النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١٠
إعلاء السنن
كشف الحقيقة عن أحكام العقيقة
باب العقيقة
٥٥١٢- عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كانت العقيقة فى الجاهلية،
فلما جاء الإسلام رفضت، رواه محمد فى " كتاب الآثار" (ص١١٦).
٥٥١٣- وعنه عن رجل عن محمد بن الحنفية أن العقيقة كانت فى الجاهلية، فلما
جاء الإسلام رفضت، رواه أيضا محمد فى "كتاب الآثار" (ص١١٦)، وقال: به نأخذ،
وهو قول أبى حنيفة.
باب العقيقة
أقول: نص الروايات ظاهر فى أن مذهب أبى حنيفة هو أن العقيقة منسوخة وغير مشروعة
بعد. وما نقله الشامى عن جامع المحبوبى أنها مباحة وشرح الطحاوى أنها مستحبة ليس بنقل
للمذهب بل هو رأى منهما رآياه لما ورد فى ذلك من الأخبار. وحجة المانعين هو ما روى عن
إبراهيم ومحمد ابن الحنفية أنها رفضت فى الإسلام، وما روى من الأخبار لا ترد عليهما، لأنهما
لا ينكران المشروعية أصلا، بل يقولان بالمشروعية فى الجملة، ولكنهما يدعيان أنها رفعت،
فعندهما زيادة علم ليس عند من يجوزها، وهما إمامان لا يقولان جزافا فيكون قولهما حجة لأن
حجة المجوزين عدم وقوفهم على الناسخ، وحجتها الاطلاع عليه، وباليقين قول من يدعى العلم
حجة دون من ینکره.
فإن قلت: فى رواية ابن الحنفية رجل مبهم، قلنا: هذا الإبهام ليس بمضر، لأن الراوى عنه
صاحب المذهب وهو أعرف به، وفى ما ذكرناه كفاية للبيب ولكنا نسرد ما ورد فى هذا الباب
ليكون الناظر على بصيرة. فنقول: أخرج أبو داود من طريق همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة
عن رسول الله ـ: كل غلام مرتهن بعقیقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ویدمی، فكان
قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به قال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به
أوداجها، ثم توضع على يافوخ مصبى حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد
ويحلق، ورواه سعيد وسلام بن أبى مطيع عن قتادة وإياس ابن وغفل وأُشعث عن المحسر فقالوا:
يسمى ولم يقولوا: يدمى، ولذا نسب أبو داود هماما إلى الوهم، ولكن ابن حزم رجح رواية همام،.
والحق أنه لا تدافع بين الروايتين، لأن التسمية والتدمية لا تنافى بينهما، فيمكن أن يكون الحسن

١٠٢
باب العقيقة
ج - ١٧
روى التسمية والتدمية كليهما ، وكذا قتادة، فروى همام التدمية وترك التسمية، وروى الآخرون
التسمية وتركوا التدمية، فلا يحتاج إلى الترجيح.
ویؤید ما قلنا: إن عبد الرزاق روی عن معمر عن قتادة یسمی یوم یعق عنه، ثم يحلق، و کان
يقول: يطلى رأسه بالدم، فإن قيل: قد أخرج ابن أبى شيبة عن الحسن بسند صحيح أنه كان يكره
التدمية فكيف يرويه؟ قلنا: يعارضه ما نقل عنه ابن المنذر أنه كان يستحبها.
ولو سلم فالجواب أنه لا تعارض بين رواية التدمية عن سمرة واختيار الكراهة؛ لأنه يحتمل
أن يكون ما رواه منسوخًا عنده، فلا يدل هذا على خطأ همام، فثبت رواية التدمية عن قتادة عن
الحسن عن سمرة عن النبى عدد بلاده.
ثم روى أبو داود عن بريدة قال: كنا فى الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه
بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران، وروى ابن حبان فى
صحيحه عن عائشة قالت: كانوا فى الجاهلية إذا عقوا عن الصبى خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا
حلقوا رأس الصبى وضعوها على رأسه، فقال النبى معَّ هِ: ((اجعلوا مكان الدم خلوتا))، وزاد أبو
الشيخ: نهى أن يمس رأسه بدم.
وأخرج أحمد وغيره عن سلمان بن عامر مرفوعًا وموقوفًا مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه
دمًا، وأميطوا عنه الأذى، ومعنى إماطة الأذى عندى - والله أعلم- عدم لطخه بالدم لا حلق الشعر.
كما توهموا، فدل تلك الأخبار على أنه مرّ طّ نسخ من أمر الجاهلية التدمية التى رواها الحسن عن
سمرة، وأبقى إهراق الدم، ثم روى أحمد(١) عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن على بن الحسين
عن أبى رافع -مولى رسول الله عَّه - أن الحسن بن على لما ولد أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه
بكبش، فقال: ((لا تعقى عنه ولكن احلقى شعر رأسه ثم تصدقى بوزنه من الورق فى سبيل الله))،
ثم ولد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك، ودل هذا على أنه نسخ الإراقة أيضًا، وأقام مقامه
التصدق بوزن شعر المولود.
ويؤيده ما روى سعيد بن منصور عن محمد بن على مرسلا بسند صحيح أن فاطمة إذا
(١) أخرجه الحافظ فى "الفتح" بلفظ: لما ولدت فاطمة حسنا، قالت: يا رسول الله! ألا أعق عن ابنى بدم؟ قال: لا، ولكن احلقى
رأسه، الحدیث (٥١٥:٩) ظ.

١٠٣
باب العقيقة
إعلاء السنن
ولدت ولدًا حلقت شعره وتصدقت بزنته ورقًا (فتح البارى ٥١٥:٩)، ولکنه معارضه ما روى
ـه عَِّ أنه عق عنهما.
والجواب عنه أن رواية العقيقة عنهما مضطربة لأنه روى الحاكم من طريق محمد بن عمر
واليافعى عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: عق رسول الله عَ لّه عن
الحسن والحسين يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى، وقال: صحيح الإسناد.
وأقره الذهبى عليه، وتبعه ابن حجر فى "الفتح"، وهو عجيب منهما، فإن محمد بن عمرو
اليافعى، قال ابن القطان: لم تثبت عدالته، وذكره الساجى فى الضعفاء، وقال ابن عدى: له مناكير،
وقال ابن معين: غيره أقوى منه، كذا فى "التهذيب".
قال العبد الضعيف: هو من رجال مسلم والنسائى، قال الذهبى: ما علمت أحدًا ضعفه،
وذكره ابن حبان فى ثقاته، وقول ابن القطان: لم تثبت عدالته، وقول ابن عدى: له مناكير، وقول
ابن معين: غيره أقوى منه ليس من الجرح فى شىء لما فى المقدمة، قال: فالرواية ضعيفة، وليست
بصحيحة. (قلت: كلا بل هى صحيحة على شرط مسلم، ظ) قال: ولو سلم فيحتمل أن يكون
مراد عائشة من الحقيقة حلق الشعر والتصدق بالفضة، كما فى رواية أبى رافع: لا إهراق الدم.
وأخرج الحاكم أيضًا عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن محمد بن على بن
الحسين عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب قال: عق رسول الله عَّه عن الحسين: ثماة، وقال:
با فاطمة! احلقی رأسه تصدق بزنة شعر فوزناه فکان درهما، ولكنه اختلف فیه علی محمد بن
إسحاق؛ لأن الحاكم رواه عن عبيد عن محمد بن إسحاق ... عن عبد الله بن أبى بكر عن محمد
ابن على عن أبيه عن جده عن على متصلا، رواه الترمذى عن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق
عن عبد الله بن أبى بكر عن محمد بن على عن على مرسلا، ثم محمد بن إسحاق مع ما فيه من
الكلام مدلس يدلس عن الساقطين، وقد عنعن فى الرواية فلا يقبل عنعنته، ثم هو تفرد بزيادة قوله:
عق عن الحسن بشاة، ولم يروه على بن الحسين عن أبى رافع، ولا محمد بن على عند سعيد بن
منصور، ثم لو كان عند على بن الحسين رواية عن أبيه عن جده لم يحتج إلى ما رواه عن أبى رافع،
فهذه أمور تدل على أن رواية محمد بن إسحاق ساقطة، فلا یعارض روایة أبی رافع، ولا يقوى
رواية عائشة، قال: قلت: أخرج الحاكم فى فضائل الحسين من طريق حسين بن زيد عن جعفر بن
محمد عن أبيه عن جده عن على أن رسول الله عّ لّه أمر فاطمة، فقال: ((زنى شعر الحسين وتصدق

