النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
ميراث المولى مع ابنة المعتق، وتقدمه على ذوى الأرحام
إعلاء السنن
٥٤٢٠- وعن الأشعث عن الحكم، "أنه مات عبد الرحمن بن مدلج، وترك ابنة
وقال: "هذا أولى بالصواب من حديث ابن أبى ليلى، وابن أبى ليلى كثير الخطأ"، كذا فى
"الزيلعي".
قلت: رواه محمد بن عبد الرحمن ابن أبى ليلى، فقال: عن الحكم عن عبد الله بن شداد عن
ابنة حمزة قالت: "مات مولى لى" الحديث، فجعل الحديث مسندا متصلا، أخطأ النسائى
فى الإسناد، وصوب الإرسال، وهذا غير صحيح(١)، لأن لفظ ابن أبى ليلى ليس نصا فى الاتصال،
ولا لفظ ابن عون نصا فى الإرسال، وما رواه أبو داود من طريق شعبة يدل على الاتصال، لأن ابنة
حمزة كانت أخت عبد الله لأمه، وأمهما سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس زوج
جعفر بن أبى طالب، وهى التى تنازع فى حضانتها على وجعفر وزيد بن حارثة، فأعطاها رسول
الله ◌َِّ جعفرا، لكون خالتها، يعنى أسماء بنت عميس تحته، كما فى البخارى فى حديث عمرة
القضاء، ومثل ما رواه النسائى من طريق عبد الله بن عون رواه الدارمى عن الحكم وسلمة بن كهيل
عن عبد الله بن شداد.
وقد وقع فى "الدارمى" عن الحكم وسلمة بن كهيل عن عبد الله بن كهيل عن عبد الله بن
شداد، وهو غلط وقع من خطأ النساخ، لأن عبد الرزاق رواه عن الحكم وسلمة بن كهيل عن عبد
الله بن كهيل عن عبد الله بن شداد، كما فى "نصب الراية" للزيلعى، ثم لا يعرف لعبد الله بن
کھیل وجود فی کتب أسماء الرجال، فالظاهر أن الناسخ أراد أن یکتب عبد الله بن شداد، فكتب
عبد الله، وظن أنه كتب سلمة، فكتب بعده بن كهيل، فصار عبد الله بن كهيل، ومثل هذا يقع
كثيرا من الكتاب، ولم يتنبه لهذا الخطاء شمس الحق العظيم الآبادى فنقل عن الدارمى مثل ما رآه
مكتوبا فى نسخته، فتنبه له، ورواه أيضا جرير من حازم عن عبد الله بن شداد مثل ما رواه عبد الله
ابن عون والحكم وسلمة بن كهيل عنه، كما فى "الإصابة" لابن حجر، وهذا هو الصواب إن
كانت ابنة حمزة بالغة فى عهد النبى معَّه، ولكن يعارضه ما فى "الإصابة".
(١) قلت: وكيف يكون هذا غير صحيح؟ وظاهر إسناد ابن أبى ليلى أن عبد الله بن شداد يروى القصة عن ابنة حمزة، فيكون
قولها: «فقسم رسول الله ګ ماله بینی وبین ابنته)) مرفوعا، فإن بنت حمزة صحابية بلا شك، بخلاف سیاق ابن عون،
فالراوى للقصة هو عبد الله بن شداد عنده، وهو القائل: ((فجعل رسول الله مٍَّ ميراثه بينهما نصفين))، وعبد الله بن شداد
ليس بصحابى، فيكون الحديث مرسلا، وهذا أظهر من أن يخفى على من له إلمام بالفن، والاحتمال العقلى لا يجدى فيه شيئا،
فافهم. (المؤلف)

ج - ١٦
ميراث المولى مع ابنة المعتق، وتقدمه على ذوى الأرحام
٣٠٢
ومواليه، فأعطى على ابنته النصف، ومواليه النصف"، رواها الدارمى فى "مسنده".
قال ابن إسحاق: حدثنى من لا أتهم عن عبد الله بن شداد، قال: كان الذى زوج أم سلمة
من النبى عَّه سلمة بن أبى سلمة ابنها، فزوج النبى معَّ أمامة بنت حمزة وهما صغيران، فلم
يجتمعا حتى ماتا، لأنه يدل على أن أرامة ماتت فى الصغر، ويحتمل أن لا تكون ماتت فى الصغر،
بل يكون عدم الاجتماع لأمر آخر، ، ينشرح لى صدرى فى هذا الباب.
واضطرب قتادة فى هذه الرواية، فرواه أحمد من طريق همام عن قتادة عن سلمى بنت
حمزة: "أن مولاها مات، وترك ابنته، فورث النبى معَّ ◌ُلِّ ابنته النصف، وورث يعلى النصف، وهو
ابن سلمى". وهو مخالف لرواية عبد الله بن شداد بن جهة أنه سماها سلمى مع أن سلمى أمها
زوجة حمزة، دون ابنة حمزة نفسها، ومن جهة أن عبد الله بن شداد يقول: "إنه ورث ابنة حمزة
نفسها النصف"، وقتادة يقول: "إنه ورث يعلى ابن سلمى النصف))"، ثم لم أجد لیعلی ابن سلمی
بنت حمزة ذکرا فی الکتب، نعم! یقال: إنه كان حمزة ابن إسمه یعلی، و کانت له أولاد ولكنه
انقطع نسله، وروى الدارقطنى بسند فيه الشاذكونى، أحد الضعفاء والمتروكين، عن جابر بن زيد
عن ابن عباس: "أن مولى لحمزة مات وتوفى، وترك ابنة وابنة حمزة، فأعطى النبى معَ له ابنته
النصف، وابنة حمزة النصف"، وهو مخالف لرواية همام عنه، ومخالف لرواية عبد الله بن شداد
أيضا، وروى أبو داود فى "المراسيل" عن إبراهيم، قال: "توفى مولى لحمزة بن عبد المطلب،
فأعطى النبى معَّه بنت حمزة النصف، وقبض النصف"، كما فى "الزيلعى"، وهو مخالف لرواية
عبد الله، وروايتى قتادة، ولم يتحقق لى الصواب فى تلك الروايات، فليحقق.
قال العبد الضعيف: قد قدمنا عن البيهقى أنه قال: "اتفق الرواة على أن ابنة حمزة هى
المعتقة، وقول إبراهيم: إن حمزة هو المعتق غلط"، وكذا قال ابن اللبان: " والصحيح أن المولى كان
لبنت حمزة، هذا أصح مما روى إبراهيم". فقد تحقق الصواب، ولله الحمد.
وأما ما فى "الإصابة": "عن محمد بن إسحاق حدثنى من لا أتهم عن عبد الله بن شداد إلى
آخره" ، فابن إسحاق ليس بأقوى من شعبة عن الحكم، ولا من عبد الله بن عون عن الحکم، ولا من
الثورى عن سلمة بن كهيل، لا سيما وشيخ ابن إسحاق مجهول، فالصحيح عن عبد الله بن شداد
ما رواه الأئمة عن الحكم وسلمة بن كهيل عنه، لا ما رواه ابن إسحاق عمن لم يسمه، وكيف
يكون سلمة حين زوجه رسول الله مرّ له من أمامة بنت حمزة صغيرا؟ وهو أكبر أولاد أبى سلمة،
به كان يكتنى، ولدته أم سلمة بالحبشة، كما فى "الإصابة" عن ابن إسحاق أيضا، وكانت هجرته

