابن عمر كان لا يرى استبراء
العذراء، وأما عدم إنكار الناس عليه فلعلهم عذروه لكونه لم يتمالك نفسه، ولا بد من التأويل، فإن
وقعة جلولاء كانت مع الفرس وهم مجوس، ولا يجوز وطئ الوثنية والمجوسية ولا تقبيلها بعد
الاستبراء أيضا حتى تسلم وتصلى، وأيضا فإن تقبيل الأمة والوقوع عليها بمرأى من الناس لا يجوز
أصلا لا قبل الاستبراء ولا بعده، ففعل ابن عمر محمول على الاضطرار وزوال الاختيار، وعذره
الناس لأجل ذلك، وفى سنده على بن زيد بن جدعان متكلم فيه منكر الحديث، وأنكر ما روى ما
حدث به حماد بن سلمة عنه عن أبى نضرة عن أبى سعيد رفعه: إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد
فاقتلوه، وقال يزيد بن زريع: رأيته ولم أحمل عنه لأنه كان رافضيا، كذا فى "التهذيب" ملخصا
(٣٢٤:٧)، وأيوب بن عبد الله اللخمى لم أجده فى كتب الرجال.
وأما ما رواه الطحاوى عن عبد الله بن يزيد عن أبيه أن عليا خمس الغنيمة وفى السبى

ج - ١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
٤١٤
وصيفة من أفضل السبى، فلما خمسه صارت الوصيفة فى الخمس ثم خمس فصارت فى آل على
فأتانا ورأسه يقطر ماء، فقلنا: ما هذا الحديث؟ من "المعتصر" (٢٩٠:١)، فهو محمول أيضا على
أنه كان لا يرى استبراء العذراء، ويحتمل أن تكون صغيرة لا يخشى منها الحمل. وبالجملة فكل
ذلك من حكاية أفعال تحتمل الوجوه فلا يترك بها عموم قوله عّ له: ((لا توطئن حامل حتى تضع،
ولا حائض حتى تحيض حيضة))، والحائل يعم الصغيرة والآيسة جميعا، فلا يجوز وطيبها قبل
الاستبراء، وأما قول الطحاوى: إن فى الحديث دلالة على أن الاستبراء لا يجب على الصغيرة
والآيسة، لأن النهى عن وطى الحامل وذات الحيض لا غير اهـ صفحة مذكورة ففيه أن الاستبراء فى
الأمة كالعدة فى المنكوحة، وقد أوجب الله العدة على الآيسة والصغيرة جميعا فى قوله: ﴿واللائى
يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن﴾ الآية، فكذلك
الاستبراء بإقامة أشهر مكان الحيضة.
واختلفت كلمات الأئمة فى تقدير الاستبراء بالأشهر، ففى "المبسوط": إن كانت لا تحيض
من صغر أو كبر فاستبراءها بشهر، لأن الشهر قائم مقام الحيض والطهر شرعا، فكل شهر يشتمل
على حيض وطهر عادة، ألا ترى أن الله تعالى أقام ثلاثة أشهر فى حق الآيسة والصغيرة مقام ثلاثة
قروء فى العدة، ومدة الاستبراء ثلث مدة العدة، فيتقدر بشهر، وإن كانت حاملا فاستبراءها بوضع
الحمل للنص، وإذا ارتفع حيضها، وهى ممن تحيض تركها، حتى إذا استبان له أنها ليست فيحامل
وقع عليها، لأن المقصود تبين فراغ الرحم، وقد حصل ذلك إذا مضى من المدة ما لو كانت حبلى
لظهر ذلك بها، وليس فى ذلك تقدير بشىء فيما يروى عن أبى يوسف إلا أن مشايخنا قالوا: يتبين
ذلك بشهرين أو ثلاثة اهـ ملخصا (١٤٦:١٣).
قلت: وهو محمل ما روينا عن عمر فيما مضى قال: فإن كانت لم تحض فليتربص بها
خمسا وأربعين ليلة اهـ، أى إذا كانت قد ارتفع حيضها، وهى ممن تحيض، ولا يصح حمله على
الصغيرة والآيسة، فإن الشهر يقوم مقام الحيضة فى حقهن لما قلنا.
