النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ وجوب الأضحية ج - ١٧ . وبه أندحض قول ابن حزم: وما نعلم أحدا قبلهم قال: إنها الأضاحى اهـ (٣٥٧:٧)، فقد بينا أنه قول أنس بن مالك رضى الله عنه، وهو قول قتادة والربيع وكفى بهم قدوة. ومما يدل على الوجوب قول ابن عمر: ((أقام رسول الله عّ لّ بالمدينة عشر سنين يضحى)) رواه الترمذى وحسنه، وقوله: ((ضحى رسول الله عَ ليه والمسلمون بعده))، كما تقدم ومواظبة على فعل دليل الوجوب لا سيما إذا أقرنت بالوعيد على تركه، وأى وعيد أشد من قوله: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا؟))، ومما يدل على الوجوب ما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عوف عن أبى رملة حدثنا مخنف بن سليم قال: ((كنا وقوفا مع رسول الله عَّه بعرفات فقال يا أيها الناس على كل أهل بيت فى كل عام أضحاة وعتيرة)) الحديث. قال الترمذى: حديث حسن غريب، فإن قلت: قال عبد الحق: إسناده ضعيف وعلته الجهل بحال أبى رملة واسمه عامر، فلا يعرف إلا بهذا، يروى عنه ابن عوف. قلت: تحسين الترمذى إياه يكفى للاستدلال به على الوجوب (عمدة القارى ٦٩:١٠). وقال الحافظ فى "الفتح": رواه أحمد والأربعة بسند قوى (٣: ١٠)، والعتيرة منسوخة بالاتفاق ولم تقم الدلالة على نسخ الأضحية فهى واجبة بمقتضى الخبر (أحكام القرآن للجصاص ٢٤٩:٣)، فإن قيل: إنه ذكر فى هذا الحديث: على كل أهل بيت أضحية، والواجب من الأضحية لا يجزئ عن أهل البيت عندكم، وإنما يجزئ عن واحد، فيدل ذلك على أنه لم يرد الإيجاب. قلنا: لفظة على تقتضى الإيجاب كما هو الأصل والمراد بأهل البيت والله أعلم: قيم أهل البيت، لأن اليسار له غالبا. ولولا قوله: ((من وجد سعة فليضح)) وهو يفيد وجوبها على كل معسر لقلنا كما قالت الشافعية أن الشاة الواحدة لا يضحى بها إلا عن واحد، لكن إذا ضحى بها واحد من أهل البيت تأنى الشعار لجميعهم، كما فى "شرح المهذب" (٣٨٤:٨). ومعناه أنه لا بد لإقامة الشعار الإسلامى من أن يضحى واحد من أهل بيت معسرين، وإلا لاستحقوا التعزير جميعا لترك الشعار، وإن كان ذلك يجزئ عن الواجب على كل واحد منهم لأجل اليسار، فافهم. وما رواه البزار عن أبى هريرة أن رسول الله عرّ له نهى عن العتيرة وكانت ذبيحة يذبحونها فى رجب فنهاهم عنها وأمرهم بالأضحية وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن (مجمع الزوائد ١٨:٤)، والأمر للوجوب. وما رواه الطبرانى عن على عن النبى عّ لّه قال: ((أيها الناس ضحوا واحتسبوا بدماءها ٢٢٢ وجوب الأضحية إعلاء السنن فإن الدم وإن وقع فى الأرض فإنه يقع فى حرز الله عز وجل)) وفيه عمرو بن الحصين العقيلى متروك (مجمع ١٧:٤). قلت: هو من رجال ابن ماجة روى عنه الأجلة كالذهلى وابن الفريس ومعاذ بن المثنى وغيرهم وذكرنا حديثه اعتضادا وفيه الأمر بالأضحية وأصله للوجوب، وله شاهد من حديث عائشة أن رسول الله عَّه قال: ((ما عمل آدمى من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إراقة الدم، إنه ليأتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإِن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطیبوا بها نفسا))، رواه الترمذى وحسنه (١٨٠:١). ومما يدل على الوجوب ما رواه البخارى وغيره من حديث البراء قال: ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبى عّ لّه: ((أبدلها قال: ليس عندى إلا جذعة (من المعز) هى خير من مسنة قال: اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحد بعدك)). قال الحافظ فى "الفتح" وقال الشافعى: يحتمل أن يكون الأمر بالإعادة للوجوب، ويحتمل أن يكون الأمر بالإعادة للإشارة إلى أن التضحية قبل الصلاة لا تقع أضحية فأمره بالإعادة لتكون فى عداد من ضحى: فلما احتمل ذلك وجدنا الدلالة على عدم الوجوب فى حديث أم سلمة المرفوع: ((إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحى فلا يمسن من شعره وبشرته شيئا)) رواه مسلم، قال: فلو كانت الأضحية واجبة لم يكل ذلك إلى الإرادة (١٥:١٠)، ورده صاحب " الجوهر النقى": بأن قول الشافعى: واحتمل أن يكون أمره أن يعود إن أراد أن يضحى فى غاية البعد لأنه مخالفة للظاهر وتقدير شىء لا ضرورة إليه (لا سيما وقد أمره بذبح ما لا يجزئ عن غيره فى الضحايا فلو كان ذلك على الاختيار لم يخصه بأمر لا يجوز لغيره ولا يخفى ما فى ذلك من الاهتمام بشأن الأضحية والإعتناء به) وذكر الإرادة فى حديث أم سلمة لا ينفى الوجوب لأن الإرادة شرط لجميع الفرائض، وليس كل أحد يريد التضحية (وإنما يريدها من وجد سعة وكان معسرا فهو قيد للاحتراز عن المعسرين الذين لا يريدونها) وقد استعمل ذلك فى الواجبات كقولهم: من أراد الحج فليلب وكقوله عليه السلام: ((من أراد الجمعة فليغتسل، ومن أراد الحج فليتعجل)) اهـ (٢١٨:١). وبهذا اندحض قول الحافظ فى "الفتح": لا يلزم من كون ذلك لا يدل على عدم الوجوب ثبوت الوجوب بمجرد الأمر بالإعادة لما تقدم من احتمال إرادة الكمال وهو الظاهر اهـ. ج - ١٧ وجوب الأضحية ٢٢٣ فقد عرفت أنه احتمال بعيد لا دلالة فى الكلام عليه، بل الظاهر من الأمر بالإبدال دلالته على الوجوب، والاحتمال البعيد الناشئ من غير دليل لا يقدح فى الاستدلال، كما تقرر فى الأصول. وأغرب ابن حزم حيث قال: أما أمره عليه السلام بإعادة الذبح من ذبح قبل الصلاة ففرض عليه، لأنه أمر منه عليه السلام ولا نكرة فى وجود أمر فى الدين ليس فرضا ويكون العوض منه فرضا كمن تطوع بيوم ليس فرضاً فأفطر عمدا أن قضاءه عليه فرض وكمن حج تطوعا فأفسده أن قضاءه فرض اهـ (٣٥٧:٧). قلنا: قياس مع الفارق فإن العوض إنما يجب فى إفساد التطوع لكونه قد وجب عليه بعد الشروع فيه ولا يجب إلا بعد الشروع فى الوقت المشروع وأما إذا شرع فيه فى وقت لا يصح شروعه فيه، فلا وجوب ولا قضاء، ألا ترى أنه لو تطوع بصوم يوم النحر لم يجب بالشروع، ولا يلزمه القضاء بالإفساد، صرح به فى "الدر" و"الشامية" (١٩٣:٢)، ومثله فى "التلويح" وغيرها وبه قال ابن حزم وهو قول جماعة الفقهاء وقد ثبت عن النبى عّ لّه ((أن من ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم عجلها لأهله وليست من الأضحية فى شىء))، فلم يكن بالذبح شارعا فى الأضحية، بل كان ذابحا لللحم وليس ذلك من التطوع فى شىء، فافهم، فإن الظاهرية لا تفقه، ولا تفهم، روى أحمد عن أبي بردة قال: "شهدت العيد مع رسول الله عَّ الله قال: فخالفت امرأتى حيث غدوت إلى الصلاة إلى أضحيتى فذبحتها، فصنعت منها طعاما قال: فلما صلى بنا رسول الله عَّه، وانصرفت إليها جاءتنى بطعام قد فرغ منه فقلت: أنى هذا؟ فقالت: أُضحيتك ذبحناها وصنعنا لك طعاما لتتغذى منها إذا جئت. قال: فقلت لها: والله لقد خشيت أن يكون هذا لا ينبغى، قال: فجئت رسول الله عَّ فذكرت ذلك له فقال: ليست بشىء فضح" الحديث، ورجاله ثقات، كما فى "مجمع الزوائد" (٢٤:٤)، ففى قوله: ليست بشىء دلالة على ما قلنا وفى أمره عٍَّ إياه بالإعادة، والإبدال دليل على وجوب الأضحية على أهل اليسار، وإن أضحيتهم لو هلكت قبل الوقت لم يسقط عنهم الوجوب، وأغرب ابن حزم حيث قال: فرض على من أراد أن يضحى أن لا يمس من شعره ولا من ظفره إذا أهل هلال ذى الحجة حتى يضحى، ولا يقول بوجوب الأضحية، فإن قال: نعم لأنه مَّ أمر بذلك ولم يأمر بالأضحية. قلنا: قد ثبت بروايات عديدة أمره عَ لّه بها وتوعده على من تركها، وترك مس الشعر لم يثبت إلا فى حديث أم سلمة وحدها، كما سيأتى، وإهمال عدة من الأحاديث وإعمال واحد ٢٢٤ وجوب الأضحية إعلاء السنن منها ليس من الاتباع فى شىء، ومما يدل على الوجوب قول على رضى الله عنه: ليس على المسافر أضحية وقد تقدم، ومفهومه وجوبها على المقيم، وقول الشعبى لم يكونوا يرخصون -يعنى الصحابة- فى ترك الأضحية إلا لحاج أو مسافر وقد مر أيضا وما لا يرخص فى تركه لا يكون إلا واجبا، فافهم. واحتج من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عباس: ((كتب على النحر ولم يكتب عليكم)) وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبرانى والدار قطنى، وصححه الحاكم فذهل، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣:١٠)، ولو صح فغايته أنه ليس بفرض علينا، وبه نقول، وبنفى الفرضية لا ینتفى الوجوب. وذكر البيهقى أن بعض أصحابهم احتج بحديث عمر ومولى المطلب ورجل من بنى سلمة عن جابر أنه عليه السلام دعا بكبش فذبحه، وقال: ((عنى وعمن لم يضح من أمتى)) وفيه أشياء: أحدها: أن المطلب لم يسمع من جابر، كذا قال أبو حاتم والترمذى: وحكى عن البخارى أنه لا يعرف له سماع من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثنى من شهد خطبة النبى معَّ له والثانى: أن مولى المطلب قال ابن معين: ليس بالقوى وليس بحجة، والثالث: أن هذا الحديث متروك عند الشافعية إذ الكبش الواحد لا يجوز عن أكثر من واحد قد نص الشافعى على ذلك. والحديث لا ينفى الوجوب؛ لأنه عليه السلام تطوع عنهم بذلك ويجوز أن يتطوع الرجل عمن وجب عليه كما يتطوع عن نفسه: ودل الحديث على أن الإنسان له أن يتطوع عن غيره بما شاءت (من غير إذنه) وهم لا يقولون بذلك اهـ من "الجوهر النقى" (٢١٩:٢). وفيه أيضا أن البيهقى رواه من طريق ابن عقيل عن على بن الحسين عن أبى رافع، وفى التهذيب لابن جرير الطبرى رواه مؤمل وإسحاق عن سفيان عن ابن عقيل عن أبى سلمة عن عائشة أو عن أبى هريرة: ورواه مسلم بن إبراهيم عن حماد عن بن عقيل عن عن عبد الرحمن بن جابر: وذلك دليل على وهائه (واضطرابه)، وقال البيهقى: قال الشافعى: قد روى من وجه لا يثبت مثله أنه عليه السلام ضحى بكبشين فقال فى أحدهما: عن محمد وآله. وفى الآخر: عن محمد وأمته. ثم ذكر البيهقى أنه أراد حديث ابن عقيل هذا اهـ (٢١٧:٢)، فمن أين لهم أن يحتجوا بما لا يثبت مثله عندهم؟ واحتج من قال بنفى الوجوب أيضا بما رواه أبو داود والنسائى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عَ ليه: ((أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة قال له رجل ج - ١٧ وجوب الأضحية ٢٢٥ يا رسول الله! أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحى بها؟ قال لا ولكن خذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل)) (مشكاة ص١٠٦). قالوا: فلما جعل هذه الأشياء بمنزلة الأضحية دل على أن الأضحية غير واجبة إذ كان فعل هذه الأشياء غير واجب: (الأحكام للجصاص ٢٥٠:٣). قلنا: إنما هو فى حق المعسر الذى لا يجد سعة، ونظيره ما رواه مسلم وابن ماجة عن أبى ذر رضى الله عنه ((أن ناسا من أصحاب النبى عَ لّه قالوا للنبى معَُّلّم: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون، كما نصلى ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة)) الحديث (الترغيب ص٢٧٦)، فهل لأحد أن يحتج بذلك على عدم وجوب الزكاة وصدقة الفطر؟ لأنه عرّ له جعل التسبيح والتحميد والتكبير بمنزلتهما وفعل هذه الأشياء غير واجب، فالجواب الجواب. وفى قوله: ((إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحى بها؟)) دليل على أنه فهم من قوله عدّ له ((أمرت بالأضحى وجوب الأضحية)) وتأكد وجوبها، حتى هم بذبح المنيحة التى أعطيها لينتفع بلبنها ويعيدها، قال الجصاص: ومما يحتج به من نفى الوجوب ما قدمنا روايته عن السلف من نفى إيجابه لم يظهر من أحد من نظراءهم من السلف خلافه اهـ. ٠ قلت: قد قدمنا الجواب عن كل ذلك وذكرنا عن نظراءهم من السلف خلافه، قال: ولو كان واجبا مع عموم الحاجة إليه لوجب أن يكون من النبى عّ لّ توقيف لأصحابه على وجوبه. (قلت: قدمنا توقيفه لأصحابه على الوجوب فى غير ما حديث واحد) وأى توقيف أوضح وأبين من قوله فى خطبته على رؤوس الأشهاد: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا)) كما تقدم. قال: ولو كان كذلك لورد النقل به مستفيضا متواترا. قلنا: لو كان كذلك لقلنا بفرضيته وأما الوجوب فلا يشترط، لإثباته الاستفاضة ولا التواتر، بل يكفى له خبر الواحد كما تقرر فى الأصول، قال: ولا أقل من أن يكون وروده فى وزن ورود إيجاب صدقة الفطر اهـ. قلت: لا يخفى على من تأمل ما ذكرناه أنه ليس بأقل منه ولو سلمنا فقد تقرر فى الأصول كفاية خبر الواحد للإيجاب، سواء كان وروده فى وزن ورود صدقة الفطر أولا قال: ولو كان ٢٢٦ إعلاء السنن باب ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار ٥٥٨٠- عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله عَّ له: ((من ضحى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين))، متفق عليه (زيلعى ٢٧٥:٢). واجبا، وهو حق فى مال؛ لما اختلف حكم المقيم والمسافر فيه كصدقة الفطر، فلما لم يوجبه أبو حنيفة على المسافر دل على أنه غير واجب. قلنا: قد تقدم أن أبا حنيفة قال بذلك تقليدا للصحابة الذين قالوا: ليس على المسافر أضحية، فإن كان ذلك غير معقول المعنى فهو فى حكم الرفع، وإذا جاء الأثر بطل النظر وإن كان معقول المعنى دل على الفرق بين الأضحية وصدقة الفطر بما ذكره صاحب "الهداية"، فتذكر. قال: ويحتج فيه أيضا بأنه لو كان واجبا وهو حق فى مال لما أسقطه مضى الوقت، فلما أتفق الجميع على أنه يسقط بمضى أيام النحر دل على أنه ليس بواجب لأن سائر الحقوق الواجبة فى الأموال نحو الزكاة وصدقة الفطر والعشر ونحوها لا يسقطها مضى الأوقات اهـ (٢٥١:٣). قلنا: الذى يسقط بمضى أيام النحر ليس بمال وهو إراقة الدم التى لم تعهد قربة فى غير تلك الأيام. والذى هو مال لا يسقط بمضى الوقت. قال فى "البدائع": إن الشاة المشتراة للأضحية إذا لم يضح بها حتى مضى الوقت يتصدق المعسر بها حية كالفقير بلا خلاف بين أصحابنا اهـ، وتصدق بقيمتها غنى لم يشترها، كذا فى "الدر" و"الشامية" (٣١٤:٥)، فاغتنم هذا التحرير، فإنه من خواص هذا الكتاب لا تجده فى غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ. باب ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار أقول: أحاديث الباب دالة على أن ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار بعد الصلاة، لأن الخطاب ليس بعام بل لأهل المدينة فقط. وهو مذهب أبى حنيفة. وقال مالك: إن وقتها بعد نحر الإمام، واحتج له بما روى أبو الزبير عن جابر قال: ((صلى بنا رسول الله عّ لّه يوم النحر بالمدينة فأمر النبى عّ لِّ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبى عَّ)). والجواب عنه أن ما احتج به أبو حنيفة أثبت واصح مما احتج به مالك، لأنه تفرد به أبو الزبير عن جابر، وأبو الزبير ليس من شرط البخارى، وإنما احتج به مسلم فقط، ثم هو الموافق للقياس، ج - ١٧ ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار ٢٢٧ ٥٥٨١- وعن أنس أن النبى معَّه قال: ((من ذبح قبل الصلاة فليعد ومن ذبح بعد صلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين))، أخرجه البخارى (زيلعى ٢٧٥:٢). لأن المجوز لنحر الإمام هو الصلاة فتكون هى المجوزة لنحر القوم إذ لا فرق بين الإمام والقوم فى هذا الباب، فيكون الأخذ به أولى، ثم إن لم ينحر الإمام أصلا لعدم الوجوب عليه، أو لأمر آخر، فهل يترك القوم التضحية، فإن قال: لا، لزم ترك ظاهر حديث جابر وإن قال: نعم، فبعيد غاية البعد، فيلزم تأويل حديث جابر بأن لا يعارض أحاديث البراء وأنس وجندب. والأولى فى التأويل أن يقال: إن أبا الزبير لم يحفظ ألفاظ الرواية بعينها بل أقام النحر مقام الصلاة لتقارنهما؟ لأن النبى عّ لّه كان ينحر مقارنا للصلاة فرواه بالمعنى. وقال الشوكانى: يجمع بين الحديثين بأن وقت النحر لمجموع صلاة الإمام ونحره، وقد ذهب إليه مالك فقال: لا يجوز ذبحها قبل صلاة الإمام وخطبته ونحره اهـ (نيل ٣٥٧:٤). قلت: هذا كلام جزافى لم يصدر عن رؤية، لأن قوله: ((من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين)) يقتضى جواز التضحية سواء نحر الإمام أم لا، بخلاف حديث جابر، فكيف يحصل الجمع بينهما؟ فافهم. قال الشافعى: وقتها بعد مضى قدر صلاة العيد وخطبته بعد طلوع الشمس، ويرد عليه أحاديث الصلاة، فإن الظاهر منها اعتبار نفس الصلاة لا قدر وقتها. ونسب صاحب "الهداية" إليه أن قوله كقول مالك والذى فى "الوجيز" و"النيل" أن قوله ما بينا، والله أعلم، فظهر من هذا التفصيل أن أظهر الأقوال وأقواها فى الباب هو قول أبى حنيفة، لا قول مالك، كما زعم الشو کانی، فافهم. ثم رأيت حجة أخرى لمالك وهو أنه قال فى "الموطأ" (ص١٨٧): عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن أبا بردة بن نيار ذبح أضحية قبل أن يذبح رسول الله عَ ليه يوم الأضحى فزعم أن رسول الله عَِّ أمره أن يعود أضحية أخرى الحديث، ولا حجة له فيه لأن الذى فى البخارى نصه عن البراء قال عّ لّيه ذات يوم فقال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فلا يذبح حتى ينصرف. فقام أبو بردة بن نيار فقلت: يا رسول الله! فعلت، فقال: هو شىء عجلته)) الحديث، وهذا يدل على أن أبا بردة كان قد ذبح قبل الصلاة فلذا عد معجلا لا لأنه ذبح قبل ذبح النبى عَ لّه، كما زعم بشير، فافهم. قال العبد الضعيف: قال الحافظ فى "الفتح": ونقل الطحاوى عن مالك والأوزاعى والشافعى: لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام (وهذا هو ما ذكره صاحب "الهداية"، فلعله اعتمد ٢٢٨ ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار إعلاء السنن ٥٥٨٢- وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من كان ذبح قبل أن نصلى فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله)) متفق عليه (زيلعى ٢٧٥:٢). الطحاوى فى ذلك، وهو أحق من يعتمد عليه فى نقل المذاهب لكونه أعرف الناس بمذاهب العلماء)، قال: وهو معروف عن مالك والأوزاعى لا الشافعى. (قلت: لعله قول قديم له)، قال القرطبى: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعى أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال أبو حنيفة والليث: لا ذبح قبل الصلاة ويجوز بعدها، ولو لم يذبح الإمام وهو خاص بأهل المصر، فأما أهل القرى والبوادى، فيدخل وقت الأضحية فى حقهم إذا طلع الفجر الثانى، وقال عطاء وربيعة يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس، وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية وهو وجه للشافعية قوى من حيث الدليل وإن ضعفه بعضهم، ومثله قول الثورى: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبة، وفى أثناءها. واحتج جمهور الشافعية بحديث البراء عند البخارى قال عّ لّره ذات يوم فقال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فلا يذبح حتى ينصرف))، ويحتمل أن يكون قوله: حتى ينصرف أى من الصلاة، كما فى الروايات