٣٠٣
إعلاء السنن
باب فی أن الأب لا يستحق الولاء عند وجود الابن وابن الابن
٥٤٢١- عن الشعبى فى رجل أعتق مملوكا، ثم مات المولى والمملوك، وترك
المعتق أباه وابنه، قال: "المال للابن"، رواه الدارمى.
إلى الحبشة فى السنة الخامسة من المبعث، ثم قدما مكة، وهاجرا إلى المدينة، وكان تزويج سلمة بن
أبى سلمة من أمامة بعد عمرة القضاء فى السنة السابعة من الهجرة أو بعدها، وكان سلمة إذا ذاك
ابن خمسة عشر عاما أو فوق ذلك، والظاهر من قوله عزّ له حين زوجه من أمامة: ((هل جزيت
سلمة؟)) وذلك أن سلمة هو الذى كان زوج أم سلمة من رسول الله عربية، أنه كان إذ ذاك رجلا
لا صبيا صغيرا، وكذلك أمامة كانت بالغة صالحة للتزويج، وهو منطوق ما رواه عبد الله بن شداد
عنها أنها أعتقت عبدالها والنبى معَّ لِّ حى، والله تعالى أعلم.
باب فی أن الأب لا يستحق الولاء عند وجود الابن وابن الابن
قوله: "عن الشعبى" إلخ: قلت: هو قول أبى حنيفة ومحمد، وقول أبى يوسف أولا، وقوله
الآخر: إن للأب فرضه السدس، والباقى للابن وابن الابن، وهو قول إبراهيم النخعى، وحجة أبى
يوسف أن النبى معَّ ◌ُليه جعل الولاء لحمة كلحمة النسب، فيستحق به من يستحق بالنسب، وعدم
ميراث النساء من جهة الولاء مبنى على دليل سمعى على خلاف القياس.
والجواب عنه: أن معنى قوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) أن الولاء علاقة بين المعتق
والمعتق، لا تقبل التحويل والنقل، كالنسب، وهو لا يستلزم أن يكون حكمه كحكم النسب من
كل الوجوه. ثم النسب جنس تحته أنواع، كالأبوة، والأخوة، والبنوة، وغيرها. ومقتضى تلك
الأنواع مختلف، ولا يعلم من القول أنه مّه بأى نوع شبه الولاء؟ ولكنه علم من الأحاديث الأخر
أنه أشبه بنوع يقتضى العصوبة بنفسه، كالأخوة. لأن المولى يرث بالعصوبة نفسه، فلا يكون
مقتضاه الميراث بالفرض، فلا يكون فى الحديث حجة على ميراث أب المولى بالفرض، ثم الولاء
علاقة للفورة على المعتق والمعتق، لا يتجاوزهما إلى غيرهما، فلا يكون ميراث غير المولى من جهة
الولاء، بل لنيابته عن المولى، فلا يستحقه كل ذى رحم، بل من هو أشبه بالمولى فقط وهو الذى
يكون عصبته بنفسه كالولى، وعند التزاحم يرجع بالقرب، وعلى هذا لا معنى لإعطاء الأب
السدس مع الابن، أو ابن الابن، ويظهر منه أن منع النساء عن الميراث ليس على خلاف القياس، بل
هو مقتضى القياس، ولو سلم فيقال: كيف يمنع أبناء الأم من الميراث مع أنهم ذكور؟ ثم كيف يمنع
1

٣٠٤
الأب لا يستحق الولاء عند وجود الابن وابن الابن
ج - ١٦
٥٤٢٢- وهكذا رواه عن الحكم وحماد وعن زيد بن ثابت فى رجل ترك أباه
وابن ابنه، فقال: "الولاء لابن الابن"، رواه الدارمى أيضًا.
الجد منه مع أنه أب عند عدم الأب؟ فظهر أن ما ذهب إليه أبو حنيفة هو الأقوى من جهة الدليل.
واحتج السيد السند فى "الشريفة" لأبى يوسف بأن الولاء أثر الملك، فيستحق كالملك، وهو
فى غاية البعد، لأن أبا يوسف نفسه روى عن النبى معَّ له: ((أن الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع
ولا يوهب))، فكيف يجعله موروثا كالمال؟ وأعجب منه أنه احتج عليه بقوله مَّ له: ((الولاء لحمة
كلحمة النسب)) مع أن القول المذكور أن يكون حجة له أقرب من أن يكون حجة عليه. ثم أجاب
عما احتج له بأن الولاء لیس بمال، لا حقیقة ولا حكما، فلا یکون موروثا، وهو فاسد، لأن أبا
يوسف لا يجعل الولاء نفسها موروثا كالمال، بل يجعله ما به الميراث كالنسب، فلا يتم هذا
الجواب، فالصواب(١) فى الاحتجاج له ما قلنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: إذا مات المعتق، وخلف أبا معتقه وابن معتقه
فلأبى معتقه السدس، وما بقى فللابن، نص أحمد على هذا فى رواية جماعة من أصحابه، وكذلك
قال فى جد المعتق وابنه، وقال: ليس الجد، والأخ، والابن من الكبر فى شىء يجريهم على الميراث،
وهذا قول شريح والنخعى والأوزاعى والعنبرى وإسحاق وأبى يوسف، ويروى عن زيد: "أن المال
للابن"، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبى والحسن والحكم وقتادة وحماد والزهرى
ومالك والثورى وأبو حنيفة ومحمد والشافعى وأكثر الفقهاء؛ لأن الابن أقرب العصبة، والأب
والجد یرثان معه بالفرض، ولا یرث بالولاء ذو فرض بحال.
قال: ولنا أنه عصبة وارث، فاستحق من الولاء كالأخوين، ولا نسلم أن الابن أقرب من
الاب، بل هما فى القرب سواء وكلاهما عصبة، لا يسقط أحدهما صاحبه وإنما هما يتفاضلان فى
الميراث فكذلك فى الإرث بالولاء اهـ (٢٧٢:٧).
قلت: قد صرح الموفق نفسه أنه لا يرث الولاء ذو فرض بفرضه، ولا ذو رحم، وقال: هذا
كله لا خلاف فيه، ولكنه يدعى أن الأب والجد قد اجتمع فيهما فرض وتعصيب فيرثان الولاء بما
فيهما من التعصيب، دون الفرض (٢٤٢:٧).
ولا يخفى على عاقل ما فيه، فإن الأب لا يكون عصبة مع الابن، وكذا الجد، وإنما هما ذوا
(١) قلت: بل الحق فى الاحتجاج له ما ذكره الموفق فى "المغنى"، وسيأتى مع الجواب. (المؤلف)

٣٠٥
إعلاء السنن
.... باب جر الولاء
٥٤٢٣- عن الشعبی عن على وعمرو زید قالوا: "الوالد يجر ولاء ولده"،
رواه الدارمى.
٥٤٢٤- وعن إبراهيم قال: " كان شريح لا يرجع عن قضاء يقضى به، فحدثه
الأسود أن عمر قال: إذا تزوج المملوك الحرة فولدت أولادا أحرارا، ثم عتق بعد ذلك
٢٠٠
رجع الولاء لموالى أبيهم، فأخذ به شريح" ، رواه الدارمى أيضًا.
فرض إذ ذاك فرض الله للأب للسدس إذا كان لابنه الميت ولد، فلا تسلم اجتماع التعصيب
والفرض فيه معا، وإنما يكون ذا فرض مرة، وذا تعصيب أخرى، وإذا كان كذلك فالأولى أن
لا يرث الولاء مع الابن، وإلا لزم توريث الولاء لذى فرض بفرضه، وهو خلاف الإجماع،
ولا يخفى أن عليا وزيدا أجل وأفضل ممن خالفهما فى الباب، فالراجح ما عليه أكثر الفقهاء، والله
تعالى أعلم بالصواب.
قال فى "البدائع". فإن مات المعتق وترك ابنا وأبا، ثم مات العبد المعتق فالولاء للابن وابن
: الابن وإن سفل، لا للأب فى قول أبى حنيفة ومحمد وعامة الفقهاء، ومنه أبو يوسف سدس الولاء
للأب والباقى للابن، وهو قول النخعى وشريح، وهذا على أصلهما صحيح، لأنهنما ينزلان الولاء
منزلة المال، وإنما المشكل قول أبى يوسف، لأنه لا يحل ما يتركه المعتق بعد موته محل الإرث، بل
يجعله لعصبته المعتق بنفسها، والأب لا عصوبة له مع الابن، بل هو صاحب فريضة، كما فى
میراث المال، فكان الابن هو العصبة، فكان الولاء له (١٦٥:٤).
قلت: ولعل أبا يوسف ظن كما ذكره الموفق أن الأب عصبة بنفسه، قد اجتمع فيه الفرض
والتعصیب معا، وفيه ما فيه، فتدبر.
باب جر الولاء
تحقیق جر الولاء
قوله: "عن الشعبى" إلخ: قال بعض الأحباب: وتحقيق المسألة على ما وقفت أن فى الولد
جزئيتان، جزئية من الأب، وجزئية من الأم، فمقتضى الجزئية من الأم أن يكون الولاء لموالى الأم،
ومقتضى الجزئية للأب أن يكون الولاء لموالى الأب، لأن الولاء على الكل مقتض للولاء على الجزء،
ولكن جهة الجزئية من الأب راجحة، لأن الولد ینسب إلى الأب دون الأم إلا عند تعذر نسبته إلى

