النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الذبح وآلته
إعلاء السنن
٥٤٨٤- وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال:
اذبح بكل شىء أفرى الأوداج، وأنهر الدم ما خلا السن والعظم والظفر، فإنها مدى
الحبشة، وقال: به نأخذ، وهو قول أبى حنيفة (كتاب الآثار ص١١٥).
٥٤٨٥- وعن عدى بن حاتم قال: "قلت: يا رسول الله! أرأيت أحدنا يصيب
صيدًا وليس معه سكين أ يذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: أمرر الدم بما شئت، واذكر
اسم الله"، أخرجه أبو داود، وسكت عنه.
هذا الكلام كان فى الذبح، وأما آلته فكل ما يقطع الأدواج حتى الظفر المنزوع، والسن
المقلوع إلا أنه يكره الذبح بهما، أما السن فلأنه عظم، وقد نهينا عن تنجيس العظام، لأنها زاد
إخواننا الجن، وأما السن فلأنه مدى الحبشة، وأما السن غير المقلوع، والظفر غير المنزوع، فلا يجوز
الذبح بهما، لأنه خنق، وليس بذبح، حتى لو أمر الظفر والسن القائمين على وجه لا يتحقق الخنق،
بل يحصل القطع فقط يجوز، إلا أنه يكره لما فيه من من تنجيس العظم، والفم، واستعمال مدى
الحبشة، وزيادة إيلام الحيوان.
قال فى "بذل المجهود" (٧٩:٤) نقلا عن "البدائع": أما الآلة التى تفسخ، فالظفر القائم،
والسن القائم، ولا يجوز الذبح بهما بالإجماع، ولو ذبح بهما كان ميتة للخبر الذى روينا، ولأن
الظفر والسن إذا لم یکن منفصلا فالذابح یعتمد على الذبح فیخنق فینفسخ، فلا يحل أکله حتی
قالوا: لو أخذ غيره يده، فأمر يده كما أمر السكين، وهو ساكت يجوز، ويحل أكله اهـ.
أقول: إمرار الغير يده ليس بشرط، فلو أمر هو نفسه يده كإمرار السكين بدون الاعتماد على
الذبح يجوز، ويحل أكله لاشتراك العلة.
قال بعض الأحباب: وعلى هذا التفصيل لا حاجة إلى تقييد الظفر، والسن بالقائمين فى
الحديث، لأنه إن حصل بالذبح بالظفر، والسن خنق، فالقائم وغيره سواء فى عدم الحل، وإن
لم يحصل بها خنق فالقائم وغيره سواء فى كراهة الفعل، وحل الذبيحة، والظاهر حمله على السن
المقلوع، والسن المنزوع، لأن تعليل استثناء السن بكونه عظمًا ظاهر فيه، لأنا نهينا عن تنجيس
العظم المنفصل لا المتصل، لأن المنفصل هو زاد الجن لا المتصل.
قال العبد الضعيف: فهل يجوز لك تنجيس فمك ولا يحرم عليك إلا بتنجيس زاد الجن؟
قال: وكذا تعليل استثناء الظفر بكونه مدى الحبشة يدل عليه، لأن المدية شىء منفصل، فتشبه الظفر
المنزوع بها أتم بخلاف القائم.

٨٢
ج - ١٧
الذبح وآلته
٥٤٨٦- وعن عباية بن رفاعة بن رافع عن جده رافع بن خديج عن النبى عد كليه
قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك،
أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة، رواه الشيخان.
قلت: هكذا رواه أكثر أصحاب سعيد بن مسروق عنه عن عباية ورواه أبو
الأحوص عن سعيد عند أبى داود وغيره، وحسان بن إبراهيم الكرمانى عن سعيد عند
البيهقى، وليث بن أبى سليم عن أبى سليم عن سعيد عند الطبرانى، ومبارك بن سعيد
عن سعيد عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده بزيادة أبيه، ولكن مبارك بن سعيد رواه
أيضًا مثل رواية الأكثر بحذف قوله: عن أبيه، أخرجه الطبرانى، ولا يعلم من أخرج
رواية مبارك بن سعيد بزيادة قوله: عن أبيه إلا أن الدار قطنى ذكره فى "العلل"، ومعلوم
أنه لا يقول جزافا.
وأما أبو الأحوص فاختلف عليه أيضًا: فروى أبو على بن السكن عن القريرى عن
شيخه البخارى عن مسدد عن أبى الأحوص مثل رواية الأكثر، وخالفه الأكثر من رواة
صحيح البخارى وغيرهم كأبى داود وابن أبى شيبة، فرووه عنه عن سعيد عن عباية عن
أبيه ليث وحسان فلم يختلف عليهما، كذا فى "التنقيح" (٥٣٩:٩) ملخصًا.
قال العبد الضعيف: وفيه أن الحبشة لم يكونوا يذبحون بالظفر المنفصل كما لا يخفى على
من له معرفة بعوائد الناس، وإنما كانوا يذبحون بالمتصل، وهذا هو القرينة لحمل الفقهاء السن
والظفر على القائميمن دون المنزوعين، قال: ولو كان المراد السن والظفر القائمين كان التعليل
بالختق أولى، لأنه أظهر فيهما، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: حرمة الخنق كانت معلومة لهم بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿والمنخنقة
والموقوذة﴾ الآية، فلم يكونوا لينخنقوا، فأرشدهم النبى عّ لّ إلى علة توجد فى الذبح، وبالظفر
والسن مطلقًا، وهو كون الأول مدى الحبشة، والثانى عظم الإنسان، وليس بآلة جارحة غالبًا مع ما
ورد من التعليل بالخنق أيضًا، فقد روى الطحاوى فى "معانى الآثار": حدثنا سليمان بن شعيب ثنا
الخصيب بن ناصح ثنا أبو الأشعث عن أبى رجاء العطاردى قال: خرجنا حجاجا فصاد رجل من
القوم أرنبًا، فذبحها بظفره فشواها، فأكلوها ولم آكل معهم، فلما قدمنا المدينة، سألت ابن
عباس رضى الله عنهما فقال: لعلك أكلت معهم؟ فقلت: لا، قال: أصبت إنما قتلها خنقًا،

