النص المفهرس

صفحات 341-360

ج - ١٧
لبس الحرير لمعذور
٣٤١
استعمال الحرير لعدم القدرة على استعمال غيره، فیقاس علیه من هو مثله فى هذا الأمر دون من هو
ليس كذلك، ثم لا يعلم من الحديث أن الثوب كان حريرًا خالصًا، فيحمل على أنه كان لحمته من
الحرير دون سداه؛ لأن الضرورة تندفع به، والضروريات تتقدر بها، أو يقال: أجاز رسول الله عَ لّه
لهما الحرير الخالص لعدم وجود ما لحمته من الحرير، وسداه من غيره، وهو أولى لعدم التكلف،
حينئذ لا يرد الحديث على مذهب أبى حنيفة حيث أجاز فى الحرب ما لحمته حرير دون الحرير
الخالص، لأن ذلك عند وجود ثوب كذلك، وإلا يستعمل الخالص للضرورة، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: ما أشبه هذا الكلام بهذر الفلاسفة دون الفقهاء، وفى شرح السير قال:
وكره أبو حنيفة الديباج والحرير المصمت فى الحرب، ولم ير أبو يوسف ومحمد رحمهما الله
بذلك بأسًا فى الحرب، وروى حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معٍَّ قال: ((لا بأس بلبس
الحرير والديباج فى الحرب))، فبظاهره أخذا، وقال أبو حنيفة رضى الله عنه: تأويله الملحم، وهو ما
يكون سداه غير حرير ولحمته حرير، وهذا لا بأس بلبسه فى الحرب، وإن كان يكره لبسه فى غير
الحرب، فأما ما يكون سداه حريرًا ولحمته غير حرير فلا بأس بلبسه فى الحرب، وغير الحرب،
وعليه أيضا يحمل حديث الزبير أنه كان له يلمق الديباج يلبسه فى دار الحرب، فأما إذا كان مُحريرًا
مصمتا فذلك مكروه، على ما روى أن الوليد بن أبى هشام كتب إلى ابن محيريز يسأله عن يلامق
الحرير والديباج فى الحرب، فكتب إليه أن كن أشد ما كنت فى الحرب كراهية لما نهى عنه رسول
الله عّ لّ عند التعرض للشهادة اهـ (١٨٨:٣).
وروى ابن عدى فى "الكامل" من حديث بقية عن عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمی
عن موسى بن أبى حبيب عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبى عد له - قال: رخص رسول
الله عَِّ فى لباس الحرير عند القتال (نصب الراية ٢٨٣:٢).
وقال الحافظ فى "الدراية": سند واه، وقال فى "الإصابة" فى ترجمة الحكم بن عمير: قال
ابن أبى حاتم عن أبيه: روى عن النبى معَّه أحاديث منكرة يرويها عيسى بن إبراهيم، وهو ضعيف
عن موسى بن أبى حبيب، وهو ضعيف عن عمه الحكم، قال ابن منده: روى بقية بهذا الإسناد عدة
أحاديث.
قال الحافظ: منها ما أخرجه ابن أبى خيثمة عن الخوطى عن بقية، ولفظ المتن: الاثنان فما
فوقها جماعة، قال بقية: حدثت به سفيان فقال: صدق، قال الحافظ: ووجدت له راويا غير
١

٣٤٢
لبس الحرير لمعذور
إعلاء السنن
موسى، ووجدت لعيسى متابعًا عن موسى فى رواية عن الحكم اهـ ملخصًا (٢: ٣٠)، وروى ابن
سعد فى "الطبقات" فى ترجمة عبد الرحمن بن عوف أخبرنا القاسم بن مالك المزنى عن إسماعيل
ابن مسلم عن الحسن قال: كان المسلمون يلبسون الحرير فى الحرب (نصب الراية)، وهذا سند
حسن، فإن إسماعيل بن مسلم مختلف فيه، وروى أحمد عن أسماء بنت أبى بكر قالت: عندى
للزبير ساعدان من ديباج كان النبى معَّ أعطاهما إياه يقاتل فيهما، وفيه ابن لهيعة، وبقية رجاله
رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٤٤:٥)، وروی الأثرم پإسناده عن عروة أنه کان له یلمق من
ديباج بطانته سندس محشوًا قرًا كان يلبسه فى الحرب، كذا فى "المغنى" (٦٣١:١)، ظاهر هذه
الآثار إباحة الحرير للرجال فى الحرب مطلقًا سواء كان مصمتًا أو ملحما لانتفاء ما يدل على كونه
ملحما.
واستدل البيهقى لجواز لبس الحرير فى الحرب بحديث أنس أن الزبير وعبد الرحمن بن
عوف شكيا إلى النبى معَِّ القمل فى غزاة لهما، فأذن لهما فى قمص الحرير، وفى رواية للشيخين:
أنه عليه السلام رخص لهما فى قميص الحرير فى السفر من حكة كانت بهما أو وجع، وظاهره أنه
لم يرخص لهما فيه لأجل الحرب، بل لأجل القمل أو للحكة أو لوجع، وليس المراد من قوله فى
غزاة لهما الحرب، بل المراد السفر وقصد العدو، كما جاء مبينا فى رواية للشيخمة وكيف يفهم
البيهقى أن الرخصة كانت للحرب، وقد صرح فى رواية بأنهما شكوا القمل؟ اللهم إلا أن يقيس
حالة الحرب على حالة أذى القمل أو الحكة بها مع الضرورة، فيكون ذلك مأخوذًا من القياس لا
من الحديث نفسه، وإذا كان ظاهره أنها للحكة كما اعترف به فى باب جواز الحرير للحكة، فلا
أدرى من أين له أن يقول: إنه يشبه أن يكون للحرب اهـ ملخصًا من "الجوهر النفى" (٢٣٧:١).
قال الموفق فى "المغنى": فإن لبس الحرير للقمل أو الحكة أو مرض ينفعه لبس الحرير، جاز
فى إحدى الروايتين لحديث أنس (المذكور)، وما ثبت فى حق صحابى ثبت فى حق غيره ما لم يقم
دليل التخصيص، وغير القمل الذى ينتفع فيه بلبس الحرير فى معناه فیقاس علیه، والرواية الأخرى
لا يباح لبسه للمرض لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما، وهو قول مالك، والأول أصح، إن
شاء الله تعالى.
والتخصيص على خلاف الأصل، فأما لبسه للحرب، فإن كان به حاجة إليه أبيح، وإن لم
يكن به حاجة إليه، فعلى وجهين: أحدهما: يباح؛ لأن المنع من لبسه للخيلاء، وكسر قلوب الفقراء