ج - ١٦
جر الولاء
٣٠٦
٥٤٢٥- وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، "أن الزبير بن العوام اشترى عبدا،
فأعتقه، وللعبد بنون من امرأة حرة، فقال الزبير: هم موالى، وقال موالى أمهم: هم
موالينا، فاختصموا إلى عثمان، فقضى للزبير بولائهم". رواه مالك فى "الموطأ"، وروى
أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير نحوه، كما فى "نصب الراية".
الأب كأن يكون ولد زانية، أو ابن ملاعنة، فيكون مقتضى الجزئية من الأب راجحا على مقتضى
الجزئية من الأم عند تعارض الاقتضاءين، ولأجل ذلك إذا تزوج معتق معتقة وولد لهما يكون الولاء
لموالى الأب دون موالى الأم، إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أنه إذا تزوج عبد معتقة، وولد لهما
فالولد حر تبعا للأم، والولاء لموالى الأم، لأن الجزئية من الأب غير مقتضية للولاء، لأن الأب رقيق
لا ولاء عليه لمواليه، فلا يكون لهم ولاء على جزئه، لأن الولاء على الجزء تابع للولاء على الكل،
وجزئية الأم مقتضية للولاء، لأن الأم عليها ولاء لمواليها، لكونها معتقة، فيكون لهم ولاء على
جزئها، لعدم المزاحم والمعارض، ثم لما عتق الأب صار الولاء عليه لمواليه، واقتضى هذا أن يكون
الولاء على جزئه، وهو الولد، فزاحم جزئية الأب جزئية الأم، وغلبت عليها، وجذبت الولاء من
موالى الأم إلى موالى الأب، فثبت فقه جر الولاء وسره.
قلت: ما أشبه هذا الكلام بهذر الفلاسفة! وما أبعده عن الحكمة والفقه!
قال: فإن قيل: الولاء كالنسب، والنسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته، فكذا الولاء يجب أن
لا ینفسخ بعد ثبوته.
قلنا: الولاء کالنسب، وثبوت النسب على نوعين، ثبوت محکم، وثبوت غير محکم، وهو
الذى لا يكون إصالة، بل لعارض، والثبوت المحكم لا يحتمل الفسخ والثبوت الغير المحكم يحتمل
الفسخ عند زوال العارض كنسب ابن الملاعنة يثبت من الأم، لنفى الملاعن فإذا زال هذا
العارض بإكذابه نفسه انفسخ النسب من الأم، وثبت من الأب، فكذا ثبوت الولاء،
فاندفع الإشكال، ولعل هذا الإشكال هو الذى عرض لمن قال بنفى جر الولاء، ولم يقدر لرفعه،
كما لم يقدر صاحب "الكافى"، وصاحب "غاية البيان"، وأبو نصر، وصاحب " نتائج الأفكار"
من أصحابنا، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وجملة ذلك أن الرجل إذا اعتق أمته فتزوجت عبدا، فولدها منه أحرار،
وعليهم الولاء لمولى أمهم، يعقل عنهم ويرثهم إذا ماتوا. لكونه سبب الإنعام عليهم، لعتق أمهم

٣٠٧
إعلاء السنن
جر الولاء
٥٤٢٦- وعن ابن مسعود، قال: "العبد يجر ولاءه إذا أعتق"، رواه البيهقى، كما
فى "التلخيص الحبير".
فصاروا لذلك أحرارا، فإن أعتق العبد سيده ثبت له عليه الولاء، وجر إليه ولاء أولاده عن مولى
أمهم، لأن الأب لما كان مملوكا لم يكن يصلح وارثا ولا وليا فى نكاح، فكان ابنه كولد الملاعنة،
ينقطع نسبه عن أبيه، فثبت الولاء لمولى أمه وانتسب إليها، فإذا عتق العبد صلح للانتساب إليه،
وعاد وارثا عاقلا وليا، فعادت النسبة إليه، وإلى مواليه، بمنزلة ما لو استلحق الملاعن ولده، هذا قول
جمهور الصحابة والفقهاء، يروى هذا عن عمر وعثمان وعلى والزبير وعبد الله وزيد بن ثابت
ومروان وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والنخعى، وبه قال مالك
والثورى والليث وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى وإسحاق وأحمد وأبو ثور.
ويروى عن رافع بن خديج: "أن الولاء لا ينجر عن موالى الأم"، وبه قال مالك بن أوس
ابن الحدثان والزهرى وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وداود (الظاهری)، لأن الولاء
لحمة كلحمة النسب والنسب لا يزول عمن ثبت له، فكذلك الولاء وقد روى عن عثمان نحو
هذا، وعن زيد وأنكرهما ابن اللبان، وقال: مشهور عن عثمان أنه قضى بالولاء للزبير على رافع بن
خديج. ولنا أن الانتساب إلى الأب، فكذلك الولاء، ولذلك لو كانا حرين معتقين كان ولاء
ولدهما لمولى أبيه فلما كان مملوكا كان الولاء لمولى الأم ضرورة، فإذا اعتق الأب زالت الضرورة،
فعادت النسبة إليه، والولاء إلى مواليه، وروى عبد الرحمن عن الزبير: "أنه لما قدم خيبر رأى فتية
لعسا(١)، فأعجبه طرفهم وجمالهم، فسأل، فقبل له موالى رافع بن خديج، وأبوهم مملوك لآل
الحرقة، فاشترى الزبير أباهم، فأعتقه، وقال لأولاده: انتسبوا إلى، فإن ولاء كم لى، فقال رافع بن
خديج: الولاء لى، فإنهم عتقوا بعتقى أمهم، فاحتكموا إلى عثمان، فقضى بالولاء للزبير،
فاجتمعت الصحابة عليه" اهـ من "المغنى" (٢٥٤:٧) للموفق ابن قدامة.
وفى "التلخيص الحبير": حديث هشام بن عروة عن أبيه: "أن الزبير ورافع بن خديج
اختصما إلی عثمان فی مولاة کانت لرافع بن خديج، كانت تحت عبد فولدت منه أولادا، فاشترى
الزبير العبد، فأعتقه، فقضى عثمان بالولاء للزبير"، رواه البيهقى كما عزاه إليه، وذكر على عثمان
(١) اللعس السواد فى الشفتين، تستحسنه العرب، ومثله اللمى، قال ذو الرمية:
وفى اللثاث وفى أنيابها شنب
لمياء فى شفتيها حوة لعس
(المؤلف)