وروى ابن حزم فى "المحلى": من طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم نا منصور عن الحسن
أنه سئل عن استبراء الأمة التى لم تحض قال: تستبرئ بثلاثة أشهر، فأتينا ابن سيرين فسألناه عن
ذلك فقال: ثلاثة أشهر، قال هشيم: وأخبرنا خالد الحذاء عن أبى قلابة قال: تستبرئ بثلاثة أشهر
اهـ (٣١٨:١٠)، وهو قول النخعى وأحد قولى الشافعى.

٤١٥
استبراء السبايا ومن فى معناها
إعلاء السنن
وقال أحمد بن القاسم: قلت لأبى عبد الله (أحمد بن حنبل): كيف جعلت ثلاثة أشهر
مكان حيضة وإنما جعل الله فى القرآن مكان كل حيضة شهرا؟ فقال: إنما قلنا بثلاثة أشهر من أجل
الحمل فإنه لا يتبين فى أقل من ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم
والقوابل، فأخبروه أن الحمل لا يتبين فى أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك، ثم قال: ألا تسمع قول
ابن مسعود: إن النطفة أربعين يوما (نطفة) ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة بعد ذلك. قال أبو عبد
الله: فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة وهى لحم فتبين حينئذ، وقال لى: هذا معروف عند
النساء اهـ، ذكره الموفق فى "المغنى" (١٥٠:٩).
وفى "رد المحتار": ظاهر الرواية أنها تترك إلى أن يتبين أنها ليست بحامل، واختلف المشايخ
فى مدة التبين على أقوال أحوطها سنتان، وأرفقها هذا أى ما قاله محمد أنها تستبرئ بشهرين
وخمسة أيام، وهذا ما رجع إليه، وكان أولا يقول بأربعة أشهر وعشر، وإنما رجع إليه لأنها مدة
صلحت لتعرف براءة الرحم للأمة فى النكاح، ففى ملك اليمين وهو دونه أولى اهـ (٣٧٠:٥).
وقال أحمد فيمن ارتفع حيضها لا تدرى ما رفعه: اعتدت بتسعة أشهر للحمل وشهر مكان
الحيضة اهـ، وهو مبنى على قوله بأن تسعة أشهر غالب مدة الحمل، وقد مر فى باب النسب من هذا
الكتاب ما يدل على أن أكثر مدة الحمل سنتان، فإن ذهب ذاهب إلى الاحتياط فليتربص بها سنتين،
وإلا فشهران وخمسة أيام مدة صلحت لتعرف براءة الرحم شرعا، كما قاله محمد.
ويتبين الحمل فى ثلاثة أشهر غالبا كما قاله أهل العلم والقوابل لعمر بن عبد العزيز، وأما
عشرة أشهر فلم يقل به أحد فى الاستبراء فيما علمنا، والله تعالى أعلم.
وأعل ابن حزم حديث أبى سعيد المذكور فى المتن بأن شريكا وأبا الوداك ضعيفان اهـ، وهو
رد عليه فكلاهما من رجال مسلم صدوقان، ولذا صححه الحاكم على شرطه، وقال الحافظ فى
"التلخيص": إسناده حسن (٦٣:١)، وفى "سنن أبى داود": رواية ابن داسة أنه ذكر حديث أبى
معاوية ثم قال: زاد فيه بحيضة، وهو وهم من أبى معاوية، وهو صحيح من حديث أبى سعيد اهـ
من "الجوهر النقي" (٤٤٩:٧).
فهذا أبو داود قد صحح حديث أبى سعيد، وهو أجل من ابن حزم وأعرف بالحديث منه،
كيف وله شواهد عديدة قد بلغته حد الشهرة، منها ما رواه ابن حزم نفسه من طريق عبد الرزاق
عن معمر عن طاوس أرسل رسول الله عَّ مناديا فى بعض مغازيه: لا يقعن رجل على حامل،

ج - ١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
٤١٦
ولا على حائض حتى تحيض، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن زكريا (هو ابن أبى
زائدة) عن الشعبى أصاب المسلمون سبايا يوم أوطاس فأمرهم رسول الله عّ لّه أن لا يقعوا على
حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة اهـ (٣١٩:١٠)، وهذان مرسلان صحيحان.