ج - ١٧
باب العقيقة
١٠٤
بوزنه فضة، وأعطى القابلة رجل العقيقة))، وقال: صحيح الإسناد.
قلت: تعقبه الذهبى فى "التلخيص" وقال: لا، قلت: وكذا لا يصح ما روى أبو داود فى
المراسيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبى معَّه قال فى العقيقة التى عقتها فاطمة عن الحسن
والحسين أن يبعثوا إلى القابلة برجل، وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظمًا، لأن
المرسل لا يعارض المسند الذى رواه على بن الحسين عن أبى رافع، ولم أقف على من رواه عن
جعفر، فليحقق.
فإن قلت: يعضده ما رواه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس أنه عدّ له عق عن الحسن
والحسين كبشًا كبشًا، وإسناده صحيح.
قلنا: يعارضه ما رواه النسائي عن عكرمة عن ابن عباس أنه عَّ له عق عنهما كبشين كبشين،
وسنده أيضًا صحيح، فإذا تعارضا تساقطا، فلا يصلح للتأييد.
وقال فى "الجوهر النقى": قد اضطرب فيه على عكرمة من وجهين: إن أبا حاتم قال: روى
عن عكرمة عن النبى معَّه مرسلا، وهو الأصح.
والثانى: أن النسائى أخرج من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عق عن الحسن
والحسين بكبشين كبشين (الجوهر النقى ٢٢٣:٢).
ورجح ابن حجر فى "الفتح" (٥١١:٩) رواية بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
أنه عق عنهما بكبشین کیشین.
قلت: أخرجه الحاكم وسكت عنه وتعقبه الذهبى فقال: سوار ضعيف وإن كان روايته تؤيد
رواية كبشين فرواية ابن إسحاق تؤيد رواية الكبش فلا ترجيح. وقال ابن أبى حاتم فى "العلل"
(٤٩:٢): سألت أبى عن حديث رواه عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن
النبى معَّه عق عن الحسن والحسين كبشين (أى كبشا للحسن وكبشا للحسين) قال أبى: هذا
وهم، حدثنا أبو معمر وعن عبد الوارث هكذا، ورواه وهب وابن علية عن أيوب عن عكرمة عن
النبى مرسلا، قال أبى: وهذا أصح. وقال أيضا: سألت أبى عن حديث رواه المحاربى عن يحيى بن
سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أن الحسن والحسين عق عنهما. قال أبى: هذا خطأ إنما هو عن
عكرمة. قوله: من حديث يحيى بن سعيد الأنصارى. قلت: كذا حدثنا الأشج عن أبى خالد
الأحمر عن يحيى عن عكرمة أن حسنا وحسينا عق عنهما. قال أبى: لم يصح رواية يحيى بن

١٠٥
باب العقيقة
إعلاء السنن
سعيد عن عكرمة، فإنه لا يرضى عكرمة فكيف يروى عنه؟ وقال أيضا: سألت أبى عن حديث
رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة عن أنس قال: عق رسول الله عَّم عن الحسن والحسين
بكبشين. قال أبى: أخطأ جرير فى هذا الحديث، إنما هو قتادة عن عكرمة قال: عق رسول الله عَ ليه
مرسل اهـ. ويظهر منه اضطرابان آخران: الأول أنه روى يحيى بن سعيد عن عكرمة أنه عّ لّهِ عق
عن الحسن والحسين بدون قوله: كبشا أو كبشين. وقال أيوب: كبشا كبشا وقال قتادة: كبشين
كبشين. والآخر أنه روى جرير عن قتادة عن أنس وغيره عن قتادة عن عكرمة. فالحديث لا يصلح
أن يكون معارضا لما رواه أبو رافع. وقال ابن حزم بعد سرد طرقه: واختلاف الرواة فى إرساله
ورفعه وفى عدد الكبش والشاة ما نصه، وبأقل من هذا يتعللون فى رد الأخبار ويدعون أنه
اضطراب اهـ (٥٣١:٩).
ويمكن أن يقال: إن ابن عباس روى لعكرمة أن رسول الله عّ لّ عق عن الحسن والحسين
بدون قوله: كبش أو كبشين كما رواه يحيى بن سعيد الأنصارى عن عكرمة، وكما روى عمرة
عن عائشة، وكان مراده أنه أمر أنه يحلق رأسهما والتصدق بوزن شعرهما. كما رواه أبو رافع.
فتوهم منه الرواة أنه أهراق عنهما دمًا. فرووه اجتهادهم أنه عق عنهما كبشين أو أربعة. وعلى هذا
لا يكون رواية ابن عباس معارضا لرواية أبى رافع، ويجتمع الروايات كلها. وهذا التأويل ليس بأبعد
مما أول به ابن حجر وشيخه حديث أبى رافع. وهو أنه نهى فاطمة عن إهراق الدم وأمر بالتصدق
لضيق ما عندهم حينئذ، أو لأنه كان عق عنه أولا، فلما أرادت فاطمة أن يعق عنه نهاه، كما فى
"الفتح" (٥١٥:٩) لأن هم فاطمة بالعقيقة وأمره معّه، إياها بالتصدق يدل على أنهم كانوا فى
سعة لا فى ضيق، ثم لو كان منشأ النهى الضيق لقال لها: لا تعجلى وانتظرى، لعل الله ييسر لنا،
ولم ينه عنه مطلقا، ولو كان عق عنه لم تهم فاطمة بالعقيقة ثانيا، ولو همت لقال لها: لا يعق عن
مولود واحد مرتين، بالجملة كلا التوجيهان لا يساعدهما ألفاظ الرواية، بخلاف ما قلنا، فإنه يؤيده
رواية يحيى بن سعيد، ويؤيده أيضا ما رواه بريدة أن رسول الله عَ ل عق عن الحسن والحسين بدون
قوله: شاة أو شاتين. أخرجه النسائي. ويحمل على حلق الشعر دون إِهراق الدم فتلخص منه أنه
تبت أنه نهى فاطمة عن إراقة الدم وأمرها بالتصدق. ولم يثبت خلافه فتبين منه أنه نسخ الإراقة
أيضا كما نسخ التدمية، وأقام مقامها التصدق، وأورد عليه أن الحسن ولد سنة ثلاث، أو خمس.
وقد أخرج النسائى عن قتيبة عن سفيان عن عبيد الله بن أبى يزيد عن سباع بن ثابت عن أم

