النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الولاء لحمة كلحمة النسب
إعلاء السنن
سليم أيضًا عن عبيد الله بن عمر وإن أخطأ فى قوله: "عن نافع"، مكان "عبد الله بن
دينار"، فاعرف ذلك، ولا تعجل برد ما رواه الأئمة بمجرد التوهم، والله أعلم.
فلعله لم يبلغ هؤلاء أو بلغهم وتأولوه، وانعقد الإجماع على خلاف قولهم اهـ (٣٧:١٢).
قلت: ويعكر عليه ما أخرجه البزار والطبرانى كما فى "فتح البارى" أيضا من طريق سليمان
بن على بن عبد الله ابن عباس عن أبيه عن جده رفعه ((الولاء ليس بمنتقل، ولا متحول»، وفى سنده:
المغيرة بن جميل، وهو مجهول، نعم، عن ابن عباس من قوله: ((الولاء لمن أعتق لا يجوز بيعه
ولا هبته))، (مفاده صحة ذلك عن ابن عباس من قوله. فكيف يصح ما روى عن ميمونة أنها وهبت
ولاء سليمان بن يسار له؟ اللهم إلا أن يحمل هبة ولاءه على هبة مالها عليه من بدل الكتابة، أو هبة
ميراثه، دون نسبة الولاء).
وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، كذا عن عروة. وجاء عن ميمونة
جواز هبة الولاء، وكذا عن ابن عباس، قال الحافظ: قد أنكر ذلك ابن مسعود فى زمن عثمان.
فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول: ((أيبيع أحدكم نسبه؟)) ومن طريق على (الولاء شعبة من
النسب))، ومن طريق جابر ((أنه أنكر بيع الولاء وهبته)). ومن طريق عطاء ((أن ابن عمر كان ينكره))،
ومن طريق عطاء عن ابن عباس ((لا يجوز))، وسنده صحيح، ومن ثم فصلوا فى النقل عن ابن عباس
بين البيع والهبة اهـ (٣٨:١٢).
لا ينتقل الولاء عن المعتق:
ومن فقه الحديث أن لا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به مع
بقائه للمعتق، هذا قول الجمهور، وروی نحو ذلك عن عمر وعلى وزيد وابن مسعود وأبى بن
كعب وابن عمر وأبى مسعود البدرى وأسامة بن زيد، وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله
والحسن وابن سيرين والشعبى والزهرى والنخعى وقتادة وأبو الزناد وابن نشيط وأبو حنيفة
وأصحابه ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأبو ثور وأبو داود، وشذ شريح، فقال: الولاء
کالمال یورث عن المعتق فمن ملك شیئا حیاته فهو لورثته (بعد موته). ورواه حنبل ومحمد بن
الحكم عن أحمد، وغلطهما أبو بكر، وهو كما قال، فإن رواية الجماعة عن أحمد مثل قول
الجماعة، وذلك لقوله مرّ له: (الولاء للمعتق))، وقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، والنسب لا
يورث، وإنما يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب، والله تعالى أعلم اه من "المغنى" (٢٤٤:٧)

٢٨٢
ج - ١٦
باب أن الولاء للمعتق
٥٣٩٨- عن النبى عّ لّ أنه قال: ((الولاء لمن أعتق))، قاله فى قصة شراء عائشة
بریرة، رواه البخاری، وغيره.
لابن قدامة، ومن فقه الحديث أن ولاء السائبة لمولاه كما تقدم، والله تعالى أعلم، وسيأتى من فروع
هذا الحديث أشياء، فانتظر مفتشا.
باب أن الولاء للمعتق
قوله: ((عن النبى عَّه))، وهو يدل على ثبوت الولاء للمعتق رجلا كان أو امرأة، وهو
مذهب أئمتنا، قال العبد الضعيف: قد تقدم إجماع أهل العلم على ذلك إذا لم يعتقه سائبة، ففيه
الخلاف، والجمهور على أن ولاءه لمولاه أيضا.
إذا اختلف دین السید و عتيقه فالولاء ثابت:
فإن اختلف دين السيد وعتيقه فالولاء ثابت، لا نعلم فيه خلافا، لعموم قول النبى عد له:
((الولاء لمن أعتق)). ولقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين،
فكذلك الولاء، ولأن الولاء إنما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه، وهذا المعنى ثابت مع اختلاف دينهما،
ويثبت الولاء للذكر على الأنثى والأنثى على الذكر، ولكل معتق، لعموم الخبر والمعنى، ولحديث
عبد الله بن شداد.
وهل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين؟ جمهور العلماء على أنه لا يرثه مع اختلاف
دينيهما، لقول النبى معَّ له: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)) متفق عليه. ولأنه ميراث
فيمنعه اختلاف الدين، كميراث النسب، ولأن الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى فالأضعف
أولى، ولأن النبى معَ ◌ّه لحق الولاء بالنسب بقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) فكما يمنع اختلاف
الدين التورث مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه مع صحة الولاء وثبوته. فإذا اجتمعا على
الإسلام توارثا، كالمتناسبين، وعن أحمد فى ذلك روايتان: إحداهما كقول الجمهور.
قال الموفق: وهذا أصح فى الأثر، والنظر إن شاء الله تعالى، والأخرى أنه یرثه، روی
ذلك عن على وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أهل الظاهر، وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصرانى،
لأنه يصح له تملكه، ولا يرث النصرانى مولاه المسلم، لأنه لا يصلح له تملكه اهـ من "المغنى"
(٢٤١:٧) ملخصا.

٢٨٣
الولاء للمعتق
إعلاء السنن
من أعتق عبدا عن كفارته، أو نذره فالولاء للمعتق:
وإن أعتق عبدا عن كفارته، أو نذره فالجمهور على أن ولاءه للمعتق بقوله عُ له: ((الولاء
للمعتق)). ولأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها، اشترتها بشرط العتق فأعتقتها، فكان ولاءها لها،
وشرط العتق يوجبه، ولأنه معتق عن نفسه فكان الولاء له، كما لو اشترط عليه العتق فأعتق، وقال
مالك، والعنبری: ولاءه لسائر المسلمین، وقال أحمد فی الذی یعتق من ز کاته: إن ورث منه شيئا
جعله فى مثله، قال: وهذا قول الحسن. وبه قال إسحاق. وعلى قياس ذلك العتق من الكفارة
والنذر، لأنه واجب عليه، فالذى أعتق من الزكاة معتق من غير ماله، فلم يكن الولاء له، كما لو
دفعها إلى الساعى فاشترى بها، وأعتق. وفارق من اشترط عليه العتق. فإنه إنما أعتق ماله، والعتق فى
الكفارة والنذر واجب عليه، فأشبه العتق من الزكاة. (قلنا: لا نسلم أنه معتق من غير ماله، بل هو
معتق من ماله.
ألا ترى أنه يملكه، ولا يجوز لأحد أن يأخذه منه. ولو مات ولم يؤد زكاة ماله،
ولا الكفارة ولا النذر، ولم يوص بأدائها من التركة كان الكل ميراثا يقسم بين ورثته؟ ولا يلزم من
کون الإعتاق واجبا علیه خروج المال من ملکه، حتى يكون معتقا من غير ماله.
ألا ترى أنه لو كاتب عبده وجب عليه إعتاقه إذا أدى إليه بدل كتابته، ولا يكون حرا بمجرد
الكتابة لكونه عبدا ما بقى عليه ندرهم، كما تقدم، ومع ذلك يثبت له الولاء عليه؟ كما سيأتى).
لا يجوز الإعتاق من الزكاة:
وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يعتق من الزكاة، أى لا يصح إعتاق العبد عن الزكاة،
وعلل بعضهم المنع من ذلك بأنه يجر الولاء إلى نفسه، فينتفع بز کاته، وهذا قول لأحمد، رواه عنه
جماعة، وهو قول النخعى، والشافعى، كذا فى "المغنى" (٢٤٧:٧).
قلت: بل هو قول فقهاء العراق عامة، قال أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا عبد الرحمن ابن
مهدى عن جعفر بن زياد عن مغيرة عن إبراهيم، قال: "يعان منها أى من الزكاة فى الرقبة،
ولا یعتق منها". قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدی عن جعفر بن زیاد عن عطاء بن السائب عن
سعيد بن جبير، قال: "لا تعتق من زكاة مالك، فإنه يجر الولاء".
قال: وسمعت على بن عاصم يحدث عن عطاء بن سائب عن سعيد بن جبير أنه كرهه
أيضا. قال أبو عبيد: وهذا القول يقول به أهل العراق أن كثيرا منهم فى العتق يكرهونه للوجه الذى