٨٣
الذبح وآلته
إعلاء السنن
والظاهر أن هؤلاء الرواة الأربعة وهم: أبو الأحوص وحسان وليث ومبارك لا
يجتمعون على الخطأ، فالظاهر أن سعيد بن مسروق كان يرويه من وجهين عن أبيه عن
جده وعن جده ويترك ذكر أبيه تدليسًا، أو يكون الرواية عنده عنهما جيمعًا، فإن
الترمذى صحح سماعه من جده، وحينئذ لا يكون الحديث من شرط الصحيحين
لاحتمال أن يكون عباية لم يسمعه من جده بلا واسطة، بل رواه عنه بواسطة أبيه وتركه
تدليسًا، وأبوه ليس من رجال الصحيحين ولم يذكره أصحاب الرجال فى كتبهم بجرح
ولا تعديل، بل ذكره ابن حبان فى "الثقات" فقط.
قال الطحاوى: أ فلا ترى أن ابن عباس رضى الله عنهما قد بين فى حديثه المعنى الذى به حرم أكل
ما ذبح بالظفر أنه الخنق، لأن ما ذبح به، فإنما ذبح بكف لا بغيرها فهو مخنوق، فدل ذلك أن ما
نهى عنه من الذبح بالظفر، هو الظفر المركب فى الكف، لا الظفر المنزوع، وكذلك ما نهى مع
ذلك من الذبح بالسن فإنما هو على السن المركبة فى الفم، لأن ذلك يكون عضًا، فأما السن المنزوعة
فلا، وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى (٣٠٦:٢).
وأورد عليه ابن حزم بوجهين: أحدهما: أنه لا حجة فى أحد دون رسول الله مَّ ◌ُله، وهى
كلمة حق أريد بها الباطل، فإن قول الصحابى يفسر معنى الحديث، وهو أعرف منا بمعناه، والثانى:
أنه حجة عليهم، وخلاف قولهم، لأن ابن عباس لم يشترط منزوعًا من غير منزوع.
والجواب أن التعليل بالخنق يغنى عن الاشتراط، فإذا وجد الخنق حرم، وإذا لم يوجد فالظفر
والسن كغيره من آلات الذبح، إلا أن الذبح بهما مكروه للوجه الذى ورد به النص، وهو كون
الظفر مدى الحبشة، والتشبه بالكفار منهى عنه، والسن عظم الإنسان لا ينبغى تنجیسه.
ولا يخفى أن هذه علة تتعلق بمعنى هو خارج عن حقيقة الذبح، فلا تفيد غير الكراهة،
ولا تقتضى تحريم المذبوح، فعلة التحريم هى ما أشار إليه ابن عباس رضى الله عنهما، وبذلك كله
اندحض قوله، وخالف الحنفيون والمالكيون هذه السنة بآرائهم، ثم يأتون إلى ما جعله النبى معَّ له
سببًا للتحريم بقوله: فإنه عظم وإنه مدى الحبشة، ولا يعللون بهما، بل يجعلونه لغواً من الكلام
(حاشاهم من ذلك، فقد كرهوا الذبح بهما مطلقًا منزوعين وغير منزوعين لهذا الحديث)، قال:
ويخرجون من أنفسهم علة كاذبة سخيفة، وهى الخنق اهـ (٤٥٢:٧). قلت: لم يخرجوها من
أنفسهم، بل لهم سلف فى ذلك من قول ابن عباس، ولكن أهل الظاهر لا يفقهون، ويفسرون
الأحاديث بآرائهم، ويخطئون، ويهتكون حرمة الصحابة، ولا يشعرون.

٨٤
ج - ١٧
الذبح وآلته
وذكر فى بعض نسخ أبى داود: قال رافع قبل قوله: سأحدثك عن هذا، واعتمد
عليه ابن القطان، وأنكره عليه ابن حجر فى "الفتح" (٥٨٠:٩)، وقال: ليس فى شىء
من نسخ أبى داود زيادة قوله: قال رافع، وهذا من قبيل قضاء من لم يعلم علی من یعلم،
فإن ابن حجر لم يحط بجميع نسخها حتى يصح إنكاره، وذكر هذه النسخة صاحب
"بذل المجهود" وغيره، فاحفظ، والله أعلم.
٥٤٨٧- وقال ابن جريج عن عطاء: لا ذبح ولا نحر إلا فى المذبح والمنحر والذبح
قطع الأوداج (بخاری).
فائدة: قال ابن حزم: وإكمال الذبح هو أن يقطع الودجان والحلقوم والمرئ، وهذا مما
لا خلاف فيه من أحد، قلت: أما قطع الودجين فلما ذكرنا فى المتن من قول رسول الله عَ له: (( كل
ما أفرى الأوداج))، فإنه روى من طريق يشد بعضها بعضًا، ولا شك أنهما ودجان، فأما أن يكون
الجمع قد أطلق على الاثنين، أو على الثلاثة بإلحاق واحد من الحلقوم والمرئ بهما، ولا بد من قطع
واحد من الحلقوم والمرئ لما روینا من طریق و کیع نا هشام الدستوائی عن یحیی بن أبی کثیر عن
المعرور عن أبى الفرافصة عن أبيه أنه شهد عمر بن الخطاب أمر مناديًا فنادى: ألا إن الذكاة فى
الحلق واللبة، وأقروا الأنفس حتى تزهق (المحلى ٤٤٤:٧)، وهذا بمنزلة إجماع الصحابة حيث
لم ينكر النداء أحد منهم، ولا يكون الذكاة فى الحلق أو اللبة إلا بقطع واحد من الحلقوم والمرئ،
ولا بد كما لا يخفى.
ولذا قال أبو حنيفة: إذا قطع الثلاث من الأربعة أى ثلاث كان يحل أكله، وإن كان مقتضى
الأمر وجوب قطع الودجين، لأن الأوداج جمع دخل عليه الألف واللام، فيحمل على الاستغراق،
فيجب قطع الودجين كليهما، ويجب قطع واحد من الحلقوم والمرئ بقول الصحابة: "إن الذكاة
فى الحلق واللبة"، ولكن المراد بالأوداج العروق التى تقطع بالذبح، وهى الأربعة المعلومة، وهى
ليست من أفراد الودج حقيقة، لأن هذا الجمع من باب التغليب، فلا يكون الودجان بأعيانهما
مرادًا، وأقل اسم الجمع ثلاث، فيتناول كل ثلاثة منها سواء كانت مع الودجين أو مع واحد منهما،
فلا يجوز الاكتفاء بالودجين، ولا بالحلقوم والمرئ، بل لا بد مع قطع ثلاثة من الأوداج، هذا
محصل ما ذكره شارحو "الهداية".
وبهذا اندحض قول ابن حزم، فإن قطع بعض هذا الآراب المذكورة، فأسرع الموت، كما

٨٥
إعلاء السنن
باب كراهة الذبح رياء وسمعة
٥٤٨٨- عن ابن عباس قال: نهى رسول الله عَ له عن معاقرة الأعراب، أخرجه
أبو داود، وقال: وقفه غندر على ابن عباس.
يسرع من قطع جميعها حل أكلها، وأما قول أبى حنيفة: فإنه راعى الأكثر فى القطع، فهو قول
بلا برهان أصلا، لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة، ولا من قياس، ولا من قول
صاحب اهـ (٤٣٩:٧).
قلت: يا سبحان الله! وهل لقولك بجواز الاكتفاء بقطع البعض مطلقا من برهان؟ وقد صح
تحريم الحيوان حيًاً حتى يذكى، وقطع هذه الأربعة كلها ذكاة صحيحة مجتمع على تحليل ما ذكى
كذلك، وهما كان دون ذلك كان مختلفًا فيه، فلا يخرج من تحريم إلى تحليل إلا بإجماع، أو نص
صحيح، وقد ورد النص بأن الذكاة فى الحلق، وورد الأمر بفرى الأوداج، وهو اسم جمع أقله
ثلاث، فمن أين لأحد أن يقول بالاكتفاء باثنين أو بواحد؟ فهل هذا هو القول بلا برهان أو قول أبى
حينفة الموافق للنص، فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون.
وأما احتجاجه على ذلك بحديث رافع بن خديج قلت: يا رسول الله عَّ ◌ُّه! إنا لاقوا العدو
غدًّا، وليس معنا مدى، فقال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل)) الحديث، فساقط بالمرة لأنه
قد ورد فى آلة الذبح دون محله، وإلا لزم حل ما أنهر دمه بالطعن فى الجوف، أو بقطع اليد
والرجل، ولا يجوز ذلك فى الذكاة الاختيارية إجماعًا.
باب كراهة الذبح رياء وسمعة
أقول: معاقرة الأعراب: هو أنه كان رجلان يتباريان فى العقر فيعقر هذا إبلا، وهذا إبلا،
حتی یعجز أحدهما الآخر، ولما كان هذا ریاء وسمعة، وتفاخرًا وتكبرًا، نهى عنه رسول الله عّلّه
إلا أنه لا يحرم الذبائح لوجود شرائط الحل، وقد وقع فى بذل المجهود ما يوهم الحرمة حيث قال:
و كذا كل طعام صنع رياء وسمعة، وكذا ما ذبح لقدوم الأمیر تقربًا إلیه لا يجوز أكله اه، وليس
بصحيح لأن القربان للأمیر کفر فیکون الذبيحة ذبيحة الكافر فلا يحل بخلاف ما ذبح رياء
وسمعة؛ لأن الرياء ليس بكفر فافترقا، وشرط الحل هو الذبح على اسم الله لا لوجه الله لأنه قد
كون الذبح للأكل وغيره من الأغراض المباحة مع أنه ليس لوجه فلا ينعدم الحل بانعدامه.
قال العبد الضعيف: روى ابن حزم فى "المحلى" من طريق سعيد بن منصور نا ربعى بن عبد

