النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
حرمة السمك الطافى
إعلاء السنن
وهو الصواب، وكذلك رواه أيوب السختيانى وعبيد الله بن عمر وابن جريج وزهير
وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبى الزبير موقوفًا، وروى عن إسماعيل بن أمية عن أبى
الزبير وابن أبى الذئب عن أبى الزبير مرفوعًا، ولا يصح رفعه، رفعه يحيى بن سليم عن
إسماعيل بن أمية ووقفه غيره اهـ.
لكونه مخالفا للقياس، وما روى عن أبى بكر رضى الله عنه هو الاجتهاد، فلا يعارض المرفوع فتنبه
له والله يوفقك للرشاد.
الجواب عن معارضة الخصم بحديث العنبر:
قال العبد الضعيف: فإن قلت: يعارضه حديث العنبر، قلنا: لا فليس فى طريق من طرق
حديث العنبر أنه كان طافيا ولفظ البخارى: فألقى البحر حوتا يقال له: العنبر، وفى لفظ له: فألقى
البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له: العنبر (فتح البارى ٩: ٥٣١)، فيحتمل أن يكون قد مات بعد ما
ألقاه البحر ولم يمت فى الماء حتف أنفه. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: فإن احتجوا بحديث
جابر(١) فى قصة جيش الخبط وإباحة النبى معَّ أكل الحوت الذى ألقاه البحر، فليس ذلك عندنا
بطاف، وإنما الطافى ما مات حتف أنفه فى الماء من غير سبب حادث اهـ (١٠٩:١) أى وهذا كان
قد مات بجزر البحر عنه، فافهم، فإن بعض الأحباب لم يتنبه لذلك. وقال الجصاص فى تفسير قوله
تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ روی عن ابن عباس وزید وسعيد بن جبير وسعيد بن
المسيب وقتادة والسدى ومجاهد قالوا: صيده ما صيد طريا بالشباك ونحوها. فأما قوله: وطعامه
فقد روى عن أبى بكر وعمر وابن عباس وقتادة قالوا: ما قذفه ميتا. فإن قيل: هذا يدل على إباحة
الطافى لأنه قد انتظم فى ما صيد منه وما لم يصد قيل له: إنما تأولوا قوله: وطعامه على ما قذفه
البحر، وعندنا ما قذفه البحر ميتا، فليس بطافٍ، وإنما الطافى ما يموت فى البحر حتف أنفه،
(١) واعلم أن حديث جابر هذا مضطرب المتن جدا، ففى رواية "الصحيحين" أن أمير الجيش كان أبا عبيدة، وفى رواية أبى حمزة
الخولانى عند البخارى فى الأطعمة تأمر علينا قيس بن سعد بن عبادة، وأكثر الروايات على أن قصة نفاد الزاد وأكل الخبط
وإلقاء البحر لهم حوتا يقال له: العنبر لم يكن مع رسول الله مرّبيّةٍ ووقع فى أواخر "صحيح مسلم" فى حديث طويل من طريق
الوليد بن عبادة عن جابر أن جميع ذلك كان بحضرة النبى مرّ له ولفظ: وشكى الناس إلى رسول الله مَّ الجوع فقال: عسى
الله أن يطعمكم فآتينا سيف البحر فزجر البحر زجرة فألقى دابة، فأورينا على شقها النار فأطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا،
وذکر أنه دخل هو وجماعة فی عینها، کذا فی "فتح البارى" (٥٣٤:٩).

١٨٢
حرمة السمك الطافى
ج - ١٧
وقال البيهقى، ورواه يحيى بن أبى أنيسة أيضًا عن أبى الزبير مرفوعًا، ويحيى
وليس كل ما قذفه البحر ميتا يكون طافيا، إذ جائز أن يموت فى البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد
أو حر أو غيره فلا يكون طافيا اهـ (٤٧٨:٢)، وحديث الطافى أخرجه أبو داود فى "سننه" وقال:
أوقفه سفيان الثورى وأيوب وحماد على جابر (٤٢٢:٣).
قال الجصاص: وهذا لا يفسده عندنا، لأنه جائز أن يرويه عن النبى معَ ◌ّ تارة ثم يرسل عنه
فيفتى به، وفتياه بما رواه عن النبى ◌ّه غير مفسد له بل يؤكده، على أن إسماعيل ابن أمية فيما
يرويه عن أبى الزبير (مرفوعا عند أبى داود وغيره) ليس بدون من ذكروا، وكذلك ابن أبى ذئب
فزيادتهما فى الرفع مقبولة على هؤلاء اهـ (١٠٨:١)، وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق سعيد
ابن منصور نا إسماعيل بن عياش حدثنى عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن کیسان ونعيم بن
المجمر عن جابر بن عبد الله عن النبى معَ ◌ّه قال: كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقى وما وجدتموه
طافيا من السمك فلا تأكلوه، وأعله بأن إسماعيل بن عياش ضعيف (٣٩٦:٧).
قلت: وفى سكوته عن بقية الرواة دليل على كونهم ثقات عنده، وقد تقدم أن حديث ابن
عياش عن الشاميين صحيح عند البخارى وغيره، وهذا كذلك لأن عبد العزيز بن عبيد الله هو ابن
حمزة بن صهيب بن سنان الحمصى من أهل الشام قد أخرج له الحاكم فى "المستدرك"، وصحح
حديثه (الجوهر النقى ٢١٧:٢)، وهو ممن قد علق له البخارى فى الصحيح وقال أحمد: كنت أظن
أنه مجهول، لأنه لم يرد عنه غير إسماعيل حتى سألت عنه بحمص، فإذا هو عندهم معروف، كذا
فى "التهذيب" (٣٤٨:٦)، فالحديث صحيح ولا أقل من أن يكون حسنا، وهذه متابعة جيدة لما
رواه أبو الزبير عن جابر، فاندحض ما قاله ابن حزم: إنه من حديث أبى الزبير عن جابر ولم يذكر
فيه سماعا ولا هو من رواية الليث اه؛ لأن حديث المدلس والمرسل والراوى السىء الحفظ إذا توبع
أو وجد له شاهد صلح للاحتجاج به كما مر فى "المقدمة"، على أن الإرسال والتدليس فى القرون
الفاضلة ليس بعلة عندنا، فلا يجوز لأهل الحديث أن يغمضوا عن هذا الحديث أو يرووه بعموم
قوله عّ لّه فى البحر: ((هو الطهور ماءه والحل ميتته) أو قوله: أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد.
أصل المحدثين بناء العام على الخاص:
فكيف ومن أصلهم فى ترتيب الأخبار أن يبنى العام على الخاص، فيستعملونهما جميعا،
ولا يسقطون الخاص بالعام لا سيما وحديث: أحلت لنا ميتتان إلخ مختلف فيه رفعه، فرواه مرحوم