٢٨٤
الولاء للمعتق
ج - ١٦
ذهب إليه إبراهيم وسعيد بن جبير من جر الولاء والميراث (قلت: بل لوجوه سنذكرها إن شاء الله
تعالى)، قال: وقول ابن عباس أعلى ما جاءنا فى هذا الباب، وهو أولى بالاتباع، وأعلم بالتأويل،
وقد وافقه الحسن على ذلك، وعليه كثير من أهل العلم اهـ (ص٦٠٨).
الجواب عن احتجاج أبى عبيد بأثر ابن عباس فى هذا الباب:
قلت: قول ابن عباس هو ما رواه أبو عبيد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حسان أبى
الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاة ماله فى الحج،
وأن يعتق منها الرقبة". قال: وحدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبى نجيح عن مجاهد
عن ابن عباس، قال: "أعتق من زكاة مالك" اهـ (ص ٦٠٧)، فكان على أبى عبيد أن يقول بجواز
إعطاء الزكاة فى الحج، ولكنه قد اعترف بأنه ليس الناس على هذا، ولا أعلم أحدا أفتى به أن
تصرف الزكاة إلى الحج، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون بعض حديث ابن عباس حجة
وبعضه ليس بحجة، فإن الذى صرف الناس عن صرف الزكاة إلى الحج هو الذى صرفهم من
صرفها إلى إعتاق الرقبة، كما ستعرفه. وأما قول أبى عبيد: "إن ما قاله ابن عباس فى الحج فلست
أدرى أمحفوظ عنه أم لا؟ لأن أبا معاوية انفرد بذكره فى حديثه، دون غيره" اهـ، فرد عليه لمتابعة
أبى جعفر له عند ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، قال: حدثنا أبو جعفر عن الأعمش عن حسان عن
مجاهد عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل زكاته فى الحج، وأن يعتق منها
النسمة"، كذا فى "المحلى" (١٥١:٦).
وقال الطبرى فى "تفسيره": وأما قوله: ﴿وفى الرقاب﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا فى معناه،
فقال بعضهم وهم الجمهور الأعظم: هم المکاتبون، يعطون منها فى فك رقابهم، ثم أخرجه بسند
حسن عن أبى موسى الأشعرى: "أنه حث الناس على مكاتب، وهو يخطب يوم الجمعة، فألقى
الناس عليه عمامة، وملاءة، وخاتما، حتى ألقوا سوادا كثيراً، فجمع، ثم أمر به، فبيع، فأعطى
المكاتب كتابته، ثم أعطى الفضل فى الرقاب، ولم يرده على الناس، وقال: إنما أعطى الناس فى
الرقاب"، ثم أخرج عن الزهرى، وابن زيد والحسن، أنهم قالوا فى قوله: ﴿وفى الرقاب﴾: "هم
المكاتبون"، قال الطبرى: والصواب من القول فى ذلك عندى قول من قال عنى بالرقاب فى هذا
الموضع المكاتبون، لإجماع الحجة على ذلك اهـ ملخصا (١١٤:١٠).

٢٨٥
الولاء للمعتق
إعلاء السنن
وقال الحافظ فى "الفتح": وتابع أبا معاوية عبدة بن سليمان، رويناه فى فوائد يحيى بن معين
رواية أبى بكر بن على المروزى عنه عن عبدة عن الأعمش عن أبى الأشرس ولفظه: "كان يخرج
زكاته، ثم يقول: جهزونا منها إلى الحج" اهـ (٢٦١:٣)، وفيه رد على أبى عبيد فى قوله: "إن أبا
معاوية انفرد بذكر الحج فى حديثه"، وفيه أن ابن عباس يقول بجواز أن يصرف الرجل زكاته إلى
حج نفسه، وهذا لم يقل به أحد من فقهاء الأمصار، ولا أظن أن أبا عبيد يقول به، ولأجل ذلك
-والله أعلم- قال أحمد: "كنت أرى أن يعتق من الزكاة، ثم كففت عن ذلك لأنى لم أره يصح".
قول أحمد فی حدیث ابن عباس: إنه مضطرب:
قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب، انتبهى، قال الحافظ فى
"الفتح": وإنما وصفه بالاضطراب للاختلاف فى إسناده على الأعمش، كما ترى اهـ (٢٦٢:٣)،
فمرة يرويه عن حسان أبى الأشرس، وأخرى عن ابن أبى نجيح، ومع ذلك هو مضطرب المتن أيضا،
فلفظ أبى معاوية عن الأعمش: "أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل زكاة ماله فى الحج"، ولفظ
عبدة عنه: "أنه كان يرى صرف زكاة ماله إلى حج نفسه))، ليس ذلك من الإعطاء والصدقة فى
شىء، ولا يتأدى الزكاة إلا بذلك، لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية.
وأما قول أبى عبيد: إنما افترق الحج، والعتق لأنه ليس بمسمى فى الأصناف الثمانية إلا
بالتأويل، وأما العتق فهو مسمى، وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وفى الرقاب﴾. ففيه أن تفسير قوله:
﴿رفی الرقاب﴾ بالإعتاق من الزكاة ليس إلا بالتأويل، لكونه غير صريح فيه، محتملا للوجوه،
وكذلك تفسير قوله: ﴿وفى سبيل الله﴾ بالحج، بل هو أولى لما روى عن رسول الله عَ ليه: ((إن الحج
من سبيل الله))، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (١٥١:٦). ولم يعله بشىء، فتعميم قوله: ﴿وفى سبيل
الله﴾ للحج أولى من تعميم ﴿وفى الرقاب﴾ للإعتاق.
وقال أبو بكر الجصاص: لا نعلم خلافا بين السلف فى جواز إعطاء المكاتب من الزكاة،
فثبت أن إعطاءه مراد بالآية، والدفع إليه صدقة صحيحة، وقال الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء،
إلى قوله: وفى الرقاب﴾، وعتق الرقبة لا يسمى صدقة، وما أعطى فى ثمن الرقبة فليس بصدقة،
لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده، فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة، والله تعالى إنما جعل الصدقات فى
الرقاب، فما ليس بصدقة، فهو غير مجزئ، وأيضا فإن الصدقة تقتضى تمليكا، والعبد لم يملك
i
٠