٨٦
کرامة الذبح رياء وسمعة
ج - ١٧
الله بن الجارود قال: سمعت الجارود بن أبى سبرة يقول: كان رجل من بنى رياح يقال له: أين وثيل
هو سحيم، قال: وكان شاعرًا، نافر غالبًا أبا الفرزدق الشاعر بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا
مائة من إبله، وهذا إذا وردت، فلما وردت الإبل الماء قاما إليها بالسيوف فجعلا يكسعان عراقيبها،
فخرج الناس على الحمرات يريدون اللحم، وعلى بالكوفة، فخرج على بغلة رسول الله عَ لّه وهو
ينادى: أيها الناس! لا تأكلوا من لحومها فإنها مما أهل بها لغير الله عز وجل، وعن عكرمة: لا تؤكل
ذبيحة ذبحها الشعراء فخرًاً ورياء، ولا ما ذبحه الأعراب على قبورهم، ولا يعلم لعلى رضى الله عنه
فى هذا مخالف من الصحابة رضى الله عنهم اهـ (٤١٧:٧).
وأما قول بعض الأحباب: وشرط الحل هو الذبح على اسم الله لا لوجه الله إلخ ففيه أنه
يشترط أن لا يكون لتعظيم غير الله، والذى كان يذبحه الشعراء منافرة كانوا يذبحونه لتعظيم
أنفسهم أو عشيرتهم، فهو مما أهل به لغير الله كما قاله على رضى الله عنه، ولم يكونوا يريدون به
اللحم، بل إراقة الدم فقط، وقد صرح الفقهاء بأن إراقة الدم لم تعهد قربة إلا فى الهدى والأضحية،
وفى العقيقة على الخلاف، فلا يجوز الذبح للإراقة وحدها فى غير ذلك، وإذا اجتمع بها قصد
تعظيم غير الله صار المذبوح ميتة، كما ذبح لقدوم الأمير، وقصد الإراقة فقط، ولو ذبح لقدومه
ليأكل الأمير منه لم يحرم، وكان كالذبح للضعيف، كما فى "الشامية" (٢٠٣:٥).
وبالجملة: فقد اشتبه على بعض الأحباب معاقرة الأعراب بما يفعله الأمراء والأغنياء فى
الولائم من إكثار الذبح ليقال: إن فلانا ذبح فى وليمة ابنه كذا وكذا من البقر والغنم، وليس هذا
من معاقرة الأعراب فى شىء، وإنما هو الذبح بقصد اللحم اجتمع به الرياء والسمعة أيضًا،
وأما معاقرة الأعراب، فلا تكون بقصد اللحم، ولا للتصدق به، وإنما يراد بها إراقة الدم فقط تعظيمًا
لشأن الذابح، أو لشأن من كانوا يعاقرون على قبره، وهو مما أهل به لغير الله، كما فى "بذل
المجهود"، وأيده أثر على رضى الله عنه، فافهم.
وفى "شرح المهذب" عن ابن عباس قال: نهى رسول الله عَّه عن معاقرة الأعراب، رواه
أبو داود بإسناد حسن، وعن أنس رضى الله عنه أن النبى معَّه قال: ((لا عقر فى الإسلام))، رواه
البيهقى بإسناد صحيح.
قال الخطابى وغيره: معاقرة الأعراب أن يتبارى رجلان كل واحد منهما يفاخر صاحبه
فيعقر كل واحد عددًا من إبله، فأيهما كان عقره أكثر كان غالبًا، فكره النبى معَّ لحمها لأنها مما

٨٧
إعلاء السنن
باب ذبيحة أهل الكتاب
٥٤٨٩- عن عبد الله بن مغفل قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجرا
فيه شحم، فنزوت لأخذه، فالتفت فإذا النبى عَّ لآله فاستحييت منه، رواه البخارى.
أهل به لغير الله اهـ (٨: ٤٤٦)، والكراهة للتحريم بقرينة التعليل، فصاحب بذل المجهود ليس بمنفرد
بما قال له سلف فى ذلك من على رضى الله عنه، ومن الخطابى غيره من العلماء، وإلى كونه مما أهل
به لغير الله ذهبت الشافعية وقواعدنا لا تأباه فهو الحق، نعم قول صاحب البذل: وكذا كل طعام
صنع رياء ومفاخرة، لا يجوز أكله اهـ، فى محل النظر فإنه ليس مما أهل به لغير الله، فإن الطعام
لا يصنع إلا للإطعام، وليس ذلك من الإهلال لغير الله فى شىء لكونه مخصوصًا بالذبح، نعم يكره
أكله لما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبى معَّ ◌ُّ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل (٣٤٧:٤)،
فهذا غير معاقرة الأعراب، لأنها تكون فى الذبح، وهذا فى الطعام والإطعام، فافهم.
باب ذبيحة أهل الكتاب
أقول: دل حديث عبد الله بن مغفل على حل الانتفاع بشحوم أهل الكتاب، وحل الانتفاع
بها يدل على حل أكلها، وحل أكلها يدل على حل ذبيحتهم، وكذا حديث على يدل على حل
ذبائحهم، وإنما أفتى بكراهة أكل ذبائح نصارى بنى تغلب تورعًا لتركهم دينهم عملا، وعلى هذا
يحمل ما روى الليث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إن صح الرواية للجمع من الأدلة، وقال
الشافعى على ما رواه ابن جرير عن الربيع عنه (تفسير ابن جرير، ٦٥:٦): لا يجوز ذبيحة من تدين
بدين النصارى من غير بنى إسرائيل، لأن الله تعالى قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾، وهم لم
يؤتوا الكتاب، لأن الذين أوتوا الكتاب، هم بنو إسرائيل، وهل هى إلا حجة داحضة؛ لأنه إن كان
معنى إيتاء الكتاب تكليفهم بالعمل بها فالذين ولدوا بعد نسخ الكتاب من بنى إسرائيل لم يكلفوا
بالعمل به، فينبغى أن يحرم ذبيحتهم، وإن كان معناه اعتقاد حقيقة الكتاب، فغير بنى إسرائيل من
اليهود والنصارى كذلك، فينبغى أن يحل ذبيحتهم، ولا معنى للقول بالحرمة. قال العبد الضعيف:
وقد مر شىء يتعلق بهذا الباب فى كتاب السير فى باب الجزية، فليراجع. وفى "المغنى" لابن
قدامة: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب
حل لكم﴾ - يعنى ذبائحهم-، قال البخارى: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم.
وكذلك قال مجاهد، وقتادة، وروى معناه عن ابن مسعود، وأكثر أهل العلم يُرُون إباحة