ج - ١٦
٣٠٨
باب میراث مولى الموالاة
٥٤٢٧- عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم
فى ذلك اختلافا (٤١٤:٢)، سكت عنه الحافظ، ولم يعله بشىء، وتقدم قول ابن اللبان: إنه مشهور
عن عثمان، وقول عبد الرحمن: فاجتمعت الصحابة عليه، وكفى بذلك حجة، والله تعالى أعلم.
باب ميراث مولى الموالاة
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قلت: معناه أنه منسوخ عند وجود أولى الأرحام، وأما عند
عدمهم فلا، لعدم المعارضة التى هو من شروط النسخ، وهو مذهب الحنفية، والله أعلم. وما روى
أنه لا حلف فى الإسلام فلیس فیه نفی الموالاة، بل فیه نفی حلف الجاهلية، ونحن لا نقول به. ثم
مولى الموالاة ليس بأدنى درجة من الموصى له بجميع المال، وإذا كان الموصى له بجميع المال مقدما
على بيت المال فمولى الموالاة أولى، والله أعلم.
حجة الحنفية فى ثبوت ولاء الموالاة:
قال العبد الضعيف: اقتصر بعض الأحباب على الجواب عن حجة الخصم، ولم يذكر لنفسه
حجة والعجب أنه لم يراجع فى ذلك "نصب الراية"، ولا "الجوهر النقى"، ولو راجعهما لوقف
علی حجته، و حجة إمامه فى هذا الباب.
.. قال الحافظ فى "الفتح" تحت قول البخارى: "ويذكر عن تميم الدارى رفعه، قال: هو أولى
الناس بمحياه(١) ومماته، واختلفوا فى صحة هذا الخبر" اهـ، ما نصه: قد وصله البخارى فى
"تاريخه"، وأبو داود وابن أبى عاصم والطبرانى والباغندى فى "مسند عمر بن عبد العزيز".
بالعنعنة، كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: سمعت عبيد الله بن موهب
يحدث عن عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الدارى، قال: قلت: يا رسول الله! ما
السنة فى الرجل يسلم على يديه رجل من المسلمين؟ قال: ((هو أولى الناس بمنحياه ومماته))، قال
البخارى: قال بعضهم: إن ابن موهب سمع تميما، ولا يصح لقول النبى ◌ّ له: ((الولاء لمن أعتق)).
(قلنا: أراد ولاء العتاقة، لا مطلق الولاء)، وقال الشافعى: "هذا الحديث ليس بثابت". وقال
الخطابى: "ضعف أحمد هذا الحديث"، وأخرجه أحمد والدارمى والترمذى والنسائى من رواية
·(١) أى بعقله وارثه، قال قى "البدائع": أراد به من لل محياه فى العقل، ومماته فى الميراث (٤-١٧٠). (المؤلف)

٣٠٩
ميراث مولى الموالاة
إعلاء السنن
نصيبهم). قال: " كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب ليرت أحدهما الآخر،
وكيع وغيره عن عبد العزيز عن ابن مؤهب عن تميم، وصرح بعضهم بسماع ابن موهب من تميم.
وأما الترمذى فقال: ((ليس إسناده بمتصل))، قال: ((وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصة))،
رواه يحيى بن حمزة، وقال ابن المنذر: ((هذا الحديث مضطرب، وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ)).
قلت: هو من رجال البخارى، ولكنه ليس بالمكثر، وأما ابن موهب فلم يدرك تميما، ولكن
وثقه بعضهم، وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء، وصحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقى،
وقال: ((هو حديث حسن المخرج متصل)).
(قلت: والاختلاف لا يضر، فالحديث حجة)، قال ابن المنذر: ((قال الجمهور بقول الحسن
فى ذلك))، (وكان لا يرى له ولاء، علقه البخارى، ووصله سفيان الثورى فى "جامعه" عن مطرف
عن الشعبی، وعن یونس هو ابن عبيد عن الحسن)، وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وروى عن
النخعى: ((أنه يستمر إن عقل عنه، وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول لغيره، واستحق الثانى، وهلم
جرا)) اهـ ملخصا (٤٠:١٢).
وروى الطبرانى فى "معجمه" والدارقطنى فى "سنته" من حديث معاوية بن يحيى الصدفى
عن القاسم بن عبد العزيز عن أبى أمامة، قال: قال رسول الله عَّ ئله: (من أسلم على يديه رجل
فولاءه له))، ورواه ابن عدى فى "الكامل"، وأعله بمعاوية بن يحيى، وأسند تضعيفه عن ابن معين
والنسائى وابن المدينى، ووافقهم، وروى إسحاق بن راهويه فى "مسنده"، حدثنا بقية بن الوليد
حدثنى كثير بن مرة ثنا شيخ من باهلة عن عمرو بن العاص، أنه أتى رسول الله عَ لّ فذكر أن رجلا
أسلم علی یدی وله مال وقد مات، قال: ((فلك میراثه))، (وفیہ شیخ من باهلة مجهول)، وروى ابن
أبى شيبة فى "مصنفه"، حدثنا عبد السلام بن حرب عن خصيف عن مجاهد، أن رجلا أتى عمر،
فقال: "إن رجلا أسلم على يدى، فمات وترك ألف درهم، فتحرجت منها. فقال: أرأيت لو جنى
جناية على من يكون؟ قال: على، قال: فميراثه لك" (الزيلعى ٢٤٩:٢).
قلت: وهذا مرسل صحيح، فإن مجاهدا لم يسمع من عمر، ولكنه رجل من أن يروى ما
لا أصل له، أو يحمل عن كذاب، وفى قول عمر، ((أرأيت لو جنى)) إلخ، أن المسلمين من الأعاجم
إذا أسلموا على يد واحد من العرب كانوا يعاقدونه على أن يرثهم ويعقل عنبهم، وأن مجرد الإسلام
على يديه لا يكفى للتوارث، بل لا بد من المعاقدة والموالاة على ذلك، وإلا لم يكن بقول عمر:
"أرأيت لو جنى جناية على من يكون؟" معنى، فافهم، فإن الآثار يفسر بعضها بعضا، وهل يشترط

٣١٠
ج - ١٦
ميراث مولى الموالاة
فنسخ الله ذلك بالأنفال ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾، رواه
ذكر الإرث والعقل عند المعاقدة؟ فظاهر الهداية أن نعم، وظاهر "الكافى" و"التحفة" لا، كما فى
"نتائج الأفكار" (١٦٣:٨).
وأخرج أبو يوسف ومحمد فى "آثارهما" عن أبى حنيفة عن محمد (١) بن قيس الهمدانى
عن مسروق: "أن رجلا من أهل الأردن لفظ محمد: من أهل الذمة والى ابن عم له، وأسلم على
يديه، فمات، وترك مالا، فسأل ابن مسعود رضى الله عنه عن ذلك، فأمره بأكل ميراثه"
(ص١٧٠)، وفيه أنهم كانوا يوالون من أسلموا على يديه، كان ذلك معروفا من عادتهم، ولذا لم
يذكر ذلك فى حديث: ((من أسلم على يديه رجل)) إلخ، فافهم.
وأخرجا أيضا عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم، أنه قال فى الرجل يوالى القوم: إنبهم
يرثونه ويعقلون عنه، وإن شاء تحول عنهم إلى غيرهم ما لم يعقلوا عنه. فإذا عقلوا عنه لم يستطع أن
يتحول إلى غيرهم اهـ (ص١٦٩)، قال محمد: وبهذا كله نأخذ وهو قول أبى حنيفة رحمه الله.
قلت: وقد تقدم أن إبراهيم النخعى لم يكن يفتى بالرأى، بل بالأثر، ففتواه هذه محمولة
على السماع من أصحاب عبد الله عنه.
وأخرج أبو يوسف عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم: "أن امرأة سافحت فى الجاهلية.
فولدت غلاما، فاشترى أخو المرأة(٢) غلاما (أى عبدا) فأعتقه(٣) فماتت، وترك ستة ذود، فرفع إلى
عمر بن الخطاب، فأمر بها إلى إبل الصدقة. فخرج الرجل إلى ابن مسعود، فأخبره فدخل ابن
مسعود رضى الله عنه على عمر رضى الله عنه، فقال: إن لم تورثه من قبل النسب فورثه من قبل
النعمة، قال عمر: وترى ذلك؟ قال: وأنا أراه، فورثه" اهـ (ص ١٧٠)، وفيه أن الرجل إذا أعتق
ذا محرم له ثبت له الولاء عليه، وأن ولد الزنا لو كان ذا رحم من مولاه، ولم تدعه أمه لم يرثه
المولى بالنسب، ويرثه بالولاء.
دليل جواز تحول مولى الموالاة عن مولاه إذا لم يعقل عنه:
قلت: والدليل على أن لمولى الموالاة التحول عن مولاه إذا لم يعقل عنه ما رواه أبو عاصم
. (١) هو المرهبى، وفرق البخارى بين الهمدانى والمرهبى، وأيا ما كان فهو ثقة، كما فى "التهذيب" (٤١٣:٩).
(٢) أى هذا الغلام الذى كان ولد أخته من الزنا ولم يكن يعرف أنه ابن أخته، أو عرفه ولد وأراد أن يخلصه من ذلة الرق
(٣) والظاهر أن المرأة التى ولدته لم تكن ألحقته بنفسها بل تركته مضيعا، أو أودعته امرأة أو رجلا فاسترقه الذى أودعته والله أعلم.