٢٨٦
الولاء للمعتق
ج - ١٦
شيئا بالعتق، وإنما سقط عن رقبته شىء، وهو ملك للمولى، ولم يحصل ذلك الرق للعبد، لأنه لو
حصل له لوجب أن يقوم فيه مقام المولى، فيتصرف فى رقبته، كما يتصرف المولى، فثبت أن الذى
حصل للعبد، إنما هو سقوط ملك المولى، وأنه لم يملك بذلك شيئا، فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا
من الصدقة، إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه (ومن أجل ذلك أجمعوا على أن قضاء
الدين عن الميت، والعطية فى كفنه، وبنيان المساجد واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البر
لا يجزئ من الزكاة، كما فى "كتاب الأموال" (ص ٦١٠).
وروى البراء بن عازب عن رسول الله عَ ليه، وفى حديث أنه قال لأعرابى: ((أعتق النسمة،
وفك الرقبة))، قال: ((يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟)) قال: ((لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها،
وفك الرقبة أن تعين فى عتقها)) رواه أحمد، ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤: ٢٤٠)، فجعل عتق
النسمة غير فك الرقبة، فلما قال تعالى: ﴿وفى الرقاب﴾ كان الأولى أن يكون فى معونتها،
بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق، وليس هو ابتياعها، وعتقها، لأن الثمن حينئذ
يأخذه البائع، وليس فى ذلك قربة، وإنما القربة فى أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته،
وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة، لأنه قبلها يحصل للمولى، وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه
المولى، وإنما يحصل للمكاتب، فيجزئ من الزكاة، وأيضا فإن عتق الرقبة يكون بمنزلة من قضى
دين رجل بغير أمره، فلا يجزى من زكاته، وإن دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز، كذلك
إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزأه عن الزكاة، وإذا أعتقه بالابتياع لم يجزه، لأنه لم يملكه، وإنما
ملكه البائع، وحصل العتق بغير قبول العبد، ولا إذنه اهـ (١٢٥:٣) ملخصا.
وروى أحمد عن سهل بن حنيف مرفوعا: ((من أعان مجاهدا فى سبيل الله عز وجل، أو
غارما فى عسرته، أو مكاتبا فى رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله))، قال الهيثمى: فيه عبيد الله بن
سهل بن حنيف، ولم أعرفه، وبقية رجاله حديثهم حسن (٢٤١:٤).
قلت: وفى "مسند أحمد": عبد الله بن سهل، وفى "أحكام القرآن" للجصاص: عبد
الرحمن بن سهل، وأيا ما كان فهو من أولاد الصحابة تابعى، ولا يضرنا جهل مثله، فالحديث
صالح للاحتجاج به، وهو كالصريح فى أن المراد بالرقاب إعانة المكاتبين فى فك رقابهم.
وبهذا كله اندحض قول ابن حزم بعد ما روى ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى
الرجل زكاته فى كالحج، وأن يعتق منها النسمة: وهذا مما خالف فيه الشافعيون والمالكيون

٢٨٧
الولاء للمعتق
إعلاء السنن
والحنفيون صاحبا لا يعرف منهم له مخالف اهـ (٦: ١٥١)، فقد عرفت فى قول أحمد أنه
مضطرب عن ابن عباس، ولم يره يصح عنه، وأن قوله ذلك خلاف نص الكتاب، والسنة المأثورة
عن رسول الله عَّهِ، وخالفه أبو موسى الأشعرى، ففسر قوله تعالى: ﴿وفى الرقاب﴾ بإعانة
المکاتبین، وهو قول الجمهور الأعظم من التابعین فمن بعدهم، وإذا كان كذلك فلا يحتج بقول
الصحابى، بل يحمل على محمل حسن، ولا يعول إلا على نص الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة،
فاعلم ذلك، والله يتولى هداك.
وكان موضع هذا الكلام فى باب الزكاة، ولكنه فاتنى هناك، فاستدركته فى هذا الموضع
لتعرض الموفق له فى باب الولاء، فلله الحمد، وله الشكر وجميل الثناء، وصلى الله على سيدنا،
وعلى آله، وأصحابه النجباء الأتقياء الأصفياء، وسلم تسليما كثيرا، لا أمد له ولا انتهاء.
من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، وولاءه له:
ومن ملك ذا رحم محرم عتق علیه، و کان ولاءه له، لأنه يعتق من ماله بسبب فعله، فكان
ولاءه له، كما لو باشر عتقه سواء ملكه بشراء، أو هبة، أو غنيمة، أو إرث، أو غيره، لا نعلم بين
أهل العلم خلافا فيه، ولم يعتق داود وأهل الظاهر أحدا حتى يعتقه؛ لقول النبى معَّ له: ((لا يجزى
ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه، فيعتقه)، رواه مسلم.
ولنا ما روى الحسن عن سمرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((من ملك ذا رحم محرم فهو
حر))، رواه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن، وهو حجة على مالك حيث لم يعتق أولاد
الإخوة والأخوات، وعلى الشافعى حيث لم يعتق إلا عمودى النسب، لأن الإخوة، والأخوات،
وأولادهم ذووا أرحام محرمة، فيعتقون عليه بالملك. فأما قوله: ((حتى يشتريه فيعتقه)) فيحتمل أنه
أراد أن يشتريه فيعتقه بشرائه له، كما يقال: ضربه فقتله، والضرب هو القتل.
ولا خلاف فى أن المحارم من غیر ذوى الأرحام لا یعتقون علی سیدهم، کالأم، والأخ من
الرضاعة، والربيبة، وأم الزوجة، وبنتها، قال الزهرى: جرت السنة بأن يباع الأخ، والأخت من
الرضاع، ولأنه لا نص فى عتقهم، ولاهم فى معنى المنصوص عليه، فيبقون على الأصل، وإن ملك
ولده من الزنا لم يعتق عليه فى ظاهر كلام أحمد، لأن أحكام الولد غير ثابتة فيه، وهى الميراث،
والحجب، والمحرمية، ووجوب الإنفاق وغيره.

ج - ١٦
الولاء للمعتق
٢٨٨
من ملك ولده من الزنا عتق علیه:
ويحتمل أن يعتق، لأنه جزؤه حقيقة، وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج، ولهذا لو ملك ولده
المخالف له فى الدين عتق عليه مع انتفاء هذه الأحكام، كذا فى "المغنى" (٢٤٩:٧). قلت: والقول
الأخير الذى ذكره بالاحتمال هو مذهبنا معشر الحنفية، كما فى "رد المحتار" من القنية: من زنى
بجارية غيره فولدت منه ثم ملك الولد يعتق عليه، وإن لم يثبت نسبه منه اهـ (١٣:٣).
ولاء المكاتب والمدبر لسيدهما:
قال الموفق: وولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا، هذا قول عامة الفقهاء، وبه يقول
الشافعى وأهل العراق، لأن السيد هو المعتق للمكاتب، لأنه يتبعه بماله، وماله و كسبه لسيده، فجعل
ذلك له، ثم باعه به حتى عتق فكان هو المعتق، وهو المعتق للمدبر بلا إشكال، وبهذا ظهر الجواب
عن قول عمرو بن دينار وأبى ثور: "أنه لا ولاء على المكاتب لأنه اشترى نفسه من سيده.
ولنا حديث بريرة: أنها جاءت عائشة، فقالت: يا أم المؤمنين! إنى كاتبت أهلى على تسع
أواق فأعينينى، فقالت عائشة: إن شاءوا عددت لهم عدة واحدة، ويكون ولاءك لى فعلت، فأبوا أن
يكون الولاء لهم، فقال النبى معَ له: ((اشتريها وأعتقيها وفى لفظ اشتريها واشترطى لهم الولاء فإنما
الولاء لمن أعتق)، وهذا يدل على أن الولاء كان لهم لو لم تشترها عائشة منهم.
ولاء أم الولد لسيدها:
قال: وولاء أم الولد لسيدها إذا ماتت، يعنى إذا عتقت بموت سيدها فولاءها له، يرثها أقرب
عصبته، وهذا قول عمر وعثمان. وبه قال عامة الفقهاء، ولا خلاف بين القائلين بعتقها أن ولاءها
لمن عتقت عليه، ومذهب(١) الجمهور أنها تعتق بموت سيدها من رأس المال، فيكون ولاءها له،
لأنها عتقت بفعله من ماله، فكان ولاءها له، كما لو عتقت بقوله، ويختص ميراثها بالولاء بالذكور
من عصبة السيد كالمدبر والمكاتب اهـ (٧: ٢٥٠). قلت: وسيأتى دليل اختصاص الذكور بالميراث
بالولاء، فانتظر.
(١) خلافا لأهل الظاهر حيث قالوا: لا تعتق ما لم يعتقها وله بيعها. (المؤلف)