وقد مر فی "المقدمة": أن مرسلین صحیحین أولی من حديث واحد صحیح مسند عندنا،
وروى الدارقطنى من حديث عبد الله بن عمران العابدى عن ابن عيينة عن عمرو بن مسلم الجندى
عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله عَّ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى
تحيض))، ثم نقل عن ابن صاعد أن العابدى تفرد بوصله وأن غيره أرسله.
(قلت: والحكم للرافع إذا كان ثقة على أن الإرسال لا يضرنا)، ورواه الطبرانى فى
"الصغير" من حديث أبى هريرة بإسناد ضعيف (وإنما ضعفه لأن فيه بقية والحجاج بن أرطأة،
وكلاهما مدلس، كما فى "مجمع الزوائد" (٤:٥).
ورواه أبو داود من حديث رويفع بن ثابت بلفظ: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر
أن يقع على امرأة من السبى حتى يستبرأها بحيضة))، كذا فى "التلخيص الحبير" (٦٣:١).
وقد تقدم أن أبا داود إنما جعل زيادة بحيضة، وهما من أبى معاوية لأن محمد بن سلمة رواه
عن ابن إسحاق ثنى يزيد بن أبى مرزوق عن حنش الصنعانى عن رويفع بن ثابت بلفظ: سمعت
رسول الله عَ لّه يقول يوم حنين: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من
السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره) يعنى
إتيان الحبالى، ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق نحوه (لم يقل: بحيضة)، ولكنه قال: يوم
خيبر، وزاد: أن يصيب امرأة من السبى ثيبة.
قال البيهقى: والصحيح رواية محمد بن سلمة (٤٤٩:٧) إلا أنه ثبت الناس فى ابن إسحاق
وقد ساق الحديث على وجهه، وروى البيهقى من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطاة
عن الزهرى عن أنس رضى الله عنه أن النبى مرّةِ استبرأ صفية بحيضة، قال البيهقى: وفى إسناده
ضعف (لكونه من رواية ابن عياش من غير أهل بلده، ولما فى الحجاج من المقال.
وقد عرفت أن كلاهما حسن الحديث عندنا)، وفى "الجوهر النقى": ذكره عبد الرزاق فى
"مصنفه" عن إبراهيم بن محمد عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس، فيقوى الحديث
بهذه المتابعة اهـ (٧: ٤٥٠).

٤١٧
استبراء السبايا ومن فى معناها
إعلاء السنن
ويؤيده ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس أنه عّ لّ ترك صفية عند أم سليم حتى
انقضت عدتها، أراد بالعدة الاستبراء لكونه فى الأمة بمنزلة العدة فى المنكوحة، ولم يتنبه الحافظ فى
"الفتح" (٣٥١:٤) لذلك، فاستشكله.
قال الجصاص فى "الأحكام" له: جائز أن تكون هذه اللفظة من كلام الراوى (رواية
بالمعنى) تأويلا منه للاستبراء أنه عدة، وجائز أن تكون العدة لما كان أصلها استبراء الرحم أجرى
اسم العدة على الاستبراء(١) مجازا قال: فهذه الأخبار تمنع من استحدت ملكا فى جارية أن يطأها
حتى يستبرئها إن كانت حائضا وحتى تضع حملها إن كانت حاملا، وليس بين فقهاء الأمصار
خلاف فى وجوب استبراء المسبية على ما ذكرنا إلا أن الحسن بن صالح قال: عليها العدة حيضتين
إذا كان لها زوج فى دار الحرب، وقد ثبت بحديث أبى سعيد الذى ذكرنا الاستبراء بحيضة
واحدة، وليس هذا الاستبراء بعدة لأنها لو كانت عدة لفرق النبى معَ لّه بين ذوات الأزواج منهن
وبين من ليس لها زوج، لأن العدة لا تجب إلا عن فراش، فلما سوى النبى عّ لّه بين من كان لها
فراش وبين من لم يكن لها فراش دل ذلك على أن هذه الحيضة ليست بعدة اهـ (١٣٨:٢). وفى
"التلخيص الحبير": روى ابن أبى شيبة عن على رضى الله عنه قال: ((نهى رسول الله عَّه أن توطأ
الحامل حتى تضع والحائض حتى تستبرئ بحيضة))، لكن فى إسناده ضعف وانقطاع (٦٣:١).
