النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ إعلاء السنن باب الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف ٥٣٨٦- قال النبى معَّ له الهند: ((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف)). رواه البخارى وغيره من حديث عائشة مطولا. ٥٣٨٧- وعن أنس قال: ((حجم رسول الله عَ ◌ّه أبو طيبة فأمر له رسول الله عَ له بصاع من تمر)). الحديث رواه البخارى وغيره. ٥٣٨٨- وعلق البخارى عن الحسن (البصرى): "أنه اكترى من عبد الله بن مرداس حمارا، فقال: بكم؟ قال: بدانقين، فركبه، ثم جاء مرة أخرى فقال: الحمار الحمار، فر کبه، ولم یشارطه، فبعث إليه بنصف درهم"، وصله سعید بن منصور عن هشيم عن يونس، فذكر مثله (فتح البارى ٣٣٨:٩). مكروها، وهذا كما روى عن أحمد فيمن حمل خنزيرا، أو ميتة، أو خمر النصرانى قال: "أكره أكل كراءه، ولكن يقضى للحمال بالكراء، فإذا كان لمسلم فهو أشد" اهـ من "المغنى" (١٣٥:٦). باب الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف قوله: "قال النبى عّ لّه " إلخ: قال العبد الضعيف: فيه أنه عدّ له أحالها على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعى، وهو أصل عظيم فى الاعتماد على العرف. قوله: "عن أنس" إلخ: فيه أنه ◌ّ لم يشارط الحجام على أجرته اعتمادا على العرف فى مثله، قال ابن حزم: روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا معمر بن سالم عن أبى جعفر هو محمد بن على بن الحسين، قال: "لا بأس بأن يحتجم الرجل ولا يشارط" (المحلى ١٩٣:٨)، أى ولا تفسد الإجارة لجهالة الأجر ظاهرا، فإن المعروف كالمشروط. قوله: "وعلق البخارى" إلخ: قال العينى فى "العمدة": قد جرى العرف أن شخصا إذا اكترى حمارا، أو فرسا، أو جملا للركوب إلى موضع معين بأجرة معينة، ثم فى ثانى مرة إذا أراد ركوب حمار هذا، هذا على العادة لا يشارطه الأجرة، لاستغنائه عن ذلك باعتبار العرف المعهود بينهما اهـ (٥٦٤:٥)، فلأجل ذلك لم يشارط الحسن المكارى فى المرة الثانية، اعتمادا على الأجرة المتقدمة، وزاد بعد ذلك على الأجرة دانقا على سبيل الفضل والكرم. موت الأجير، أو موت المستأجر، أو هلاك العين المستأجرة مبطل للإجارة: فائدة: قال ابن حزم فى "المحلى": وموت الأجير، أو موت المستأجر، أو هلاك الشىء ج - ١٦ الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف ٢٢٢ المستأجر، أو عتق العبد المستأجر، أو بيع الشىء المستأجر من الدار أو العبد أو الدابة، أو غير ذلك، أو خروجه عن ملك مؤاجره بأى وجه كان يبطل عقد الإجارة فيما بقى من المدة خاصة قل أو كثر، وينفذ العتق، والبيع، والإخراج عن الملك بالهبة والإصداق والصدقة، لأنه إذا مات المؤاجر فقد صار ملك الشىء المستأجر لورثته، أو للغرماء، وإنما استأجر المستأجر منافع ذلك الشىء، والمنافع إنما تحدث شيئا بعد شىء، فلا يحل له الانتفاع بمنافع حادثة فى ملك من لم يستأجر منه شيئا قط، ولا يلزم الورثة فى أموالهم عقد ميت قد بطل ملكه عن ذلك الشىء، ولو أنه آجر منافع حادثة فى ملك غيره لكان ذلك باطلا بلا خلاف، وهذا هو ذلك بعينه، وأما موت المستأجر فإنما كان عقد صاحب الشىء معه، لا مع ورثته، فلا حق له عند الورثة، ولا عقد له معهم، ولا ترثَ الورثة منافع لم تخلق بعد، ولا ملكها مورثهم قط، وهذا فى غاية البيان، وهو قول الشعبی وسفیان الثورى والليث بن سعد وأبى حنيفة وأبى سليمان وأصحابهما، ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن إدريس الأودى عن مطرف بن طريف عن الشعبى، قال: "ليست لميت شرط"، ومن طريقه نا عبد الصمد هو ابن عبد الوارث عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحكم بن عتيبة فيمن آجر داره عشر سنين فمات قبل ذلك، قال: "تنتقض الإجارة". وقال مكحول: قال ابن سيرين، وإياس بن معاوية: "لا تنتقض"، وقال عثمان البتى، ومالك، والشافعى، وأصحابهما: لا تنتقض الإجارة بموتهما، ولا بموت أحدهما، وأقصى ما احتجوا به أن قالوا: عقد الإجارة قد صح فلا يجوز أن ينتقض إلا ببرهان. قلنا: صدقتم، وقد جئناكم بالبرهان (الذى مر ذكره)، قالوا: فكيف تصنعون فى الأحباس؟ (فإنها لا تبطل بموت الواقف مع كونها من تمليك المنافع). قلنا: رقبة الشىء المحبس لا مالك لها إلا الله تعالى، وإنما للمحبس عليهم المنافع فقط. فلا تنتقض (الأحباس، ولا ما يتعلق بها من) الإجارة بموت أحدهم ولا بولادة من يستحق بعض المنفعة، لكن إن مات المستأجر انتقضت الإجارة، لما ذكرنا من أن عقده قد بطل بموته. فإن قالوا: قد ساقی رسول الله ګ خییر اليهود وملكها للمسلمین، وبلا شك فقد مات من المسلمين قوم، ومن اليهود قوم، والمساقاة باقية، قلنا: إن هذا الخبر حق، ولا حجة لهم فيه، بل هو حجة لنا عليهم، لأن ذلك العقد لم يكن إلى أجل محدود، بل كان مجملا يخرجونهم إذا شاءوا، ويقرونهم ما شاءوا، وليست الإجارة هكذا (وقد تقدم أنه محمول عند أبى حنيفة على خراج ٢٢٣ الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف إعلاء السنن المقاسمة فتذكر، ولو سلمنا أنها إجارة فلم يعقدها رسول الله عَ لّه لنفسه، بل للعامة، والباطل بموت أحد المتعاقدين هو الأول دون الثانى، صرح به فى "الهداية". فإن قالوا كما قال الموفق فى "المغنى": أنه عقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه، كما لو زوج أمته ثم مات (٤٢:٦). قلنا: ليس المولى بعاقد ههنا، بل العاقدان هما الزوج والأمة، وإنما للمولى حق الولاية، ألا ترى أنه لو طلقها لم يقع الطلاق عليها؟ ولا نزاع فى بقاء العقد بعد موت الولى، وإنما الكلام فى بقائه بعد موت أحد المتعاقدين، ومنشأ الخلاف فى هذا الباب هو الخلاف فى وقت استحقاق الأجرة، فمن قال: إن المستأجر قد ملك المنافع وجبت عليه الأجرة بالعقد قال بعدم انفساخ العقد بموت أحد المتعاقدين، لعدم انتقال الملك إلى الورثة عنده، ومن قال: إِن المستأجر يملك المنافع شيئا فشيئا، ولا يجب عليه الأجر إلا بالاستيفاء قال بانفساخها بموتهما، أو بموت أحدهما للزوم الانتقال الذى ذكرناه. ولو تنبه ابن حزم لهذا المعنى لأمسك عن إطلاق اللسان فى إبطال مذهب مالك والشافعی بالوجه الذی ذکره، وقد أفردنا لبیان وقت استحقاق الأجر بابا على حدة، وأودعناه ما يؤيدنا معشر الحنفية من الأحاديث، فليراجع. بيان الاختلاف فى انفساخ الإجارة ببيع العين المستأجرة:» .. قال: ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن خالد الحذاء عن إياس بن معاوية فيمن دفع غلامه إلى رجل يعلمه ثم أخرجه قبل انقضاء شرطه، قال: "يرد على معلمه ما أنفق عليه"، ومن طريق ابن أبى شيبة نا غندر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن آجر غلامه سنة فأراد أن يخرجه، قال: "له أن يأخذه"، قال حماد: "ليس له إخراجه إلا من مضرة"، وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن البصرى، قال: "البيع يقطع الإجارة"، قال أيوب: "لا يقطعها"، قال معمر: "وسألت ابن شبرمة عن البيع أيقطع الإجارة؟ قال: نعم"، قال عبد الرزاق: وقال سفيان الثورى: "الموت والبيع يقطعان الإجارة". قال ابن حزم: وقال مالك، وأبو يوسف، والشافعى: إن علم المشترى بالإجارة فالبيع صحيح، ولا يأخذ الشىء الذى اشترى إلا بعد تمام مدة الإجارة، وكذلك العتق نافذ والهبة، وعلى المعتق إبقاء الخدمة، وتكون الأجرة فى كل ذلك للبائع، والمعتق، والواهب. قالوا: فإن لم يعثم بالبيع فهو مخير بين إنفاذ البيع، وتكون الإجارة للبائع، أو رده، لأنه لا ج - ١٦ الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف ٢٢٤ يمتنع من الانتفاع بما اشترى، قال: وهذا فاسد بما أوردنا آنفا. (قلنا: كل ما ذكرته إما قول بالرأى، أو أثر عن التابعين، والقياس كله باطل عندك، وهو أبطل عندنا إذا كان من أهل الظاهر الذين لا حظ لهم من الفقه والدراية، ولا خبرة لهم بأصول القياس، وأما الآثار عن التابعين فمختلفة، كما رأيت). وقال أبو حنيفة قولين: أحدهما: أن للمستأجر نقض البيع، والآخر: أنه مخير بين الرضا بلابيع، وبين أن لا يرضى، فإن رضى به بطلت إجارته، وإن لم يرض به كان المشترى مخيرا بين إمضاء البيع والصبر حتى تنقضى مدة الإجارة، وبين فسخ البيع، لتعذر القبض. قال ابن حزم: هذان قولان فى غاية الفساد والتخليط لا يعضدهما قرآن، ولا سنة، ولا زواية سقيمة، ولا قول أحد نعلمه قبل أبى حنيفة، ولا قياس، ولا رأى سديد. (قلت: ما لأهل الظاهر ولمعرفة القياس؟ ولا خبرة لهم بأصوله ولا فروعه، فإنهم بمراحل عن ذلك، كما هو ظاهر)، قال: وليت شعرى إذا جعل للمستأجر الخيار فى فسخ البيع أترونهم يجعلون له الخيار أيضا فى رد العتق أو إمضائه؟ إن هذا لعجب أو يتناقضون فى ذلك؟ اهـ (٨: ١٨٧). الجواب عن إيراد ابن حزم على أبى حنيفة الإمام فى هذا الباب: قلت: وأى شبه بين البيع والإعتاق؟ فالبيع تمليك، والإعتاق إسقاط للملك، وهل قياس أحدهما على الآخر إلا قياسا مع الفارق؟ إذا عرفت ذلك فنقول: إن البيع كالإجارة، لكون كل منهما تمليكا، إما للمنافع فقط، أو للمنافع والرقبة جميعا. فإذا وردا على شىءٍ واحد تعارضا، فيرجح السابق لسبقه، كما فى الصغيرة يزوجها وليان على التعاقب، صح الأول وبطل الثانى، ولا کذلك الإعتاق، فإنه من باب الإسقاط. وإسقاط الملك عن العبد أولى من ابتذاله بالبيع والإجارة، كما لا يخفى، ولذا حض الشارع عليه، وجعل الجد والهزل فيه سواء تحيلا لإثباته، فإذا وردت الإجارة، والإعتاق فى محل واحد لم يتعارض، بل كان الترجيح للإعتاق، وسيأتى حكمه، هذا وجه قوله الأول، ووجه الثانى أن الاستئجار عيب فى المبيع، مثل التزويج فى الأمة. وقد قدمنا فى كتاب البيوع عن عثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما جعلا النكاح عيبا فى الأمة، يرد به البيع، وإذا اطلع المشترى على عيب فى المشترى فله الخيار إجماعا. ٢٢٥ الإجارة من غير مشارطة اعتمادا على العرف إعلاء السنن وأما فى الإعتاق فقال أبو حنيفة: للعبد الخيار فى الفسخ، أو الإمضاء، كالأمة المزوجة إذا أعتقت، وكالصبى آجره وليه مدة فبلغ فى أثناءها، كذا فى "المغنى" (٦: ٤٥ و٤٦)، وخيار الأمة ثابت بالنص، فظهرت صحة قول الإمام بدلالة النصوص التى لا ينكرها منكر، ولا يجحدها منصف، فافهم والله يتولى هداك. فسخ الإجارة بالأعذار: قال ابن حزم: وكذلك إن اضطر المستأجر إلى الرحيل عن البلد، أو اضطر المؤاجر إلى ذلك فإن الإجارة تنفسخ إذا كان فى بقاءها ضرر على أحدهما. کمرض مانع، أو خوف مانع، أو غير ذلك، وهو قول أبى حنيفة، قال تعالى: ﴿وما جعل علیکم فی الدین من حرج﴾، روینا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثورى، قال: سئل الشعبى عن رجل استأجر دابة إلى مكان فقضى حاجته دون ذلك المكان، قال: "له من الأجرة بقدر المكان الذی انتهى إليه"، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فيمن اكترى دابة إلى أرض معلومة فأبى أن يخرج، قال قتادة: "إذا حدث نازلة يعذر بها لم يلزمه الكراء"، قال: وكذلك إن هلك الشىء المستأجر، فإن الإجارة تنفسخ، ووافقنا على هذا أبو حنيفة ومالك والشافعى، وقال أبو ثور: لا تنفسخ الإجارة بهذا، بل هى باقية إلى أجلها، والأجرة كلها واجبة للمؤاجر على المستأجر اهـ (١٨٧:٨). قال العبد الضعيف: قال أبو ثور ذلك على المبيع إذا هلك عند المشترى لا يسقط عنه الثمن، ولكن المبيع يهلك بعد دخوله فى ضمانه، ولا كذلك العين المستأجرة، فإنها تكون أمانة فى يد المستأجر، كما تقدم، فافترقا. هذا، وقد تم هنالك كتاب الإجارات، والحمدلله الذى بنعمته وجلاله وعزته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أفضل الكائنات، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته الطيبات الطاهرات. ٢٢٦ ج - ١٦ كتاب المكاتب باب رد المكاتب إلى الرق إذا عجز ٥٣٨٩- حدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن حصين الحارثى عن على، قال: "إذا تتابع على المكاتب نجمان فلم يؤد نجومه رد فى الرق"، رواه ابن أبى شيبة (نصب الراية ٢٤٣:٢)، وسنده حسن، وسكت عليه ابن حجر فى "التلخيص" (ص٤١٤). باب رد المكاتب إلى الرق إذا عجز أقول: احتج به أبو يوسف، وقال: لا يعجز المكاتب قبل النجمين، ولا حجة له فيه، لأنه يحتمل أن يكون معناه أنه إذا تتابع على المكاتب نجمان فلم يود نجومه رد إلى الرق إذا طلبه المولى، ولا يمهل، بخلاف النجم الواحد فإنه يمهل بعده إلى ثلاثة أيام إن طلب المكاتب الإمهال وحينئذ لا يخالف لأثر مذهب أبى حنيفة ومحمد، فتأمل. ويشكل عليه أنه يروى عن على: أن المكاتب يعتق بحساب ما أدى، فكيف يرد إلى الرق بالعجز؟ قلت: فسخ العتق إلى الرق من المسائل المجتهد فيها، ومذهب على فيه هو جواز الفسخ، وهو لا يضرنا فيما نحن فيه، لأنه إذا جاز الرد إلى الرق بعد ثبوت العتق فى الجملة، فعند عدم ثبوته أصلا كما هو مذهبنا أولى. معنى الكتابة، مر بيان الأصل فيها: قال العبد الضعيف: الكتابة إعتاق السيد عبده على مال فى ذمته يؤدى مؤجلا، وهو إعتاق معلق على أداء المال، سميت كتابة لأن السید یکتب بينه وبينه كتابا بما اتفقا عليه، وقيل: سميت كتابة من الكتب وهو الضم، لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض، ومنه سميت الكتيبة كتيبة، لانضمام بعضها إلى بعض، والنجوم ههنا الأوقات المختلفة لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم، فسميت الأوقات نجوما. والأصل فى الكتابة الكتاب، والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾. وأما السنة: فما روى سعيد بن منصور عن سفيان عن الزهرى عن بنهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبى ءێ قال: ((إذا كان لإحداکن مکاتب فملك ما یؤدی، فلتحتجب منه) فى أحاديث كثيرة سواه، وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة، قاله الموفق فى "المغنى" (٣٣٨:٢). ٢٢٧ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن المکاتب عبد ما بقی علیه درهم: وأما رد المكاتب إلى الرق إذا عجز عن أداء البدل فقد روى عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وعائشة وسعيد بن المسيب والزهرى أنهم قالوا: "المكاتب عبد ما بقى عليه درهم" رواه عنهم الأثرم، وبه قال القاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء وقتادة والثورى وابن شبرمة ومالك والأوزاعى والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى، وروى ذلك عن أم سلمة وروى سعيد بإسناده عن أبى قلابة، قال: "كن أزواج النبى مرّ ◌ُّ لا يحتجبن من مكاتب ما بقی علیه دینار". وپإسناده عن عطاء: أن ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار، فأدى إليه تسعمائة دينار وعجز عن مائة دينار فرده ابن عمر فى الرق. وذكر أبو بكر، والقاضى وأبو الخطاب (من الحنابلة) أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن ربعها عتق، لأنه يجب رده إليه (لحملهم قوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾ على إيجاب حط الربع(١) عنه، كما سيأتى). فلا يرد إلى الرق بعجزه عنه، لأنه عجز عن أداء حق هو له، لا حق للسيد فيه، فلا معنى لتعجيزه فى ما يجب رده إليه، وقال على رضى الله عنه: "يعتق منه بقدر ما أدى"؛ لما روى ابن عباس عن النبى عدّ له، أنه قال: ((إذا أصاب المكاتب حدا، أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه، ويؤدى المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقى دية عبد)، رواه الترمذى، وقال: حديث حسن، وروى(٢) عن عمر وعلى رضى الله عنهما: "أنه إذا أدى الشطر فلا رق عليه))"، وروى ذاك عن النخعى، وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: "إذا أدى قدر قيمته فهو غريم"، وقضى به شريح، وقال الحسن فى المكاتب إذا عجز: "استسعى بعد(٣) العجز سنتين". ولنا ما روی سعید ثنا هشیم عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية فعجز عن عشر أواق فهو رقيق))، (وهذا سند حسن، والحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، والدار قطنى عن عباس الجريرى عن عمرو بن شعيب به، وكذلك الحاكم فى "المستدرك" وقال: صحيح الإسناد كما فى "الزيلعى" (٢٤١:٢)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَّه قال: ((المكاتب عبد ما بقى عليه (١) وهو قول عطاء، كما فى "المحلى" (٢٤٢:٩) أنه إذا أدى ثلاثة أرباع كتابته، فهو غريم. (المؤلف) (٢) قال ابن حزم فى "المحلى": صح ذلك عنهم، أى عن عمر وعلى وشريح (٢٤٢:٩). (المؤلف) (٣) روى ذلك عن على أيضا، كما سيأتى، وكل ذلك محمول عندنا على الندب دون الإيجاب. (المؤلف) ٢٢٨ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز ج - ١٦ درهم)»، رواه أبو داود (عن إسماعيل ابن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب به. قال الزيلعى: وفيه إسماعيل بن عياش، لكنه عن شيخ شامى ثقة (٢٤٢:٢)، ولأنه عوض عن المكاتب فلا يعتق قبل أدائه، ولأنه لو أعتق بعضه سرى إلى باقيه، كما لو باشره بالعتق، فإن العتق لا يتبعض فى الملك (عند الجمهور خلافا لأبى حنيفة رحمه الله). فأما حديث ابن عباس فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين، فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر، فأدى إلى المنكر، أو ما أشبهها من الصور جمعا بين الأخبار، وتوفيقا بينهما وبین القیاس (وأيضا فقد خالفه ابن عباس نفسه وهو الراوى، فإن الطحاوى روى عنه بسند صحيح قال: "يقام على المكاتب حد المملوك" (٦٥:٢). ورواه ابن أبى شيبة ناوكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عنه بلفظ: "حد المكاتب حد المملوك"، كما فى "المحلى" (٢٢٨:٩)، وروى عبد الرزاق عن عكرمة ابن عمار عن يحيى بن أبي كثير أن ابن عباس قال: "إذا بقى على المكاتب خمس أواق، أو خمس ذود، أو خمسة أوسق فهو غريم " (زيلعى ٢٤٣:٢). ومخالفة الراوى لما رواه قدح فيه، كما لا يخفى وأيضا فقد رواه الطحاوى من (١) طريق على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: ((قضى رسول الله عَ لَّه فى مكاتب قتل بدية الحر بقدر ما عتق منه)) (٦٤:٢)، وهى قضية فى عين لا عموم لها، تحتمل الوجوه، فلعل بعض الرواة تصرف فيه فرواه بصيغة العموم. وقد اختلفت الروايات عن على، فروى ابن أبى شيبة عن عمر وابنه وعلى وزيد بن ثابت وعائشة رضى الله عنها: "أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم" (الزيلعى ٢٤٢:٢). وقال الحافظ فى "الفتح": روى عن على(٢): ((إذا أدى الشطر فهو غريم))، وروى النسائى عن ابن عباس مرفوعا: ((المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى)» رجال