٢٨٩
إعلاء السنن
باب أن إعتاق ذى الرحم مثبت للولاء
٥٣٩٩- عن إبراهيم أنه سئل عن أختين اشترت إحداهما أباها، فأعتقته، ثم مات،
قال: "لهما الثلثان فريضتهما فى كتاب الله، وما بقى فللمعتقة دون الأخرى"، رواه
الدارمى (ص ٢٨٥).
من أعتق عبده عن غيره:
قال: ومن أعتق عبده عن رجل حى بلا أمره، أو عن ميت فالولاء للمعتق، هذا قول الثورى
والأوزاعى وأبى حنيفة والشافعى وأبى يوسف وداود، وروى عن ابن عباس: "أن ولاءه للمعتق
عنه"، وبه قال الحسن ومالك، ولنا قول النبى مَّه: ((الولاء للمعتق)) قال: وإن أعتقه عنه بأمره
فالولاء للمعتق عنه، وبهذا قال جميع من حكينا قوله فى المسألة الأولى، إلا أبا حنيفة وأبا يوسف
ومحمد بن الحسن وداود، فقالوا: الولاء للمعتق، إلا أن يعتقه عنه على عوض، فيكون له الولاء،
ويلزم العوض، ويصير كأنه اشتراه، ثم وكله فى إعتاقه، أما إذا كان عن غير عوض فلا يصح تقدير
البيع (ولا تقدير الهبة، لكون القبض شرطا لتمامها، وهو من الأفعال دون الأقوال، والقول
لا يقتضى الفعل، فافهم)، فيكون الولاء للمعتق، لعموم قوله عليه السلام: ((الولاء للمعتق» وعن
أحمد مثل ذلك، قال: ومن قال: "أعتق عبدك عنى وعلى ثمنه"، فالثمن عليه والولاء للمعتق عنه،
لا نعلم فى هذه المسألة خلافا اهـ ملخصا (٢٥٢:٧)، فهذا فقه قوله عليه السلام: ((الولاء لمن
أعتق))، لم يتعرض بعض الأحباب بشىء منه.
باب أن إعتاق ذی الرحم مثبت للولاء
قوله: "عن إبراهيم" إلخ: قلت: وهو مذهب أئمتنا، وقال الشعبى: لا ولاء لها لأنه لا منة لها
عليه، وهو ليس بصحيح، لأنه إن لم يكن إعتاقه منة لأنه عتق عليها من غير اختيار فشراءه منة،
وليس هذا الإعتاق بأدنى من إعتاق معتق المعتق، وهو مثبت للولاء، فكيف لا يكون إعتاق الابنة
مثبتا له؟ فاعرف ذلك، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وخلاف الشعبى فى هذا الباب رواه الدارمى عن محمد بن يوسف،
ثنا إسرائيل ثنا الأشعث عن الشعبى (ص ٢٨٥)، وهذا خلاف ما فى "المغنى"، فإن الموفق لم يذكر
فيه خلافا، كما مر.
ولفظ الدارمى عن الشعبى فى امرأة أعتقت أباها، فمات الأب، وترك أربع بنات هى

٢٩٠
ج - ١٦
باب أن مولى العتاقة عصبة للمعتق آخر العصبات
٥٤٠٠- أخبرنا: ابن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: أراد رجل أن
یشتری عبدا فلم یقض بينه وبين صاحبه بيع، وحلف رجل من المسلمين بعتقه، فاشتراه
فأعتقه، فذكره للنبى عَّه، فقال: ((إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر
له وخير لك))، قال: فكيف بميراثه؟ فقال عليه السلام: ((إن لم تكن له عصبة فهو لك))،
أخرجه عبد الرزاق "نصب الراية" (٢٤٧:٢).
٥٤٠١- وروى سعيد بن منصور: ثنا خالد بن عبد الله (هو الطحان) عن يونس
عن الحسن، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبة فللمولى))،
إحداهن، قال: "ليس عليه منة، لهن الثلثان وهى معهن" اهـ.
ولنا قوله مَّه: ((الولاء لمن أعتق)) من غير تقييد بمنة ولا غيرها، وكيف يقول الشعبى: "ليس
لها عليه منة"، وقد صح عن النبى معَّ ◌ُله: ((لن يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه،
فيعتقه))، رواه مسلم، كما مر، وماذا يقول الشعبى فيمن أعتق عبدا عن كفارته أو نذره؟ هل له عليه
منة أم لا؟ فإن قال: لا، وهو الظاهر، فينبغى أن لا يكون ولاءه للمعتق، مع أنه قائل بثبوت ولاءه
عليه، لم يذكر أحد خلافه فى ذلك، فثبت أن المنة بالعتق ليس بشرط فى ثبوت الولاء، وإن قال:
. "له عليه منة"، فلا فرق بينه وبين من اشترى أباه وأخاه، ومن ادعى فعليه البيان، والله أعلم.
باب أن مولى العتاقة عصبة للمعتق آخر العصبات
أقول: الحديث نص فى الباب، إلا أنه مرسل، وهو حجة عندنا، وعمرو بن عبيد لم يكن
يكذب فى الحديث، وبهذا يعلم أن ما روى عن زيد بن ثابت: "أنه کان یورث الموالی دون ذوى
الأرحام"، رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن زيد، كما فى "نصب الراية" (٢٤٧:٢)
محمول على أن المراد من ذوى الأرحام الذين هم دون ذوى الفرائض والعصبات، وما روى عن
عمر وعلى وابن مسعود، ((أنهم كانوا يورثون ذوى الأرحام دون الموالى))، أخرجه عبد الرزاق عن
الثورى عن منصور عن حصين عن إبراهيم (نصب الراية ٢٤٧:٢) محمول على أن المراد من ذوى
الأرحام هم ذوو القرابات من العصبات، وحينئذ يتفق الأقوال، والله أعلم بحقيقة الحال.
قوله: "وروى سعيد" إلخ: صريح فى أن المولى آخر العصبات، فإن لم يكن للعتيق عصبة
فميراثه للمولى، وقد قدمنا عن الموفق أن تقديم المولى فى الميراث على الرد وذوى الأرحام هو قول

