النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ بیع المکاتب برضاه إعلاء السنن يقوم مقامه، والدليل على أن بيعها كان فسخا للكتابة قوله مرّ له لعائشة: ((اشتريها فأعتقيها، ودعينهم يشترطوا ما شاءوا، فإن الولاء لمن أعتق))، فإن عائشة رضى الله عنها لو كانت أعانت بريرة على كتابتها لم تكن معتقة لها، بل كان أهل بريرة هم معتقيها، كما لا يخفى. واختلفت الروايات فى قولها: "فأعينينى"، فإنه كذا للأكثر بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة، وفى رواية الكشمهينى: "فأعيتنى" بصيغة الخبر الماضى من الإعياء، والضمير للأواتى. وهو متجه المعنى، أى أعجزتنى عن تحصيلها (فتح البارى ١٣٨:٥)، وهو صريح فى تعجيز بريرة نفسها عن أداء الكتابة، وتأيدت هذه الرواية بما فى رواية المتن من قولها: "اشترينى فأعتقينى"، واللفظ الذى احتج به الموفق وابن المنذر ظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك. إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها. فالحق أن فى قوله معرّ له: (اشتريها فأعتقيها ودعيهم يشترطوا ما شاءوا)) دلالة على أن عقد الكتابة الذى كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع عائشة لها، وبهذا يتجه الإنكار على موالى بريرة إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثم أرادوا أن يشترطوا الولاء لهم (فتح البارى أيضا). فإن قيل: إن عائشة اشترتها مع بقاءها مكاتبة، كما كانت قبل الشراء، وقامت عائشة مقام أهلها. وإذا كان كذلك كان الولاء للمشترى، لأن حق المكاتب فيه انتقل إلى المشترى، فصار هو المعتق، وكان الولاء له. قلنا: لا دلالة فى الحديث على ذلك، بل حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: أرادت عائشة أن تشترى جارية لتعتقها، فقال أهلها: على أن ولاءها لنا، قال رسول الله مَ ◌ّه: ((لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق)). رواه البخارى صريح فى أن عائشة اشترتها لتعتقها، لا لتبقيها على الكتابة، ومن ادعى ذلك فعليه البيان. وأما قول ابن المنذر وابن حزم أن بريرة أخبرت عائشة أن نجومها فى عام أوقية فالعجز إنما يكون بمضى عامين عند من لا يرى العجز إلا بحلول نجمين، أو بمضى عام عند الآخرين والظاهر أن شراء عائشة لها كان فى أول كتابتها، فأين عجزها أو حلول نجومها اهـ؟ ففيه أن ذلك إنما يشترط إذا لم يعجز المكاتب نفسه، وأما إذا عجز نفسه، ورضى ببيعه فلا يشترط لعجزه حلول نجم، ولا نجمين، ألا ترى أبا أيوب الأنصارى أنه كاتب أفلح ثم بدا له، فسأله إبطال الكتابة دون أن يعجز، فأجابه إلى ذلك، فرده عبدا. ثم أعتقه بتلا، وقد ذكر ذلك مخرمة بن بكير عن أبيه أنه لا بأس به، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعى، كما ذكره ابن حزم فى "المحلى" (٢٤١:٩)، ٢٦٢ بيع المكاتب برضاه ج - ١٦ وفيه دلالة على أن للمكاتب أن يعجز نفسه قبل أن يتحقق عجزه بحلول نجم أو نجمين، فافهم، فإن أهل الظاهر لا يفقهون. لا يجوز للمولى وطئ المكاتبة ولو شرطه فى العقد: فائدة: قال ابن حزم: روينا من طريق أحمد بن حنبل نا عبد الصمد بن عبد الوارث نا يحيى بن سعيد الأنصارى عن سعيد بن المسيب، قال: "إذا كاتب الرجل أمته واشترط أن يغشاها، حتی تؤدی مکاتبتها فلا بأس بذلك"، وبه يقول أبو ثور (٢٣٦:٩). وقال الموفق فى "المغنى": ليس للرجل أن يطئ مكاتبته إلا أن يشترط، وهو بغير شرط حرام فى قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب والحسن والزهرى ومالك والليث والثورى والأوزاعى والشافعى وأصحاب الرأى، وقيل: له وطئها فى الوقت الذى لا يشغلها الوطئ عن السعى عما هى فيه، لأنها ملك يمينه، فتدخل فى عموم قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ (وقال ابن حزم: يجوز له وطأها قبل أن تؤدى شيئا من كتابتها، وإذا أدت شيئا فلا، لشروع العتق فيها بذلك، فلم يبق كلها ملكا ليمينه، وهو بناء على كون المكاتب حرا فيما أدى، عبدا فيما بقى، وقد فرغنا من الجواب عن حجته فى ذلك، فتذكر). قال: ولنا أن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها، وملك عوض مننفعة بضعها فيما إذا وطئت بشبهة. فأزال حل وطئها، كالبيع، والآية مخصوصة بالمزوجة (من الإماء)، فقيس عليها محل النزاع، ولأن الملك ههنا ضعيف، لأنه قد زال عن منافعها جملة، ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها، وتفارق أم الولد (والمدبرة)، فإن ملكه باق عليها، وإنما يزول بموته، وإنما امتنع بيعها لأنها استحقت العتق بموته استحقاقا لازما لا يمكن زواله (وجملة ذلك أن المكاتبة مملوكة لكن ملكا ضعيفا، لا مطلقا. وقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وارد فى الملك المطلق. وبذلك اندحض ما ذكره ابن حزم فى هذا الباب، فإنه لم يتنبه لهذا المعنى). قال: وإذا شرط وطأها فله ذلك، وبه قال سعيد بن المسيب. وقال سائر من ذكرنا: ليس له وطأها، لأنه لا يملكه مع إطلاق العقد، فلم يملكه بالشرط، كما لو زوجها. الجواب عن حجة من أجاز وطئ المكاتبة بالشرط: قال: ولنا قول النبى عدّ له: ((المؤمنون عند شروطهم). (قلنا: نعم! إلا شرطا أحل حراما، أو ٢٦٣ بيع المكاتب برضاه إعلاء السنن حرم حلالا، كما هو نص الحديث، قد اتفقوا على حرمة وطئها بدون الشرط فلا يحل بالشرط)، قال ولأنها مملوكة له شرط نفعها فصح كشرط استخدامها، يحقق هذا أن منعه من وطئها مع بقاء ملكه عليها ووجود المقتضى لحل وطئها إنما كان لحقها، فإذا شرطه عليها جاز كالخدمة. (قلنا: لا نسلم أن منعه من وطئها إنما كان لحقها فقط، بل لضعف ملك المولى فيها، ولأجل ذلك لا يجوز له وطئ جارية مكاتبته ومكاتبه اتفاقا ولو بالشرط، مع أنها ملكه، لأنه يملك مالكها ولا يملك إجبار مكاتبته، ولا أمتها على التزويج، لأنه زال بعقد الكتابة ملكه عن نفعها، ونفع بعضها، وعن عوضه، من كان كذلك لا يجوز وطئها بمجرد الشرط، لا نعرف لذلك نظيرا فى الشرع، ومن ادعى فعليه البيان)، قال: فإن وطئها مع الشرط فلا حد عليه، ولا تعزير، ولا مهر، وإن وطئها من غير شرط فقد أساء وعليه التعزير، لأنه وطئ محرم. لا حد علی من و طئ مکاتبته إجماعا: ولا حد عليه