إسناده ثقات، لكن اختلف فى إرساله ووصله، وحجة الجمهور حديث عائشة، وهو أقوى اهـ (١٤٣:٥)، ولأن قول النبى مّ له: «إذا کان لإحداکن مکاتب فملك ما یؤدی فملك ما یؤدی فلتحتجب منه)، رواه الترمذى، وقال: (١) ورواه ابن حزم فى "المحلى" من طريق النسائى عن حماد بن زيد عن أيوب، ويحيى بن أبى كثير كلاهما عن عكرمة عن ابن عياس نحوه (٢٢٨:٩). (المؤلف) (٢) لم يعزه الحافظ إلى من خرجه، وعزاه ابن حزم فى "المحلى" إلى النسائى (٢٢٨:٩) وسنده صحيح (المؤلف). ٢٢٩ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن حسن صحيح (١٥٢:١) دليل على اعتبار جميع ما يؤدى، ويجوز أن يتوقف العتق على أداء الجميع وإن جاز رد بعضه إليه، كما لو قال: إذا أديت إلى ألفا فأنت حر، ولله على رد ربعها إليك، فإنه لا يعتق قبل أداء جميعها وإن وجب عليه رد بعضها اهـ (٣٥١:١٢). الاختلاف فى الكتابة الحالة، وترجیح قول الجمهور: وأما اشتراط التأجيل فى الكتابة فهو قول الشافعى وقوفا مع التسمية، بناء على أن الكتابة مشتقة من الضم، وهو ضم بعض النجوم إلى بعض، وأقل ما يحصل به الضم نجمان، وبأنه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء، وذهب المالكية والحنفية إلى جواز الكتابة الحالة، واختاره بعض الشافعية کالرویانی. وقال ابن التين: لا نص لمالك فى ذلك، إلا أن محققى أصحابه شبهوه ببيع العبد من نفسه، واختار بعض أصحاب مالك أن لا يكون أقل من نجمين، كقول الشافعى. واحتج الطحاوى وغيره بأن التأجيل جعل رفقا بالمكاتب لا بالسيد، فإذا قدر العبد على ذلك لا يمنع منه، وهذا قول الليث، وبأن سلمان كاتب بأمر النبى مرّ له، ولم يذكر تأجيلا، والحديث علقه البخارى، ووصله أحمد، والطبرانى من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبید عن سلمان، قال: كنت رجلا فارسیا، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فقال رسول الله عَّ: ((كاتب يا سلمان))، قال: فكاتبت صاحبى على ثلثمائة ودية، وأخرجه ابن حبان، والحاكم فى "صحيحيهما" من وجه آخر عن زيد بن صوحان عن سلمان نحوه، وأخرجه أبو أحمد، وأبو يعلى، والحاكم من حديث بريدة بمعناه اهـ من "فتح البارى" (٣٤١:٤)، وبأن عجز المكاتب عن القدر الحال لا يمنع صحة الكتابة، کالبیع فى المجلس، کمن اشتری ما یساوی درهما بعشرة دراهم حالة وهو لا يقدر حينئذ إلا على درهم، نفذ البيع مع عجزه عن أكثر الثمن، وبأن الشافعية أجازوا السلم الحال، ولم يقفوا مع التسمية مع أنها مشعرة بالتأجيل اهـ ملخصا من "فتح البارى (١٣٤:٥). وأيضا فلا نسلم دلالة التسمية على النجوم، لاحتمال أن يكون مأخوذا من كتابة الكتاب بين العبد وسيده، ولو سلم كونه مأخوذا من الكتب بمعنى الضم فلا نسلم أنه لضم النجوم بعضها إلى بعض، بل لما فيه من ضم حرية اليد إلى حرية النفس، أشار إليه صاحب "الهداية"، فتأمل. وقال ابن حزم: الكتابة جائزة إلى أجل مسمى وإلى غير أجل مسمى لكن حالا أو فى الذمة، ٢٣٠ رد المکاتب إلى الرق إذا عجز ج - ١٦ وعلی نجم ونجمین وأکثر و کنا قبل نقول: لا تجوز إلا علی نجمین فصاعدا حتی وجدنا ما حدثناه أحمد بن محمد فذكر حديث سلمان بطوله، ثم قال: وقال الشافعى: لا تجوز الكتابة إلا على نجمين للاتفاق على جوازها كذلك، قال ابن حزم: لا حظ للنظر مع صحة الخبر اهـ (٢٢٦:٩). عمل ابن حزم بالقياس: قلت: فهل كان قولك الأول مبنيا على مجرد النظر؟ وهل هو إلا القياس الذى لا تزال تبطله وتذمه وأهله؟ ولكن القذاة فى عين الغير جبل عندك، والجبل قذاة إذا کان فی عینك، وذهب ابن حزم إلى أن المكاتب عبد ما لم يؤد شيئا، فإذا أدى شيئا من كتابته شرع فيه العتق والحرية بقدر ما أدى، وبقى سائره مملوكا، وكان لما عتق منه حكم الحرية فى الحدود، والمواريث، والدیات، وغير ذلك، وكان لما بقى منه حكم العبد حتى يتم عتقه بتمام أداءه، واحتج بحديث ابن عباس الذى تقدم مع ما فيه. الجواب عن قدح ابن حزم فى حديث: ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم»: وأعل حجة الجمهور، وهو ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا، ((المكاتب عند ما بقى عليه درهم)) بأنه صحيفة. (وقد قدمنا عن ابن القيم أن الصحيفة لا يعرض عنها إلا من حرم الفقه، ولم يتصدر للإفتاء). قال: على أنه مضطرب فيه، قد روينا من طريق أبى داود نا محمد ابن المثنى حدثنى عبد الصمد هو ابن عبد الوارث نا همام نا عباس الجريرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبى سرّه قال: ((أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأدى إلا عشر أواقى فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد أو على مائة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد)»، عطاء هذا الخراسانى لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص شيئا، ولا من أحد من الصحابة إلا من أنس وحده اهـ (٢٣١:٩). قلنا: اختلاف الرواة فى لفظ الحديث ليس من الاضطراب فى شىء إذا اتحد معناه، وأمكن الجمع وإرجاع بعضه إلى بعض، وإلا لم يسلم لنا شىء من الحديث، ولا مما اتفق عليه الشيخان كما لا يخفى، وإذا صح الحديث من طريق موصولا فلا يضره الانقطاع فى طريق أخرى، بل يعتضد كل واحد منهما بالآخر، على أن النسائى، وابن حبان لم ينسباه، أعنى عطاء، وذكره ابن عساكر فى "أطرافه" فى ترجمة عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عمر، ولم يذكر فى "كتابه" لعطاء ٢٣١ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن الخراسانى عن عبد الله بن عمرو شيئا، نعم! جاء منسوبا فى "مصنف عبد الرزاق"، قال: أخبرنا ابن جريج عن عطاء الخراسانى عن عبد الله بن عمرو فذكره (الزيلعی ٢٤٢:٢). الرد على ابن حزم فى تكذيبه الحافظ عبد الباقى بن قانع الحنفى: قال ابن حزم: ومن طريق عبد الباقى بن قانع، راوى الكذب عن موسى بن زكريا عن عباس بن محمد عن أحمد بن يونس عن هشيم عن جعفر بن إياس عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله عَّةِ ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم))، قال: وهذا خبر موضوع بلا شك، لم يعرف قط من حديث عباس بن محمد، ولا من حديث أحمد بن يونس، ولا من حديث هشيم، ولا من حدیث جعفر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث ابن عمر، إنما هو معروف من قول ابن عمر وأحاديث هؤلاء كلهم أشهر من الشمس، ولا ندرى من موسى بن زكريا أيضا؟ (٢٣١:٩). قلت: لم يذكره ابن قانع محتجا به، فقد قال الحافظ فى "التلخيص" (٤١٤:٢): رواه مالك فى "الموطأ" عن نافع عن ابن عمر موقوفا، ورواه ابن قانع من طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر مرفوعا وأعله اهـ، فالعجب من ابن حزم كيف أغمض عينيه عن إعلال ابن قانع هذا الحديث، وجعل يطلق فيه اللسان، ويرميه بالكذب لمجرد روايته إياه، وما أبعد هذا الصنيع من الإنصاف! فلو كانت رواية المحدث عن شيوخه الضعفاء قدحا فيه لم يسلم لنا من المحدثين إلا قليل. ألا ترى أن البيهقى، والدارقطنى كم ردوا من الأحاديث الضعاف، منها ما هو ساقط بالمرة، وكذلك ابن ماجة، والترمذى، والطبرانى، وغيرهم، ومن أين لابن حزم أن يرمى ابن قانع بالكذب، ولم يصفه به أحد قبله؟ ولم يولد ابن حزم إلا بعد مائة سنين من وفاته، وأكثر ما وقفنا عليه من كلام المتقدمين فيه إنما هو قول البرقانى: "هو عندى ضعيف"، قال: "ورأيت البغداديين يوثقونه". وقال الخطيب: "لا أدرى لماذا ضعفه البرقانى؟ فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية، رأیت عامة شيوخنا یوثقونه، وقد تغیر فی آخر عمره". وأما قول ابن حزم: "هو منكر الحديث، تركه أصحاب الحديث جملة"، فرده عليه الذهبى، وقال: "ما أعلم أحدا تركه، وإنما صح أنه اختلط (فى آخر عمره) سنتين فتجنبوه". وقال حمزة السهمى: "سألت أبا بكر بن عبدان عن ابن قانع، فقال: يدخل فى الصحيح". وقال ابن فتحون فى ذيل الاستيعاب بعد ما نسبه إلى الوهم، ونكرة المتون: "وعلى ذلك فقد روى عنه الجلة ووصفوه بالحفظ، منهم أبو الحسن الدارقطنى فمن دونه" اهـ من "اللسان" (٣٨٤:٣)، ج - ١٦ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز ٢٣٢ فالذى وثقه معاصروه من مشايخ بغداد، ووصفوه بالحفظ والدراية، وأذعن مثل الدار قطنى لحفظه و جلالته فى الفن، کیف یقبل فيه قول من ولد بعده بمائة سنین؟ وهل رمیه مثله بالكذب إلا مجازفة وسرف؟ نعوذ بالله منه. وقد ذكر الذهبى ابن قانع فى "تذكرة الحفاظ" له، فقال: عبد الباقى بن قانع بن مرزوق ابن واثق الحافظ العالم المصنف أبو الحسين الأموى مولاهم البغداى صاحب "معجم الصحابة"، سمع الحارث ابن أبى أسامة وإبراهيم بن الهيثم البلدى وإبراهيم الحزلى وإسحاق بن الحسن الحزلى ومحمد بن مسلمة وإسماعيل بن الفضل البلخى وطبقتهم، وكان واسع الرحلة، كثير الحديث، روى عنه الدارقطنى وأبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسين القطان وأحمد بن على البادى وأبو على بن شاذان وأبو القاسم بن بشران وغيرهم اهـ (٩٣:٣). ولم يذكر تضعيفه عن أحد غير البرقانى مع اعترافه بأن البغداديين يوثقونه، وقد عرفت أن الخطيب قد رد على البرقانى قوله، ولا يخفى أن أهل بلد الرجل أعرف به، وبحاله، ومن أثنى عليه أهل بلده، فقد جاوز القنطرة، فإن البغاث لا یکاد یستنصر بأرضه، فجرح ابن حزم، وطعنه فى ابن قانع رد عليه، فإنه قد تعتريه عصبية قد جبل عليها مع أهل المذاهب، لا سيما الحنفيين منهم، فإن ابن قانع كان من الحنفيين، كما صرح به الحافظ فى "اللسان"، والله تعالى أعلم. تصحیح حدیث «المکاتب عبد ما بقى عليه درهم))، وتقويته بالآثار: هذا، وقد عرفت أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ((المكاتب عبد ما بقى علیه درهم» قد رواه أبو داود عن إسماعيل بن عياش عن سليمان بن سليم، وهو شيخ شامی ثقة، عن عمرو بن شعيب به، وحديث ابن عياش عن أهل الشام صحيح عند القوم. وقال الطحاوى: حدثنا على بن شيبة ثنا یزید بن هارون أنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن معبد الجهنی عن عمر ابن الخطاب، قال: «المكاتب عبد ما بقی علیه درهم)، (وهذا مرسل صحیح)، حدثنا ابن مرزوق ثنا أبو عاصم عن سفيان عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن عن جابر بن سمرة عن عمر رضى الله عنه، قال: ((إذا أدى المكاتب النصف فهو غريم)). (منقطع بين القاسم وجابر بن سمرة، فلا يصلح معارضا للأول، وأيضا فليس فى قوله: فهو غريم، إثبات الحرية، ولا نفى العبودية، ومن ادعی فعليه البيان). وقال البخاری فی "صحيحه". وقالت عائشة: «هو عبد ما بقی علیه درهم))، وقال ابن أبى شيبة: حدثنا يزيد بن هارون عن عباد بن منصور عن حماد عن إبراهيم عن عثمان، قال: ((المكاتب ٢٣٣ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن عبد ما بقى عليه درهم)) (مرسل صحيح، ومراسيل النخعى كالمسانيد عند القوم)، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرنى عبد الكريم بن أبى المخارق أن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة كانوا يقولون: ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم). قال ابن جريج: ((وحدثت أن عثمان قضى بأنه عبد ما بقى عليه شىء)) (هذا شاهد جيد المرسل إبراهيم عن عثمان)، قال عبد الرزاق: أخبرنا أبو معشر عن سعيد المقبرى عن أم سلمة زوج النبى عَّه، قالت: (المكاتب عبد ما بقى عليه درهم))، (قال ابن حزم: أبو معشر المدنى ضعيف اهـ. قلت: ولكنه كان بمكان من العلم، رضيه أحمد بن حنبل، وحدث عن رجل عنه، قال أبو حاتم: فتوسعت بعد فيه: قيل له: فهو ثقة، قال صالح: لين الحديث، محله الصدق اهـ، وقال نعيم: كان كيسا حافظا وكان ابن مهدى يحدث عنه، ولا يحدث إلا عن ثقة عنده). وقال ابن أبى شيبة: حدثنا حفص عن ليث عن مجاهد قال: " كان أمهات المؤمنين لا يحتجبن من المكاتب ما بقى عليه. من مكاتبته مثقال أو دينار" اهـ ملخصا من "الزيلعي" (٢٤٢:٢). الجواب عن قدح ابن حزم فى الآثار فى هذا الباب: وبهذا اندحض قول ابن حزم: روى عن عمر بن الخطاب، وعثمان، وجابر، وأمهات المؤمنين: ((المكاتب عبد ما بقى عليه درهم)). ولا يصح عن أحد منهم، لأنه عن عمر من طريق الحجاج بن أرطاة وهو هالك، عن ابن أبى مليكة مرسل. (قلت: قد رواه الطحاوى بسند ليس فيه الحجاج، ولا ابن أبى مليكة، وإنما هو عن يزيد بن هارون عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن معبد الجهنى عن عمر، وكذا رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، كما فى "الزيلعى" (٢٤٢:٢)، وهذا سند صحيح، قد عضده ما رواه الحجاج بن أرطاة من طريق ابن أبى مليكة عنه مرسلا، لأن تعدد الطرق يفيد الحديث قوة، كما لا يخفى). قال: ومن طريق محمد بن عبيد الله العزرمى، وهو مثله أو دونه، ثم عن سعيد بن المسيب أن عمر مرسل. (قلت: هذا أيضا مرسل حسن، فإن العزرمى مختلف فيه، ومراسيل ابن المسيب صحاح عند القوم)، قال: ومن طريق سليمان التيمى أن عمر (قلت: وهذا مرسل صحيح، فهذه ثلاثة طرق مرسلة قد عضدت، رواه الطحاوى وابن أبى شيبة من طريق معبد الجهنى عن عمر). قال: ومن طريق ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عمر، وعثمان، وجابر بن عبد الله. (قلت: بلاغات مثل ابن وهب لا يعرض عنها، لا سيما إذا كان لها شواهد كما فيما نحن 1 ج - ١٦ رد المکاتب إلى الرق إذا عجز ٢٣٤ فيه)، قال: والتى عن أمهات المؤمنين هو من طريق عمر بن قيس سندل. (قلت: ولكنه عند ابن أبى شيبة بسند ليس فيه سندل، كما ذكرناه آنفا، فتذكر). قال: لكنه صح عن زيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر وهو مأثور عن طائفة من التابعين، منهم عروة بن الزبير، سليمان بن يسار، وصح عن سعيد بن المسيب، والزهرى، وقتادة، وهو قول أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، والأوزاعى، وسفيان الثورى، وابن شبرمة، وابن أبى لیلی، وأحمد، وإسحاق، وأبی ثور، وأنی سليمان. وقالت طائفة: المكاتبون على شروطهم صح ذلك عن جابر بن عبد الله، وقالت طائفة: هو حر ساعة العقد أو بالكتابة، وهذا قول روى عن ابن عباس، ولم نجد له إسنادا إليه، وقالت طائفة: إذا أدى نصف مكاتبته، فهو غريم، روى ذلك عن عمر وعلى بإسنادين جيدين، وصح عن شريح. وقالت طائفة: إذا أدی الثلث، فهو غريم، روی ذلك عن ابن مسعود، وروی عنه إذا أدی قیمته، فهو غريم من الغرماء، وقالت طائفة: إذا أدى الربع، فهو غريم، رواه وكيع عن إبراهيم النخعى كان يقال فذكره، وقال عطاء من رأيه: إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، فهو غريم اهـ ملخصا من "المحلى" (٢٢٩:٩ و٢٣٠). قلت: فإن كان فيه خلاف فى الصدر الأول والثانى، فقد ارتفع فى القرآن الثالث، فإنهم كلهم قالوا بأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، لم يذهب أحد منهم إلى أن المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى، ویکون حکمه فيه حكم الحر، حتی نشأ ابن حزم فبدل الوفاق بالخلاف، واحتج بحديث ابن عباس الذى مر ذكره مع ما فيه من العلة والكلام، وبما رواه من طريق النسائى، أنا زكريا بن إسحاق أنا إسماعيل بن علية عن أيوب السختياني عن عكرمة عن على: "يؤدى المكاتب بقدر ما أدى"، وهذا مرسل، فإن عكرمة لم يسمع من على شيئا قاله أبو زرعة، كما فى "التهذيب" (٢٧٣:٧). قال: ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثورى عن طارق بن عبد الرحمن عن الشعبى، قال: قال على بن أبى طالب فى المكاتب: "يعتق بالحساب" (قلت: الشعبی عن على مرسل عند ابن حزم، کما مر غیر مرة). قال: ومن طریق و کیع نا المسعودی عن الحكم بن عتيبة عن على بن أبى طالب، قال: "تجرى العتاقة فى المكاتب من أول نجم" (٢٣٠:٢). (قلت: وهذا مرسل أيضا. ولكن ابن حزم لا يستحبى من الاحتجاج بالمراسيل، ولا بالمجاهيل إذا وافقت غرضه، ولا تبقى فيها لأحد حجة إذا خالفته)، وروى البيهقى عن الشعبى، قال: كان ٢٣٥ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن زيد بن ثابت يقول: "المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، لا يرث ولا يورث" وكان على يقول: "إذا مات المكاتب وترك مالا قسم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقى، فما أصاب ما أدى فلورثته وما أصاب ما بقى قلمواليه" وكان عبد الله يقول: "يؤدى إلى مواليه ما بقى عليه من مكاتبته ولورثته ما بقى " (كنز العمال ٢٥٦:٥). وروى الحاكم فى "التاريخ" من طريق جابر عن عامر الشعبى عن زيد بن ثابت فى المكاتب يموت وقد بقى عليه من مكاتبته قال: "هو عبد ما بقى عليه درهم"، وقال عبد الله: "إذا أدى الثلث، أو النصف فهو غريم"، وقال على: "يعتق بحساب ما أدى، ويرثه ولده بحساب ذلك". قال جابر: "بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جمع عليا وعبد الله وزيدا فى المكاتب فقال زيد: نقيس لهم، فقال: أرأيتم إن أصاب حدا؟ وكيف يدخل على أمهات المؤمنين؟ فجعل يقيس لهم بنحو هذا، ففضله عمر عليهما فى المكاتب" اهـ، من "كنز العمال" (٢٥٥:٥). قلت: قد اختلفت الروايات عن عمر فيما إذا مات المكاتب وقد بقى عليه شىء من كتابته. فروى جابر بن سمرة عنه "أنه إذا أدى نصف كتابته فهو غريم". وروى معبد الجهنى عنه "أن ماله كله لسيده"، وقال ابن مسعود: "إذا كان قد أدى الثلث، وفى رواية عنه: إذا كان قد أدى قيمته فهو غريم"، واختلف عن على أيضا. فروى عنه "إذا أدى نصف كتابته فهو غريم". وروى عنه ((إذا مات وقد ترك وفاء، فهو حر، يعطى سيده بقية كتابته، وما بقى لولده الأحرار"، كما سيأتى. وظنى: أن الصحابة لم يختلفوا فی کون المکاتب عبدا فی حیاته ما بقی علیه شیء، وإنما اختلفوا فيما إذا مات عن وفاء، كما يشعر به سياق أثر الشعبى عند البيهقى وغيره. تحقيق اختلاف الصحابة فى حكم المكاتب والتنبيه على خطأ ابن حزم: ولم يتنبه ابن حزم لهذا المعنى، فأجرى الخلاف بينهم فى حياة المكاتب ومماته جميعا، وذهب إلى أنه إذا أدى شيئا من كتابته شرع فيه العتق والحرية فى حياته بقدر ما أدى، وهذا مما لا يساعده عقل ولا نقل، فكل قد أجمع أن المكاتب لا يعتق بعقد المكاتبة، وإنما يعتق لحال ثانية، فنظرنا فى ذلك وفى سائر الأشياء التى لا تجب بالعقود، إنما تجب بحال أخرى بعدها كيف حکمها؟ فرأينا الرجل یبیع العبد بألف درهم فلا تجب للمشتری قبض العبد بنفس العقد حتى يؤدى جميع الثمن، ولا يكون له قبض بعض العبد بأدائه بعض الثمن، وكذلك الأشياء التى هى محبوسة بغيرها، مثل الرهن المحبوس بالدين. فكل قد أجمع أن الراهن لو قضى المرتهن بعض الدين فأراد أن ج - ١٦ رد المکاتب إلى الرق إذا عجز ٢٣٦ يأخذ الرهن، أو بعضه بقدر ما أدى لم يكن له ذلك إلا بأدائه جميع الدين. فكان هذا حكم الأشياء التى تملك بأشياء إذا وجب احتباسها، فإنما تحبس حتى يؤخذ جميع ما جعل بدلا منها. فلما خرج المکاتب من أن یکون فی حکم المعتق على المال الذی یعتق بالعقد، وثبت أنه فى حكم من يحبس لأداء شىء، ثبت أن حكمه فى احتباس المولى إياه كحكم المبيع فى احتباس البائع المبيع، فالمكاتب غير قادر على أخذ شىء من رقبته من ملك المولى، إلا بأداء جميع المكاتبة، وهو قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين اهـ من "الطحاوى" (٦٦:٢) ملخصا. وأما النقل فقد ذكرنا أن الروايات المختلفة فى الباب محمولة على ما إذا مات المكاتب، وقد بقى من كتابته شىء، وأخطأ ابن حزم فى تعميمها للحياة والموت جميعا، فافهم، والله يتولى هداك. فائدة: قال الموفق فى "المغنى": إذا سأل العبد سيده مكاتبته استحب له إجابته إذا علم فيه خيرا ولم يجب ذلك فى ظاهر المذهب، وهو قول عامة أهل العلم، منهم الحسن والشعبى ومالك والثورى والشافعى وأصحاب الرأى، وعن أحمد أنها واجبة، إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها فعليه إجابته، وهو قول عطاء والضحاك وعمرو بن دينار وداود، وقال إسحاق: "أخشى أن يأثم إن لم يفعل، ولا يجبر عليه"، ووجه ذلك قول الله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيه خيرا﴾، وظاهر الأمر الوجوب. وروى: أن سيرين أبا محمد بن سيرين كان عبدا لأنس بن مالك. فسأله أن يكاتبه، فأبى، فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك، فرفع الدرة على أنس، وقرأ عليه: ﴿والذین يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فکاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ فكاتبه أنس. ولنا أنه إعتاق بعوض فلم يجب (فإنه لا جبر فى المعاوضات)، والآية محمولة على الندب، وقول عمر يخالف فعل أنس (فلا حجة فيه، وأيضا فإن رفعه الدرة عليه لا يدل على الوجوب. لأنه كان كالوالد الشفيق للرعية، وكان يأمرهم بما لهم فيه الحظ من الدين وإن لم يكن واجبا، وكان يشدد على الصحابة ما لا يشدد على غيرهم، فلا يرضى عنهم بترك سنة، أو مستحب قد ورد به النص، ألا ترى أنه عاتب(١) عثمان فى الخطبة على تأخره عن خطبة الجمعة، وعلى تركه الاغتسال واقتصاره على الوضوء. ورأى أمة (٢) قد تقنعت فعلاها بالدرة حتى ألقت القناع عن رأسها، وبالإجماع لا يحرم التقنع على الأمة، بل هو واجب عليها فى زماننا هذا، ومما يدل على (١) قد مر الأثر فى الجزء الأول من الإعلاء. (المؤلف) (٢) قد مر فى الجزء الثانى من "الكتاب" فى باب عورة الرجل والأمة. (المؤلف) ٢٣٧ رد المکاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن أن الآية ليست على الوجوب أنه موكول إلى غالب ظن الموالى أن فيهم خيرا. فلما كان المرجع فيه للمولى لم يلزمه الإجبار عليه). قال: ولا خلاف بينهم فى أن من لا خير فيه لا تجب إجابته اهـ (٣٣٩:١٢). وأخرج الطبرى بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: "لا ينبغى لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح الذى له المال يريد أن یکاتب، أن لا یكاتبه" اهـ ولا دليل فيه على الوجوب كما لا يخفى. قال: وحدثنى يونس أنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس: "الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده" (فيه أن مالكا لم يحمل رفع عمر الدرة على أنس بن مالك على الإكراه بل على الإرشاد فحسب). قال: "وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك، فقيل له: إن الله تبارك وتعالى يقول فى كتابه: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ يتلو هاتين الآيتين ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾، ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله﴾، قال مالك: فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس، ولا يلزم أحدا، وقال الثورى: "إذا أراد العبد من سيده أن یکاتبه فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يجبر السيد على ذلك"، حدثنى بذلك على عن زيد عنه، قال الطبرى: وحدثنى يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فى قوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ قال: "ليس عليه أن يكاتبه إنما هذا أمر أذن الله فيه" اهـ (٩٩:١٨). الجواب عن حجة ابن حزم على وجوب المكاتبة إذا سألها العبد: وبهذا كله اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": أمر الله تعالى بالمكاتبة، وكل ما أمر به فرض، لا يحل لأحد أن يقول له الله تعالى: افعل كذا فيقول هو: لا أفعل، إلا أن يقول له تعالى: ((إن شئت فافعل، وإلا فلا)). (قلنا: قوله: ﴿إِن علمتم فيهم خيرا﴾ دليل على أنه موكول إلى غالب ظن المولى أن فيه خيرا، فكان المرجع فيه إليه، وكان فى معنى قوله: إن شئت فافعل وإلا فلا، كما مر)، ثم ذكر أثر عمر، وقوله لأنس فى عبده سیرین: ((والله لتكاتبنه))، وتناوله بالدرة، فکاتبه، وقد مر الجواب عنه، ثم روی من طریق روح بن عبادة نا ابن جريج. قلت لعطاء: "أواجب على إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، قال ابن جريج: وقال لى أيضا عمرو بن دينار" اهـ (٣٢٣:٩). ج - ١٦ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز ٢٣٨ قلت: وكذا رواه الطبرى فى "تفسيره" من طريق عبد الرزاق أخبرنا جريج، فذكره وزاد قال: أى ابن جريج: "قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا" اهـ (٩٨:١٨). وهذا صريح فى أن عطاء إنما قال بالوجوب من رأيه لم يأثره عن أحد قبله، مع أنه روى عن موسى بن أنس بن مالك قصة كتابة سيرين، وقول عمر لأنس: "كاتبه"، ورفع الدرة عليه كما رواه ابن حزم نفسه، فلو كان فى ذلك دليل على الوجوب كما زعمه لم يقل عطاء حين سأله ابن جريج أتأثره عن أحد؟ أن لا، بل قال: نعم لى سلف فى ذلك عن عمر، فافهم. ثم ذكر من طريق ابن المدينى نا سعيد بن عامر نا جويرية بنت أسماء عن مسلم ابن أبى مريم عن عبد كان لعثمان بن عفان فذكر حديثا وفيه: "أنه استعان بالزبير، فدخل معه على عثمان، فقام بين يديه قائما، وقال: يا أمير المؤمنين! فلان كاتبه، فقطب، ثم قال: نعم، ولولا أنه فى كتاب الله تعالى ما فعلت ذلك، وذكر الخبر" اهـ. احتجاج ابن حزم بالمجهول: قلت: ألا يستحيى ابن حزم من الاحتجاج بهذا الأثر، وهو عن رجل مجهول كان عبدا لعثمان، لا يدرى من هو؟ ومع ذلك فلا حجة له فيه؛ لأن ذلك لو كان واجبا لم ينكره عثمان أولا ولم يقطب، حاشاه أن يقطب عن أمر أوجبه الله علیه، أو يعاتب العبد فى ابتغاءه ذلك منه، وفى الأثر: أن عثمان قال له: "أكاتبك على مائة ألف على أن تعدها لى فى عدتين، والله لا أعطيك منها درهماً، كما فى "كنز العمال" (٢٥٥:٥)، وهو صريح فى المعاتبة. فاندحض بذلك قول ابن حزم بما نصه: فهذا عمر وعثمان يريانها واجبة، ويجبر عمر عليها، ويضرب فى الامتناع من ذلك. (قلت: قد تقدم ما فيه، فتذكر)، والزبير يسمع حمل عثمان الآية على الوجوب فلا ينكر على ذلك (قلت: يا سبحان الله! وهل فى قوله: "ولولا أنه فى كتاب الله ما فعلت ذلك" دلالة على الوجوب؟ وهل يقول ابن حزم بأن كل ما هو فى كتاب الله واجب؟ وإلا فما المانع من حمل قول عثمان هذا على أنه لولا فى كتاب الله الحث عليه ما فعلته؟)، قال: وأنس بن مالك لما ذكر بالآية سارع إلى الرجوع إلى المكاتبة، وترك امتناعه. (قلت: فهل ترى أن أنسا لم يكن يعرف ذلك قبل أن يذكره عمر بالآية؟ كلا، بل كان يعرف الآية ومعناها، وكان يحملها على الندب والاستحباب. فلما رأى أن عمر قد كره امتناعه مما ٢٣٩ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز إعلاء السنن حث الله عليه وندب الناس إليه سارع إلى المكاتبة طوعا واستحبابا، فافهم). قال: فصح أنه لا يعرف فى ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وخالف ذلك الحنفيون، والمالكيون، والشافعيون، فقالوا: ليست واجبة، وموهوا فى ذلك بتشنيعات منها: أنهم ذكروا آيات من القرآن على الندب، ولا حجة لهم فيه، لأنه لولا نصوص أخر جاءت لكان هذان الأمران فرضا، فإن كان عندهم نص يبين أن الأمر بالكتابة ندب صرنا إليه، وإلا فقد كذب محرف القرآن عن موضع كلماته إلى آخر ما قال وأطال (٢٢٤:٩)، قلنا: قد تقدم وجه الدلالة على الندب من هذه الآية بعينها. ذكر الاختلاف فى معنى الخير فى آية المكاتبة: وأيضا فإن الخير فى قوله: ((إن علمتم فيهم خيرا)) مجمل، فسره بعضهم بالمال، وبعضهم بالصلاح، وبعضهم بالدين. ولم يقض النبى ◌ّ فى ذلك بشىء. فلو كانت المكاتبة واجبة لبين لنا النبى معَِّ الخير الذى قد علق أمر المكاتبة به، وليس حمل ابن حزم إياه على الدين بأولى من حمل ابن عباس وابن عمر وزيد بن أسلم إياه على الحرفة وقوة الأداء، ولا من قول مجاهد وطاوس وأبی صالح وإبراهيم وعطاء أنه المال والصلاح، والصدق والوفاء، والأمانة والأداء. وقال ابن زيد: "إن علمت فيه خيرا لنفسك". وعن ابن عباس: "إن علمتم لهم مالا". وعن مجاهد مثله، قال: "إِن علمتم لهم مالا كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت". وعن عطاء قال: ما نراه إلا المال. ثم تلا: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا﴾ أخرج الآثار كلها الطبرى فى تفسيره بأسانيد صحاح، وحسان، وضعيف قد تقوى بتعدد الطرق (١٠٠:١٨). الجواب عن تشنيع ابن حزم على الحنفية والمالكية فى مسألة جواز مكاتبة العبد الكافر: وبذلك اندحض قول ابن حزم بما نصه: وأما الحنفيون، والمالكيون فكان شرط الله تعالى عندهم ههنا ملغی لا معنى له، وذلك انهم یبیحون کتابة الكافر الذی لا مال له، وهو بلا شك خارج عن الآية، لأنه لا خير فيه أصلا، وخارج عن قول كل من سلف، وهذا مما فارقوا فيه كل من حفظ عنه قول من الصحابة رضى الله عنهم (٢٢٢:٩). قلنا: إنما يقول ذلك من استشعر من نفسه الإحاطة بالأقوال جميعا، وأما من كان يؤمن ٢٤٠ رد المكاتب إلى الرق إذا عجز ج - ١٦ بقول الله عز وجل: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ فيقول: لعل هؤلاء قد إطلعوا على قول الصحابة والتابعين لم يطلع عليه ابن حزم، وههنا كذلك، فقد ذكرنا أن ابن عمر وابن عباس فسراه بالحيلة والحرفة، وزيد بن أسلم بالقوة على الأداء، ومآلهما واحد، كما لا يخفى. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزرى عن نافع عن ابن عمر: أنه كره أن يكاتب مملوكه إذا لم تكن له حرفة قال: "يطعمنى أوساخ الناس" (وهذا سند صحيح على شرط الجماعة)، قال: وحدثنى على (١) ثنا عبد الله ثنى معاوية عن على(٢) عن ابن عباس قوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، يقول: "إن علمتم لهم حيلة. ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين" (وهذا سند حسن، قد احتج البخارى فى "صحيحه" بنسخة على بن طلحة عن ابن عباس فى "التفسير"، ولا تروى إلا من طريق عبد الله ابن صالح عن معاوية عنه، كما ذكرنا ذلك غير مرة)، قال: وحدثنى يونس أنا ابن وهب ثنى ابن زيد عن أبيه قول الله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ قال: ((الخير، القوة على ذلك)) اهـ، وهذا سند صحيح، وهذا هو المراد بقول من فسره بالمال. أما أولا: فلأن العبد لا يملك شيئا، وكل ما هو عنده فلسيده ما دام عبدا، فكيف يصح أن يتوقف أمر الكتابة على أن يكون له مال وهو لا يصلح للمالكية قبل الكتابة؟ أيضا فموضوع كلام العرب الذى به نزل القرآن أنه تعالى لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرا، أو عندهم خيرا، أو معهم خيرا، لأن بهذه الحروف يضاف المال إلى من هو له فى لغة العرب، ولا يقال أصلا: فى فلان قال الله تعالى: ﴿إِن علمتم فيهم خيرا﴾، مال. فلما ... علمنا أنه تعالى أراد قوة المال أى صلاحية كسبه، ولم نر أحدا فسره بالإسلام غير ما رواه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلمانى فى قول الله تعالی: ﴿فکاتبوهم إن علمتم فیهم خیرا﴾، قال: "إن أقاموا الصلاة"، ومن طریق سفیان عن يونس عن الحسن، قال: إن علمتم فيهم خيرا دين وأمانة، ومن طريق حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن قال: "الإسلام والوفاء" اهـ (٢٢٢:٩)، وأثر الحسن رواه الطبرى من طريق ابن علية عن (١) هو ابن صالح كاتب الليث هو ابن صالح. (المؤلف) (٢) هو ابن طلحة. (المؤلف)