النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ج - ١٧ باب ما يجوز فى الضحايا من السن ٥٥٩٠- عن جابر قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن))، رواه الجماعة إلا البخارى والترمذى (منتقى). ٥٥٩١- وعن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن))، رواه أحمد والترمذى، وقال: غريب، وقد روى موقوفًا (نيل ٣٤٦:٤). جال الذبح، وجه الاستحسان أن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه؟ لأن الشاة تضطرب، فتلحقها العيوب من اضطرابها، كذا فى "البدائع" (٧٦:٥). وبالجملة فمقدمات الذبح فى حكم الذبح، وبالذبح يتعيب المذبوح لا محالة، ولا يعد مانعا إجماعا، فكذا إذا تعيب بالمقدمات، فافهم، فإن ابن حزم لم يتنبه لذلك، وقال: لا نعلم هذه التقاسيم عن أحد قبل أبى حنيفة اهـ، ولو جمع بين الآثار كما جمع أبو حنيفة بينها لاضطر إلى التقاسيم التى ذكرها وحمد منها ما ذمها، ولكن ابن حزم لا يعرف إلا رد الآثار بعضها ببعض، ظ. باب ما يجوز فى الضحايا من السن أقول: مجموع ما ذكر يدل على جواز التضحية بالجذع من الضأن دون غيرها من المعز والبقر والإبل، بل الذى يحوز منها هو المسنة أى الثنى. بقى أن جواز الجذع من الضأن هل هو مطلق أو مقيد بعدم تيسر المسنة؟ فالجواب أن أحاديث غير جابر مطلقة من هذا القيد، وحديث جابر ليس نصا فى التقييد، لأنه يحتمل أن يكون قوله: ولا تذبحوا إلا مسنة للندب إلى الأعلى والأفضل دون الإيجاب والاشتراط. فيحمل عليه ويقال: إن معنى الحديث أن الأعلى والأفضل هو التضحية بالمسنة فلا تتركوها إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن لأنه أدنى ما يجوز فى التضحية. والدليل على ما قلنا: إن التضحية بالأدنى جائزة مع وجود الأعلى كالتضحية بالشاة مع وجود البقر والتضحية بالمهزول مع وجود السمين، فكيف لا يجوز التضحية بالجذع من الضأن مع وجود المسنة؟ فإن قلت: الشاة والمهزول من حيوانات التضحية، فيجوز التضحية بها مع وجود البقر والسمين، بخلاف الجذع، فإنه ليس من حيوانات التضحية، بل أجيز التضحية بها للضرورة عند تعذر حيوانات التضحية. قلت: إنما ذلك هو مفهوم حديث جابر بلفظ: إلا أن يعسر عليكم. ولا حجة فى المفهوم ٢٤٢ ما يجوز فى الضحايا من السن إعلاء السنن ٥٥٩٢- وعن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله عَ لّه قال: ((يجوز الجذع من الضأن ضحية))، رواه ابن ماجه، كذا فى "المنتقى"، وقال الشوكانى: رجال إسناده كلهم بعضهم ثقة، وبعضهم صدوق، وبعضهم مقبول (نيل ٤: ٣٤٦). عندنا لا سيما وحديث أبى هريرة بلفظ: نعمت الأضحية الجذع من الضأن: صريح فى كون الجذع من حیوان الأضاحی، و كذا حدیث مجاشع، كما لا يخفى، ظ. ثم اعلم أن الأمة أجمعت على جواز التضحية بالجذع من الضأن وبالثنى منها ومن غيرها مطلقا. إلا ما نقل عن ابن عمر والزهرى أنهما لا يجوزان التضحية بالجذع مطلقا سواء كان من الضأن أو من غيرها وسواء وجد المسنة أم لا فإن صح النقل عنهما فالأحاديث المذكورة فى الباب حجة عليهما. ثم بعد الاتفاق على هذا القدر اختلفوا فى تقدير الجذع والثنى على أقوال، والمعتمد عندنا-معشر الحنفية- أن الجذع من الضأن ابن ستة أشهر، والثنى منها ومن المعز ما تم له سنة ودخل فى الثانية، ومن البقر ما تم له سنتان ودخل فى الثالثة، ومن الإبل ما تم له خمس سنین ودخل فى السادسة. لا يقال: إن تفسير الجذع من الضأن مخالف لما عليه أهل اللغة؛ لأن الجذع من الشاة عندهم ما تم له سنة، والثنى ما تم له سنتان، لأنا نقول: من قال ذلك من الفقهاء لم يقل بالرأى والقياس. لأنه لا دخل فيه للقياس ولا بالنص، لأنه ليس فيه نص بل قال ذلك بالاطلاع على اللغة، وإن لم نطلع على مأخذهم كما لم نطلع على مأخذ من فسر الجذع بما تم له سنة والثنى بما سنتان، فلما قال الفقهاء ما قالوا من حيث اللغة لا من حيث الفقه صار الاختلاف لغويا دون اللغوى والشرعى كما يوهمه عبارات بعض الكتب - كالهداية والبناية - لأنه قال فى "الهداية": والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر فى مذهب الفقهاء. وقال فى شرحه "البناية": قيد به لأن عند أهل اللغة الجذع من الشاة ما تمت له سنة وطعنت فى الثانية اهـ. وهذا ظاهر فى أن ما قال الفقهاء معنى شرعى، وما قال أهل اللغة معنى لغوى، وهو خلاف الواقع بل كلاهما معنى لغوى، كما عرفت، فافهم. ثم اعلم أنه ليس فى معنى الجذع والثنى نص من أئمتنا الثلاثة والتفسير الذى نقلنا من قبل هو تفسير الفقهاء الذين جاءوا بعدهم لأن متون المذهب خالية عن التفسير المذكور، ونسب القدورى فى شرحه التفسير إلى الفقهاء دون الأئمة، كما فى "البناية" و"البدائع"، فليتنبه له. ج - ١٧ ما يجوز فى الضحايا من السن ٢٤٣ ٥٥٩٣- وعن مجاشع بن سليم أن النبى معَّه كان يقول: ((إن الجذع يوفى مما یوفى منه الثنى))، رواه أبو داود وابن ماجة وفى إسناده عاصم بن كليب. قال ابن المدينى: لا يحتج به إذا انفرد، وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازى: صالح، وأخرج له مسلم (نيل ٣٤٧:٤). قلت: لم يتفرد به عاصم، بل لما رواه شواهد من حديث جابر وغيره، كما عرفت، فينبغى أن يكون الحديث حجة عند ابن المدينى أيضًا. وليعلم أيضا أن ما فسر به فقهاءنا الجذع والثنى فسر به فقهاء الحنابلة أيضا؛ لأنه قال الإمام موفق الدين ابن قدامة الحنبلى فى كتابه "المغنى": لا يجزئ فى صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثنى من المعز وهو ما له سنة اهـ (المغنى ٤٧٩:٢)، فظهر منه أن الحنفية لم يتفردوا بهذا التفسير، فتبصر. قال العبد الضعيف: ذكر الترمذى فى جامعه عن وكيع قال: الجذع يكون ابن سبعة أو ستة أشهر اهـ (١٨١:١) وقد ثبت عن ابن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع كان يستقبل القبلة ويحفظ حديثه ويقوم الليل ويسرد الصوم ويفتى بقول أبى حنيفة، كما فى "التهذيب" (١٢٧:١١)، فالظاهر أن قول وكيع هذا هو قول الإمام وأصحابه، وفيهم محمد بن الحسن والقاسم بن معنى فى معرفتهما باللغة والعربية؛ فلعل أهل العراق من اللغويين الذين ذهبوا إلى