ج - ١٧
لبس الحرير لمعذور
٣٤٣
والخيلاء فى الحرب غير مذموم. والثانى: يحرم لعموم الخبر، وظاهر كلام أحمد إباحته مطلقًا، وهو
قول عطاء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير فى الحرب، فقال: أرجو أن
لا یکون به بأس اهـ ملخصا (٦٣١:١).
قلت: وهو قول أبى يوسف ومحمد منا، وهو ظاهر الآثار، وأما أبو حنيفة فأخذ بعموم
قوله مَّه فى الذهب والحرير: ((هذان حرام على ذكور أمتى حل الإناثها))، وبقول ابن عباس: إنما
نهى رسول الله عَّ له عن الثوب المصمت من الحرير، فحمل ما روى عن الصحابة من لبس الحرير
فى الحرب على غير المصمت أى الملحم من الحرير، لأن ما كان لحمته غير حرير لا يقال له:
ثوب حریر، لكون الحرير فيه مختفيا باللحمة غالبًا، وحمل قصة عبد الرحمن بن عوف والزبير
على الخصوصية؛ لأن المتبادر من قول أنس: رخص رسول الله مرّ ◌ُلّه أو رخص للزبير وعبد الرحمن
ابن عوف فى لبس الحرير لحكة بهما، رواه مسلم (١٥٣:٢)، هو الخصوصية وإلا لقال: رخص
النبى معَّ فى لبس الحرير للحكة أو للوجع ولم يقل: رخص لفلان وفلان.
وأما حديث بقية عن عيسى بن إبراهيم عن ابن أبى حبيب عن الحكم مرفوعًا: رخص
رسول الله عَّه فى لباس الحرير عند القتال، فسنده واه لا يصلح مخصصًا للعموم، وقول الحسن:
كان المسلمون يلبسون الحرير فى الحرب حكاية للفعل تحتمل الوجوه، فينبغى أن يحمل على الملحم
دون المصمت، بالجملة فإذا تعارض المبيح والمحرم يكون الترجيح للمحرم، وبحمل المبيح على
محمل حسن، فقول أبى حنيفة فى الباب أورع وأحوط، وقولهما أوسع وأقوى وأضبط، قال
العينى فى "البناية": وبقول أبى حنيفة قال أكثر أهل العلم (٢١٢:٢)، وروى عبد الرزاق عن معمر
عن ثابت عن أنس قال: لقى عمر عبد الرحمن بن عوف، فنهاه عن لبس الحرير، فقال: لو أطعتنا
للبسته معنا، وهو يضحك (فتح البارى ٢٣٩:١٠).
وفيه دليل على أن إذنه ◌ّ لعبد الرحمن والزبير لم يكن مطلقًا عند عمر، بل مقيداً
بالحاجة، والضرورة فنهاه عن لبسه من غير حاجة، وقول عبد الرحمن: لو أطعتنا ولبسته معنا
محمول على أنه فهم من إذنه مَُّلّاه له إباحة لبسه لكل أحد عند الحاجة، ولعله كان يرى عمر
محتاجًا إليه لدفع القمل ونحوه، وهذا بظاهره يرد قول من حمل الرخصة على التخصيص، ولكن
قول عمر لخالد بن الوليد: أو أنت مثل عبد الرحمن أو لك مثل ما لعبد الرحمن يؤيد القول
بالتخصيص، وعمر أجل من عبد الرحمن وأفقه.

٣٤٤
إعلاء السنن
باب الأعلام من الحرير
٥٦٦٢- عن ابن عباس قال: إنما نهى رسول الله عَّ له عن الثوب المصمت من
الحرير وأما العلم من الحریر وسدی الثوب فلا بأس به، أخرجه أبو داود، وسكت عنه.
وأما ما أبداه بعض الأحباب من الاحتمالات فى ذلك فكلها هذيانات غير ناشئة عن دليل،
قال الحافظ فى "الفتح": قد اختلف السلف فى لباس الحرير (فى الحرب)، فمنع مالك وأبو حنيفة
مطلقًا، وقال الشافعى وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه
يستحب فى الحرب، وقال المهلب: لباسه فى الحرب لإرهاب العدو، وهو مثل الرخصة فى
الاحتیال فى الحرب، انتهى (٧٤:٦).
وقال ابن بطال: اختلف السلف فى لباسه، فأجازته طائفة، وكرهته أخرى، فممن كرهه
عمر بن الخطاب وابن سيرين وعكرمة وابن محيريز، وقالوا: الكراهة فى الحرب أشد لما يرجون من
الشهادة، وهو قول مالك وأبى حينفة، وممن أجازه فى الحرب أنس، روى معمر عن ثابت قال:
رأيت أنس بن مالك لبس الديباج فى فزعة فزعها الناس، وقال عطار: الديباج فى الحرب سلاح،
وأجازه محمد بن الحنفية وعروة والحسن البصرى، وهو قول أبى يوسف ومحمد والشافعى (عمدة
القارى ٦٤٧:٦)، والله تعالى أعلم.
باب الا علام من الحرير
أقول: فيه تأييد لمذهب أبى حنيفة فى تجويزه أعلام الحرير للرجال، وقد مر أيضًا دلائل
أخبرنى جواز الأعلام فى باب قدر ما يجوز من الحرير للرجال، فتذكر.
قال العبد الضعيف: ومنها حديث عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى عتبة بن فرقد بآذربيجان
أن رسول الله عَّ ◌ُلّه نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام، قال فيما علمنا أنه
يعنى الأعلام، قال الحافظ فى "الفتح": وفيه حجة لمن أجاز لبس العلم من الحرير، إذا كان فى
الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على
من أجاز العلم فى الثوب مطلقًا، ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه
حجة تملى من منع العلم فى الثوب مطلقًا، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن
يحتمل أن يكونوا منعوه ورعًا، وإلا فالحديث حجة عليهم فلعلهم لم يبلغهم، قال النووى: وقد
نقل مثل ذلك عن مالك، وهو مذهب مردود، وكذا مذهب من أجاز غير تقدير اهـ (٢٤٥:١٠).

٣٤٥
ج - ١٧
باب الاتكاء على مرفقة الحرير للرجال
٥٦٦٣- حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا مسعر عن راشد مولی لبنی عامر
قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة من حرير أخرجه ابن سعد، كما فى "نصب
الراية" (٢٨٣:٣)، ورواه العينى فقال: عن وكيع عن راشد مولى لبنى تميم (عمدة
القارئ ٢٥١:١٠).
ويؤيد القول بأن من كره العلم من الحرير فى الثوب، إنما كرهه تورعًا ما رواه مسلم عن ابن
عمر قال: إنى سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله عَّ ◌ُله يقول: ((إنما يلبس الحرير من
لا خلاق له))، فخفت أن يكون العلم منه (٢: ٢٩٠).
قال النووى: وأما ما ذكرت عنه من كراهة العلم، فلم يعترف بأنه كان يحرمه، بل أخبر أنه
تورع عنه خوفا من دخوله فى عموم النهى اهـ، قلت: وقد ردت أسماء على ابن عمر، فأخرجت
جبة رسول الله عَ ◌ّ المكفوفة بالحرير، وقالت: هذه جبة رسول الله عَّه، وكان النبى معَّه يلبسها،
وهو الحكم عندنا وعند الشافعى وغيره أن الثوب، والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف
الطرف بالحرير، أو فيها أعلام من حرير جاز ما لم يزد على أربع أصابع، فإن زاد فهو حرام لحديث
عمر المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم.
باب الاتكاء على مرفقة الحرير للرجال
أقول: فى أثر ابن عباس حجة لأبى حنيفة حيث جوز الاتكاء بمرافق الحرير، والجلوس على
فراشه للرجال، وأورد عليه أنه روى عن سعد بن أبى وقاص ما يعارضه، فإنه أخرج ابن وهب فى
جامعه كما فى الفتح (٢٤٦:١٠) والطحاوى فى معانى الآثار والحاكم فى المستدرك عن سعد بن
أبى وقاص أنه قال: لأن أقعد على جمر الغضا أحب إلى من أن أقعد على مجلس من حرير، واللفظ
لابن وهب، وأيضًا: فقد ورد النهى عن الجلوس على الحرير عن النبى عدّله، كما رواه البخارى من
طريق وهب بن جرير عن أبيه عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن ليلى عن حذيفة.
والجواب عنه أنه روى النهى عن لبس الحرير عن عدة من الصحابة كأنس بن مالك وعمر
ابن الخطاب وابن عمر وأبى هريرة وغيرهم، وليس فى شىء منها النهى عن الجلوس عليه، وحديث
حذيفة رواه عنه عبد الرحمن ابن أبی لیلی، وعبد الله بن عکیم، ولیس فی حدیث ابن عكيم النهى
عن الجلوس، وإنما فيه النبهى عن اللبس فقط.