وفى مجمع الزوائد عن ابن مسعود قال: تستبرئ الأمة بحيضة رواه الطبرانى ورجاله رجال
الصحيح (٤:٥)، وقد تقدم نحوه عن عمر، وروى الطحاوى عن ابن عباس: نهى عن وطئ السبايا
إذا كن حبالى حتى يضعن ما فى بطونهن أو يستبرئان إذا كن حبالى، كذا فى المعتصر (٢٩٠:١)،
فهذه عدة أحاديث من عدة طرق بلغت بها حد الشهرة وتأيدت بالإجماع فلا يضرنا ما فى شريك
وأبى الوداك من المقال؛ لأنهما لم ينفردا به، بل رويا ما رواه غيرهم من الثقات، والله تعالى أعلم.
(١) وهذا هو الجواب عن حديث أبى علقمة الهاشمى عن أبى سعيد الخدرى ((أن بعض أصحاب رسول الله عر بيه أصابوا سبايا
بأوطاس، فكان الناس تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل: ﴿والمحصنات من النساء إلا
ما ملكت أيمانكم﴾ أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن))، رواه أبو داود ومسلم والترمذى والنسائى (عون ٢١٣:٢)، أى
إذا انقضى استبراءهن بوضع الحمل عن الحامل وبحيضة عن الحائل، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، ألا ترى أنه مر لم
يتربص بصفية إلا حيضة واحدة وكانت ذات زوج، ولم يتنبه ابن حزم لذلك فحمل العدة على العدة المعروفة فقال ما قال
وأطال المقال، ولم يدر أن الآثار يفسر بعضها بعضا، ومن أراد البسط، فليراجع "أحكام القرآن" الرازى، فقد أجاد وأفاد
وشفی واشتغی، ظ.

ج - ١٧
٤١٨
باب كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه على وجه التحية
٥٧٣٥- حدثنا سويد نا عبد الله (هو ابن المبارك الإمام الحجة) نا حنظلة بن عبيد
الله (السدوسى) عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه
أو صديقه أ ينحنى له؟ قال: لا، قال: أ فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: فيأخذ بيده
ويصافحه؟ قال: نعم، أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن (ترمذى ٩٧:٢).
باب كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية
أقول: التقبيل والاعتناق قد يكونان على وجه التحية - كالسلام والمصافحة- وهما اللذان
نهى عنهما فى الحديث، لأن مجرد لقاء المسلم إنما موجبه التحية فقط، فلما سأل السائل عنهما عند
اللقاء فكأنه قال: إذا لقى الرجل أخاه أو صديقه فكيف يحييه؟ أيحييه بالانحناء والتقبيل والالتزام أم
بالمصافحة فقط؟ فأجاب رسول الله عّ لّه بأنه يحييه بالمصافحة ولا يحييه بالانحناء والتقبيل
والاعتناق، فثبت أن التحية بهذه الأمور غير مشروعة، وإنما المشروع هو التحية بالسلام
والمصافحة، وهو ما ذهب إليه أئمتنا الثلاثة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، لأن هذه المسألة ذكره
محمد فى "الجامع الصغير"، ونصه على ما فى "البناية" (٤: ٢٥١): محمد عن يعقوب عن أبى
حنيفة قال: أكره أن يقبل الرجل من الرجل فمه أو يده أو شيئا منه، وأكره المعانقة، ولا أرى
بالمصافحة بأسااهـ، وهذا يدل بسياقه على أن التقبيل والمعانقة الذين كرههما أبو حنيفة هما اللذان
يكونان على وجه التحية عند اللقاء لا مطلقا.