٢٩١
مولى العتاقة عصبة للمعتق آخر العصبات
إعلاء السنن
كذا فى "المغنى" (٢٤٠:٧)، وهو مرسل صحيح، ومراسيل الحسن معدودة فى
الصحاح، كما مر فى "المقدمة"، ورواه الدارمى فى "مسنده": حدثنا يزيد بن هارون
عن الأشعث عن الحسن، قال: أتى النبى معَّ ◌ُلّه رجل، فذكر المرفوع بلفظ عبد الرزاق
سواء (الزيلعي ٢٤٧:٢).
جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، فإن خلف ذا رحم ومولاه فالمال لمولاه، دون
ذى رحمه، وإن خلف ابنته ومولاه فلبنته النصف والباقى لمولاه، ولا يرد على البنت، لحديث عبد
الله بن شداد، وحديث الحسن، ولأنه عصبة يعقل عن مولاه، فيقدم على ذى الرحم كابن العم.
الجواب عما روى عن على: "أنه لم يعط المولى مع بنت المعتق شيئاً":
وروى الطحاوى فى "معانى الآثار": ثنا على ثنا يزيد أنا عبيدة عن حيان الجعفى (هو ابن
سليمان قال ابن معين: ((ثقة))، كذا فى "كشف الأستار" (ص٣٥) عن سويد بن غفلة: أن رجلا
مات، وترك ابنة وامرأة ومولاه. قال سويد: إنى جالس عند على إذ جاءته مثل هذه القصة، فأعطى
ابنته النصف، وامرأته الثمن، ثم رد ما بقى على ابنته، ولم يعط المولى شيئا (٤٣١:٢) ..
ويعارضه ما رواه الطحاوى حدثنا على بن زيد (هو الفرائضى قال مسلمة: ((ثقة)) (الكشف
ص٧٦) ثنا عبدة أنا ابن المبارك أنا فطر عن الحكم بن عتيبة، قال: "قضى على فى أناس منا فى من
ترك ابنته ومولاته، فأعطى ابنته النصف، والموالاة النصف"، وبه إلى عبدة أنا سفيان عن سلمة بن
كهيل، قال: "رأيت المرأة التى ورثها على من أبيها النصف وورث مولاها النصف" (٤٣٢:٢).
وهذا هو الموافق لقضاء رسول الله مرّ له فى توريثه بنت حمزة من مولاها ما بقى بعد نصيب ابنته،
بحق فرض الله عز وجل لها، ولم يرد على البنت، وقد صح عنه عرّ أنه قال: ((ألحقوا الفرائض
بأهلها، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر)) متفق عليه، فقد أقام رسول الله عَ ليه بنت حمزة مقام
العصبات، حيث جعل النصف الآخر لها، ولم يأمر برده إلى بنت المولى العتيق، ولو كان الأمر،
كما زعموا لأمر ◌َّ بالرد، كما فى سائر المواريث إذا لم هناك عصبة، فدلت هذه الآثار أن مولى
العتاقة أولى بالميراث من الرحم الذى ليس بعصبة، فافهم.
الجواب عن قول إبراهيم: "إنه عّ لّ أعطى بنت حمزة النصف طعمة":
وأما ما روى عن إبراهيم النخعى فيما ذكرناه عن رسول الله عَ ◌ّه فى إعطاءه بنت حمزة
النصف: "أن ذلك إنما كان طعمة من رسول الله عّ لّه لا بنة حمزة"، رواه الطحاوى عن فهد ثنا أبو
نعيم ثنا حسن بن صالح عن منصور عن إبراهيم. فقال الطحاوى: هذا عندنا كلام فاسد، لأن ابنة

ج - ١٦
٢٩٢
باب أن الولاء بعد المعتق لأقرب الناس إليه عصوبة
٥٤٠٢- حدثنا: محمد بن عيسى ثنا سعيد بن عبد الرحمن ثنا يونس عن
الزهرى، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((المولى أخ فى الدين نعمة، وأحق الناس ميراثه
أقربهم من المعتق)).
٥٤٠٣- وحدثنا محمد بن عيسى ثنا معمر ثنا خصيف عن زياد ابن أبى مريم: أن
امرأة أعتقت عبدا لها ثم توفيت وتركت ابنها وأخاها، ثم توفى مولاها، فأتى النبي معد له
ابنها المرأة وأخوها فى ميراثه، فقال النبى معَّ له: ((ميراثه لابن المرأة))، فقال أخوها:
يا رسول الله! لو أنه جر جريرة على من كانت؟ قال: ((عليك))، رواهما الدارمى.
٥٤٠٤- وأخرج الدارمى عن الشعبى عن عمر، وعلى، وزيد قالوا: "الولاء
للكبر " يعنون بالكبر ما كان أقرب بأب وأم، وزاد فى رواية عبد الله مع عمر وزيد
وعلی.
٥٤٠٥- وعن إبراهيم أنه قال: "اختصم على والزبير فى موالى صفية بنت عبد
المطلب. فقال على: أنا أحق بهم، أنا أرثهم، وأعقل عنهم. وقال الزبير: هم موالى أمى،
وأنا أرثهم، فقضى عمر للزبير بالميراث، والعقل على على"، رواه سعيد، قال: حدثنا أبو
معاوية ثنا عبدة الضبى عن إبراهيم.
مولى ابنة حمزة إن كان وجب لها جميع ميراث أبيها برحمها منه (فرضا وردا) فمحال أن يطعمه
النبى معَّ ◌ُّه بنت حمزة، وإن كان ذلك لم يجب لها كله، وإنما وجب لها نصفه مما بقى بعد ذلك
النصف، راجع إلى من أعتقه وهى ابنة حمزة، فاستحال ما ذكر إبراهيم فى ذلك، وثبت أن ما دفع
رسول الله عَّ إلى بنت حمزة كان بالميراث لا بغيره أهـ (٤٣٣:٢).
باب أن الولاء بعد المعتق لأقرب الناس إليه عصوبة
قوله: "حدثنا محمد بن عيسى" إلخ: قال العبد الضعيف: وقد تأيد مرسل الزهرى هذا
بمرسل سعيد بن المسيب الذى أخرجه أحمد فصار حجة عند الكل، وأيده أيضا مرسل زياد ابن أبى
مريم، وقال المهدى فى "البحر": "والولاء للأقرب، لقوله ◌َّه: ((الولاء للكبر)) وفسره الصحابة
بالأقرب، فابن المعتق أولى من أبيه"، كذا فى حاشية "التلخيص الحبير"، وقال السرقسطى فى
"كتاب غريب الحديث": "معناه أقرب الناس بالمعتق يوم يموت المعتق" (الزيلعى ٢٤٧:٢).