٣٤٦
الاتكاء على مرفقة الحرير للرجال
إعلاء السنن
قلت: لم أقف على ترجمة راشد مولى بنى عامر أو بنى تميم إلا أنه من خير
القرون الغالب على أهله العدالة، فيقبل روايته.
٥٦٦٤- وقد روی من وجه آخر قال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء ثنا
عمرو بن أبى المقدام عن مؤذن بنى دواعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكئ على
مرفقة حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول له: انظر كيف تحدث عنى؟ فإنك
حفظت عنى كثيراً (عينى ٢٥١:١٠) و"نصب الراية" (٢٨٣:٢)، وفى هذا السند
مؤذن بنى دواعة، ولا أدرى أهو راشد أو غيره، وعمرو بن أبى المقدام قال فى
"التقریب": ضعيف، رمی بالرفض.
وأما حديث عبد الرحمن، فقد رواه عنه حکم بن عتيبة ویزید بن أبی زیاد ومجاهد، ولیس
فى حديث الحكم ويزيد النهى عن الجلوس، أما حديث مجاهد فقد رواه عنه سيف بن أبى سليمان
وابن عوف ومنصور وابن أبی نجیح، ولیس فی روایة سیف و ابن عون ومنصور النہی عن الجلوس،
وحديث ابن أبى نجيح رواه عنه سفيان وجرير، وليس فى رواية سفيان النهى عن الجلوس، وإنما هو
فى رواية جرير فقط (لخصت هذه الطرق من الصحيحين)، وجرير وإن كان ثقة من رواة الجماعة،
إلا أنه قال فى "التقريب": له أوهام إذا حدث من حفظه، وسرد فيه فى التهذيب أقوال الحفاظ،
فالظاهر أن هذه الزيادة وهم منه، فلا حجة فيه، ولعل مسلمًا مع أن جمع طرق هذه الرواية فى
صحيحه لم يخرج طريق جرير لهذه العلة، وأشار العينى أيضًا إلى نكارة هذه الزيادة، ولكنه
لم يصرح به حيث قال: والحديث مضى فى الأطعمة، وفى الأشربة فى موضعين، وفى اللباس فى
موضعين، وليس فى هذا كله لفظ: وأن يجلس عليه إلا ههنا، وهو من مفردات البخارى، ولهذا
لم يذكره الحمیدی (عینی ٢٥١:١٠).
فإن قلت: قد تقرر فى الأصول أن زيادة الثقة مقبولة، ومع ذلك فقد صححه البخارى
واحتج به، قلنا: نعم، ولكن جرير الذى زاد فى الحديث هذه الزيادة عاش بعد أبى حنيفة خمسا
وعشرين سنة؛ لأن أبا حنيفة توفى سنة خمسين بعد المائة وجريرًا توفى سنة خمس وسبعين بعد
المائة، فيمكن أن يكون جرير حدث بهذا الحديث بعد وفاة أبى حنيفة فلم يظهر الحديث فى حياته،
بل ظهر بعده، فكيف كان لأبى حنيفة العمل به؟ وهذا يوضح العذر لأبى حنيفة فى عدم العمل
بهذا الحديث، إن سلم صحة هذه الزيادة، هذا هو الجواب الصحيح، وما أجاب عنه بعض الحنفية
٠

ج - ١٧
الاتكاء على مرفقة الحرير للرجال
٣٤٧
أن الحديث ليس نصًا فى التحريم، أو بأنه يحتمل أن يكون النهى عن اللبس والجلوس بمجموعهما
لا عن الجلوس بمفرده، كما فى "العينى والفتح" (عينى ٢٥١:١٠ وفتح ٢٤٦:١٠)، ففيه بحث،
كما لا يخفى.
قال العبد الضعيف: وأما قول سعد: "لأن أقعد على جمر الغضا أحب إلى من أن أضطجع
على مرفقة حرير"، فليس نصا فى التحريم فلعله كره ذلك لما فيه من التنعم والترفه يدل على ذلك
قوله لابن عامر: نعم الرجل أنت يا ابن عامر! إن لم تكن من الذين قال الله عز وجل: ﴿أذهبتم
طییاتکم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ (طحاوى ٣٤٤:٢).
فلعله خاف من ابن عامر أن يكون يقعد أو يضطجع على مرافق الحرير تجبرًاً وترفعًا، ولو
سلم أنه أراد التحريم فقد عارض رأيه رأى ابن عامر وابن عباس رضى الله عنهم، وهما من
الصحابة، فحمل أبو حنيفة قوله على التشديد كما كان ابن عمر يشدد فى الأعلام من الحرير،
فلولا ما فى حديث جرير بن حازم عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن أبى ليلى عن حذيفة:
(نهانا النبى معَّه عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه)) من النهى عن الجلوس مرفوعًا،
لكان فعل ابن عامر وابن عباس أولى من إنكار سعد على ذلك، ولكن لما تأيد إنكار سعد
بالحديث المرفوع، كان هو الأرجح والأولى، ولذا قال فى "الدر": ويحل توسده أى الحرير،
وافتراشه والنوم عليه، وقالا والشافعى ومالك: حرام، وهو الصحيح، كما فى "المواهب" (ومثله
فى متن "درر البحار"، قال القهستانى: وبه أخذ أكثر المشايخ، كما فى الكرمانى، ونقل مثله ابن
الكمال (شامی).
قلت: فليحفظ هذا لكنه خلاف المشهور اهـ، أى خلاف ما عليه المتون المعتبرة المشهورة
والشروح (٣٤٨:٥)، فإن المتون غالبها على مذهب الإمام، ولكن المتأخرين من المشايخ قد
صححوا مذهب صاحبيه، والجمهور فى هذا الباب نظرًا إلى قوة الدليل، ولا يخفى على من له
مسكة أن مذهب الصاحبين والجمهور أقوى وأحوط، فالأخذ به أعدل وأضبط.
وأما قول بعض الأحباب: إن ابن عباس أفقه من سعد، وقبول زيادة الثقة ليس أمراً كليا،
وزيادة أن نجلس عليه منكرة، وتصحيح البخارى أمر اجتهادى، فكل ذلك تمشية للمذهب لا يخلو
عن تعسف، وكفانا لدفع الطعن عن الإمام أن قد وافق قوله فعل ابن عباس وابن عامر من الصحابة،
وأما المعول عليه فهو قول صاحبيه والجمهور، وبه نأخذ كما أخذ به أكثر المشايخ، وصرح فى
"المواهب" بتصحيحه، فهو القول المنصور، والله أعلم بما فى الصدور، ظ.