ج - ١٧
باب العقيقة
١٠٦
كرز قال: أتيت النبى عّ لّه أسأله عن لحوم الهدى فسمعته يقول: ((على الغلام شاتان وعلى الجارية
شاة، لا يضركم ذكرانا كن أو إناثا)). والحديبية كانت سنة ست فكيف يكون منسوخة سنة ثلاث
أو خمس؟
والجواب عنه أن حديث أم كرز مضطرب اضطرابا شديدا. لأنها رويت عنها من وجوه
مختلفة، وأمثلها طريق سباع بن ثابت وهو أيضا مضطرب. لأن سفيان يرويه ويقول تارة: عن عبد
الله بن أبى يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كرز، وأخرى عن عبيد الله عن سباع عن أم
کرز، وابن جریج یرویه عن عبيد الله عن سباع بن ثابت عن محمد بن ثابت بن سباع عن أم کرز.
وحماد بن زید یرویه عن عبيد الله ویقول فى حديثه: حدثنی عبد الله بن أبی یزید قال: حدثنى
سباع عن أم كرز. وهل هذا إلا اضطراب. ثم يقول سفيان: إن أم كرز قالت: سمعت النبى معَّه
بالحديبية وذهبت أطلب من اللحم فسمعته يقول: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. ويقول ابن
جريج فى حديثه أنها سألت النبى عبّر عن العقيقة فقال: ((يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة))
ويقول حماد بن زيد فى حديثه: أن النبى معَّه قال: ((عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة). والأولى:
يدل على أنها سمعته يقول فى الحديبية، ولم يكن سألته. والثانى: يدل على أنها سألته، والثالث:
لا یدل علی واحد منهما.
قال العبد الضعيف: وهذا ليس من الاضطراب فى شىء، وأى بعد فى أن يكون ذهبت
لطلب اللحم وسألته عن العقيقة أيضا: وقولها: فسمعته يقول: عن الغلام شاتان إلخ أى بعد أن سئل
عن العقیقة، ظ.
قال: والذى يترجح أن رواية سفيان وابن جريج وهم، والصحيح ما رواه حماد بن زيد،
لأنه لو وقع هذا السؤال والجواب فى الحديبية لروى عن غير واحد من الصحابة، لأنهم كانوا
مجتمعين فيها، فتفرد أم كرز بالرواية يدل على أن هذا ليس من قصة الحديبية، ثم إذا نظرنا أن
الحديبية لم تكن محلا لهذه المسألة. ولا كان أهم لأم كرز السؤال عن العقيقة من سائر أمور
الدين. لأنهم قالوا: إنها أسلمت فى الحديبية يزداد هذا الظن قوة.
ثم إذا رأينا الحاكم قدروى عن عبد المالك بن عطاء عن أم كرز وأبى كرز أنها نذرت امرأة
من آل عبد الرحمن بن أبى بكر أن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا جزورا فقالت عائشة: لا، بل
السنة أفضل: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، الحديث. ويحصل لهذا الظن مزيد قوة أنها

١٠٧
باب العقيقة
إعلاء السنن
لم تسمع من النبى عَّ بل سمعت من عائشة عن النبى عَّم، فأرسلت فى الرواية وروت عن
النبى عّ لّ، كما رواه عنها حماد بن زيد.
يؤيده أيضا أن أكثر الروايات عنها بالعنعنة لا بالسماع والسؤال، وذكر الحديبية لم يقع إلا
فى حديث سفيان ولأجل هذه الأمور لم يخرج الشيخان هذه الرواية فى صحيحهما. فلا يرد
الاعتراض لهذا الحديث على حديث أبى رافع.
قال العبد الضعيف: عدم إخراجها شيئا لا يدل على ضعفه. وقوله: إن الحديبية ليست محلا
لهذه المسألة ولا كانت مما يبهم أم كرز فكله كلام لا طائل تحته، ولا يعل بمثله الأحاديث. والذى
روته أم كرز عن عائشة من إنكارها نحر الجزور فى العقيقة غير ماروته عن رسول الله عّ لّه، فكيف
یکون ذلك دليلا على الإرسال کما ادعاه، واضطراب السند مرتفع بما فی حدیث حماد بن زيد
من التصريح بسماع عبيد الله ابن أبى يزيد من سباع وبسماع سباع من أم كرز، فيكون ما سوى
ذلك من المزيد فى الإسناد فالأولى أن يقال: إن العقيقة بإراقة الدم كانت مشروعة إلى زمن الحديبية
ثم نسخت بدليل أنه مَّ لم يعق عن ابنه إبراهيم، ولو كانت واجبة أو سنة لعق عنه، فإنما يؤخذ
بالآخر فالآخر من فعل رسول الله عّ لّه، ظ.
ولم يتنبه شمس الحق العظيم آبادى لهذه الدقيقة فاحتج بحديث أم كرز لرد ما أخرجه عن
على أنه قال: قال رسول الله عَّه: محا ذبح الأضاحى كل ذبح كان قبله. وقال: حديث على
ضعيف جدا، لأن فى أحد طرقه الحارث بن نبهان وعتبه بن يقظان وهما ضعيفان، وفى الأخرى
مسيب بن شريك وهو ضعيف. ثم الأضحية شرعت فى السنة الثانية على ما قاله الحافظ ابن أثير،
وعق رسول الله عّ لّه عن الحسن فى سنة ثلاث وعن الحسين فى سنة أربع. وقال فى الحديبية سنة
ست: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لحديث أم كرز. وعق سنة ثمان عن ابنه إبراهيم، فكيف
يصح أن ذبح الأضاحی محا کل ذبح كان قبله.
والجواب عنه أن حديث على مروى من طريقين، وإن كان كل واحد منهما ضعيفا بانفراده
إلا أن بمجموعهما يحصل له قوة، وإن لم تصل تلك القوة إلى حد يصح به الاحتجاج، فلا أقل من
أن يحصل له قوة يصاح به للاستشهاد وتقوية حديث أبى رافع. ثم قال ابن حجر فى الدراية: إنه
ضعيف، فإن عبد الرزاق أخرجه موقوفا وهذا يدل على أن الضعيف رفعه، وأما الموقوف فصحيح
وهو كافٍ لنا.

ج - ١٧
باب العقيقة
١٠٨
وأما ما قال ابن أثير: إن الأضحية شرعت فى السنة الثانية فلم يسنده إلى أحد بل ذكره من
غیر سند. فکیف یجوز لمن یرد حدیث على، ویقول: إنه ضعيف أن يحتج بقول لم یذکر له سند
لا قوى ولا ضعيف. ولو صح هذا القول فغايته أنه يدل على مشروعية الأضحية ولا يدل على
وجوبها، فيحتمل أن يكون معنى قوله: إن وجوب الأضحية محاكل ذبح كان قبله. وأما عقيقة
الحسن والحسین فلم تثبت بإراقة الدم بل بالتصدق کما مر فلا حجة له فيها.
وأما حديث أم كرز فقد مر البحث عنه، وقد عرفت أن الحديث مضطرب غاية الاضطراب،
ولا يثبت حديث الحديبية. والسماع والسؤال بل الراجح أنها مرسلة، فلا حجة فيه أيضا، وأما
عقيقة إبراهيم فهو قول الزبير بن بكار، ولم يذكر له سندا. فكيف يجوز الاحتجاج بالقول الذى
لا سند له، ولو كان عقيقة إبراهيم ثابتا لروى بالأسانيد الصحيحة كما رويت أحاديث الوليمة عن
رسول الله عَّه، فدل ذلك أنه ليس بثابت. وصرح الحافظ فى "الفتح" بأنه لم ينقل أحد أنه عق
عنه (٥٠٧:٩) وإذا كان كذلك فهو حجة لنا. لأنه لو لم ينتسخ العقيقة لكان إبراهيم أحق بالعقيقة
من غيره، ومما يرد قول الزبير أنه قال: سماه رسول الله عّ لّه يومه السابع.
وقد روى ابن عبد البر عن رسول الله عّ لّهم أنه سماه إبراهيم ليلة ولد وقال: الحديث المرفوع
أولى من قول الزبير. وأسنده الطحاوى فى مشكله عن ثابت البنانى عن أنس قال: قال رسول
الله عَّةِ: ولد لى الليلة غلام، فسميته بأبى إبراهيم (١: ٤٥٤) رجاله كلهم ثقات وهو متفق عليه.
فدل ذلك أن قول الزبير جزاف ولا يلتفت إليه. وهذا ما عندنا النصرة قول من قال بنسخ العقيقة.
ومع ذلك فهم أعرف بمأخذ قولهم. ولا يجوز لمثل شمس الحق وغيره أن يطيل اللسان على هؤلاء
الأئمة الأعلام، ويقول بقول إبراهيم، أو حماد، أو محمد بن الحسن لا ينسخ السنة المطهرة فإياك،
ثم إياك. ولم يدر هذا الغبى أن أحدًا لا ينسخ السنة المطهرة بقول هؤلاء بل يعتمد النسخ بروايتهم،
وليس هؤلاء الأعلام بأدنى من ابن الأثير الذى يعتمد هذا الغبى على قوله فى العقيقة والأضحية
كما نقلنا عنه سابقا. فأعرف هذا التحقيق، فإنك لا تجده فى غير هذا التاليف، والله أعلم علمه أتم
وأحكم. وليعلم أن عمل الحنفية اليوم على استحبابها عملا بما فى شرح الطحاوى والأمر واسع لما
فیه من الاختلاف فتدبر.
دليل أبى حنيفة فى كراهة العقيقة من الحديث:
قال العبد الضعيف: حديث على أخرجه الدار قطنى من طريق الحارث بن نبهان نا عتبة بن