الأخر. وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه، إنما الذبح بعد الصلاة، ووقع فى حديث جندب عند مسلم: ((من ذبح قبل أن يصلى فليذبح مكانها أخرى)). قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أظهر فى اعتبار فعل الصلاة من حديث البراء حيث جاء فيه: ((من ذبح قبل الصلاة)). قلت: قد وقع عند البخارى فى حديث جندب فى الذبائح بمثل لفظ البراء وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب "العمدة"، فإنه ساقه على لفظ مسلم، وهو ظاهر فى اعتبار فعل الصلاة فإن إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله: قبل أن نصلى بالنون وكذا قوله: قبل أن ننصرف -أى من الصلاة- أو من الخطبة. وأورد الطحاوى ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بلفظ: أن النبى عّ لّه صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال، فنحروا وظنوا أن النبى قد نحر فأمرهم أن يعيدوا، قال: ورواه حماد بن سلمة عن أبى الزبير عن جابر بلفظ: إن رجلا ذبح قبل أن يصلى ٢٢٩ ابتداء وقت التضحية فى حق أهل الأمصار ج - ١٧ رسول الله عرّ فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة. وصححه ابن حبان (وفيه رد على بعض الأحباب حيث نسب أبا الزبير إلى الوهم وليس كذلك، لأنه قد وافق الجماعة فيما رواه حماد بن سلمة عنه، فما فى بعض الروايات عنه فأمر النبى عّ لّه من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبى عَّه، إنما هو من تصرف الرواة عن أبى الزبير، ومعناه: أنه نهى أن يذبح أحد قبل الصلاة، فافهم). ويشهد لذلك قوله فى حديث البراء: إن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فنتحر، فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام. ويؤيده من طريق النظر أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطا عن الناس مشروعية النحر ولو أن الإمام نحر قبل الصلاة لم يجزئه نحره، فدل على أنه هو والناس فى وقت الأضحية سواء. وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة اهـ ملخصا (١٨:١٠)، وفى "الجوهر النقى" ذكر البيهقى حديث: ((أول ما نبدأ به فى يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فنحر)). وفى رواية: ((ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه))، ثم قال: ((من ضحى بعد الوقت الذى تحل فيه الصلاة ويمضى مقدار صلاة النبى عّ لّه وخطبته أجزأت أضحيته. قلت: ألفاظ الحديث تقتضى فعل الصلاة، فمن اعتبر وقت الصلاة والخطبتين، فقد ادعى شيئًا مخالفا للظاهر، وفى "المحلى": لا معنى لمنع الشافعى التضحية قبل تمام الخطبة؛ لأنه عليه السلام لم يحد وقت التضحية بذلك اهـ (٢٢٠:٢)، وفى "المحلى" أيضًا: من طريق حماد بن زيد نا أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله عَّ له صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحًا. ومن طريق وكيع نا سفيان الثورى عن الأسود بن قيس قال: قال سمعت جندبا يقول: (مر رسول الله عَّ له يوم النحر على قوم قد نحروا وذبحوا فقال: من نحر وذبح قبل صلاتنا فليعد، ومن لم يذبح أو ينحر فليذبح ولينحر باسم الله))، قال: وقد روينا مثل قول أبى حنيفة فى الفرق بين القرى، وأهل المدن عن عطاء وإبراهيم، وما نعرف قول مالك فى مراعاة تضحية الإمام عن أحد قبله وبالله تعالى التوفيق (٣٧٤:٧). وفى "مجمع الزوائد" عن عبد الله بن عمرو ((أن رجلا أتى النبی مٹّ فقال: إن ابی ذبح أضحيته قبل أن يصلى، فقال النبى مێله: قل لأبيك: یصلی ثم يذبح)، رواه أحمد والطبرانى، وفيه حبى بن عبد الله المعافرى وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد وغيره، ٢٣٠ إعلاء السنن باب أن الأضحية یومان بعد يوم الأضحى ٥٥٨٣- مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى وقال مالك: إنه بلغه عن على بن أبى طالب مثل ذلك (موطأ ص١٨٩:١٨٨). وبقية رجال الطبرانى رجال الصحيح. وعن جابر بن عبد الله أن رجلا ذبح قبل أن يصلى النبى عّ لّه عتودا جذعا فقال النبى عد له: ((لا تجزئ عن أحد بعدك))، ونهى أن يذبحوا حتى يصلوا (لعله كان فى أول عام الأضحية قبل أن يتقدم لهم النبى معٍَّ فى بيان سن الأضحية ووقتها، أو كان قد تقدم إليهم ولكنهم لم يحفظوه كل الحفظ لبدء الأمر وعدم اعتيادهم به ظ. وعن أبى هريرة عن النبى عّ لّه أنه قال فى يوم أضحى: من كان ذبح -أحسبه قال: قبل الصلاة- فليعد ذبيحته، رواه البزار وفيه بكر بن سليمان البصرى وثقه الذهبى، وروى عنه جماعة وبقية رجاله موثقون، وعن سهل بن حثمة أن أبا بردة بن نيار ذبح ذبيحة بسحر، فلما انصرف ذكر ذلك لرسول الله عّ لّه فقال: ((من ذبح قبل الصلاة فليست تلك الأضحية، إنما الأضحية ما ذبح بعد الصلاة إذهب فضح)) الحديث، رواه الطبرانى فى "الأوسط"، قال الذهبى: حديثه منكر وذكر له حديثا غير هذا اهـ (٢٤:٤). قلت: یشهد له ما قدمناه عن أبى بردة بن نیار قبل هذا الباب، وفيه أن امرأته ذبحتها، وبالجملة فالأحاديث فى تعليق ذبح الأضحية على الصلاة أكثر من أن تحصى وتأويلها بقدر وقت الصلاة مخالف للظاهر ولا دليل على تعليقها على ذبح الإمام، فالحق ما قاله أبو حنيفة ومن وافقه، والله تعالى أعلم، ظ. باب أن الأضحية یومان بعد يوم الأضحى أقول: الآثار نص فى الباب، وهى فى حكم المرفوع، لأن مثل هذا لا يقال بالرأى، قال الشوكانى فى "النيل" (٣٥٩:٤) قال النووى: وروى هذا عن عمر بن الخطاب وعلى وابن عمر وأنس. وحكى ابن القيم عن أحمد أنه قول غير واحد من أصحاب رسول الله عليه، ورواه الأثرم عن ابن عباس، وكذا حكاه عنه فى "البحر"، وهو قول أبى حنيفة وأحمد ومالك اهـ مع بعض التغیر. وقيل: أیام الذبح يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ورجحه الشو کانی، واحتج بما روى عن جبير ابن مطعم وأبى هريرة وأبى سعيد، أن أيام التشريق كلها ذبح. ج - ١٧ الأضحية یومان بعد يوم الأضحى ٢٣١ والجواب عنه أن ما روى عن أبى هريرة وأبى سعيد ففى سنده معاوية بن يحيى الصدفى، وهو واهٍ، ومع ذلك فقد اضطرب فى الإسناد فقال تارة: عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. وأخرى عن الزهرى عن سعيد عن أبى سعيد. ورواه ابن أبى حاتم