فى قول عامة الفقهاء، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن والزهرى، فإنهما قالا: عليه الحد، لأنه عقد عليها عقد معاوضة يحرم الوطئ، فأوجب الحد بوطئها كالبيع، ولنا أنها مملوكته فلم يجب الحد بوطئها، كأمته المستأجرة والمرهونة، وتخالف البيع، فإنه يزيل الملك، ولا يخرج بالوطئ عن الكتابة. وقال الليث: "إن طاوعته فقد فسخت كتابتها وعادت قنا"، ولنا أنه عقد لازم فلم ينفسخ بالمطاوعة على الوطئ، كالإجارة بعد لزومه. إذا وطئ المولى مكاتبته لزمه العقر لها سواء كانت مطاوعة أو مكرهة، وسواء وطئها بالشرط أو بدونه: فأما المهر فإنه يجب لها أكرهها أو طاوعته، وبه قال الحسن البصرى والثورى والحسن بن صالح والشافعى، (وهو مقتضى قواعدنا). وقال قتادة: "يجب إذا أكرهها، ولا يجب إذا طاوعته". ونقله المزنى عن الشافعى، لأن المطاوعة بذلت نفسها بغير عوض، فصارت كالزانية، ومنصوص الشافعى وجوبه فى الحالين، وأنكر أصحابه ما نقله المزنى، وقالوا: لا يعرف، وقال مالك: "لا شىء عليه لأنها ملكه". ولنا: أنه عوض منفعتها فوجب لها كعوض بدنها، ولأن المكاتبة فى يد نفسها، ومنافعها لها، ولهذا لو وطئها أجنبى (بالشبهة) كان المهر لها، وإنما وجب فى حال المطاوعة لأن الحد يسقط عنه شبهة الملك، فوجب لها المهر، (لأن الوطئ المحرم فى دار الإسلام لا يخلو عن حد أو مهر). ٢٦٤ بيع المكاتب برضاه ج - ١٦ كما لو وطئ امرأة بشبهة عقد مطاوعة اهـ ملخصا (٣٩٢:١٢)، وفى "الحواشى السعدية": قال صاحب "التسهيل": ولو شرط وطئها فى العقد لا يضمن العقر، وفى "غاية البيان" فى باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله ما يخالفه اهـ (٩٩:٨). قلت: والترجيح بالقواعد لما فى "غاية البيان"، لكون وطئ المكاتبة حراما عندنا، سواء اشترطه أو لم يشترط، والوطئ المحرم فى دار الإسلام لا يخلو عن حد أو عقر. وقال ابن حزم فى "المحلى": وقال سفيان الثورى: "لا شىء عليه إن وطئها، ولا عليها، فإن حملت فهى بالخيار بين التمادى على الكتابة وبين أن تكون أم ولد، وتبطل الكتابة"، وقال أبو حنيفة ومالك كقول سفيان، إلا أنه زاد أى أبو حنيفة إن تمادت على كتابتها أخذت منه مهر مثلها (أى العقر) فاستعانت به فى كتابتها، إلا أن مالكا زاد أنه يؤدب اهـ (٢٣٧:٩)، وهذا مطلق فى الشرط وبدونه، وفى المطاوعة والإكراه جميعا، وأما ما أورده ابن حزم علينا فى هذا الباب فقد أشرنا إلى الجواب عن ذلك، كما لا يخفى على المتأمل المتفطن من أولى الألباب. فوائد شتى تتعلق بباب المكاتب فى احتجاب المرأة عن عبده: فائدة: روى أبو يوسف فى "آثاره" عن أبى حنيفة عن الهيثم عن رجل عن عائشة رضى الله عنها: "أنه كان لها مكاتب عليه شىء من مكاتبته، فبلغه قول زيد، (وهو أنه عبد ما بقى عليه درهم)، فقال: يريد أن يسترقنى، فأدى إليها فاحتجبت عنه" (ص١٩١)، وقد تقدم تحديث أم سلمة مرفوعا ((إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدى فلتحتجب منه))، رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح، قال: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع، وقالوا: لا يعتق المکاتب حتی یؤدی وإن كان عنده ما يؤدى (١٥٢:١). وقوله: "فلتحتجب منه" أى حجاب احتياط بالمبالغة فيه، كما يحتجب من الأجانب، وأما الحجاب الشرعى، فلا بد لها منه، ولو كان قنا أو مكاتبا ليس عنده ما يؤدى، لقوله : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي محرم))، والعبد ليس بذى محرم منها، ولقوله عَ ل لسودة فى ابن وليدة زمعة: ((احتجبى منه))، فأمرها بالاحتجاب منه وهو ابن وليدة أبيها، وليس يخلو أن يكون أخاها، أو ابن وليدة أبيها فعلمنا أنه معدّ لّ لم يحجبها منه لأنه ، ٢٦٥ بيع المكاتب برضاه إعلاء السنن أخوها، ولكن لأنه غير أخيها وهو فى تلك الحال مملوك، فلم يحل له برقه النظر إليها، فقد ضاد هذا الحديث حديث أم سلمة وخالفه، وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما، وحديث أم سلمة وإن صححه الترمذى والحاكم وابن حبان وذكر نبهان مولى أم سلمة الراوى عنها فى الثقات من التابعين فقد ذكر البيهقى عن الشافعى أنه لم ير من رضى أهل العلم ثبته (الجوهر النقي ٢٦٧:٢). الجواب عن حجة من أباح للعبد النظر إلى شعور مولاته: واحتج من أجاز للعبد النظر إلى شعور مولاته بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى أن ذكر ﴿وما ملكت أيمانهن﴾، والمراد به عندنا الإناث بدليل ما رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" حدثنا أبو أسامة ثنا يونس عن أبى إسحاق عن طارق عن سعيد بن المسيب، قال: "لا يغرنكم الآية ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ إنما عنى به الإماء، ولم يعن به العبيد" (الزيلعى ٢٩٤:٢)، وهذا سند صحيح، وقد احتج الأئمة بأقوال التابعين فى التفسير، كما لا يخفى. سلمنا أنه يعم الإناث والذكور فلا نسلم أنه جعل ﴿ما ملكت أيمانهن﴾ مثل ذى الرحم المحرم لهن النظر إليهن، لأنه تعالى ذكر جماعة مستثنين من قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ فذكر البعول، والآباء، ومن ذکر معهم مثل ذکره ما ملكت أيمانهن. فلم یکن جمعه بینهم بدلیل علی استواء أحكامهم لأنا قد رأينا البعل قد يجوز له أن ينظر من امرأته إلى ما لا ينظر إليه أبوها منها، فلا یکون ضمه ما ملكت أیمانهن مع ما قبلهم دليلا علی أن حکمهم مثل حکمهم. کیف ویجوز لذى الرحم أن ينظر إلى المرأة التى هو لها محرم إلى وجهها، وصدرها، وشعرها، وما دون ركبتها. ورأينا العبد حرام عليه فى قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر مولاته مكشوفا، أو إلى ساقيها. فلما كان فى ذلك كالأجنبى منها، لا كذى رحمها المحرم عليها، كان فى النظر إلى شعرها، وفى الخلوة بها كالأجنبى لا كذى رحمها المحرم عليها. قاله الطحاوى فى "معانى الآثار" (٣٩٣:٢). ولكن الذى أبيح بهذه الآية للعبيد من النظر إلى سيداتهم إنما هو ما ظهر من الزينة، وهو الوجه والكفان، وفى إباحته ذلك للمملوكين وهم من الطوافين عليهن والطوافات بدليل قوله تعالی: ﴿يا أيها الذين آمنوا لیستأذنکم الذین ملكت أيمانكم والذین لم يبلغوا الحلم منکم ثلاث مرات) - إلى قوله- ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض) الآية، دليل على أن الأجانب الذين ليسوا بذوى محرمة من النساء، ولا مما ملکت أيمانهن، ليسوا فى ذلك كذلك، وقد روى ٢٦٦٠ بيع المكاتب برضاه ج - ١٦ الطحاوى فى "معانى الآثار" حدثنا صالح بن عبد الرحمن ثنا سعيد بن منصور ثنا هشيم ثنا مغيرة عن الشعبى ويونس عن الحسن: "أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعور مولاته" (٣٩٣:٢)، وهذا سند حسن صحيح، وروى فى "مشكله" عن نبهان مولى أم سلمة: أنه بينما هو يسير مع أم سلمة زوج النبى ◌ّ فى طريق مكة، وقد بقى من كتابته ألفا درهم فقالت: وهى تسير: ماذا بقى عليك من كتابك يا نبهان؟ قلت: ألفا درهم، قالت: فهما عندك؟ قلت: نعم! قالت: ادفع ما بقى عليك إلى محمد بن المنكدر، فإنى قد أعنته بها فى نكاحه. وعليك السلام، ثم ألقت الحجاب فبكيت، وقلت: والله لا أعطيه أبدا، قالت: إنك والله لن ترانى أبدا، إن رسول الله عَّه عهد إلينا إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقى من كتابته فاضربوا دونه الحجاب (٢٨٢:١ من "المعتصر"). فهذا هو الحجاب الذى أمر به رسول الله عَ ليه فى المكاتب إذا كان عنده ما يؤدى كتابته أن لا يرى مولاته أبدا كما كان قبل ذلك ينظر إلى وجهها و کفیها، ویتحتم وجوب هذا الحجاب بعد الأداء، وإنما أمر به إذا كان عنده ما یؤدی کتابته لكون الرق منه على شرف السقوط، فأحب أن يعتدن ذلك قبل أن يلجأن إليه، وهذا هو معنى قول الترمذى: "إن معنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع"، فافهم. وقال الشافعى رحمه الله: هذا خاص بأزواج النبى مّه، وهو احتجابهن عن المكاتب، وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة إذا كان واجدا له اهـ من "العون" (٣٢:٤). وقال الطحاوى: إن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، فإذا كان عنده وفاء بها فلا يحل له أن يمسكها ليسقط عن نفسه الحقوق. كالزكاة من ماله، وصلاتها بغير قناع، وسفرها بغير محرم، وعدتبها نصف عدة الحرة، وما أشبه ذلك من نظره إلى سيدته. لأنه يمنع الواجب ليبقى له ما يحرم عليه اهـ من "المعتصر" (٢٨٣:١). إذا كان عند المكاتب وفاء يجبر على تسليمه إلى المولى: قلت: ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان المكاتب قادرا على أداء الكتابة واجدا لما يؤديه فامتنع من أدائه ليس له ذلك، ويجبر على التسليم، وبه قال مالك، والأوزاعى، وأبو بكر من الحنابلة. وقال الشافعى وجماعة من الحنابلة: إن له ذلك، ويملك السيد فسخ الكتابة، وهو ظاهر كلام الخرقى، كما فى "المغنى" (٤١٨:١٢)، ولنا ما أشار إليه الطحاوى أنه ليس له ذلك، لأنه يمنع الواجب، ليبقى له ما يحرم عليه فيجبر على التسليم، والله تعالى أعلم. ٢٦٧ بيع المكاتب برضاه إعلاء السنن الكتابة لا تنفسخ بموت السید إجماعا: فائدة: الكتابة لا تنفسخ بموت السيد. لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا، وذلك لأنه عقد لازم من جهته فلم ينفسخ بموته، كالبيع والإجارة، إذا ثبت هذا فإن المكاتب يؤدى نجومه، أو ما بقى منها إلى ورثته. لأنه دين لمورثهم، ويكون مقسوما بينهم على قدر مواريثهم، كسائر ديونه. فإن كان له أولاد ذكور وإناث فللذكر مثل حظ الأنثیین، فإن عجز ورد فى الرق، فإنه يكون عبدا لجميع الورثة، كما لو لم يكن مكاتبا، لأنه من مال مورثهم، فكان بينهم كسائر المال، وأما إذا أدى مال الكتابة وعتق يكون ولاءه لسيده المكاتب يختص به عصباته، دون أصحاب الفروض، وهذا قول أكثر العلماء، فإن أعتقه الورثة صح عتقهم؛ لأنه ملك لهم فصح عتقهم له، ويكون ولاءه لهم؛ لقوله عّ لّهِ: ((إنما الولاء لمن أعتق)) اهـ ملخصا من "المغنى" (٣٧:١٢). للمكاتب أن یبیع ویشتری إجماعا: فائدة: وللمكاتب أن يبيع ويشترى بإجماع من أهل العلم. لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب، فإنه جاء فى بعض الآثار ((أن تسعة أعشار الرزق فى التجارة))، وله أن يأخذ ويعطى فيما فيه الصلاح لماله، والتوفير عليه، وله أن ينفق مما فى يده من المال على نفسه فى مأكله ومشربه وكسوته بالمعروف مما لا غناء له عنه، وعلى رقيقه، والحیوان الذی له، وله تأدیب عبيده، وتعزیرهم إذا فعلوا ما يستحقون ذلك، لأنه من مصلحة ملكه، فملکه کالنفقة عليهم. ولا يملك إقامة الحد عليهم. لأن هذا موضع ولاية، وليس هو من أهلها، وله المطالبة بالشفعة، والأخذ بها، لأنه نوع شراء اهـ ملخصا من "المغنى" (٣٨٦:١٢). المکاتب محجور علیه فی ماله إجما عا: قال: والمكاتب محجور علیه فی ماله، فليس له استهلا كه، ولا هبته، وبهذا قال الحسن، ومالك، والشافعى، وأصحاب الرأى، ولا أعلم فيه مخالفا، لأن حق سيده لم ينقطع عنه، لأنه قد يعجز فيعود إليه، ولأن القصد من الكتابة تحصيل العتق بالأداء، وهبة ماله تفوت ذلك، وإن أذن فيه سيده جاز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأنه يفوت المقصود بالكتابة، وعن الشافعى فيه كالمذهبين اهـ ملخصا (٣٨٢:٢). ٢٦٨ بیع المكاتب برضاه ج - ١٦ وفى "الهداية": ولا يهب، ولا يتصدق إلا بالشىء اليسير، لأن الهبة والصدقة تبرع، وهو غير مالك ليملكه، إلا أن الشىء اليسير من ضرورات التجارة اهـ، ومقتضى التعليل أن له أن يهب ويتصدق بإذن سيده، لأن الحق لا يخرج عنهما، فجاز باتفاقهما، كالراهن والمرتهن، فافهم. لا يمنع المكاتب من السفر: فائدة: ولا يمنع المكاتب من السفر قريبا كان أو بعيدا، هذا قول الشعبى والنخعى، وسعيد بن جبير والثورى والحسن بن صالح وأبى حنيفة، ومقتضى القياس أن يكون للسيد منعه من سفر طويل تحل نجوم كتابته قبله، لأنه يتعذر معه استيفاء النجوم فى وقتها، فإن شرط عليه فى الكتابة أن لا يسافر فالشرط باطل، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبى، والنخعى، وأبى حنيفة، لأنه ينافى مقتضى العقد، فلم يصح شرطه كشرط ترك الاكتساب، وبه قال القاضى من الحنابلة. وقال أبو الخطاب: يصح الشرط، وله منعه من السفر، وهو قول مالك، لقول النبى معَ له: ((المسلمون على شروطهم). ولأنه شرط فيه فائدة فلزم، كما لو شرط نقدا معلوما، وبيان فائدته أنه لا يأمن إباقه