١٠٩
باب العقيقة
إعلاء السنن
يقظان عن الشعبى عن على قال قال رسول الله عّ ليه: محا ذبح الأضاحى كل ذبح كان قبله وذكر
صوم رمضان والزكاة والغسل من الجنابة بمثل ذلك. (٥٤٢:٢).
أما الحارث بن نبهان فكان من الصالحين وإنما ضعف من قبل حفظه، وتابعه المسيب بن
شريك فرواه عن عتبة نحوه والمسيب بن شريك أيضا ضعيف من قبل حفظ لم يتهم بالكذب
ونحوه، وعتبة بن يقظان قواه بعضهم، كما فى "الميزان" وذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى
"التهذيب" فالحديث ليس بباطل ولا مطروح بالمرة بل هو حسن على الأصل الذى أصلناه فى
المقدمة، وقد رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" موقوفا على على رضى الله عنه، وهو يؤيد أن الحديث
له أصل أصيل، فإن الموقوف فى مثله له حكم المرفوع وازداد ذلك قوة على قوة بقول محمد بن
الحنفية. أن العقيقة كانت فى الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت، وعن أبى جعفر محمد بن على
ابن الحسين قال: نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله، كما فى "المحلى" (٥٢٩:٧)
وقول ابن حزم: لا حجة فيه، لأنه قول محمد بن على ولا يصح دعوى النسخ إلا بنص
مسند إلى رسول الله مَّ لّ اهـ يدل على صحة الإسناد إليه، وإن ابن حزم وإنما وهاه لكونه من قول
محمد بن على، ولا يخفى ما فيه، لأن ما لا يصح دعواه إلا بنص من رسول الله عَ ◌ّه فلقول
الصحابى فى مثله حكم الرفع، ولقول التابعى حكم الإرسال، كما ذكرناه فى المقدمة، لأن ما
لا يدرك بالرأى لا يدعيه الصحابى، ولا التابع من عند نفسه، وإنما يقوله سماعا، فقول الصحابى
و التابعى فى مثله مرفوع أو مرسل، وكلاهما حجة لا سيما إذا تعدد مخرجه، فقد عرفت أن كون
الأضحى ناسخا لكل ذبح كان قبله مروى عن على بن أبى طالب مسندا وموقوفا عليه، وعن
محمد بن على بن الحسين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعى والثلاثة الأول من أئمة أهل البيت،
وهم أعرف الناس بقضايا رسول الله معرّله وأعلمهم بناسخ الأحكام منسوخها، وإبراهيم أعلم الناس
بقضايا على وابن مسعود وشريح.
قال الشعبي: ما ترك أحدا أعلم منه. وقال الأعمش: لم يكن يفتى بالرأى إلا بالأثر قلت:
وإنما كره أبو حنيفة العقيقة إذا كان القصد مجرد إراقة الدم عن الولد، كما فى الأضحية. ولو كان
لللحم وضيافة العشيرة وإطعام الفقراء لم يكره لكونه كالذبح للوليمة وهو مشروع لكل حادث
سرور، فافهم.

١١٠
باب العقيقة
ج - ١٧
دليل أبى حنيفة على مسألة الباب من النظر:
وبالجملة فإن إراقة الدم بمجردها لم تعهد قربة إلا حيث ورد بها النص لا غير، وإذا
تعارضت النصوص فى كونها مشروعة فى العقيقة أو منسوخة وباليقين، ندرى أنه كان فى الإسلام
إراقات قد نسخت فيما بعد، كالفرع والعتيرة ونحوها، كان الترجيح لما يدل على كونها
منسوخة، لأنها لو كانت مشروعة لكانت مستحبة لا غير، ولو كانت منسوخة كانت بدعة فى
الإسلام، وإذا دار الأمر بين الاستحباب والابتداع والإباحة والخطر ترجح الحاظر على المبيح، وإذا
تعارض المحرم والمبيح وجهل التاريخ يجعل المحرم متأخرا كيلا يلزم النسخ مرتين، ومعنى قوله: محا
ذبح الأضاحى كل ذبح كان قبله، أى محا وجوبه كل ذبح قبله، فلا يرد علينا كون الأضحية،
قد شرعت فى السنة الثانية، وعقيقة الحسن والحسين فى الثالثة، أو الخامسة وسماع أم كرز حديث
العقيقة فى الحديبية فى السنة السادسة، لأنا نقول: كانت الأضحية إذ ذاك مشروعية لا واجبة، ثم
وجبت بعد ذلك عند فرض الحج، فمحا وجوبها كل ذبح كان قبله ولأجل ذلك لم يعق النبى معَّ له
عن ابنه إبراهيم رضى الله عنه بدليل أنه سماه ليلة ولد ولو كان قد عق عنه لسماه فى اليوم السابع.
الجواب عن طعن الموفق فى الإمام أبى حنيفة رحمه الله:
وبذلك كله اندحض قول الموفق فى "المغنى": وجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية، وذلك
لقلة علمه ومعرفة بالأخبار اهـ (١٢٠:١١).
قلت: يا سبحان الله! كيف يقول الموفق ذلك، وإمامه أحمد يقول: أول ما طلبت الحديث
ذهبت إلى أبى يوسف القاضى، ثم طلبت بعد وكتبت عن الناس، ويقول: إذا كان فى المسألة قول
ثلاثة لم يسمع مخالفتهم، فقيل له: من هم؟ قال: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلخ،
كما مر فى "المقدمة".
وهذه المسألة مما اتفق عليه الثلاثة فكيف يسوغ لأصحاب أحمد ردها؟ ومن أين لهم أن
يرموا أبا حنيفة بما رموه، وكيف يكون أبو حنيفة قليل العلم بالأخبار، وقد اطلع على ما لم يطلع
عليه الجمهور من قول إبراهيم ومحمد الحنفية؟ ومما أيده من حديث على مرفوعا وموقوفا، ومن
قول محمد بن على بن الحسين، وليس معنى قول أبى حنيفة أن العقيقة من أمر الجاهلية أنها لم تكن
فى الإسلام قط، وإنما أراد أن أصله من أمر الجاهلية، وقد فعلت فى أول الإسلام ثم نسخ (وجوب)