٨٨
ذبيحة أهل الكتاب
ج - ١٧
٥٤٩٠- عن على قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بنى تغلب، فإنهم لم يتمسكوا
من دينهم إلا بشرب الخمر، أخرجه عبد الرزاق والشافعى بأسانيد صحيحة (فتح
البارى ٥٤٩:٨).
صيدهم أيضًا، قال ذلك عطاء، والليث، والشافعى، وأصحاب الرأى، ولا نعلم أحدًا حرم صيد
أهل الكتاب إلا مالكا أباح ذبائحهم، وحرم صيدهم، ولا يصح، لأن صيدهم من طعامهم فيدخل
فى عموم الآية، ولأن من حلت ذبيحته حل صيده، ولا فرق بين الحربى والذمى فى إباحة ذبيحة
الكتابى منهم، وتحريم ذبيحة من سواه سئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فقال: لا بأس
بها، حديث عبد الله بن مغفل فى الشحم، قال إسحاق: أجاد وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل
من نحفظ عنه من أهل العلم منهم مجاهد والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب
الرأى، ولا فرق بين الكتابى العربى وغيره إلا أن فى نصارى العرب اختلافا ذكرناه فى باب الجزية
قال: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم فتنظر فيه، فإن ذبحه لهم مسلم فهو مباح نص عليه.
وقال أحمد، وسفيان الثورى فى المجوسى يذبح لآلهة، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها
فيسمى يجوز الأكل منها، (دل أن الإهلال ليس بالقصد، وإنما يكون مما أهل به لغير الله إذا ذبحه
على اسم غير الله، ولو ذبحه مسلم باسم الله لم يؤثر فيه نية المالك، وقصده لغير الله)، وقال
إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم قال: لا بأس به وإن ذبحها
الكتابى، وسمى لله وحده حلت أيضًا، لأن شرط الحل وجد، وإن علم أنه ذكر اسم غير الله عليها،
أو ترك التسمية عمدًا لم تحل.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: لا يؤكل يعنى ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم، لأنه أهل
لغير الله به، وقال فى موضع يدعون التسمية على عمد: إنما يذبحون للمسيح، وروى عن أحمد
إباحته (أى إذا ذبح على اسم الله ولم يذكر اسم غير الله عند الذبح).
وسئل عنه العرباض بن سارية فقال: كلوا وأطعمونى، وروى مثل ذلك عن أبى أمامة
الباهلى، وأبى مسلم الخولاني، وأكله أبو الدرداء، وجبير بن نفير، ورخص فيه عمرو بن الأسود
مكحول، وضمرة بن حبيب لقول الله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، وهذا من
طعامهم، قال القاضى: ما ذبحه الكتابی لعيده أو نجم، وصنم، أو نبی، فسماه علی ذبيحته حرم
لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾، وإن سمى الله وحده حل لقول الله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر
اسم الله عليه﴾، لكنه يكره لقصده بقلبه الذبح لغير الله اهـ، ملخصا (٣٦:١١ و٣٧).

٨٩
ذبيحة أهل الكتاب
إعلاء السنن
٥٤٩١- وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال:
حدثنا عبد الواحد قال: ثنا خصيف قال: ثنا عكرمة قال: سئل ابن عباس عن ذبائح
نصارى بنى تغلب فقرأ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود﴾ إلى قوله:
﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾
وحدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن عاصم الأحول عن
عكرمة عن ابن عباس مثله (تفسير ابن جرير ٦٥:٦). قلت: يحصل جواب ابن عباس أن
حکم نصاری بنی تغلب حكم نصارى بنى إسرائيل كما صرح به فى رواية أخرى.
وحاصله: أن المؤثر فى التحريم هو التسمية دون القصد، ولكن قصده بقلبه غير الله يوجب
الكراهة، وخالفه ابن تيمية فى اقتضاء الصراط المستقيم فقال: إن قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير
الله﴾، ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء
لفظ به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح ونحوه لأن
الشرك بالصلاة لغيره، النسك لغيره أعظم من الاستعانة باسمه فى فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل
فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة، أو قصد به ذلك أولى، وهذا
يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله كما قاله طائفة من
أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة
لغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم، وإن قال فيه: باسم الله كما يفعله طائفة
من منافقى هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح، والنحور، ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء
مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع فى الذبيحة مانعان، ومن هذا الباب ما قد كان يفعله
الجاهلون بمكة شرفها الله، وغيرها من الذبح للجن، ولهذا روى عن النبى عَّه أنه نهى عن ذبائح
الجن (رواه ابن حبان فى الضعفاء، وابن الجوزى فى الموضوعات من حديث أبى هريرة، وفى
إسناده عبد الله بن أدينة، وهو شيخ لا يجوز الاحتجاج به بحال، ورواه أبو عبيد والبيهقى من
طريق يونس عن الزهرى مرفوعًا، وهو من رواية عمر بن هارون، وهو ضعيف مع انقطاعه، كذا
فى "التلخيص" (ص٣٨٦).
ويدل على المسألة ما قدمناه من أن النبى عرّ نهى عن الذبح فى مواضع الأصنام ومواضع
أعياد الكفار، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود فى سننه عن أبى ريحانة عن ابن عباس قال:

٩٠
ذبيحة أهل الكتاب
ج - ١٧
٥٤٩٢- قال ابن جرير: حدثنى المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد عن عطاء
بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بنى تغلب وتزوجوا من
نساءهم، فإن الله قال فى كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء
بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم﴾، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية
لكانوا منهم.
نهى رسول الله عَ ◌ّه عن معاقرة الأعراب، وروى ابن أبى شيبة فى "تفسيره": حدثنا وكيع عن
أصحابه عن عوف الأعرابى عن أبى ريحانة قال: سئل ابن عباس عن معاقرة الأعراب فقال: إنى
أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به، وروى أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن رحيم فى
"تفسيره": حدثنا أبى ثنا سعيد بن منصور عن ربعى عن عبد الله بن الجارود قال: سمعت الجارود
فذكر قول على فى معاقرة غالب أبى الفرزدق، وابن ويشل الشاعر أنها مما أهل به لغير الله، قال ابن
تيمية: فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد بذبحه غير الله داخلا فيما أهل به لغير الله، فعلمت أن
الآية لم يقتصر بها على اللفظ باسم غير الله، بل ما قصد به التقرب إلى غير الله فهو كذلك، فإن
قيل: فقد نقل إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم قال:
لا بأس به، قيل: إنما قال أحمد ذلك، لأن المسلم إذا ذبحه سمى الله عليه، ولم يقصد ذبحه لغير
الله، ولا يسمى غيره، بل لا يقصد منه ما قصده صاحب الشاة فتصير نية صاحب الشاة لا أثر لها،
والذابح هو المؤثر فى الذبح بدليل أن المسلم لو وكل كتابيا فى ذبيحة، فسمى عليها غير الله لم تبح
اهـ ملخصا (ص١٢٤-١٢٥)، وقد بسطت الكلام فى هذا الباب فى رسالة " البذر للخير فى النذر
للغير"، وقد انطبعت وشاعت فى "مجلة النور" فى المجلد السابع منها، فليراجع.
وقال ابن حزم فى "المحلى": ولا يحل أكل ما ذبح أو نحر لغير الله تعالى، ولا ما سمى عليه
غير الله تعالى متقربًا بتلك الذكاة إليه، سواء ذكر الله تعالى معه أو لم يذكره، وكذلك ما ذكى من
الصيد لغيره تعالى، باسم الله، وصلى الله على المسيح أو قال: على محمد أو ذكر سائر الأنبياء،
فهو حلال لأنه لم يسهل به لهم، قال الله تعالى: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾، فسواء ذكر الله تعالى
عليه، أو لم يذكر، هو مما أهل لغير الله به، فهو حرام، سواء ذبحه مسلم، أو کتابی.
وقال بعض القائلين: قد أباح الله لنا ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وهذا ليس بحجة فى
إباحة ما حرم الله تعالى، لأن الذى أباح لنا ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون هو المحرم علينا ما أهل

