النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ النهى عن أكل الضب إعلاء السنن وقول ابن الجوزى: لا يصح، ففى كل ذلك تساهل لا يخفى، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخارى، وقد صحح الترمذى بعضها، وهؤلاء شاميون ثقات اه ملخصا. رسول الله عَّ هذا ونبهها على أن ما هو حرام على المسلمين حرام على غيرهم. فإن قلت: الخمر والخنزير حرام علينا وليس بحرام عليهم، قلنا: لا نسلم أنه ليس بحرام عليهم بل نقرهم على بيعهما وشرائهما وغير ذلك كما تقرهم على عبادة الأصنام وغيرها من القبائح، والله أعلم. قال العبد الضعيف: لو راجع بعض الأحباب عمدة القارى للعينى لعلم أنه لم يقل ذلك أى كون الكراهة عند أصحابنا تنزيهية من عند نفسه بل نقله عن الطحاوى وهذا نصه: ثم قال الطحاوى: ذهب قوم إلى تحريم لحوم الضباب واحتجوا بهذا الحديث قلت: أراد بالقوم هؤلاء الأعمش وزید بن وهب وآخرین ثم قال: وخالفهم فی ذلك آخرون، فلم يروا بها بأسا. قلت: أراد بالآخرين هؤلاء عبد الرحمن بن أبى ليلى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى ومالكا والشافعى وأحمد وإسحاق. وبه قالت الظاهرية ثم قال: وقد كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ثم قال: الأصح عند أصحابنا أن الكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لتظاهر الأحاديث الصحاح بأنه ليس بحرام اهـ (٥٣:١٠). ولا شك أن الطحاوى أعلم الناس بمذاهب أصحابنا وأقوالهم فقوله حجة، وهو بمنزلة النقل. عن الأصحاب، وقال الحافظ فى "الفتح": وحكى عياض عن قوم تحريمه وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النووى وقال: لا أظنه يصح عن أحد فإن صح فهو محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله. قال الحافظ: قد نقله ابن المنذر عن على، فأى إجماع يكون مع مخالفته؟ ونقل الترمذى كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاوى فى "معانى الآثار": كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن قال: واحتج محمد بحديث عائشة فذكره مع ما أجاب به الطحاوى عنه إلى أن قال: فلهذا المعنى كره لعائشة الصدقة بالضب لا لكونه حراما، وهذا يدل على أنه فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم، والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه، وجنح بعضهم إلى التحريم. وقال: اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم تقليلا للنسخ اهـ (٥٧٦:٩). وفيه دلالة على أن أكثر الحنفية قبل العينى على أن الكراهة فيه للتنزيه وهو المعروف عنهم، والظاهر أن المنقول عن صاحب المذهب الكراهة فحمله أكثر الأصحاب على التنزيه وبعضهم على ١٦٢ ج - ١٧ باب النهى عن أكل القنفذ ٥٥٥٥- عن عيسى بن نملة عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ، فتلا: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما﴾ الآية، قال: قال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر رسول الله عَ لّه فقال: ((خبيثة من الخبائث)). فقال ابن عمر: إن کان قال رسول الله ګّ هذا فهو كما قال ما لم ندر، رواه أبو داود، وسكت عنه. التحريم، ونقل العينى عن الطحاوى أن الأصح عند أصحابنا أن الكراهة كراهة تنزيه والله تعالى أعلم، وفى "شرح المهذب" للنووى فى مذاهب العلماء فى الضب: مذهبنا أنه حلال غير مكروه، وبه قال مالك وأحمد والجمهور، وقال أصحاب أبى حنيفة: يكره، ونقل صاحب "البيان" عن أبى حنيفة تحريم الضب والوبر وابن عرس والقنفذ واليربوع اهـ (١٢:٩). قلت: ولكن الطحاوى أعرف بمذهبه من صاحب "البيان" ولم يحك عنه إلا الكراهة، وقال العينى فى "البناية" بعد ما سرد الآثار فى إباحة الضب ما نصه: والجواب عن هذا أنه يدل على الإباحة وما استدللنا به يدل على الحرمة والتاريخ مجهول، فيجعل المحرم مؤخراً عن المبيح فيكون ناسخًا له تقليلاً للنسخ اهـ (٤: ١٥٤). وفيه دليل على أن العينى نفسه جانح إلى التحريم خلاف ما نقله فى "العمدة" عن الطحاوى، فلا يصح نسبته إلى الخطأ، كما فعله بعض الأحباب، والله تعالى أعلم بالصواب. والحق أن المفهوم من كلام محمد فى احتجاجه بحديث عائشة أن الكراهة عنده للتحريم، وهو الذى فهمه الطحاوى منه، وهو ظاهر "الهداية" وعليه المتون، فهو المذهب وإن كان المعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه، وهو الأصح عندهم، کما قاله الطحاوى، فافهم، ولا تكن من الغافلین، ظ. باب النهى عن أكل القنفذ أقول: قوله: خبيثة من الخبائث نص على الحرمة لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وأجاب عنه فى "حياة الحيوان" (٢٣١:٢): بأن رواته مجهولون. والجواب عنه أنه سكت عليه أبو داود فهو حسن عنده، ولو سلم فغايته أنه ضعيف، والحديث الضعيف إذا كان مؤيداً بالقياس ولم يعارضه دليل أقوى منه كان العمل به أولى، وهذا كذلك فيكون العمل به أولى، لا سيما إذا كان فيه الأحتياط. وقال أيضا: وقيل: أراد أنه خبيث الفعل دون اللحم لما فيه من إخفاء رأسه عند التعرض لذبحه وإبداء شوكه عند أخذه. ١٦٣ إعلاء السنن باب ما جاء فى الضبع ٥٥٥٦- عن جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله عَّ له عن الضبع فقال: ((هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم))، رواه أبو داود وسكت عنه. والجواب عنه أن هذا من أفسد التأويل لأن السؤال لم يكن من الفعل، لأنه كان معلوما للسائل بل كان من اللحم، ثم إخفاء رأسه، وإبداء شوكه ليس من قبيل خبث الفعل، لأنه لحفظ النفس، وحفظ النفس مما يهتم به كل حيوان حسب ما يستطيع، فكيف يكون من خبث الفعل؟ فافهم والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم. قال العبد الضعيف: قال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقال البيهقى: وأما حديث عيسى بن نميلة عن أبيه عن شيخ عن أبى هريرة عن النبى معَّه، فهو إسناد غير قوى، ورواية شيخ مجهول، وفى الإسناد أن ابن عمر سئل عنه فتلا: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى﴾ اهـ من "عون المعبود" نقلا عن المنذری (٤١٧:٣). قلت: وفى الإسناد أن ابن عمر رجع عن قوله الذى كان قاله بالرأى إلى ما رواه هذا الشيخ عن أبى هريرة وقال: إن كان قال رسول الله عَِّ هذا فهو كما قال، وفيه أن هذا الشيخ كان ممن يعتمد عليه عندهم ولم يكن متهما، وعيسى بن نميلة وثقه ابن حبان، كما فى "الخلاصة" (ص٢٥٨)، وأبوه تابعى لم نر فيه جرحاً ولا تعديلاً. والظاهر من حال المسلم السلامة والعدالة لا سیما فى القرون الفاضلة، فالحدیث صالح للاحتجاج به کما یدل علیه سکوت أبى داود عنه. وقال الموفق فى "المغنى": القنفذ حرام، قال أبو هريرة: هو حرام. وكرهه مالك وأبو حنيفة (والكراهة للتحريم) ورخص فيه الشافعى والليث وأبو ثور، ولنا أن أبا هريرة قال: ذكر القنفذ لرسول الله عٍَّ فقال: هو خبيث من الخبائث، رواه أبو داود، ولأنه يشبه المحرمات، ويأكل الحشرات فأشبه الجراد اهـ (٦٥:١١). باب ما جاء فى الضبع قوله: عن جرير بن حازم إلخ قلت: معنى قول جابر: نعم فى جواب قول ابن أبى عمار: أقاله رسول الله عَ لّه إنه قال: الضبع صيد، كما يدل عليه رواية جرير لا أنه قال: كلها، وإنما هو اجتهاد من جابر، لأنه فهم من قوله: الضبع صيد أنه مأكول كالظبى. ج - ١٧ ما جاء فى الضبع ١٦٤ ٥٥٥٧- وروى الترمذى عن ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمیر عن ابن أبى عمار قال: قلت لجابر: الضبع صيد هى؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أ قاله رسول الله عّ لّهِ؟ قال: نعم، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. ومعناه عندنا أنه صيد كالذئب فلا يؤكل، فلا حجة فيه لمن أباحها، ويؤيده النهى المستفيض عن أكل كل ذي ناب من السبع، ويؤيده أيضا ما روى الترمذى عن إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم بن أبى أمية عن حبان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء قال: سألت رسول الله عَُّله عن أكل الضبع قال: أو يأكل الضبع أحد؟ وسألته عن الذئب فقال: أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟ وأما ما قال الترمذى: هذا حديث ليس إسناده بالقوى لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم بن أبى أمية، وقد تكلم بعض أهل الحديث فى إسماعيل وعبد الكريم بن أبى أمية، فالجواب عنه أنه لم يتفرد به إسماعيل، بل تابعه عليه محمد بن إسحاق عند ابن ماجة إلا أنه إختلف عليه فيقول تارة: إنه سأل عن الثعلب، وأخرى: إنه سأل عن الضبع، ويقول مرة: إنه سأل عن الضب والأرنب، ويمكن أن يكون سأله عن كل ذلك، وأما ابن أبى المخارق فقد اعتمد عليه مالك والإمام أبو حنيفة وناهيك، وأعله ابن حزم بحبان بن جزء وقال: إنه مجهول، كما فى "الزيلعي" (٢٦٦:٢). والجواب عنه أنه ذكره ابن حبان فى "الثقات"، فلم يكن مجهولا. فإن قلت: أخرج الحاكم فى "المستدرك" (١: ٤٥٣) عن حسان بن إبراهيم عن إبراهيم بن ميمون الصائغ عن جابر قال: قال رسول الله مرّ ◌ُله: الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل، وقال: صحيح. قلنا: حسان وإبراهيم متكلم فيهما، ولو سلم فقوله: يؤكل يحتمل أن يكون مدرجاً من جابر أو كان رواية بالمعنى الذى فهمه من قوله: الضبع صيد، فلا حجة فيه، وقد روى أيضا النهى عن الضب والضبع عن على. قال محمد فى "الموطأ" (ص٢٨١): أخبرنا عبد الجبار عن ابن عباس الهمدانى عن عزيز بن مرتد عن الحارث عن على بن أبى طالب أنه نهى عن أكل الضب والضبع. وقال فى "التعليق الممجد": لعله وقع فى السند تصحيف، والصواب: حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمدانى عن عريب بن مرتد اهـ. وعبد الجبار وثقه الأكثرون، وعريب لم أره فيه جرحاً ولا تعديلاً، والحارث مختلف فيه، فالحديث حسن، والله أعلم. ١٦٥ ما جاء فى الضبع إعلاء السنن قال العبد الضعيف: وقد مر فى (باب النهى عن أكل الضب) قول الحافظ ردا على النووى فى دعواه الإجماع على أكل الضب أن ابن المنذر قد نقل خلافه عن على، فأى إجماع يكون مع مخالفته؟ اهـ، وفيه دليل على صحة النقل عن على فى النهى عن أكل الضب، فالحديث ثابت معروف من أهل العلم، وأيضا فحديث النهى عن كل ذى ناب من السباع صحيح ثابت مشهور مروى من عدة طرق، فلا يعارض به حديث: "الضبع صيد" لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبى عمار، وليس هو بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه، كذا قال صاحب "التمهيد". وأما ما رواه البيهقى (والحاكم) من طريق عطاء عن جابر ففيه حسان بن إبراهيم عن إبراهيم ابن ميمون الصائغ أما حسان فقد ذكره النسائى فى "الضعفاء"، وقال: ليس بالقوى. وأما الصائغ فقد ذكره الذهبى فى "الضعفاء"، وقال: قال أبو حاتم: لا يحتج به (وبمثله لا يترك الحديث المشهور المجمع على العمل به). وفى "مصنف عبد الرزاق": عن سفيان الثورى عن سهل(١) بن أبى صالح قال: سأل رجل ابن المسيب عن أكل الضبع؟ فنهاه، فقال له: إن قومك يأكلونها، فقال: إن قومى لا يعلمون، قال سفيان: وهذا القول أحب إلى. قلت لسفيان: فأين ما جاء عن عمر وعلى وغيرهما؟ فقال: أليس(٢) قد نهى النبى عباره عن أكل كل ذى ناب من السباع؟ فتركها أحب إلى، وبه يأخذ عبد الرزاق، وأخرج الدارمى من حديث عبد الله بن يزيد السعدى سألت سعيد بن المسيب عن الضبع؟ فقال: إن أكلها لا يصلح، وهل يأكلها أحد؟ فقال شيخ: سمعت أبا الدرداء يقول: نهى رسول الله معرّ له عن كل مجثمة وعن كل ذى ناب من السباع، قال: صدقت، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٢٦:٢)، وفى قول ابن المسيب رد على الشافعى حيث قال: ما زال الناس يأكلون الضبع ويبيعونه بين الصفا والمروة (شرح المهذب ٩:٩)، فإن سعيد بن المسيب قال: إن قومى لا يعلمون، فدل أن أهل العلم لم يكونوا يأكلونه ولا يبيعونه، وإنما كان ذلك من فعل من لا علم له، وفيه دلالة أيضا على كون الضبع من السباع عند ابن المسيب، وعند الشيخ الذى حدثه عن أبى الدرداء وفى "أحكام القرآن" للرازى. (١) وفى "المحلى" عن سهيل بن أبى صالح عن عبد الله بن يزيد قال: سألت سعيد بن المسيب فذكر نحوه (٤٠٢:٧)، ظ. (٢) أى فلا يترك السنة المشهورة المستفيضة بأخبار الآحاد، وهذا هو الأصل الذى اعتمده الحنفية فى الباب، ظ. ١٦٦ ما جاء فى الضبع ج - ١٧ اعتراض أبى بكر الجصاص على قول الشافعى رحمه الله: إن ما يستطيبه العرب حلال: قال الشافعى: كل ما كانت العرب تستقذره فهو من الخبائث، كالذئب والأسد والغراب والحية والحدأة والعقرب والفأرة فهى محرمة من الخبائث، وكانت تأكل الضبع والثعلب فهما حلال، قال أبو بكر: ذكر القنفذ عند رسول الله عَاخيّم فقال: ((خبيثة من الخبائث))، فشمله حكم التحريم بقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث)، والقنفذ من حشرات الأرض، فكل ما كان من حشراتها فهو محرم قياسا عليه، وقد ثبت عن النبى عرّ أخبار مستفيضة رواها ابن عباس وابن عمر وغيرهم أنه قال: ((يقتل المحرم فى الحل والحرم: الحدأة والغراب)) الحديث. ولما ثبت ذلك فى الغراب والحدأة كان سائر ما يأكل الجيف مثلها، ودل على أن ما كان من حشرات الأرض فهو محرم - كالعقرب والحية- وكذلك اليربوع، لأنه جنس من الفأر. وأما قول الشافعى فى اعتبار ما كانت العرب تستقذره وأن ما كان كذلك فهو من الخبائث، فلا معنى له من وجوه: أحدها أن نهى النبى معَّ ◌ُّ عن أكل كل ذي ناب من السباع وذى مخلب من الطير قاض بتحريم جميعه، فلا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولم يعتبر النبى عّ لّه ما ذكره الشافعى، وإنما جعل كونه ذا ناب وذا مخلب علما على التحريم فلا يجوز الاعتراض عليه بما لم تثبت به الدلالة، ولأن الخطاب بالتحريم لم يختص بالعرب دون العجم، بل الناس كلهم داخلون فى الخطاب، فاعتبار ما يستقذره العرب دون غيرهم لا دليل عليه. ثم إنه إن اعتبر استقذار جميع العرب، فجميعهم لم يستقذروا الحيات والعقارب والأسد والذئب والفأر بل الأعراب يستطيبون هذه الأشياء: وإن اعتبر بعضهم ففيه أن الخطاب لجميعهم فكيف يعتبر بعضهم؟ وأيضا فلم كان اعتبار البعض المستقذر أولى من اعتبار البعض المستطيب، وزعم أنه أباح الضبع والثعلب، لأن العرب كانت تأكله، وقد كانت تأكل الغراب والحدأة والأسد لم يكن منهم من يمتنع من أكل ذلك اهـ ملخصا (٢١:٣). قلت: وبهذا ظهر أن ما ذكره ابن عابدين فى "رد المختار" (٢٩٨:٥) نقلا عن معراج الدراية من اعتبار استقذار العرب واستطابتها فى حرمة الأشياء وحلها ليس بمجمع عليه، نعم قد أجمعوا على تحريم المستخبثات وحل الطيبات إجمالا لقوله تعالى: ﴿يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، والمرجع فى تفصيله إلى السنة أولا، وإلى الطبائع السليمة ثانيا فيما لم تتعرض له السنة، والله تعالى أعلم. ١٦٧ ما جاء فى الضبع إعلاء السنن الجواب عن حجة الخصم وعما أورد علينا ابن حزم: وأما قول ابن حزم: وأما الضباع فإن الشافعى وأبا سليمان أباحا أكلها، والحجة لذلك ما روينا عن جابر فذكره، وقد تقدم الجواب عنه، قال: وقال ابن جريج: نا نافع مولى ابن عمر قال: أخبر رجل ابن عمر أن سعد بن أبى وقاص يأكل الضباع، قال نافع: فلم ينكر ابن عمر ذلك، ففيه أنه لم يصدقه أيضا، فلعله لم يعبأ بخبره، فلا حجة فيه ما لم يثبت كون المخبر ثقة. قال: ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: كان على بن أبى طالب لا يرى بأكل الضباع بأسا اهـ، قلنا: مجاهد لم يسمع من على كما فى "التهذيب"، ولا حجة فى المرسل عند ابن حزم وغيره من أهل الحديث وقد روى الحارث عن على خلافه، كما رواه محمد فى "الموطأ"، وقد تقدم، قال: وقال معمر عن عمرو بن مسلم سمعت عكرمة وسئل عن الضبع؟ فقال: رأيتها على مائدة ابن عباس اهـ، قلنا: لا حجة فيه ما لم يثبت أنه أكله أو أكله الناس على مائدته، لاحتمال أن يكون أهداه إليه بعض من لا علم له فوضعه على مائدته، قال: ومن طريق وكيع عن أبى المنهال الطالى عن عبد الله بن زيد عمه قال: سألت أبا هريرة عن الضبع؟ فقال: نعجة من الغنم اهـ. قلنا: أراد الفداء إذا قتله المحرم أو قتله أحد فى الحرم أى فهو كنعجة من الغنم يفدى بها. قال: وعن عطاء قال: ضيع أحب إلى من كبش أهـ. قلنا: لا حجة فيه فقد خالفه سعيد بن المسيب فنهى عنه وكرهه، وقال الأوزاعى: كان العلماء بالشام يعدون الضبع من السباع ويكرهون أكلها، كذا فى "الجوهر النقى" عن الأشراف لابن المنذر (٢٢٥:٢)، والأوزاعى من كبار أتباع التابعين قد أدرك الأجلة من التابعين، ففى قوله ذلك دليل على إجماع التابعين من أهل الشام على أن الضي فى السماع بكر أكفراًا فأن بقى قول. عطاء منه؟ لا سيما وقد ثبت عن على أنه نهى عنه وعن الضب، قال ابن حزم: وقال أبو حنيفة بتحريم الضباع، وما نعلم له حجة إلا تعلقه بعموم نهى النبى عدّ عن أكل السباع، قالوا: وهى سبع اهـ. قلت: وأى حجة أقوى من ذلك؟ فإنه خبر مشهور مستفيض قد تلقته الأمة بالقبول وأجمعوا على العمل به، وكون الضبع من السباع أظهر من أن يخفى على أحد له مسكة، فإن الضبع أشد عقرا من الكلب العقور، وأكثر قتلا للناس، وأكلا للحومهم، وشربا لدماءهم، ويعدو عليهم ويختفيهم ويبتدئ بالأذى (الجوهر النقى ٣٥٦:١)، قال: وذكروا خبرا فاسدا رويناه من ج - ١٧ ما جاء فى الضبع ١٦٨ طريق محمد بن جرير الطبرى فذكر حديث إسماعيل بن مسلم المكى عن عبد الكريم بن أبى المخارق عن حبان بن جزأ عن أخيه خزيمة بن جزأ وقد ذكرنا أنه حديث حسن، رواه أبو داؤد، وسكت عنه، ومداره على عبد الكريم بن أبى المخارق، وقد اعتمده مالك وأبو حنيفة، وناهيك بهما قدوة، قال: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة، لأنه ليس فيه تحريم أصلا، وإنما فيه التعجب ممن يأكلها اهـ. قلنا: يا سبحان الله! وهل يتعجب النبى معَّم من أكل الحلال؟ وأما قولك: إننا نتعجب ممن يأكل عظام الضأن، وهى حلال، فليس بشىء لأنك لم تعبث إلى الناس لبيان الحلال والحرام. وأيضا فلسنا نحتج بتعجبه عدّ مطلقا، وإنما نحتج بتعجبه فى جواب السائل، ولا شك أن عاميا لو سألك عن عظام الضأن، فتقول له: ومن يأكل ذلك؟ لفهم منه التحريم. ولا أقل من أن يفهم منه الكراهة، فافهم. قال: وأما قول سعيد بن المسيب فلا حجة فى قول أحد مع رسول الله عَ ليه اهـ، قلنا: فلم احتججت بقول عطاء: ضبع أحب إلى من كبش. فما الذى صير قوله حجة مع رسول الله عَ ليه؟ قال: وقد أحل الله البيع جملة ثم حرم النبى عَّه بيوعا كثيرة، فلم يغلبوا عموم الإباحة علی تخصیص النهی وهذا خلاف فعلهم ههنا اهـ، قلنا: نعم ولكنك لا تفقه ولا تفهم، فإن عموم القطعى لا يخصص عندنا إلا بقطعى مثله، وقد تواتر عن رسول الله عّ لّه أنه حرم التجارة فى الخمر أو نحوها، ونهى عن ربا الفضل ونحوه، وإذا تخصص العام مرة جاز تخصيصه بخبر الواحد أخرى، وليس ههنا كذلك، فقد تواتر عن النبى عّ لّه أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يرد فى جواز شىء من السباع خبر متواتر أو مشهور مثله، والذى ذكرتموه فكله أخبار آحاد قد عارضتها أخبار مثلها أو نحوها، فلم نقل بجواز شىء من السباع لذلك، قال: وهذا مما خالفوا فيه جماعة من الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم اهـ (٤٠٣:٧). قلنا: لم يثبت عن أحد منهم القول بإباحته صريحا كما ذكرنا، وقد ثبت عن على رضى الله عنه أنه نهى عن أكل الضب والضبع، فأى إجماع يكون مع مخالفته؟ قال الطحاوى: ذهب قوم إلى إباحة أكل الضبع، واحتجوا فى ذلك بحديث ابن أبى عمار رضى الله عنه أن رسول الله عَ لَه قال: هى من الصيد، وبحديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر رضى الله عنه بمثل ذلك. وزاد: ويؤ كل، وخالفهم فى ذلك آخرون. ١٦٩ ما جاء فى الضبع إعلاء السنن فقالوا: لا يؤكل، وكان من الحجة لهم فى ذلك أن حديث جابر هذا قد اختلف فى لفظه، فرواه كل واحد من جرير ومن إبراهيم الصائغ، كما ذكرناه عنه. ورواه ابن جريج على خلاف ذلك، فذكر عن ابن أبى عمار أنه سأل جابرا عن الضبع فقال: أصيد هى؟ قال نعم، قال: وسمعت ذلك من النبى عّ لّه. فقال: نعم فأخبر عن النبى عرّ له أنها صيد، وليس كل الصيد يؤكل فاحتمل أن تكون تلك الزيادة من قول جابر رضى الله عنه، لأنه سمع النبى معَّ سماها صيدا (ففهم أنه مأكول) واحتمل أن يكون عن النبى عّ لّه، فلما احتمل ذلك ووجدنا السنة قد جاءت عن رسول الله مرّ له أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع لم يخرج من ذلك شيئا، ثم سرد الآثار وقال: فقد قامت الحجة عن رسول الله عرّ له بنهيه عن أكل كل ذى ناب من السباع، وتواترت بذلك الآثار عنه، فلا يجوز أن يخرج الضبع وهى ذات ناب من السباع إلا بما يقوم علينا به الحجة بإخراجه من ذلك. وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى اهـ ملخصا (٣١٠:٢). الجواب عن قول الخصم: إن الصيد اسم للمأكول: ولما رأى الخصم رزانة هذا الكلام أخذ من لفظ الصيد إباحة أكله زاعما أن الصيد اسم للمأكول، ولو كان اسما للممتنع المتوحش مأكولا أو غير مأكول لخلا السؤال عن الفائدة، إذ كل(١) أحد يعرف أن الضبع ممتنعة متوحشة، وإنما سأل جابرا عن أكلها، سيما وقد ورد التصريح بأكلها كما تقدم. قلنا: هذا ينعكس عليهم، لأنه لما سأله: أصيد هى؟ قال له: نعم. ثم سأله: آكلها؟ قال: نعم، فلو كان الصيد هو المأكول لم يعد السؤال، ومنشأ الخلاف فى قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، فعند الشافعى لو قتل السبع أو نحوه مما لا يؤ كل لا يجب عليه شىء، وعندنا يجب عليه الجزاء، لأن الصيد اسم للممتنع المتوحش فى أصل الخلقة. (ومن ههنا قال الشافعى (١) لم نر أحدا أنكر كون الضبع من السباع، والذين قالوا بإباحتها جعلوها مستثنى من حديث النهى عن كل ذى ناب من السباع، وقالوا بتخصيص هذا العموم بدليل الآثار الواردة فى أكل الضباع، وشذ ابن القيم فقال: إن الضبع وإن كانت ذات ناب فليست من السباع العادية كما فى "عون المعبود" نقلا عن "إعلام الموقعين" (٤١٨:٣)، فأحسن الله عزاءنا فيه، فإن الضبع فاسقة تضرب العرب بيها المثل فى الفساد، فإنها إذا وقعت فى الغنم عاثت ولم تكتف بما يكتفى به الذئب، فإذا اجتمع الذئب والضبع فى الغنم سلمت، لأن كل واحد منهما يمنع صاحبه والعرب تقول فى دعاءها: اللهم ضبعا وذئبا أى أجمعهما فى الغنم لتسلم، كذا فى "حياة الحيوان" للدميرى (٧١:٢). ١٧٠ ج - ١٧ باب النهى عن أكل الثعلب ٥٥٥٨- عن محمد بن إسحاق عن عبد الكريم بن أبى المخارق عن حبان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء قال: قلت: يا رسول الله! جئتك لأسألك عن أحناش الأرض ما تقول فى الثعلب؟ قال: ومن يأكل الثعلب؟ قلت: يا رسول الله! ما تقول فى الذئب؟ قال: ويأكل الذئب أحد فيه خير، أخرجه ابن ماجه، ومحمد بن إسحاق وثقه رجال وضعفه آخرون، وكذا عبد الكريم اعتمد عليه مالك وأبو حنيفة وضعفه آخرون، وحبان قال ابن حزم: مجهول، وذكره ابن حبان فى "الثقات". وأحمد ومن تبعها بحل كل ما ورد فيه الجزاء إذا قتله المحرم أو قتل فى الحرم، لكون الصيد اسما للمأكول عندهم، وهو ممنوع عندنا، واستدل الإمام فخر الدين فى تفسيره على أن الصيد اسم للمأكول بقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾، قال: فهذا يقتضى حل صيد البحر دائما وحل صيد البر فى غير وقت الإحرام، وفى البحر مالا يؤكل كالتمساح، وفى البر ما لا يؤكل كالسباع قال: فثبت أن الصيد اسم للمأکول، انتهى. ولنا أن نقول: إن الصيد فى الآية مصدر بمعنى الاصطياد (وهو الحقيقة وإن كان قد يعبر به عن المصيد إلا أن ذلك مجاز، لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل، وتسمية الشىء باسم غيره إنما هو استعارة، قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٤٧٩:٢)، ويكون الإضافة بمعنى فى، أى أحل لكم الاصطياد فى البحر وحرم عليكم الاصطياد فى البر بدليل أن المحرم يجوز له أكل لحم صيد اصطاده حلال عندنا وعندهم، فعلم أن المراد بالصيد فى الآية الاصطياد لا الحيوان، وقد ذكره صاحب : "الهداية" فى مسألة أكل السمك وقال: إن المراد بالصيد فى الآية الاصطياد، وأشار إلى ذلك فى آخر كتاب الصيد بقوله: والصيد لا يختص بمأكول اللحم قال قائلهم: وإذا ركبت فصيدى الأبطال صيد الملوك أرانب وثعالب وهذا القائل هو على بن أبى طالب رضى الله عنه قاله الإمام فخر الدين، والله أعلم اهـ من الزيلعی (٢٦٧:٢) ملخصا، ظ. باب النهى عن أكل الثعلب قوله: عن محمد بن إسحاق إلخ: قلت: فلم أر فيه علة إلا تدليس ابن إسحاق، وهو لا يضر ١٧١ إعلاء السنن باب حل ميتة البحر ٥٥٥٩- عن جابر رضى الله عنه: أن رسول الله عَ ليه سئل عن ماء البحر، فقال: ((هو الطهور ماءه الحل ميتته))، أخرجه ابن ماجه وابن حبان فى "صحيحه"، والدار قطنى وأحمد وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" بسند آخر، وسكت عنه، وروى عن أبى هريرة وعلى وأنس وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص والفراسى وأبى بكر، وسرد الروايات كلها الزيلعى فى تخريج أحاديث "الهداية" (٥٠:١). عندنا فى القرون المشهود لها بالخير فالحديث حجة ومع قطع النظر عن هذا فغايته أن يكون ضعيفا، والحديث الضعيف إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه يكون العمل به أولى وهو كذلك لأنه لا يعارضه حديث أقوى منه بل يعاضده الحديث المشهور فى النهى عن أكل ذى ناب من السباع، وفيه الاحتياط أيضا فيكون العمل به أولى ومع ذلك فله شاهدين حديث عبد الرحمن ابن معقل أخرجه البيهقى، وقال ابن عبد البر: حديثه فى الضبع والأرنب والثعلب ليس بالقوى (٤١٢:٢) والله أعلم. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": واختلفت الرواية فى الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه وهذا قول أبى هريرة ومالك وأبى حنيفة، لأنه سبع فيدخل فى عموم النهى، ونقل عن أحمد إباحته، ورخص فيه عطاء وطاؤس وقتادة والليث وسفيان بن عيينة والشافعى، لأنه يفدى فى الإحرام والحرم، وقال أحمد وعطاء كل ما يفدى إذا أصابه المحرم، فإنه يؤكل اهـ (٦٧:١١). قلت: لا نسلم أن كل ما يفدى فى الإحرام فهو حلال لما ذكرناه، وفى "حياة الحيوان": قال ابن الصلاح: ليس فى حله أى حل الثعلب حديث عن رسول الله عَ ليه، وفى تحريمه حديثان فى إسنادهما ضعف. (قلت: قد انجبر ضعفهما بعموم النهى عن كل ذى ناب من السباع وهو حديث مشهور)، قال: واعتمد الشافعى فى ذلك على عادة العرب فى أكله اهـ (١٦٤:١). قلت: قد مر من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى قال: الثعلب سبع لا يؤكل اهـ، وهو من أعرف الناس بعوائد العرب، ولم نعلم أحدا من الصحابة قال بحله، وقال أبو هريرة بحرمته لا يعرف له مخالف منهم، والله أعلم، ظ. باب حل میتة البحر أقول: المراد من ميتة البحر السمك الذى يكون سبب موته البحر، بأن يلفظ على الساحل، ج - ١٧ ١٧٢ باب ما أحل من الميتة والدم ٥٥٦٠- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّ له: ((أحل لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال))، رواه أحمد وابن ماجه والدارقطنى للدارقطنى أيضا من رواية عبد الله بن زید بن أسلم عن أبيه پاسناده. قال أحمد وابن المدينى: عبد الرحمن بن زيد ضعيف، وأخوه عبد الله ثقة، وقال البيهقى: رفع هذا الحديث أولا عن زيد بن أسلم عن عبد الله وعبد الرحمن وأسامة، وقد ضعفهم ابن معين و کان أحمد بن حنبل يوثق عبد الله، و کذا روى عن ابن المدینی، وقال الحافظ: تابعهم شخص هو أضعف منهم، وهو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأیلی، أخرجه ابن مردويه فى تفسير سورة الأنعام من طريقه عن زيد بن أسلم، ورواه الدار قطنى من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم موقوفًا على ابن عمر، وقال: هو أصح، وكذا صحح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن حجر: هذا الموقوف فى حكم المرفوع، كذا فى "المنتقى" و"النيل" (٣٦٩:٨ -٣٧٠). باب ما جاء فى الضفدع . ٥٥٦١- عن عبد الرحمن بن عثمان القرشى أن طبيبا سأل رسول الله عَّ له عن أو يحسر عنه، لا الذى يموت فى البحر بحتف أنفه ويطفو على الماء بدليل ما ورد من النهى عن أكل الطافى، فلا حجة للشافعى فيه على حل الطافى. باب ما أحل من الميتة والدم أقول: دل الحديث على حل السمك الميت والجراد الميت والكبد والطحال، ولا يصح الاستدلال به على حل الطافى من السمك، لأن المقصود ههنا هو بيان جنس ما أحل من الميتة، وليس المقصود أن كل فرد منه حلال كما لا يخفى، فلا يعارض حديث النهى عن الطافى، كما ظنه ابن حجر فى "الدراية"، فافهم. باب ما جاء فى الضفدع أقول: قال الزيلعى: قال المنذرى فى "حواشيه": فيه دليل على تحريم أكل الضفدع، ١٧٣ ما جاء فى الضفدع إعلاء السنن الضفدع يجعلها فى دواء، فنهى عن قتلها، أخرجه أبو داود والنسائى والحاكم، وصححه، وقال البيهقى: هو أقوى ما ورد فى الضفدع (زيلعى ٢: ٢٧٠). لأن النبى معَّ نهى عن قتله، والنهى عن قتل الحيوان إما لحرمته كالآدمى، أو لتحريم أكله كالصرد والهدهد والضفدع ليس بمحترم، فكان النهى منصرفا إلى الوجه الآخر اهـ، وفيه نظر، لأن النهى عن القتل أمر، وحرمة الأكل أمر آخر، فلا يدل النهى عن القتل على حرمة الأكل وحصر علة النهى فى الاحترام، والحرمة غير مسلم كالنهى عن ذبح الشاة اللبون، فإن قلت: وجه الاستدلال أن الأكل لا يكون بدون القتل وهو منهى عنه، فلا يكون الأكل مباحا. قلنا: غاية النهى عن القتل أن يكون القاتل آثما لا أن يكون المقتول ميتة، ولو سلم فهذا إنما يتصور إذا كان النهى للتحريم، وإن كان للتنزه والتورع فلا، ولا دليل فى الحديث على أن النهى عن قتل الضفدع كان للتحريم، لأنه يمكن أن يكون نهاه للتنزه والتورع لكونها من المسبحات، أو غير ذلك من الوجوه، فلا يتم الاستدلال، والصحيح فى التعليل أن يقال: إنها من الخبائث والحشرات، فلا يباح أكلها كنظائرها من السلحفاة ونحوها. قال العبد الضعيف: لم يزل الفقهاء يحتجون بنهيه عّ لّه عن قتل شىء أو أمره به على حرمته، قال الموفق فى "المغنى": فأما الضفدع فإن النبى ◌ّ ◌ُلّ نهى عن قتله، رواه النسائي، فيدل ذلك على تحريمه اهـ (٨٤:١١). وقال صاحب "المهذب": لا يحل أكل الضفدع لما روى أن النبى معَّ نهى عن قتل الضفدع، ولو حل أكله لم ينه عن قتله (شرح المهذب ٩: ٣٠)، وقال ابن حزم الظاهرى: وأما الضفدع فلا يحل أکله أصلا لما ذكرنا من نهى النبى مآ من ذبحه فأغنى عن إعادته اهـ (٣٩٨:٧). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: والضفدع من حيوان الماء ولو كان أکله جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى النبى معَّه عن قتله، ولما ثبت تحريم الضفدع بالأثر كان سائر حيوان الماء سوى السمك بمثابته لأنا لا نعلم أحدا فرق بينهما اهـ (٤٧٩:٢)، فهذه كما ترى علة قد أجمعت المذاهب على إعمالها، فما كان لبعض الأحباب أن يتكلم فيها بكلام سخيف هو أسخف من بيت العنكبوت. أما قوله: إن حصر علة النهى فى التحريم والاحترام غير مسلم كالنهى عن ذبح الشاة اللبون، ففيه أن النهى عن ذبح ذوات الدر رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقى عن على، وإسناده ضعيف جدا، كما فى "العزيزى" (٣٩١:٣)، فكيف يعارض به نص الكتاب: ﴿أحلت لكم بهيمة ١٧٤ ج - ١٧ باب حکم الغراب ٥٥٦٢- عن عائشة قالت: ((أمر رسول الله عَ لّه بقتل خمس فواسق فى الحل والحرم: الغراب والحداءة والعقرب والفأرة والكلب العقور))، متفق عليه. الأنعام﴾، ولو تأمل لفظ الحديث لعرف أن النهى للتنزيه لما فى أوله أنه عُ ◌ّه نهى عن السوم قبل طلوع الشمس، وبالإجماع ليس ذلك بمحرم. وأما قوله: إن غاية النهى عن قتله أن يكون القاتل آثما لا أن يكون المقتول ميتة إلخ، ففيه أنه لو كان أكله جائزا والانتفاع به سائغا لم يكن قاتله بالذبح على اسم الله آثما قط، وأما قوله: يمكن أن يكون نهاه للتنزه والتورع لكونها من المسبحات إلخ فكيف يصلح ذلك علة للنهى عن الذبح، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، فلو كان التسبيح يوجب التورع عن الذبح للزم كراهة ذبح الحيوانات بأسرها. فإن قيل: إنه معّه إنما نهى عن قتل الضفدع ولم ينه عن ذبحه على اسم الله، قلنا: إن الطبيب سأله عن جعله فى الدواء فنهاه عن قتله مطلقا، ولم يقل له: اجعله فى الدواء بعد ما تذبحه، فدل أن قتله بالذبح وغيره منهى عنه مطلقا، وما ذلك إلا لأنه لا يحل أكله، فافهم. وأما ما رواه الطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط" عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله عز ◌ّه عن قتل الضفدع وقال: ((نقیقها تسبيح))، وفيه المسیب بن واضح وفيه كلام وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح (٤: ٤١)، فمعناه: لا تقتلوها كراهة لصوتها، فإن نقيقها تسبيح، وهذا كما ورد فى حديث ابن عباس مرفوعا أنه عّ لّ نهى عن قتل كل ذى روح إلا أن يؤذى. رواه الطيرانى فى "الكبير" بسند ضعيف (مجمع ص ٤٢)، فنبه بقوله: إن نقيقها تسبيح على أنه ليس صوتها مما يؤذى، لأن المسلم لا يتأذى بالتسبيح، وليس معناه أن تسبيح الحيوان يوجب كراهة ذبحه إذا كان مأكولا، فافهم، فإنه من المواهب، ظ. باب حکم الغراب أقول: استدل به على حرمة الغراب الأبقع بأن الأمر بالقتل والحكم بالفسق يقتضى تحريم المأمور به، وعندى أن لا ملازمة بين الأمر بالقتل والتحريم، ولا بين الفسق الفعلى وحرمة اللحم. قال العبد الضعيف: فيه نظر كما سيأتى ظ قال: والحق أن حرمة الغراب دائرة على أكل الجيف وعدم أكله. فالنوع الذى لا يأكل إلا الجيف يحرم، والنوع الذى لا يأكل إلا الحب يحل، ١٧٥ حكم الغراب إعلاء السنن وقال مسلم فى حديثه: الغراب الأبقع، ورد ابن بطال وابن عبد البر هذه الزيادة بأنه تفرد به قتادة وهو مدلس، ورد هذا الرد بأن شعبة لا يروى عن قتادة إلا ما كان مسموعًا له، وهذا من رواية شعبة فيكون مسموعًا، وقد صرح النسائى بسماعه ورد ابن قدامة هذه الزيادة بأن الروايات المطلقة أصح. والنوع الذى يأكل الجيف تارة والحب أخرى اختلف فيه، فمن نظر إلى أنه يأكل الحب قال بحله، كأبى حنيفة. ومن نظر إلى أنه يأكل الجيف قال بحرمته كأبى يوسف، وقد طال النزاع فى زماننا فى حل الغربان المعروفة فى ديارنا وحرمتها، وكثر الطعن والتشنيع من كل فريق على آخر. والحق أن المسألة اجتهادية، ولكل فريق سلف من الأئمة، فمن أفتى بحله أخذ بقول أبى حنيفة، ومن أفتى بحرمته أخذ بقول أبى يوسف، فلا مجال للطعن، والقائلون بالحل أبعد منه، لأنهم آخذون بقول صاحب المذهب، ولم يدل دليل قوى على ضعف مذهبه حتى يترك قوله بمرة، وما روى ابن ماجة عن ابن عمر أنه قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله عٍَّ فاسقا؟ والله ما هو من الطيبات. وما رواه أيضا عن القاسم بن محمد أنه قال: من يأكله بعد قول رسول الله عزّوجلّه فاسقا؟ فهذا اجتهاد منهما، والمجتهد لا يقلد المجتهد، والفسق الفعلى لا يستلزم حرمة الأكل: وأيضا فإنما يرد ذلك على من قال بحل الغراب مطلقا، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول بحرمة الأبقع والغداف، والأبقع هو الذى سماه رسول الله مَّ فاسقا، كما ورد فى رواية الثقة مقبولة، فلا دليل على حرمة كل نوع من أنواع الغراب، ولما كان مبنى الحل والحرمة على أكل الجيف، وعدمه لا على كونه أبقع أو العقعق أو كونه فاسقا أو غيره فالتعلق بهذه الأمور وإطالة الكلام فيها من. سطحية النظر والخروج عن ربقة التقليد، لأن أصحاب المذهب لم يجعلوا هذه الأمور مدارا للحل والحرمة، هذا ما عندنا والله أعلم وعلمه أتم وأحكم، وسها صاحب حياة الحيوان فنسب إلى أبى حنيفة أنه قال: الغربان كلها حلال (١٥٩:٢)، والمصرح فى كتبه ما قلنا. اختلاف العلماء فى أنواع الغراب واتفاقهم على إباحة الزاغ: قال العبد الضعيف: وفى "الشرح الكبير" لابن قدامة: والزاغ مباح، وبذلك قال الحكم وحماد ومحمد بن كالحسن والشافعى فى أحد قوليه، ويباح غراب الزرع، وهو الأسود الكبير الذى يأكل الزرع ويطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع، والحبوب، فأشبه الحجل وسائر الطير - كالحمام وأنواعه من الفواخت والجوازل والرقاطى والدباسى والعصافير والقنابر والقطا والحبارى ١٧٦ ج - ١٧ حكم الغراب وأجيب بأن الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين المزيد عليه وبين المزيد بزيادة غير منافية، كذا فى "النيل" (٢٤٧:٤). والحجل- لما روى سفينة قال: أكلت مع رسول الله عَّ له لحم حبارى، رواه أبو داود، والكركى والكروان والبط وما أشبهه مما يلتقط الحب، لأنه مستطاب، وكذلك الغرانيق والطواويس وطير الماء وأشباه ذلك لا نعلم فيه خلافا اهـ (٨٦:١١). وفى "شرح المهذب": وأما الغراب فهو أنواع، فمنها الغراب الأبقع وهو حرام بلا خلاف الأحاديث الصحيحة، ومنها الأسود الكبير، وفيه وجهان: أصحهما: وبه قطع صاحب "المهذب" وجماعة: التحريم. والثانى: الحل، وأما غراب الزرع وهو أسود صغير يقال له: الزاغ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين ففيه وجهان مشهوران، أصحهما: أنه حلال، والأصح أن الغداف حرام (وهو الغراب الضخم قاله ابن فارس، وقال الجوهرى: هو غراب القيظ) وكذلك العقعق اهـ (٢٣:٩). وقد مر قول أحمد ياباحة العقعق إن لم يكن يأكل الجيف فتذكر، وسيأتى فى كلام الحافظ أيضا. قلت: فقد اتفقوا على إباحة الزاغ وعلى حرمة الأبقع والغداف، واختلفوا فى العقعق، وفى "الدر المختار": حل غراب الزرع الذى يأكل الحب والعقعق، وهو غراب يجمع بين أكل جيف وحب، والأصح وهو قول الإمام حله، وقال أبو يوسف: يكره، قال الشامى: وغراب الزرع غراب أسود صغير، يقال له: الزاغ اهـ (٥: ٣٠٠). قال الحافظ فى "الفتح" فى حديث عائشة رضى الله عنها: إن رسول الله عّ لّه قال: ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن فى الحرم الغراب والحدأ والعقرب والفأرة والكلب العقور))، زاد فى رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم: الأبقع، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا، نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه فى الإيذاء وتحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذى يأكل الحب من ذلك ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقى ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع، ومنها الغداف على الصحيح. وقال صاحب "الهداية": المراد بالغراب فى الحديث: الغداف والأبقع، لأنهما يأكلان ١٧٧ حكم الغراب إعلاء السنن الجيف. وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافا، وعليه يحمل ما جاء فى حديث أبى سعيد عند أبى داود إن صح، حيث قال فيه: ويرمى الغراب ولا يقتله. وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن على ومجاهد وقال عطاء فى محرم كسر قرن غراب: إن أدماه فعليه الجزاء. قال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا، ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع، ومنها العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح - (عند الشافعية) -- ، وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به اهـ ملخصا (٤: ٣٢). الرد على ابن حزم والجواب عن طعنه فى قول أبى حنيفة فى مسألة الغراب: وأغرب ابن حزم حيث قال فى "المحلى": وحرم أبو حنيفة الغراب الأبقع، ولم يحرم الأسود، واحتج بأن فى بعض الأخبار ذكر الغراب الأبقع، قال ابن حزم الأخبار التى فيها عموم ذكر الغراب هو الزائد حكما ليس فى الذى فيه تخصيص الأبقع، ومن قال: إنما عنى رسول الله عَّله بقوله: الغراب، الغراب الأبقع خاصة، لأنه قد ذكر الغراب الأبقع فى خبر آخر فقد كذب إذ قفا ما لا علم له به اهـ. قلنا: ليس الكاذب إلا من جعل الإطلاق وترك القيد زيادة، وليس هو من الزيادة فى شىء، بل هو من تصرف الرواة، وليس من نسى حجة على من ذكر، فإذا كان مخرج الحديث واحدا وذكر بعض الرواة الثقات قيدا لم يذكره بعضهم فالظاهر كون قول النبى عّ لّه مقيدا بهذا القيد، وإنما جاء الإطلاق من نسيان بعضهم ما حفظ غيره، وإذا كان كذلك فالمحرم ما حرمه الحديث بجميع طرقه ويبقى غيره على الحل، حتى يقول دليل على حرمته، ومن قال: إن أبا حنيفة لم يحرم الأسود فقد كذب، لما مر عن صاحب "الهداية" من تحريم الغداف، نعم لم يحرم غراب الزرع، ولم ينفرد بذلك، بل هو مجمع على إباحته عند الفقهاء، ولم يحرم العقعق لكونه مشكو كا فى أنه من جنس الغراب، أو هو طائر على شكله. قال الدميرى فى "حياة الحيوان": العقعق كثعلب ويسمى كندشا، وهو طائر على قدر الحمامة، وهو على شكل الغراب، ويقال له: العقعق أيضا، واختلفوا فى سبب تسميته فقال الجاحظ: لأنه يعق فراخه فيتركهم بلا طعام، وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، لأن جميعها يفعل ذلك. وقيل: اشتق له هذا الاسم من صوته اهـ (١٢٩:٢). وفيه ما يدل على أن كونه من جنس الغربان ليس بمتيقن به، فافهم، وأيضا فليس من آكلة ج - ١٧ حكم الغراب ١٧٨ الجيف، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن العقعق فقال: لا بأس به. فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلط فأشبه الدجاجة، كذا فى "البناية" (١٥٢:٤). ومما يدل على أن من الغراب ما لا يقتل فى الحرم والإحرام حديث أبى سعيد عند أبى داود وسكت عنه، حدثنا أحمد بن حنبل نا هشيم(١) نا يزيد بن أبى زياد نا عبد الرحمن بن أبى نعم عن أبى سعيد الخدرى أن النبى معَّ له سئل عما يقتل المحرم، قال: ((الحية والعقرب والفويسقة، ویرمی الغراب ولا يقتله، والكلب العقور والحدأة والسبع العادى))، قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجة، وقال الترمذى: حديث حسن اهـ من "عود المعبود" (١٠٨:٢) وفيه أيضا عن الخطابى: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذى يأكل الحب (أى غراب الزرع، ويقال له: زاغ)، وهو الذى استثناه مالك من جملة الغربان اهـ، وفيه دلالة على خروجه مما سماه رسول الله عَ ليه فاسقا فى حديث عائشة وغيرها، ولم يكن دليل الحرمة إلا الأمر بقتله، فتنتفى بانتفائه. قال ابن حزم: فكل ما أمر رسول الله عَّه بقتله فلا ذكاة، لأنه عليه السلام نهى عن إضاعة المال، ولا يحل قتل شىء يؤكل اهـ (٤٠٣:٧) أى بل يجب ذبحه على اسم الله ولكنه مرّ له أمر بقتل الفواسق الخمس مطلقا ولم يقيده بالذبح على اسم الله، ولا فى طريق ضعيفة، فثبت أن أكلهن حرام، قلنا: فمن أين قلت بحرمة الغربان كلها وقد قال عَّ ◌ُّه فى هذا الحديث: ((ويرمى الغراب ولا يقتله)). الجواب عن طعن ابن حزم فى حديث، يرمى الغراب ولا يقتله: فإن قلت: رواه من لا يجوز الأخذ برواية يزيد بن ابن زياد وقد ذكرنا تضعيفه فى كتاب الحج (٧: ٤٠٤)، قلنا: يزيد بن أبى زياد هو القرشى الهاشمى من رجال مسلم والأربعة، علق له البخارى ووثقه كثيرون، منهم العجلى، فقال: جائز الحديث. وأبو داود وقال: لا أعلم أحدا ترك حديثه، ويعقوب بن سفيان وقال: يزيد وإن تكلموا فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور. وقال أحمد بن صالح المصرى: يزيد بن أبى زياد ثقة، ولا يعجبنى قول من تكلم فيه، (وهذا تعديل مفسر وهو قاضٍ على الجرح المبهم)، وذكره مسلم فى "مقدمته" فيمن (١) فيه تصريح بسماع هشيم من يزيد بن أبى زياد، لأنه صرح بالتحديث ههنا، فاندحض ما قاله بعضهم: إن هشيما لم يسمع منه، كما فى "التهذيب"، ظ. ١٧٩ حكم الغراب إعلاء السنن شملهم اسم الستر والصدق وتعاطى العلم من حمال الآثار (تهذيب ٣٣١:١١) ولعله اشتبه على ابن حزم بيزيد بن زياد، ويقال: ابن أبى زياد القرشى الدمشقى كما اشتبه على النووی به، وهو ضعيف عندهم جمیعا لم یوثقه إلا و کیع وحده، وقد مر أن الترمذى حسن هذا الحديث وسكت عنه أبو داود والمنذرى، فهو صالح عندهما، فلا بد من القول بأن من الغراب ما يقتل فى الحل والحرم، ومنه ما لا يقتل بل يرمى عملا بالحديثين، فمن ادعى حرمة أنواع الغراب كلها مستدلا بما ورد فى حديث عائشة من الأمر بقتل الغراب مطلقا محجوج بما ورد فيه من زياد الأبقع فى بعض طرقه عند مسلم، وبحديث أبى سعيد هذا، فافهم، فإن الظاهرية لا تفقه ولا تفهم. وبهذا اندحض قول بعض الأحباب أن لا ملازمة بين الأمر بالقتل والتحريم اهـ، فقد بينا وجه الملازمة ولم يزل الفقهاء يحتجون بأمره عَ لّه بقتل شىء على حرمته. قال الجصاص فى "الأحكام" له: وقوله عليه السلام، ((خمس يقتلهن المحرم)) يدل على تحريم أكل هذه الخمس وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة، ولو كانت مما يؤكل لأمر بذبحها وذكاتها لئلا تحرم بالقتل اهـ (١٩:٣). وأما قوله: ولا ملازمة بين الفسق الفعلى وحرمة اللحم، فإن أراد أن لا ملازمة بينهما عقلا فنعم، وإن أراد: لا ملازمة بينهما شرعا وعرفا فلا، لأن ابن عمر وعائشة رضى الله عنهم أعرف منه بلغة النبى معَّ ومعانى كلامه ومقاطع حدوده، روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق ابن أبى أويس: نا أبى نا يحيى بن سعيد الأنصارى عن عمرة عن عائشة - أم المؤمنين- قالت: إنى لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن رسول الله عَُّله فى قتله وسماه فاسقا! والله ما هو من الطيبات (٤٠٤:٧)، وروى ابن ماجة نحوه عن ابن عمر وغيره، وفيه دلالة على معرفتهم بأن رسول الله ◌َّه كان لا يأذن فى قتل ما يحل أكله، ولا يسمى بالفاسق إلا ما كان حراما، فالأولى حمله على الأبقع بدليل ما رواه سعيد بن المسيب عن عائشة رضى الله عنها عند مسلم وغيره، فافهم، والله يتولى هداك، وهو يتولى الصالحين. فائدة : قد عرفت اتفاق الفقهاء كلهم على إباحة غراب الزرع ويقال له: زاغ، وعندنا هو الغراب الذى ينزل فى دور الناس بالهند، وفى زروعهم يلتقط الحب ويأكل الخبز وما تساقط من الطعام، وهو الذى أفتى بحله بعض الأكابر من مشايخنا، هذا هو التحقيق عندنا أخذا من كلام المحدثين والفقهاء واللغويين، ولم نر أحدا صرح بأن غراب الزرع لا يتقوت باللحم، ولا ينزل فى الدور ١٨٠ ج - ١٧ باب حرمة السمك الطافی ٥٥٦٣- أبو أحمد الزبيرى نا سفيان الثورى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى عّ لّه قال: ((إذا طفا فلا تأكله، وإذا جزر عنه فكله، وما كان علی حافیة فکله))، أخرجه الدارقطنى (ص٥٣٨)، وقال: لم يسنده عن الثورى غير أبى أحمد، وخالفه وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم عن الثورى رووه موقوفا، أصلا، فإن ثبت ذلك فالذى ينزل فى دورنا هو الأسود الكبير الذى يطير مع الزاغ. قاله الموفق. وقد صرح بإباحته أيضا كما تقدم، أو هو العقعق، وإن كان قولهم: هو قدر الحمامة لا يساعده، لكونه أكبر من الحمامة بكثير، وقد مر اختلاف العلماء فى العقعق: فأباحه أبو حنيفة وأحمد فى رواية، وكرهه أبو يوسف وغيره، وليس هو بالأبقع ولا بالغداف المجمع على تحريمهما لكونهما من آكلة الجيف، والذى ينزل فى دورنا لا يأكل الجيف إلا نادرا، والله تعالى أعلم، ظ. باب حرمة السمك الطافى قوله: أبو أحمد الزبيرى إلخ: قلت: قد تحصل لك أن الحديث بما اختلف فى رفعه ووقفه - رفعه أبو أحمد الزبيرى ويحيى بن سليم وابن أبى ذئب ويحيى بن أبى أنيسة وبقية بن الوليد، ووقفه غيرهم ونسبة الوهم إلى هؤلاء كلهم بعيد مع أن أكثرهم ثقات، فالظاهر أن الحديث صحيح من طريقين، وجابر قد كان يرويه عن رسول الله مّ له، وقد كان يفتى به من جهة نفسه لسماعه مَن رسول الله عَّ ◌ُّه، وهكذا من بعده من الرواة قد كانوا يروونه مرفوعا وقد كانوا يروونه موقوفا، فلا وجه لتضعيف المرفوع، ولو سلم فالموقوف فى حكم المرفوع لكونه مخالفا للقياس، وإذا كان الأمر كذلك فلا يعارضه ما روى عن أبى بكر وعمر وابن عمر وأبى أيوب وأبى طلحة أنهم قالوا بحل الطافى، لأنهم قالوه بالاجتهاد، كما يرشدك إليه ما رواه الدار قطنى عن عبد الرحمن بن بريرة أنه سأل ابن عمر فقال: آكل ما طفا على الماء؟ قال: إن طافيه ميتة، وقد قال رسول الله عَ لّه: «إن ماءه طهور ومینته حل))، فإنه يدل على أنه رضى الله عنه قال ذلك بالاجتهاد. والجواب عن استدلاله مذكور فى (باب ميتة البحر) وقس عليه ما روى عن أبى بكر رضى الله عنه وغيره، فسقط ما قال ابن حجر: إن الصحيح من حديث جابر هو الموقوف، ويعارضه ما روى عن أبى بكر أنه قال: الطافى حلال فيقدم على قول جابر، كما نقله عنه فى "النيل"، ولم يتنبه رحمه الله للدقيقة التى نبهناك عليها أن حديث جابر إن صح موقوفا فهو فى حكم المرفوع