ويدل أيضا على أن المسألة مما اتفق عليه الأئمة الثلاثة لأن محمدا لم يذكر الخلاف فيها،
وقد يكونان على وجه الشهوة وهما المكاعمة والمكامعة التى يعبر عنهما بالفارسية بـ"بوس
وكنار"، وهما لا تجوزان عند أئمتنا الثلاثة لورود النهى عنهما بخصوصهما وبالأدلة الأخرى
بعمومها، وقد يكونان لهيجان المحبة والشوق والاستحسان عند اللقاء وغيره من غير شائبة الشهوة،
وهما مباحان باتفاق أئمتنا الثلاثة لثبوتهما عن النبى عّ لّه وأصحابه، ولعدم مانع شرعى عنه، هذا
هو التحقيق، وقد التبس الأمر فيه على مشايخنا، فأثبت الطحاوى الخلاف فيه بين الطرفين وأبى
يوسف، ونسب إلى الطرفين القول بالكراهة واحتج لهما بحديث حنظلة المذكور، ونسب إلى أبى
يوسف القول بالجواز واحتج له بقصة قدوم جعفر وزيد بن حارثة، ثم رجح قول أبى يوسف بأن
الإباحة متأخرة عن النهى لثبوت المعانقة بين الصحابة.
.

٤١٩
كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية
سنن
وأخرجه أيضاً الطحاوى من طريق حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويزيد بن زريع
وأبى هلال محمد بن سليم الراسى عن حنظلة (معانى الآثار ٣٦٢:٢)، وقال البيهقى:
تفرد به حنظلة السدوسى، وكان قد اختلط فى آخر عمره (نصب الراية ٢٩٨:٢).
وقد عرفت أن لا خلاف بينهم فإن ما جوزه أبو يوسف هو التقبيل والاعتناق إذا كان
منشأهما هيجان الحب والشوق والاستحسان، ولم يقل بكراهتهما الطرفان، والذى كرهه الطرفان
هو التقبيل والاعتناق على وجه التحية، ولم يقل أبو يوسف بجوازهما كما يدل عليه عدم ذكر
محمد الخلاف فى "الجامع الصغير"، والكراهة والتجويز الواردان فى النصوص والآثار غير واردين
على محل واحد حتى يحتاج إلى التفحص عن التقدم والتأخر ومع ذلك لا يثبت تأخر الإباحة مما
ذكر، كما لا يخفى على من تدبر فى النصوص المذكورة فى "الطحاوى"، وسنذكرها فى باب
مستقل، فما قاله رحمه الله فى هذا الباب بعيد عن التحقيق.
وتبعه صاحب "الهداية" فى إثبات الخلاف بينهم، واحتج على أبى يوسف بالنهى عن
المكاعمة والمكامعة، وهذا خروج عن المبحث، لأنه لا كلام فيهما وإنما الكلام فى التقبيل والاعتناق
على وجه التحیه، فإن قال أبو يوسف بجوازه، فينبغى الإتيان بدليل يدل على خلافه، وهو حديث
حنظلة لا حديث المكاعمة والمكامعة، وأعجب منه أنه قال: قالوا: الخلاف فى المعانقة فى إزار
واحد، أما إذا كان عليه جبة، فلا بأس بها بالإجماع، وهو الصحيح اهـ، لأنك قد عرفت أن
لا تعرض فى كلامهم للإزار والجبة ولا فرق بين الحالتين من جهة النظر، لأن الرجل إن كان ممن
يشتهى فلا فرق بين كون الجبة عليه وعدمه فى مظنة الشهوة، وإلا فلا فرق بينهما فى عدمها، فهذا
توجیه لکلامهم بحیث لا يرضونه.