١٨٣
حرمة السمك الطافى
إعلاء السنن
متروك لا يحتج به، ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعى عن أبى الزبير مرفوعًا ولا يحتج
العطار عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر موقوفا عليه، ورواه يحيى الحمانى
عن عبد الرحمن بن زيد مرفوعا، فيلزم فيه مثل ما ألزمونا فى خبر الطافى، قاله الجصاص فى
"الأحكام" له (١٠٩:١)، وقد تقدم أن الدارقطنى رواه من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن
أسلم موقوفا على ابن عمر وقال: هو أصح، وكذا صح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم وقال الحافظ:
هذا الموقوف فى حكم المرفوع (نيل ٣٧٠:٨).
قلت: فمالك لا تقول بذلك فى حديث جابر فى الطافى أن هذا الموقوف فى حكم المرفوع؟
وهل هذا إلا تحكم تمشية للمذهب؟ "البحر هو الطهور ماءه والحل ميتته" قد رده ابن عبد البر من
حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى لما فى سنده من الاختلاف والاضطراب فى طريق أبى هريرة
ومن الاختلاف فى رفعه ووقفه من طريق جابر، ومن أراد البسط، فليراجع "التلخيص الحبير"
(٣،٢:١) فكيف يصح جعل مثل هذا العام قاضيا على الخاص؟ فإن قال: قد عارضه قول أبى بكر
قلنا: قد خالف أبا بكر جابر حيث أفتى بحرمة الطافى، وروى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن
فضيل أنا عطاء بن السائب عن ميسرة عن على بن أبى طالب قال: ما طفا من صيد البحر فلا
تأكلوه، ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن الأحلج عن عبد الله بن أبى الهذيل أنه سمع
ابن عباس وقال له رجل: إنى أجد البحر وقد جعل سمكا، قال: لا تأكل منه طافيا (٣٩٤:٧).
فإن قيل كما قال ابن حزم: إن ابن فضيل سمع من عطاء بعد الاختلاط، قلت: نعم، ولكن
قال ابن حبان فى الثقات مع تعنته فى الجرح أنه كان اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن
يعدل به عن مسلك العدول بعد تقدم صحة بيانه فى الروايات (تهذيب ٢٠٦:٧)، وأثر ابن عباس
من طريق عبد الرزاق سنده قوى، فإن الأحلج وثقه كثيرون، وغاية ما يقال فيه: إنه لين وهو شاهد
جيد لما روى فى ذلك عن على. وأيضا فأثر على أخرجه الطحاوى قال: ثنا محمد بن خزيمة ثنا
حجاج حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن عليا قال: ما قذف البحر حلال، وكان
يكره الطافى من السمك (الجوهر النقى ٢: ٢١٦)، وسماع الحمادين من عطاء قبل الاختلاط،
وأخرج ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا حفص عن جعفر عن أبيه قال: قال على: مامات فى
البحر فإنه ميتة، كذا فى "الجوهر النقى"، وهذا مرسل صحيح يؤيد ما رواه عطاء عن ميسرة عن
على موصولا فإن قيل: روى البيهقى عن طريق شعبة عن أجلح عن أبى الهذيل عن ابن عباس قال:
لا بأس بالطافى من السمك.

١٨٤
حرمة السمك الطافى
ج - ١٧
بما تفرد به بقية، فكيف بما يخالف فيه؟ (التعليق المغنى على الدار قطنى).
. قلنا: يعارضه ما رواه سفيان عن أجلح، وقد مر، وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" ثنا على
ابن مسهر عن الأجلح عن ابن أبى الهذيل سأل رجل ابن عباس قال: إنى آتى البحر فأجده قد جفل
سمكا كثيرا، فقال: كل ما لم تر سمكا طافيا اهـ من "الجوهر النقى"، وعلى بن مسهر من رجال
الجماعة ثقة حافظ قد تابع سفيان ولم نر لشعبة فيما رواه متابعا، واثنان أولى من واحد لا سيما
وعلى بن مسهر وسفيان كلاهما ذكرا فى حديثهما عن الأجلح قصة لم يذكرها شعبة، فالترجيح
لحديثهما كما مر فى المقدمة، ولا يبعد أن يقال: إن ابن عباس كان يرى أولا أنه لا بأس بأكل
الطافى، ثم رجع عن ذلك حين بلغه عن رسول الله عّ لّه ما رواه جابر عنه وما رواه ميسرة وغيره
عن على كرم الله وجهه.
وإذا عرفت ذلك فلا حجة فيما رواه البخارى معلقا. ووصله ابن أبى شيبة وعبد الرزاق عن
سفيان الثورى عن عبد الملك بن أبى بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد على أبى بكر أنه
قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها (المحلى ٣٩٧:٧)، فإن ابن عباس راويه قد خالفه والعبرة
برأى الراوى عندنا لا بروايته، كما مر فى "المقدمة"، قال ابن حزم فى "المحلى" وروينا من طريق
يحيى بن سعيد - القطان- عن ابن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما طفا من
السمك فلا تأكله، وصح عن الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وإبراهيم النخعى أنهم كرهوا
الطافى من السمك، وبتحريمه يقول الحسن بن حيى اهـ (٣٩٤:٧).
وفى "شرح المهذب": وممن قال بمنع السمك الطافى ابن عباس وجابر بن عبد الله
(وعلى رضى الله عنهم) وجابر بن زيد وطاوس (٣٣:٩)، وتكلم البيهقى فى حديث يحيى بن
سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا بأن يحيى بن سليم كثير الوهم سىء
الحفظ، وقد رواه غيره موقوفا.
قلنا: ذكر الدارقطنى فى "سننه" رواية يحيى ثم قال: رواه غيره موقوفا، ثم أخرجه
من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل موقوفا، فتبين أن ذلك الغير هو إسماعيل بن عياش،
وقد قال البيهقى: إن روايته عن أهل الحجاز ليس بصحيح! وإسماعيل بن أمية مكى، ويحيى بن
سليم وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له البخارى ومسلم والجماعة كلهم، وقد زاد الرفع، فكيف
تعارض روايته برواية ابن عياش مع أنه يروى الحديث عن مكى، ورواية ابن أبى ذئب عن أبى الزبير
مرفوعا تشهد لرواية يحيى بن سليم، وقول البخارى: لا أعرف لابن أبى ذئب عن أبى الزبير شيئا،

١٨٥
حرمة السمك الطافى
إعلاء السنن
هو على مذهبه فى أنه يشترط لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت السماع، وقد أنكر مسلم ذلك إنكارا
شديدا، وزعم أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أنه يكفى للاتصال إمكان اللقاء والسماع، وابن
أبى ذئب أدرك زمان أبى الزبير بلا خلاف وسماعه منه ممكن، وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم
الميتة﴾ عام خص منه غير الطافى من السمك بالاتفاق، وبالحديث المشهور، والطافى مختلف فيه
فبقى داخلا فى عموم الآية اهـ ملخصا من "الجوهر النقى" (٢١٨:٢).
أصل أبى حنيفة فى العام والخاص:
فإن قيل: من أصل أبى حنيفة فى العام والخاص أنه متى اتفق الفقهاء على استعمال أحد
الخبرين واختلفوا فى استعمال الخبر الآخر كان ما اتفق فى استعمال قاضيا على ما اختلف فيه،
وقوله مَّهِ: ((هو الحل ميتته))، وقوله: ((أحلت لنا ميتتان)) متفق على استعمالهما وخبر الطافى
مختلف فيه، فينبغى أن يقضى عليه بالخبرين الآخرين، قلنا: إنما يعرف ذلك من مذهبه وقوله فيما لم
يعضده نص الكتاب، فأما إذا كان عموم الكتاب معاضدا للخبر المختلف فى استعماله فإنا لا نعرف
قوله فيه، بل يستعمل حينئذ مع العام المتفق على استعماله ويكون ذلك مخصوصا منه، كذا فى
"أحكام القرآن" للجصاص (١٠٩:١)، وأما ما رواه البيهقى بإسناده عن عمر بن الخطاب وعن
على بن أبى طالب قالا: الجراد والنون ذكى كله، كما فى "شرح المهذب" (٣٤:٩)، فمعناه أنه
لا حاجة فيهما إلى الذكاة والذبح وبه نقول، ولا دلالة فيه على حل الطافى، يدل على ذلك لفظ
سعيد بن منصور من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب أنه سئل عن
الحيتان والجراد؟ فقال: الحيتان والجراد ذكى ذكاتهما صيدهما (المحلى ٣٩٧:٧)، فقوله: ذكاتهما
صيدهما صريح فيما قلنا.
الرد على ابن حزم فى احتجاجه بحديث العنبر على إباحة حيوان البحر كله:
واحتج ابن حزم بحديث العنبر على إباحة حيوان البحر كله وقال: فهذا ليس من السمك،
بل هو مما حرمه من ذكرنا، واغتر بما فى بعض الروايات عند مسلم عن جابر فرفع لنا على ساحل
البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر الحديث، فزعم ابن حزم أنها دابة غير
السمك كما فى المحلى (٣٩٥:٧)، وغفل رحمه الله عما فى بعض طرقه عند البخارى فى المغازى
والأطعمة: فإذا حوت مثل الظرب، وفى رواية الخولانی عنده: فإذا نحن بأعظم حوت، وفى رواية