٢٩٣
الولاء بعد المعتق لأقرب الناس إليه عصوبة
إعلاء السنن
٥٤٠٦- وقال: حدثنا هشيم ثنا الشيبانى عن الشعبى، قال: "قضى بولاء موالى
صفية للزبير دون العباس، وقضى عمر فى موالى أم هانئ بنت أبى طالب لأبيها جعدة
ابن هبيرة دون على" اهـ من "المغنى" (٢٦٩:٧ و٢٧٠)، ومراسيل إبراهيم والشعبى
صحاح.
٥٤٠٧- ورواه عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن حماد عن إبراهيم: "أن على
ابن أبى طالب والزبير بن العوام اختصما إلى عمر فى مولى لصفية بنت عبد المطلب،
فقضى عمر بالعقل على على، وبالميراث للزبير" (المحلى ٩: ٣٠٠)، ورواه أبو حنيفة عن
حماد عن إبراهيم أتم منه (جامع المسانيد ١٧٥:٢).
٥٤٠٨- وروى أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله عَّ له قال:
((المولى أخ فى الدين، مولى النعمة، يرثه أولى الناس بالمعتق)) (المغنى ٢٦٩:٧ و٢٧٠).
٥٤٠٩- وروی ابن أبی شیبة من حدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن
النبى عَ ◌ّه قال: ((ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء إلا ولاء
من أعتقن، أو أعتقه من أعتقن)) (نيل الأوطار ٣٢٤:٥).
٥٤١٠- وفى "الموطأ" لمالك: عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم عن عبد
الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبيه، أنه أخبره: "أن العاص
بن هشام هلك، وترك ثلاث بنين، ابنان لأم، ورجل لعلة، فهلك أحد اللذين لأم، وترك
مالا وموالى، فورثه أخوه الذى لأبيه وأمه ماله ومواليه. ثم هلك الذى ورث المال،
وولاء الموالى، وترك ابنا وأخا لأبيه. فقال ابنه: "قد أحرزت ما كان أبى أحرز من المال،
قلت: وهذا معنى قوله عّ لّه: ((ميراث الولاء للأكبر من الذكور))، أى لأقربهم إلى المعتق
يوم يموت العتيق، ويؤيده ما فى مرسل زياد: "أن رسول الله عّ لّه ورث ولاء مولى المرأة ابنها،
ولم يورث أخاها وكان أكبر منه سنا" ، فثبت أن المراد بالكبير أقرب الناس إلى المعتق، لا أكبرهم
سنا.
قوله: وفى "الموطأ" لمالك إلخ: فيه أن عثمان قضى بالولاء لأخى المعتق لأبيه، دون ابن أخيه
لأب وأم، وهو الموافق لقضاء رسول الله عَ ليه، حيث جعل ميراث مولى المرأة المعتقة لابنها دون
أخيها، وبه قضى عمر فى موالى صفية بنت عبد المطلب.

٢٩٤
ج - ١٦
وولاء الموالى"، وقال أخره: "ليس كذلك، إنما أحرزت المال. وأما الموالى فلا، أرأيت
لو هلك أخى اليوم، ألست أرثه؟" فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقضى لأخيه بولاء
الموالی (الزیلعی ٢٤٧:٢)، وهذا سند صحيح.
باب أن الولاء إذا صار لأقرب العصبات من الولى
یصیر بعده إلى من هو أقرب منه بعده، دون
من هو أقرب من ذلك الأقرب
٥٤١١- قال محمد: أخبرنا مالك ثنا عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم أن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره، أن أباه
تقرير الإشكال فى حديث الموطأ" ، والجواب عنه، وتبرئة الحافظ عن السهو فيه:
قال الحافظ فى "تعجيل المنفعة": فى هذه القصه (التى رواها مالك فى "الموطأ") إشكال،
لأن العاص قتل يوم بدر كافرا، فكيف يموت فى زمن عثمان ويتحاكم إليه فى إرثه؟ والذى يرفع
الإشكال أن يكون التحاكم فى الإرث تأخر إلى زمن عثمان، لكن من يموت كافرا يوم بدر
لا يتحاكم فى إرثه إلى عثمان فى خلافته، قال: ثم راجعت لفظ القصة، فإذا الذى تحاكم إلى
عثمان إنهما ولدا العاص بن هشام المذ کور اهـ (ص٢٠٣). قلت: بل ولد العاص بن هشام، وابن
ولده، وبهذا ظهر أن الحافظ لم يسه سهوا ظاهرا، كما زعمه صاحب "التعليق الممجد"، ولا حاجة
إلى التنبيه الذى ذكره عن الزرقانى، فإن الحافظ قد تنبه لذلك بمراجعة لفظ القصة، فافهم.
قال الموفق: وقد روى عن على ما يدل على أن مذهبه فى امرأة ماتت وخلفت ابنها وأخاها،
أو ابن أخيها، أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها، دون ابنها، وروى عنه الرجوع إلى مثل قول
الجماعة، (وبه اندحض احتجاج ابن حزم بما روى عن على فى الباب، فإنه لا يجوز الاحتجاج
بالمرجوع عنه)، وذكر الموفق فى الجماعة عمر والشعبى والزهرى وقتادة ومالكا والثورى
والأوزاعى والشافعى وأبا حنيفة وصاحبيه (٢٦٩:٧).
باب أن الولاء إذا صار لأقرب العصبات من الولى
یصیر بعده إلى من هو أقرب منه بعده، دون من هو أقرب من ذلك الأقرب
قوله: قال محمد إلخ: وقال: وبهذا نأخذ الولاء للأخ من الأب والأم وهو قول أبى حنيفة.
قلت: هذا يدل على أن الولاء غير موروث كالمال، وإنما يستحقه الأقرب فالأقرب من

٢٩٥
إعلاء السنن
أخبره: أن العاص بن هشام هلك، وترك بنين له ثلاثة، ابنين لأم ورجلا لعلة، فهلك أحد
الابنين الذين هما لأم، وترك مالا وموالى، فورثه أخوه لأمه وأبيه، وورث ماله وولاء
مواليه، ثم هلك أخوه، وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: "قد أحرزت ما كان أبى أحرز
من المال، وولاء الموالى". وقال أخوه: ليس كله لك، وإنما أحرزت المال، وأما ولاء
الموالى فلا. أرأيت لو هلك أخى اليوم ألست أرثه أنا؟ فاختصما إلى عثمان بن عفان،
فقضى لأخيه بولاء الموالى، رواه محمد فى "الموطأ".
باب عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن
بالواسطة أو بغير الواسطة
٥٤١٢- عن على وزيد بن ثابت وابن مسعود، "أنهم كانوا يجعلون الولاء
المعتق، وقد روى عن عمر ما يدل على أن الولاء لابن الأخ فى هذه، لأنه روى ابن ماجة وغيره من
طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن إناب بن حذيفة بن سهم تزوج أم وائل بنت معمر
الجمجمة، فولدت له ثلاثة، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها أباحها وولاء مواليها، (وكان عمرو بن
العاص عصبة بینها)، فخرج بهم عمرو بن العاص معه إلى الشام، فماتوا فى طاعون عمواس،
فورثهم عمر، وجاء بنو معمر ابن حبيب يخاصمونه فى ولاء أختهم إلى عمر، فقال: أقضى بينكم
بما سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان))، فقضى لنا به،
وكتب لنا كتابا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت))، رواه ابن ماجة وأبو داود
بمعناه، وهذا يدل على أن مذهب عمر أن الولاء إذا صار لعصبته المولى مهو يصير بعد لعصبته دون
عصبة المولى، واختار أئمتنا مذهب عثمان، لكونه أقرب إلى الفقه، لأن الولاء لا يكون موروثا،
وإنما يستحقه من يستحقه لقربه من المولى، فلما صار إلى أقرب العصبات، ثم مات ذلك الأقرب،
يصير بعده إلى من هو أقرب من المولى بعده، لا إلى من هو أقرب إلى هذا الأقرب، وإن صح ما
رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا فهو فى الأموال الموروثة، دون الولاء الغير
الموروث، والله أعلم.
باب عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن
بالواسطة أو بغير الواسطة
قال العبد الضعيف: وقال الموفق فى "المغنى": حديث عمرو بن شعيب غلط، قال حميد:

٢٩٦
ج - ١٦
عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن بالواسطة أو بغير الواسطة
لمكبير من العصبة، ولا يورثون النساء من الولاء، إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن"،
رواه البیبهقی.
٥٤١٣- وعن إبراهيم، قال: " كان عمر وعلى وزيد بن ثابت لا يورثون النساء
إلا ما أعتقن"، رواه البيهقى أيضًا.
٥٤١٤- وعن الحسن، أنه قال: "لا يرث النساء من الولاء، إلا ما أعتقن، أو أعتق
من أعتقن" ، رواه ابن أبى شيبة.
"الناس يغلطون عمرو بن شعيب فى هذا الحديث" اهـ (٢٧١:٧). قال العبد الضعيف: ولعل وجه
السهو أن البيهقى والحافظ ابن حجر والحافظ الزيلعى وغيرهم لم يذكروه مرفوعا، وإنما ذكروه
موقوفا على الصحابة، ولو كان فى ذلك أثر مرفوع لم يعرضوا عنه أبدا، ولكن الفقهاء يذكرونه
فى كتبهم مرفوعا إلى النبى معَّهِ، والله تعالى أعلم.
قال الموفق فى "المغنى": ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو اعتق من أعتق، أو كاتبن
أو كاتب من كاتبن، وقد روى عن أبى عبد الله (أحمد) فى بنت المعتق خاصة أنها ترث، لما روى
عن النبى معَّ ◌ُله: ((أنه ورث بنت حمزة من الذى أعتقه حمزة)، والظاهر من المذهب أن النساء لا
يرثن بالولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، أو جر الولاء إليهن من أعتقن، والكتابة كذلك، لأنها
کالإعتاق.
قال القاضى: هذا ظاهر كلام أحمد، والرواية التى ذكرها الخرقى فى ابنة المعتق ما وجدتها
منصوصة عنه، وقد قال فى رواية ابن القاسم وقد سأله: "هل كان المولى لحمزة أو ابنته؟"، فقال:
"لابنته"، فقد نص على أن ابنة حمزة ورثت بولاء نفسها (لا بولاء أبيها)؛ لأنها هى المعتقة، وهذا
قول الجمهور، وهو قول من سمنا فى أول الباب من الصحابة، والتابعین، ومن بعدهم غیر شریح،
(وهم عمرو عثمان وعلى وزيد وابن مسعود وابن عمر وأسامة وأبى مسعود البدرى وأبى بن
كعب، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والزهرى والحسن وابن سيرين وقتادة والشعبى وإبراهيم
ومالك والشافعى وأهل العراق وداود، وشذ شريح، فجعل الولاء موروثا كالمال، والصحيح الأول،
لإجماع الصحابة ومن بعدهم عليه، ولأن الولاء لحمة كلحمة النسب، والنسب لا يورث، وإنما
پورث به).
فأما رواية الخرقى فى بنت المعتق فوجهها ما روى إبراهيم: "أن مولى لحمزة توفى، وخلف

٢٩٧
عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن بالواسطة أو بغير الواسطة
إعلاء السنن
٥٤١٥- عن عمر بن عبد العزيز، قال: "لا ترث النساء من الولاء، إلا ما أعتقن،
أو كاتبن"، رواه ابن أبى شيبة أيضًا، وأخرج نحوه عن ابن سيرين، وابن المسيب،
وعطاء، والنخعى.
٥٤١٦- وأخرج عن على، وعمر، وزيد "أنهم كانوا لا يورثون النساء من
الولاء، إلا ما أعتقن".
بنتا، فورث النبى معَّه بنته النصف، وجعل لبنت حمزة النصف".
والصحيح أن المولى كان لبنت حمزة. قال عبد الله بن شداد: كان لبنت حمزة مولی
أعتقته، فمات، وترك ابنته ومولاته بنت حمزة، فرفع ذلك إلى النبى عدّ له، فأعطى ابنته النصف
وأعطى مولاته بنت حمزة النصف.
قال عبد الله بن شداد: أنا أعلم بها لأنها اختی من أمی أمنا سلمی، رواه ابن اللبان پإسناده،
وقال: هذا أصح مما روی إبراهيم اهـ (٧: ٢٦٤).
قلت: والحديث رواه النسائي وابن ماجة من طريق عبد الله بن شداد عن ابنته حمزة بن عبد
المطلب، قالت: "مات مولى لى" الحديث، وفيه ابن أبى ليلى. ثم رواه النسائى من طريق ابن عون
عن الحكم عن عبد الله بن شداد، أن ابنته حمزة أعتقت مملوكا لها الحديث.
قال النسائى: وهذا أولى بالصواب من حديث ابن أبى ليلى، ورواه الحاكم فى "الفضائل"،
فذكره بلفظ النسائى، وسكت عنه، وسمى بنت حمزة أمامة قال ابن الأثير: وهو الصحيح، ورواه
ابن أبى شيبة فى "مصنفه" من طريق ابن أبى ليلى عن الحكم عن عبد الله بن شداد عن فاطمة بنت
حمزة، قالت: "مات مولى لى" الحديث، ورواه أبو داود فى "المراسيل" عن شعبة عن الحكم عن
عبد الله بن شداد، قال: "أتدرون ما ابنة حمزة منى؟ كانت أختى لأمى، وأنها أعتقت مملوكا لها"
الحديث، ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه"، أخبرنا الثورى عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن
شداد، فذكره، ورواه ابن أبى شيبة أيضا، حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن عبد الله بن
شداد، فذ کره بنحوه.
وفى "مراسيل أبى داود" عن إبراهيم: قال: "توفى مولى لحمزة بن عبد المطلب" الحديث،
وأخرجه الدار قطنى فى "سننه" عن سليمان بن داود الشاذكونى ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن
قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: "أن مولى لحمزة توفى وترك ابنة وابنة حمزة" الحديث،

٢٩٨
ج - ١٦
عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن بالواسطة أو بغير الواسطة
٥٤١٧- وعن على بن أبى طالب قال: "لا ترث النساء من الولاء إلا ما أعتقن
أو كاتبن"، رواه عبد الرزاق بسند فيه حسن بن عمارة، وهو مختلف فيه، وقال الحكم:
وأخبرنى إبراهيم عن ابن مسعود مثله، قال الحكم: "وكان شريح يقوله"، أخرج عن
الشعبى والنخعى مثل قول الحسن، كذا فى "نصب الراية".
وفى هذا المتن: "أن المولى لحمزة".
وفى متن النسائى: "أن المولى لابنته وأنها التى أعتقته"، قال صاحب "التنقيح": وسليمان
هذا هو الشاذْكونی وقد ضعفوه، وكذبه يحيى بن معين وغيره، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث"،
وقال البخارى: "هو عندى أضعف من كل ضعيف" (الزيلعى ٢٤٥:٢).
وقال الحافظ فى "التلخيص": قال البيهقى: اتفق الرواة على أن ابنة حمزة هى المعتقة، وقال
إبراهيم النخعى: "توفى مولى لحمزة بن عبد المطلب، فأعطى النبى عّ له ابنة حمزة النصف طمة"
قال: وهو غلط اهـ (٢٦٣:٢).
وبالجملة فلم يتابع إبراهيم على ذلك أحد، غير ما رواه الشاذكونى بسنده عن ابن عباس
وفيه ما فيه، فالصحيح الذى لا يحاد عنه أن ابنة حمزة هى المعتقة، ولأن البنت من النساء فلا ترث
بالولاء كسائر النساء، وإبراهيم مع روايته أن النبى مرّ له أعطى ابنة حمزة نصف ما ترك مولى أبيها
لا يقول: إنه أعطاها ذلك ميراثا بالولاء بل يقول: إنه أعطاها طعمة، وقد رده الطحاوى، وأبطله بما
قد مر ذكره.
قال الموفق: فأما توريث المرأة من معتقها، ومعتق معتقها، ومن جر ولاء معتقها فليس فيه
اختلاف بين أهل العلم، وقد نص النبى معَّ له على ذلك، فإن عائشة أرادت شراء بريرة لتعتقها،
ويكون ولاءها لها، فأراد أهلها اشتراط ولاءها، فقال النبى معَّ له: ((اشتريها واشترطى لهم الولاء
(أى دعيهم يشترطون) فإنما الولاء لمن أعتق)) متفق عليه وقال النبى معَ له: ((تحوز المرأة ثلاثة مواريث،
عتيقها، ولقيطها (أى ولدها من الزنا كما مر بسطه فى كتاب اللقيط) وولدها الذى لاعنت عليه))،
قال الترمذى: هذا حديث حسن، وفى حديث مولى بنت حمزة الذى ذكرناه تنصيص على
توريث المعتقة اهـ ملخصا (٢٦٥:٧).
فائدة: فى توضيح مسألة الولاء للكبر بمثال: قال الموفق: وإذا هلك رجل عن ابنین ومولی
فمات أحد الابنين بعده عن ابن، ثم مات المولى فالولاء لابن معتقه لأن الولاء للكبر. ولو هلك