٩١
ذبيحة أهل الكتاب
إعلاء السنن
٥٤٩٣- وهذه الروايات أصح مما روى ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن
ليث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب وذبائح
نصارى أرمينية))، لأن ليثا هذا هو ابن أبى سليم ضعفه الكثيرون من الحفاظ لسوء
حفظه.
٥٤٩٤- وقال ابن جرير: حدثنا المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثنى معاوية
عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ قال: ذبائحهم
(تفسير ابن جرير: ٦٦:٦)، وأخرجه البخارى فى "التعليقات" بصيغة الجزم التى هى
دليل الصحة عنده.
لغير الله به، فلا يحل ترك شىء من أمره تعالى لأمر آخر، ولا بد من استعمالها جميعا، ورويت فى
هذا روايات عن عبادة بن الصامت، وأبى الدرداء، والعرباض بن سارية، وعلى، وابن عباس، وأبى
أمامة كلها عن عن مجاهيل، أو عن كذاب، أو عن ضعيف، ولكنه صحيح عن بعض التابعين،
وروينا عن عائشة أم المؤمنين أن امرأة سألتها عما ذبح لعيد النصارى، فقالت عائشة: أما ما ذبح
لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، ومن طريق ابن عمر ما ذبح للكنيسة فلا تأكله.
وطريق عبد الرحمن بن مهدى عن قيس عن عطاء بن السائب عن زاذان عن على بن أبى
طالب قال: إذا سمعت النصرانى يقول: باسم المسيح، فلا تأكل، وإذا لم تسمع فكل، وصح عن
إبراهيم النخعى فى ذبيحة النصرانى، إذا توارى عنك فكل، وعن حماد بن أبى سليمان فى ذبائح
أهل الكتاب قال: كل ما لم تسمعه أهل به لغير الله تعالى، وعن الحسن، وطاوس، ومجاهد: أنهم
كرهوا ما ذبح للآلهة، وعن عمر بن عبد العزيز أنه وكل بهم من يمنعهم أن يشركوا على ذبائحهم
ويأمرهم أن يسموا الله تعالى، ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهرى
قال: إذا سمعت فى الذبيحة غير اسم الله تعالى فلا تأكل، ومن طريق وكيع عن على بن صالح عن
محمد بن جحادة عن إبراهيم النخعى قال: إذا سمعته يهل بالمسيح فلا تأكل، وهو قول الحارث
العکلی ومحمد بن سیرین.
قال ابن حزم: ويقال لمن خالف هذا: قد أحل الله تعالى ذبائحهم، وهو يعلم أنهم يذبحون
الخنزير أ فيأكله؟ فمن قولهم: لا، لأن الله تعالى حرم الخنزير فيقال لهم: والله تعالى حرم ما أهل به
لغيره كما حرم الخنزير سواء سواء، ولا فرق اهـ (٤١٢:٧).

٩٢
ج - ١٧
باب جواز ذبح المرأة والصبى
٥٤٩٥- عن عبيد الله عن نافع عن ابن لكعب بن مالك عن أبيه أن امرأة ذبحت
شاة بحجر فسئل النبى عّ لّه عن ذلك، فأمر بأكلها، أخرجه البخارى عن عبدة،
وأخرجه أيضًا عن المعتمر عن عبيد الله عن نافع أنه سمع ابن كعب بن مالك يخبر ابن
عمر أن أباه أخبره، وقال الدارقطنى: رواه غيرهما عن عبيد الله عن نافع أن رجلا من
الأنصار، وأخرج البخارى عن جويرية عن نافع عن رجل من بنى مسلمة قال: أخبرنا
بقى الكلام فى قوله عند الذبح: باسم الله، وصلى الله على محمد، فقال الموفق فى "المغنى" :
لا تشرع الصلاة على النبى معَّم مع التسمية فى ذبح ولا صيد، وبه قال الليث، واختار أبو إسحاق
ابن شاقلا استحباب ذلك، وهو قول الشافعى لقوله عليه السلام: ((من صلى على مرة صلى الله عليه
عشرًا))، وجاء فى تفسير قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، لا أذكر إلا ما ذكرت معى، ولنا قوله
عليه السلام: موطنان لا أذكر فيهما عند الذبيحة والعطاس، رواه أبو محمد الخلال بإسناده، ولأنه
إذا ذكر غير الله تعالى أشبه المهل لغير الله اهـ (٥:١١).
قلت: إن صح الحديث فهو نص فى موضع النزاع، وفى "شرح المهذب" بعد ذكر نص
الشافعى، واتفاق جماهير الأصحاب على الاستحباب ما نصه، وفيه وجه لابن أبى هريرة أنه
لا يستحب، ولا يكره (فيجوز)، ونقل القاضى عياض عن مالك، وسائر العلماء كراهتها وقالوا:
لا يذكر عند الذبح إلا الله وحده أهـ (٤١٠:٨).
وفى "الهداية": ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره، فإن ذكر موصولا،
لا معطوفًا كأن يقول: بسم الله محمد رسول الله (بالرفع) فيكره ولا يحرم الذبيحة، وإن ذكر على
وجه العطف والشركة بأن يقول: بسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال، فتحرم الذبيحة، لأنه
أهل به لغير الله اهـ ملخصًا (٤٢٠:٤)، قلت: وقوله: بسم الله وصلى الله على محمد، لا يدل على
الشركة والذبح على اسمه عَ ◌ّه، فلا تحريم به الذبيحة، والأولى هو الذكر الخالص.
باب جواز ذبح المرأة
أقول: الحديث نص فى ذلك، وهو وإن كان مضطرب الإسناد إلا أنه مقبول المتن، قد عمل
به الجمهور، والله أعلم.
تنبيه: قال المولوى أحمد حسن الدهلوى فى حاشية "بلوغ المرام" (١٣١:٢): وفى الباب
:

٩٣
جواز ذبح المرأة والصبى
إعلاء السنن
عبد الله أن جارية لكعب بن مالك وأخرج البخارى عن الليث عن نافع أنه سمع رجلا
من الأنصار يخبر عبد الله بن عمر عن النبى عّ لّل أن جارية لكعب. وقال ابن حجر فى
"الفتح" (٥٤٥:٩)، ورواه يحيى بن سعيد وغيره عن نافع عن ابن عمر، ورواه
البخارى عن إسماعيل عن مالك عن نافع عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد أو
سعد بن معاذ بن سعد أن جارية لكعب بن مالك، وقال ابن حجر فى "الفتح"، ورواه
ابن وهب فى غير "الموطأ": عن مالك وغيره عن نافع عن رجل من الأنصار أن جارية
لكعب، فهذا حديث مضطرب الإسناد، ولم يخرجه مسلم، ولعله تركه لهذه العلة.
٥٤٩٦- وعن إبراهيم النخعى أنه قال فى ذبيحة المرأة والصبى: لا بأس إذا أطاق
الذبح وحفظ التسمية. أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وهو قول الجمهور
(فتح ٥٤٥:٩).
عن عاصم بن کلیب عن أبيه عند أحمد وأبی داود بسند قوی اهـ، وفیه نظر لأنه ليس فی حدیث
عاصم ذكر مباشرة المرأة الذبح، فليس هو من هذا الباب فتنبه له، وقد مر الحديث فى كتابنا هذا فى
باب تغير المغصوب بفعل الغاصب، فتذکر.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: إن كل من أمكنه الذبح من المسلمين، وأهل
الكتاب إذا ذبح حل أكل ذبيحته، رجلا كان أو امرأة، بالغًا أو صبيًّا، حراً كان أو عبدًا، لا نعلم فى
هذا خلافا، قال ابن المنذر: أجمع كل من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبى، ثم ذكر
حديث جارية لكعب بن مالك، وقال: متفق عليه، (وهو وهم فإن الحديث من مفاريد البخارى
نص عليه الحافظ، ولم يغيره صاحب المشكاة ولا صاحب "جمع الفوائد" إلا إلى البخارى وحده
دون مسلم)، قال: وفيه إباحة الذبح بالحجر وحل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه، قال: ويشترط فى
الذابح أن يكون عاقلا، فإن كان طفلا أو مجنونًا أو سكران لا يعقل لم يصح منه الذبح، وبهذا قال
بالك، وقال الشافعى: لا يعتبر العقل، وله فيما إذا أرسل المجنون الكلب على صيد وجهان، ولنا أن
الذكاة يعتبر لها القصد، فيعتبر لها العقل، كالعبادة، فإن من لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير
ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها اهـ ملخصًا (٥٦:١١).
وقال ابن حزم فى "المحلى": وما ذبحه أو نحره من لم يبلغ يحل أكله، لأنه غير مخاطب
بقول الله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ (قلنا: فينبغى أن لا يجوز للصبى الأكل مما ذبحه البالغ لكونه غير

٩٤
ج - ١٧
باب حرمة ذبيحة المجوسی والوثنی
٥٤٩٧- حدثنا محمد بن مخلد نا محمد بن الحسن الحراتی نا شاذان نا شريك
عن الحجاج عن القاسم بن أبي بزة وأبى الزبير عن سليمان اليشكرى عن جابر قال:
نهى عن ذبيحة المحجوسى وصيد كلبه وطائره، أخرجه الدار قطنى (ص ٥٤٩)، وفيه
شريك والحجاج وهما مختلف فيهما، ولكن الاختلاف غير مضر.
مخاطب بالاستثناء)، قال: وقد أخبر رسول الله عّ لّ أن الصبى مرفوع عنه القلم حتى يبلغ.
(قلت: رفع القلم عنه يقتضى عدم الوجوب عليه لا عدم الصحة منه، ألا ترى أنه لا تجب
عليه الصلاة والصوم؟ ولو صلى وصام صح ذلك منه)، قال: وقد وافقونا على أن إنكاحه لوليته
ونکاحه وبيعه وابتیاعه وتو کیله لا يجوز.
قلت: أما الإنكاح فنعم، لأنه يقتضى الولاية على الغير، ولا ولاية له، وأما ما سواه فيجوز
ويتوقف على إذن الولى، لكونه عقدًا دائراً بين النفع والضرر، وليست التذكية من العقود. قال:
وإنه لا تلزم صلاة ولا صوم ولا حج، لأنه غير مخاطب بذلك. (قلت: ومتى قلنا بوجوب التذكية
عليه؟ وإنما قلنا بصحتها منه كما تصح صلاته وصومه وحجه فافهم).
قال: ولا يجزئ حجه عن غيره (قلنا: لأن الحج يقع عن المأمور أولا ثم عن الآمر وحج
الصبى يقع نفلا محضًا، فلا ينوب عن حج الآمر لكونه فرضًا واجبًا عليه، ولا ينوب النفل عن
الفرض)، قال: وروينا من طريق ابن أبى شيبة: نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى.
قلت: فمن أين حرمت ذبيحة الصبى وأنت لا تحرم ذبيحة المرأة لكونها مخاطبة بالإحكام،
فإن كان توقفه فى الصبى حجة، فليكن كذلك فى المرأة، ولعله كان لا يقول فيهما شيئا لكونه
لا يحرم ذبيحتهما ولا يرضى بها منهما لكونهما لا يحسنان الذبح غالبًا ولا يعرفان قطع الأوداج
على أكمل وجه وأجمله، فافهم.
باب حرمة ذبيحة المجوسى والوتنى
أقول: أحاديث الباب نص فى المجوسى، والوثنى مقيس عليه، والمسألة مجمع عليها،
فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيها.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسى
وذبيحته إلا ما لا ذكاة له، - كالسمك والجراد- فإنهم أجمعوا على إباحته غير أن مالكًا والليث
وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا، فأما مالك والليث فقالا: لا نرى أن يؤكل الجراد إذا صاده

٩٥
حرمة ذبيحة المجوسی والو ثنی
إعلاء السنن
٥٤٩٨- وعن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن على أن النبى عدّ له كتب
إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت عليه
الجزية، غير ناكحى نساءهم ولا آكلى ذبائحهم، أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة،
وأعله ابن القطان بقيس بن مسلم، وقال: ساء حفظه بالقضاء كشريك وابن أبى ليلى
(زيلعى ٢٦٠:٢)، قلت: قال الحافظ: مرسل جيد الإسناد (دراية).
المجوسى، ورخصا فى السمك، وأبو ثور أباح صيده وذبيحته لقول النبى معَ له: ((سنوا بهم سنة أهل
الكتاب))، ولأنهم يقرون بالجزية فيباح صيدهم وذبائحهم كاليهود والنصارى، واحتج بروايته عن
سعيد بن المسيب، وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به.
قال إبراهيم الحزلى: خرق أبو ثور الإجماع، قال أحمد: ههنا قوم لا يرون بذبائح المجوس
بأسًا، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبى ثور وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس،
وعلى، وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ومجاهد،
وعبد الرحمن بن أبى ليلى وسعيد بن جبير ومرة الهمدانى والزهرى ومالك، والثورى، والشافعى،
وأصحاب الرأى، قال أحمد: ولا أعلم أحدا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة، ولأن الله
تعالى قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار.
وقد وقع التصریح به فى الآثار، كما ذكرناه فى المتن، وروى الطبرانى فى "الكبير" عن ابن
عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل، وفيه إسماعيل بن عمر
البجلى وثقه ابن حبان وغيره وضعفه الدار قطنى وغيره مجمع (٣٦:٤)، فهو حسن الحديث
وللأُنهم لا کتاب لهم فلم تحل ذبائحهم کأهل الأوثان، وقد روى الإمام أحمد پاسناده عن قيس بن
سكن الأسدى قال: قال رسول الله مرّ له: ((إنكم نزلتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحمًا فإن كان
من يهودى أو نصرانى فكلوا وإن كانت ذبيحة مجوسى فلا تأكلوا)) اهـ (٣٨:١١).
وهذا نص فى وضع النزاع، ولأن كفرهم مع كونهم غير أهل الكتاب، يقتضى تحريم
ذبائحهم ،ونسائهم، بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب، والذى روى فى كونهم من أهل
الكتاب مع ضعفه، إنما يقتضى التحريم لدمائهم بقبول الجزية منهم، فلما غلبت شبهة الكتاب فى
التحريم لدمائهم يجب أن يغلب عدم الكتاب فى تحريم الذبائح والنساء احيتاطًا للتحريم فى
الموضعين، ولأنه إجماع، فإنه قول من سمينا، ولا مخالف لهم فى عصرهم، ولا فیمن بعدهم،
إلا رواية عن سعيد بن المسيب روى عنه خلافها.

