النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٥٧٠١- وعن عمر مرفوعًا: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان،
رواه الترمذى وقال: حسن صحيح غريب، وأخرجه ابن حبان فى "صحيحه"،
والحاكم فى "مستدركه"، وأخرجه ابن حبان نحوه من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا،
كذا فى "نصب الراية" (٢٩٤:٢).
قلت: وهم ابن تيمية فى المنتفى فأخرجه من حديث جابر، وعزاه لأحمد، وقد
تصفحت "مسند أحمد"، فلم أجد فيه لا من حديث جابر بن عبد الله، ولا من حديث
جابر بن سمرة، ولا جابر آخر، ولم يتنبه الشوكانى لهذا الوهم فأقره عليه، فتنبه له.
باب الاستتار عند الجماع
٥٧٠٢- عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن راشد بن سعد وعبد الأعلى بن
عدسى عن عتبة بن عبد السلمى قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إذا أتى أحدكم أهله
فليستتر ولا يتجرد تجرد البعيرين))، أخرجه ابن ماجة (ص١٣٩).
قلنا: لا نعرف فى بنى هاشم فى ذلك الزمان مثل هؤلاء بل كانوا صلحاء فلا ينفع هذا
الجواب، فالظاهر فى الجواب أن يقال: إن الظاهر أن نفرا من بنى هاشم لم يدخلوا عليها جملة
واحدة بل دخلوا عليها واحدا بعد واحد، ورآهم أبو بكر رضى الله عنه داخلين كذلك، فشكا
ذلك إلى رسول الله عَّه فقال رسول الله عَ له: ((أن لا يدخلن على مغيبة أحد إلا ومعه رجل أو
رجلان لئلا يرتاب الرائى كما ارتاب أبو بكر))، فمنع عن دخول واحد، وأجاز دخول اثنين فصاعدا
تقليلا للفتنة، ثم لما اعتاد الناس لذلك منع دخول اثنين فصاعدا أيضا، فقال: إياكم والدخول على
النساء، سدا لباب الفتنة، وهذا أحسن مما قال النووى، والله أعلم.
باب الاستتار عند الجماع
خطأ الشوكانى فى النقل:
قوله: عن الأحوص إلخ قلت: وأعله الشوكانى بالأحوص وقال: إنه ضعيف وأصاب، وأعله
أيضا برشدين بن سعد، وقال: هو ضعيف. قال أبو حاتم: منكر الحديث وأخطأ، لأنه لا أثر لرشدين
ابن سعد فى السند وإنما هو راشد بن سعد وهو ثقة وثقه أبو حاتم وغيره، وأخرج النسائى من طريق
صدقة بن عبد الله السمين عن زهير بن محمد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس نحوه

ج - ١٧
الاستتار عند الجماع
٣٨٢
وقال: حديث منكر وصدقة يضعف، وزاد ابن عدى فى "الكامل": ابن جريج بين زهير وعاصم،
وأعله أيضا عبد الحق فى "أحكامه" بصدقة وقال: إنه ليس بالقوى، وأعله ابن القطان بزهير بن
محمد، وقال: إنه ضعيف، وقد رواه الطبرانى بسند ليس فيه صدقة ولا زهير وقال: حدثنا حسين
ابن إسحاق التسترى ثنا زيد بن أحزم ثنا محمد بن عباد الهنائى ثنا عباد بن كثير عن عاصم الأحول
عن عبد الله بن سرجس، كذا فى "نصب الراية" (٢٩٢:٢).
قلت: وهو معلول لعباد بن كثير لأنه ضعيف. وأخرج البزار وغيره عن مندل بن على عن
الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله مرفوعا نحوه، وأعله البزار بأن مندل بن على أخطأ فيه، وإنما
حدث به عاصم عن أبى قلابة عن النبى مرسلا فى مجلس الأعمش، و كان فيه شريك ومندل كما
صرح به شريك، وقال الزيلعى: هكذا رواه ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن عاصم عن أبى قلابة
عن النبى، وهكذا رواه عبد الرزاق عن الثورى عن عاصم، ونقل العقيلى عن الأعمش أنه كذب
فيه مندل بن على وقال: أن أخبرت به عن عاصم عن أبى قلابة، ولكن روى الطبرانى من طريق
على بن عبد العزيز عن مالك بن إسماعيل أبى غسان عن إسرائيل عن الأعمش عن أبى وائل عن
ابن مسعود مرفوعا مثل ما رواه مندل، كذا فى الزيلعي.
قلت: سند الطبرانى رجاله ثقات إلا على بن عبد العزيز فإنه لم يتحرر لى من هو وما هو؟
وأخرج أيضا الطبرانى والبزار من طريق سعد بن أبى مريم عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر
عن أبى المنيب عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا نحوه، وقال البزار:
إسناده ليس بالقوى، کذا فی الزيلعی.
قلت: رجاله بعضهم ثقات وبعضهم صدوق يخطئ كما فى "التقريب"، فينبغى أن يكون
حسنا، وأخرج الطبرانى من طريق أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطى عن أبى المغيرة عن عفير
ابن سعدان عن سليم ابن عامر عن أبى أمامة نحوه، کذا فی الزیلعی.
قلت: عفير بن سعدان ضعيف؛ قال أبو حاتم: يكثر عن سليم بن عامر عن أبى أمامة بما
لا أصل له، إلا أنه لم يتفرد بل له شواهد من روايات غيره، فاتضح من هذه الجملة أن الحدیث له
أصل ثابت وهو يدل على ندب التستر عند الجماع، وأورد الترمذى فى (باب الاستتتار عند
الجماع) حديث ابن عمر أن رسول الله مرّ لّه قال: ((إياكم والتعرى فإن معكم من لا يفارقكم إلا
عند الغائط وحين يفضى الرجل إلى أهله)).

٣٨٣
إعلاء السنن
باب زنا العین و غيرها
٥٧٠٣- عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن
وقال الزيلعى فى "نصب الراية" (٢٩٣:٢): فى دخول هذا الحديث فى هذا الباب نظر
يظهر بالتأمل اهـ. قلت: وجه النظر أنه يظهر من الحديث أنه معَّمِ نهى عن التعرى لكون الملائكة
معهم، ويظهر من الحديث أيضا أنهم يفارقونهم عند الغائط والجماع، فلم يبق وجه للنهى وهو
الاستحياء من الملائكة، فلا يكون التعرى منهيا عنه عند الجماع.
ويمكن الجواب عنه بأن هذا النظر إنما يتوجه إذا جعل قوله: ((إلا عند الغائط وحين يفضى
الرجل إلى أهله) "متعلقا" بقوله: ((لا يفارقكم))، وأما إذا جعل متعلقا بقوله: ((إياكم والتعرى)) فلا
يتوجه النظر، لأن مفاد الحديث حينئذ النهى عن التعرى لمصاحبة الملائكة واستثنى التعرى عند
الغائط والجماع للضرورة، لا لمقارقة الملائكة لأنه لم يثبت مفارقتهم عند الجماع، وإذا كان مبنى
الرخصة هو الضرورة فهى تتقدر بقدرها، ومعلوم أنه لا ضرورة إلى كشف الزائد من العورة
الغليظة، فيكون منهيا عنه، فلا يكون إدخاله فى الباب محل النظر، فتأمل فيه.
قال العبد الضعيف: يحل عقدة الإشكال ما رواه البزار والطبرانى عن أبى هريرة بلفظ: قال
رسول الله عَّه: ((إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، فإنه إذا لم يستتر استحيت الملائكة فخرجت، فإذا
كان بينهما ولد كان للشيطان فيه نصيب))، وإسناد البزار ضعفه هو، وفى إسناد الطبرانى: أبو
المنيب صاحب يحيى بن أبى كثير ولم أجد من ترجمه، وبقية رجال الطبرانى ثقات، وفى بعضهم
كلام لا يضر (مجمع الزوائد ٢٩٣:٤).
وبهذا ظهر وجه إدخال الترمذى حديث ابن عمر فى (باب الاستتار عند الجماع) فإن معناه
أن الملائكة يفارقون الرجل حين يفضى إلى أهله من غير استتار بحيث يتعرى كما يتعرى عند
الغائط، وإن أفضى إليها بالاستتار لم يفارقوه. وقال الشيخ يحيى فى ما ضبطه عن شيخه مسند
الوقت فى درس الترمذى: إن الترجمة تثبت بالحديث الوارد فيه بأن الملائكة الحفظة لما لم يفارقوا
إلا وقت كشف العورة، وجب التقليل فى الكشف لئلا يكثر بعدهم اهـ، قلت: ولكن تفسير
الحديث بالحديث أولى، والله تعالى أعلم، ظ.
باب زنا العين وغيرها
أقول: دل الحديثان على أن من لا يجوز قضاء الشهوة معه لا يجوز النظر إليه بالشهوة،