٢٩٩
إعلاء السنن عدم ميراث النساء من الولاء إلا ما أعتقن بالواسطة أو بغير الواسطة
قلت: ذكرت فى باب الميراث بالولاء حديثا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عن النبى عَّ مثل ما أخرجه البيهقى عن على وابن مسعود وزيد بن ثابت، ذكره
الشوكانى فى "النيل"، وعزاه لابن أبى شيبة، ولعله سهو من الشوكانى، والله أعلم.
الابنان بعده وقبل المولى، وخلف أحدهما ابنا، والآخر تسعة أبناء كان الولاء بينهم على عددهم،
لكل واحد منهم عشرة، هذا قول أكثر أهل العلم.
قال الإمام أحمد: روی هذا عن عمر وعثمان وعلى وزید وابن مسعود، وروی سعید ثنا
هشيم ثنا أشعث ابن سوار عن الشعبى: "أن عمر وعليا وابن مسعود وزيدا كانوا يجعلون الولاء
للکبر " (مرسل صحیح)، وروى ذلك عن ابن عمر وأبى بن كعب وأبى مسعود البدرى وأسامة بن
زيد وبه قال عطاء وصوس وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين والشعبى والنخعى والزهرى
وقتادة وابن قسيط (وفى نسخة: ابن نشيط) ومالك والثورى والشافعى وإسحاق وأبو ثور
وأصحاب الرأى وداود، كلهم قالوا: الولاء للكبر، وتفسيره أنه يرث المولى العتيق من عصبات
سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه يوم موت العبد.
قال ابن سيرين: إذا مات المعتق (اسم مفعول) نظر إلى أقرب الناس إلى الذى أعتقه، فيجعل
ميراثه له، وإذا مات السيد قبل مولاه لم ينتقل الولاء إلى عصبته. لأن الولاء كالنسب، لا ينتقل
ولا يورث، وإنما يورث به، فهو باق للسيد أبدا لا يزول عنه. وإما يرث عصبة السيد مال مولاه
بولاء معتقه، لا نفس الولاء، ويتضح هذا المعنى بالمسألتين اللتين ذكرناهما، ولو كان الولاء موروثا
لانعكس الأمر فى المسألتين، وكان الميراث فى المسألة الأولى بين الابن وابن الابن، كأن الابنين
ورثا الولاء عن أبيهما، ثم ما صار للابن الذى مات انتقل إلى ابنه، فصار ميراث المولى بينه وبين
عمه نصفين، وفى الثانية يصير لابن الابن المنفرد نصف الولاء بميراثه ذلك عن أبيه، ولبنى الابن
الآخر النصف بينهم على عددهم.
وشذ شريح فقال: "الولاء بمنزلة المال يورث عن المعتق، فمن ملك شيئا حياته فهو لورثته"،
وقد حکی عن عمر وعلى وابن عباس وابن المسيب نحو هذا، وروى حنبل ومحمد ابن الحكم عن
أحمد نحوه، وغلطهما أبو بكر فى روايتهما، فإن الجماعة رووا عن أحمد مثل قول الجمهور.
ولنا قول النبى ◌ّ: ((المولى أخ فى الدين، وولى نعمة، وأولى الناس به أقربهم من المعتق)،
وقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، ولأنه من أسباب التوارث فلم يورث، كالقرابة والنكاح،

ج - ١٦
٣٠٠
باب ميراث المولى مع ابنة المعتق، وتقدمه على ذوى الأرحام
٥٤١٨- عن الشيبانى عن الحكم عن شموس الكندية قالت: "قاضيت إلى على
فى أبى مات لم يدع أحدا غيرى ومولاه، فأعطانى النصف، وأعطى مولاه النصف".
٥٤١٩- وعن ابن أبى ليلى عن الحكم عن أبى الكنود عن على، أنه أتى بابنة
ومولى، فأعطى الابنة النصف، والمولى النصف، قال الحكم: فمنزل هذا نصيب المولى
الذی ورثه عن مولاه".
ولأنه إجماع الصحابة ولم يظهر عنهم خلافه، فلا يجوز مخالفته، وحجة شريح حديث عمرو بن
شعيب الذى ذكرناه، والقياس على المال.
فحديث عمرو بن شعيب قد غلطه العلماء فيه، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلاف هذا
القول (الذى ذهب إليه الجمهور)، وحكاه الشعبى والأئمة عن عمر ومن ذكرنا قولهم، ولا يصح
اعتبار الولاء بالمال، لأن الولاء لا يورث، بدليل أنه لا يرث منه ذو الفروض، وإنما يورث به، فينتظر
أقرب الناس إلى سيده من عصابته يوم موت العبد المعتق، فيكون هو وارث المولى دون غيره، كما
أن السيد لو مات فى تلك الحال ورثه وحده أهـ ملخصا (٢٧٦:٧).
باب ميراث المولى مع ابنة المعتق، وتقدمه على ذوى الأرحام
قوله: "عن الشيبانى" إلخ: قلت: هذه الروايات تدل على أن عليا جعل المولى عصبة ومقدما
على ذوى الأرحام، وبهذا تحقق قول صاحب "الهداية": "روى عن على تقديمه على ذوى
الأرحام"، واندفع قول الزيلعى: إنه غريب عن على، وأخرج عبد الرزاق عن على خلاف ذلك،
فقال: أخبرنا الثورى أخبرنى منصور عن حصين عن إبراهيم، قال: كان عمر وابن مسعود يورثان
ذوى الأرحام دون الموالى. قلت: فعلى بن أبى طالب؟ فقال: كان أشدهم فى ذلك اهـ.
وتأويل ما روى إبراهيم، أن المراد من ذوى الأرحام العصبات النسبية، دون ذوى الأرحام
الذين هم غير ذوى الفروض والعصبات، لأنه ورث المولى مع البنت التى لا يرث معها ذوو
الأرحام، فاعرف ذلك، وروى أبو داود فى "المراسيل" عن شعبة عن الحكم عن عبد الله بن شداد،
قال: "أتدرون ما ابنة حمزة؟ كانت أختى لأمى، وأنها لأعتقت مملوكالها، وتوفى، وترك ابنته
ومولاته، فجعل رسول الله مَِّ ميراثه بينهما نصفين"، ورواه النسائى عن عبد الله بن عون عن
الحكم عن عبد الله بن شداد: "أن ابنة حمزة أعتقت مملوكا لها، فمات، وترك ابنته ومولاته"،