وأنه لا يرجع إلى سيده فيفوت العيد والمال الذى عليه كذا فى "المغنى" (٣٧٦:٢١). ل قلنا: إقدامه على عقد الكتابة دليل على أمنه إباقه، فإن من لا يأمن ذلك لا يكاتب عبده، وقوله مرّ: ((المسلمون على شروطهم) لا يعم الشرط الباطل المنافى للعقد إجماعا، وهذا مناف للكتابة، لكونها إذنا بالتجارة، والسفر من لوازمها عادة. لیس للمكاتب أن يتزوج إلا یاذن مولاه: فائدة: وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيدة، وهذا قول الحسن ومالك والليث وابن أبى ليلى وأبى حنيفة والشافعتى وأبى يوسف، وقال الحسن بن صالح: له ذلك، لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، ولنا قول النبى معَّه: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر))، ولأن على السيد فيه ضررا، لأنه ربما عجز فيرجع إليه ناقص القيمة، كذا فى "المغنى" (٣٧٨:١٢)، وهذا يعم المكاتب والمكاتبة جميعا، فليس لأحد منهما أن يتزوج إلا بإذن سيده، وهو المذهب. يجوز كتابة عبيد له صفقة واحدة بعوض واحد: ... فائدة: وإذا كاتب عبيدا له صفقة واحدة بعوض واحد، مثل أن يكاتب ثلاثة عبيد له بألف صح فى قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء وسليمان بن موسى وأبو حنيفة ومالك والحسن بن صالح ٢٦٩ بیع المکاتب برضاه إعلاء السنن وإسحاق، وهو المنصوص عن الشافعى رضى الله عنه، وقال بعض أصحابه: فيه قول آخر، لا يصح، لأن العقد مع ثلاثة کعقود ثلاثة، وعوض کل منهم مجهول، فلم یصح، (وبه قال ابن حزم فى "المحلى")، ولنا أن جملة العوض معلومة، وإنما جهل تفصيلها، فلم تمنع صحة العقد، كما لو باعهم لواحد اه من "المغنى" (٤٧٦:١٢). قلت: روى أبو يوسف فى "آثاره" عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم، أنه قال: "إذا كاتب الرجل عبيده مكاتبة واحدة، فجعل نجومهم واحدة، وقال: إن أديتم فأنتم أحرار، وإن عجزتم فأنتم رقيق، فمات واحد لم يرفع عنهم به شيئاً" (ص١٩١)، وأخرجه محمد فى "الآثار" له، وفرض المسألة فى عبدين، ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ. تقريظ "كتاب الآثار" لأبى يوسف الإمام والثناء عليه، وعلى إبراهيم النخعى: فائدة: حديثية فقهية: قال العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثرى حفظه الله، فى تقريظه على "كتاب الآثار" للإمام أبى يوسف القاضى ونشرته مجلة الإسلام بمصر ما ملخصه: كتاب عز أن يتناوله متناول فى العصر الأخير، لقلة نسخه فى خزانات العالم، وهو كتاب جم النفع بديع الصنع وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصارى مؤلف الكتاب ليس بمجهول عند أهل العلم حتى نقوم بتعريفه، فنكتفى بلفت النظر إلى ما يرويه الذهبى فى جزء ألفه فى ترجمته عن يحيى بن خالد. أنه قال: "قدم علينا أبو يوسف وقل ما فيه الفقه وقد ملأ يفقهه ما بين الخافقين"، وإلى ما يرويه عن هلال، أنه قال: "كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازى، وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه"، وقد ترجمه الذهبى أيضا فى كتابه "طبقات الحفاظ" فى عداد حفاظ الحديث، وأطال فى ترجمة ابن أبى العوام الحافظ فى كتابه "فضائل أبى حنيفة وأصحابه"، وكان يعد آية فى الحفظ، يحضر مجلس الحديث، فيسمع فيه خمسين حديثا وستين بأسانيدها، فيحفظها كلها بسماع واحد، ثم يخرج، فيحدث بجميع ذلك من غير أن يزيد حرفا، أو ينقص حرفا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد جمع الحافظ أبو الفرج ابن الجوزى فيمن عرف ببالغ الحفظ فى الإسلام من المحدثين وغيرهم جزء سماه "أخبار الحفاظ"، ذكر فيه نحو مائة عالم عدهم فى الطبقة العليا من الحفظ، فذكر أبا يوسف هذا فى عدادهم، أثنى على حفظه البالغ ابن عبد البر فى "الانتقاء" قبله، وابن حبان فى " كتاب الثقات" قبل ابن عبد البر، وابن جرير فى "ذيل المذيل" قبل ابن حيان، وكل هؤلاء أقروا ببالغ حفظه. ٢٧٠ ج - ٦ باب إذا أدى المكاتب إلى المولى من الصدقات ثم عجز فما أدی کان طيبا للمولى ٥٣٩٢- عن عائشة، قالت: كانت فى بريرة ثلاث سنن، عتقت فخيرت، وقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((الولاء لمن أعتق))، ودخل النبى عَّ ◌ُّه وبرمة على النار، فقرب إليه خبز وإدام من أدم البيت، فقال: ((ألم أر برمة؟)) فقيل: لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)) أخرجه الشيخان (نصب الراية ٢٤٤:٢). وقد احتوى " كتاب الآثار" هذا على نحو ألف وسبعة وستين حديثا مرفوعا، وأثرا، وفتيا من الصحابة والتابعين فى أمهات المسائل، وقد أكثر فيه جدا عن إبراهيم بن يزيد النخعى شيخ فقهاء العراق فى عهد التابعين، ويدور ما روى عنه بين أن يكون حديثا مسندا، أو مرسلا يعد فى الصحاح، وفتيا تعد أثرا، لكبر منزلته بين فقهاء التابعين، وقد روى أبو إسماعيل الروى فى ذم الكلام بسنده الأعمش أنه قال: "ما رأيت إبراهيم يقول برأيه قط" اهـ فعلى هذا تكون فتاواه التى امتلأ بنها ما بين الخافقين آثارا مأثورة فى نظر الأعمش، وذكر كثير من النقاد فى "شرح علل الترمذى": أن مرسله فوق مسنده فى القوة، وقال ابن عبد البر فى "التمهيد" بعد أن نقل عن الترمذى ما يدل على أن مراسيل النخعى أقوى من مسانيده: وهو لعمرى كذلك، إلا أن إبراهيم لیس بمعيار على غيره اهـ. وقول الشعبى: ((ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه، لا الحسن، ولا ابن سيرين، ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز ولا من أهل الشام، مشهور فى كتب الرجال صغيرها وكبيرها، فلا مجال للفقيه أن يغفل ما يروى عن النخعى من مراسيله وفتاواه، وبذلك يعلم سبب عناية أبى يوسف بتخريج آثاره، كما فعل محمد بن الحسن فى "كتاب الآثار" له مثل هذا، وأبو بكر بن أبى شيبة فى "مصنفه" اهـ. وكذا عبد الرزاق ووكيع، وسفيان، وغيرهم من محدثى العراق وعلماءها، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك. باب إذا أدى المكاتب إلى المولى من الصدقات ثم عجز، فما أداه طيب للمولى أقول: احتج بالحديث المذكور على ما فى الباب، ووجه الاستدلال أن الحديث يدل على أن الحكم يتبدل بتبدل الملك، وفيما نحن فيه كذلك، لأن المال