٩٦
ج - ١٧
حرمة ذبيحة المجوسى والوثنى
٥٤٩٩- وأخبرنا محمد بن عمر الواقدى حدثنى عبد الحكم بن أبى فروة عن
عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص أن رسول الله عَّ لم كتب إلى مجوس هجر يعرض
عليهم الإسلام، فإن أبوا عرض عليهم الجزية بأن لا ينكح نساءهم ولا يؤكل ذبائحهم،
أخرجه ابن سعد فى "الطبقات"، والواقدى متكلم فيه (زيلعى: ٢٦٠:٢)، وقال
الحافظ: إسناده ساقط (دراية). قلت: لعله قال هذا من جهة الواقدى وقد كذبه قوم
ووثقه آخرون فلا يكون ساقطًا.
٥٥٠٠- وعن ابن عباس أنه قال: "إن ذبح المجوسى وذكر اسم الله فلا يأكل"،
أخرجه عبد الرزاق، ورجاله ثقات أثبات، كما مر.
وأما قوله معَّه: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) فمقيد بالجزية ولا يختص بالمجوس، بل يجوز
إقرار أهل الأوثان من العجم أيضًا بالجزية، ألا ترى أن عثمان أخذها من البربر، وليسوا من المجوس،
ولا من أهل الكتاب كما مر فى (باب الجزية).
وذهب ابن حزم إلى حل ذبيحة المجوس، وعزاه إلى قتادة وأبى ثور، وأعل أثر الحسن بن
محمد بالإرسال، ولا يخفى أنه مرسل قد أيده شواهد كثيرة، والحسن بن محمد من أفاضل أهل
البيت، وصاحب البيت أدرى بما فيه.
والمرسل إذا تأيد بإجماع الصحابة والتابعين فناهيك به حجة، وأما قوله: لم يفسخ الله تعالى
فى أخذ الجزية من غير كتابى، وأخذها النبى عّ لّه من المجوس، وما كان ليخالف أمر ربه تعالى،
فقد أجبنا عنه فى (باب الجزية) من هذا الكتاب، وناهيك بقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه
بمحضر من الصحابة، كيف آخذها منهم، وليسوا من أهل الكتاب فكان عنده أن مفهوم قوله:
﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ مراد، ثم بان له أن رسول الله عّ لّ أخذها من
مجوس هجر، وقال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، فعلم أن مفهومه ليس بمراد، وأيضًا فالذى روى
كون المجوس من أهل الكتاب هو على كرم الله وجهه، وهو لا يرى جواز ذبيحة من يجوز أخذ
الجزية منه، فقد روى الشافعى بإسناد صحيح عن على قال: ((لا تأكلوا ذبائح نصارى بنى تغلب))،
كما فى "التلخيص" (ص: ٣٠٢)، وقد أخذ عمر الجزية منهم على أن يضعف عليهم الصدقة،
ولم ينكر ذلك عليه أحد، وقد بسطنا الكلام فى ذلك فيما مضى، فليراجع.
قال الموفق: ولا خلاف فى إباحة ما صادوه من الحيتان حكى عن الحسن البصرى أنه قال:
رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسى من الحيتان لا يختلج فى صدورهم شىء من ذلك،

٩٧
إعلاء السنن
باب ذكاة المتوحش من الإبل وغيره
٥٥٠١- حدثنا عمرو بن على حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثنا أبى عن عباية بن
رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: أصبنا نهب إبل وغنم، فند منها بعير فرماه رجل
بسهم فحبسه، فقال رسول الله عَّهِ: ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم
منها شىء فافعلوا به هكذا))، أخرجه البخارى، وهكذا رواه عمر بن سعيد عن أبيه
سعيد بن مسروق، وهكذا رواه شعبة وأبو عوانة عن سعيد بن مسروق عند البخارى
ومسلم وأحمد، ورواه ابن أبى عمر عن سفيان فقال: عن إسماعيل بن مسلم عن سعيد،
أخرجه مسلم ورواه أبو الأحوص عن سعيد فقال: عن أبيه عن جده رواه أبو داود وليس
فى شىء من روايتهم أن السهم أصاب المقتل فقتله، ولا أن رسول الله عّ لّه قال: كلوه.
٥٥٠٢- ولكن رواه محمد فى كتاب الآثار عن أبى حنيفة عن سعيد بن مسروق
عن عباية أن بعيرًا من إبل الصدقة ند فطلبوه، فلما أعياهم أن يأخذوه رماه رجل بسهم،
فأصاب مقتله فقتله، فسأل النبى معَِّ عن أكله، فقال: ((إن لها أوابد كأوابد الوحش،
فإذا أحسستم منها شيئا من هذا فاصنعوا به، كما صنعتم بهذا ثم كلوه (كتاب الآثار:
ص١١٦)، فهذا غريب بهذا السياق، والله أعلم.
رواه سعيد بن منصور، والجراد كالحيتان فى ذلك، لأنه لا ذكاة له، ولأنه تباح ميتته فلم يحرم
بصيد المجوسى كالحوت اهـ (٣٩:١١)، ظ.
باب ذکاة المتوحش من الإبل و غيره
أقول: دلت الروايات على أن ذكاته ذكاة الصيد، ولا يتعين فيه الذبح والنحر، وهو مذهب
الجمهور وخالفه مالك والليث. ونقل أيضا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا: لا يحل أكل
الإنسى إذا توحش إلا بتذكيته فى حلقه أو لبته، وحجة الجمهور ما روينا. والله أعلم.
قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق مسلم عن رافع بن خديج
أنهم كانوا مع رسول الله عَّ له، فند علينا بعير فرميناه بالنبل حتى وهصناه الحديث. والوهص:
الكسر والإسقاط إلى الأرض ولا يبلغ البعير هذا الأمر إلا وهو منفذ المقاتل. (فهو شاهد لما رواه أبو
حنيفة رضى الله عنه) وقدأذن عليه السلام فى رميه بالنبل، والمعهود منها الموت بإصابتها، وهذا إذن
منه عليه السلام فى ذكاتها بالرمى، ثم ذكر الآثار عن الصحابة وقال: وهو قول عائشة أم المؤمنين