١١١
باب العقيقة
إعلاء السنن
الأضحى كل ذبح كان قبله. كذا قاله محمد فى "الموطأ" وكيف يكون العالم بالناسخ قليل العلم
بالمنسوخ، ونسأله هل كان إبراهيم النخعى ومحمد بن الحنفية ومحمد بن على الباقر وعلى بن أبى
طالب أمير المؤمنين قليلى العلم والمعرفة بالأخبار، وأنتم أكثر علما بها منهم؟ لا أظن أحدا يجترأ
على القول بذلك، وإلا فما أجدره بأن يعدله البغل، فكيف يكون أبو حنيفة قليل العلم والمعرفة
بالأخبار، وقد قلد هؤلاء الأئمة الأخيار وهم أهل بيت الرسالة معادن العلم والمعرفة والرواية
والدراية، ولا يلزم من ضعف إسناد الدارقطنى لأجل الحارث بن نبهان والمسيب بن شريك
ونحوهما من الرواة النازلة ضعف الحديث عند الإمام، فإنه أجل من جميع هؤلاء أكبر شيخ له
الشعبى وطبقته، فلا يبعد أن يكون حديث على بلغه عن الشعبى بلا واسطة أو بواسطة هو أو ثق
أتقن ممن ضعفه الدار قطنى وغيره، فافهم.
وأيضا فكون العقيقة من أمر الجاهلية مما لا ينكره من له أدنى إلمام بالسنة وبممارسته بالأخبار،
کیف وقد روى أبو داود والنسائى عن بريدة الأسلمی قال: كنا فى الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام،
ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه
بزعفران، قال فى "التلخيص": إسناده صحيح (نيل ٤: ٣٧٠).
- وعن عائشة: كانوا فى الجاهلية يجعلون قطنة فى دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود،
فأمرهم النبى معَّ أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. رواه البيهقى بإسناد صحيح (شرح المهذب
٤٢٨:٨)، وصححه ابن السكن (نيل ص مذكور)، وعن عمرو بن شعيب قال: سئل رسول
الله ◌َّهِ عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق. رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وأحمد
والنسائى، وأما قول الراوى: كأنه كره الاسم، فهو اجتهاد منه، ولو سلم فليكن اسم العقيقة
مكروها. قال ابن عبد البر: كان الواجب بظاهر الحديث أن يقال الذبيحة المولود: نسيكة ولا يقال:
عقيقة. لكنى لا أعلم أحدا من العلماء مال إلى ذلك ولا قال به، وأظنهم تركوا العمل به لما صح
عندهم(١) فى غيره من الأحاديث من لفظ العقيقة اهـ من "التعليق الممجد" عن تنوير الحوالك
للسيوطى (ص٢٨٧)، فما ذا على أبى حنيفة أن كره العقيقة بهذا الحديث، وحمله على أن
(١) قلت: لا يجدى ذلك شيئا ما لم يثبت تأخر تلك الأحاديث عن حديث عمرو بن شعيب هذا، وإلا فالترجيح للحاظر، كما
تقرر فى الأصول، ظ.

١١٢
ج - ١٧
باب العقيقة
النبى معَّ ◌ُّه كان يكرهها وإن لم ينه عنها غيره؟ وبحديث على ومحمد بن الحنفية وبقول الباقر
وإبراهيم النخعى، فليت الموفق سكت عما قاله فى أبى حنيفة الإمام وراعى الأدب مع من أذعنت
لجلالته فى العلم قلوب الأئمة الأعلام، وخضعت لعظمة رقاب الأنام الخاص منهم والعام.
الرد على صاحب "التعليق الممجد":
وأما قول صاحب "التعليق الممجد": إن قول إبراهيم ومحمد بن الحنفية لا يدل على بطلان
مشروعية العقيقة، وغاية ما فيه انتفاء وجوبها أو استحبابها، فهذه كتب الحديث المعتبرة مملوءة من
أحاديث شرعية العقيقة، ونحوها، (ص٢٨٨) ففيه أن المتبادر من قولهما: فلما جاء الإسلام (أى
بوجوب الأضحى) رفضت هو كونها متروكة مهجورة بالمرة، وهو دليل بطلان المشروعية رأسا،
كما قلنا فى العتيرة والفرع أنهما كانا فى أول الإسلام تقريرا لما كانوا يفعلونه فى الجاهلية، ثم نسخ
بقوله عَ ◌ّ: ((لا فرع ولا عتيرة)) متفق عليه، وبطلت شرعيتهما رأسا عند جماهير العلماء
لا وجوبهما أو استحبا بهما فقط، كما روى عن الشافعى (شرح المهذب ٤٤٦:٨).
طريق الجمع بين أحاديث الباب:
وأما الأحاديث التى أشار إليها فلا يخفى أن منها ما هو منسوخ إجماعا، وهو الذى احتج به
الظاهرية على وجوبها، كحديث الحسن عن سمرة مرفرعا: كل غلام مرتهن بعقيقة، تذبح عنه يوم
سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه، رواه الخمسة، وصححه الترمذى، وعن سلمان بن عامر الضبى
مرفوعا: مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى. رواه الجماعة إلا مسلما. وعن
عائشة قالت: أمرنا رسول الله عَ لّه أن نعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتين. والأمر للوجوب.
وهو ظاهر قوله: كل غلام مرتهن بعقيقة. وعن بريدة الأسلمى أن الناس يعرضون على العقيقة يوم
القيامة، كما يعرضون على الصلوات الخمس. رواه ابن حزم فى "المحلى" (٥٢٥:٧) وقال الجمهور
باستحبابها لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: سئل النبى معَّ ◌ُلّه عن العقيقة فقال: ((لا أحب
العقوق من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة).
رواه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذرى والنسائى، وروى محمد فى "الموطأ" عن مالك
عن زيد بن أسلم عن رجل من بنى ضمرة عن أبيه مرفوعا نحوه (ص٢٨٦).
وهذا يدل على نسخ الوجوب إلى الإباحة كما هو ظاهر قوله: من أحب منكم أن ينسك

١١٣
باب العقيقة
إعلاء السنن
عن ولده، ومنها ما يدل على النهى عنها كحديث أبى رافع أن حسن بن على رضى الله عنه لما ولد
أرادت أمه فاطمة رضى الله عنها أن تعق عنه بكبشين، فقال رسول الله معرّ له: ((لا تعقى عنه ولكن
احلقى رأسه)) الحديث. وقد تقدم ولكنه يحتمل اختصاص النهى بفاطمة رضى الله عنها لقول
النبى معَّهِ: أكره العقوق فكره لأهل بيته ما كان يكرهه وإن لم ينه عنه غير أهل بيته لما فى حديث
أم كرز أنها سألت النبى مرّ له يوم الحديبية عن العقيقة فقال: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة.
وهذا كله قبل وجوب الأضحى كل ذبح كان قبله بدليل ما مر عن على مرفوعا وموقوفا وعن أئمة
أهل البيت وإبراهيم النخعى.
تأييد قول الإمام ببعض أقوال التابعين:
ويؤيد ذلك ما روى ابن حزم من طريق وكيع عن الربيع عن الحسن البصرى قال: يعق عن
الغلام ولا يعق عن الجارية، ومن طريق ابن أبى شيبة غن جرير عن المغيرة بن مقسم عن أبى وائل هو
شقيق بن سلمة (التابعى المخضرمى) قال: لا يعق عن الجارية ولا كراهة. ومن طريقه عن سهل بن
يوسف عن عمرو عن محمد ابن سيرين أنه كان لا يرى على الجارية عقيقة اهـ (٥٢٩:١)، وهذه
أسانيد صحاح، فهل لأحد مثل الموفق أن يقول فى الحسن البصرى وابن سيرين وأبى وائل أنهم
أنكروا عقيقة الجارية لقلة علمهم ومعرفتهم بالآثار؟ فما ذا على أبى حنيفة لو أنكر العقيقة عن
الغلام والجارية جميعا لما بلغه عن أئمة أهل البيت الأخيار، وجمع بين الروايات كلها بما ذكرنا لك.
من طريق الجمع والاعتبار.
الرد على ابن حزم:
واندحض بذلك قول ابن حزم: ولم يعرف أبو حنيفة العقيقة فكان ما ذا؟ ليت شعرى إذ
لم يدركها أبو حنيفة ما هذا بنكرة فطالما لم يعرف السنن (٥٢٩:٧) قلت: ليس من سنن الأحكام
شىء غاب عن أبى حنيفة ولكنه قد عرف ما لم تعرفوا وفهم ما لم تفهموا ونال الإيمان من الثريا من
حيث لم تنالوا ولا عيب فيه إلا أنه قال: فأصاب وقالوا: فأخطأوا:
معذبة فى حضرة ومغيب
فدته نفوس الحاسدين فإنها
ويجهد ان یأتی لها بضريب
وفی تعب من يحسد الشمس ضوءها