٣٨٤
ج - ١٧
زنا العين وغيرها
النبى عَّ قال: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين
النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه))،
أخرجه البخارى ومسلم (زيلعى ٢٩٣:٢).
٥٧٠٤- وعن أبى هريرة عن النبى معَُّله قال: ((إن الله كتب على ابن آدم نصيبه
من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع، واللسان
زناها الكلام، واليدان تزنيان زناهما البطش، والرجلان تزنيان زناهما المشى، والقلب
يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه))، أخرجه مسلم (نصب الرايه ٢٩٣:٢).
ولا مسه بها سواء كان محرما أو غير محرم، وسواء كان المنظور إليه والممسوس عورة أو غير
عورة. ويعلم منه أيضا أن نظر القاضى والشاهد والخاطب إلى الأجنبية وإن كان مع الشهوة ليس
من قبيل زنا العين، لأن الزنا إنما يكون ناشئا عن الشهوة لا منشأ له ونظر القاضى وغيره من قبيل
الثانى لا الأول، لأن منشأ النظر هناك إنما هو القضاء أو أداء الشهادة مثلا لا قضاء الشهوة، فإن
حدث الشهوة من النظر لا يكون هذا النظر زنا العين، بل إن دعت الشهوة إلى النظر ثانيا، وعمل
بمقتضاها كان ذاك هو الزنا.
فإن قلت: إن كان الأمر كما قلت فما بال الفقهاء يحرمون النظر إذا خاف أن يشتهى مع أن
هذا النظر ليس بناشئ من الشهوة، بل منشأ للشهوة ظنا، أو شكا.
قلنا: هذا من باب تحريم ذرائع المحرم وليس هو النظر المحرم لعينه، لأن النظر المحرم لعينه هو
النظر الناشئ من الشهوة كما عرفت، وهذا ليس كذلك، نعم! فيه احتمال لأن يكون مفضيا إلى
المحرم، وهو النظر بالشهوة وغير ذلك، فحرمه الفقهاء سدا للذرائع، ولم يحرموا ذلك فى القاضى
وغيره للضرورة، لأن هذا النظر ليس بمحرم لعينه، بل هو مباح فى نفسه، كما عرفت، واحتمال
الفتنة الذى هو مقتض للتحريم يعارضه المصلحة المقصودة من هذا النظر - كالقضاء وأداء الشهادة-
فإن حرم هذا النظر لاحتمال الفتنة يفوت المصلحة المقصودة.
وإن لم يحرم يبقى احتمال الإفضاء إلى الفتنة، ويمكن تدار كه بتركه العمل بمقتضاها، ولا
يمكن تدارك المصلحة الفائتة، فغلبوا المصلحة على المفسدة وحكموا بإباحة النظر بوجهين أحدهما:
كونه مباحا فى نفسه وثانيهما: غلبة المصلحة على المفسدة لكون المفسدة ممكنة التدارك بترك العمل
بمقتضاه دون المصلحة، فاعرف ذلك.

٣٨٥
إعلاء السنن
باب عدم جواز خروج المرأة إلى مدة السفر
إلا ومعها زوج أو محرم
٥٧٠٥- عن ابن عباس أنه سمع النبى معَّه يخطب ويقول فيه: ((لا تسافر المرأة
إلا مع ذی محرم))، متفق عليه.
٥٧٠٦- وعن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها
ذو محرم))، متفق عليه.
باب عدم جواز خروج المرأة إلى مسيرة ثلاثة أيام
إلا ومعها زوج أو محرم
أقول: الأحاديث نص فى الباب وإليه ذهب أبو حنيفة، وحمل مطلق السفر فى حديث ابن
عباس على السفر الشرعى بقرينة ما روى عن ابن عمر وغيره كما روينا، وحمل أكثر العلماء على
السفر اللغوى بقرينة ما روى من النهى عن السفر إلى مسيرة يوم أو ليلة أو يومين أو ليلتين وغير
ذلك، واحتج أبو حنيفة بأن ما دون السفر الشرعی فی حکم البيت فى جميع الأحكام کعدم جواز
القصر وعدم جواز أخذ الزكاة للغنى الذى له مال فى الوطن لا فى السفر، فكما يجوز لها أن
تكون فى بيتها بلا محرم كذلك يجوز لها أن تكون فى أقل من مدة السفر بلا محرم، بخلاف مدة
السفر لأنه يتغير بها الأحكام ويعد من كان على هذه المسيرة غريبا خارجا من البيت بعيدا من
الأعوان والأنصار والأحباب متعرضا للأذى، فلا يرخص للمرأة أن تكون فى هذه المسيرة بغير من
يحفظها ممن يتعرض بها نظرا إلى كونها غريبة بعيدة لمن يحميها.
فالحاصل أن حالة السفر نفسها مانعة من خروج المرأة بغير زوج أو محرم، بخلاف
حالة الحضر فإن نفسها ليست بمانعة، بل منعها لعارض، فيمنع من الخروج لمدة السفر على
الإطلاق ولا يمنع من الخروج إلى أقل من مدة السفر على النهى للعارض، وما وقع من الاختلاف
فى تحديد تلك المدة على اختلاف الأحوال، وما روى من النهى عن الخروج إلى مدة السفر على
اقتضاء نفس تلك الحالة ذلك، حينئذ يتفق الروايات، ويظهر الفرق بين مدة سفر والأقل منها الذى
قال به أبو حنيفة.
ويظهر من هذا التفصيل أن المنظور فى النهى عن السفر ليس هو حالة المرأة من الفسق
والصلاح لأن الفاسقة لا يمنعها من الفسق شىء لا زوج ولا محرم أو حضر أو سفر إلا أن تتوب