ما قاله وكيع وأهل الحجاز منهم ذهبوا إلى ما أخذه الشافعية ومن وافقهم، وقد رأيت فى مختار الصحاح للجوهرى تفسير الجذع بما يكون ابن سبعة أو ستة أشهر، وقال ابن بطال: العتو والجذع من المعز ابن خمسة أشهر (فتح البارى ١٩:١٠)، ولا يخفى أن المعز والضأن متجانسان؛ فيبعد كل البعد أن يجذع المعز فى خمسة أشهر، ولا يجذع الضأن قبل تمام السنة، فالحق هو ما ذهب إليه أصحابنا، والله تعالى أعلم. وقال الموفق فى "المغنى": لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثنى من غيره، وبهذا قال مالك والليث والشافعى وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأى، وقال ابن عمر والزهرى: لا يجزئ الجذع لأنه لا يجزئ من غير الضأن فلا يجزئ منه كالحمل. (قلت: لم يثبت عن ابن عمر هكذا، وغاية ما روى عنه أنه كره الجذع وهو لا يدل على عدم الإجزاء: وسيأتيك تفصيله إن شاء الله تعالى) وعن عطاء والأوزاعى قالا: يجزئ الجذع من ٢٤٤ ما يجوز فى الضحايا من السن إعلاء السنن ٥٥٩٤- وعن عقبة بن عامر، قال: ضحينا مع رسول الله عَ ◌ّه بالجذع من الضأن، رواه النسائي، ورجاله ثقات (نيل ٣٤٧:٤). جميع الأجناس لما روى مجاشع بن سليم مرفوعا أن الجذع يوفى مما يوفى منه الثنى. رواه أبو داود والنسائى، ولنا على أن الجذع من الضأن يجزئ حديث مجاشع وأبى هريرة وغيرهما وعلى أن الجذعة من غيرها لا تجزئ قول النبى عّ لّه: ((لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن)) (رواه مسلم وغيره: فلو كان الجذع من غيره يجزئ لم يكن لتخصيص الجذع من الضأن بالإستثناء معنى) وقال أبو بردة بن نيار: عندى جذعة (من المعز) أحب إلى من شاتين فهل تجزئ عنى؟ قال: نعم! ولا تجزئ عن أحد بعدك، متفق عليه. وحديثهم محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا، قال إبراهيم الحزلى: إنما يجزئ الجذع من الضأن؛ لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا أهـ (٩٩:١١). واعتل ابن حزم لرد حديث جابر: ((لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم» الحديث بأنه من رواية أبى الزبير عن جابر وهو مدلس، فلا يحتج به ما لم يقل فى الخبر أنه سمعه من جابر اهـ (٣٦٤:٧)، وليس ذلك بعلة فإن مسلما أودعه فى الصحيح ولا يودع فيه من أحاديث المدلسين إلا ما ثبت لهم سماعه، قال: ثم لو صح لكان خبر البراء ناسخا له، لأن قول النبى معَّ له: ((لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك)) خبر قاطع ثابت مادامت الدنيا ناسخ لكل ما تقدم إلخ. قلت: ومن أين لك دعوى التقدم أو التأخر من غير دليل؟ وأيضا فإنما يفزع إلى القوى بالنسخ عند تعارض الخبرين وعدم إمكان الجمع بينهما، وههنا ليس كذلك، فإن حديث أبى بردة مقيد بالجزع من المعز كما ورد التصريح به فى لفظ للبخارى وغيره، ونصه: فقال: يا رسول الله! إن عندى داجنا جذعة من المعز، قال: ((اذبحها ولا تصلح لغيرك))، وسيأتى، ورواه الطبرانى من طريق سهل بن أبى حثمة أن أبا بردة ذبح ذبيحة بسحر فذكر ذلك للنبي معدّ لّه فقال: ((إنما الأضحية ما ذبح بعد الصلاة اذهب فضح، فقال: ما عندى إلا جذعة من المعز)) الحديث (فتح البارى ١٠:١٠). وأما قول ابن حزم: إن رواية من روى عن البراء قول النبى معَّ له: ((لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك» هى الزائدة ما لم يروه من لم يرو هذه الفظة: وزيادة العدل خبر قائم بنفسه، وحکم وارد لا يسع أحدا تركه اهـ (٣٦٢:٧)، ففيه أن قول النبى عّ لّ هذا قد ورد فى جواب قول أبى بردة: عندی جذعة. ج - ١٧ ما يجوز فى الضحايا من السن ٢٤٥ والأصل مطابقة الجواب للسؤال من غير زيادة ولا نقص، فرواية من روى أنه قال: عندى جذعة من المعز هى الزائدة دون رواية من قال: عندى جذعة؛ لأن هذا كله خبر واحد عن قصة واحدة فى موطن واحد. فلا يكون إطلاق من أطلق الجذعة ونسى القيد حجة على من قيدها بالمعز وحفظه وناهيك بتبويب البخارى على هذا الحديث بقوله: باب قول النبى مَ ◌ّ لأبى بردة: ((ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك))، فأشار بذلك إلى أن الضمير فى قول النبى عد له: ((اذبحها)) للجذعة التى تقدمت فى قول الصحابى: إن عندى داجنا جذعة من المعزاهـ (فتح البارى ١٠:١٠)، فهذا هو العمل بالزيادة دون ما فعله ابن حزم. ومما يبطل قول من منع الجذع جملة ما رواه الحاكم فى "مستدركه" من طريق ابن وهب أخبرنى عبد الرحمن بن سليمان بن عقيل عن ابن قسيط عن سعيد بن المسيب عن بعض أزواج النبى معَّ ◌ُّه قال: لأن أضحى بجذع من الضأن أحب إلى من أن أضحى بمسنة من المعز، ورواه محمد بن إسحاق القرشى عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن المسيب عن أم سلمة (٤: ٢٢٦) سكت عنه الحاكم والذهبى معا، فالحديث حسن، وما رواه ابن حزم من طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أنا حصين بن عبد الرحمن قال: رأيت هلال بن يساف يضحى بجذع من الضأن فقلت: أتفعل هذا؟ فقال: رأيت أبا هريرة يضحى بجذع من الضأن، قال ابن حزم: فهذا حصين قد أنكر الجذع من الضأن فى الأضحية (٣٦٢:٧) ... قلنا: نعم: أنكره قياسا على الجذع من المعز، فلما علم بفعل أبى هريرة لم ينكره وترك القياس، وما روينا فى المتن عن عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله عظيم بالجذع من الضأن، وأما قول ابن حزم: إنه من طريق معاذ بن عبد الله بن حبيب وهو مجهول (٣٦٤:٧)، فرد عليه لأنه من رجال الأربعة أخرج ه البخارى فى "الأدب"، روى عنه الأجلة مثل زيد بن أسلم وبكير بن الأشبح وسعد بن سعيد الأنصارى وأسيد بن أبى أسيد البراء وغيرهم: سئل عنه ابن معين فقال: من الثقات، وقال أبو داود: وثقه، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، ولم نر أحدا جهله غير ابن حزم، والبسط فى "التهذيب" (١٩٢:١٠)، وأما قوله: إنه غير مسند؛ لأنه ليس فيه أن النبى عرّ عرف ذلك، ففيه أن وكيعا رواه عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن سعيد بن المسيب عن عقبة بن عامر سألت رسول الله عَّ عن الجذع من الضأن فقال: ((ضح به)) (المحلى ٣٦٤:٧)، وقول ابن حزم: أسامة بن زيد ضعيف جدا. فباطل بالمرة، فإنه الليثى من رجال مسلم والأربعة علق ٢٤٦ ما يجوز فى الضحايا من السن إعلاء السنن له البخارى، وقال ابن معين: ليس به بأس، وفى رواية: ثقة صالح، وقال الدورى عنه: ثقة، وزاد غيره: حجة، وقال العجلى: ثقة. نعم لما سمع يحيى القطان أنه حديث عن عطاء عن جابر رفعه. أيام منى كلها منحر قال: اشهدوا أنى قد تركت حديثه. كما فى "التهذيب" (١: ٢٠٩) وهذا من التعنت فى الجرح، وكان يحيى القطان من المتعنتين. فإن خطأه فى حديث لا يقتضى بطلان أحاديثه كلها، فمن الذى ما ساء قط ومن له الحسنى فقط؟ فهؤلاء الحفاظ المتقنون: شعبة والثورى والزهرى وغيرهم لم يسلموا من الخطأ فى الإسناد مرة، وفى المتون أخرى، فافهم، وتيقظ. وما رواه أحمد والطبرانى عن أم بلال أن رسول الله عَّم قال: ((ضحوا بالجذع من الضأن، فإنه جائز))، ورجاله ثقات، كما فى "مجمع الزوائد" (١٩:٤). وقول ابن حزم: إنه عن أم محمد بن أبى يحيى ولا يدرى من هى؟ عن أم بلال وهى مجهولة ولا ندرى لها صحبة أم لا؟ (٣٦٥:٧) لا يضرنا، فإن من وثق رجال الإسناد قد عرفهم، والعارف حجة على من لم يعرف، والحديث أخرجه ابن ماجة من طريق أم محمد عن أم بلال بنت هلال عن أبيها وأم بلال قال العجلى: تابعية ثقة، كما فى "التهذيب". وأبوها هلال بن أبى هلال، قال ابن حبان: له صحبة، وترجم له ابن منده هلال بن أبی هلال وابن قانع هلال بن مسلم، قال الحافظ فى "الإصابة": له حديث فى الأضاحى أخرجه أحمد وابن ماجة بسند حسن اهـ "(٢٩٠:٦)، وهذا يدل على معرفته بأم محمد بالثقة حيث صرح بتحسين السند. وما رواه ابن حزم من طريق سليمان بن موسى عن مكحول أن رسول الله عَ لّه قال: ((فضحوا بالجذعة من الضأن والثنية من المعز))، وأعله بالإرسال، والمرسل حجة عندنا لا سيما لتفسير المرفوع، فإن تفسيره به أولى من تفسيره بالرأى، وهذا مما لم يتنبه له غير الحنفية وأخلق بأهل الظاهر أن يتنبهوا له. وما رواه من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن على بن أبى طالب قال: يجزئ من الضأن الجذع، وعن حبة العرنى عن على مثله، وأعل الأول بالانقطاع والثانى بالوهاء. والانقطاع فى القرون الفاضلة لا يضرنا لا سيما ومحمد الباقر من ثقات أهل البيت، وصاحب البيت أدرى بما فيه. والثانى مؤيد له وشاهد، والمرسل إذا تعدد مخرجه صار حجة، وحبة العرنى ليس بمتروك ولا ثبت، بل وسط، وقال العجلى: تابعى ثقة وقد وثقه أحمد أيضًا، وقال الطبرانى: يقال: إن له ج - ١٧ ما يجوز فى الضحايا من السن ٢٤٧ رؤية وتكلم فيه آخرون کما فى "التهذيب"، فلا يكون الحدیث واهیا من قبله. وما رواه من طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله - هو الطحان- عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لأن أضحى بجذعة سمينة عظيمة تجزئ فى الصدقة أحب إلى من أن أضحى بجذع من المعز مع قوله: لا تجزئ إلا الثنية من الإبل والبقر، ولم يعله ابن حزم بشىء، ولا يخفى أن المراد بالجذعة السمينة العظيمة الجذع من الضأن بدليل المقابلة بالجذع من المعز، وبه نقول كما فى "الهداية"، إنما يجوز الجذع من الضأن إذا كانت عظيمة بحيث لو خلطت بالثنيات تشتبه على الناظر من بعيد، وأما قول ابن حزم: ليس فيه المنع من التضحية بالجذع من الماعز فنقول: وليس فيه جوازه أيضا، والمقصود إبطال قولك بالمنع من الجذع مطلقا، وهو يدل على ذلك قطعا. وأما المنع من الجذع من المعز فقد ثبت بنص الحديث من رسول الله عّ لّه كما تقدم، وعن أبى هريرة: لا بأس بالجذع من الضأن فى الأضحية، وعن عمران بن الحصين إنى لأضحى بالجذع من الضأن وإنما لتروح على ألف شاة وعن ابن عباس رضى الله عنه لا بأس بالجذع من الضأن، فهم ستة من الصحابة (هؤلاء خمسة وسادسهم أم سلمة رضى الله عنها ذكرنا قولها عن الحاكم فى "مستدركه")، قال ابن حزم: وروينا إجازة الجذع من الضأن فى الأضحية عن هلال بن يساف، وعن كعب وعطاء وطاوس وإبراهيم وأبى زرين وسويد بن غفلة فهم سبعة من التابعين وقال إبراهيم: لا يجزئ من الماعز إلا الثنى فصاعدا، وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى (وأحمد). قال ابن حزم: ولو صحت لأخذنا بها لكنا روينا عنه (-أى عن على-) خلافها، كما قدمنا قبل، وإذا وجد خلاف من الصحابة فالواجب الرد إلى القرآن والسنة اهـ (٣٦٦:٧). قلت: لم تقدم عنه إلا ما رويت من طريق وكيع نا سفيان الثورى عن أبى إسحاق السبيعى عن هبيرة بن يريم عن على بن أبى طالب قال: إذا اشتريت أضحية فاستسمن فإن أكلت أكلت طيبا، وإن أطعمت أطعمت طيبا واشتر ثنيا فصاعدا .. ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن أبى إسحاق به بلفظ: ضحوا بثنى فصاعدا وسليم العين والأذن، ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثورى عن جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: ضحوا بثنى فصاعدا ولا تضحوا بأعور، ومن طريق عبد الرزاق نا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لا تجزئ إلا الثنية فصاعدا (٣٦١:٧). وليس فى شىء منها المنع عن الجذع من الضأن، وغاية ما فيها الأمر بالثنى ونحن نقول به ٢٤٨ إعلاء السنن باب عدم جواز التضحية بالجذعة من المعز ٥٥٩٥- عن البراء بن عازب قال: ضحى خالى يقال له: أبو بردة قبل الصلاة فقال له رسول الله عَ ليه: ((شاتك شاة لحم))، فقال: يا رسول الله! إن عندی داجنًا جذعة من المعز، قال: ((اذبحها ولا تصلح لغيرك))، رواه البخارى. فى غير الضأن، وهو محمل هذه الآثار بدليل ما ذكرنا من الأحاديث والآثار فى جواز الجذع من الضأن، والجمع بهذه الطريق أولى من حمل ابن حزم إياها على النسخ بحديث أبى بردة بن نيار، فقد عرفت أنه لا يدل إلا على عدم إجزاء الجذع من المعز، لا على عدم إجزائه مطلقا، فقول الجمهور هو الحق، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ. باب عدم جواز التضحية بالجذعة من المعز أقول: الحديث نص فى الباب. وأورد عليه بأنه ثبت مثل ذلك لغير أبى بردة كعقبة بن عامر. والجواب عنه أن قوله: لا تصلح لغيرك ورد لدفع شبهة التشريع