ج - ١٧
باب العقيقة
١١٤
وجه أخذ الحنفية بقول الجمهور فى هذا الباب:
هذا وإنما أخذ أصحابنا الحنفية فى ذلك بقول الجمهور وقالوا باستحباب العقيقة لما قال ابن
المنذر وغيره: إن الدليل عليه الأخبار الثابتة عن رسول الله عّ لّه وعن الصحابة والتابعين بعده، قالوا:
وهو أمر معمول به فى الحجاز قديما وحديثا. قال: وذكر مالك فى "الموطأ": أنه الأمر الذى
لا اختلاف فيه عندهم قال: وقال يحيى بن سعيد الأنصارى التابعى، أدركت الناس وما يدعون
العقيقة عن الغلام والجارية. وممن كان يرى العقيقة ابن عمر وابن عباس وعائشة وبريدة الأسلمى
والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعطاء والزهرى وآخرون من أهل العلم يكثر عددهم قال:
وانتشر عمل ذلك فى عامة بلدان المسلمين اهـ "شرح المهذب" ملخصا (٤٤٧:٨)، فزعموا أن
الأمر كان مختلفا فيه بين الصحابة والتابعين ثم اتفق جمهور العلماء وعامة المسلمين على استحبابه،
فأخذوا به وأفتو بالاستحباب، ووافقوا الجمهور، وإن كان قول الإمام قويا من حيث الدليل كما
ذكرنا، ولكن خلافه هو القول المنصور والله تعالى أعلم بما فى الصدور. وقال العينى فى "عمدة
القارى": وقال أبو حنيفة: ليست بسنة.
وقال محمد بن الحسن: هى تطوع كان الناس يفعلونها ثم نسخت بالأضحى. ونقل
صاحب "التوضيح" عن أبى حنيفة والكوفيين أنها بدعة وكذلك قال بعضهم فى "شرحه" (أرادبه
الحافظ فى "الفتح" حيث قال): والذى نقل عنه أنها بدعة أبو حنيفة. قلت: هذا افتراء، فلا يجوز
نسبته إلى أبى حنيفة، وحاشاه أن يقول مثل هذا، وإنما قال: ليس بسنة، فمراده إما ليست بسنة
ثابتة، وإما ليست بسنة مؤكدة وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سئل رسول الله عَ ليه
شن العقيقة، فقال: لا أحب العقوق قالوا: يا رسول الله! ينسك أحدنا عمن يولد له، فقال: ((من
أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل)). الحديث يدل على الاستحباب اهـ ملخصا (٧١١:٩).
وعلى هذا فلا يصح إيراد ابن حزم على أبى حنيفة، وكل ما ذكره رد عليه فافهم، وفى
"البدائع" فى (باب اشتراك سبعة فى بدنة الأضحية) ما نصه: ولو أرادوا القربة الأضحية أو غيرها
من القرب أجزاهم، سواء كانت واجبة أو تطوعا، لأن المقصود من الكل التقرب إلى الله تعالى،
وكذلك إن أراد بعضهم العقيقة عن ولد ولد له من قبل، لأن ذلك جهة التقرب إلى الله عز شانه
بالشكر على ما أنعم عليه من الولد. كذا ذكر محمد رحمه الله فى "نوادر الضحايا"، ولم يذكر
الوليمة، وينبغى أن يجوز، لأنها إنما تقامٍ شكرا لله تعالى على نعمة النكاح، وقد وردت السنة بذلك

١١٥
إعلاء السنن
باب أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
٥٥١٤- أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيبانى ثنا إبراهيم بن عبد الله
أنبأنا يزيد بن هارون أنبأنا عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن أم كرز وأبى كرز
قال: نذرت امرأة من آل عبد الرحمن بن أبى بكر إن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرنا
عن رسول الله عَّ ◌ُّه فقال: ((أولم ولو بشاة) فإذا قصد بها الشكر وإقامة السنة فقد أراد بها التقرب
إلى الله عز وجل اهـ (٧٢:٥) ملخصا، وهو صريح فى كون العقيقة قربة كالوليمة، فمن عزى إلى
أبى حنيفة أنه قال: هى بدعة لا يلتفت إليه، نعم أنكر أبو حنيفة كونها إراقة دم بالشرع تعبدا
كالأضحية، ولم ينكر كونها قربة بقصد الشكر على نعمة الولد فإنها تكون إذًا كالوليمة تقام
شكرا لله على نعمة النكاح ، فافهم، ظ.
باب أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
أقول: الحديث نص فى الباب، ويظهر منه أن ذبح غير الشاة فى العقيقة خلاف السنة. وقال
الطبرانى فى "الصغير" (ص٤٥): حدثنا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطى ثنا عبد الملك بن
معروف الخياط الواسطى ثنا مسعدة بن اليسع عن حديث بن السائب عن الحسن عن أنس بن مالك
قال قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من ولد له غلام فليعق عنه عن الإبل أو البقر أو الغنم))، لم يرده عن
حدیث إلا مسعدة تفرد به عبد الملك بن معروف اهـ.
وقال الذهبى فى "الميزان": مسعدة بن اليسع هالك كذبه أبو داود. قال أحمد بن حنبل:
حرقنا كتبه منذ دهر. وقال البخارى: كان أحيانا يكون بمكة. وقال قتيبة: أدركته ولم أسمع منه.
ثم روی له أحادیث منا کیر عن جعفر بن محمد وزاد علیه فی "اللسان": إن من معائبه روايته عن
عمرو بن دينار عن جابر وساق الحديث. ثم قال: وقال محمود بن غيلان: أسقطه أخمد ويحيى بن
معين وأبو خيثمة. وقال ابن أبى خيثمة فى "ترجمة ابن جريج من تاريخه": سئل يحيى بن أيوب
لم ترك حديث مسعدة بن اليسع؟ قال: لأنه روى حديثا أنكروه، قال: حدثنا جعفر بن محمد قال:
رأيت مجنونا الحديث. وقال فى "اللسان" فى ترجمة أبيه اليسع بن قيس الباهلى قال ابن حبان:
يعتبر حديثه من غير رواية ابنه. (مسعدة) فظهر من هذه التنصيصات أنه لو لم يكن فى سنده إلا
مسعدة لكان كافيا فى طرح الرواية، فكيف إذا كان فيه عبد الملك بن معروف الخياط وإبراهيم بن
أحمد بن مروان، فإن عبد الملك لا يعرف من هو؟ وما ذا هو؟ وإبراهيم بن أحمد بن مروان روی