٣١١
ميراث مولى الموالاة
إعلاء السنن
الحاكم، وسكت عنه هو والذهبى فى "التلخيص".
النبيل عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر، قال: كتب النبى معَّله على كل بطن عقوله، وقال:
((لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم)) (وهذا سند صحيح)، قال الجصاص: وقد حوى هذا الخبر معنيين:
أحدهما: جواز الموالاة، والثانى: أن له أن يتحول بولائه إلى غيره، إلا أنه كرهه، إلا بإذن الأولين.
ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام فى ذلك إلا ولاء الموالاة، لأنه لا خلاف أن ولاء
العتاقة لا يصح النقل عنه وقال النبى معَّ له: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) اهـ. قال: فإن قيل: هذا
محمول على ابتداء الإسلام حين كان المهاجر يرث الأنصارى دون ذوى رحمه، بالأخوة التى آخى
الله بينهم، ثم نسخ ذلك كما قال ابن عباس. قلنا: قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان
حكما ثابتا فى الإسلام، وهو الميراث بالمعاقدة والموالاة، ثم قال قائلون إنه منسوخ بقوله: ﴿وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾
وقال آخرون: ليس منسوخا من الأصل ولكنه جعل ذوى الأرحام أولى من موالى المعاقدة،
فنسخ ميراثهم فى حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذى كان عليه
(وهذا إنما يكون فى الأعاجم الذين ضيعوا أنسابهم، وأما العرب فلا يفقد أقرباءهم، بل لكل واحد
منهم عصبة قريب أو بعيد، ولأجل ذلك كان من شرطه أن يكون المولى من العرب؛ لأن تناصرهم
بالقبائل، فأغنى عن الموالاة، كذا فى "الهداية").
قال الجصاص: الآية أى قوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ توجب
الميراث الذى والاه وعاقده على الوجه الذى ذهب إليه أصحابنا. لأن كان حكما ثابتا فى أول
الإسلام وحكم الله به فى نص التنزيل، ثم قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله
من المؤمنين والمهاجرين﴾، فجعل ذوى الأرحام أولى من المعاقدين الموالى، فمتى فقد ذوو الأرحام
وجب ميراثهم بقضية الآية اهـ ملخصا (٦٨١:٣).
وفى "الجوهر النقى" فى باب من والى رجلا: ذكر البيهقى فى آخره، أن الشافعى قال: وبين
يعنى النبى معَّ فى قوله: ((إنما الولاء لمن أعتق)) أنه لا يكون(١) الولاء إلا لمن أعتق.
قلت: فى "الصحيحين" من حديث على وسعيد بن زيد ((ومن تولى قوما بغير إذن مواليه))،
(١) قلنا: نعم، ولكنه أراد ولاء العتيق، وهو أظهر من أن يخفى؛ لورود الحديث فى من باع عبدا أو أمة واشترط ولاءه يدل عليه ما
فى رواية أخرى للبخارى: ((إنما الولاء لمن أعطى الورق، وولى النعمة)).
.

٣١٢
ج - ١٦
ميراث مولى الموالاة
وفى "صحيح مسلم" من حديث جابر ((ولا يحل أن يتوالى رجل مسلم بغير إذنه)) وذكر البيهقى
هذا الحدیث فيما مضى، وفى ذلك دليل على أن له أن یتولی غیر مولاه یاذنه، فدل على أنه كان
مولى له بغير العتاق، إذ لو كان مولى له بالعتاق لم يجز أن يتولى غيره أذن له أو لم يأذن، وحديث
تميم أيضا يدل على وجود الولاء بغير العتق، وكذا (حديث) اللقيط، وسنتكلم عليهما.
تصحیح حدیث تمیم فى هذا الباب:
ثم قال فى حديث تميم: ذكر البيهقى أن الشافعى قال: "ابن موهب ليس بالمعروف عندنا،
ولا نعلمه لقى تميما، ومثل هذا لا يثبت عندنا، ولا عندك من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلا".
قلت: أخرجه الحاكم من طريق ابن موهب عن تميم، ثم قال: "صحيح على شرط مسلم،
وعبد الله بن موهب بن زمعة مشهور وشاهده عن تميم حديث قبيصة"، ثم ذكر حديث قبيصة
بسنده، وأخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف" عن وكيع عن عبد العزيز، وصرح فيه بسماع ابن
موهب من تميم، كرواية نعيم (التى أخرجها البيهقى).
وأخرجه ابن ماجة فى "سننه" عن ابن أُبی شیبة کذلك، فهذان ثقتان جلیلان صرحا فى
روايتهما بسماع ابن موهب من تميم، وأدخل يزيد بن خالد وهشام وابن يوسف بينهما قبيصة،
فإن كان الأمر كما ذكر أبو نعيم، ووكيع حمل على أنه سمع منه بواسطة وبدونها، وإن ثبت أنه
لم يسمع منه، ولا لحقه فالواسطة - وهو قبيصة (ابن ذويب)- ثقة أدرك زمان تميم بلا شك، فعنعنته
محمولة على الاتصال، فلا أدرى ما معنى قول البيهقى: "فعاد الحديث مع ذكره إلى الإرسال"،
وقال صاحب "الكمال": ابن موهب ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء فلسطين، وروى عنه عبد
العزيز بن عمر والزهرى وابنه يزيد بن عبد الله وعبد الملك بن أبى جميلة وعمرو بن مهاجر ..
وقال يعقوب بن سفيان: "ثنا أبو نعيم ثنا عبد العزيز بن عمر، وهو ثقة، عن ابن موهب
الهمدانى، وهو ثقة، قال: سمعت تميما"، وكذا ذكر الصريفينى فى "كتابه" بخطه، فدل ذلك
على أنه ليس بمجهول، لا عينا، ولا حالا، ثم الظاهر أن الشافعى يخاطب محمد بن الحسن، لأنه
المخالف له فى هذه المسألة هو وأصحابه، وقد عرف من مذاهبهم أن الجهالة وعدم الاتصال (فى
القرون الفاضلة) لا يضران الحديث، فلو سلموا له ذلك لكان الحدیث ثابتا عندهم محتجا به،
فکیف یقول الشافعی: " ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك؟