فى العلل من طريق معاوية عن الزهرى عن سعيد عن أبى سعيد، وحكى عن أبيه أنه قال: هو موضوع. وأما ما روى عن جبير بن مطعم فاختلف فيه على سليمان بن موسى، فأحمد يرويه عن أبى المغيرة وأبى اليمان عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم. والترمذى يرويه عن عبد الملك بن عبد العزيز عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن عبد الرحمن ابن أبى حسين عن جبير بن مطعم. بزيادة عبد الرحمن بن أبی حسین، وهكذا یرویه ابن حبان فى "صحيحه"، والبزار فى "مسنده"، والدارقطنى يرويه عن سويد بن عبد العزيز عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير عن جبير وعن أبى سعيد حفص بن غيلان عن سلیمان بن موسی عن عمر وابن دينار عن جبير. والطبرانى يرويه عن حفص بن غيلان عن سليمان ابن موسى عن محمد بن المنكدر عن جبير بن مطعم. وصحح ابن حبان من بين هذه الطرق طريق ابن أبى حسين، وكذا صوبه البزار أيضا، ولكن أعله بالانقطاع، وقال ابن أبى حسين: لم يلق جبير ابن مطعم، كذا فى "الزيلعي" (٤٩٨:١ و ٢٧٦:٢) ملخصا. وقال ابن القيم فى "الهدى": إن حديث جبير بن مطعم منقطع لا يثبت أصله، وأجاب عنه الشوكانى فى "النيل" (٣٥٨:٤) بأن ابن حبان وصله وذكره فى "صحيحه" اهـ، ولم يدر أن يوصل ابن حبان وإن زال الانقطاع الذى كان فى "مسند أحمد" ابن سليمان وجبير ولكن لم يزل الانقطاع الذى بين ابن حسين وجبير الذى أعله به البزار فى "مسنده" فلا يندفع جرح ابن القيم بهذا الجواب الذى هو غير صواب، فما روى عن جبير مع الاضطراب والانقطاع لا يعارض ما روى عن ابن عمر بسند صحيح متصل، فيكون الأخذ به أولی لا سيما إذا كان الاحتياط فی الأخذ بالأقل هذا، والله أعلم. قال العبد الضعيف: عبد الرحمن بن أبى حسين لم يذكره أحد فى الرواة فيما علمنا والحديث إنما هو من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين عن جبير بن مطعم ولم يلقه، قاله البزار، كما فى "التلخيص" (٢١٦:١)، وقال البزار أيضا: ورواه سويد بن عبد العزيز فقال فيه: عن نافع بن جبير عن أبيه وهو رجل ليس بالحافظ ولا يحتج به إذا انفرد وحديث ابن أبى حسين ٢٣٢ الأضحية یومان بعد يوم الأضحى إعلاء السنن هو الصواب مع أنه لم يلق جبير بن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لا نحفظ عن رسول الله عَِّ فى كل أيام التشريق ذبح إلا فى هذا الحديث، فلذلك ذكرناه وبينا العلة فيه انتهى. ورواه الطبرانى من طريق سويد عن سعيد عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير عن أبيه بنحوه ليس فيه أيام التشريق، ورواه أيضا فى "مسند الشاميين" عن حفص بن غيلان عن سليمان بن موسى عن محمد بن المنكدر عن جبير بن مطعم مرفوعا كذلك، (ليس فيه أيام التشريق)، كذا فى "الزيلعي" (٤٩٨:١). وبالجملة فهذه الزيادة لم تثبت ولم تصح، وإنما وردت فى طريق مرسلة أو ضعيفة موصولة لا يترك بها ما ثبت عن جماعة من الصحابة أن أيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، روينا من طريق ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن زر عن على قال: النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها، (ابن أبى ليلى حسن الحديث، كما مر غير مرة) ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن مجاهد عن ماعز بن مالك بن ماعز الثقفى أن أباه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنما النحر فى هذه الثلاثة الأيام (مالك أو ماعز هذا لم نعرفه، وقد مر فى المقدمة أن مراسيل مجاهد جياد لكونه لا يروى إلا عن ثقة ولا يأخذ عن كل ضرب، وأيضا، فالمجهول فى القرون الفاضلة لا يضرنا). ومن طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن أبى حمزة عن حرب ابن ناجية عن ابن عباس قال: أيام النحر ثلاثة أيام (أبو حمزة هو عمران بن عطاء القصاب الواسطى من رجال مسلم ثقة (تهذيب ١٣٥:٨)، وليس هو بالثمانى لأن هشيما لا يروى عنه فيما علمت)، ومن طريق وكيع عن ابن أبى ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: النحر ثلاثة أيام (وهذا شاهد حسن جيد لما تقدم عن ابن عباس). ومن طريق ابن أبى شيبة عن إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الأضحى يوم النحر ویومان بعده، ومن طریق و کیع عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: ما ذبخت يوم النحر والثانى والثالث فهى الضحايا. (لا يضرنا ما فى إسماعيل بن عياش وعبد الله بن نافع من المقال، فقد رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، كما فى المتن، وهو من أصح الأسانيد، وإنما ذكرنا الطريقتين اعتضادا، وأحسن الله عزائنا فى ابن حزم حيث تكلم فى هاتين الطريقتين، وغفل عن طريق مالك). ومن طريق ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثنى أبو مريم سمعت أبا هريرة يقول: الأضحى ثلاثة أيام (معاوية بن صالح من رجال مسلم والأربعة صدوق وأبو مريم هو ج - ١٧ الأضحية يومان بعد يوم الأضحى ٢٣٣ الأنصارى، ويقال: الحضرى الشامى صاحب القناديل. روى عنه حريز بن عثمان وصفوان بن عمرو وفرج بن فضالة ويحيى بن أبى عمرو الشيبانى ومعاوية ابن صالح. قال أحمد: أبو مريم الذى روى عنه معاوية بن صالح معروف عندنا: رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه، وقال العجلى: أبو مريم مولى أبى هريرة ثقة (تهذيب ٢٢٢:١٢)، وأخطأ ابن حزم فقال. شو مجهول). ومن طريق وكيع عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: الأضحى يوم النحر ويومان بعده كذا فى "المحلى" وصححه ابن حزم (٣٧٧:٧)، وتكلم فى بقية الطرق: وأجبنا فى غضون الروايات عن سائر ما أورده، وأعلها به فى "الجوهر النقى" ذكر البيهقى حديثا من طريق سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم، وسليمان هذا متكلم فيه وحديثه هذا اضطرب اضطرابا كثيرا بينه صاحب "الاستذكار"، وبين البيهقى بعضه. قال: ورواه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف عند بعض أهل النقل قلت: بل هو ضعيف عند كلهم أو أكثرهم. وقد ذكره البيهقى فيما مضى فقال: هو ضعيف بمرة لا يقبل منه ما ينفرد به، ثم ذكر عن ابن عباس قال: الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر. قلت: فى سنده طلحة بن عمرو الحضرمى ضعفه ابن معين وأبو زرعة والدار قطنى، وقال أحمد: متروك، ذكره الذهبى فى "كتاب الضعفاء"، وقد ذكر الطحاوى فى "أحكام القرآن" بسند جيد عن ابن عباس قال: الأضحى يومان بعد يوم النحر. قال صاحب "الجوهر النقى": ولم يصح فى هذا الباب عن النبى معَ ◌ّه شىء (١) وقد ذكر البيهقى فى هذا الباب عن ثلاثة من الصحابة أن أيام النحر ثلاثة: وقد تقدم أنه روی عن ابن عباس أيضا (بسند جيد)، وقال الطحاوى فى "أحكام القرآن": لم يرو عن أحد من الصحابة خلافهم فتعین اتباعهم إذ لا يوجد ذلك إلا توقیفا، وفى "الاستذكار": روی ذلك عن علی وابن عباس وابن عمر، ولم يختلف فيه عن أبى هريرة وأنس، وهو الأصح عن ابن عمر: وهو مذهب أبى حنيفة والثورى ومالك، وفى "نوادر الفقهاء" لابن بنت نعيم: أجمع الفقهاء على أن التضحية فى اليوم الثالث عشر غير جائزة إلا الشافعى فإنه أجازها فيه اهـ (٢٢٢:٢). قلت: وأما ما رواه ابن حزم فى المحلى من طريق محمد بن المثنى نا عبيد الله بن موسى نا ابن (١) أى صراحة وإلا فقد صح عنه ما يدل على أن أيام النحر ثلاثة إشارة ودلالة، کما سیأتی، ظ. ٢٣٤ الأضحية یومان بعد يوم الأضحى إعلاء السنن أبى ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده؛ فلم يعتمده هو بل قال: هكذا فى كتابى، ولا أدرى لعله وهم، والله أعلم (٣٧٧:٧) والصحيح عن ابن عباس فى ذلك ما علقه البخارى عنه قال: ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق، ووصله ابن مردويه بسند صحيح، كما فى "فتح البارى (٣٨١:٢). قال ابن حزم: وأما من قال بقول أبى حنيفة ومالك فإنهم احتجوا بأنه قول روى عن عمر وعلى وابن عمر وابن عباس وأبى هريرة وأنس، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، ومثل هذا لا يقال بالرأى، قال: وقد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف. (قلت: وقد رددناه كلها عليك وبينا أننا لم نخالفهم ولكنك لا تفقه ولا تفهم)، قال: فكيف؟ ولا يصح شىء مما ذكرنا إلا عن أنس وحده على ما بينا قبل؟ (قلت: وقد رددنا ذلك أیضا علیك فإنه قد ثبت عن ابن عمر بأصح الأسانید وعن ابن عباس بسند جيد وعن على بسند حسن وكذا عن أبى هريرة وعمر رضى الله عنهم)، قال: وإن كان هذا إجماعا فقد خالف عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهرى (قالوا: النحر أربعة أيام إلى آخر أيام التشريق) وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار الإجماع (فقالا: الأضحى إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك)، وأف لكل إجماع يخرج عنه هؤلاء اهـ. قلنا: وهل يقدح خلاف التابعين فى إجماع الصحابة؟ فيه خلاف فقيل: لا يعتد بالتابعى فى إجماعهم مطلقا: وهو رواية عن الإمام أحمد، والذين عدوه قادحا إنما عدوه كذلك إذا كان من أجلة التابعين الذين زاحموا الصحابة فى الفتوى - كعلقمة ومسروق وأمثالهما- كابن المسيب وسويد بن غفلة رضى الله عنهم - فهؤلاء من الطبقة الثانية، والذين سردت أسماءهم ليسوا من هذه الطبقة، بل بعضهم من الثالثة، وبعضهم من الرابعة، أو الخامسة. فلا يكون خلافهم قادحا. ولو سلمنا أن الإجماع مع مخالفة التابعى المجتهد ليس إجماعا فلا شك أن قول الصحابة حجة دون قول التابعين لمشاهدتهم التنزيل وصحبتهم للنبى معَّم، فقولهم فيما لا يدرك بالرأى أقرب إلى السماع من النبى معَّ ◌ُلّه بخلاف التابعين، فافهم، والبسط فى "فواتح الرحموت" (ص٥٠١) قال: وقد روينا عن ابن عباس ما يدل على خلافه لهذا القول اهـ، قلنا: مجرد الرواية ج - ١٧ الأضحية یومان بعد يوم الأضحى ٢٣٥ لا يلتفت إليه ما لم يصح الإسناد وقد اعترفت بأنك لا تدری لعله وهم، وقد رویت بسندین كلاهما حسن عن ابن عباس أنه قال: أيام النحر ثلاثة. وروى الطحاوى عنه بسند جيد أن الأضحى يومان بعد يوم النحر، فمن أين لك أن تعارضه بما لا تعتمده وتخاف الوهم فيه؟ قال ابن حزم: الأضحية فعل خير وقربة إلى الله تعالى، وفعل الخير حسن فى كل وقت لم يخص تعالى وقتا من وقت ولا رسوله عليه السلام، فلا يجوز تخصيص وقت يغير نص ولا نص فى ذلك ولا إجماع إلى آخر ذى الحجة، فيجوز التضحية إلى أن يبهل هلال المحرم اهـ (٣٧٨:٧). ولنا أنه معّ كان قد نهى عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث، متفق عليه، وهو حديث مشهور أخرجه الشيخان والجماعة بطرق عديدة عن جماعة من الصحابة، وورد التصريح بأن المراد بالثلاث يوم النحر ويومان بعده، ففى حديث جابر: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منی كما فى "فتح الباري" (٢٢:١٠)، وثلاث منى أولها يوم النحر، وهو يدل على كون التضحية مؤقتة بثلاثة أيام؛ ولو جازت إلى آخر أيام التشريق أو إلى آخر الشهر لم يكن للنهى عن الادخار فوق ثلاث منى معنى، فكيف يجوز الذبح فى وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه؟؛ فإن قيل: كان هذا النهى فى عام واحد ثم أذن لهم فى الادخار فليجز الأضحية كذلك. قلنا: قد أذن لهم فى الادخار إلى ما شاءوا فهل يقول ابن حزم بالأضحية كذلك إلى ما شاءوا؟ كلا لن يقول بذلك أحد له مسكة، فلا بد من القول بأن النهى عن الادخار فوق ثلاث منى دل على أن وقت التضحية ثلاثة أيام، وإذنه فى الادخار لم يبطل توقيت الذبح بل توقيت الادخار فقط بدليل ما مر من أقوال الصحابة ولا مخالف لهم منهم. قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله عَ ◌ّهِ، كذا فى "المغنى" (١١٤:١١). وأما ما رواه ابن حزم بسنده من طريق يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار قالا جميعا: بلغنا أن رسول الله عَ ليه قال: ((الأضحى إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأنى بذلك))، ففيه أن قولهما: بلغنا عن رسول الله ع ◌ُّه لم نره إلا فى هذا السند وحده، ولا ندرى لعله وهم من ابن حزم فإنه كثير الوهم والخطأ كما نبهنا على ذلك فى كتابنا غير مرة أو هو وهم من شيخه أو ممن هو فوقه. وفيهم رجل اسمه مسلم لا أدرى من هو؟ وروینا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو داود الطيالسی عن حرب بن شداد عن یحیی پن ابی کثیر عن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار قالا جميعا: الأضحى ٢٣٦ إعلاء السنن باب ما لا يجوز التضحية بها وما يكره ٥٥٨٤- قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال هشام عن قتادة عن جرى بن إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك اهـ من "المحلى" (٣٧٨:٧)، ليس فيه: بلغنا أن رسول الله عَ ليه قال. فهذا هو الصواب أنه من قولهما ليس من قول النبى معَّهِ، ولو كان كذلك لقال به واحد من الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال به. واندحض به قول ابن حزم: إنه يلزم الحنفيين والمالكيين القول به لاحتجاجهم بالمرسل، وإلا فقد تناقضوا اهـ، فإنهم لا يحتجون بكل مرسل أرسله عن النبى معَّ له بعض الرواة وهما، وإنما يحتجون بمرسل جاء من مخرج صحیح إذا لم يعارضه أقوى منه. وأما ما رواه أبو نعيم فى المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرنى يحيى بن سعيد - وهو الأنصارى- سمعت أبا أمامة بن سهل: كان المسلمون يشترى أحدهم الأضحية، فیسمنها ويذبحها فى آخر ذى الحجة. قال أحمد: هذا الحدیث عجيب (فتح البارى ٧:١٠)، فهذا كما ترى قد أنكره أحمد، وقال: هذا الحديث عجيب، وقال: أيام الأضحى التى أجمع عليها ثلاثة أيام (المغنى ١١٤:١١)، ولعل هذا هو حجة أبى سلمة وسليمان بن يسار، وهو كما ترى لا حجة لهما فيه، لأنه ليس فيه أنه عّ لّ اطلع على فعل من كان يفعل ذلك من المسلمين، فأقرهم عليه، ولا حجة فى فعل بعض الصحابة فى عهد النبى مرّ ◌ُلّه ما لم يثبت تقريره عليه، لا سيما وأبو أمامة هذا هو أسعد بن سهل بن حنيف من صغار الصحابة، وكبار التابعين ولد فى عهده عرّضله ولم يسمع منه، قيل: ولد قبل وفاته بعامين، كما فى "التهذيب" (٢٦٤:١)، فقوله: كان المسلمون يشترى أحدهم ليس حكاية عن فعلهم فى عهد النبى عدّ بل فيما بعده، وهو أبعد شىء من الحجة، كما لا يخفى، والأثر علقه البخارى فى الصحيح بلفظ: قال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، ليس فيه الذبح فى آخر ذى الحجة، فلعل هذه الزيادة لم تثبت عنده. يؤيده إنكار أحمد عليها وتعجبه منها، وبمثله لا يترك إجماع أجلة الصحابة على أن أيام النحر ثلاثة، فافهم، فإن هذه ن مزال الأقدام، ومعترك الأفهام، والحمد لله الوهاب على ما هدانا طريق الحق والصواب، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. باب ما لا يجوز التضحية بها وما يكره أقول: ما ورد فى حديث على أنه معَِّ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن فتفصيله أن ٠ ج - ١٧ ما لا يجوز التضحية بها وما يكره ٢٣٧ كليب عن على أن النبى عَّ ◌ُّه ((نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن))، قال أبو داود: جرى سدوسى بصرى لم يحدث عنه إلا قتادة، وصححه الترمذى، كما فى "المنتقى"، وقال: حدثنا مسدد قال: نا يحيى قال: ثنا هشام عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه. ٥٥٨٥- وقال الطحاوى: حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت جرى بن كليب قال: سمعت عليا رضى الله عنه يقول: ((نهى رسول الله عَّ له عن عضباء القرن والأذن))، قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: ما عضباء الأذن؟ قال: إذا كان النصف فأكثر من ذلك مقطوعًا (معانى الآثار: ٢٩٧:٢)، وهذا إسناد حسن. ٥٥٨٦- وقال أيضًا: حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا حسن بن صالح وحدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد قال: أخبرنا شريك قالا جميعا عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدى قال: أتى رجل عليا فسأله عن مكسورة القرن، فقال: لا يضرك، قال: إذا بلغ المنسك أمرنا رسول الله عَّه أن نستشرف العين والأذن (معانى الآثار ٢٩٧:٢)، وهذا إسناد حسن صحيح. العضب فى الأذن أن يكون النصف، فما فوقه مقطوعا، كما رواه شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب ويرجع إليه ما روى هشام عن قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال النصف فما فوقه بأن يقال معنى قوله: ما الأعضب أى ما أعضب الأذن؟ جمعا بين الروايات وإرجاعا للمجمل إلى المفسر، والعضب فى القرن أن يكون مستأصلا من أصله بدليل أن عليا رضى الله عنه أفتى السائل لجواز مكسورة القرن مطلقا من غير تفصيل. ويحمل ذلك على ما بقى أصله بدليل ما روى عن عبتة بن عبد السلمى أن النبى عدّ له نهى عن المستأصلة التى استؤصل قرنها من أصله؛ فدل جميع ذلك على أن العضب فى القرن فى حديث على الاستئصال من الأصل لا ما هو فى الأذن وبهذا تجتمع الأدلة ولا يحتاج إلى ما قال الطحاوى: إن النهى عن عضباء القرن منسوخ، فتحصل من ذلك جواز التضحية بما قطع أقل من نصف أذنها، ومكسورة القرن غير مستأصلتها، وعدم جواز ما قطع النصف من أذنها، أو أكثر من ذلك، وما استؤصل قرنها من أصله، هذا هو وجه المسألة، وما قال فقهاءنا فى مكسورة القرن ٢٣٨ ما لا يجوز التضحية بها وما يكره إعلاء السنن ٥٥٨٧- وقال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازى قال: أخبرنا ح وحدثنا على بن بحر نا عيسى المعنى عن ثور قال: حدثنى أبو حميد الرعينى قال: أخبرنى يزيد ذو مصر قال: أتيت عتبة بن عبد السلمى فقلت: يا أبا الوليد! إنى خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئا غير ثرماء، فكرهتها فما تقول؟ قال: أ فلا جئتنى بها؟ قلت: سبحان الله؟ تجوز عنك ولا يجوز عنى؟ قال: نعم، إنك تشك ولا أشك إنما نهى رسول الله عَّه عن المصفرة والمستأصلة والنجفاء والمشيعة والكسراء والمصفرة التى تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التى يستأصل قرنها من أصله، والنجفاء التى تنحق عينها، والمشيعة التى لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسراء الكسيرة اهـ (أبو داود)، وسكت عنه هو المنذری (عون) (٥٥:٣). أن القرن ليس بمقصود لجواز التضحية بالإبل مع أنها لا قرن بها غير تام؟ لأن هذا الدليل جاء فى مستأصلة القرن مع أنهم لا يقولون لجواز التضحية بها، فالصحيح أن المتمسك به فى المسألة هو النصوص لا القياس، والقياس إنما يصح فى الجماء فقط، فتدبر. والنهى المقابلة والمدابرة والشرقاء والخرقاء محمول على الكراهة بدليل جواز التضحية بما قطع أقل من نصف أذنها، وباقى الكلام ظاهر لا يحتاج إلى الشرح وحكم الذنب والإلية هو حكم الأذن. وما رواه أحمد عن أبى سعيد أنه قال: اشتريت كبشا أضحى به فعدا الذنب فأخذ الإلية، فسألت النبى عّ لِّ فقال: ((ضح به))، فأعله الطحاوى وقال: هو فاسد سندا ومتنا، وبين فساد المتن بأنه ورد فى رواية شعبة أخذ إليته أو بعض إليته بالشك، فلا يفيد هذه الرواية؛ وأما فساد السند، فلم يتنبه وقد بینه الشو کانی بأن فى سنده جابر الجعفى وهو ضعيف جدا، ومحمد بن قرظة، وهو مجهول، ويقال: إنه لم يسمع من أبى من سعيد، وقال البيهقى: رواه حماد بن سلمة عن الحجاج ابن أرطاة عن عطية عن أبى سعيد الخدرى أن رجلا سأل النبى معَّه عن شاة قطع ذنبها يضحى بها؟ قال: ضح بها، وضعفه الشوكانى بحجاج، وعلى تقدير الصحة يؤول بأن الشاة كانت مقطوعة الذنب بأقل من النصف جمعا بين الأدلة، والله أعلم. قال العبد الضعيف: قال الخطابى فى حديث البراء: إن فيه دليلا على أن العيب الخفيف فى الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: بين عورها، وبين مرضها وبین ضلعها؟ فالقليل منه غیر بین، فكان معفوا عنه، انتهى. وقال النووى: أجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة فى حديث البراء ج - ١٧ ما لا يجوز التضحية بها وما يكره ٢٣٩ ٥٥٨٨- وقال أبو داود أيضًا: حدثنا حفص بن عمر النمرى قال: حدثنا شعبة عن سليمان عن عبد الرحمن عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب ما لا يجوز فى الأضاحى، قال: قام فينا رسول الله عَّه وأصابعى أقصر من أصابعه وأناملى أقصر من أنامله، فقال: أربع لا تجزر فى الأضاحى، العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها، والعرجاء بين ضلعها، والكبيرة التى لا تنقى، قال: قلت: فإنى أكره أن يكون فى السن نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد، قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجة (عون ٣: ٥٤). لا تجزئ التضحية بها وكذا ما كان فى معناها أو أقبح منها - كالعمى وقطع الرجل وشبهه- انتهى من "العون" (٥٥:٣). وفى "المغنى" لابن قدامة: أما العيوب الأربعة الأول (المذكورة فى حديث البراء)، فلا نعلم بين أهل العلم خلافا فى أنها تمنع الإجزاء، وأما العضب فهو ذهاب أكثر من نصف الأذن، أو القرن وذلك يمنع الإجزاء أيضا، وبه قال النخعى وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعى: تجزئ مكسورة القرن، وروى نحو ذلك عن على وعمار وابن المسيب والحسن، واحتجوا بأن قول النبى معَّه: ((أربع لا تجوز فى الأضاحى)) يدل على أن غيره يجزئ ولأن فى حديث عبيد بن فيروز، قال: قلت للبراء: إنى أكره النقص من القرن ومن الذنب، فقال: اكره لنفسك ما شئت، وإياك أن تضيق على الناس، قال: ولنا ما روى عن على رضى الله عنه قال: نهى رسول الله عَ لّه أن يضحى بأعضب القرن والأذن، وعن على قال: أمرنا رسول الله مَّ أن نستشرف العين والأذن وهذا منطوق یقدم على المفهوم اهـ. قلنا: قد روينا عن على أنه سئل من مكسورة القرن؟ فقال: لا يضرك، وهذا منطوق أيضا. وفى "رد المحتار": ويضحى بالجماء التى لا قرن لها خلقة، وكذا العضباء التى ذهب بعض قرنها بالكسر، أو غيره، فإن بلغ الكسر إلى المخ لم يجز، قهستانى، وفى "البدائع": إن بلغ الكسر المشاش لا يجزئ والمشاش رؤوس العظام اهـ (٣١٥:٥). قلت: إن الكسر إذا بلغ المشاش أوجب استئصال القرن، كما هو ظاهر، قال الموفق فى "المغنى": وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة، وما قطع شىء منها لما روى عن على رضى الله عنه قال: ((أمرنا رسول الله عَّه أن نستشرف العين والأذن ولا نضحى بمقابلة ولا مدابرة)) الحديث. ٢٤٠ ما لا يجوز التضحية بها وما يكره إعلاء السنن ٥٥٨٩- وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى قال: نا زبير قال: نا أبو إسحاق عن شريح بن النعمان -وكان رجل صدق- عن على قال أمرنا رسول الله عَ ليه أن نتشرف العين والأذن ولا نضحى بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء، قال زبير: فقلت لأبي إسحاق أذكر عضباء؟ قال: لا، قلت: فما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن،. قلت: فما الخرقاء؟ قال: تخرق أذنها للسمة، وصححه الترمذى، وأعله الدارقطنى، كما فى (النيل ٣٥٠:٤). وهذا نهى تنزيه ويحصل الإجزاء بها، ولا نعلم فيه خلافا، ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله اهـ (١٠٢:١١)، وفى قول قتادة قلت لسعيد بن المسيب: · ما عضباء الأذن؟ قال: إذا كان النصف فأكثر من ذلك مقطوعا، رد على ابن حزم حيث قال: ولا يعرف التحديد المذكور بالثلث، أو النصف فى كل ذلك عن أحد قبل أبى حنيفة اهـ (٧: ٣٦٠). فهذا ابن المسيب قد حدده بالنصف قبل أبى حنيفة. ودليل ذلك فى النص أن العيب الخفيف معفو عنه فى الأضاحى، ولذا قيده عَّم بالبين، فالقليل منه غير بين، ولا يخفى أن ما دون النصف قليل عرفا، وهذا هو قول أبى يوسف ومحمد، رجع أبو حنيفة إليه وكان يحدده أولا بالثلث والبسط فى "رد المحتار". ثم اعلم أن مقتضى إطلاق قوله مَّ ◌ُلّه فى حديث البراء: أربع لا تجوز فى الأضاحى العوراء البين عورها إلى آخره أن الأضحية لو تعيبت عنده لم يجز أن يضحى بها مطلقا ولكنا روينا عن على بن أبى طالب من طريق أبى إسحاق عن هبيرة بن يريم قال: قال على: إذا اشتريت الأضحية سليمة فأصابها عندك عوار أو عرج فبلغت المنسك فضح بها. ومن طريق الحارث عن على أنه سئل رجل اشترى أضحية فاعورت عنده، قال: يضحى بها، وهو قول حماد بن أبى سليمان والحسن وإبراهيم، كما فى "المحلى" (٣٧٦:٧)، فحملنا قول على من طريق هبيرة على العيب الخفيف الذى لا يمنع بدليل قوله فى العرج فبلغت المنسك، فلو كان التعييب عنده لا يمنع مطلقا لم يكن لهذا القيد معنى وقوله: من طريق الحارث محمول على ما إذا تعيبت بالعيب المانع عند الذبح لا قبله، كما لو قدم أضحية فاضطربت فى المكان الذى يذبحها فيه فانكسرت رجلها ثم ذبحها على مكانها أجزأه، وكذلك إذا انقلبت الشفرة فأصابت عينها فذهبت، والقياس أن لا يجوز؟ لأن هذا عيب دخلها قبل تعين القربة فيها، فصار كما لو كان قبل