ج - ١٧
عدم جواز خروج المرأة إلى مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها زوج أو محرم
٣٨٦
٥٧٠٧- وفى لفظ لأبى سعيد: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر
سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم
معها))، رواه الجماعة إلا البخارى والنسائى.
وتقلع عن المعصية كما لا يخفى، بل المنظور فيه هو نفس حالة الخروج فقط، فتدبر وتبصر. وقد
أطال الطحاوى الكلام فى هذا الباب فى "شرح معاني الآثار"، واختصره عينى فى "البناية" إن
شئت الاطلاع، فارجع إليهما.
ثم قال الطحاوى: حدثنى بعض أصحابنا عن محمد بن مقاتل لا أعلمه إلا عن حكام الرازى
قال: سألت أبا حنيفة هل تسافر المرأة بغير محرم؟ فقال: لا، نهى رسول الله عَ لّه أن تسافر امرأة
مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا إلا معها زوجها أو أبوها أو ذو رحم منها، قال حكام: فسألت العرزمى
فقال: لا بأس بذلك. حدثنى عطاء أن عائشة كانت تسافر بلا محرم، قال: فأتيت أبا حنيفة فأخبرته
بذلك فقال أبو حنيفة: لم يدر العرزمى ما روى، كان الناس لعائشة محرما، مع أيهم سافرت فقد
سافرت مع محرم، وليس الناس لسائر النساء كذلك اهـ (شرح معاني الآثار ٣٥٩:١).
أقول: للقائل أن يقول: لا نسلم لأن الناس كانوا محارم لعائشة وقوله تعالى: ﴿وأزواجه
أمهاتهم﴾ وحرمة نكاحهن عليهم لا يستلزم المحرمية، لأن معنى قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أنهن
كأمهاتهن فى الحرمة والاحترام دون المحرمية، بدليل أنه فرض عليهن الاحتجاب منهم ولا يفترض
الاحتجاب من المحارم، وحرمة النكاح ليس للمحرمية بل لأن ذلك كان مما يؤذى النبى للغيرة،
ومطلق حرمة النكاح مؤيد ألا يقتضى التحريم كحرمة الملاعنة عند من يقول بالحرمة المؤبدة، ولو
سلم المحرمية فلا يفيد أيضا لأن الطحاوى روى عنها أنها أباحت ذلك لغيرها أيضا حيث قال:
حدثنا ابن وهب عن الليث أن ابن شهاب حدثه عن عمرة أن عائشة أخبرت أن أبا سعيد الحذرى
يفتى أن رسول الله عَ لّه قال: ((لا يصلح للمرأة أن تسافر إلا ومعها محرم)). فقالت: ما لكلهن ذو
محرم اهـ (شرح معانى الآثار ٣٥٨:١).
فالصحيح فى الجواب أن يقال: إن النصوص فى الباب محتملة للتأويل، واختلف الصحابة
فى تأويلها فأولتها عائشة بغير ما تأول به أبو سعيد، فلا يصح إلزام مجتهد بتأويل مجتهد آخر،
وحينئذ يبطل إلزام أبى حنيفة بتأويل عائشة، وأما ما روى الطحاوى عن حكام الرازى فلم يثبت،
لأن محمد بن مقاتل الرازى ضعيف، كما صرح به فى "كشف الأستار عن رجال معانى الآثار".

٣٨٧
إعلاء السنن عدم جواز خروج المرأة إلى مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها زوج أو محرم
٥٧٠٨- وفى لفظ لأبى هريرة: ((لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذى رحم
محرم))، رواه أحمد ومسلم، كذا فى "المنتقى" (نيل ١٧٠:٤).
وقال الذهبى: تكلم فيه ولم يترك، كذا فى "الميزان"، ويدل على أنه يبعد من مثل أبى حنيفة
أن يجيب بمثل ما أجاب أنه يرد عليه ما أوردنا، والله أعلم. ثم الحديث محمول على المرأة الحرة،
وأما الأمة فيباح لها السفر بدون المحرم لضرورة الاستخدام وعدم تيسر المحارم، ويدل عليه أنه أبيح
للإماء ما لم يبح للحرائر من كشف الرأس وغيره لضرورة الاستخدام بعينه، فاعرف ذلك.
قال العبد الضعيف: أما ما أورده بعض الأحباب على ما رواه محمد بن مقاتل عن حكام
الرازى عن أبى حنيفة فليس بشىء، أما أولا فلأن المحرم من لا يحل له نكاحها أبدا بنسب أو سبب
ولو بزنا كما فى "الدر"، وأما الملاعنة فلا ترد علينا لأنها تحل بعد إكذاب الرجل نفسه فلم تكن
حرمتها مؤبدة عندنا، وإذا عرفت ذلك فلا شك فى كون رجال الأمة محارم لأمهات المؤمنين
رضى الله عنهن لحرمة نكاحهن لهم مؤبدا، وأما أنه فرض عليهن الاحتجاب منهم فقد مر أن أمر
الحجاب كان مما اختصت به أزواج النبى معَ ظٍّ من بين سائر النساء حتى لم يجز لهن كشف
الوجوه والأكف أيضا.
وأما ثانيا: فلأنا لو سلمنا أن معنى قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أنهن كأمهاتهم فلنا أن نحمل
قول أبى حنيفة: كان الناس لعائشة محارم على هذا المعنى أى كانوا لها كالمحارم، ولا يرد عليه ما
رواه الزهرى عن عمرة عن عائشة أنها قال ((ما لكلهن محارم) فإنا معناه أن المحرم لیس بقید بل
يجوز للمرأة أن تسافر مع محرم لها أو مع من هو كالمحرم لها كما كانت عائشة تسافر مع رجال
هم کالمحارم لها.
وأما قوله: إن محمد بن مقاتل الرازى ضعيف فلو راجع اللسان لعرف أن تضعيف من
ضعفه مبنى على كونه من أصحاب الرأى، وليس ذلك من الجرح فى شىء، قال أبو الحسن بن
بابويه فى "تاريخ الرأى": كان إمام أصحاب الرأى بالرى ومات بها، وكان مقدما فى الفقه،
حدث عن وكيع وطبقته، روي عنه محمد بن جرير الطبرى وغيره وسمع منه البخارى ولم
يحدث عنه. قال الخليلى فى "الإرشاد": وأظن ذلك من قبل الرأى اهـ ملخصا (٣٨٨:٥) والذى
يكون مقدما فى الفقه إماما فيه فلا بد من قبول روايته فى الفقه، وهذا الذى ذكره الطحاوى عنه
ليس إلا من باب الفقه دون رواية الحديث، فلا بد من قبوله وحمله على ما حملناه، فافهم، والله
یتولی هداك، ظ.

٣٨٨
ج - ١٧
باب كون العبد أجنبيا عن مولاته
٥٧٠٩- عن أنس أن النبى عّ لّه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال: وعلى فاطمة
ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى
النبى معَّ ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك، رواه أبو داود،
وسكت عنه، وقال الشوكانى فى "النيل": فى إسناده أبو جميع سالم بن دينار الهجيمى
البصرى قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة الرازى: بصرى لين الحديث (نيل ٢٠:٦).
باب كون العبد أجنبيا عن مولاته
أقول: يظهر من حديث أنس أن رسول الله عَ لّه قد كان وهب العبد لفاطمة، ويظهر منه
أيضا أن فاطمة سعت لستر الرأس والقدم، وبالغت فى الاحتجاب عن العبد كما يبالغ فى
الاحتجاب من الأجنبى، وفيه حجة لأبى حنيفة، لأن هذا العلم لا بد أن يكون حاصلا لها من
النص أو تعامل ذلك الزمان فيكون حجة.
فإن قلت: قد رده رسول الله عَّه بقوله: ((لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك))، فكيف
يكون حجة؟ قلنا: لا رد فيه بل فيه تقرير له لأنه لم يقل ذلك فى أول الأمر بل قال ذلك لما بأن له
عذرها بعد السعى ورآها متضجرة من ذلك فقال ذلك تهوينا للأمر عليها وكشفا لما تلقى من العناء
والشدة فى ذلك، لا لأنه أباح كشف ما عدا الوجه والكفين للمملوك بجعله محرما كما ظن
القائلون به.
وبه اندحض ما قاله بعضهم فى تأويله بأن العبد كان صبيا غير بالغ لأنه يرده سعى فاطمة
للستر ولو كان كما قالوا لما احتاجت إلى هذا الجد والاجتهاد فى الستر، ولقائل أن يقول: إن
فاطمة إنما سعت للستر استحياء لا لكونه واجبا.
والجواب عنه أنه لا دليل فى الحديث على هذا، وإنما هو مجرد احتمال، والاحتمال مفيد
لدفع الإلزام لا للإلزام، فلا يضر أبا حنيفة لا سيما إذا كان خلاف الظاهر، فاحفظه.
وأما حديث أم سلمة فلا دلالة فيه على جواز كشف ما عدا الوجه والكفين للعبد، بل فيه
دلالة على ترك الحجابية، وترك الحجاب كما يكون من المحارم كذلك يكون من الأجانب عند
الضرورة كالعبد وغيره، فلا دليل فيه على أن العبد محرم كما ظن القائلون به، وغاية ما فيه أن
العبد إذا لم يكن مكاتبا لا يجب على مولاته إلقاء الحجاب بينه وبينها، وإذا كان مكاتبا قادرا على
أداء الكتابة يلزمها الاحتجاب منه بإلقاء الحجاب بينه وبينها كما فعلته أم سلمة رضى الله عنها مع