ج - ١٧
حرمة السمك الطافى
١٨٦
ابن جريج عن عمرو بن دينار: فألقى لنا البحر حوتا ميتا والحوت اسم جنس لجميع السمك، وقيل:
هو مخصوص بما عظم منها، وقال أهل اللغة: العنبر سمكة بحرية كبيرة يتخذ من جلدها الترسة،
ويقال: إن العنبر المشموم رجيع هذه الدابة، وقال الأزهرى: العنبر سمكة تكون بالبحر الأعظم يبلغ
طولها خمسين ذراعا يقال لها: بالة وليست بعربية، كذا فى فتح البارى (٦٣:٨).
وفيه أيضا: ولا خلاف بين العلماء فى حل السمك على اختلاف أنواعه، وإنما اختلف فيما
كان على صورة حيوان البر - كالآدمى والكلب والخنزير والثعبان- فعند الحنفية وهو قول
الشافعية: يحرم ما عدا السمك.
واحتجوا عليه بهذا الحديث (أى ألزموا أبا حنيفة به)، فإن الحوت المذكور لا يسمى سمكا،
وفيه نظر، فإن الخبر ورد فى الحوت نصا (وهم اسم جنس لجميع السمك كما مر)، وعن الشافعية
الحل مطلقا على الأصح المنصوص، وهو مذهب المالكية إلا الخنزير فى رواية، وحجتهم قوله تعالى:
﴿أحل لكم صيد البحر﴾ (قلت: فلم حرموا خنزير البحر؟) وحديث: ((هو الطهور ماءه الحل
ميتته)) (قلت: فد تقدم أن قوله: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه للمحرم
ولا دلالة فيه على أكله، وقوله عّ لّه: ((الحل ميتته)) محمول على قوله: ((أحلت لنا ميتتان: السمك
والجراد)) وهو نص فى أن المخصوص من جملة الميتات المحرمة هو هذان دون غيرهما، يدل على ذلك
أنه لم يخصص بذلك حيوان الماء دون غيره، وإنما ذكر ما يموت فيه وذلك يعم ظاهره حيوان الماء
والبر جميعا إذا ماتا فيه، وقد علم أنه لم يرد به ذلك، فثبت أنه أراد السمك خاصة دون ما سواه إذ
قد علم أنه لم يرد العموم ولا يصح اعتقاده فيه) وعن الشافعية ما يؤكل نظيره فى البر حلال، وما
لا فلا، واستثنوا على الأصح ما يعيش فى البحر والبر وهو نوعان: الأول: ما ورد فى منع أكله
شىء يخصه - كالضفدع- وكذا استثناه أحمد للنهى عن قتله، ومن المستثنى أيضا التمساح لكونه
يعدو بنابه، ومثله القرش فى البحر الملح خلافا لما أفتى به المحب الطبرى، والثعبان والعقرب
والسرطان والسلحفاة للاستخباث والضرر اللاحق من السم.
والنوع الثانى: ما لم يرد فيه مانع فيحل لكن بشرط التذكية - كالبط وطير الماء- والله أعلم
اهـ ملخصا (٥٣٤:٩).
ولنا قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ وذلك عموم فى ميتة البحر والبر ولم يستثن منهما
إلا ميتتان: السمك والجراد، ومن أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد دلالة على خطره ما

١٨٧
حرمة السمك الطافى
إعلاء السنن
عداه، وأيضا لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من الميتات دل تفرقه على اختلاف
حالهما، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ولحم الخنزير﴾ وذلك عموم فى خنزير البحر والبر جميعا.
ويدل على ذلك حديث النهى عن قتل الضفدع وجعله فى الدواء وهى من حيوان الماء، ولو كان
أكله جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى النبى عَّه عن قتله، ولما ثبت تحريم الضفدع بالأثر كان سائر
حيوان الماء سوى السمك بمثابة، كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٤٧٩:٢).
وأما ما علقه البخارى فى "الصحيح" عن شريح - صاحب النبى عنّي - أنه قال: " كل شىء
فى البحر مذبوح" فالمراد به السمك، وأنه لا يحتاج إلى تذكية بدليل ما أخرج عبد الرزاق بسندين
جيدين عن عمر ثم عن على: الحوت ذكى كله (فتح البارى ٩: ٥٣٠)، والآثار يفسر بعضها
بعضا، وبدليل ما علق البخارى عن ابن عباس قال: طعامه ميتة إلا ما قذرت منها، دل على أن إباحة
صيد البحر وطعامه ليس على إطلاقها بل مقيدة بالطيبات، فما كان منه مستقذرا مستخبثا لم يكن
من طعام البحر، فافهم، وبذلك ظهر وهن الاستدلال به على إباحة الطافى، فإنه من المستقذرات
عندنا، مع ما ورد فيه من النهى مرفوعا وموقوفا على جماعة من الصحابة، وبه قال طائفة من
التابعين، كما تقدم، فقول أبى حنيفة أقوى ما يكون فى هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ.
فائدة: علق البخارى عن الشعبى أنه قال: لو أن أهلى أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وهو
محجوج بما روى عن النبى معَِّ من النهى عن قتله وجعله فى الدواء. وقد اتفق فقهاء الأمصار
على حرمته وهو قول ابن حزم أيضا، كما مر، وقال ابن أبى ليلى: لا بأس بأكل كل شىء يكون
فى البحر من الضفدع وحية الماء وغير ذلك، وهو قول مالك بن أنس، كذا فى "أحكام القرآن"
للجصاص (٤٧٩:٢).
فائدة: علق البخاری عن ابن عباس قال: الجری لا تأکله اليهود، ونحن نأكله، وصله عبد
الرزاق عن الثورى عن عبد الكريم الجزرى عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى، فقال:
لا بأس به، إنما هو شىء كرهته اليهود وأخرجه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى به وقال فى
رواية: سألت ابن عباس عن الجرى فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله، وهذا على
شرط الصحيح، وأخرج عن على وطائفة نحوه، والجرى ويقال له: الجريث أيضا هو ما لا قشر له.
وقال ابن حبيب من المالكية: أنا أكرهه، لأنه يقال: إنه من الممسوخ، وقال الأزهرى: الجريث نوع من
السمك يشبه الحيات ويقال له أيضا: المارماهى والسلور مثله وقال الخطابى: هو ضرب من السمك