لما أعطى للمكاتب كان صدقة، ٢٧١ إعلاء السنن کتاب الولاء باب بطلان التسبيب ٥٣٩٣- حدثنا: أبو نعيم ثنا المسعودى عن القاسم، قال: "أعتق رجل غلاما سائبة، فأتى عبد الله وقال: إنى قد أعتقت غلاما لى سائبة، وهذه تركته، قال: هى لك، قال: لا حاجة لى فيها، قال: فضعها فإن ههنا وارثا كثيرا"، رواه الدارمى. ولما أعطى المكاتب مولاه لم يكن صدقة، والله أعلم. قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: إن شرط فى كتابته أن لا يسأل فقال أحمد: قال جابر بن عبد الله: هم على شروطهم اهـ، إن رأيته يسأل تنهاه، فإن قال: لا أعود، لم يرده عن كتابته فى مرة، فظاهر هذا أن الشرط صحيح لازم، وإن خالف مرة لم يعجزه، وإن خالف مرتين، أو أكثر فله تعجيزه، وإنما صح الشرط لقوله معَّ ◌ُله: ((المسلمون على شروطهم)، ولأن له فى هذا فائدة، وغرضا صحيحا، وهو أن لا يكون كلا على الناس ولا يطعمه من صدقتهم، وأوساخهم، وذكر أبو الخطاب أنه لا يصح الشرط، لأن الله تعالى جعل للمكاتب سهما من الصدقة بقوله تعالى: ﴿وفى الرقاب﴾ وهم المكاتبون، فلم يصح اشتراط ترك طلب ما جعل الله تعالى له اهـ (٣٧٧:٢١). وأيضا فإن بريرة، وجويرية رضى الله عنهما سألتا الإعانة فى كتابتهما من عائشة، ومن رسول الله مره، ولم ينكر ذلك رسول الله ( منهما، فللمكاتب أن يسأل الناس، ويؤدى إلى مولاه ما حصل له بالسؤال، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ فى فوائد حديث بريرة وهى نحو مائة فائدة وبلغها بعض المتأخرين إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف ما نصه: وفيه جواز أخذ الكتابة (أى بد لها) من مسألة الناس، والرد على من كره ذلك، وزعم أنه أوساخ الناس اهـ (١٤١:٥). باب بطلان التسبيب قال العبد الضعيف: والسائبة يطلق فى الأصل على الدابة يسيبها الرجل، ذكرها المفسرون فى تفسير المائدة، والمراد بها ههنا العبد الذى يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك، أو أنت سائبة، يريد بذلك عتقه، وأن لا ولاء لأحد عليه. وقد يقول له: قد أعتقتك سائبة، أو أنت حر سائبة، ففى الأوليين يفتقر فى عتقه إلى نية، وفى الأخريين يعتق واختلف فى الشرط، فالجمهور على كراهته، ج - ١٦ بطلان التسبيب ٢٧٢ ٥٣٩٤- حدثنا: أبو سعيد بن عمرو عن أبى بكر ابن أبى مريم عن ضمرة وراشد ابن سعد وغيرهما، قالوا فيمن أعتق سائبة: "إن ولائه لمن أعتق، إنما سيبه من الرق، ولم يسيبهِ من الولاء"، رواه الدارمى أيضًا. قلت: معناه أن إبطال الرق بالإعتاق مفوض إليه فله ذلك، وأما الولاء فأمر لا يقدر على إبطاله كالنسب. وشد من قال بإباحته (فتح البارى ٣٥:١٢). وفى "الهداية": فإن شرط أنه سائبة فالشرط باطل، والولاء لمن أعتق، لأن الشرط مخالف للنص فلا يصح اهـ (١٥٥:٨). قال الحافظ فى "الفتح": وبهذا الحكم (أى ببطلان الشرط، وكون ولاءه للحولى) قال الحسن البصرى، وابن سيرين، والشافعى، وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين: "أن سالما مولى أبي حذيفة الصحابى المشهور أعتقته امرأة من الأنصار سائبة، وقالت له: وال من شئت، فوالى أبا حذيفة، فلما استشهد باليمامة دفع ميراثه للأنصارية أو لابنها"، وأخرج ابن المنذر من طريق بكر بن عبد الله المزنى: "أن عبد الله بن عمر أتى بمال مولى له مات، فقال: إنا كنا أعتقناه سائبة، فأمر أن يشترى بثمنه رقابا فتعتق". وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب، وقد أخذ بظاهره عطاء، فقال: إذا لم يخلف السائبة وارثا دعى الذى أعتقه، فإن قبل ماله، وإلا ابتیعت به رقاب فأعتقت. وفيه مذهب آخر: أن ولاءه للمسلمين يرثونه، ويعقلون عنه، قاله عمر بن عبد العزيز، والزهرى، وهو قول مالك، وعن الشعبى، والنخعى، والكوفيين لا بأس ببيع ولاء السائبة، وهبته، قال ابن المنذر: واتباع ظاهر قوله مَ له: "الولاء لمن أعتق)) أولى اهـ (٣٥:١٢). قلت: وهو قولنا معشر الحنفية كما فى "الهداية"، ولا أدرى من هؤلاء الكوفيون الذين أجازوا بيع ولاء السائبة وهبته؟ فقد قال محمد فى "الموطأ": أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله مَ ◌ّ نهى عن بيع الولاء، وهبته"، (أخرجه أبو حنيفة عن عطاء بن يسار عن ابن عمر، وعند الشيخين، وغيرهما من طريق ابن دينار عن ابن عمر. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح)، قال محمد: "وبهذا نأخذ، لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته، وهو قول أبى حنيفة، والعامة من فقهاءنا" اهـ (ص٣٤٣)، فلم يخص ولاء سائبة، ولا غيره. قال المحشى: وبه قال جمهور العلماء سلفا وخلفا، إلا ما روى عن ميمونة: "أنها وهبت ولاء سليمان ابن يسار لابن عباس". وروى عبد الرزاق عن عطاء جواز أن يأذن السيد لعبده أن - ٢٧٣ بطلان التسبيب إعلاء السنن ٥٣٩٥- حدثنا: أبو نعيم ثنا زكريا عن عامر، قال: "سئل عامر عن المملوك يعتق سائبة لمن ولاءه؟ قال: للذى أعتقه"، رواه الدارمى. قلت: هذه الروايات تدل على بطلان التسبيب، وهو مذهب أصحابنا، ومنهم من ذهب إلى صحته، وقد خفى عليه أن الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب، لأنه لما لم يصح نقله لم يصح إبطاله كالنسب. يوالى من شاء، وجاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة وابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث، وقد أنكر ذلك ابن مسعود فى زمن عثمان، وقال: "أيبيع أحدكم نسبه؟" كذا فى "فتح الباری" وغيره اهـ. إثبات أصل الولاء، وبيان ما أجمع عليه من أحكامه: قال العبد الضعيف: والأصل فى الولاء قوله تعالى: ﴿فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم﴾ يعنى الأدعياء. وقال النبى معَ له: ((الولاء لمن أعتق)) (متفق عليه). وقال سعيد: ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله ع ◌ُلّه عن بيع الولاء وهبته)). متفق عليه، وقال النبى معَّه: ((لعن الله من تولى غير مواليه)). قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وقال: ((مولى القوم منهم)) حديث صحيح، وروى الخلال بإسناده عن إسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله بن أبى أوفى، قال: قال لى النبى معَّ له: ((الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب))، وأجمع أهل العلم على أن من أعتق عبدا، أو عتق عليه، ولم يعتقه سائبة أن له عليه الولاء. والأصل فى هذا قول النبى معَّ له: ((الولاء لمن أعتق)). وأجمعوا أيضا على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله إذا اتفق ديناهما، ولم يخلف وارثا سواه، وذلك لقول النبى عدّ له: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) والنسب يورث به ولا يورث، كذلك الولاء. وروى سعيد عن عبدالرحمن ابن زياد ثنا شعبة عن الحكم عن عبد الله بن شداد، قال: " كانت لبنت(١) حمزة مولى أعتقه فمات، وترك ابنته ومولاته، فأعطى النبى معَ له ابنته النصف، وأعطى مولاته بنت حمزة النصف"، قال: وثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن الحسن، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((الميراث للعصبة فإن لم يكن عصبته فللمولى)). (مرسل صحيح، وخالد هو الطحان من رجال الجماعة ثقة). وعنه أن (١) وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة عن الحكم عن عبد الله بن شداد بن الهاد: "أن ابنة لحمزة أعتقت مملوكا لها، فمات وترك ابنة، فأعطى رسول الله عَ ل ابنته النصف" (ص١٦٩)، وفيه أن ابنة حمزة أعتقت، لا أبوها، وابنة حمزة اسمها فاطمة، أو عمارة أو أمامة، وهى أخت عبد الله بن شداد لأمه. ٢٧٤ بطلان التسبيب ج - ١٦ ٥٣٩٦- وعن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنى أعتقت عبدالى، وجعلته سائبة. فمات، وترك مالا، ولم يدع وارثا، فقال عبد الله: "إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولى نعمته، ولك الميراث، وإن تأثمت وتحرجت فى شىء فنحن(١) نقبله، ونجعله فى بيت المال"، رواه البرقانى على شرط الصحيح، وللبخارى عنه: "إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون"، أخرجه فى "المنتقى"، قلت: فيه دليل على بطن التسبيب. رجلا أعتق عبدا، فقال للنبى معَّ ◌ُله: ((ما ترى فى ماله؟)) قال: ((إن مات ولم يدع وارثا فهو لك)) (سیأتی سنده). ويقدم المولى فى الميراث على الرد، وعلى ذوى الأرحام فى قول جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وعن عمر وعلى يقدم الرد على المولى، وعنهما وابن مسعود تقديم ذوى الأرحام على المولى، ولعلهم يحتجون بقول الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾ ولنا حديث عبد الله بن شداد، وحديث الحسن، ولأنه عصبة يعقل عن مولاه فيقدم على الرد وذوى الرحم كابن العم، كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٢٤:٧)، وأولوا الأرحام أولى من المؤمنين والمهاجرين، كما نص الكتاب، لا من العصبات، والمولى عصبة، كما مر وسیأتی. قال الموفق: فإن كان للمعتق عصبة من نسبه، أو ذوو فرض تستغرق فروضهم المال فلا شىء للمولي، لا نعلم فى هذا خلافا، لما تقدم من الحديث، ولقول النبى ◌ّ له: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفروض فلأولی رجل ذكر)) (متفق عليه). والعصبة من القرابة أولى من ذى الولاء، لأنه مشبه بالقرابة، والمشبه به أقوى من المشبه، ولأن النسب أقوى من الولاء، بدليل أنه يتعلق به التحريم، والنفقة، وسقوط القصاص، ورد الشهادة، ولا يتعلق ذلك بالولاء اهـ. (١) قال بعض الأحباب: وفيه دليل على أنه لو امتنع الوارث من أخذ حقه من الميراث وتركه للآخرين يكفى ذلك، ولا يشترط الهبة، وهذا يدل على أن ما هو المتعارف فى ديارنا من ترك البنات، والأخوات وغيرهن، لإخوتهن وغيرهم حقهن عرف صحيح ولا يحتاج إلى الهبة فاعرف ذلك اهـ. قلنا: قد عرفنا بذلك سخافة رأيك، فأين فيه ذلك؟ وقد قال ابن مسعود فى رواية العدنى: فإن تحرجت فأرنا (أو فأتنا به) نجعله فى بيت المال"، كما فى "فتح البارى" (٣٥:١٢)، هو صريح فى اشتراط الهبة، سلمنا، فأين فيه أن الورثة أن يأخذوا حصة من ترك حقه من الميراث؟ وغاية ما فيه أنه يجعل فى بيت المال، فافهم. ٢٧٥ إعلاء السنن باب أن الولاء لحمة كلحمة النسب ٥٣٩٧- حدثنى موسى بن سهل الرملى ثنا محمد بن عيسى يعنى الطباع ثنا عشير بن القاسم عن إسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله ابن أبى أوفى: قال: قال رسول الله مګآ: «الولاء لحمة کلحمة النسب، لا یباع، ولا یوهب)، رواه ابن جرير فى "تهذيب الآثار"، ورجاله ثقات، قاله فى "الجوهر النقى". باب أن الولاء لحمة كلحمة النسب ذكر الاختلاف فى ولاء السائبة، وترجيح قول الجمهور: قال الموفق فى ولاء السائبة: إنه للمعتق. هذا قول النخعى والشعبی وابن سيرين ورأشد بن سعد وضمرة بن حبيب والشافعى وأهل العراق لقوله عليه السلام: ((الولاء لمن أعتق)). وجعله لحمة كلحمة النسب. فكما لا يزول نسب إنسان، ولا ولد عن فراش بشرط لا يزول ولاء عن معتق. ولذلك لما أراد أهل بريرة اشتراط تحويل الولاء عن المعتق رده النبى عدّة، وقال: ((إنما الولاء لمن أعتق))، دل ذلك على أن مثل هذا الاشتراط لا يفيد شيئا، ولا يزيل الولاء عن المعتق. ثم ذكر حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود، كما مر فى المتن، وعزاه إلى مسلم. قال: وقال سعيد: ثنا هشيم ثنا بشر عن عطاء: "أن طارق بن المرقع أعتق سوائب فماتوا، فكتب إلى عمر رضى الله عنه، فكتب عمر أن ادفع مال الرجل إلى مولاه. فإن قبله، وإلا فاشتر به رقابا فأعتقهم عنه". وقال: ثنا هشيم عن منصور أن عمر وابن مسعود قالا فى ميراث السائبة: "هو للذى أعتقه"، وهذا القول أصح فى الأثر والنظر. وفى المواضع التى جعل الصحابة ميراثه لبيت المال، أو فى مثله كان(١) لتبرع المعتق وتورعه عن ميراثه. كفعل ابن عمر فى ميراث معتقه، وفعل عمر وابن مسعود فى ميراث الذى تورع سيده عن أخذ ماله، قال: ولعل أحمد ذهب إلى شراء الرقاب استحبابا لفعل ابن عمر، والولاء للمعتق اهـ ملخصا (٢،٥:٧ و٢٤٦). (١) هذا يؤيد ما قدمناه إن ترك من ترك ولاءه من السائبة لم يكن تركا محضا، بل تبرعا وهبة، فلا بد له من شرائط الهبة، لا كما زعم بعض الأحباب أن امتناع الوارث من أخذ الميراث وتركه للآخرين يكفى، ولا يشترط الهبة، ولا تحقق شرائطهما، فافهم. (المؤلف) ٢٧٦ ج - ١٦ الولاء لحمة كلحمة النسب قلت: رواه محمد بن الحسن