٣٨٩
كون العبد أجنبيا عن مولاته
إعلاء السنن
٥٧١٠- وعن أم سلمة أن النبى عَ لّه قال: إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده
ما يؤدى فلتحتجب منه، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذى، كذا فى
"المنتقى" (نيل ٣٦٧:٥).
٥٧١١- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو أسامة ثنا يونس بن أبى إسحاق عن طارق
عن سعيد بن المسيب قال: ﴿لا يغرنكم) الآية (إلا ما ملكت أيمانكم﴾، إنما عنى به
الإماء ولم یعن به العبيد.
٥٧١٢- وقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن أنه كره أن يدخل
المملوك على مولاته بغير إذنها.
٥٧١٣- وقال الطحاوى فى "شرح الآثار": حدثنا صالح بن عبد الرحمن حدثنا
سعيد بن منصور قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة عن الشعبى و(أخبرنا) يونس عن
الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته (بناية ٤: ٢٤١)، وهذا سند صحيح.
مولاها، فقد روى الطحاوى فى مشكله عن بنهان مولى أم سلمة أنه بينما هو يسير مع أم سلمة
زوج النبى معَّ فى طريق مكة، وقد بقى من كتابته ألفا درهم، فقالت وهى تسير: ماذا بقى عليك
من كتابتك يا نبهان؟ قلت: ألفا درهم، قالت: فهما عندك؟ قلت: نعم. قال: ادفع ما بقى عليك إلى
محمد بن المنكدر فإنى قد أعنته بها فى نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت الحجاب. فبكيت وقلت:
والله لا أعطيه أبدا، قالت: إنك والله لن ترانى أبدا، إن رسول الله عَ ◌ّم عهد إلينا ((إذا كان عند
مكاتب إحداكن وفاء بما بقى من كتابته فاضربوا دونه الحجاب)) من "المعتصر" (٢٨٢:١).
فهذا هو الحجاب الذى أمر به رسول الله عێ فی المکاتب إذا كان عنده ما يؤدى به کتابته
أن لا يرى مولاته أبدا كما كان قبل ذلك ينظر إلى وجهها وكفيها لكونه من الطوافين عليها،
وأخرج البيهقى عن أم سلمة أن رسول الله عَّ ◌ُلّم قال لها: ((إذا كاتبت إحداكن عبدها فليرها ما بقى
عليه شىء من كتابته، فإذا قضاها فلا تكلمه إلا من وراء حجاب))، وفيه عبد الله بن زياد بن سمعان
ضعيف ولكنه تأيد بالطريق الأولى.
وبالجملة فليس للعبد إلا مجرد الرؤية لمولاته إلى وجهها وكفيها والدخول عليها من غير
حجاب، وليس هو كالمحرم لها، فحرام عليه أن ينظر إلى صدرها مكشوفا أو إلى ساقيها بالإجماع،
فلما كان فى ذلك كالأجنبى عنها كان فى الخلوة بها والنظر إلى شعرها كالأجنبى أيضا، وقد مر

ج - ١٧
٣٩٠
باب أن حق الوطئ ثابت للزوجة
٥٧١٤- عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: آخى النبى معَّه بين سلمان وأبى
الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك
أبو الدرداء ليس له حاجة فى الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال: كل، فإنى
صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال:
نم فنام، فلما کان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلیا، فقال له سلمان: إن لربك
عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذى حق حقه، فأتى
النبى معَّ فذكر ذلك له، فقال النبى عّ لّ: صدق سليمان، رواه البخارى (٢٦٤:١).
وفى لفظ له عند الدار قطنى: إن لجسدك عليك حقًّا، ولربك عليك حقا، ولأهلك
عليك حقا، صم وأفطر، وصل ونم، وأت أهلك، وأعط كل ذى حق حقه اهـ (سنن
دار قطنى ص٢٣٦).
٥٧١٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله مَّ ◌ُله: يا عبد الله!
ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل، صم
وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لروحك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك
حقًا، رواه البخارى (٧٦٣:٢).
الكلام فى المسألة فى باب المكاتب فليراجع. وقال الشافعى رحمه الله: هذا خاص بأزواج
النبى عَّه وهو احتجابهن عن المكاتب وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة كذا فى العون (٣٢:٤).
قلت: لا يقبل دعوى التخصيص إلا بدليل، وبالجملة فهذا الحديث أيضا غير مخالف لمذهب
أبى حنيفة بل مؤيد له، لأن المكاتب عبد ما لم يؤد ما عليه سواء كان عنده ما يؤدى أم لا،
فلو كانت العبدية موجبة للمحرمية لم يأمر النبى مّظلّ بالاحتجاب من المكاتب الذى كان عنده
ما يؤدى، وبقية الآثار فيها حجة صريحة لأبى حنيفة، فافهم، والله أعلم.
باب أن حق الوطئ ثابت للزوجة وهو لا ينقطع
بالوطئة الواحدة ديانة وإن انقطع قضاء
أقول: قوله: ((إن لزوجك عليك حقا)) يدل على أن الوطئ حق الزوجة، لأن المراد من الحق
فى القول المذكور هو الوطئ كما يدل عليه السياق، وصرح به فى رواية الدار قطنى لأنه بين الحق