١٨٨
ج - ١٧
باب ما صاده اليهودى والنصرانى والمجوسى وغيرهم من صيد البحر
٥٥٦٤- عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((كل ما ألقى البحر
وما صيد منه صاده يهودى أو نصرانى أو مجوسى))، أخرجه البيهقى (فتح البارى
٥٣١:٩)، وذكره البخارى معلقًا.
يشبه الحيات وقال غيره: نوع عريض الوسط دقيق الطرفين اهـ ملخصا من فتح البارى (٥٣٠:٩).
وفى "الدر المختار" مع " الشامية": ولا يحل حيوان مائى إلا السمك غير الطافى، وإلا
الجريث سمك أسود، والمارماهى سمك فى صورة الحية أفردهما بالذكر للخفاء، أى لخفاء كونهما
من جنس السمك وخلاف محمد، قال فى "الدرر": وهو ضعيف (٥: ٣٠٠)، وفيه ما يشعر
يكون الجريث غير المارماهى، وفى "حياة الحيوان": الجريث هو هذا السمك الذى يشبه الثعبان،
ويقال له أيضا: الجرى، وهو نوع من السمك يشبه الحية، ويسمى بالفارسية: مارماهى، وحكمه
الحل، قال البغوى: إن الجريث حلال بالاتفاق والمراد هذه الثعابين التى لا تعيش إلا فى الماء، وأما
الحيات التى تعيش فى البر والبحر فتلك من ذوات السموم وأكلها حرام اهـ (١٧٧:١) وبالجملة
فكل ما كان من جنس السمك لغة وعرفا فهو حلال بلا خلاف - كالسقنقور والروبيان-
(١٧٧:١) ونحوهما، والله تعالى أعلم بالصواب، ظ.
باب ما صاده اليهودى والنصرانى والمجوسى وغيرهم من صيد البحر
أقول: أثر ابن عباس نص فى حل ما صاده اليهودى والنصرانى والمجوسى من السمك، وهو
المراد من صيد البحر، لأن الإضافة تدل على الاختصاص والسمك هو المختص بالبحر لأنه لا يعيش
بدون الماء، بخلاف سائر حيوانات البحر، لأنها تعيش فى البر والبحر، وقال ابن التين: مفهومه: أن
صید البحر لا یؤ کل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم اه (فتح البارى ٩: ٥٣١)، وهو
كلام فاسد، لأنه لو كان كذلك لم يحل ما صاده مسلم، وهو باطل قطعا، فظهر أن مقصود ابن
عباس ليس هو التخصيص بل معقوده هو التعميم، لأن من عداهم إما أن يكون أولى بالحل منهم
- كالمسلم - أو يكون مثلهم - كالوثنى- فإنه مثل المجوسى فينتظم الكلام للناس كلهم، فافهم.
قال العبد الضعيف: ويعارض أثر المتن ما رواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق وكيع نا جرير
ابن حازم عن عيسى بن عاصم عن على بن أبى طالب أنه كره صيد المجوسى للسمك (٣٩٤:٧)،
ولكنه منقطع، فإن عيسى بن عاصم من السادسة يروى عن زر بن حبيش وشريح القاضى وسعيد

١٨٩
إعلاء السنن
باب قوله: ((إن الله تعالى ذبح ما فى البحر لبنى آدم»
٥٥٦٥- حدثنا الحسين بن قاسم الكوكبى نا خالد بن سيمان الصدفى نا أبو
عاصم عن ابن جريج عن أبى الزبير عن شريح - وكان من أصحاب رسول الله عَ لهـ
قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إن الله تعالى ذبح ما فى البحر لبنى آدم))، أخرجه الدارقطنى،
وأخرجه البخارى عنه موقوفًا عليه. وقال ابن حجر فى "الفتح": هو الأصح، وروى
مثله عن أبى بكر وابن عباس، رواه الدار قطنى وغيره.
ابن جبير، وأرسل عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ليس له سماع من على كرم الله وجهه، وأُثر
المتن علقه البخارى ووصله البيهقى من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال
الحافظ فى "الفتح": وأخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير وبسند آخر عن
على كراهية صيد المجوسى السمك اهـ (٥٣١:٩)، ولو صح فهو محمول على التورع دون كراهة
التحريم، فقد روى ابن حزم من طريق سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن
عبيد الكلاعى عن سليمان ابن موسى عن الحسن قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول
الله عَّ يأكلون صيد المجوس من الحيتان لا يختلج منه شىء فى صدورهم (٣٩٧:٧)، ولأنه
لا ذكاة له وتباح ميتته، فلم يحرم بصيد المجوسى لقوله مرّ ه: ((هو الطهور ماءه والحل ميتته)) ولقوله
((أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد)).
قال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسى وذبيحته إلا ما كان مما لا
ذكاة له - كالسمك والجراد- فإنهم أجمعوا على إباحته غير أن مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن
الجماعة، فأما مالك والليث فقالا: لا نرى أن يؤكل الجراد إذا صاده المجوسى ورخصا فى السمك،
وأبو ثور أباح صيده وذبيحته، قال إبراهيم الحزلى: خرق أبو ثور الإجماع إلى أن قال: ولا خلاف
فى إباحة ما صاده المجوسى من الحيتان، ثم روى أثر الحسن الذى ذكرناه قال: والجراد كالحيتان،
لأنه لا ذكاة له، ولأنه تباح ميتته فلم يحرم بصيد المجوسى كالحوت اهـ ملخصا (٣٨:١١).
باب قوله: إن الله تعالی ذبح ما فی البحر لبنی آدم
أقول: إن مدلوله الظاهر أن ما فى البحر لا يحتاج إلى الذبح، والمراد منه هو السمك بجميع
أنواعه لا كل ما فى البحر، لأن ما فى البحر قد يكون غير حلال - كالضفدع والسلحفاة-
وغيرهما، وقد يكون حلالا إلا أنه يحتاج إلى الذبح، - كالطير - والذى لا يحتاج إلى الذبح

ج - ١٧.
١٩٠
باب حل الجراد
٥٥٦٦- عن ابن أبى يعفور قال: سمعت ابن أبى أوفى قال: غزونا مع النبى معَّه
سبع غزوات أو ستا كنا نأكل معه الجراد، رواه البخارى.
هو السمك فحسب، فيكون هو المراد، ولا حجة فيه على حل الطافى، لأن مدلول الحديث هو أن
السمك لا يحتاج إلى الذبح، لأن الله تعالى ذبحه لبنى آدم، فيكون مختصا بما هو حلال، والطافى
لیس کذلك بدلیل النهی عن أُکله، کما ذکرنا ذلك فی بابه.
فإن قلت: لما كان السمك قد ذكاه الله تعالى لبنى آدم ولا يحتاج إلى التذكية فالموت حتف
أنفه كيف يخرجه من الذكاة ويجعله ميتا؟ قلنا: هذا هو القياس، وهو الذى ألجأ القائلين بحله إلى
القول به، وإنما تركنا هذا القياس بالنص الذى ورد فیه، فافهم.
قال العبد الضعيف: قد مر ما يدل على كون الحديث مختصا بالسمك فتذكر، ثم اعلم أن
الطافى عندنا، كما فى "الدر" هو الذى مات فى الماء حتف أنفه، وكان بطنه من فوق، فلو كان
ظهره من فوق، فليس بطاف فيؤكل، وما مات بحر الماء، أو برده، أو بر بسطه فيه، أو إلقاء شىء
فيه، أو لضيق المكان، فموته بآفة، وهو الأصل فى الحل، كما فى "رد المختار" (٢٩٥:٥).
باب حل الجراد
أقول: حل الجراد مجمع عليه، إلا أن ابن العربى فصل فى شرح الترمذى بين جراد
الحجاز، وجراد الأندلس، فقال فى جراد الأندلس: لا يؤ كل، لأنه ضرر محض. وقال ابن حجر:
إن ثبت أنه يضر أكله بأن يكون سمية محضة تخصه دون غيره من جراد البلاد تعين استثناءه (فتح
البارى ٥٣٦:٩).
أقول: لعل هذا الضرر من جهة غذاء تلك الجراد، فتكون من قبل الجلالة هى حلال بنفسها
ومكروه من جهة الغذاء. ويمكن أن تكون حيوانا آخر على شكل الجراد فيكون حراما من الأصل.
قال العبد الضعيف: فقول ابن العربى محمول على الطب دون الشرع. والكلام إنما هو فى
الإباحة شرعا.
قال الموفق فى "المغنى": يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم، ولا فرق بين أن يموت بسبب
أو بغير سبب فى قول عامة أهل العلم، منهم الشافعى وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى وابن
المنذر، وعن أحمد أنه إذا قتله البرد لم يؤكل، وعنه لا يؤكل إذ مات بغير سبب، وهو قول مالك.

١٩١
إعلاء السنن
باب حل الدجاجة
٥٥٦٧- عن أبى موسى الأشعرى قال: "رأيت النبى معَ ◌ّه يأكل دجاجا"،
أخرجه البخارى.
ويروى أيضا عن سعيد بن المسيب، ولنا عموم قوله عليه السلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان،
فالميتتان: السمك والجراد))، ولم يفصل، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وذابح وآلة، (وإنما
اشترط عندنا فى السمك أن یکون موته بسبب لما ورد من النهى عن أکل الطافی، ولم یرد فی
الجراد شىء مثله)، قال: ويباح أكل الجراد بما فيه، وكذلك السمك يجوز أن يقلى من غير أن يشق
بطنه. وقال أصحاب الشافعى فى السمك: لا يجوز لأن رجيعه نجس، ولنا عموم النص فى إباحته،
وما ذكروه غير مسلم، وإن بلع إنسان شيئا منه حيا كره، لأن فيه تعذيبا له اهـ (١١: ٤١).
قلت: وفى "رد المختار" عن "معراج الدراية" فى السمك الصغار التى تقلى من غير أن يشق
جوفه فقال أصحابه -أى أصحاب الشافعى- لا يحل أكله، لأن رجيعه نجس، وعند سائر الأئمة
يحل اهـ (٣٠١:٥).
قال الموفق: وسئل أحمد عن السمك يلقى فى النار (حيا) فقال: ما يعجبنى والجراد فقال: ما
يعجبنى والجراد أسهل، فإن هذا له دم، ولم يكره أكل السمك إذا ألقى فى النار إنما كره تعذيبه
بالنار، أما الجراد فسهل فى إلقاءه، لأنه لا دم له، ولأن السمك لا حاجة إلى إلقاءه فى النار لإمكان
تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت فى الحال بل يبقى مدة طويلة، وفى مسند الشافعى أن
كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسى وأخذ جرادتين فألقاهما فى النار وشواهما، وذكر
ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما فى النار، وذكر لأحمد حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له
فقال: إنما يؤخذ الجراد فتقطع أجنحته ثم يلقى فى الزيت وهو حى اهـ (٤٢:١١).
قلت: والأولى أن لا يلقى فى النار ولا فى الزيت الحار حيا لورود النهى عن تعذيب الحيوان
بالنار، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ فى "الفتح": قوله: كنا نأكل معه الجراد يحتمل المعية فى مجرد الغزو، ويحتمل
أن يريد مع أكله، ويدل على الثانى أنه وقع فى رواية أبى نعيم فى الطب: ويأكل معنا، وهذا إن
صح يرد على الصيمرى من الشافعية فى زعمه أن النبى معَّ عافه كما عاف الضب، ثم وقفت
على مستند السيمرى، وهو ما أخرجه أبو داؤد من حديث سليمان سئل عنّهه عن الجراد فقال:
لا آكله ولا أحرمه. والصواب مرسل، ولابن عدى فى ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن

١٩٢
ج - ١٧
باب حل الأرنب
٥٥٦٨- وعن أنس قال: انفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدر كتها
فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله عَ لّ- بور كها وفخذها
فقبله، رواه الجماعة، ولفظ أبى داود: صدت أرنبا فشويتها، فبعث معى أبو طلحة
بعجزها إلى رسول الله عَّ له فأتيته بها (منتقى الأخبار)، وفى رواية البخارى: وأكل منه
(فتح البارى ٩: ٥٧٠).
عمر أنه عّ لّهِ سئل عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك، وهذا
ليس ثابتا، لأن ثابتا قال فيه النسائى: ليس بثقة، ونقل النووى الإجماع على حل أكل الجراد اهـ
(٥٣٦:٩)، ظ.
باب حل الأرنب
أقول: فى الحديثين دليل على حل الأرنب من غير كراهة. وما روى عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص أنه جىء بها إلى النبى معَّ فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أنها يختص ببر الناقة، فافهم،
ظ. فليس فيه ما يدل على الكراهة الشرعية التنزيهية، أو التحريمية، بل يدل على الكراهة الطبعية فقط.
قسقط ما قال الشوكانى: إن القول الراجح هو الكراهة التنزيهية، ولعله رحمه الله لم يفهم
معنى الكراهة التنزيهية ولم يفصل بينها وبين الكراهة الطبيعية مع أن بينهما فرقا لا يخفى على طلبة
العلم فضلا عن العلماء والمجتهدين، والدليل على ما قلنا: إن النبى عّ لّه كرهها لنفسه ولم يكرهها
لغيره. فلو كانت الكراهة تنزيهية لم تكن مختصة به عّ لّه، لأن الكراهة التنزيهية كراهة شرعية
تعم المكلفين، ولا يختص بها شخص دون شخص، بخلاف الكراهة الطبيعية، فإنها تحتمل
الاختصاص، فافهم.
قال العبد الضعيف: قال الحافظ فى "الفتح": وفى الحديث جواز أكل الأرنب، وهو قول
العلماء كافة إلا ما جاء فى كراهتها عن عبد الله بن عمرو من الصحابة وعن عكرمة من التابعين،
وعن محمد بن أبى ليلى من الفقهاء، واحتج بحدث خريمة بن جزء، قلت: يا رسول الله عَ لّه: ما
تقول فى الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قلت: ولم يا رسول الله عَ ليه؟ قال: نبئت أنها تدمى.
وسنده ضعيف، وله شاهد عن عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داؤد (وقد تقدم)، وله شاهد عن عمر

١٩٣
حل الأرنب
إعلاء السنن
٥٥٦٩- وعن محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما لمردتين فأتى رسول
الله ◌َّه فأمره بأكلهما، أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة، وقال فى "النيل": أخرجه
أيضا بقية أصحاب "السنن"، وابن حبان والحاكم.
عند إسحاق بن راهويه فى "مسنده"، وحكى الرافعى عن أبى حنيفة أنه حرمها وغلط النووى عن
أبى حنيفة اهـ (٥٧١:٩).
قلت: روى أبو يوسف عن أبى حنيفة عن موسى بن طلحة عن ابن الجوتكية أن رجلا سأل
عمر بن الخطاب عن الأرنب فقال: لولا أنى أخاف أن أزيد فى الحديث شيئا أو أنقص لحدثتكم
ولكنى مرسل إلى بعض من شهد الحديث، فأرسل (إلى) عمار بن ياسر رضى الله عنهما، فقال:
حدثنا حديث الأرنب يوم كنا بقاع كذا وكذا. قال: فقال أتى رجل النبى معَّه بأرنب، فأمر
بأكلها فقال: إنى رأيت دما، قال: ليس بشىء، وقال: فكل، قال إنى صائم، قال: صوم ماذا؟ قال:
من كل شهر ثلاثة أيام، قال: أفلا جعلتهن البيض، كذا فى "الآثار" له (ص٢٣٧)، وابن الحوتكية
ذكره ابن حبان فى "الثقات"، روى له النسائى، فالحديث حسن صحيح، وهو أوضح شىء فى
الباب وأبينه.
وقال الموفق فى "المغنى": والأرنب مباحة، أكلها سعد بن أبى وقاص ورخص فيها أبو سعيد
وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعى وأبو ثور وابن المنذر، ولا نعلم أحدا قائلا بتحريمها
إلا شيئا روى عن عمرو بن العاص، ثم ذكر الآثار التى ذكرناها فى المتن، وقال: ولأنها حيوان
مستطاب ليس بذى ناب أشبه الظبى اهـ (١١: ٧٠).
وأما الدجاج فجواز أكلها متفق عليه إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع إلا أن بعضهم
استثنى الجلالة، وهى ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبى موسى أنه لم يبال بذلك، والجلالة عبارة
عن الدابة التى تأكل الجلة بكسر الجيم والتشديد، وهى البعر (والعذرة)، وادعى ابن حزم اختصاص
الجلالة بذوات الأربع والمعروف التعميم، وقد أخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنه
كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا (وفيه رد على ابن حزم فى دعوى اختصاصها بذوات الأربع)،
وقال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره، وإنما جاء النهى عنها للتقذر أهـ من
"فتح البارى" (٥٥٨:٩)، وسيأتى الكلام فى الجلالة فى الباب الآتى، ظ.