٣١٣
ميراث مولى الموالاة
إعلاء السنن
وفى "التهذيب" لابن جرير الطبرى: وروى خصيف عن مجاهد، قال: "جاء رجل إلى
عمر، فقال: إن رجلا أسلم على يدى، ومات، وترك ألف درهم. فلمن ميراثه؟ قال: أرأيت لو جنى
جناية من كان يعقل عنه؟ قال: أنا، قال: فميراثه لك". ورواه مسروق عن ابن مسعود، وقاله
إبراهيم وابن المسيب والحسن ومكحول وعمر بن عبد العزيز، وفى "الاستذكار": وهو قول أبى
حنيفة وأصحابه وربيعة، وقاله یحیی بن سعید فی الکافر الحربی إذا أسلم على ید مسلم، وروی عن
عمر وعثمان وعلى وابن مسعود أنهم أجازوا الموالاة، وورثوا بها، وقاله الليث وعطاء والزهرى،
ومكحول نحوه، وعن ابن المسيب: "أيما رجل أسلم على يديه رجل فعقل عنه ورثه، وإن لم يعقل
عنه لم يرثه".
وقالت به طائفة، وعند أبى حنيفة وأصحابه: إذا أسلم على يديه ولم يعقل عنه ولم يواله لم
يرثه ولم يعقل عنه، وإن والاه على أن يعقل عنه ويرثه ورثه وعقل عنه، وهو قول الحكم وحماد
وإبراهيم، وهذا كله إذا لم يكن له عصبةٍ.
تحقيق حديث اللقيط، وأن المرأة تحوز ميراث لقيطها إذا والاها و عاقدها:
وقال فى حديث اللقيط: ذكر البيهقى فيه عن سنين أبى جميلة قال: "وجدت منبوذا" إلخ،
ثم قال: أجاب عنه الشافعى بأنه ليس مما يثبت مثله، هو عن رجل ليس بالمعروف يعنى أبا جميلة.
قلت: هو من الصحابة، أخرج له البخارى فى المغازى من "صحيحه" حديثا عن النبى معَّ له، وعده
ابن حبان وابن مندة وغيرهما فيهم، وذكر جماعة أنه شهد الفتح معه عرّ فه، وقال ابن أبى حاتم:
"روى عنه الزهرى وزيد بن أسلم" ...
. وقد ورد فى هذا الباب عن واثلة أنه عليه السلام قال: "المرأة تحوز ثلاثة مواريث، عتيقها،
ولقيطها، وولدها الذى لاعنت عليه"، صحح الحاكم إسناده، وخسنه الترمذى، وسكت عنه أبو
داود، فهو حسن عنده أيضا، وقد كلمنا عليه فى كتاب الفرائض اهـ (٢٦٣:٢)
قلت: مذهب الجمهور أن اللقيط حر، ولا ولاء عليه للملتقط، وولاءه فى بيت المال إذا
لم يوال أحدا، فلو والى الملتقط أو غيره على أن يرثه ويعقل عنه فولاءه لمن والاه عندنا، وعلى هذا
يحمل قول النبى معَ ◌ّه: ((تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها)) إلخ، أى إذا والاها اللقيط
وعاقدها، فميراثه لها، وكان من عادة العرب أن من كان منهم لا يأوى إلى عشيرة كان يوالى أحدا

٣١٤
ج - ١٦
ميراث مولى الموالاة
من أصحاب العشيرة، وكذلك اللقيط كان يوالى الملتقط غالبا، ولأجل ذلك لم يحتج إلى ذكر
شرط الموالاة، لأن المعروف كالمشروط، ويدل على ذلك ما رواه ابن أبى شيبة، ثنا حاتم بن
إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال على: "المنبوذ حر، فإن أحب أن يوالى الذى
التقطه والاه، وإن أحب أن يوالى غيره والاه"، وقال أيضا: ثنا حماد بن خالد عن ابن أبى ذئب عن
الزهرى: "أن عمر أعطى ميزاث المنبوذ للذى كفله"، كذا فى "الجوهر النقي" (٢٦٤:٢). أى
لكونه كان قد والاه وعاقده.
رجوع المؤلف عن قوله فى معنى اللقيط:
وعلى هذا فلا حاجة إلى تفسير اللقيط بولد الزنا، كما قلته فيما مضى، ولا إلى رد الحديث،
كما فى "حاشية الترمذى" (٣٣:٢)، فقد رأيت أن الحاكم صححه، وحسنه الترمذى، وسكت
عنه أبو داود، وهو محمل قول عمر لسنين أبى جميلة حين جاءه بمنبوذ: ((اذهب فهو حر، ولك
ولاءه، وعلينا نفقته))، رواه مالك والبيهقى (فتح البارى ٢١٠:٥)، فالمراد بالولاء ولاء الموالاة، دون
ولاء العتاقة، لتصريحه بكون اللقيط حرا لا رق عليه للملتقط، ولا لأحد غيره، فلا بد من حمل
الولاء على ولاء الموالاة، لما كان قد تعورف بينهم أن اللقيط كان يوالى ملتقطه على أن يرثه ويعقل
عنه، فافهم فإن هذا من المواهب، ولله الحمد.
إذا أعتق حربى حربيا فهل له عليه ولاء؟:
فائدة: قال الموفق فى "المغنى" (٢٤١:٧). وإن أعتق حربى حربيا فله عليه الولاء، لأن
الولاء مشبه بالنسب، والنسب ثابت بين أهل الحرب، فكذلك الولاء، وهذا قول عامة أهل العلم،
إلا أهل العراق، فإنهم قالوا: العتق فى دار الحرب، والكتابة، والتدبير لا يصح، ولو استولد أمة
لم تصر أم ولد، مسلما كان السيد، أو ذميا، أو حربيا، قال: ولنا أن ملكهم ثابت، بدليل قوله
تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾ فنسبتها إليهم، فصح عتقهم كأهل الإسلام، وإذا
ثبت عتقهم ثبت الولاء لهم، لقول النبى عنّ له: ((الولاء لمن أعتق) اهـ.
قلت: لا أدرى من هؤلاء أهل العراق الذين قالوا: لو استولد الحربى أمة لم تصر أم ولد له،
مسلما كان السيد، أو ذميا، أو حربيا، وأما أبو حنيفة فإنما قال: لو أعتق حربى عبده الحربى فى
دار الحرب لم يصر بذلك مولاه، حتى لو خرجا إلى دار الإسلام مسلمين لم يكن له ولاء علیه،

٣١٥
ميراث مولى الموالاة
إعلاء السني
وهو قول محمد، لأنه لا يعتق عندهما بلفظ الإعتاق، إنما يعتق بالتخلية، والعتق الثابت بالتخلية
لا يوجب الولاء، وعند أبى يوسف يصير مولاه، ويكون له ولاءه، لأن إعتاقه بالقول قد صح فى
دار الحرب، وكذلك لو دبره فى دار الحرب، فهو على هذا الاختلاف، ولا خلاف فى أن استیلاده
جائز، وتصير الأمة أم ولد له، لا يجوز بيعها، لأن مبنى الاستيلاد على ثبوت النسب، والنسب
يثبت فى دار الحرب.
ولو أعتق مسلم عبدا له مسلما أو ذميا فى دار الحرب فولاءه له، لأن إعتاقه جائز بالإجماع،
وإن أعتق عبدا له حربيا فى دار الحرب لا يصير مولاه عند أبى حنيفة، لأنه لا يعتق بالقول، وإنما
يعتق بالتخلية، وعند أبى يوسف يصير مولاه، لثبوت العتق بالقول، وقول محمد مضطرب(١)،
حتى لو أسلم العبد فى دار الحرب، وخرجا مسلمين إلى دار الإسلام فلا ولاء للمعتق على المعتق،
وللمعتق أن يوالى من شاء عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف يرث المعتق من المعتق، وله ولاءه، كذا
فى "البدائع" (٤: ١٦١).
وليس منشأ قول أبى حنيفة ما ذكره الموفق أن ملكهم ليس بثابت عنده، بل منشأه أن الولاء
بالعتق من أحكام الإسلام، وأحكام الإسلام لا تجرى فى دار الحرب، وأيضا فإن أهل الحرب
لا يرون الإعتاق بالقول شيئا، وإنما الإعتاق عندهم بالتخلية.
ألا ترى أنهم يبيعون الأحرار بالاستيلاء والقهر، يبيع أحدهم زوجته، وابنه، وأخاه، وهذا
يدل على أن سبب الرق عندهم هو الاستيلاء، فكان العتق رفع هذا الاستيلاء، وهو التخلية،
ولذلك جعل الشارع مراغمة العبد لسيده فى خروجه من دار الحرب مسلما سببا لحريته، كما
روى أحمد فى "مسنده". وابن أبى شيبة فى "مصنفه" من حديث الحجاج عن الحكم عن مقسم
عن ابن عباس: "أن عبدين خرجا من الطائف إلى النبى مرَّ ةٍ، فأسلما. فأعتقهما النبى عّ لّه،
أحدهما أبو بكرة" (الزيلعى ١٤٦:٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) وفى شرح السير": ولو أعتق المسلم المستأمن فيهم عبدا حربيا فهو حر لا سبيل عليه، لأن المسلم لا يكون مسترقا لمعتقه،
وهذا بناء على قول محمد رحمه الله، فأما عند أبى حنيفة رضى الله عنه كما لا ينفذ العتق من الحربى فى عبده الحربى لا ينفذ
من المسلم، لأنه يعتبر جانب المعتق (اسم مفعول)، وهو يقول: عرضته للتملك بالقهر فى الوجهين، فلا ينفذ فيه العتق اهـ
(٢٠٦:٤)، وفيه دلالة على أن قول محمد ليس بمضطرب، وأن مبنى قول أبى حنيفة كون الحربى عرضة للتملك بالقهر،
لا ما زعمه الموفق أن ملك الحربى ليس بثابت على عبده، فافهم، والله تعالى أعلم. (المؤلف)