٣٤٨
إعلاء السنن
باب لبس الحرير للجواری دون الغلمان
٥٦٦٥- أخبرنا أبو حنيفة عن سليمان بن أبى المغيرة قال: سأل بحير سعيد بن
جبير وأنا جالس عنده عن لبس الحرير فقال سعيد: غاب حذيفة بن اليمان غيبة، فکسی
بنيه وبناته قمص الحرير، فلما قدم أمر به، فنزع عن الذكور، وترك على الإناث، أخرجه
محمد فى " كتاب الآثار" (ص١٢١). قلت: سعيد بن جبير عن حذيفة منقطع، ولكن
لا بأس بالانقطاع عندنا فی خير القرون.
باب لبس الحرير للجوارى دون الغلمان
أقول: الأثران دليلان على أن للغلمان حكم الرجال فى هذا الباب، وللجوارى حكم النساء
وهو مذهب أبى حنيفة. قال العبد الضعيف: وفى الباب عن عبد الله بن يزيد قال: كنا عند عبد الله
-يعنى ابن مسعود - فجاء ابن له عليه قميص من حرير قال: من كساك هذا؟ قال: أمى، قال:
فشقه، وقال: قل لأمك: تكسوك غير هذا، رواه الطبرانى بإسنادين، ورجال أحدهما رجال
الصحيح (مجمع الزوائد ١٤٤:٥) ..
واحتج من قال بجواز إلباس الصبيان الحرير فى العيد ونحوه بما رواه البخارى عن عقبة بن
عامر رضى الله عنه أنه قال: أهدى لرسول الله عّ لّ فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف
فنزعه نزعا شديدا كالكاره له، ثم قال: لا ينبغى هذا للمتقين، قال الحافظ فى "الفتح": استدل به
على أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه، لأنهم لا يوصفون بالتقوى، وقد قال الجمهور: بجواز
إلباسهم ذلك فى نحو العيد، وأما فى غيره، فكذلك فى الأصح عند الشافعية، وعكسه عند
الحنابلة، وفى وجه ثالث يمنع بعد التمييز اهـ (٢٣٠:١٠).
ولنا أن النبى معَّ أدار هذا الحكم على الذكورة بقوله عليه الصلاة والسلام: ((هذان حرام
على ذكور أمتى))، والصغير من الذكور فدخل فى التحريم إلا أن اللابس إذا كان صغيرًاً، فالإثم
على من ألبسه لا عليه، لأنه ليس بمكلف، كما إذا سقى خمرًا فشربها كان الإثم على الساقى لا
علیه، کذا ههنا.
وأما قوله عّ لّه: ((لا ينبغى هذا للمتقين))، فمحمول على المسلمين، وقد كثر استعمال هذا
اللفظ فى هذا المعنى فى النصوص، ولا يخفى أن الصبى يوصف بالإسلام، قال الموفق فى "المغنى":
وهل يجوز لولى الصبى أن يلبسه الحرير؟ فيه وجهان: أشبههما بالصواب تحريمه؛ لعموم قول
النبى عَّه: ((حرم لباس الحرير على ذكور أمتى وأحل الإناثهم))، ثم ذكر الآثار التى ذكرناها،

٣٤٩
ج - ١٧
٥٦٦٦- وعن مسعر عن عبد الملك بن مسعرة عن عمرو بن دينار عن جابر قال:
كنا ننزعه (أكالحرير) عن الغلمان ونتركه على الجوارى، قال مسعر: فسألت عمرو بن
دینار عنه فلم يعرفه، أخرجه أبو داود.
وقال ابن رسلان: هذا غير قادح فى الرواية؛ لأن الراوى ثقة فلا يسقط روايته،
وقال المنذرى: لعله نسيه، كذا فى "بذل المجهود" (٤٧:٥).
باب لبس الخز للرجال
٥٦٦٧- حدثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن قتادة عن زراءة قال: رأيت عمران بن
وقال: والوجه الآخر ذكره أصحابنا أنه يباح، لأنهم غير مكلفين، فلا يتعلق التحريم بلبسهم كما لو
ألبسه دابة، ولأنه محل الزينة فهم كالنساء، والأول أصح لظاهر الحديث، وفعل الصحابة، ويتعلق
التحريم بتمكينهم من المحرمات كتمكينهم من شرب الخمر، وأكل الربا وغيرهما، وكونهم محل
الزينة مع تحريم الاستمتاع بهم يقتضى التحريم لا الإباحة بخلاف النساء، والله أعلم (٦٣٣:١).
وفى "شرح المهذب": فأما الصبى، فهل يجوز للولى إلباسه الحرير؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها:
يحرم على الولى إلباسه وتمكينه منه، والثانى: يجوز ما لم يبلغ، والثالث: إن بلغ سبع سنين حرم،
وإلا فلا.
واختلفوا فى الراجح من الأوجه، فالصحيح جوازه مطلقًا، وبه قطع صاحب الإبانة،
وصححه الرافعى فى "المحرر"، قال صاحب "البيان": وهو المشهور، وقطع الشيخ نصر فى
"تهذيبه" بالتحريم، ورجحه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، وقال البغوى: يجوز للصبيان لبس
الحرير غير أنه إذا بلغ سبع سنين ينهى عنه، والأصح على الجملة أنه ليس بحرام حتى يبلغ، وتجرى
الأوجه الثلاثة فى إلباسهم حلى الذهب اهـ ملخصا (٤٣٦:٤).
وفى "الهداية": يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير؛ لأن التحريم لما ثبت فى
حق الذكور، وحرم اللبس حرم الإلباس كالخمر؛ لما حرم شربها حرم سقيها (٤٤٢:٤).
وبالجملة: فمذهب أبى حنيفة أقوى ما يكون فى هذا الباب، والله تعالى أعلم بالحق
والصواب، ظ.
باب لبس الخز للرجال
أقول: الآثار المذكورة نص فى إباحة لبس الخز، وفى بعضها تصريح بإباحته، إذا كان سداه

٣٥٠
لبس الخز للرجال
إعلاء السنن
حصين يلبس الخز، رواه البخارى فى "كتابه المفرد" فى القراءة خلف الإمام
(زيلعى ٢٨٣:٢).
٥٦٦٨- حدثنا: إسماعيل بن علية عن يحيى بن أبى إسحاق قال: رأيت على
أنس بن مالك مطرف خز، رواه ابن أبى شيبة.
٥٦٦٩- ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزرى قال: رأيت على
أنس بن مالك جبة خز وكساء خز (زيلعى).
٥٦٧٠- حدثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن غيزار بن حريث قال: رأيت
الحسين بن على وعليه كساء خز، أخرجه ابن أبى شيبة (زيلعى).
٥٦٧١- عن عبيد الله بن عمر العمرى أخبرنى وهب بن كيسان قال: رأيت ستة
من أصحاب رسول الله مَّ لآل يلبسون الخز: سعد بن أبى وقاص وابن عمر وجابر بن عبد
الله وأبو سعيد وأبو هريرة وأنس بن مالك، رواه عبد الرزاق (زيلعى).
٥٦٧٢- عن عبد السلام بن حارث عن مالك بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس
أنه كان يلبس الخز وقال: إنما يكره المصمت من الحرير، رواه البيهقى فى "شعب
الإيمان" (زيلعى).
٥٦٧٣- حدثنا أبو داود الطيالسى عن عمران القطان أخبرنى عمار قال: رأيت
على أبى قتادة مطرف خر، ورأيت على أبى هريرة مطرف خز، ورأيت على ابن عباس
ما لا أحصى، رواه ابن أبى شيبة (زيلعى).
٥٦٧٤- حدثنا على بن مسهر عن اليشانى قال: رأيت على عبد الله بن أبى أوفى
مطرف خز، أخرجه ابن أبى شيبة.
من حرير، وهو أثر أبى بكرة وابن عباس، وقد مر مثله عن سعد بن أبى وقاص فى باب كراهة
الحرير للرجال، ويعلم من تلك الآثار أن ثياب الخز قد كانت تكون من خالص الخز، وقد كانت
تكون مخلوطة بالحرير؛ لأنه روى عن ابن عمر أنه يلبس ثياب الخز مع أنه كان يمنع من الحرير
مطلقًا محتجًا بعموم قوله: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له فى الآخرة))، وقد روى عنه الطحاوى
فى: "معانى الآثار" من طريق الحسن، فقال: دخلنا على ابن عمر بالبطحاء، فقال: إن ثيابنا هذه
يخالطها الحرير، قال: دعوه قليله وكثيره (معانى الآثار ٣٤٤:٢)، وهذا يبطل دعوى من يدعى