١١٦
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
ج - ١٧
جزورا، فقالت عائشة: لا بل السنة أفضل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة
تقطع جدولا ولا يكسر لها عظم، فيأكل ويطعم ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن
لم يكن ففى أربعة عشر، فإن لم يكن ففى إحدى وعشرين، هذا حديث صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه (مستدرك ٢٣٨:٤)، وأقره الذى عليه فى "التلخيص".
الحاكم عن الدار قطنى أنه قال: ليس بالقوى. كما فى "اللسان".
قال بعض الأحباب: إذا عرفت هذا فاعلم أنه قال ابن حجر فى "الفتح" (٥١٢:٩): واستدل
بذكر الشاة والكبش على أنه يتعين الغنم للعقيقة. وبه ترجم أبو الشيخ الأصبهانى. ونقله ابن المنذر
عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر. وقال البندينجى من الشافعية: لا نص للشافعى فى ذلك.
وعندى أنه لا يجزئ غيرها. والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضا. وفيه حديث عند الطبرانى
وأبى الشيخ عن أنس رفعه: يعق عنه من الإبل والبقر والغنم إلى آخره. فاغتر بعض المعاصرين
بسكوت الحافظ على ذلك. وقال: إن حديث الطبرانى المذكور حديث حسن أو صحيح. لأنه
ذكره ابن حجر فى "الفتح"، وكل ما ذكره فيه فهو حسن أو صحيح، وهذه مغلطة عظيمة، لأن
شرط ابن حجر ليس على الإطلاق، بل إذا كان الحديث مما يتعلق به غرض صحيح فى حديث
البخارى من الفوائد المتينة والإسنادية كما ينادى به عبارة الحافظ، وحديث الطبرانى ليس مما يتعلق
به فوائد حديث البخارى بل ذكره استطرادا وتبعا كما يدل عليه أسلوب بيانه حيث قال: وفيه
حديث عند الطبرانى وأبى الشيخ. ولم يقل: واحتجوا بحديث عند الطبرانى وأبى الشيخ، ولو قال
ذلك أيضا كان استطرادا، لأنه ليس متعلقا بفوائد حديث البخارى، ولو سلم الاشتراط على
الإطلاق فهو أكثرى لا كلى، لأنك قد عرفت أن الحديث ساقط، ولا يظن بابن حجر أن يحسن،
أو يصحح مثل هذا الحديث، فاحفظ هذا التحقيق، فإنه نافع جدا. وإذا عرفت ذلك فالحجة
للجمهور هو القياس على الأضحية لا ذلك الحديث الساقط. ولا يعارضه حديث عائشة، لأنه يدل
:على كون ذبح الإبل والبقر خلاف السنة ولا ينفى الجواز، والقياس إنما يدل على الجواز لا على
السنة، فافهم، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: إن الحافظ قد عزى الحديث إلى الطيرانى وأبى الشيخ، وبعض الأحباب
يُحكم بضعفه لأجل سند الطبرانى فقط، قبل أن يراجع سند أبى الشيخ، فلا يبعد أن يكون سالما،
وقد روى الطبرانى عن قتادة أن أنس بن مالك كان يعق عن بنيه بالجزور، ورجاله رجال الصحيح
(مجمع ٥٧:٤ و ٥٩).

١١٧٠
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
إعلاء السنن
وفيه دليل على أن ما رواه مسعدة عن حريث عن الحسن عن أنس مرفوعا ليس مما لا أصل
له. وأيضا فقول رسول الله عَّله: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) رواه أبو داود
والنسائى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومالك وأحمد من طريق زيد بن أسلم عن
رجل من بنى ضمرة عن أبيه كما تقدم. وعن أم سلمة رضى الله عنها عن النبى عرّهم فى العقيقة
قال: ((من ولد له فأحب أن ينسك عنه فليفعل)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" وفيه إسماعيل بن
مسلم المکلی، وهو ضعيف. (مجمع ٥٧:٤).
قلت: هو مختلف فیه حسن الحدیث. وفیه أنه ماګآ سماه نسیکة ونسکا، وهو يعم الإبل
والبقر والغنم إجماعا. وفيه دليل لقول الجمهور: لا يجزئ فى العقيقة إلا ما يجزئ فى الأضحية،
فلا يجزئ فيه ما دون الجذعة من الضأن ودون الثنية من المعز ولا يجزئ فيه إلا السليم من العيوب،
لأنه مَّ سماه نسكا، فلا يجزئ فيه إلا ما يجزئ فى النسك، وبهذا ظهر بطلان قول ابن حزم:
ويجزئ المعيب سواء كان مما يجوز فى الأضاحى، أو لا يجوز فيها والسالم أفضل إلخ (٥٢٣:٧).
والكلام إنما هو فى الإجزاء، وأما الأفضلية فلا شك أنها فى الغنم لحديث عائشة المذكور فى
المتن، ولما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى يوسف بن مالك أنه دخل على حفصة
بنت عبد الرحمن بن أبى بكر وقد ولدت للمنذر بن الزبير غلاما، فقلت لها: هلا عققت جزورا
على ابنك؟ قال: معاذ الله! كانت عمتى عائشة تقول: على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة. كما
فى "المحلى" (٥٤٥:٧)، واستدلال ابن حزم به على بطلان العقيقة بغير الغنم ليس بناهض، فإن
غاية ما فيه كون الشاة فيها أفضل والله تعالى أعلم. ومذهب الشافعية أن الأفضل فيها البدنة، ثم
البقرة، ثم الجذعة من الضأن، ثم ثنية المعز، كما فى الأضحية، وفى وجه لهم: الغنم أفضل من الإبل
والبقر (شرح المهذب ٤٣٠:٨).
قلت: وينبغى أن يكون الأفضل فى الغلام الكبش لما ورد فى عقيقة الحسن والحسين رضى
الله عنهما، والشاة يعم الذكر والأنثى جميعا (لا سيما وفى حديث أم كرز) لا يضركم ذکرانا
كن، أو إناثا. وفى قوله: ((من ولد له غلام فليعق عنه من الإبل أو البقر أو الغنم)). دليل على جواز
العقيقة ببقرة كاملة أو ببدنة كذلك، ونص أحمد على اشتراط كاملة، كما فى "فتح البارى"
(٥١٢:٩)، وذكر الرافعى بحثا أنها تتأدى بالسبع، كما فى الأضحية وسيأتى، وبالجملة فهى
كالأضحية فى أكثر الأحكام عندهم، فيجوز الزيادة على الشاتين فى الذكر، وعلى شاة فى الأثنى،

ج - ١٧
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
١١٨
ويستحب أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فخصوص عدد الأنثيين والواحد ليس بمراد، ظ.
فائدة: فى حديث عائشة الذى أودعناه فى المتن دلالة على استحباب أن لا يكسر للعقيقة
عظم وأنه يستحب الأكل منها والإطعام والتصدق كما فى الأضحية، فما اشتهر على ألسنة العوام
أن أصول المولود لا يأكلون منها لا أصل له، وسيأتى له مزيد بسط، إن شاء الله تعالى، وفيه وأنها لا
تفوت بالتأخير عن اليوم السابع، وبه قال الجمهور، وقال مالك: تفوت (شرح المهذب ٤٤٨:٨).
وفى الحديث المذكور أيضا أنها إن لم تذبح فى السابع ذبحت فى الرابع عشر، وإلا ففى
الحادى والعشرين ثم هكذا فى الأسابيع، وفيه وجه للشافعية أنه إذا تكررت السبعة ثلاث مرات
فات وقت الاختيار، قال الرافعى: فإن أخر حتى بلغ سقط حكمها فى حق غير المولود. وهو مخير
فى العقيقة عن نفسه. قال: واستحسن القفال والشاشى أن يفعلها للحديث المروى أن النبى عرّ له
عق عن نفسه بعد النبوة. رواه البيهقى بإسناده عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس به، وهذا
حديث باطل. قال البيهقى: هو حديث منكر. قال عبد الرزاق: إنما تركوا عبد الله بن محرر بسبب
هذا الحدیث. وقد روى هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة ومن وجه آخر عن أنس، وليس
بشىء، فهو حديث باطل، وعبد الله محرر ضعيف متفق على ضعفه. قال الحافظ: هو متروك والله
أعلم اهـ "من شرح المهذب" (٤٣٢:٨) قلت: رواه البزار(١) والطبرانى فى "الأوسط" ورجال
الطبرانى رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل وهو ثقة. وشيخ الطبرانى أحمد بن مسعود الخياط
وليس فى "الميزان"، كذا فى "مجمع الزوائد" (٥٩:٤).
وفيه أيضا عن بريدة أن النبى مرّة قال: العقيقة لسبع أو أربع عشرة أو إحدى وعشرين.
رواه الطبرانى فى "الصغير" و"الأوسط" وفيه إسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف اهـ.
قلت: هو مختلف فيه وله شاهد من حديث عائشة، فيصلح دليلا لفوات وقت الاختيار بعد
الحادى والعشرين. ونقل الرافعى أنه يستحب أن يعطى القابلة رجل العقيقة. وفى سنن البيهقى عن
على رضى الله عنه أن رسول الله عَّ الله أمر فاطمة فقال: ((زنى شعر الحسين وتصدقى بوزنه فضة،
(١) قال الحافظ فى "الفتح": ورواه المستملى عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر قالا: حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس
وداود ضعيف لكن الهيثم ثقة. وعبد الله من رجال البخارى فالحديث قوى الإسناد، ولو لا ما فى عبد الله بن المثنى من المقال
لكان هذا الحديث صحيحا. وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث فى الأحاديث المختارة مما ليس فى
"الصحیحن" اهـ (٥١٤:٩) ظ.