٣٩١
حق الوطئ ثابت للزوجة
إعلاء السنن
٥٧١٦- وعن عائشة قالت: كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب وتطيب
فتركته فدخلت على فقلت: أ مشهد أو مغيب؟ فقالت: مشهد، قالت: عثمان لا يريد
الدنيا، ولا يريد النساء، قالت عائشة: فدخل على رسول الله عَّ فأخبرته بذلك فلقى
عثمان فقال: يا عثمان! أتؤمن بما نؤمن به؟ قال: نعم يا رسول الله! قال فأسوة مالك بنا،
أخرجه فى "المنتقى"، وعزاه لأحمد وقال الشوكانى: أخرجه أحمد من طرق مختلفة
متعددة هذه المذكورة هنا أحدها، قال فى "مجمع الزوائد"، وأسانيد أحمد رجالها
ثقات (نيل ١١٢:٦).
٥٧١٧- وعنها قالت: دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن
الأوقص السلمية وكانت عند عثمان بن مظعون فرأى (النبى معَّ ◌ُّ) بذاذة هيئتها فقال
لى: يا عائشة: ما أبد هيئة خويلة؟ قالت: فقلت: يا رسول الله! امرأة لا زوج لها يصوم
النهار ويقوم الليل، فهى كلا زوج لها فتركت نفسها وأضاعتها، قالت: فبعث رسول
الله عَِّ إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال: يا عثمان! أرغبت عن سنتى؟ قال: لا، والله
يا رسول الله! ولكن سنتك أطلب، قال: فإنى أنام وأصلى وأصوم وأفطر وأنكح النساء،
فاتق الله يا عثمان! فإن لأهلك عليك حقًا وإن لضيفك عليك حقًا وإن لنفسك عليك
حقًا، فصم وأفطر وصل ونم، قلت: روى أبو داود منه طرفا رواه أحمد والبزار بنخوه
وقال: فقال: يا عثمان! إن لك فى أسوة، وإن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا
وفى رواية عند أحمد: إن الرهبانية لم تكتب علينا، إن أخشاكم لله وأحفظكم
لحدوده لأنا، وأسانيد أحمد رجالها ثقات إلا أن طريق "أخشاكم" أسندها أحمد،
ووصلها البزار برجال ثقات (مجمع الزوائد ٣٠١:٤).
المذكور بقوله: وائت أهلك، ويعلم منه أيضا أن هذا الحق لا ينقطع بالجماع مرة بل يبقى بعده أيضا
ولكن ديانة لا قضاء، لأن سياق الأحاديث دال على أن الكلام ليس فى الوطئة المستحقة على أبى
الدرداء وعبد الله بن عمرو قضاء، بل الكلام فى الوطئ المستحق عليهما ديانة، كما لا يخفى.
قال العبد الضعيف: وإنما ذكرت طرقا عديدة لقصة عثمان بن مظعون لاقتصار صاحب
"المنتقى" و"النيل" على طريق واحدة منها لا تصرح بالمقصود، وقوله ◌َّ ◌ُّه فى حديث أبى أمامة:
(إنى إنما بعثت بالحنيفية السمحة ولم أبعث بالرهبانية، ألا فكلوا اللحم وأتوا النساء)) صريح فى أن

ج - ١٧
حق الوطئ ثابت للزوجة.
٣٩٢
٥٧١٨- وعن أبى موسى الأشعرى قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على
نساء النبى عَّه فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها: ما لك؟ ما فى قريش رجل أغنى من بعلك؟
قالت: ما لنا منه من شىء، أما نهاره فصائم، وأما ليله فقائم فدخل النبى عّ لّ، فذكرن له
ذلك، قال: فلقيه النبى عّ لّه فقال: يا عثمان! أما لك فى أسوة؟ قال: وما ذاك يا رسول
الله؟ فداك أبى وأمى فقال: أما أنت فتقوم بالليل وتصوم بالنهار، وإن لأهلك عليك حقا
وإن لجسدك عليك حقًّا، فصل ونم، وصم وأفطر، قال: فأتتهم المرأة بعد ذلك عطرة
كأنها عروس فقلن لها: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس، رواه أبو يعلى والطبرانى
بأسانيد، وبعض أسانيد الطبرانى ثقات (مجمع الزوائد ٣٠٢:٤).
٥٧١٩- وعن أبى أمامة قال: كانت امرأة عثمان بن مظعون امرأة جميلة عطرة
تحب اللباس والهيئة لزوجها، فرأتها عائشة وهى تفلة فقالت: ما حالك هذه؟ فقالت: إن
نفرًا من أصحاب النبى معَِّ منهم على بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة وعثمان بن
مظعون تخلوا للعبادة وامتنعوا من النساء وأكل اللحم، وصاموا النهار وقاموا الليل،
فكرهت أن أريه من حالى ما يدعوه إلى ما عندى لما تخلى له، فلما دخل النبى عدّيه
أخبرته عائشة فأخذ النبى معَّ ◌ُلِّ نعله ثم انطلق إليهم جميعا، حتى دخل عليهم فسألهم
عن حالهم، قالوا: أردنا الخير، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: إنى إنما بعثت بالحنيفية السمحة
ولم أبعث بالرهبانية البدعة، وإن أقواما ابتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق
رعايتها، ألا فكلوا اللحم وأتوا النساء، وصوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فإنى بذلك
أمرت، رواه الطبرانى وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف، وقد تقدمت له طريق فى العلم
(مجمع الزوائد ٣٠٢:٤). قلت: لم يتهم بالكذب وإنما ضعف من قبل حفظه،
وللحديث طرق عديدة يقوى بعضها بعضا.
للمرأة حقا على زوجها أن يغشاها وينام معها ولا يعطلها حتى تصير كلا زوج وهى مزوجة، وأن
من رغب عن أهله وعطلها فقد رغب عن السنة واختار الرهبانية البدعة، ولا يخفى أن هؤلاء
الصحابة الذين كانوا يقومون الليل ويصومون النهار كانوا قد دخلوا بنساءهم غير مرة واحدة،
يدل على ذلك ما كان عليه نساءهم من الزينة والتعطر وحسن الهيئة بدهة من الدهر قبل أن يتخلى
أزواجهن للعبادة، فلا يصح حمل الأحاديث على أن هؤلاء الصحابة كانوا لم يدخلوا بنساءهم،

٣٩٣
إعلاء السنن
باب جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
٥٧٢٠- عن جابر قال: كنا نعزل على عهد رسول الله عَّ له والقرآن ينزل،
متفق علیه.
٥٧٢١- ولمسلم: كنا نعزل على عهد رسول الله عَّ له فبلغه ذلك فلم ينهنا.
٥٧٢٢- وفى رواية لأبى سعيد: قال: سألنا عن ذلك رسول الله عّ لّه فقال: ما
عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة، متفق عليه.
ولا مرة كما لا يخفى على من له إلمام باللسان ومعانى الحديث، وإذا كان كذلك ثبت أن حق
الزوجة فى الوطئ لا ينقطع بالدخول مرة ديانة وإن كان ينقطع به قضاء بدليل ما مر فى باب العنين
من تأجيله سنة للإفضاء إلى امرأته فينقطع حقها فى الفسخ لو وصل إليها مرة، وهو حكم القضاء.
هذا هو حكم الزوجة، وأما الأمة فلا حق لها فى الجماع قضاء وأما ديانة فإن كانت للبيع فلا وإن
كانت سرية فنعم، لما روى البزار عن سلمان قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((من اتخذ(١) من
الخدم غير ما ينكح ثم بغين فعليه مثل آثامهن من غير أن ينتقص من آثامهن شيئا))، وهو عن عطاء بن
يسار عن سلمان ولم يدركه. قال الهيثمى: وفيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٢٩٨:٤).
قلت: ولكنه مؤيد بالقياس، لأن المرء راع على من يعوله يجب عليه حفظهم فى أنفسهم
ودينهم وأن يحصنهم من الوقوع فى المعاصى، فلا ينبغى له أن يجمع عنده جوارى لا يقدر على
تحصين فروجهن، ولو جمعهن لمصلحة فليمسك عنده ما قدر على تحصينها منهن وليزوج ما
سواها. وقد وهم بعض الأحباب ههنا حيث أبدى احتمالات كثيرة فى أن الأمة المزوجة هل
تستحق على زوجها الوطئ أم لا؟ ولو راجع باب القسم من كتاب النكاح لبان له من قولهم: إنه
إذا كان لرجل زوجتان أمة وحرة فللأمة نصف ما للحرة من البيتوتة والسكنى وغيرها استحقاقها
الوطئ على زوجها، لأن القسم إنما يستحقه من النساء من تستحق الوطئ ولذا لا تستحقه صغيرة
لا يمكن وطئها، فاعلم ذلك ولا تغتر بأقوال القاصرين، وسيأتى بعض ما يتعلق بذلك فى باب
العزل، إن شاء الله تعالى، ظ.
باب جواز العزل عن الأمة و کراهته عن الحرة إلا یاذنها
أقول: دلت الأحاديث على أن العزل جائز ولكن رسول الله مّ لآه كان يحب تركه، لأنه
(١) فى قوله: من اتخذ من الخدم إشارة إلى التسرى، فإن ما كان للبيع لا يتخذ للخدمة، ظ.