٣٥١
ج - ١٧
٥.٦٧٥- ورواه ابن سعد فقال: أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرحمن الحمانى عن
أبى سعد البقال قال: رأيت عبد الله بن أبى أوفى وعليه برنس خز (زيلعى).
٥٦٧٦- حدثنا وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: كان لأبى بكرةَ
مطرف خز سداه حرير فكان يليسهِ، رواه ابن أبى شيبة (زيلعى).
٥٦٧٧- عن عبد الله بن محمد بن أسماء قال: حدثنى جويرية بن أسماء عن نافع
أن ابن عمر كان ربما لبس مطرف الخز ثمنه خمس مائة درهم (زيلعی)، قلت: هكذا
أخرج الزيلعي، عن السائب بن يزيد وعمرو بن حريث ولبى بن لباء وعائذ بن عمرو
وأبى ابن أم حزام والأقطس وعثمان بن عفان، وفيما ذكرنا كفاية، وابن أم حزام اسمه عبد
الله وهو ابن امرأة عبادة بن الصامت، وأخبر أنه صلى القبلتين مع رسول الله عَ ليه، ظ.
باب كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
٥٦٧٨- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأى رسول الله عَ ليه على ثوبين
معصفرين فقال: ((إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها))، رواه أحمد ومسلم والنسائى،
كذا فى "المنتقى" (نيل ٣٨٩:١).
كون ثياب الخز مسدية بالحرير على الإطلاق، فتنبه له.
قال العبد الضعيف: لا یتم الاستدلال به على رد هذه الدعوى ما لم يثبت كون قوله:
"(دعوه قليله وكثيره" محمولا على التحريم لاحتمال أن يكون قاله تورعًا، فقد تقدم أن ابن عمر
لم یکن یحرم الأعلام من الحرير، بل أخبر أنه تورع عنه خوفًا من دخوله فی عموم النهى، ولو
سلمنا حمله على التحريم، فيجوز أن يكون قاله قبل أن يثبت عنده جواز المخلوط من الحرير، فلا يتم
الاستدلال به ما لم يثبت أن قوله: "دعوه قليله وكثيره" كان متأخراً عن لبسه الخز، ودون إثباته
خرط القتادة، فالظاهر -والله أعلم- أن ابن عمر كان يتورع عن أعلام الحرير، وعن قليله وكثيره،
وكان يلبس الخز أحيانًا بيانًا للجواز، فافهم، ظ.
باب كراهة لبس المعصفر للرجال دون النساء
أقول: الأحاديث نص فى الباب، بقى ههنا شىء وهو أنه ورد فى حديث مسلم أنه قال:
((إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها)) وهذا يقتضى أن لا يجوز المعصفر للنساء أيضًا، كما لا يجوز

٣٥٢
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
إعلاء السنن
٥٦٧٩- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله عَز اله
من ثنية فالتفت إلى وعلى ريطة مفرجة بالعصفر فقال: ما هذه؟ فعرفت ما كره فأتيت
أهلى، وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد، فقال: يا عبد الله! ما فعلت
الريطة؟ فأخبرته فقال: ألا كسوتها بعض أهلك، رواه أحمد، وكذلك رواه أبو داود
وابن ماجة، وزاد فيه: فإنه لا بأس بذلك للنساء، كذا فى "المنتقى" (نيل ١: ٣٩٠).
التختم بالحديد لهن نظرًا إلى العلة، وهى كونه لباس الكفار.
والجواب أن هذا قياس وهو يترك للنص، وقد ورد النص بجواز المعصفر للنساء، كما عرفت
فى المتن، فتركنا القياس، بخلاف خاتم الحديد، فإنه ليس هناك نص فعملنا بالقياس، فإن قلت:
كيف تخلف الحكم مع وجود العلة فى النساء؟ قلنا: قد لا يؤثر العلة موجود المانع، وحديث لبس
المعصفر للنساء دل على وجود المانع هناك، وإن لم نقدر على تعيينه، فلا يلزم تخلف الحكم عن
العلة على وجه مستلزم للخلف، فافهم.
قال العبد الضعيف: ما أبعد هذا الكلام عن الفقه! والحق أن قول رسول الله عّ لّه: ((إن هذه
من ثياب الكفار فلا تلبسها)) خطاب للرجال، ومعناه - والله أعلم- إن من عادة الكفار التزين
بالمعصفر مثل النساء فلا تلبسوه، فلا دلالة فيه على حرمة المعصفر على النساء، وإنما أحرقه عبد الله
ابن عمرو لقول رسول الله عَ ليه له وقد سأله عبد الله: أغسلهما يا رسول الله؟ قال: بل أحرقهما،
وفى رواية أنه مرِّ غضب، وقال: اذهب فاطرحهما عنك، قال: أين يا رسول الله؟ قال: فى النار،
كما فى "جمع الفوائد" (٣٠٧:١)، وعزاه للنسائى وغيره، وكان رسول الله عز ◌ّ قال له ذلك
زجرًا، ولم يرد حقيقة الإحراق، ولكن الصحابة كانوا يعملون بحقيقة الأمر، ولا يتأولون، فأحرقه
عبد الله، فلما أخبر النبى معَّ بذلك قال له: ((أفلا كسوتها بعض أهلك؟ فإنه لا بأس به للنساء))،
فعلم بذلك معنى قوله: هذه ثياب الكفار أى فى حق الرجال، فأين فيه القياس، وتركه للنص؟
ولكن بعض الأحباب يتخبط فى فقه الحديث خبط عشواء.
وفى "شرح المهذب": قال أصحابنا: يحرم على الرجل لبس الثوب المزعفر، وممن صرح
بذلك صاحب "البيان"، ونقل البيهقى وغيره أن الشافعى رحمه الله نهى الرجل عن المزعفر، وأباح
له المعصفر، قال البيهقى فى "كتاب معرفة السنن" و "الآثار": قال الشافعى: إنما أرخصت فى
المعصفر؛ لأنى لم أجد أحداً يحكى عن النبى معَِّ النهى عنه، إلا ما قال على رضى الله عنه: نهانی

ج - ١٧
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
٣٥٣
٥٦٨٠- وعن على قال: نهانى رسول الله عَّه عن التختم بالذهب وعن لباس
القسى وعن القراءة فى الركوع والسجود وعن لباس المعصفر، رواه الجماعة إلا
البخارى وابن ماجة، كذا فى "المنتقى" (نيل ٣٩١:١).
ولا أقول: نهاكم يعنى حديث على نهانى رسول الله عّ لّه ولا أقول: نهاكم عن تختم الذهب،
ولباس المعصفر رواه مسلم، قال البيهقى: وثبت ما دل على النهى على العموم عن عبد الله بن
عمرو بن العاص، فذكره، وقال: رواه مسلم فى "صحيحه"، ثم روى البيهقى روايات تدل على
أن النهى على العموم عن المعصفر (غير مختص بعلى رضى الله عنه ثم قال: وفى كل هذا دلالة
على أن نهى الرجال عن لبسه على العموم قال: ولو بلغ الشافعى لقال به، إن شاء الله تعالى اهـ
(٤: ٤٥٠). وفى "مجمع الزوائد" عن أبى هريرة قال: راح عثمان إلى مكة حاجًا، فغدا عليه
محمد بن جعفر بن أبى طالب، وعليه ردع الطيب، وملحفة معصفرة مقدمة، فأدرك الناس بملل
قبل أن يروحوا، فلما رآه عثمان انتهره، وأفف، وقال: أُ تلبس المعصفر، وقد نهى عنه رسول
الله عَّه؟ فقال له على بن أبى طالب: إن رسول الله مێّه لم ينهه، ولا إياك، وإنما نهانى، رواه
أحمد وأبو يعلى والبزار باختصار، وفيه عبيد الله بن عبد الله أبو موهب وثقه ابن معين فى رواية،
وقد ضعف (١٢٩:٥).
وفيه دلالة على أن عليًا كان يرى النهى خاصا به، وعثمان وغيره من الصحابة يرونه عاماً،
وهو الصحيح، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله، قال فى "الخلاصة" عن "العيون": أبو حنيفة
لا يرى بأسا بلبس الخز، وإن كان سداه إبريسمًا، أو حريرًا، ولا يرى بأسًا بالجبة المحشوة بالقز، ويكره
أن يلبس الثياب المصبوغة بالعصفر أو الزعفران أو الورس اهـ (٤: ٣٦٨)، وفى "الدر": وكره لبس
المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال مفاده أنه لا يكره للنساء اهـ (٥: ٣٥١)، وفى "أشعة
اللمعات": إن المختار عند الحنفية كراهة المعصفر تحريماً للرجال، ويكره الصلاة فيه (٢٩٦:٣) ظ.
فائدة: بقى الكلام فى اللون الأحمر، فقال فى "الدر": لا بأس بسائر الألوان أى ما عدا
المعصفر والمزعفر للرجال، وفى "المجتبى" والقهستانى، و "شرح النقاية" لأبى المكارم: لا بأس
بلبس الثوب الأحمر اهـ، ومفاده أن الكراهة تنزيهية، لكن صرح فى "التحفة" بالحرمة، فأفاد أنها
تحريمية، وهى المحمل عند الإطلاق قاله المصنف.
قلت: وللشرنبلالى فيه رسالة نقل فيها ثمانية أقوال، منها أنه مستحب اهـ، قال ابن عابدين:

٣٥٤
كراهة لبس الثوب المعصفر الرجال دون النساء
إعلاء السنن.
قوله: لا بأس بلبس الثوب الأحمر، وقد روى ذلك عن الإمام كما فى الملتقط اهـ، ظ، ومفاده أنيج.
الكراهة تنزيهية؛ لأن كلمة "لا بأس" تستعمل غالبًا فيما تركه أولى "منح" قوله، فأفاد أنها تحريمية
إلخ، هذا مسلم لو لم يعارضه تصريح غيره بخلافه، ففى جامع الفتاوى: قال أبو حنيفة والشافعى
ومالك: يجوز لبس المعصفر، وقال جماعة من العلماء: مكروه كراهة تنزيه.
(قلت: لم يقل أبو حنيفة بجواز المعصفر، فقد مر عن الخلاصة أنه كان يكرهه، وإنما قال
بجواز الأحمر سواه).
وقال صاحب "الروضة": يجوز للرجال والنساء لبس الثوب الأحمر والأخضر بلا كراهة،
وفى "الحاوى" للزاهدى: يكره للرجال لبس المعصفر والمزعفر والمورس والمحمر أى الأحمر، حريرًا
كان أو غيره، إذا كان فى صبغه دم، وإلا فلا، نقله عن عدة كتب، وفى "مجمع الفتاوى": لبس
الأحمر مكروه، وعند البعض لايكره، وقيل: يكره إذا صبغ بالأحمر القانى؛ لأنه خلط بالنجس،
وفى الواقعات مثله، ولو صبغ بالشجر البقم لا يكره، ولو صبغ بقشر الجوز عسليا لا يكره لبسه
إجماعاً اهـ
فهذه النقول مع ما ذكره عن المجتبى والقهستانى، و "شرح أبى المكارم" تعارض القول
بكراهة التحريم إن لم يدع التوفيق بحمل التحريم على المصبوغ بالنجس، أو نحو ذلك، وقال
الشرنبلالى بعد ما ذكر كثيرًا من النقول: منها ما قدمناه لم نجد نصًا قطعيًا لإثبات الحرمة، ووجدنا
النهى عن لبسه لعلة قامت بالفاعل من تشبه بالنساء، أو بالأعاجم أو التكبر، وبانتفاء العلة تزول
الكراهة، وعروض الكراهة بالصبغ بالنجس تزول بغسله، ووجدنا نص الإمام الأعظم على الجواز،
ودليلا قطعيًا على الإباحة، وهو إطلاق الأمر بأخذ الزينة، ووجدنا فى الصحيحين موجبه، وبه
تنتفى الحرمة، والكراهة، بل يثبت الاستحباب اقتداء بالنبى عّ لّ اهـ.
قال ابن عابدين: ولكن جل الكتب على الكراهة كـ "السراج" و"المحيط" و"الاختيار"
و "الملتقى" و"الذخيرة" وغيرها، وبه أفتى العلامة قاسم، وفى "الجاوى الزاهدى": ولا يكره فى
الرأس إجماعًا اهـ (٥: ٣٥٢)، ولنذكر بعد ذلك كل ما ورد فى الحمرة والثوب الأحمر من
الأحاديث: فمنها حديث البراء رضى الله عنه قال: ((كان النبى معَ ◌ّه مربوعًا وقد رأيته فى حلة
حمراء ما رأيت شيئًا أحسن منه)) رواه البخارى، وعن أبى حجيفة مثله، قال: ((رأيت النبى عدّ له
وعليه حلة حمراء»، ولأبى داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: ((رأيت النبى عد ده يخطب بمنى

ج - ١٧
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
٣٥٥
على بعير وعليه برد أحمر))، وإسناده حسن، وللطبرانى بسند حسن عن طارق المحاربى نحوه، لكن
قال: "بسوق ذى المجاز"، وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر ((نهى رسول الله عَ لّه عن المقدم وهو
المشبع بالعصفر))، فسره فى الحديث، وعن(١) "أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبًا معصفرًاً جذبه
وقال: دعوا هذا للنساء"، أخرجه الطبرى، وأخرج ابن أبى شيبة من مرسل الحسن "الحمرة زينة
الشيطان والشيطان يحب الحمرة"، وصله أبو على بن السكن وأبو محمد بن عدى، ومن طريقه
البيهى فى الشعب من رواية أبى بكر الهذلى -وهو ضعيف- عن الحسن عن رافع بن يزيد الثقفى
رفعه: ((إن الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذى شهرة))، وأدخل ابن مندة فى
روايته بين الحسن ورافع رجلا، فالحديث ضعيف، وبالغ الجوزقانى فقال: إنه باطل، وقد تبعه ابن
الجوزى على ما ذكر فى أكثر كتابه فى "الموضوعات"، لكنه لم يوافقه على هذا الحديث، فلم
يذكره فى "الموضوعات" فأصاب.
وعن عبد الله بن عمرو قال: ((مر على النبى معَّ رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه فلم
يرد عليه النبى مطّ))، أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه والبزار وقال: لا نعلمه إلا بهذا الإسناد،.
وفيه أبو يحيى القتات مختلف فيه، وعن رافع بن خديج قال: ((خرجنا مع رسول الله عَّه فى سفر
فرأى على رواحلنا أكسية فيهاً خطوط عهن حمر فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم؟ قال:
فقمنا سراعًا فنزعناها حتى نفر بعض إبلنا))، أخرجه أبو داود وفى سنده راو لم يسم، وعن امرأة من
بنى أسد قالت: "كنت عند زينب أم المؤمنين ونحن نصبغ ثيابا لها بمغرة إذا طلع النبى معَّه، فلما
رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب غسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، فجاء فدخل"، أخرجه
أبو داود، وفى سنده ضعف، كله من "فتح الباري" (٢٥٨:١٠)، وروى الطبرانى من حديث ابن
غباشي أنه مَ ◌ّ كان يلبس يوم العيد بردة حمراء، قال الهيثمى: ورجاله ثقات، وروى البيهقى
فى السنت أنه كان يلبس بردة الأحمر فى العيدين والجمعة اهـ من "شرح الشمائل"
للمناوى (١١٦:١).
وبالجملة: فالأحاديث فى لبس الأحمر أصح إسنادًا من أحاديث النهى عنه إلا ما كان عن
(١) قال ابن حزم فى "المحلى": روينا عن معمر عن قتادة أن عمر رأى على رجل ثوبًا معصفرًا فقال: دعوا هذه البراقات للنساء (أى
دعوا هذه الزينة والتبرج بها لهن)، قال: وروينا أن أم الفضل بنت غيلان أرسلت إلى أنس بن مالك فسأل عن المعصفر، فقال
أنس: لا بأس به للنساء (٧٠:٤)، ظ.