العام، ومعناه أنه لا يجوز لأحد أن يضحى بها من غير أن يأذن له رسول الله عَّه كما أذن لأبى بردة، لأنه لا يأذن لغيره، فلا ينافيه إذنه لغيره على وجه الاستثناء كما أذن لأبى بردة، وهذا هو الحق، والحال ابن حجر فى "الفتح" هذا المبحث، ولم يأت بشىء واقتصر فى "بذل المجهود" على نقل كلام ابن حجر، ولم يتنبه لما قلنا، فتنبه له، والله يهدیك ويهدینا. قال العبد الضعيف: لا يخفى على من له مسكة عقل وإلمام باللسان أن قوله: ولا تصلح لغيرك، وفى رواية: ولا يجزئ عن أحد بعدك، وفى لفظ: وليست فيها رخصة لأحد بعدك. وفى أخرى: لن تجزئ عن أحد بعدك، نص فى كون المخاطب به مختصا بهذا الحكم للأبد من بين سائر الناس، وتأويله بأن معناه: لا يجوز لأحد أن يضحى بها من غير أن يأذن له رسول الله عّ لّه صرف للكلام عن ظاهره يرده ما فى رواية للشيخين بلفظ: ولن تجزئ عن أحد بعدك، فإنه لا يقبل النسخ، ولا التأويل لكونه نفيا عاما للأبد. فالحق ورود الإشكال والصواب فى الانفصال عنه ما ذكره الحافظ فى "الفتح" أن ما وقع فى كلام بعضهم: إن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة يوهم أنهم شاركوا أبا بردة فى ذلك وليس كذلك، وإنما وقعت المشاركة فى مطلق الإجزاء لا فى خصوص منع الغير، فيحمل على كون ذلك فى ابتداء الأمر؟ ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ، واستثنى منه أبا بردة : ج - ١٧ عدم جواز التضحية بالجذعة من المعز ٢٤٩ فرخص له، ولا يرد عليه ما فى حديث عقبة بن عامر عند البيهقى من قوله له: ولا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقى: إن كانت هذه الزيادة محفوظة؛ قال الحافظ؛ ورأيت الحديث فى المتفق للجوزقی من طريقه عبید بن عبد الواحد ومن طریق أحمد بن إبراهيم بن ملحان كلاهما عن یحیی ابن بكير (و-من طريقه رواه البيهقى)، وليست الزيادة فيه، فهذا هو السر فى قول البيهقى، إن كانت محفوظة فكأنه لما رأى التفرد حشى أن يكون دخل على راويها حديث فى حديث اهـ ملخصا (١٠: ١١). وبالجملة فحديث أبى بردة أصح مخرجا لا يقاومه غيره، فلا يصح القول بأنه ثبت مثل ذلك لغير أبى بردة أيضا، والله تعالى أعلم. تنبيه: قد اتفقت الروايات عن البراء أن أبا بردة قال لرسول الله عَ ◌ّه: إن عندنا جذعة من المعز، كما فى البخارى، أو ماعزا جذعا، كما فى "مسند أحمد" (٢٨٢:٣)، أو عناق لبن علقه البخارى ووصله مسلم (فتح البارى ١٤:١٠)، أو جذعة من غیر فصل کما فى بعض الروايات عند البخارى، أو عناق جذع عناق لبن، أو عناق جذعة عنده أيضا، لم يقل أحد عن البراء جذعا من الضأن، واختلف من روى هذه القصة عن أبى بردة غير البراء، فقال سهل بن أبى حثمة: إن أبا بردة ذبح ذبيحة بسحر، فذكر ذلك للنبى معَّة. فقال: ((إنما الأضحية ما ذبح بعد الصلاة، اذهب فضح، فقال: ما عندى إلا جذعة من المعز)) الحديث، رواه الطبرانى كما فى "فتح الباري" (١٠:١٠) وهو حسن، أو صحيح على أصله، وهو موافق لما فى الروايات عن البراء بلفظ: جذعة من المعز، أو عناق لبن، أو عناق جذعة، لأن العناق كسحاب، الأنثى من أولاد المعز، وجمعه أعنق وعنوق، كما فى القاموس (ص٦٥٩) و "مجمع البحار" (٤٣٤:٢)، وزاد دون السنة وقال: أضيف إلى اللبن إشارة إلى صغرها أى قريبة من الإرضاع اهـ، وقال الحافظ فى الفتح: والعناق بفتح العين وتخفيف النون: الأنثى من ولد المعز عند أهل اللغة ولم يصب الداودى فى زعمه أن العناق هى التى استحقت أن تحمل، وإنها تطلق على الذكر والأنثى، وإنه بين بقوله: لبن أنها أنثى. قال ابن التين: غلط فى نقل اللغة وفى تأويل الحديث، فإن معنى عناق لبن أنها صغيرة سن ترضع أمها اهـ (١٠:١٠). قلت: وكذلك غلط ابن حزم فى زعمه أن العناق اسم يقع على الضانية كما يقع على الماعزة ٢٥٠ عدم جواز التضحية بالجذعة من المعز إعلاء السنن ولا فرق، ثم ذكر قول العدبس الكلابى وأبى فقعس الأسدى من أهل اللغة (٣٦٢:٧)، ففى "الصراح" ترجمة "الصحاح" للجوهرى بالفارسية عناق بالفتح: بزغاله ماده اهـ، لم يقل أحد منهم ما ذكره ابن حزم أن العناق يعم أولاد المعز وأولاد الضأن جميعا، فلا حجة فى قول من شذ عن الجمهور وأتى بقول مخترع فى اللغة خلاف المشهور، وقال يحيى بن سعيد الأنصارى عن بشير بن يسار عن أبى بردة قال: إنى لا أجد إلا جذعة، فأمره أن يذبح (مسند أحمد ٤٦٦:٣)، وهذا كما فى بعض الروايات عن البراء من غير فصل، وانفرد ابن إسحاق عن بشير بن يسار عن أبى بردة بقوله: فالتمست مسنة، فلم أجدها فجئته، فقلت: والله يا رسول الله! لقد التمست مسنة فما وجدتها، قال: ((فالتمس جذعا من الضأن فضح به)). قال: فرخص له رسول الله عَّ فى الجذع من الضأن فضحى به حيث لم يجد المسنة، رواه أحمد فى "مسنده" أيضا (٤: ٤٥)، وهو يدل على أن الرخصة كانت لأبى بردة فى الجذع من الضأن لا فى الجذع من المعز، وهو وارد على الجمهور القائلين بأن الرخصة لأبى بردة إنما كانت فى الجذع من المعز، وأما الجذع من الضأن: فيجوز لكل مسلم أن يضحى به خلافا لابن حزم، كما تقدم. والجواب أما أولا: فإن هذه الرواية مما خالف فيها ابن إسحاق جماعة الثقات، فهى شاذة، أو منكرة. وأما ثانيا: فليس فيها أنه وجد جذعا من الضأن وأخبر به رسول الله عَّ ◌ُلّم فقال: ((ضح به ولن يجزئ عن أحد بعدك))، وغاية ما فيه أنه مُرْ خّر أمره بطلبه، فيتحمل أنه حين رجع بعد قوله: فالتمس جذعا من الضأن لم يجد إلا جذعة من المعز، كما وقع التصريح به فى حديث مطرف عن عامر عن البراء عند البخارى، وفى حديث سهل بن أبى حثمة عن أبى بردة بن نيار عند الطبرانى فأخبر به النبى معَِّ فقال: اذبحها ولا تصلح لغيرك، فاختصر ابن إسحاق، أو شيخه تمام القصة، ولم يذكر قول أبى بردة: ما عندى إلا جذعة من المعز، وظن أن الرخصة إنما وقعت فى الجذع من الضأن؛ فإن قوله: فرخص له رسول الله عَّه إلى آخره ليس من الحديث، كما هو ظاهر، وإنما هو قول الراوى ولا حجة فى ظن الراوى، وإنما الحجة فى قول النبى معَ له. وأيضا فإن البراء بن عازب أوثق من كل من روى هذه القصة عن كأبى بردة لأنه رواية صحابى عن صحابى كلاهما قد شهدا الأمر، فلا يعارض بما رواه بشير