ج - ١٦
ميراث مولى الموالاة
: ٣١٦
لا يقال: إن سبب العتق هو إسلام العبد، لأنه لو أسلم فى دار الحرب لم يعتق بمجرد الإسلام
ما لم يخرج إلينا مراغما لسيده، فافهم.
لا يرث المولى من أسفل معتقه:
فائدة: قال الموفق: ولا يرث المولى من أسفل معتقه فى قول عامة أهل العلم، وحكى عن
شريح وطاوس أنهما ورثاه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن
عباس: "أن رجلا توفى على عهد رسول الله عّ لّه وليس له وارث إلا غلام له، هو أعتقه، فأعطاه
رسول الله عَ ◌ّ ميراثه".
قال الترمذى: "هذا حديث حسن، وروى عن عمر نحو هذا"، ولنا قول النبى معَّ له: ((إنما
الولاء لمن أعتق) ولأنه لم ينعم عليه فلم يرثه، كالأجنبى، وإعطاء النبى م لآ له (لا يدل على
أنه أعطاه من جهة الإرث بالولاء، لأنها قضية فى عين)، فيحتمل أن يكون وارثا بجهة
غير الإعتاق، وتكون فائدة الحديث أن إعتاقه له لم يمنعه ميراثه، ويحتمل أنه أعطاه وصلة
وتفضلا اهـ (٢٧٨:٧).
وفى "الجوهر النقى": قال البيهقى: "ورواه بعض الرواة عن عمر وعن عكرمة عن ابن
عباس، وهو غلط لا شك فيه".
قلت: أخرجه شيخه الحاكم فى "المستدرك" من طریق (ابن جريج عن عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس)، ثم قال: "صحيح على شرط البخارى" اهـ (٥٣:٢)، وأقره الذهبى عليه،
ولم يقل: إنه غلط بلا شك، وإنما قال كما قال الحاكم بعد تصحيحه: "على شرط البخارى"،
ورواه حماد بن سلمة وابن عيينة عن عمرو، فقال: عن عوسجة بدل عكرمة اهـ (٣٤٦:٤).
وبالجملة فالحديث صحيح، ولا أقل من أن يكون حسنا، فلا وجه لتغليط الرواة، ولا لرد
الحديث، بل لا بد من التأويل، كما أوله الموفق رحمه الله، فافهم.

٣١٧
إعلاء السنن
كتاب الإكراه
باب نصرة أخيه المسلم
٥٤٢٨- عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله عَ ◌ّ قال: ((المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته)).
باب نصرة أخيه المسلم
قوله: "عن عبد الله" إلخ. قلت: الحديثان يدلان على الندب إلى نصرة المسلم بشرط
القدرة، وإذن الشارع، ولا دليل فيهما على جواز شرب الخمر وأكل الميتة، أو وجوبه لنصرته،
ولا على بطلان البيع الذى يعقد لنصرته، ولكن قال البخارى: إن قيل له: لتشربن الخمر، أو لتأكلن
الميتة، أو لتبيعن عبدك، أو تقر بدين، أو تهب هبة، وكل عقدة أو لنقتلن أباك، أو أخاك فى الإسلام،
وسعه ذلك؛ لقول النبى معَّه: ((المسلم أخو المسلم»
وقال بعض الناس: لو قيل له: لتشرب الخمر، أو لتأكلن الميتة، أو لنقتلن ابنك، أو أباك، أو
ذا رحم محرم لم يسعه ذلك، لأن هذا ليس بمضطر، ثم ناقض فقال: إن قيل له: لنقتلن أباك، أو
ابنك، أو لتبيعن هذا العبد، أو تقر بدين، أو بهبة، يلزمه فى القياس، ولكنا نستحسن، ونقول: البيع
والهبة و كل عقدة فى ذلك باطل، فرقوا بين كل ذى رحم وغيره بغير كتاب ولا سنة.
وحاصل هذا الكلام أنه ادعى جواز شرب الخمر، وأكل الميتة، أو وجوبه عند التهديد بقتل
المسلم، بناء على الحديثين، وجعله من باب الإكراه، واعترض على أبى حنيفة أنه خالف السنة،
حيث لم يبح شرب الخمر، وأكل الميتة لمن هدده رجل بقتل أبيه، أو ابنه، أو أخيه، مع أن السنة
يبيحهما له، ومع هذه المخالفة ناقض نفسه، حيث لم يجعله مضطرا فى الميتة وشرب الخمر، وجعله
مضطرا فى باب البيع والإقرار والهبة وغير ذلك بالاستحسان، ثم فرق بين ذى رحم محرم وغيره
من غیر دلیل، فهذه ثلاثة إيرادات:
الأول: أنه خالف السنة حيث لم يبح شرب الخمر وأكل الميتة للشخص المذكور. الجواب
عنه: أنه لا دليل فى السنة على جواز شرب الخمر وأكل الميتة، لأن ما فى السنة هو ((المسلم أخو
المسلم))، وينبغى له نصرته بقدر الاستطاعة وإجازة الشرع، وليس فيه أنه يسع له نصرته بشرب
الخمر وأكل الميتة، بل يحتاج ذلك إلى دليل آخر يدل على أن شرب الخمر وأكل الميتة مأذون فيه له
من جهة الشرع فى مثل تلك الحال، فادعاء مخالفة السنة ادعاء مجرد، ويجب على البخارى إقامة