١١٩
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
إعلاء السنن
واعطى القابلة رجل العقيقة)). وروى موقوفا على على رضى الله عنه. (قلت: صححه الحاكم
وتعقبه الذهبى. ورواه أبو داود فى المراسيل كما مر، وبالجملة فهو مما لا بأس به فى الفضائل، وهل
يحسب يوم الولادة من السبعة فيه وجهان للشافعية أصحهما يحسب فيذبح فى السادس مما بعده،
وهو ظاهر الأحاديث، فإن ولد فى الليل حسب اليوم الذى يلى تلك الليلة بلا خلاف فلو ذبحها
بعد السابع أو قبله وبعد الولادة أجزاه، وإن ذبحها قبل الولادة لم تجزه بلا خلاف بل تكون شاة
لحم، ويكره أن يلطخ رأس المولود بدم العقيقة ولا بأس بلطخه بخلوق أو زعفران (بل أولى لحديث
بريدة، وقد تقدم، وسيأتى بسط الكلام فيه) ، ويستحب حلق رأس المولود يوم سابعه، وهل يقدم
الحلق على الذبح؟ وجهان: أصحهما وبه قطع صاحب "المهذب" والبغوى والجرجانى وغيرهم:
يستحب كون الحلق بعد الذبح. وفى الحديث إشارة إليه وسيأتى بيانها، ويستحب أن يتصدق
بوزن شعره ذهبا، فإن لم يفعل ففضة سواء فيه الذكر والأنثى. قال شارح "المهذب": واعلم أن
هذا الحديث (الذى فيه أمره عَ لّم فاطمة بنته بوزن شعر الحسن والحسين وأن تتصدق بوزنه فضة)
روى من طرق كثيرة ذكرها البيهقى، كلها متفقة على التصدق بزنة فضة ليس فى شىء منها ذكر
الذهب، بخلاف ما قاله أصحابنا والله أعلم (٤٣٣:٨).
قلت: فيه حديث عن ابن عباس قال: سبعة من السنة فى الصبى يوم السابع يسمى ويختن(١)
ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقة ويتصدق بوزن شعره فى
رأسه ذهبا أو فضة. رواه الطبرانى فى "الأوسط" ورجاله ثقات "مجمع الزوائد" (٥٩:٤) ويكره
القزع وهو حلق بعض الرأس للحديث الصحيح عن ابن عمر مرفوعا: نهى عن القزع فى الرأس
متفق عليه، ويستحب أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، فإن عق عن الغلام شاة حصل
أصل السنة (لأن ابن عمر كان يعق عن بنيه شاة شاة رواه مالك فى الموطأ وكذا محمد من طريق
عن نافع عنه) ولو ولد له ولدان فذبح عنهما شاة لم تحصل العقيقة ولو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة
أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز سواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم
(١) روى أبو حفص فى "فوائده" والديلمى عن على: ((اختنوا أولادكم يوم السابع، فإنه أطهر وأسرع نباتا للحم وأروح للقلب)»
"كنز العمال" (٢٧٣:٨) وقدر فقهاءنا مبدأه بالسنة السابعة ومنتهاه باثنى عشر عاما ولكن الحديث يرد قولهم فى المبدأ والله
أعلم وروى الطيرانى فى "الصغير" عن جابر أن رسول الله عرّ له عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام، وفيه محمد بن
أبى الرى وثقه ابن حبان وغيره، وفيه لين (مجمع الزوائد ٥٩:٤).

١٢٠
أفضلية ذبح الشاة فى العقيقة
ج - ١٧
كما فى الأضحية (شرح المهذب ٢٩:٨).
قلت: مذهبنا فى الأضحية بطلانها بإرادة بعض اللحم فليكن كذلك فى العقيقة. وأما على
قول أئمتنا فلا بأس به لأنهم لا يرونها كالأضحية. ويستحب أن يسمى الله ويذكره عند ذبح
العقيقة ثم يقول: اللهم لك وإليك عقيقة فلان لحديث عائشة أن النبى عّ لّه عق عن الحسن والحسين
وقال: قولوا بسم الله والله أ کبر اللهم لك وإلیك. هذه عقیقة فلان. رواه البیہقی پاسناد حسن.
وقال جمهور أصحاب الشافعى باستحباب أن لا يتصدق بلحمها نيا بل يطبخه والتصدق
بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعاء إليها، ولو دعا إليها قوما جاز، ولو
فرق بعضها ودعا ناسا إلى بعضها جاز، ويستحب أن يأكل منها ويتصدق ويهدى، كما فى
الأضحية اهـ (٤٣٠:٨).
فائدة: العقيقة مشتقة من العق وهو القطع. قال الأزهرى فى "التهذيب": قال أبو عبيد:
قال الأصمعى وغيره: العقيقة أصلها الشعر الذى يكون على رأس الولد حين يولد وإنما سميت
الشاة التى تذبح عنه فى ذلك الوقت عقيقة، لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح، ولهذا قال فى
الحديث: أميطوا عنه الأذى، ويعنى بالأذى ذلك الشعر الذى يحلق عنه. قال: وهذا من تسمية
الشىء باسم ما كان معه أو من سببه اهـ من "شرح المهذب" (٣٢٧:٨).
فائدة: قال النووى فى "شرح المهذب": وأما حديث أم كرز (فى العقيقة) فصحيح رواه
أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: هو حديث صحيح. هكذا قاله. وفى
إسناده عبيد الله بن يزيد وقد ضعفه الأكثرون فلعله اعتضد عنده فصححه، وقد صح هذا المتن من
رواية عائشة. رواه الترمذى وغيره وقال الترمذى: حديث حسن صحيح اهـ (٤٢٨:٨).
فائدة: قال الموفق فى "المغني": ويكره أن يلطخ رأسه بدم كره ذلك أحمد، والزهرى،
ومالك، والشافعى وابن المنذر، وحكى عن الجسن وقتادة أنه مستحب لما روى فى حديث سمرة
عن النبى عّ لّه قال: ((الغلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم السابع ويدمى)) رواه همام عن قتادة عن
الحسن عن سمرة قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم
وكرهوه لقوله معَّ له: ((أميطوا عنه الأذى)) (قلت: هو محمول عندهما على إماطة الشعر وحلقه،
كما قاله أبو عبيد وغيره)، وروى يزيد بن عبد المزنى عن أبيه أن النبى عّ لّه قال: يعق عن الغلام،
ولا يمس رأسه بدم.