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
٣٩٤
٥٧٢٣- وفى رواية له: قال: قالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى، فقال
النبى عَّه: كذبت يهود، إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه، رواه
أحمد وأبو داود.
٥٧٢٤- وعن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: ثم سألوه عن العزل فقال رسول
الله عَّ: ذلك الواد الخفى وهى الموءودة سئلت، رواه أحمد ومسلم، كذا فى "المنتقى
لابن تیمیة (نیل ١١٥:٦).
٥٧٢٥- عن إسحاق بن عيسى عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهرى عن
محرز بن أبى هريرة عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن النبى معَّه نهى أن يعزل عن الحرة
إلا بإذنها، رواه أحمد وابن ماجة (منتقى مع النيل ١١٥:٦). قلت: قال فى المنتقى بعد
تخريجه: ليس إسناده بذاك اهـ، ولعله أعله بابن لهيعة، كما أعله به ابن حجر فى
"الفتح"، حيث قال: احتج الجمهور بحديث عن عمر أخرجه أحمد وابن ماجة بلفظ:
نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها، وفى إسناده ابن لهيعة اهـ (فتح ٢٦٩:٩)، وابن
لهيعة ليس بمطروح بالمرة، بل هو مختلف فيه، والاختلاف غير مضر.
وأعله الدار قطنى فقال: تفرد به إسحاق الطباع عن ابن لهيعة ووهم فيه، خالفه
عبد الله بن وهب فرواه عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهرى عن حمزة بن عبد
الله بن عمر عن أبيه ووهم فيه أيضًا، والصواب عن حمزة عن عمر، كذا فى "نصب
الراية" (٢٩٤:٢).
كان يرغبههم إلى تركه ولكن لا ينهاهم عن ذلك، ومعنى قوله ما عليكم أن لا تفعلوا: أنه لا ضرر
عليكم فى تركه لا دنيوى ولا أخروى. أما انتفاء الضرر الأخروى فظاهر، وأما الضرر الدنيوى
فلأن العزل ليس بمانع للأولاد فهو غير مفيد، فلا يكون تركه مضرا، وإذا كان الأمر كذلك ففيه
ندب إلی الترك ولیس بزجر لا ضعیف ولا قوی کما زعم. وما یتوهم من التعارض بین حدیث أبی
سعيد حيث قال فيه: كذبت اليهود فى قولهم: "العزل الموءودة الصغرى" وبين حديث جذامة
حيث قال فيه: ((ذلك الواد الخفى))، فأطال ابن حجر فى "الفتح" الكلام فى دفعه.
والأحسن عندى أن يقال: إن مقصود اليهود من قولهم: العزل الموءودة الصغرى كان تحريم
العزل، فكذبهم ◌َِّ فى هذا الزعم ببيان أن العزل غير مانع من الأولاد، والمنع من الأولاد هو منشأ

٣٩٥
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا پاذنها
إعلاء السنن
قلت: إسحاق وابن وهب ثقتان، ولا تعارض بين روايتهما ورواية من أرسل، فإنه
يمكن أن يكون الرواية عند ابن لهيعة من الطريقتين: من طريق محرز ومن طريق حمزة،
فرواه لإسحاق من طريق ولابن وهب من أخرى، ثم الراوى قد يسند وقد يرسل،
فيمكن أن يكون ابن لهيعة فعل كذلك، فلا وجه لتوهیم إسحاق وابن وهب وتصويب
الإرسال، ولو سلم فالمرسل حجة عندنا لا سيما إذا تلقاه أهل العلم بالقبول وعملوا به،
ثم هو مؤيد بالآثار والقياس وبالحديث الصحيح المرفوع.
٥٧٢٦- أما الحديث الصحيح المرفوع فقوله عليه السلام: إن لزوجك عليك
حقا، وقد أخرجناه فى هذا الكتاب فى باب مفرد، ووجه الاستدلال أنه ثبت منه أن
للمرأة حقا فى الوطى على الزوج، ولا يخفى أن المقصود من الوطئ، هو قضاء الشهوة
واستيفاء اللذة وطلب الولد، والعزل مخل بهذه الأمور، فلا يجوز بدون إذن من له الحق
وهى المرأة.
٥٧٢٧- وأما الآثار فقد أخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه قال: تستأمر الحرة
وتعزل عن الأمة.
هذا الزعم فيكون زعما باطلا. ومقصوده عّ لّه من قوله: ((ذلك الوأد الخفى)) ترغيبهم إلى ترك
العزل بتنفيرهم عنه بهذا العنوان، وليس المقصود تحريم العزل وتأثيم العازل، فلا تعارض بين
الكلامين، وإنما سماه وأدا خفيا، لأن فى الوأد الظاهر إضاعة نفس الولد، وفى العزل إضاعة مادة
الولد أعنى المنى، فافهم.
قال العبد الضعيف: ليس ما ذكره بعض الأحباب فى الجمع بين الحديثين أحسن من ما ذكره
غيره، لأنه لا فرق بين قوله: ((ذلك الوأد الخفى)) و﴿وإذا الموعودة سئلت﴾ وبين قول اليهود:
"العزل الموءودة الصغرى" ظاهرا وأما قوله: إن مقصود اليهود تحريم العزل ومقصوده عّ لّه التنفير
عنه بدون التحريم فهو مما لا يساعده اللفظ ولا يدل عليه، والأحسن عندى أن يقال ههنا أيضا كما
قيل فى عذاب القبر: إن رسول الله مرّة أنكر على اليهودية قولها: إنكم تفتنون فى القبور أولا برأيه
ثم أقرها حين أوحى إليه فى ذلك، فقد روى أحمد بإسناد على شرط البخارى عن سعيد بن عمرو
ابن سعيد الدموى عن عائشة أن يهودية كانت تقول لها: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فقلت:
يا رسول الله! هل للقبر عذاب؟ قال: ((كذبت اليهود لا عذاب دون يوم القيامة» ثم مكث بعد ذلك