٣٥٦
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
إعلاء السنن
المعصفر، فإنه صحيح أيضًا، قال الحافظ: وجواز الأحمر مطلقا جاء عن على، (فإنه زعم أن النهى
عن المعصفر خاص به لا يعم غيره)، وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة،
وعن سعيد بن المسيب والنخعى والشعبى وأبى قلابة وأبى وائل، وطائفة من التابعين: وقال بعضهم
باختصاص النهى بما يصبغ بالمعصفر لورود النهى عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ، ويعكر
عليه حديث المغرة المتقدم.
(قلت: لا يعكر عليه أما أولا: فلأن سنده ضعيف، وأما ثانيًا: فلأنه يفيد كراهة الأحمر فى
حق النساء أيضًا، ولا قائل به، فقد ورد النص بجواز المعصفر للنساء فضلا عن غيره، فالظاهر أن
رجوع النبى معَّ كان لأمر آخر غير المغرة فظنت زينب أنه رجع لأجل الحمرة، والله تعالى أعلم).
وقال بعضهم بتخصيص المنع بالثوب الذى يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من
بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة فى الحلة الحمراء، فإن الحلل
اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حمر وغيرها.
قال ابن القيم: كان بعض العلماء يلبس ثوبًا مشبعًا بالحمرة يزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط،
فإن الحلة الحمراء من برود اليمن، والبرد لا يصبغ أحمر صرفًا، كذا قال (٢٥٩:١٠) ملخصًا.
ويؤيده قول سفيان الثورى فى حديث أبى جحيفة: رأيت النبى ملّ وعليه حلة حمراء،
قال سفيان: أراها جرة أى أظنها مخططة لا حمراء قانية، قاله لأن مذهبه حرمة الأحمر البحت،
قال المناوى فى "شرح الشمائل": لكنه لم يبد لذلك مستنداً يصلح للاستدلال به، وقول ابن القيم
غلط من ظن أنها حمراء بحت، إنما الحلة الحمراء بردان يمانيان بخطوط أحمر مع أسود، وإلا
فالأحمر البحت منهى عنه أشد النهى، فكيف يظن بالنبى معَّه أنه لبس الأحمر القانى هو الغلط،
إذ حمله الحلة على ما ذكره مجرد دعوى، والنهى عن المزعفر (كذا فى الأصل والصحيح عن
المعصفر)، إنما هو للتشبيه بالنساء لا لخصوص الحمرة، ولبس المصطفى عّ لّ الأحمر القانى مع نهينه
عنه، ليبين جوازه وأن النهى للتنزيه اهـ (١١٦:١).
قلت: والأوفق بالحديث أن يقال بكراهة المعصفر للرجال تحريمًا، وجواز الأحمر سواه إلا أنه
خلاف الأولى، ورخص مالك فى المعصفر والمزعفر فى البيوت، وكرهه فى المحافل (فتح البارى
٣٥٧:١٠)، وفيه أيضًا: قال الطبرى بعد أن ذكر غالب الأقوال: الذى أراه جواز لبس الثياب
المصبغة بكل لون إلا أنى لا أحب لبس ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق

ج - ١٧
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
٣٥٧
الثياب؛ لكونه ليس من لباس أهل المروءة فى زماننا؛ فإن مراعاة زى الزمان من المروءة ما لم يكن
إثمًا، وفى مخالفة الزى ضرب من الشهرة اهـ (٣٥٩:١٠).
1
وقال القارى فى "شرح الشمائل": المراد بالحلة الحمراء فى الحديث بردان يمانيان منسوجان
بخطوط حمر مع سود كسائر البرود اليمنية، وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط
الحمر، وإلا فالأحمر البحت منهى عنه، ومكروه لبسه لحديث أخرجه أبو داود من حديث عبد الله
ابن عمرو قال: مر بالنبی مګ رجل، وعلیه حلتان حمراوان، فسلم علیه فلم یرد علیه.
(قلت: محمول على المعصفرين بدليل ما فى طريق آخر من عبد الله بن عمرو نفسه، والآثار
بعضها يفسر بعضا)، وقد روى الحسن عن النبى معَّ أن الحمرة زينة الشيطان، ولو سلم أنه لبس
الأحمر بالبحت، فإما أن يكون قبل النهى أو لبيان الجواز.
(قلت: قد روى أبو حجيفة أنه رأى على النبى ◌ّه حلة حمراء فى حجة الوداع، وهذا آخر
ما ثبت عنه ◌َِّ ظاهرًا، أو إن كان قد لبسه لبيان الجواز فلا يصح حمل النهى عنه على كراهة
التحريم، وإنما غايته كراهة التنزيه، ومرجعه إلى خلاف الأولى)، ومقتضى كلام الإمام محيى السنة .
عدم التنافى بالتخصيص، (قلت: لا بد للتخصيص من دليل).
قال: وهذا كله يدل على أن الحدیث له أصل ثابت، فلا يصح قول بعضهم: إنه حديث
ضعيف الإسناد، وسيأتى ما يظهر لك أنه عليه الاعتماد اهـ (١١٥:١).
قلت: ولكن الأحاديث فى لبسه مَ ◌ّ الحلة الحمراء أصح وأقوى، وقد ذهب إلى جوازه
جماعة من الصحابة والتابعين، كما مر، فالقول بجوازه أرجح وأصح كما قاله الشرنبلالى لا سيما
وهو منصوص عن الإمام أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال فى "شرح المهذب": يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط،
وغيرها من ألوان الثياب، ولا خلاف فى هذا، ولا كراهة فى شىء منه، قال: ودليل جواز الأحمر
وغيره مع الإجماع حديث البراء اهـ (٤٥٢:٤)، ظ.
فائدة: هل يجوز للرجل الجلوس، والنوم على فراش امرأته، إذا كان معصفرًا أو حريرًا؟
أما على قول أبى حنيفة فلا بأس به؛ لأنه لا يرى الافتراش من اللبس، وأما على قول الجمهور: فقال
الحافظ فى "الفتح" فى حديث حذيفة: نهانا النبى معَّه عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه،
استدل به على منع النساء افتراش الحرير، وهو ضعيف؛ لأن خطاب الذكور لا يتناول الإناث على