٣١٨
باب نصرة أخيه المسلم
ج - ١٦
٥٤٢٩- وعن أنس، قال: قال رسول الله ◌َّ له: ((أنصر أخاك ظالما أو مظلوما))،
الدليل على كونه مأذونا فيه فى مثل تلك الحال، ليتم الإيراد؛ وأنى له ذلك؟ فإن قيل: إن الشارع
أباح له شرب الخمر وأكل الميتة فى حالة الاضطرار، وهو مضطر إليه لإنقاذ المسلم. قلنا: مطلق
الاضطرار غير مبيح لشرب الخمر وأكل الميتة، وإلا لوجب أن يباح له شرب الخمر وأكل الميتة إذا
هدره بإتلاف ماله، لأنه مضطر إليه لإنقاذ ماله، مع أنه ليس كذلك، فثبت أن مطلق الاضطرار غير
مؤثر فى الإباحة، بل المؤثر فيه هو الاضطرار الخاص، وهو إنقاذ نفسه، أو عضو من أعضاءه من
التلف، وحينئذ لا یتم الإيراد.
والثانى: أنه ناقض نفسه، حیث لم يجعله مضطرا إلى شرب الخمر، وجعله مضطرا فى باب
البيع وغيره. والجواب: أنه لا تناقض، لأن للاضطرار مراتب، وفى باب الشرب والأكل نفى لمرتبة
خاصة مؤثرة فى حل الخمر والميتة، وفى باب البيع وغيره إثبات لمرتبة أخرى مؤثرة فى عدم لزوم
البيع، فلا تناقض. قال العبد الضعيف: والحق أنه ليس بمضطر فى البيع أيضا، ولكن البيع لا يتم إلا
بالرضى. ومثل هذا التهديد وإن لم يؤثر فى إباحة المحرم، ولكنه مؤثر فى إزالة الرضى فيبطل البيع
لهذا المعنى، والله تعالى أعلم.
والثالث: أنه تحكم فى الفرق بين ذی رحم محرم وغيره، حیث جعله مضطرا فى باب ذى
رحم محرم، ولم يجعله كذلك فى باب غيره من غير كتاب وسنة.
والجواب: أنه إن لم يكن نص فى الفرق فليس نص فى عدم الفرق والمساواة أيضا، فإن كان
دعوى الفرق من غير نص فدعوى المساواة أيضا من غير نص، وقوله: ((المسلم أخو المسلم)» إلخ.
غير متعرض للزوم البيع وعدمه مطلقا، أو على التفصيل بين ذى رحم محرم وغيره، فالمسألة
اجتهادية غير مستندة إلى النص، ووجه الفرق أن انعدام الرضى بالبيع عند التهديد بقتل القريب
منسوب إلى إكراه المكره، لأن عدم الرضى بقتل القريب، وفداءه بالمال أمر طبعى، بخلاف
الأجنبى، لأنه ليس انعدام الرضى بالبيع عند التهديد بقتله منسوبا إلى المهدد، لأنه لا يتأثر بقتله
طبعا، كما كان يتأثر بقتل القريب، بل إن كان البيع فى هذا الحال غير واجب فهو من قبيل الإيثار
والسماحة فلا إلجاء هناك، وإن كان واجبا فهو إلجاء من جهة الشرع، لا من جانب المهدد، وإلجاء
الشارع غير مؤثر فى عدم لزوم البيع وغيره، هذا هو الفرق، فاندفع ما قال البخارى.
وقال العينى مجيبا عن المناقضة: قلت: "هذه المناقضة ممنوعة، لأن المجتهد يجوز له أن
يخالف قياس قوله بالاستحسان، والاستحسان حجة عند الحنفية" اهـ.

٣١٩
باب نصرة أخيه المسلم
إعلاء السنن
فقال رجل: "يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟
وهذا الجواب منشأه عدم فهم مراد البخارى؛ لأن مقصوده ليس إنكار حجية الاستحسان،
ولا إنكار جواز مخالفة القياس بالاستحسان. بل مقصوده بيان المناقضة بين قوله فى شرب الخمر
وقوله فى باب البيع، وهو لا يندفع بهذا الجواب، وقال أيضا مجيبا، عن قوله: ((فرقوا بين كل ذى
رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة)).
قلت: "هذا أيضا بطريق الاستحسان، وهو غير خارج عن الكتاب والسنة" اهـ وهذا غير
كاف للخصم، ولا شاف، لأن لكل أحد أن يدعى دعوى، ويقول: هذا بطريق الاستحسان،
والاستحسان غير خارج عن الكتاب والسنة، بل كان ينبغى له أن يبين وجه الاستحسان، ويبين أنه
غير مخالف لقوله عليه السلام: ((المسلم أخو المسلم))، وقوله: (انصر أخاك))، ولم يجب العينى عن
الإيراد الأول بشىء، ولعله لم يفهمه.
وقال بعض الناس فى دفع الوسواس: "إن مبنى التناقض هو عدم حجة الاستحسان عند
البخارى"، وقد عرفت من تحقيقنا أن هذا خطأ؛ لأن البخارى لم يتعرض لحجية الاستحسان
وعدمها، وقد زعم أيضا أن التناقض عند البخارى هو بين القياس والاستحسان، وهو أيضا خطأ.
لأنه لا يدعى التناقض بين القياس والاستحسان، وإنما هو يدعيه بين قوله فى شرب الخمر وبين قوله
فى باب البيع، وذكر القياس إنما هو لتقوية الإيراد فقط، ولم يتعرض للجواب عن الإيراد الأول
والثالث، لأنه لم يفهمهما، فتأمل، والله أعلم.
ثم اعلم أن الباب وإن لم يكن من أبواب الإكراه، إلا أن البخارى لما أدرجه فى أبواب
الإكراه أدرجناه أيضا فى تلك الأبواب، تنبيها على خطأ البخارى فى الاستنباط، والإيراد على أبى
حنيفة.
تنبيه: قال العينى فى "العمدة" (١١٠:٦): قال العلماء: نصر المظلوم فرض واجب على
المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على من له
قدرة على نصرته، إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه، وقال فى (ص١٠٨) فى
شرح قوله: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه)): قال ابن التين: لا يظلمه ولا يسلمه
مستحب، وظاهر کلام الداودی أنه کظلمه قال: وفيه تفصيل الوجوب إذا فجئه عدو وشبه ذلك،
والاستحباب فيما كان من إعانة فى شىء من الدنيا، وقال ابن بطال: نصر المظلوم فرض كفاية،
وتتعين فرضيته على السلطان.

٣٢٠
باب نصرة أخيه المسلم
ج - ١٦
قال: ((تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره))، أخرجهما البخارى.
قلت: الوجوب والاستحباب بحسب اختلاف الأحوال اهـ كلامه. قلت: لا يظهر من هذا الكلام
تفصيل الأحوال التى تجب فيها النصرة وتستحب، ولا يعلم شرائط الوجوب.
وقال ابن حجر فى "الفتح" (٧٢:٥): نصر المظلوم فرض كفاية، وهو عام فى المظلومين،
وكذلك فى الناصرين، بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع، وهو الراجع، ويتعين أحيانا
على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر. فلو علم، أو
غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب، وبقى أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت
المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفصل ظلماً اهـ. قلت: لا يعلم منه أنه هل
يجب هذه النصرة بتحمل الضرر أم تجب بغيره؟ وعلى الأول لا يعلم هل لضرر يتحمله حد أم لا؟
فلیتحقق.
.. قال العبد الضعيف: والحاصل أن الإكراه إنما يتحقق عندنا بتهديد فى نفس المكره وأعضاءه،
لا بتهدید فى نفس غيره، ألا ترى أنه لو قال حربى: "ادفع إلى جاريتك لأزنى بها وأدفع إليك ألف
أسير"، لم يحل له أن يدفع إليه جاريته. لأن هذا ليس إكراها، حتى يرخص لها الزنا، وأما الأسارى
، ،ے
فالله تعالى قادر على تخلصهم وتصبیرهم على بلیتهم (الشامى ١٢٥:٥).
وكذا لو قيل لامرأة: "مكنينا من نفسك ندفع إليك أسارى المسلمين، وإلا قتلناهم"، لم يجز
لها أن تمكنهم من نفسها، ولو قيل لها: "مكنينا من نفسك وإلا قتلناك" جاز لها التمكين. وبالجملة
فيجب على المسلم أن يجعل نفسه وقاية لأخيه المسلم ما لم يلزمه ارتكاب محرم، وإلا فلا، ومن
ادعى غير ذلك فعليه البيان، وأما قوله : ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) فليس على عمومه،
لكونه مخصوصا بالعاجز عن النصر إجماعا، ومن لم يقدر على نصر أخيه إلى ارتكاب ما حرمه
الله عليه فليس هو بقادر، لتعارض نصر الدين ونصر المسلم، ونصر الدين أهم من نصر المستلم.
وأخرج البيهقى من طریق سفيان بن سعید (الثوری) یذکر عن ابن جريج، قال: "حدثنى
عطاء عن ابن عباس (فى قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة)) قال: والتقناة التكلم باللسان
والقلب مطمئن بالإيمان، ولا يبسط يده فيقتل، ولا إلى إثم فإنه لا عذر له" اهـ (٢٠٩:٨). وهذا
سند صحيح، وابن عباس أعلم بمعنى الإكراه والتقية من ألوف من أمثال ابن حزم والبخارى
وغيرهما من المحدثين، فلا يكون احتجاجهم بعموم قوله عدّ له: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) حجة
على أبى حنيفة وأصحابه، فإنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض، هذا مع أن ما عزاه البخارى إلى