١٩٤
ج - ١٧
باب ما جاء فى الجلالة
٥٥٧٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((نهى رسول الله عّ لّه عن شرب
لبن الجلالة))، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وفى رواية: (نهى عن ر کوب الجلالة))، رواه
أبو داود، وقال فى النيل: أخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقى، وصححه
أيضًا ابن دقيق العيد، ولفطه: ((وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها)) (نيل ٣٤٢:٨).
باب ما جاء فى الجلالة
أقول: النهى عن أكل لحم الجلالة وشرب لبنها والركوب عليها إنما هو إذا ظهر أثر النجاسة
فى لحمها ولبنها وعرقها بأن يظهر فيها طعمها أو ريحها أو لونها وإلا فلا، ثم لما كانت هذه.
الكراهة عارضة يرتفع بارتفاع العارض بأن تحبس أياما وتعلف حتى يغلب أثر العلف على أثر العذرة
-ويفنى- وليس له مدة معينة لاختلاف الأحوال فلا يحسن التوقيت، قال السرخسى: الأصح عدم
التقدير وتحبس، حتى تزول الرائحة المنتنة، كذا فى "رد المختار".
قال العبد الضعيف: ومقابله ما فى الدر وقدر بثلاثة أيام لدجاجة وأربعة لشاة وعشرة الإبل
وبقر على الأظهر، وفى "البزازية": إن ذلك شرط فى التى لا تأكل إلا الجيف، ولكنه جعل التقدير
فى الإبل بشهر، وفى البقر بعشرين وفى الشاة بعشرة اهـ (٣٣٣:٥)، وسيأتى ما ورد فى الآثار من
التقدير، وما فى "البزازية": أشبه به ظ، وما روى عن النبى معَّل أنها لا تؤكل، حتى تعلف أربعين
يوما، فقال ابن حجر فى "الفتح" (٥٥٨:٩)، أخرجه البيهقى بسند فيه نظر، وما روى عن ابن
عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثة أيام كما رواه عنا ابن أبى شيبة بسند صحيح كما قاله
الحافظ فى "الفتح" (٥٥٨:٩)، فليس فيه توقيت، بل اختار رضى الله عنه ثلاثة أيام، لأنه علم
بالتحرية، أو الظن أن هذه المدة تزيل أثر الجلة عن الدجاج التى كانت فى دياره، فافهم واستقم.
وقال فى "الدر المختار": ولو أكلت النجاسة وغيرها بحيث لم ينتن لحمها حلت كما حل
أكل جدى غذى بلبن الخنزير،، لأن لحمه لا يتغير، وما غذى به يصير مستهلكا لا يبقى له أثر اهـ
(رد المختار ٣٣٣:٥)، وفيه أيضا فى مسألة الجدى، قال الحسن: إنه لا بأس به، وقال ابن المبارك
معناه: إذا اعتلف أياما بعد ذلك كالجلالة، وقال فى "الدر المختار" أيضا: لو سقى ما يؤكل لحمه
خمرا فذبح من ساعته حل أكله ويكره، وقال صاحب "رد المختار": ظاهره أن الكراهة تحريمية،
وعليه ينظر ما الفرق بينه وبين الجلالة التى تأكل النجاسة وغيرها والجدى (رد المختار ٣٣٣:٥).
قال العبد الضعيف: وفى "المهذب" و"شرحه": يكره أكل الجلالة، وهى التى أكثر أكلها

١٩٥
ما جاء فى الجلالة
إعلاء السنن
٥٥٧١- وعن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله عَّ له عن أكل الجلالة وألبانها))،
رواه الخمسة إلا النسائى، وفى رواية: ((أن رسول الله عَّ له نهى عن الجلالة فى الإبل أن
يركب عليها أو يشرب من ألبانها))، رواه أبو داود، قال الشوكانى: حسنه الترمذى،
وقد اختلف فيه على بن أبى نجيح فقيل: عن مجاهد عن ابن عمر، وقيل: عن مجاهد
مرسلا، وقيل: عن مجاهد عن ابن عباس.
العذرة من ناقة، أو بقرة، أو شاة، أو ديك، أو دجاجة لما روى ابن عباس رضى الله عنهما، فذكر
حديث المتن. وقال: هو حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذى والنسائى بأسانيد صحيحة.
قال الترمذى: هو حديث حسن صحيح ولا يحرم أكلها، لأنه ليس فيه أكثر من تغير
لحمها، وهذا لا يوجب التحريم، فإن أطعم الجلالة طعاما طاهرا وطاب لحمها لم يكره لما روى عن
ابن عمر رضى الله عنهما قال: تعلف الجلالة علفا طاهرا إن كانت ناقة أربعين يوما، وإن كانت شاة
سبعة أيام، وإن كانت دجاجة، فثلاثة أيام.
والصحيح الذى عليه الجمهور أنه لا اعتبار بأن يكون أكثر أكلها النجاسة، وإنما الاعتبار
بالرائحة والنتن، فإن وجد فى عرقها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا، وإذا تغير لحم الجلالة
فهو مكروه بلا خلاف، وهل هى كراهة تنزيه أو تحريم؟ فيه وجهان مشهوران (٢٨:٩).
وقال الحافظ فى "الفتح": ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، ومن حجتهم أن العلف الطاهر
إذا صار فى كرشها تنجس فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن
بالنجاسة، فكذلك هذا، وتعقب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة، لأنها إذا
أكلته لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف بخلاف الجلالة فإنها تتغذى بالنجاسة، وذهب
جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة (والحنفية) إلى أن النهى للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن
الفقهاء، وهو الذى صححه أبو إسحاق المروزى والقفال وإمام الحرمين والبغوى والغزالى وألحقوا
بلبنها ولحمها بيضها، قالوا: ويكره الركوب عليها من غير حائل، وفى معنى الجلالة ما يتغذى
بالنجس - كالشاة ترضع من كلية-، والمعتبر فى جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن
تعلف بالشىء الطاهر على الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت فعند ابن أبى شيبة عن ابن عمر
أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثة كما تقدم، وأخرج البيهقى بسند فيه نظر عن عبد الله بن
عمرو مرفوعا أنها لا تؤكل حتى تعلف أربعين يوما اهـ (٥٥٨:٩).
قلت: قد تقدم عن "شرح المهذب" أن التحديد بالأربعين ليس على إطلاقه، بل مقيد بالناقة