بن يسار التابعى عن أبى بردة، لا سيما وقد خالفه سهل بن أبى حثمة عنه، فقال: إنه قال: ما عندى إلا جذعة من المعز، ولا يقول: فالتمس جذعة من الضأن عن بشير بن يسار غير ابن إسحاق فإن يحيى بن سعيد يقول ٢٥١ ج - ١٧ باب التضحية بالخصى ٥٥٩٦- قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان الثورى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبى سلمة عن عائشة وعن أبى هريرة أن رسول الله عَّه ((كان إذا أراد أن يضحى اشترى كبشين عظیمین سمینین أقرنین أملحین موجوئين)) الحديث، وأخرجه أحمد عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبى سلمة، عن عائشة أو أبى هريرة بالشك (مسند ١٣٦:٦)، وأخطأ ابن تيمية حيث رواه فى "المنتقى": عن عائشة بالتعيين وعزاه لأحمد، ثم أخطأ الشوكانى فى شرحه حيث قال فى إسناد حديث عائشة وأبى هريرة عيسى بن عبد الرحمن بن فروة وهو ضعيف اه؛ لأن عيسى المذكور ليس فى سند ابن ماجة، ولا فى "مسند أحمد"، كما عرفت. وأخرجه أيضًا أحمد: من طريق شريك عن ابن عقيل عن على بن حسين عن أبى رافع والحاكم من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل عن على بن الحسين عن أبى رافع. وأخرجه الطحاوى من طريق حماد بن سلمة عن ابن عقيل عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه. وأخرجه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى عياش عن جابر، وأخرجه أحمد من طريق حجاج بن أرطاة عن أبى نعمان عن بلال بن أبى الدرداء عن أبيه، وأخرجه الزيلعى من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبى هريرة، وعزاه لأبى نعيم فى "الحيلة"، وقال: قال أبو نعيم: مشهور من غير و جه غریب من حدیث یحیی اهـ. عنه: إن النبى عَّ أمره أن يعيد فقال: إنى لا أجد إلا جذعة من غير فصل. فتنبه لذلك، فإنى لم أر أحدا من الشراح نبه على ذلك ولله الحمد فى الأولى والآخرة، ظ. باب التضحية بالخصى أقول: الأحاديث نص فى جواز التضحية بالخصى. والأمر مجمع عليه، والمعنى فيه أن الخصاء والوجاء لا يحدث فيه عيبا، بل يزيد اللحم سمنا وطيبا، والله أعلم. قال الموفق فى "المغنى": ويجزئ الخصى، لأن النبى معَّه ضحى بكبشين موجوئين، والوجاء رض الخصيتين، وما قطعت خصيتاه أو شلتا، فهو كالموجوء، لأنه فى معناه، وقال الشعبى: ٢٥٢ إعلاء السنن / باب جواز التضحية بالثولاء والهتماء والثرماء ٥٥٩٧- عن الحسن: قال: لا بأس أن يضحى بالثولاء، أخرجه الحافظ فى التلخيص، وعزاه إلى النهاية فى غريب الحديث، وقال: الثولاء من الثول، وهو الجنون. ما زاد فى لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه، وبهذا قال الحسن وغطاء والشعبى والنخعى ومالك والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه مخالف اهـ (١٠٢:١١)، ظ. باب جواز التضحية بالثولاء والهتماء والثرماء أقول: جواز التضحية بها هو ما ذهب إليه أبو حنيفة. قال فى "البدائع": وتجوز الثولاء وهى المجهونة إلا إذا كان يمنعها من الرعى والاعتلاف فلا تجوز، لأنه يفضى إلى هلاكها فكان عيبا فاحشا اهـ. وقال فيه أيضا: أما الهتماء وهى التى لا أسنان لها، فإن كانت ترعى وتعتلف جازت وإلا فلا، وذكر فى "المنتقى" عن أبى حنيفة أنه إن كان لا يمنعها عن الاعتلاف تجزئه، وإن كان يمنعها عن الاعتلاف إلا أن يصب جوفها صبا لم تجزه، وقال أبو يوسف فى قول: لا تجزئ سواء اعتلفت أو لم تعتلف، وفى قول: إن ذهب أكثر أسنانها لا تجزى، وفى قول: إن بقى من أسنانها قدر ما تعتلف تجزئ والإفلا اهـ (بدائع ٧٥:٥). وحاصله أن الهتماء تجوز عند أبى حنيفة إذا كانت تعتلف ولا تجوز عند أبى يوسف مطلقا وأما الثرماء فتجوز عند أبى حنيفة أيضا إذا كان تعتلف ولأبى يوسف فيها قولان: قول اعتبر فيه بقاء الأكثر وقول اعتبر فيه الاعتلاف، وبهذا ظهر ما فى كلام "البدائع" من التساهل لأنه جعل لأبى يوسف فى الهتماء ثلاثة أقوال مع أن له فيها قولا واحدا، وقولان آخران فى الثرماء. وقال فى "الدر المختار": ولا بالهتماء الذى لا أسنان لها، ويكفى بقاء الأكثر، وقيل: ما تعتلف به اهـ. وقال فى "الرد": قوله وقيل: ما تعتلف به هو وما قبله روايتان حكاهما فى "الهداية" عن الثانى، وجزم فى "الخانية" بالثانية، وقال قبله: والتى لا أسنان لها، وهى تعتلف، أو لا تعتلف لا تجوز، انتهى. ويظهر من هذا الكلام أن هؤلاء الأعلام لم يطلعوا على مذهب الإمام فى الهتماء والثرماء وظنوا مذهب أبى يوسف مذهب الإمام، كما لا يخفى، وقد بينا لك أن مذهبه هو جواز الهتماء والثرماء إذا كانتا تعتلفان، وهو الذى اعتمده فى "البدائع"، وهو الأرجح من حيث القياس، ٢٥٣ ج - ١٧ جواز التضحية بالثولاء والهتماء والثرماء -٥٥٩٨- وعن طاوس قال فى الهتماء: يضحى بها أخرجه الحافظ فى التلخيص، وعزاه إلى غريب الحديث لأبى عبيد، وقال: هى مكسورة الأسنان، وقال عتبة بن عبد السلمی فی الثرماء، ألا جئتنی بها؟ کما فی حدیث أبی داود المذ کور فی (باب ما لا يجوز به التضحية) من هذا الكتاب وهى التى سقط بعض أسنانها، وفى حديث البراء من طريق عبيد بن فيروز قال: قلت: فإنى أكره أن يكون فى السن نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد، وقد تقدم فى الباب المذكور وهو حديث صحيح. لأن الأسنان ليست من الأعضاء المقصودة بل إنما هى مقصودة بالاعتلاف، فإذا حصل هذا المقصود فلا عبرة ببقاءها وسقوطها، ويرد على ما فى الخانية أنه اعتبر الأسنان من الأعضاء المقصودة فينبغى أن يعتبر بقاء الأكثر كالأذن والذنب. وإن اعتبرها من الأعضاء الغير المقصودة فما الوجه فى قوله بعدم الهتماء التى لا أسنان لها، سواء كانت تعتلف، أم لا. فإن قلت: يرد عليكم القرن لأنه ليس عندكم من الأعضاء المقصودة وقد شرطتم بقاء أصله. قلنا: نعم ولكن شرطنا ذلك بأثر عتبة بن عبد السلمى الذى قال فيه: إنه معرّ نهى مستأصلة القرن لا بالقياس، وإن كنتم قستم الأسنان على القرن كان ينبغى لكم القول بكفاية واحد منها. ولا معنى لاعتبار بقاء قدر ما تعتلف به بالجملة، لم يظهر لى وجه ما اختاره فى "التنوير" و"الخانية"، والأرجح عندى ما اختاره فى "البدائع" من قول أبى حنيفة، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وفى "الخلاصة" عن نظم الزندويسى خمسة عشر من الآفات لا يمنع جواز الأضحية، منها: أن لا أسنان لها إن كانت تعتلف فى ظاهر الأصول، وعن أبى يوسف: لا يجوز مطلقا، وفى "التجريد" عن أبى يوسف: إن بقى من الأسنان ما يعنلف به جاز، وفى الأجناس: لا يجوز مطلقا إلى أن قال: وفى السبع من العيوب لا يجوز: العمياء والعوراء فإن كان ·الذاهب بعض عينها الواحدة أو بعض أذنها أو بعض أسنانها وفى رواية الأجناس: إن كان أكثر من النصف لا يجوز بالإجماع، وإن كان أقل من الثلث يجوز، وبقدر الثلث وما كان دون النصف فهو قليل عندهما، وبقدر النصف لا يجوز فى ظاهر مذهبهما، لأنه كثير. وفى شرح "الجامع الصغير" للصدر الشهيد وفى النصف عنهما روايتان فى الظاهر عنهما أن النصف كثير، وفى مختلف الرؤية: إن كان أكثر من الثلث لا يجوز عند أبى حنيفة، وبقدر الثلث يجوز عنده اهـ (٣٢١:٤). وتبين بذلك أن مذهب الإمام فى الهتماء والثرماء ليس جوازهما مطلقا، بل فيهما عنه ٢٥٤ إعلاء السنن باب بیع جلد الأضحية ٥٥٩٩- عبد الله بن عياش القتبانى عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من باع جلد أضحيته فلا أضحية له))، أخرجه الحاكم وصححه، وتعقبه الذهبى، فقال: ابن عياش ضعفه أبو داود (مستدرك ٣٩٠:٤). روايتان: فى رواية اعتبر الاعتلاف، وفى أخرى قلة الذاهب وكثرته، وظهر بذلك أن مشايخ المذهب قد اطلعوا على مذهب الإمام ولم يجعلوا مذهب أبى يوسف مذهبا له خلاف ما ظنه بعض الأحباب. وأما الثولاء فليس جوازها بمطلق عندنا بل مقيد بأن تكون سمينة، قال فى "الخلاصة": والثولاء (تجوز)، وهى المجنونة إن كانت سمينة اهـ (ص مذكور)، وفى حاشية "الجامع الصغير": عن شرح الصدر الشهيد على قوله: وتجزئ الثولاء ما نصه: وإنما يجوز إذا كانت سمينة، ولم يكن بها ما يمنع الرعى، وإن كانت بخلاف ذلك لا يجزيه اهـ (ص١٤٩). وفى "شرح المهذب": ورد النهى عن الثولاء وهى المجنونة التى تستدير فى الرعى ولا ترعى إلا قليلا فتهزل فلا تجزئ بالاتفاق اهـ (٨: ٤٠١)، فقول الحسن: لا بأس أن يضحى بالثولاء محمول على السمينة، وما ورد من النهى عنه المهزولة، والله تعالى أعلم، ظ. باب بیع جلد الأضحية أقول: ههنا أصلان: الأول أنه يجوز له الانتفاع بجلد الأضحية بإمساكه فى ملكه والثانى أن حكم البدل هو حكم المبدل، فإن باع المضحى جلد أضحية بما ينتفع به فى البيت بعينه مع بقائه جاز ذلك استحسانا، ويجعل ذلك كأنه منتفع بالجلد بعينه، وإن باعه بما لا ينتفع به إلا باستهلا كه يجب عليه التصدق بالقيمة للحديث الذى سقناه فى المتن، لأن معناه: إن من باع جلد أضحية بما لا ينتفع به إلا باستهلا که، ولم يتصدق به فلا أضحية له. أما تقييد البيع بما لا ينتفع به إلا باستهلاكه فلما قلنا: إن حكم البدل هو حكم المبدل، فلا يكون البيع بما ينتفع به مع بقاءه ممنوعا لأنه يجعل حينئذ كأنه منتفع بعين الجلد، وأما قولنا: فلم يتصدق به فلم قلنا أيضا أن حكم البدل هو حكم المبدل، فلما تصدق بالقيمة فكأنه تصدق بعين الجلد، فيختص المنع بما قلنا، وهو أن يبيع بما لا ينتفع به مع بقاءه، ولا يتصدق، فاحفظ. وحديث قتادة بن النعمان أخرجه أحمد فقال: حدثنا حجاج قال: حدثنى أن جريج قال: ج - ١٧ بيع جلد الأضحية ٢٥٥ قلت: هذا التعقيب ليس فى محله، لأن الحاكم لم يدع أن كل من يصحح هو حديثه لا كلام فيه لأحد، وقد قال الذهبى فى "الميزان": إنه خرج له مسلم فيكون صحيحًا على شرطه، إلا أن يقال: إن مسلمًا لم يحتج به، بل ذكر حديثه فى الشواهد، كما قال ابن حجر فى "التهذيب"، ولكن لا يدفع هذا الجواب ما قلنا، بل كان ينبغى له أن يتعقب بما قاله ابن حجر أن مسلما لم يحتج به. قال سليمان بن موسى: أخبرنى زبيد أن أبا سعيد الخدرى أتى أهله فوجد قصعة من قدير الأضحى، فأبى أن يأكله، فأتى قتادة بن النعمان فأخبره أن النبى عرٍّ قام فقال: إنى نهيتكم عن لحوم الأضاحى وذكر الحديث وقال: واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها. وقال أيضا: حدثنا محمد بن بكر قال: أنا ابن جريج قال: أخبرت أن أبا سعيد الخدرى وعن سليمان بن موسى عن فلان وعن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله ولم يبلغ أبو الزبير هذه القصة كلها أن أبا قتادة أتى أهله، وساق الحديث بنحو حديث أبى سعيد، فتلخص منه أنه اختلف فيه على ابن جريج فرواه حجاج عنه عن زبيد عن أبى سعيد عن قتادة بن النعمان، ورواه محمد بن بكر عنه أنه قال: أخبرت أن أبا سعيد أتى أهله الحديث، ولم يقل عن سليمان بن موسى عن زبيد كما قال حجاج، ثم رواه محمد بن بكر فقال: عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن فلان. ولم يقل عن زبيد كما قال حجاج أن أبا قتادة أتى أهله. ولم يقل أبا سعيد كما قال الحجاج، ومع ذلك فقد ذكره الحافظ فى "الفتح"، ولم يذكر فيه علة، وقال فى "مجمع الزوائد": إنه مرسل صحيح الإسناد، كما فى "النيل" (٣٦٣:٤). ولا يخفى ما فيه من الاضطراب، والانقطاع بين زبيد وأبى سعيد فى رواية الحجاج، والإبهام فى شيخ ابن جريج فى رواية محمد بن بكر عن أبى سعيد الخدرى، وفى شيخ سليمان فى رواية عن أبى قتادة، فافهم. قال العبد الضعيف: إن الاختلاف على الحفاظ فى الحديث لا يوجب الاضطراب إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعلل الصحيح بالمرجوح وثانبهما مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وقد نص الحافظ فى "مقدمة الفتح" على أنه لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف، وفى "الجوهر النقى": إذا أقام ثقة إسنادا اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، كما مر كل ذلك فى "المقدمة" بأبسط بيان وأكمله. ٢٥٦ بيع جلد الأضحية إعلاء السنن وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال أبو حاتم: ليس المتين صدوق، یکتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة، فالحديث إن لم يكن صحيحًا، فلا ينزل عن مرتبة الحسن، وله شاهد من حديث قتادة بن النعمان عند أحمد. ولا يخفى أن الحجاج ومحمد بن بكر لا يستويان فقال أحمد فى "الحجاج": ما كان أضبط وأشد تعاهده للحروف ورفع أمره جدا، وقال المعلى الرازى: قد رأيت أصحاب ابن جريج ما رأيت فيهم أثبت من حجاج، وقال إسحاق بن عبد الله السلمی: حجاج نائما أوثق من عبد الرزاق يقظان (التهذيب ٢٠٥:٢)، وقال أحمد فى محمد بن بكر البرسانى: صالح الحديث، وقال ابن معين: كان والله ظريفا صاحب أدب. وقال فى رواية: ثقة، وقال ابن عمار الموصلى: لم يكن صاحب حديث تركناه لم نسمع منه. (التهذيب ٧٨:٩)، فالترجيح لما رواه أحمد من طريق الحجاج وللحديث طرق عند أحمد يتأيد بها ما ذكره الحجاج أن صاحب القصة أبو سعيد، كما فى "الزوائد" (٢٦:٤). ثم اعلم أن ظاهر حديث المتن، وكذا ظاهر حديث على أمرنى رسول الله عّ لّ أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها الحديث متفق عليه تحريم بيع جلودها، وهو مذهب الشافعى، ورواية عن أحمد قال: لا يبيعها ولا يبيع شيئا منها، وقال: سبحان الله، كيف يبيعها وقد جعلها الله تبارك وتعالى، وبهذا قال أبو هريرة ورخص الحسن والنخعى فى الجلد أن يبيعه ويشترى به الغربال والمنخل وآلة البیت، وروی نحو هذا عن الأوزاعى لأنه ينتفع به هو وغيره فجری مجری تفريق اللحم، وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه، وروى عن ابن عمر أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ورجح الموفق فى "المغنى" الرواية الأولى بأنه جعله الله تعالى فلم يجز بيعه - كالوقف - قال: وما ذكروه فى شراء آلة البيت يبطل باللحم لا يجوز بيعه بآلة البيت وإن كان ينتفع به (١١١:١١). وفى "شرح المهذب": ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الأضحية ولا غيره من أجزاءها لا بما ينتفع به فى البيت ولا بغيره، وبه قال عطاء والنخعى ومالك وأحمد وإسحاق حكاه عنهم ابن المنذر، ثم حكى عن ابن عمر وأحمد وإسحاق، أنه لا بأس أن يبيع جلدها ويتصدق بثمنه، قال: ورخص فى بيعه أبو ثور (وحكى إمام الحرمين أن صاحب "التقريب" حكى قولا غريبا للشافعى أنه يجوز بيع الجلد والتصدق بثمنه، وبصرف مصرف الأضحية، فيحجب التشريك فيه ج - ١٧ بيع جلد الأضحية ٢٥٧ كالانتفاع باللحم، والصحيح المشهور الذى تظاهرت عليه نصوص الشافعى أنه لا يجوز هذا البيع كما لا يجوز بيعه لأخذ ثمنه لنفسه)، وقال النخعى والأوزاعى: لا بأس أن يشترى به الغربال والمنخل والفأس والميزان، ونحوها، وحكى أصحابنا عن أبى حنيفة أنه يجوز بيع الأضحية قبل ذبحها وبيع ما شاء منها قالوا: وإن باع جلدها بآلة البيت جاز الانتفاع بها، قال: ودليلنا حديث على رضى الله عنه، والله أعلم اهـ (٤٢٠:٨). وفى "المحلى" لابن حزم: قد اختلف السلف فى هذا - (أى فى بيع جلد الأضحية)- فروينا من طريق شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان قلت لابن عمر: أبيع جلد بقر ضحيت بها؟ فرخص لى. وروينا من طريق عطاء أنه قال: إذا كان الهدى واجبا يتصدق بإهابه: وإن كان تطوعا باعه إن شاء، وقال أيضا: لا بأس ببيع جلد الأضحية إذا كان عليك دين ما، وسئل الشعبى عن جلود الأضاحى فقال: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دمائها﴾ إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وصح عن أبى العالية أنه قال: لا بأس يبيع جلود الأضاحى، نعم الغنيمة تأكل الحم وتقضى النسك، ويرجع إليك بعض الثمن، (فأجاز هؤلاء عطاء والشعبى وأبو العالية بيعه لأخذ ثمنه لنفسه، وهذا غلط منا منابذ للسنة، فلو جاز ذلك لجاز أن يعطى الجزار أجرته منها وقد نهى النبى معَّ له عنه، كما سيأتى. قال: وذهب آخرون إلى مثل هذا إلا أنهم أجازوا أن يباع به شىء دون شىء، صح عن إبراهيم النخعى أنه كره بيع جلد الأضحية وقال: لا بأس بأن يبدل بجلد الأضحية بعض متاع البيت، وأنه قال: تصدق به وأرخص أن يشترى به الغربال والمنخل، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز بيعه ولكن يبتاع به بعض متاع البيت - كالغربال- قال هشام بن عبيد الله الرازى: أيبتاع به الخل؟ قال: لا، قال: فقلت له: فما الفرق بين الخل والغربال؟ فقال: لا تشتر به الخل، ولم يزده على ذلك. قال ابن حزم: أما هذا القول فطريف جدا، إن هذا لعجب لا نظير له، وهذا أيضا قول خلاف كل ما روى فى ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم اهـ ملخصا (٣٨٦:٧). قال العبد الضعيف: قد صح عن النبى معَّه فى الأضاحى من قوله: كلوا وأطعموا وتصدقوا وادخروا، كما سيأتى فأبيح لنا احتباسها والصدقة بها وقد مر فى أبواب الصدقات قول معاذ لأهل اليمن: ائتونى بعرض ثياب خميس أو لبيس فى الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبى ◌ّه بالمدينة علقه البخارى. وصح عن معاذ أنه كان يأخذ العروض فى الصدقة، 1 ٢٥٨ بيع جلد الأضحية إعلاء السنن وفى الباب دلائل عديدة تدل على جواز دفع القيمة فى الذكاة قد ذكرناها هناك؛ فثبت أن التصدق بقيمة الشىء مثل التصدق به سواء فمن باع جلد أضحية وتصدق بالثمن كان كمن تصدق بالجلد، وقد صح عن النبى ◌ّ أنه قال لعلى: أن لا يعطى الجازر منها -أى من الأضحية- شيئا وقال: نحن نعطيه عندنا، متفق عليه، وهو نص فى أنه لا يجوز بيع شىء من الأضحية لأخذ ثمنه لنفسه، فحملنا قول النبى عّ لّه: ((من باع جلد أضحيته له))، قوله: ((ولا تبيعوا لحوم الهدى والأضاحى وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها)) فى حديث أبى سعيد عن قتادة بن النعمان مرفوعا (نيل ٣٦٣:٤) على البيع لأخذ الثمن لنفسه لا على البيع للتصدق بثمنه؛ لأن التصدق بالثمن كالتصدق بالجلد سواء، كما قلنا. وأما استبدال الجلد بما ينتفع به باقيا كالقربة والسفرة والغربال والجراب والدلو ونحوها، فلا بأس به لأن له أن يتخذ منه ما شاء منها ابتداء، فكان الاستبدال بها كاتخاذها انتهاء، ولأن البدل الذى يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقوم مقام المبدل، فكان المبدل قائما معنى، فكان الانتفاع به كالانتفاع بعين الجلد، بخلاف البيع بالدراهم والدنانير والخل واللحم ونحوه؛ لأن ذلك