٣٥٨
كراهة لبس الثوب المعصفر للرجال دون النساء
إعلاء السنن
الراجح، ولعل الذى قال بالمنع تمسك فيه بالقياس على منع استعمالهن آنية الذهب مع جواز لبسهن
الحلى منه، فكذلك يجوز لبسهن الحرير، ويمنعهن من استعماله، وهذا الوجه صححه الرافعى،
وصحح النووى الجواز، واستدل به على منع افتراش الرجل الحرير مع امرأته فى فراشها، ووجهه
المجيز لذلك من المالكية، بأن المرأة فراش الرجل، فكما جاز له أن يفترشها، وعليها الحلى من الذهب
والحرير، فكذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها اهـ (٢٤٦:١٠).
قلت: ومفاده تقييد الجلوس والنوم بأن يكون معها، فليس له أن يجلس أو ينام على فراشها
من الحرير وحده، فافهم، والله يتولى هداك، ظ.
فائدة: استدل بعضهم على كراهة لبس الأحمر بما فى الصحيح عن البراء ((نهانا
(النبى معَ ◌ّة) عن لبس الحرير والديباج والقسى والاستبرق ومياثر الحمر))، وأخرج أحمد والنسائى،
وأصله عند أبى داود بسند صحيح عن على رضى الله عنه قال: نهى عن المياثر الأجوان ("فتح
البارى ٢٥٩:١٠)، ولكن هذا لا يتمشى على أصل أبى حنيفة رحمه الله، فإن الميثرة ما يوضع
على سرج الفرس، أو رحل البعير من الأرجوان، قاله الطبرى، وقال أبو عبيد: المياثر الحمراء
كانت من مراكب العجم من ديباج أو حرير، وحكى فى المشارق قولا: إننها أغشية للسروج من
جرير، وقولا: أنها تشبه المخدة تحشى بقطن أو ريش يجعلها الراكب تحته، كما فى "فتح البارى
أيضًا، وقد تقدم أن أبا حنيفة لا يمنع الجلوس على الحرير، فكيف يمنع الجلوس على الأحمر
والرکوب علیه؟
فالحق أن النهى عن الميثرة الحمراء، إما أن يكون لأنها كانت من حرير، فالنهى عنها كالنهى
عن الجلوس على الحرير على قول الجمهور، وإما أن يكون للزجر عن التشبه بالأعاجم إن كانت من
غير حرير، وتقييدها بالحمر؛ لبيان ما كان هو الواقع.
فإن قلنا: إن النهى عنبها من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية لا لكراهة الأحمر من
الألوان، وكان ذلك شعار العجم حينئذ، وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك
المعنى، فتزول الكراهة، قاله الحافظ فى الفتح أيضًا، ويؤيده ما رواه مسلم فى "صحيحه": عن عبد
الله - مولى أسماء بنت أبى بكر- أنها أرسلته إلى عبد الله بن عمر، فقالت: بلغنى أنك تحرم ثلاثة
أشياء: العلم فى الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله، فذكر الحديث وفيه: فقال لى عبد
: الله: أما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هى أرجوان (٢: ١٩٠).

٣٥٩
ج - ١٧
باب النهى عن الثوب المز عفر للرجال
٥٦٨١- عن أنس قال: نهى رسول الله عَّ له أن يتزعفر الرجل، أخرجه البخارى.
ولو سلمنا أن للحمرة تأثيرًا فى النهى فتقول: إنها كانت تكون مصبوغة بالعصفر، وقد
تقدم القول بترجيح كراهة المعصفر، يدل على ذلك ما فى "مجمع الزوائد" عن ابن عباس قال:
نهى النبى عَّه عن خواتيم الذهب والقسية والميثرة الحمراء المشبعة من العصفر، رواه أبو يعلى
ورجاله رجال الصحيح (١٤٦:٥)، وذكر العينى فى "العمدة" (٢٥٣:١٠) أيضًا بلفظ: والميثرة
الحمراء المصبغة من المعصفر أهـ، ظ.
باب النهى عن الثوب المز عفر للرجال
أقول: الحديثان يدلان على الباب، أما حديث أنس فلأن تزعفر الرجل قد يكون باستعمال
الزعفران فى البدن، وقد يكون باستعماله فى الثوب، فلما نهى ◌َّ أن تزعفر الرجل بالإطلاق دل
ذلك على أنه ممنوع بكلا نوعينه حديث ابن عمر فلأنه قد دل نصًا على عدم جواز لبس المحرم ثوبًا
مصبوغاً بزعفران، فيحتمل أن يكون الحرمة مختصة بالمحرم، كما فهمه ابن عمر، ويحتمل أن
تكون عامة للمحرم وغيره بأن لا يكون قيد المحرم احترازيا بل اتفاقيا، فلما رجعنا إلى حديث أنس
دلنا على أن القید فیه ليس باحترازی فی حق الرجال، بل هو اتفاقی، نعم، هو احترازی فی حق
النساء، لأن حديث أنس دليل على أن الزعفران طيب نهى عنه الرجال سواء كانوا محرمين أو غير
محرمين، فصار معنى الحديث أن النبى معَّ ◌ُلّه نهى المجرم أن يلبس ثوبًا مصبوغًا بورس أو زعفران، إن
كان رجلا فلأنه طيب مخصوص بالنساء فى غير حالة الإحرام، وإن كان امرأة فلأنه طيب
مخصوص بغير حالة الإحرام فقط، فدل الحديث على ما فى الباب، والله أعلم.
وما روى أحمد فى "مسنده" (٩٧:٢): من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن
عمر أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران، فقيل له: لم تصبغ ثيابك وتدهن بالزعفران؟ فقال:
لأنی رأيته أحب الأصباغ إلى رسول الله ێ یدهن به، ويصبغ به ثيابه اهـ.
فالجواب عنه أن هذا الحديث ضعفه الساجى، قال ابن حجر فى "التهذيب": قال الساجى:
بنو زید ثلاثة، عبد الله أرفعهم، وروى عن أبيه حديثًا منكرًا فى دهن الخلوق اهـ، ولو سلم صحته
يحمل على ما قبل النهى، ويقال: إن ابن عمر لم يطلع على النهى؛ لأنه ثبت النهى عن التزعفر
للرجال، كما عرفت، ثم حديث ابن عمر المذكور فى المتن يدل على أن التزعفر للرجال ممنوع

٣٦٠
النهى عن الثوب المزعفر للرجال
إعلاءِ السنن
٥٦٨٢- وعن ابن عمر قال: ((نهى النبى عّ لّه أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس
أو زعفران))، أخرجه البخارى، وأخرجه أيضا أحمد، وزاد فيه: إلا أن يكون غسيلا
(مسند ٢ :٤١).
للطيب لا للون، لأنه لو غسل الثوب المصبوغ بالزعفران غسلا بليغًا، بحيث ينتقى جرم الزعفران،
ويبقى لونه يجوز، فيحتمل أن يكون عَّ له يصبغ الثياب وغيرها بالزعفران، ثم يغسلها غسلا بليغًا،
فلا حجة فيه للمخالف، فافهم.
قال العبد الضعيف: قال على بن الجعد: أنا شعبة ثنى إسماعيل بن إبراهيم عن عبد العزيز بن
صهيب عن أنس قال: نهى رسول الله عَّه عن التزعفر، قال على: ثم لقيت إسماعيل، فسألته عن
ذلك وأخبرته، أن شعبة حدثنا به عنه، فقال لى: ليس هكذا حدثته، إنما حدثته أن رسول الله عد اله
نهى أن يتزعفر الرجل، قال ابن أبى عمران: أراد بذلك أن النهى الذى كان من النبى عدّله فى ذلك
وقع على الرجال خاصة، دون النساء، كذا فى "معانى الآثار".
قال الطحاوى: وحدثنا ابن أبى داود ثنا المقدمى ثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن عطاء بن
السائب قال: سمعت أبا حفص بن عمرو يحدث عن يعلى أنه مر على النبى عّ لّ وهو متخلق(١)،
فقال: إنك امرأة؟ فقال: لا، فقال: اذهب فاغسله (٣٦٥:٢)، وهذا سند صحيح، وهو صريح فى
جواز التزعفر للنساء، واختصاص النهى عنه بالرجال، وأصرح منه ما رواه أبو داود من طريق
محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: نهى رسول الله عّ لِّ النساء فى إحرامهن عن
القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان
الثياب من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف (١٠٣:٢)، وفيه دلالة على جواز
لبس المرأة ما أحبت من الألوان.
وأما ما روی أحمد عن ابن عمر أنه کان یصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران، فالمحفوظ فى ذلك ما
رواه الشيخان عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحداً من
أصحابك يصنعها، وذكر فيها: رأيتك تصبغ بالصفرة فقال: وأما الصفرة، فإنى رأيت رسول
الله عَِّ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها اهـ، فذكر الصفرة ولم يذكر الزعفران، فلعله من
تصرف الرواة، ولو صح أن ابن عمر كان يلبس المصبوغ بالزعفران، كما رواه مالك عن نافع عنه
(١) والخلوق طيب يتخذ من الزعفران وغيره، ظ.