ج - ١٧
ما جاء فى الجلالة
١٩٦
٥٥٧٢- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((نهى رسول الله عَ ليه عن
(وأما الشاة فتحبس سبعة أيام والدجاجة ثلاثة) وبه قال أحمد فى رواية، وهو قول عطاء فى الناقة
والبقرة. وقال أبو ثور وهو رواية عن أحمد: يحبس الكل ثلاثا، سواء كانت طائرا أو بهيمة أخذا
بفعل ابن عمر فى الدجاج، ولأن ما طهر حيوانا طهر الآخر، ولا يخفى أن الأخذ بالمرفوع أولى
لا سيما وفيه زيادة بالتفرقة بين الدجاج والبهيمة، فإن البهيمة أعظم جسما، وبقاء العلف فيها أكثر
من بقاءه فى الدجاجة والحيوان الصغير. قاله الموفق فى "المغنى" ملخصا (٧٢:١١).
وفى "رد المختار" عن "الخانية": فإن كانت إبلا تمسك أربعين يوما حتى يطيب لحمها،
والبقر عشرين والغنم عشرة (٣١٧:٥)، وأما التحديد بالأربعين فى الإبل فقد عرفت مأخذه،
ولم أقف على ما يدل لقوله فى البقر والغنم، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. وفى "مجمع
الزوائد" عن أم نصر المحاربية قالت: سئل النبى معَّ عن الجلالة فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل
الشجر؟ لعله أى السائل قال: بلى، قال: فأصب من لحومها، رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه
إسحاق(١)، وهو مدلس ولكنه ثقة، وبقية رجاله ثقات ظ اهـ.
قلت: فيه دلالة على أن كل آكلة الجيف والنجاسة ليست بجلالة، وإنما هى ما كان يكثر من
النجاسة وتغير لحمها. وفى "الدر المختار": الجلالة التى تأكل العذرة ولا تأكل غيرها اهـ. أفاد أنها
إذا كانت يخلط يجزئ اهـ (٣١٧:٥) مع "الشامية"، وهذا هو ظاهر الحديث، كما لا يخفى،
وعن جابر أن بقرة انفلتت على خمر، فشربت فخافوا عليها فأتوا النبى عّ لّه فقال: كلوا ولا بأس
بأكلها، رواه أبو يعلى من رواية بقية عن عمرو، وبقية مدلس، وعمرو إن كان ابن عبد الله بن
خثعم فهو ضعيف، وإن كان مولى عفرة فهو ضعيف وقد وثق اهـ (٥٠:٥).
قلت: ولكن الحديث الضعيف أولى عندنا من رأى الرجال، وقد أخطأ صاحب "رد المختار"
وتبعه بعض الأحباب فى حمل قول "الدر"، ولو سقى ما يأكل لحمه خمرا فذبح من ساعته حل
أكله ويكره اهـ على كراهة أكل اللحم، وإنما أراد كراهة سقى الخمر، وإذا حل أكله بالذبح من
ساعته فأولى أن يحل إذا ذبح بعد المكث زمانا يستهلك فيه الخمر وتستحيل بولا ودما، فافهم؛ فان
الفقه عزيز.
قال فى "الهداية": وكذا لا يسقيها الدواب (لأنه نوع انتفاع بالخمر وقرب منها)، وقيل: لا
(١) لعله ابن إسحاق، ظ.

١٩٧
ما جاء فى الجلالة
إعلاء السنن
لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها))، رواه أحمد والنسائى وأبو
تحمل الخمر إليها، أما إذا قيدت إلى الخمر فلا بأس به، (لعدم المعنى الذى ذكرناه)، كما فى الكلب
والميتة أى لا تحمل الميتة إلى الكلب، ولو قيد الكلب إليها لا بأس به، كذا فى "البناية" (٣٥١:٤).
وإذا عرفت ذلك فقول ابن عابدين ظاهره أن الكراهة تحريمية، وعليه ينظر ما الفرق بينه وبين
الجلالة إلى آخره كله بناء الفاسد على الفاسد، لأن صاحب الدر لم يرد كراهة الأكل، وإنما أراد
كراهة السقى وهى مما لا خفاء فيه، وتطويل بعض الأحباب فى الفرق بينه وبين الجلالة وفيما إذا
فعل فيها المعدة أو لم تفعل كله جزاف لا أصل له فى الفقه، وكذا فرقه بين الجدى إذا غذى بلبن
الخنزير قليلا وبين ما غذى به كثيرا، ولا يجب أيضا غسل لحم حيوان ذبح بعد ما سقى الخمر،
سواء ذبح من ساعته أو علی مکث، لأن لحمه لا يتغير بها كما لا يتغير لحم جدی غذى بلبن خنزير
أو كلبة، وإلا لزم أن يحكم بتنجيس أعضاء من أدمن شرب الخمر والكافر الذى يأكل الخنزير
والمحرمات مع أن ظاهره لا ينجس، ولا نجس لما طهر بالإسلام، ولا بالاغتسال، بل بالحبس أياما،
ولا قائل به، فافهم، والله تعالى أعلم.
قال فى "البدائع": ولا يكره أكل الدجاج المخلى وإن كان يتناول النجاسة، لأنه يخلطها
بغيرها وهو الحب فيأكل من ذا وذا، وقيل: إنما لا يكره، لأنه لا ينتن كما ينتن الإبل، والحكم متعلق
بالنتن، ولهذا قال أصحابنا فی جدی ارتضع بلبن خنزیر حتی کیر: إنه لا یکره أكله، لأن لحمه
لا يتغير ولا ينتن، فهذا يدل على أن الكراهة فى الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول النجاسة إلى أن
قال: وما ورد من حبس الدجاج ثلاثة محمول على التنزه اهـ (٥: ٤٠)، وقوله: حتى كبر صريح
فى أنه لا فرق فى حل جدى غذى بلبن الخنزير سواء غذى به قليلا، أو كثيرا. وهو معنى قول
الحسن بن زياد أنه لا بأس به. وأما قول ابن المبارك فهو مبنى على أن الكراهة فى الجلالة لتناول
النجاسة وهو قول الشافعية ومن وافقهم، وليس هو من قول أصحابنا.
قال فى "الخلاصة" عن "النوازل": لو أن جديا غذى بلبن الخنزير لا بأس بأكله، لأن لحمه
لا يتغير، وما غذى به يصير مستهلكا لا يبقى له أثر اهـ (٤: ٣٠٤)، ومثله فى "الخانية" سواء، وفيه
أيضا: والشاة، أو الإبل إذا سقى خمرا، فذبحت من ساعته حل أكلها اهـ (٣٣٧:٤) أطلق الحل،
ولم يقل: يكره، وهذا الإطلاق أوضح دليل على ما قلنا أن لا كراهة فى أكل اللحم، وإنما الكراهة
فى السقى فافهم والله يتولى هداك وهو يتولى الصالحين، ظ.

ج - ١٧
ما جاء فى الجلالة
١٩٨
داود، وقال الشوكانى: أخرجه أيضا الحاكم والدار قطنى والبيهقى (نيل ٣٤٢:٨).
فوائد شتى تتعلق بأبواب الذبائح:
فائدة: قال فى "شرح المهذب" لو عجن دقيق بماء بحس وخبزه فهو نجس يحرم أكله
ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة نص عليه الشافعى رحمه الله. واستدل به البيهقى بالحديث
المشهور (١) (أراد أنه مَّ سئل عن كسب الحجام فنهى عنه وقال: أعلفه ناضحك ولکن ورد فى
رواية: أطعمه رقيقك وأعلفه ناضحك، كما مر فى البيوع، ولا يجوز إطعام النجس لآدمى مطلقا)
وفى "فتاوى صاحب الشامل": أنه يكره إطعام الحيوان المأكول نجاسة، وهذا لا يخالف نص
الشافعى فى الطعام، لأنه ليس بنجس العين ومراد صاحب الشامل نجس العين، ولا يجوز إطعام
الطعام المعجون بماء نجس لصعلوك وسائل وغيرهما من الآدميين بلا خلاف، لأنه منهى عن أكل
المتنجس بخلاف الشاة والبعير ونحوهما، قال ابن الصباغ فى "الفتاوى": ولا يكره أكل البيض
المصلوك بماء نجس كما لا يكره الوضوء بماء سخن بالنجاسة اهـ (٣٠:٩).
قلت: وكذلك الزيت النجس والسمن تقع فيه الفأرة وهو مائع فلا يجوز أكله ويجوز
الانتفاع به بالاستصباح ونحوه كإطعام الدواب، وإذا جاز به الانتفاع جاز بيعه إذا بين، لأن البيع
من باب الانتفاع أيضا، ولا يصح قياسه على جلود الميتة وشحومها ولحومها لكونها نجس العين،
بخلاف ذلك فافهم. والعجب من الشافعية أنهم أجازوا الانتفاع به فى غير الأكل وحرموا بيعه،
وقد تقدم الكلام فى ذلك فی باب البیع بأبسط وجه، فليراجع.
فائدة: قال فى "شرح المهذب" ولا يحرم الزرع المزبل وإن كثر الزبل فى أصله ولا ما
يسقى من الثمار والزروع ماء نجسا اهـ (٢٩:٩)، قلت: وهو مذهبنا -معشر الحنفية - كما فى "رد
المحتار" (٣٣٣:٥)، وقال الموفق فى "المغنى": وتحرم الزروع والثمار التى سقيت بالنجاسات أو
سمدت بها، وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم بتنجيسهما، لأن النجاسة
تستحيل فى باطنها فتطهر بالاستحالة كالدم يستحيل فى أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا، وهذا
قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعى، وكان سعد بن أبى وقاص يذبل أرضه بالعرة ويقول:
مكتل عرة بمكتل بر، والعرة عذرة الناس.
(٢) ويحتمل أنه أراد ما جاء عن النبى معَّله فى العجين الذى عجن بماء من آبار ثمود أنه نهاهم عن أكله وأمرهم أن يعلّفوه
النواضح، رواه أحمد عن عبد الصمد عن صخر عن نافع عن ابن عمر كما فى "المغنى" (٨٨:١١)، ولكن نهيه عن أكله
لم يكن لنجاسة بل تحرزا عن التلبس بمحمل السخط ولذا أذن لهم فى الاستقاء من بير الناقة، فافهم.