٩٨
ذ کاة المتوحش من الإبل وغيره
ج - ١٧
٥٥٠٣- وعن أبى العميس غضبان بن يزيد البجلى عن أبيه قال: أعرس رجل من
الحى فاشترى جزورا، فندت فعرقبها، وذكر اسم الله، فأمرهم عبد الله -يعنى ابن
مسعود- أن يأكلوا: فما طابت أنفسهم حتى جعلوا له منها بضعة ثم أتوه بها فأكل،
أخرجه البيهقى (فتح البارى: ٩: ٥٥٠).
٥٥٠٤- وعن ابن عباس قال: ما أعجزك من البهائم مما فى يديك فهو بمنزلة
الصيد، أخرجه البخارى تعليقًا، ووصله ابن أبى شيبة، كما فى "الفتح" (٥٥٠:٩).
٥٥٠٥- وعنه قال: إذا وقع البعير فى البئر فأطعنه من قبل خاصرته، واذكر اسم
الله وكل، أخرجه البخارى تعليقًا، ووصله عبد الرزاق، كما فى "الفتح" (٥٥٠:٩).
٥٥٠٦- وعن أبى راشد السلمانى قال: كنت أرعى ينائح الأهلى بظهر الكوفة،
فتردی منها بعير، فخشيت أن يسبقنی بذ کاته، فأخذت حديدة فوجئت بها فى جنبه،
أو سنامه، ثم قطعته أعضاء وفرقته على أهلى، فأبوا أن يأكلوه، فأتيت عليا فقمت على
باب قصره فقلت: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين! فقال: يا لبيكاه! يا لبيكاه! فأخبرته
خبره، فقال: كل وأطعمنى، أخرجه ابن أبى شيبة (فتح ٩: ٥٥٠).
٥٥٠٧- وعن الثورى عن سعيد بن مسروق أنه قال عباية: إن ناضحا تردى
بالمدينة فذبح من قبل شاكلته، فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين، أخرجه عبد الرزاق
والبيهقى.
٥٥٠٨- وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة من طريق آخر عن عباية قال: تردى بعير فى
ركية، فنزل رجل لينحره فقال: لا أقدر على نحره. فقال له ابن عمر: اذكر اسم الله،
ثم اقتل شاكلته - يعنى خاصرته- ففعل، وأخرج مقطعا، فأخذ منه ابن عمر عشيرا
بدرهمين، أو أربعة (فتح ٩: ٥٥٠).
ولا يعرف لهم من الصحابة رضى الله عنهم مخالف ابن مسعود وعلى وابن عباس وابن عمر
وأم المؤمنين، ثم ذكر أقوال التابعين بأسانيدها، منهم مسروق والشعبى وإبراهيم النخعى والأسود
والضحاك، قال: وهو قول عطاء وطاوس والحسن والحكم بن عتيبة وحماد بن أبى سليمان،
ولا نعلم لمالك فى هذا سلفا إلا قولا عن ربيعة، وهو أصحاب قياس بزعمهم، وقد أجمعوا على أن
الصيد إذا قدر عليه، فهو بمنزلة النعم، والإنسيات فى الذكاة، فهلا قالوا: إن النعم والإنسيات إذا

٩٩
إعلاء السنن
باب ذبح الحيوانات من المغانم قبل القسمة فى دار الإسلام
٥٥٠٩- عن رافع بن خديج قال: كنا مع النبى عدّ بذى الحليفة فأصاب الناس
جوع وأصبنا إبلا وغنمًا، وكان النبى معَِّه فى أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور،
فأكفئت ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، أخرجه البخارى.
لم يقدر عليها فمنزلتها كمنزلة الصيد ولو صح قياس يوما ما لكان هذا أصح قياس فى العالم اهـ.
ملخصا (٤٨:٧ ٤)، ظ.
باب ذبح الحيوانات من المغانم قبل القسمة فى دار الإسلام
أقول: دل الحديث على أنه لا يجوز ذلك، واحتج أهل الظاهر بهذا الحديث على أن من
شرائط حل الذبيحة أن يكون الذابح مالكا أو ماذونا من جهة المالك، وإلا فهى ميتة لا يحل أكلها،
ولا حجة لهم فيه، لأنه ليس فى الحديث أنها كانت ميتة، بل فيه الأمر بإكفاء القدور فقط، وهو
يحتمل وجوها: أحسنها: أنه أمر بإكفاء القدور تاديبا لئلا يعود والمثل ذلك، وأما ما قال القرطبى:
إن المامور بإراقته هو المرق، وأما اللحم فلم يتلفوه، ويحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن
به أنه أمر باتلافه، لأنه مال الغانمين وقد نهى مّ لّ عن إضاعة المال. (عينى ١١٢:٧)، فليس بشىء،
لأنه لم يبق بعد الذبح والطبخ من مال الغانمين بل صار مملوكا للذابحين على ما تقرر فى الغصب:
والإضاعة إنما هى إذا لم يكن فيها مصلحة وههنا كان مصلحة التاديب فلا إضاعة، وقد مر فى باب
الغصب أنه عّ لِّ أمر بالشاة المذبوحة بغير إذن المالك بإطعامها للأسارى وسنده قوى، فلو كانت
ميتة لم يطعمها أمانهم.
ويرده أيضا ما رواه أبو داود بسند جيد كما فى "فتح البارى" (٩: ٥٤٠) من طريق عاصم
ابن كليب عن أبيه وله صحبة عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناس مجاعة شديدة وجهد
فأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدرونا لتغلى بها إذ جاء رسول الله عّ لّ. على فرسه، فأكفأ قدورنا
بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة اهـ.
لأن هذا يدل على أنه عاملهم هذه المعاملة، لا لأنها كانت ميتة بل لأنها نهبة محرمة، كما
لا يخفى. وقال ابن حجر فى "الفتح". هذا يدل على أنه عاملهم من أجل استعجالهم بنقيض
قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث اهـ (فتح، ٩: ٥٤٠)، فافهم. والله أعلم.

ج - ١٧
١٠٠
باب أكل ذبيحة الأقلف
٥٥١٠- عن معمر قال الحسن يرخص فى الرجل إذا أسلم بعد ما يكبر فخاف
على نفسه إن اختتن أن لا يختتن وكان لا يرى بأكل ذبيحته بأسًا(فتح البارى ٥٤٩:٩).
٥٥١١- وعن سعيد بن عروبة عن مغيرة عن إبراهيم النخعى قال: لا بأس بذبيحة
الأقلف، أخرجه أبو بكر الخلال بسنده (فتح البارى ٥٤٩:٩).
باب أكل ذبيحة الأقلف
أقول: وهو مذهب الجمهور وما روى عن ابن عباس أنه نهى أكل ذبيحة الأقلف، فقد مر
الكلام عنه فى باب قبول شهادة الأقلف، فارجع إليه.
قال العبد الضعيف: وحاصله أن المراد بالأقلف هو المجوسى دون المسلم الذى كبر،
ولم يختن. قال الموفق فى "المغى": وإذا أبيحت ذبيحة القاذف والزانى وشارب الخمر مع تحقق
فسقه وذبيحة النصرانى وهو كافر أقلف فالمسلم أولى اهـ (٣٥:١١).
الذبح لغير القبلة
فائــدة
روى: ابن حزم فى "المحلى" من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن نافع
عن ابن عمر أنه كان يكره أن يأكل ذبيحة لغير القبلة، وصح عن ابن سيرين وجابر بن زيد مثل
هذا، وصحت إباحة ذلك عن النخعى والشعبى والقاسم بن محمد والحسن البصرى (٧: ٤٥٤).
قلت: كراهة ابن عمر لها محمولة على التنزه، لأن توجيه الذبيحة ليس بواجب إجماعا، ولم يدل
دليل على وجوبه، وغايته الاستحباب، فلا يكون تركه إلا خلاف الأولى، وقول ابن عباس:
الأقلف لا تؤكل له ذبيحة، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز له شهادة، لو سلمنا حمله على المسلم
الأقلف محمول على الزجر عن ترك الاختتان بدليل قوله: ولا تقبل له صلاة وليس الاختتان من
شروط صحة الصلاة إجماعا. فاندحض بذلك قول ابن حزم: لا يعرف لابن عباس فى ذبيحة
الأقلف مخالف من الصحابة ولا لابن عمر فى ذبيحة الآبق، وما ذبح لغير القبلة مخالف من
الصحابة رضى الله عنهم وقد خالفوهما اهـ (٤٥٤:٧)، فقد عرفت أنا لم نخالفهما البتة، بل حملنا
أقوالهما على محامل حسنة لا على ظاهرها، كما فعلته الظاهرية وليس ذلك من المخالفة فى شىء.