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا پاذنها
٣٩٦
٥٧٢٨- وأخرج البيهقى عن ابن عمر أنه قال: تعزل عن الأمة وتستأذن الحرة،
كذا ذكره ابن حجر فى "التلخيص الحبير"، كما نقله عنه فى " تعليق الممجد على الموطأ
للإمام محمد" (ص٢٤٩).
ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادى بأعلى صوته: أيها الناس! استعيذوا
بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق اهـ من "فتح البارى" (١٨٧:٣).
فكذلك كذب رسول الله عَ ليه اليهود فى قولهم: "العزل الموعودة الصغرى" برأيه، ثم
أقرهم حین أوحی إلیه فى ذلك، وإلا فالراجح ما قاله البيهقى بعد ما روی حدیث جذامة: قد روینا
عن النبى عَّ فى العزل خلاف هذا، ورواة الإباحة أكثر وأحفظ، وإباحة من سمينا من الصحابة
فهى أولى (٢٣٢:٧)، فلو لا أن حديث جذامة لا يقاوم ما يعارضه من أكثر الروايات الصحيحة
بطرق عديدة لقلنا بترجيح العمل به كما قال ابن حزم، لأن أحاديث غيرها موافق أصل الإباحة،
وحديثها يدل على المنع، فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان، ولكن رأينا ابن عباس قد أنكر
حديثها، فقد روى البيهقى فى "سننه" من طريق سفيان عن الأعمش عن عبد الملك الرزاز عن
مجاهد قال: سألنا ابن عباس عن العزل قال: اذهبوا فسلوا الناس ثم ائتونى فأخبرونى، فسألوا
فأخبروه، فتلا هذه الآية: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه﴾ حتى فرغ من الآية
ثم قال: كيف تكون من الموءودة حتى تمر على هذا الخلق؟ (٧: ٢٣٠). وكذلك أنكر على بن أبى
طالب رضى الله عنه كون العزل من الوأد كما رواه الطحاوى فى شرح معانى الآثار بسند صحيح
عن عبد الله بن عدى بن الخيار قال: تذاكر أصحاب رسول الله عَ لّم عند عمر العزل فاختلفوا فيه
فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم إذ تناجى رجلان، فقال عمر:
ما هذه النجوى؟ إن اليهود تزعم أنها الموءودة الصغرى، فقال على: إنها لا تكون موءودة، حتى
تمر بالتارات السبع ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) الآية.
ثم أخرجه الطحاوى بسند آخر حسن وزاد: فتعجب عمر من قوله، وقال: جزاك الله خيرا
اهـ، قال الطحاوى: فأخبر على أنه لا موءودة إلا ما نفخ فيه الروح، وأما ما لم ينفخ فيه فإنما هو
موات غير موءودة، ثم ذكر قول ابن عباس وقال: فهذا على وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا
وتابع عليا على ما قال فى ذلك عمر رضى الله عنهما ومن كان بحضرتهما من أصحاب رسول
الله عّ لّه وأسند البيهقى عن سعد بن أبى وقاص وعن أبى أيوب الأنصارى وزيد بن ثابت وابن

٣٩٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا بإذنها
إعلاء السنن
٥٧٢٩- وأخرج فى "الفتح" (٢٧٠:٩): عن ابن عباس قال: تستأمر الحرة فى:
العزل ولا تستأمر الأمة السرية، فإن كانت أمة تحت حر فعليه أن يستأمرها وقال: أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح.
عباس أنهم كانوا يعزلون عن ولائدهم، وعن أبى سعيد الخدرى قال: كان عمر وابن عمر يكرهان
العزل، وكان زيد وابن مسعود يعزلان، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٩٨:٤)،
وهذا معارض لما رواه الطبرانى عن ابن مسعود قال فى العزل: هى الموءودة الصغرى.
قال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح وقد رجع عنه اهـ، ودليل الرجوع قول أبى سعيد هذا:
إن ابن مسعود كان يعزل، ويدل له أيضاً ما رواه الطبرانى عن ابن مسعود قال: يؤاخذ الله الميثاق
على نسمة فى صلب رجل ثم أخرجه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا، فإن شئت فأتم وإن شئت
فلا، قال الهيثمى: فيه رجل ضعيف لم أسمه وبقية رجاله رجال الصحيح (٢٩٧:٤).
قلت: قد تأيد قوله بفعله فانجبر الضعف، وبالجملة فقد ثبت عن ابن عباس إنكار كون العزل
من الواد صريحا وكان ابن مسعود قد أقره أولا ثم رجع عنه، وقد ثبت عنهما وعن غيرهما من
الصحابة أنهم كانوا يعزلون، فهذا ما فى حديث جذامة من العلة يقف معها الاستدلال به على
المنع، وأما ما ثبت عن عمر وابنه أنهما كرها العزل فلم يثبت أنهما كرهاه لكونه من الواد بل قد
ثبت أن عمر وافق عليا على ما قاله أنه لا يكون من الوأد، حتى تمر بالتارات السبع، فلعله كرهه
أولا، ثم رجع عنه، كرهه لكونه يخل بقضاء المرأة شهوتها من زوجها، والظاهر أنهما كرهاه عن
الزوجة لا عن الأمة فقد قال محمد فى "موطأه": بلغنا أن عمر بن الخطاب وطئ جارية له فحملت
فقال: اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم فجاءت بغلام أسود فأقرت أنه من الراعى فانتفى منه
عمر (ص٢٤٩)(١)، وظاهره أنه كان قد يعزل عنها وإلا لم يكن لارتيابه من الحمل وجه، وقد
ذكرنا فى المتن عن ابن عمر يعزل عن الأمة ويستأذن الحرة، والله أعلم.
حكم معالجة المرأة معالجة إسقاط النطفة، ومعالجة سد الحمل
قال الحافظ فى "الفتح": وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ
الروح، فمن قال بالمنع هناك أى فى العزل ففى هذه أولى، ومن قال: بالجواز، يمكن أن يلتحق به
(١) ثم ظفرت ولله الحمد بما يدل على ما استظهرته، أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن رجل من أهل المدينة
· أن عمر كان يعزل عن جارية له فحملت فشق ذلك عليه، فقال: اللهم، الحديث، كذا فى "التلخيص الحبير" (٣٣١:٢)، ظ.

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة وكراهته عن الحرة إلا پاذنها
٣٩٨
وأما القياس فما قال الطحاوى: إنه كما أن للرجل أن يأخذ المرأة بالجماع وبأن
يفضى إليها فيه وكان للمرأة أن تأخذ المرء بالجماع فكان لها أن تأخذه بالإفضاء، لأن
حق كل واحد منهما على الآخر فى ذلك سواء لاشتراك العلة وهى قضاء الشهوة
وطلب الولد (شرح معاني الآثار ملخصًا وموضحاً ١٧:٢).
هذا، ويمكن أن يفرق بأنه أشد؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطى السبب، ومعالجة السقط تقع بعد
تعاطى السبب، ويلتحق بهذه المسألة تعاطى المرأة ما يقطع الحبل من أصله، وقد أفتى بعض الشافعية
بالمنع، وهو مشكل على قولهم بإباحة العزل مطلقًا، والله أعلم اهـ (٢٧١:٩).
قال: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها
بغير إذنها، واختلفوا فى المزوجة، فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبى حنيفة،
والراجح عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها، وهى رواية عن أحمد، وقد استنكر ابن
العربى القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حق لها فى الوطئ، ونقل عن مالك أن لها حق
المطالبة به، إذا قصد بتركه إضرارها. وعن الشافعى وأبى حنيفة لا حق لها فيه إلا فى وطئة واحدة
يستقر بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون لها حق فى العزل؟ فإن خصوه بالوطئة
الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور اهـ، قال:
وما نقله عن الشافعى غريب، والمعروف عند أصحابه أنه لا حق لها أصلا، نعم، جزم ابن حزم
بوجوب الوطئ، وبتحريم العزل اهـ (٢٧٠:٩).
قلت: ونقله عن أبى حنيفة غريب أيضًا، فإن الوطئة الواحدة تستحقها الزوجة قضاء، ولها
مطالبة فسخ النكاح بتركها، وما زاد عليها، فهو مستحق ديانة لا قضاء (بحر عن جامع قاضى
خان، ويأثم إذا ترك الديانة متعنتًا مع القدرة على الوطئ (رد المحتار ٩٧٧:٢).
وإذا ثبت أن الزوجة حرة كانت أو أمة تملك المطالبة بالوطئ فى الفيئة، والفسخ عند تعذره
بالعنة، ونحوها قضاء ولها المطالبة به لقضاء شهوتها ديانة، وللزوجة الأمة نصف ما للحرة من
القسم، بطل ما فى "البناية" أنه لا حق للأمة فى قضاء الشهوة؛ لأن النكاح لم يشرع لها ابتداء
وبقاء، وبهذا لا تتمكن من مطالبة مولاها بالتزويج، ويقدر بعد التزوج (بلا إذنه) على إبطال
نكاحها بلا استطاع رأيتها (١٧٦:٢)، وكيف يقول: إن النكاح لم يشرع لها ابتداء وبقاء، والله
تعالى يقول: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عباد كم وإمائكم﴾، وأما عدم تمكنها من