مما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، فلا يقوم مقام الجلد، فلا يكون الجلد قائما معنى (بدائع ٨١:٥)، فلا يكون إلا تجارة محضة، وقد نهى الشارع عّ لّ عن الاتجار بشىء من الهدى والأضاحى، هذا هو الفرق بين الغربال والخل، لم يتنبه له ابن حزم لبعده من الفقه والدراية. وأما قوله: إن الأضحية إذا قربت إلى الله تعالى فقد أخرجها المضحى من ملكه إلى الله تعالى، فلا يحل له منها شىء إلى آخره (٧: ٣٨٦)، فلا يخفى أنه لو مات بعد الأضحية كان لحمها وجلدها ميراثا يملكه ورثته، وللمضحی أن يهب كل ذلك أو يتصدق به أو يهديه لغنى أو فقير مسلم أو كافر، فثبت أن النهى عن البيع ليس لخروجه من ملكه، والقربة إنما تعلقت بنفس الأضحية لا بلحمها وجلدها فلو اشترى لحما وتصدق به لم يكن من الأضحية فى شىء، وقد روى الترمذى عن عائشة وحسنه أن النبى عّ لّه قال: ((ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم)). وروى الدار قطنى عن ابن عباس مرفوعا: ما أنفقت الورق فى شىء أفضل من نحيرة فى يوم عيد (نيل ٢٣٩:٤)، فالقربة إنما هو الذبح والنحر على اسم الله، وإنما أمر بأكل اللحم والتصدق به وبالجلد ونحوه. ونهى عن بيع شىء منها لكونه ملابسا لمحل القربة، فلا يكون له حكم الوقف لعدم تعلق القربة به حقيقة؛ والعجب ممن لا يقول بوقف المنقول أن يقول بوقف لحم الأضحية وجلدها، ج - ١٧ بيع جلد الأضحية ٢٥٩ ولو سلم فمن أين له أن يمنع استبداله بالمنخل والغربال ونحوه، وقد مر فى كتاب الوقف ما يدل على جواز استبدال الموقوف بما هو مثله، أو خير منه إذا كان منقولا. وبالجملة فالقياس جواز بيع اللحم والجلد مطلقا ولكنا تركناه فيما إذا باعه لأخذ الثمن لنفسه لحديث على رضى الله عنه فى النهى عن إعطاء أجرة الجزار منها، وقلنا بجوازه للتصدق بالثمن لأثر ابن عمر ولدلالة أثر معاذ وغيره على جواز التصدق بغير الجنس، وبجواز الاستبدال بما ينتفع به باقيا لأثر النخعى، وقد مر أنه كان لا يفتى بالرأى إلا بالأثر ولأن بقاء البدل كبقاء المبدل معنى، فكان الانتفاع بالبدل كالانتفاع بالجلد سواء. قال فى "البدائع": ولا يحل بيع شىء من جلدها وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وشعرها وصوفها ووبرها ولبنها، يحلبه منها بعد ذبحها بشىء لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه من الدراهم والدنانير، والمأكولات والمشروبات، ولا أن يعطى أجر الجزار والذابح منها، ثم ذكرنا ما ذكرناه من الآثار وقال: فإن باع شيئا من ذلك نفذ عند أبى حنيفة ومحمد. وعند أبى يوسف لا ينفذ ويتصدق بثمنه، لأن القربة ذهبت عنه فيتصدق به، ولأنه استفاده بسبب محظور وهو البيع، فلا يخلو عن خبث فكان سبيله التصدق به اهـ ملخصا (٨١:٥). وفى "الدر المختار": فإن بيع اللحم أو الجلد به أى بمستهلك أو بدراهم تصدق بثمنه، ومفاده صحة البيع مع الكراهة. وعن الثانى باطل؛ لأنه كالوقف اهـ، قال ابن عابدين: أفاد أنه ليس له بيعهما بمستهلك، وأن له بيع الجلد بما تبقى عينه. وسكت عن بيع اللحم به للخلاف فيه؛ ففى "الخلاصة" وغيرها: لو أراد بيع اللحم ليتصدق بثمنه ليس ذلك، وليس له فيه إلا أن يطعم، أو يأكل اهـ، والصحيح كما فى "الهداية" وشروحها أنهما سواء فى جواز بيعهما بما ينتفع بعينه دون ما يستهلك وأيده فى الكفاية بما روى ابن سماعة عن محمد -لو اشتری باللحم ثوبا، فلا بأس بلبسه - اهـ (٣٢١:٥). وحاصله كراهة بيع اللحم والجلد جميعا بمستهلك وجواز بيعهما بما ينتفع به باقيا مع الخلاف فى اللحم، والأولى التصدق بالكل والاحتراز عن البيع جملة خروجا من الخلاف وعملا باطلاق قوله عّ لّه: ((من باع جلد أضحيته فلا أضحية له))؛ فليحفظ ذلك فإن الناس عنه غافلون، ظ. اے ٢٦٠ إعلاء السنن باب التصدق بلحوم الأضاحی و غيرها ٥٦٠٠- عن على بن أبى طالب قال: أمرنى رسول الله عرّ ◌ُّ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطى الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطیه من عندنا، متفق عليه. باب التصدق بلحوم الأضاحى وجلودها وأجلتها وأن لا يعطى منها شىء للجزار أقول: أما الأمر بالتصدق بالأشياء المذكورة فمحمول على الندب لأن الشارع أباح انتفاع المالك باللحوم والجلود فالأجلة أولى -وأما إعطاء الجزار منها، فلا يجوز لأنه فى معنى البيع- وهو غير جائز بلا نية التصدق، فافهم. قال العبد الضعيف: وأغرب ابن حزم فقال: فرض على كل مضح أن يأكل من أضحيته، ولا بد ولو لقمة فصاعدا، وفرض عليه أن يتصدق منها أيضا بما شاء قل أو كثر ولا بد، ومباح له أن يطعم منها الغنى والكافر وأن يهدى منها إن شاء ذلك. واحتج بما رواه مالك عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم أن عمرة بنت عبد الرحمن قالت له: سمعت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها تقول، فذكر الحديث، وفيه قال عليه السلام بعد ما كان نهى أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث: ((كلوا وادخروا وتصدقوا)). قال ابن حزم: فهذه أوامر من رسول الله عَّ لا يحل خلافها اهـ. قلنا: فلم لم تقل بوجوب الادخار وقد قال: وادخروا بصيغة الأمر، وأما قوله: وادخار ساعة فصاعدا يسمى ادخارا فغير مسلم؛ فإن كان يسمى فى بلده فلا يسمى عندنا، وأيضا فإن ادخار ساعة لم يكن منهيا عنه قط، وإنما كان قد نهى عن الادخار فوق ثلاثة أيام: فلما راجعوه فى ذلك وقال: ادخروا لم يكن معناه إلا الادخار فوقها فليكن واجبا، ولم يقل بذلك أحد، فما الفرق بين الأمر بالأكل وغيره، وقد تقرر فى الأصول أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة لا للوجوب، كما فى قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ نظائره كثيرة فى كلام الشارع، فلا دلالة فى قوله: ((كلوا وادخروا وتصدقوا)) على وجوب هذه الأمور. قال الحافظ فى "الفتح": وقوله: ((كلوا وأطعموا)) تمسك به من قال بوجوب الأكل من الأضحية، ولا حجة فيه، لأنه أمر بعد حظر فيكون للإباحة، ويؤخذ من الإذن فى الادخار الجواز خلافا لمن کرهه، وقد ورد فى الادخار، کان یدخر لأهله قوت سنة، وفى رواية: کان لا يدخر