١٩٩
ما جاء فى الجلالة
إعلاء السنن
قال: ولنا ما روى عن ابن عباس قال: كنا نكرى أراضى رسول الله عَّ ◌ُّه ونشترط عليهم أن
لا يذبلوها بعذرة الناس اهـ (٧٣:١١).
قلت: لا دليل فيه على أنهم كانوا يشترطون ذلك لكون الزبل تحرم الزرع والثمار
وتنجسها، بل الظاهر أنهم كانوا يشترطون ذلك إكراما الأراضى رسول الله عَ لّه وتطهيرا عن ذلك
وأيضا: فإن الزبل لا ينفع الأراضى كلها بل يضر بعضها كما قاله أصحاب المعرفة بذلك والله تعالى
أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يشترطون أن لا يدملوها بعذرة الناس خالصة ولا دلالة فيه على عدم
جواز التدمیل بها مخلوطة، ظ.
فائدة: لا يصاد السمك بشىء نجس بأن يترك فى الماء نجس - كالعذرة والميتة وشبهها-
ليأكله السمك فيصيدوه به، إنما كره ذلك لما يتضمن من أكل السمك النجاسة وإطعامها إياه،
وسواء فى هذا ما يتفرق كالدم والعذرة وما لا يتفرق كالجزو وقطعة من الميتة، وكره الصيد بنبات
وردان، لأن مأواها الحشوش، وكره الصيد بالضفادع، لأنه عّ لّ نهى عن قتلها وكره الصيد
بالخراطيم حية. وكذا بكل شىء فيه الروح لما فيه من تعذيب الحيوان، فإن اصطاده فالصيد مباح،
وكره الصيد بالشباش وهو طائر يخيط عينه أو يربط من أجل تعذيبه ولا بأس بالصيد بالشبكة
والشرك وشىء فيه دبق يمنع الطير من الطيران، وأن يطعم شيئا إذا أكله سكر وأخذه، كذا فى
"المغنى" (٣٢:١١) وقواعدنا تساعده، ظ.
فائدة: لا يؤكل صيد مرتد ولا ذبيحة وإن تدين بدين أهل الكتاب، وهذا قول أكثر أهل
العلم منهم الشافعى وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعى وإسحاق: تباح ذبيحته إذا ذهب إلى
النصرانية أو اليهودية، لأن من تولى قوما فهو منهم، ولنا أنه كافر لا يقر على كفره فلم تبح
ذبيحته، وقد مضت هذه المسألة فى باب المرتد (المغنى ٣٢:١١).
فائدة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس
منهم الليث والشافعى وإسحاق وأبو ثور، وهو قول الشعبى وقتادة والحسن بن صالح، إذا ثبت هذا
فإنه يشير إلى السماء، لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السماء تدل على قصده
تسمية الذى فى السماء. قال الشعبى: وقد دل على هذا حديث أبى هريرة أن رجلا أتى النبى عّ لّه
بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله عَّه: إن على رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول
الله عَّ: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال: من أنا؟ فأشارت بإصبعها إلى رسول الله عّه، وإلى

ج - ١٧
ما جاء فى الجلالة
٢٠٠
السماء أى أنت رسول الله، فقال رسول الله عَ له: أعتقها فإنها مؤمنة، رواه أحمد والبرنى فى
مسنديهما" ، فحكم رسول الله عَ ◌ّه بإيمانها بإشارتها إلى السماء فأولى أن يكتفى بذلك علما
على التسمية، ولو أنه أشار إشارة (غير ذلك) تدل على التسمية، وعلم ذلك كان كافيا (المغنى
٦٠:١١). وفى "البناية": وذبيح الأخرس يجوز بإجماع العلماء ولا خلاف فيه اهـ (١٢٩:٤).
فائدة: وتباح ذبيحة الجنب فيسمى، ويذبح تجوز له التسمية، ولا يمنع منها، لأنه إنما يمنع من
القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله، وليست الجنابة أعظم من الكفر، والكافر
يسعى ويذبح، وممن رخص فى ذبح الجنب الحسن والحكم والليث والشافعى وإسحاق وأبو ثور
وأصحاب الرأى، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا منع من ذلك. وتباح ذبيحة الحائض، لأنها فى
معنى الجنب اهـ من "المغنى" (٦٠:١١)، قلت: وكذلك النفساء ظ.
فائدة: إذا ذبح الكتابى ما حرم الله عليه مثل كل ذى ظفر، وسمى قال قتادة: هى الإبل
والنعام والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع أو ذبح دابة لها شحم حرم عليه فظاهر كلام أحمد
والخرقى إباحته، فإن أحمد حكى عن مالك فى اليهودى يذبح إلا قال: لا يأكل من شحمها، قال
أحمد: هذا مذهب دقيق كأنه لم يره صحيحا، وذهب أبو الحسن التميمى والقاضى إلى تحريمها،
وحكاه التميمى عن الضحاك ومجاهدوسوار، وهو قول مالك، لأن الله تعالى قال: ﴿وطعام الذين
أوتوا الكتاب حل لكم﴾، وليس هذا من طعامهم.
ولنا ما روى عبد الله بن مغفل قال: ولى جراب من شحم من قصر خيبر فنزوت لآخذه،
فإذا رسول الله عَّه يتبسم إلى. متفق عليه. ولأنها ذكاة أباحت اللحم والجلد، فأباحت الشحم
كذكاة المسلم، والآية حجة لنا، فإن معنى طعامهم ذبائحهم، كذلك فسره العلماء، وقياسهم
ينتقض بما ذبحه الغاصب، وبمن ذبح شيئا يزعم أنه محرم عليه، ولم يثبت أنه محرم عليه، فهو
حلال لعموم الآية. وقوله: إنه حرام غير مقبول اهـ من "المغنى" (٥٨:١١).
وفى "البناية": قال البخارى فى "صحيحه": قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، ولأن المراد
من طعامهم لا يجوز أن يكون عاما بالاتفاق، لأن الخنزير والخمر والميتة والدم من طعامهم، وهو
حرام بالإجماع، وقولنا قول عمر وعلى وابن مسعود وعائشة وأبى الدرداء وابن عباس وابن عمر
وأبى أمامة الباهلى وعبادة بن الصامت وعرباض بن سارية، وأكثر الصحابة والتابعين رضى الله
تعالى عنهم اهـ (١٢٨:٤) ملخصا.