٣٩٩
جوازّ العزل عن الأمة و كراهته عن الحرة إلا پاذنها
إعلاء السنن
وهذا حجة على الشافعى إن صح القول عنه بأنه لا حق للمرأة فى الجماع فكيف
به فى الإنزال؟ كما نقله عنه ابن حجر فى "الفتح" (٢٧٠:٩)، حيث رد على ابن
العربى الذى نقل عن الشافعى وأبى حنيفة أنه لا حق للمرأة إلا فى الوطئة والواحدة
النكاح بلا إذن المولى فلا يدل على عدم المشروعية، بل على قصور الولاية كالصغيرة، والصغير من
الأحرار، وأيضًا فهو منقوض بالعبد لأنه لا يتمكن من مطالبةً مولاه بالتزويج قضاء، ويتمكن المولى
من فسخ نكاحه، إذا تزوج بغير إذنه، فينبغى أن لا يستحق العبد قضاء الشهوة من زوجته، ولا قائل
به، فافهم . .
وأما إنها لا تتمكن من مطالبة مولاها بالتزويج، فمسلم قضاء، وأما ديانة فإن كان المولى
لا يجامعها، فلها أن تطالبه بالتزويج لتحصين فرجها، وصيانة نفسها عن الفسق، وكذلك العبد.
والذى روى عن أبى حنيفة فى الأمة المزوجة أن الحق فى الإذن بالعزل عنها للمولى دون
الأمة لا يستلزم أن لا يكون لها حق فى مطالبة زوجها بالوطئ قضاء وديانة، بل بناءه على معنى
آخر ذكره صاحب "البدائع" بما نصه: ولا بأس للرجل أن يعزل عن أمته بغير إذنها.
وأما المنكوحة فإن كانت حرة يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع، لأن لها فى الولد
حقًّا، وفى العزل فوت الولد، ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غير رضاه، فإذا رضيت جاز، وإن
كانت أمة فلا بد من الإذن أيضًا بلا خلاف، لكن الكلام فى أن الإذن بذلك إلى المولى أم إليها؟
قال أبو حنيفة رحمه الله: الإذن فيه إلى مولاها، وقال أبو يوسف ومحمد: إليها، وجه قولهما: إن
لها حقا فی قضاء الشهوة، والعزل یوجب نقصاًا فيه، ولا يجوز إبطال حق الإنسان من غير رضاه،
وجه قول أبى حنيفة رضى الله عنه: إن الكراهة فى الحرة لمكان خوف فوت الولد الذى لها فيه
حق، والحق ههنا فى الولد للمولى لا للأمة، وقولهما: فيه نقصان قضاء الشهوة، فنعم، لكن حقها
فى أصل قضاء الشهوة، لا فى وصف الكمال، ألا ترى أن من الرجال من لا ماء له، وهو يجامع
امرأته من غير إنزال، ولا يكون لها حق الخصومة (قضاء ولا ديانة، وكذلك من الرجال من هو
سريع الإنزال لا تقضى المرأة شهوتها منه على وجه الكمال، ولا يكون لها حق الخصومة)، دل أن
حقها فى أصل قضاء الشهوة، لا فى وصف الكمال، والله سبحانه أعلم (١٢٦:٥).
وحاصله: أن استحقاق وصف الكمال، إنما هو لمن يستحق الولد لا لغيره، والأمة لا تستحق
الولد، فلا حق لها فى العزل إذنًا ومنعًا، وإنما ذلك إلى مولاها، وفى متن "الدر": وجاز عزله عن
أمته بغير إذنها، وعن عرسه بإذنها، وظاهره أن الإذن للأمة المنكوحة؛ لأن العرس يشملها،

ج - ١٧
جواز العزل عن الأمة و كراهته عن الحرة إلا پاذنها
٤٠٠
وقال: وما نقله عن الشافعى غريب والمشهور عند أصحابه أنه لا حق لها أصلا، وقال
فى (ص ٢٦٩): بعد ما نقل عن ابن عبد البر وابن مسيرة أنه قال: لا خلاف بين العلماء
فى أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها اهـ بأن المعروف عند الشافعية أن المرأة لا حق
لها فى الجماع أصلا، وفى جواز العزل عندهم خلاف مشهور اهـ ملخصا.
لكن حاول الشارح لما فى غاية البيان أن الإذن لمولاها فى قولهم جميعًا بلا خلاف فى ظاهر
الرواية، كذا فى "الجامع الصغير"، وعنهما أنه لهما اهـ من "رد المحتار" (٣٦٨:٥)، كذا ههنا فى
(باب الحظر والإباحة)، بتثنية الضمير، فى قوله: لهما، وفى باب نكاح الرقيق، وعنهما أن الإذن
لها (٦٢٢:٢) بوحدة الضمير، وهو الصحيح بدليل ما مر عن "البدائع"، ولم يرد أحد عن
الصاحبين أن الإذن عندهما للأمة والمولى جميعا، فما فى باب الحظر والإباحة من تثنية الضمير من
تصحیف الناسخین، فتنبه له.
قال ابن عابدين: والإذن فى العزل لمولى الأمة لا لها، وهذا هو ظاهر الرواية عن الثلاثة لأن
حقها فى الوطئ، وقد تأدى بالجماع، وأما سفح الماء ففائدته الولد والحق فيه للمولى، فاعتبر إذنه
فى إسقاطه، فإذا أذن فلا كراهة فى العزل عند عامة العلماء وهو الصحيح وبذلك تظافرت الأخبار،
وفى بعض أجوبة المشايخ كراهتها، وفى البعض عدمها (فتح)، وللسيد العزل عن أمته بلا خلاف،
وكذا لزوج الحرة بإذنها (قهستانی).
وأما المكاتبة فينبغى أن يكون الإذن إليها، لأن الولد لم يكن للمولى، ولم أره صريحا
(بحر)، وفيه أن للمولى حقا أيضا باحتمال عجزها وردها إلى الرق، فينبغى توقفه على إذن المولى
أيضا رعاية للحقين (رحمتى ملخصا ٦٣٢:٢).
وقد تخبط بعض الأحباب فى تنقيح مذهب الإمام وصاحبيه، وكل ذلك لقلة مراجعة
الكتب، والحق أن لا خلاف بين أئمتنا فى ظاهر الرواة لسكوت محمد عن ذكر الخلاف فى
"الجامع الصغير وفى الموطأ له، والخلاف إنما هو فى رواية عنهما أن الإذن للأمة المزوجة لا لمولاها،
وميل الطحاوى إلى ترجيح هذه الرواية حيث قال: قال ابن أبى عمران: هذا هو النظر على أصول
ما بنى عليه هذا الباب، لأنها لو أباحت زوجها ترك جماعها كان من ذلك فى سعة ولم يكن
لمولاها أن يأخذ زوجها بأن يجامعها، فلما كان الجماع الواجب على زوجها إليها لا إلى مولاها
كان ذلك الإفضاء إلى الجماع والأخذ به إليها لا إلى مولاها، فهذا هو النظر فى هذا (١٨:٢).