وقال بعضهم: لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان ويكره تقبيل يد غيرهما، وهو غريب
أيضا؛ لأنه لا دليل عليه فى المذهب، بل نص محمد يدل على عموم الحكم للعالم، وغير العالم
والسلطان وغير السلطان، وكذا نص أبى يوسف يدل عليه أيضا، فالتفصيل المذكور خلاف
للمذهب، والتحقيق هو ما قلنا لك سابقا، وقد يكون التقبيل والالتزام على وجه التبرك، والتعظيم
كتقبيل الأرض بين يدى السلطان، وتقبيل عتبته وتقبيل قبور الصلحاء، وتقبيل أيديهم وأرجلهم،
وهو غير جائز؛ لأن مثل هذا التبرك والتعظيم مختص بالكعبة والحجر، ولم يثبت لغيرهما من
السلف، والثابت عنهم هو التقبيل على وجه المحبة والشوق دون التبرك والتعظيم، فمن أجاز ذلك
للعلماء والسلطان لم يتدبر حقيقة الأمر، فاعرف ذلك.

ج - ١٧
كراهة تقبيل الرجل والتزامه أخاه عند اللقاء على وجه التحية
٤٢٠
قلت: ابن المبارك والحمادان ويزيد بن زريع أئمة، فالظاهر أنهم سمعوه منه قبل
الاختلاط، فلا يضر الاختلاط بعده، ثم قبول الأئمة هذا الحديث والعمل به يدل على
ثبوته عندهم، والله أعلم.
ومما احتج به المجوزون للتقبيل والاعتناق ما وقع فى حديث الإفك أنه قال أبو بكر لعائشة:
قومى فقبلى رأس رسول الله عَ ليه، ولا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يكن تقبيل التحية والتعظيم، بل تقبيل
المحبة والسرور، كما لا يخفى.
ومنها ما روى عن النبى معَّ له أنه قبل بين عينى جعفر، واعتنقه حين قدم من الحبشة؛
ولا حجة لهم فيه أيضا، لأنه لم يكن تقبيل التحية أو التعظيم بل تقبيل الشوق والسرور لما روى أنه
قال: والله ما أدرى بأيهما أنا أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ ومنها ما أخرجه الترمذى عن
عائشة: أنه لما قدم زيد بن حارثة المدينة وقرع الباب قام إليه رسول الله عَ لّه عريانا (أى ما فوق
الإزار) يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، ولا حجة لهم فيه أيضا لأن كونهما من باب المحبة والسرور لا من
باب التحية، أو التعظيم أظهر من أن يخفى.
ومنها ما أخرجه ابن سعد أن النبى عّ لّه قبل نعيم بن عبد الله النحام واعتنقه لما قدم المدينة
مهاجرا، لا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن كونهما من قبيل المحبة والسرور أظهر.
ومنها ما روى عن عائشة ((أن فاطمة كانت إذا دخلت على رسول الله عَ ليه قام إليها فقبلها
وأجلسها فى مجلسه، وكان النبى عّ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته فى
مجلسها، فلما مرض النبى عّ لّهِ دخلت فاطمة فأكبت عليه فقبلته)) الحديث.
ولا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن فى صحة هذه الزيادة كلاما لأنه تفرد به المنهال بن عمرو،
وهو وإن أخرج له البخارى إلا أنه تركه شعبة، وقال الغلابى: كان ابن معين يضع من شأن المنهال
ابن عمرو. وقال الجوز جاني: سيئ المذهب، وقد جرى حديثه وغمزه يحيى القطان، وضعفه أيضا
ابن حزم.
ومما يدل على ضعف هذه الزيادة أن البخارى أخرج هذه القصة من طريق عروة عن عائشة
ومن طريق مسروق عنها وليس فى روايتهما هذه الزيادة، وكذا أخرجه النسائى من طريق أبى
سلمة عن عائشة وليس فيه هذه الزيادة، ولم يرد من وجه آخر أن ذلك كان من عادتهما، كما
يظهر من هذه الرواية، بل روى ما يخالفه بحسب الظاهر؛ لأنه أخرج البخارى من طريق فراس عن
الشعبى عن مسروق عن عائشة: أنها قالت: أقبلت فاطمة تمشى لا والله ما تخطى مشيتها من مشية