فى " كتاب الولاء" له عن أبى يوسف عن عبيد الله ابن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، بهذا اللفظ. فقال أبو بكر النيشابورى: هذا خط لأن الثقات رواه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو رواية الحسن المرسلة، وحديث ابن جرير يرد على أبى بكر قوله، وكذا يرد على البيهقى، حيث قال عقيب حديث أبى يوسف: "يروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة". الحديث المسلسل بالأئمة: قال العبد الضعيف: وهذا الحديث رواه ابن المظفر من طريق على بن سليمان الأخميمى عن الإمام محمد بن إدريس الشافعى عن الإمام محمد بن الحسن عن الإمام أبى يوسف عن الإمام أبى حنيفة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن رسول الله عّ لّه قال: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، وهو مسلسل بالأئمة كما تراه، ومثله نادر الوجود وقد أورده السيوطى فى جزء له سماه ((المفانيد فى مسلسل الأسانيد))، ورواه ابن خسرو من طريق ابن المظفر، وأخرجه الدار قطنى عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق عن أحمد بن محمد بن الحجاج عن على ابن سليمان الأخميمى. ومن طريقه رواه ابن عبد الباقى، وأخرجه الحاكم من طريق الشافعى هكذا، وقال: "صحيح الإسناد"، وقال الدار قطنى فى "العلل": "لا يصح ذكر أبى حنيفة فيه". الرد على قول النيسابورى: إن رفع حديث الولاء لحمة كلحمة النسب خطأ و على قول البيهقى: روى من أوجه كلها ضعيفة معللة: وأما قول النيسابورى: إن هذا خطأ أى رفع الحديث بهذا اللفظ لأن الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلا، وقول البيهقى: روى من أوجه كلها ضعيفة معللة. فالجواب عنه أن الحديث المذكور بهذا اللفظ ثابت، روى مرسلا، ومرفوعا، أما المرسل، فأخرجه الدارقطنى من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن عن رسول الله عز له. وأما المرفوع فمن حديث ابن عمر، كما ذكره البيهقى من طريق أبى يوسف عن عبد الله ابن دينار، وصححه الحاكم وابن حبان فى "صحيحه" من طريقه لكن عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار، هكذا رواه محمد بن الحسن فى كتاب الولاء له عن أبى يوسف وتابعه بشر بن الولید ولم یذ کر الشافعی عبيد الله بن عمر واعتذر عنه البیہقی أنه کان حدث به من حفظه فنسی، وممن روى هذا الحديث عن عبد الله بن دينار سفيان الثورى رواه عنه ضمرة، أخرجه الطبرانى. ٢٧٧ الولاء لحمة كلحمة النسب إعلاء السنن الروايات التى أشار إليها البيهقى ههنا ما رواه الدار قطنى من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن عن النبى عَبيّ، وضعفها من جهة الإرسال، وههنا ما رواه البيهقى من طريق ضمرة عن سفيان الثورى عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال الطبرانى: "تفرد به ضمرة" يعنى باللفظ المذكور. توثيق ضمرة بن ربيعة: وقال: "تفرد به ضمرة"، وقال البيهقى: "قد وهم راويه"، قلت: ضمرة بن ربيعة فقيه أهل فلسطین فی زمانه، لم يكن بالشام رجل يشبهه، قاله ابن حنبل، وقال ابن سعد: " كان ثقة مأمونا لم يكن هناك أفضل منه"، والحديث إذا انفرد به مثل هذا لا يضره انفراده، ولا يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين، فلا أدرى من أين وهم فى هذا الحديث راويه؟ ورواية إبراهيم بن محمد ابن يوسف الفريابى عنه عن الثورى بلفظ "نهى عن بيع الولاء وهبته"، ورواية أبى عمير عيسى بن محمد عنه عن الثورى مضموما مع حديث من ملك ذا رحم لا تقتضى توهين شىء منها، فقد أخرج النسائى عن عيسى هذا حديث من ملك ذا رحم فقط، ولم يضم إليه حديث الولاء، وذكر الدار قطنى: أن محمد بن إسماعيل الفارسى روى عن الثورى عن عبد الله بن دينار بلفظ ((لا يباع الولاء ولا يوهب ولا يورث(١)))، وتابعه عليه عبد العزيز بن مسلم، رواه أيوب بن سليمان، ذكره الدار قطنى فى "العلل". وممن روى هذا الحديث عن ابن عمر مرفوعا نافع مولاه، رواه عنه إسماعيل بن أمية، أخرجه الطبرانى فى "الأوسط"، والبيهقى من طريق محمد بن زياد عن يحيى بن سليم عنه، وقولنا: محمد بن زياد هو الصواب، كما فى نسخ "الأوسط"، ووقع فى "السنن" بدله أبو حسان الزيادى، وهو خطأ، نبه عليه الحافظ ابن عساكر، وقال: هو محمد بن زياد بن عبيد الله الزيادى البصرى شيخ ابن خزيمة، وليس هو بأبى حسان الحسن بن عثمان الزيادى، والله أعلم. قال البيهقى: كان يحيى بن سليم سىء الحفظ كثير الخطأ، قلت: تابعه على هذه الرواية محمد بن مسلم الطائفى، كذلك أخرجه الحاكم فى "المستدرك" من حديثه. وقال الدار قطنى فى "العلل": وهم فيه ابن زياد، ورواه يعقوب بن كاسب عن يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. قلت: وهذا لا يكون سببا لتوهم محمد ابن زياد، (١) وبهذا اندفع ما أورده الزيلعى على صاحب "الهداية" بقوله: ولم أجد فى شىء من طرق الحديث ولا يورث أهـ (٢٤٦:٢). ٢٧٨ الولاء لحمة كلحمة النسب ج - ١٦ وقال البيهقى: "رواه محمد بن إبراهيم بن يوسف الفريابى عن ضمرة على الصواب، كرواية الجماعة"، فالخطأ فيه ممن دونه، ومنها ما رواه يحيى بن سليم عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، رواه الترمذى. لاحتمال أن يكون ليحيى بن سليم فيه شيخان سمع من كل واحد منهما. وممن روى هذا الحديث مرفوعا أبو هريرة رضى الله عنه لكن بلفظ ((لا يباع الولاء ولا يوهب ولا يورث)»، أورده ابن عدى فى ترجمة يحيى بن أبى أنيسة، وهو متروك. وممن روى هذا الحديث مرفوعا عبد الله ابن أبى أوفى الأسلمى رضى الله عنه، أخرجه ابن جرير الطبرى فى "تهذيب الآثار" بسند لا غبار عليه، كما تقدم أول الباب. وممن روى هذا الحديث مرفوعا على رضى الله عنه ذكر البيهقى آخر الباب فى السنن، (ولم يعله بشىء هو، ولا ابن التر كمانى). فظهر بمجموع ما ذكرنا أن قول النيسابورى: "إنما روى مرسلا"، وقول البيهقى: "روى من طرق أخرى كلها ضعيفة". غير مقبول، وقد أشار إليه الحافظ فى "التلخيص الحبير"، فقال: ورواه أبو جعفر الطبرى فى "تهذيبه"، وأبو نعيم فى "معرفة الصحابة"، والطبرانى فى "الكبير" من حديث عبد الله بن أبى أوفى وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقى حيث قال عقب حديث أبى يوسف: "يروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة" اهـ ملخصا من "عقود الجواهر المنيفة" (٧٦:٢ و ٧٧). بيان ما تفرع على قوله عّ لّه: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) من الأحكام: واستدل صاحب "الهداية" بقوله مرّ له: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) على أن الأب يجر ولاء ابنه إلى مواليه، لأن الولاء بمنزلة النسب، والنسب إلى الآباء، فكذلك الولاء، وسيأتى تحقيق المسألة فيما بعد، واستدل به داود الظاهرى على عكسه، فقال: إن الولاء لا ينجر عن موالى الأم إلى موالى الأب، لأن الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب لا يزول عمن ثبت له، فكذلك الولاء، كذا فى "المغنى" (٢٥٤:٧). والجواب أن هذا إذا كان ثبوت النسب لا عن ضرورة، وإذا كان عن ضرورة جاز انتقاله، كولد الملاعنة ينسب إلى قوم الأم ضرورة، فإذا أكذب الملاعن نفسه ينسب إليه، فكذلك النسبة إلى موالى الأم كانت لعدم أهلية الأب ضرورة، فإذا صار أهلا عاد الولاء إليه، لأن النسب إلى الآباء فى الأصل، لا إلى الأمهات، والولاء شعبة من النسب، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك، ٢٧٩ الولاء لحمة كلحمة النسب إعلاء السنن وقال: "أخطأ فيه يحيى بن سليم، وإنما رواه عبيد الله عن عبد الله بن دينار"، ومنها ما رواه الحاكم من طريق محمد بن مسلم الطائفى عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، وضعفه البيهقى من جهة الطائفى؛ لأن فيه مقالا، ومنها ما رواه البيهقى من طريق يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، وقال: "كان يحيى بن سليم كثير الخطأ سىء الحفظ"، لخصته من "التلخيص الحبير" وغيره. فإن بعض الأحباب إنما تعرض لإثبات الحديث فقط، ولم يتعرض لفقهه، وذلك خارج من موضوع الكتاب. لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته: ومن فقه الحديث أيضا أن لا يصح بيع الولاء، ولا هبته، ولا أن يأذن لمولاه فيوالى من شاء، روى ذلك عن عمر وعلى وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وطاوس وأياس بن معاوية والزهرى وأبو حنيفة ومالك والشافعى وأصحابهم، وكره جابر بن عبد الله بيع الولاء. قال سعيد: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: "إنما الولاء كالنسب، أفيبيع الرجل نسبه؟" (سند صحيح، فإن مراسيل إبراهيم فوق مسانيده، لا سيما عن عبد الله). وقال: حدثنا سفيان عن عمرو ابن دينار: "أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وكان مكاتبا". وروى: "أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس، وولاءهم اليوم لهم"، و"أن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير ، وقال ابن جريج: "قلت لعطاء: أذنت لمولاى أن يوالى من شاء فيجور؟ قال: نعم"، ولنا (حديث ابن عمر) ((أن النبى مُّ نهى عن بيع الولاء وهبته)). حدیث مشهور: اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، أخرجه الشيخان، وغيرهما، وقال مسلم. النامن عيال(١) عليه فى هذا الحديث"، وقد اعتنى أبو نعيم بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار، فأورده عن (١) قلت: ولكن أبا حنيفة أخرجه من طريق عطاء بن يسار عن ابن عمر مرفوعا نحوه، رواه الحارثى من طريق يوس بن بكير عمله، قال قاسم بن قطلوبغا: "وأنكر ابن وضاح أن يكون هبة من كلام النبى عرّضّه"، قلت: هو محجوج بما فى الصحيحين أن من "عقود الجواهر" (٧٤:٢). ٢٨٠ ج - ١٦ الولاء لحمة كلحمة النسب قلت: الرواية بالمعنى كانت متعارفة فى السلف، فلا يصح ردها باختلاف الألفاظ مع اتحاد المعنى، لا سيما إذا كان رسول الله عرّ له يؤدى المعنى الواحد بعنوانات مختلفة، لا سيما إذا تتابع الرواة على بعض الألفاظ كتتابعهم على البعض الآخر، مثل ما نحن فیه، فإنه لم يتفرده به أبو يوسف عن ابن عمر، بل رواه عبد الله ابن أبى أوفى، ورواه الحسن مرسلا، ورواه سفيان عن عبد الله بن دينار، ورواه يحيى بن سليم عن إسماعيل ابن أمية عن نافع عن ابن عمر، وتابعه عليه محمد بن مسلم الطائغ، ورواه يحيى بن خمسة وثلاثين نفسا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار، كذا فى "فتح البارى" (٣٧:١٢)، وقال: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، وقال: ((لعن الله من تولى غير مواليه)). ولأنه معنى يورث به، فلا ينتقل كالقرابة، وفعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور، وترده السنة، فلا يعول عليه، كذا فى "المغنى" (٢٤٤:٧) لابن قدامة. وقال الحافظ فى "الفتح" فى حديث على: ((ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). وقوله فيه: ((بغير إذن مواليه)). التعبير بالإذن ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب انتهى. (قلت: وهذا خلاف مذهبه فى الاحتجاج بالمفهوم)، قال: وقد شذ عطاء بن أبى رباح . بالأخذ بمفهوم هذا الحديث، فقال فيما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه: "إن أذن الرجل لمولاه أن يوالى من شاء جاز"، واستدل بهذا الحديث، قال ابن بطال: وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء. قال: ويحمل حديث على على أنه جرى على الغالب، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ وقد أجمعوا على أن قتل الولد حرام سواء خشى الإملاق، أو لا، وهو منسوخ بحديث النهى عن بيع الولاء وهبته. (قلت: لا يجوز القول بالنسخ بالاحتمال ما لم يثبت تقدم أحدهما على الآخر بالتاريخ، والأولى ما قاله علماءنا: إن حديث على محمول على ولاء الموالاة، دون ولاء العتاقة، بدليل ما سنذكره فى بابه، إن شاء الله تعالى). قال الحافظ: وقد سبق عطاء إلى القول بذلك عثمان، فروى ابن المنذر: "أن عثمان اختصموا إليه فى نحو ذلك، فقال للعتيق: وال من شئت". (قلت: لعله فعل ذلك لاستواء حجج الخصوم عنده، فلم یقض بالولاء لأحد منهم، بل خبر العتيق فى أن یوالى من شاء، وهذا ليس مما نحن فيه)، "وأن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولده"، والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك،