النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ إعلاء السنن ٥٣٧٦ وفى الباب عن أبى هريرة مرفوعا: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه))، رواه البيهقى فى "سننه" من طريق عبد الله بن جعفر والد على المدينى عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عنه، ووالد على صدوق حافظ لكنه بلى فى آخره، بقية رجاله ثقات كلهم. فالحديث حسن كما قدمنا. وله طرق ذكرها الحافظ فى "التلخيص"، والزيلعى فى "نصب الراية"، وأخرجه ابن ماجة من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا نحوه، وعبد الرحمن مختلف فيه. ٥٣٧٧- عن جابر بن عبد الله مرفوعا فى فضائل رمضان: قال: ((أعطيت أمتى فى شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبى قبلى))، وفيه: ((أما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا)). فقال رجل من القوم: أ هى ليلة القدر؟ فقال: ((لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم))، رواه البيهقى، وإسناده مقارب أصلح من إسناد حديث أبى هريرة فى هذا المعنى عنده، كما فى "الترغيب" (ص ١٧١). باب استئجار الأجير بطعام بطنه وكسوته ٥٣٧٨- عن أبى هريرة، أنه قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا استؤجر على عمل، فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة فلا تعرض لها به، أهـ (١٤:٦ و١٥). قلنا: لو وقف الموفق على الحديث الثابت من الباب لم يقل ما قال، فإن قوله عَّ اته: ((ألا ترى إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم)) صريح فى تقدير ما تعارفه الناس من إعطاء الأجير أجره عند فراغه من العمل، فدل ذلك على أنه وقت الاستحقاق، وإلا يغيره الشارع إلى ما هو أحسن منه وأعدل، وليس هذا من الاستدلال بالمفهوم، بل هو من الاستدلال بعبارة النص، كما لا يخفى، وأما إنها لا تعرض لها بما وقعت فيه الإجارة على المدة. قلنا: إذا قبض المستأجر الدار، وتمكن من استيفاء المنافع فى المدة فعليه الأجر، وإن لم يسكنها، لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور فأقمنا تسليم المحل مقامه إذا التمكن من الانتفاع يثبت به، فافهم. باب استئجار الأجير بطعام بطنه وكسوته قوله: "عن أبى هريرة" إلخ: قال العبد الضعيف: أجاز أبو حنيفة استئجار الظئر بطعامها وكسوتها استحسانا، وخالفه صاحباه، فقالا: لا يجوز لأن الأجرة مجهولة، كما إذا استأجرها ج - ١٦ استئجار الأجير بطعام بطنه وكسوته ٢٠٢ لابنة غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلى، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فالحمد لله الذى جعل الدين قواما، جعل أبا هريرة إماما، رواه ابن ماجة (ص١٧٨) وسنده(١) صحيح. للخبز والطبخ، وله أن الجهالة لا تفضى إلى المنازعة، لأن فى العادة التوسعة على الآظار شفقة على الأولاد، كذا فى "الهداية"، ومفاده عدم جواز ذلك فى غير الظئر اتفاقا، لإفضاء الجهالة إلى المنازعة، لعدم العرف، فلو تعورف ذلك فى غير الظئر أيضا ينبغى أن يجوز عند أبى حنيفة رحمه الله. قال فى "الظهيرية": استأجر عبدا أو دابة على أن يكون علفها على المستأجر ذكر فى الكتاب أنه لا يجوز. وقال الفقيه أبو الليث: فى الدابة نأخذ بقول المتقدمين، أما فى زماننا فالعبد يأكل من مال المستأجر عادة اهـ، قال الحموى: أى فيصح اشتراطه، واعترضه الطحاوى بقوله: فرق بين الأكل من مال المستأجر بلا شرط ومنه بشرط اهـ. أقول: المعروف كالمشروط، وبه يشعر كلام الفقيه، ثم ظاهره أنه لو تعورف فى الدابة ذلك يجوز، تأمل اهـ ملخصا من "رد المحتار" (٤٤:٥). وقال ابن حزم فى "المحلى": لا تجوز الإجارة بمضمون مسمى محدود فى الذمة، أو بعين معينة معروفة الحد والمقدار، وهو قول عثمان رضى الله عنه وغيره. وقال مالك: يجوز كراء الأجير بطعامه، واحتجوا بخبر عن أبى هريرة: كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلى، قال ابن حزم: قد يكون هذا تكارما من غير عقد لازم، وأما العقود المقتضى بها فلا تكون إلا بمعلوم، والطعام يختلف، وتختلف الناس فى أكله اختلافا متفاوتا، فهو مجهول لا يجوز، أهـ ملخصا (٢٠٣:٨). وقال الموفق فى "المغنى": اختلفت الروایة فیمن استأجر أجیرا بطعامه و کسوته، أو جعل له أجرا وشرط طعامه و کسوته، فروی عنه جواز ذلك، وهو مذهب مالك، وإسحاق، وروی عن أبی بكر وعمر وأبى موسى رضى الله عنهم أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم. (١) قال الحافظ فى "الإصابة": وفى "الحلية" من"تاريخ أبى العباس السراج" بسند صحيح عن مضارب بن جزاء: "كنت أسير من الليل فإذا رجل يكبر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شكرا لله على أن كنت أجيرا لبرة بنت غزوان لنفقة رحلى وطعام بطنى، فإذا ركبوا سبقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوجنيبها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خدمت"، وزاد ابن خزيمة من هذا الوجه:"وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أريم حتى تجعل لى عصيدة، فها أنا إذا أتيت إلى نحو من مكانها قلت: لا أريم حتى تجعل لى عصيدة " اهـ (٢٠٦:٧)، قلت: و کان فيه دعابة رضى الله عنه. ٢٠٣ استئجار الأجير بطعام بطنه وكسوته إعلاء السنن ٥٣٧٩- وفى الباب عن عتبة بن الندر مرفوعا: ((إن موسى آجر نفسه على عفة فرجه وطعام بطنه))، رواه ابن ماجة أيضًا، وفى سنده مسلمة بن على الخشنى متروك ة بالمرة. وروى عنه أن ذلك جائز فى الظئر دون غيرها، اختارها القاضى، وهذا مذهب أبى حنيفة، لأن ذلك مجهول، وإنما جاز فى الظئر لقول الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل فى الآية قرينة تدل على طلاقها. لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع، ولأن الله تعالى قال: ﴿والوارث مثل ذلك﴾ والوارث ليس بزوج. وروى عنه رواية ثالثة لا يجوز ذلك بحال، لا فى الظئر، ولا فى غيرها، وبه قال الشافعى، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والمنذر، لأن ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا، فيكون مجهولا. والأجر من شرطه أن يكون معلوما، قال: ولنا ما روى ابن ماجة عن عتبة بن الندر، قال: كنا عند رسول الله عَ ليه، فقرأ طاسین، حتى بلغ قصة موسى قال: ((إن موسى آجر نفسه ثمانى حجج أو عشرا علي عفة فرجه وطعام بطنه)) وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه اهـ. قلنا: نعم! ولكن الحديث لا يصلح للاحتجاج به، لأن فى سنده مسلمة بن على الخشنى، وهو متروك، واتهمه الحاكم برواية المناكير والموضوعات عن الأوزاعى والزبيدى، ولو صح فغاية ما فيه أن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة الفرج وطعام البطن، وليس فيه أن ذلك كان هو الأجر. وبالجملة فلفظة على للسببية لا للمعاوضة، ومن ادعى فعليه البيان، والاحتمال يضر الاستدلال. قال: وعن أبى هريرة، أنه قال: "كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطنى" الحديث، قلنا: قد مر الجواب عنه فى كلام ابن حزم، قال: ولأن من ذكرنا من الصحابة وغيرهم فعلوه، فلم يظهر له نكير، فكان إجماعا اهـ قلنا: وأين الإجماع؟ وقد خالفهم عثمان، كما ذكره ابن حزم، وأيضا فلا يبعد أن يكونوا فعلوه مكارمة، لا إجارة. قال: ولأنه قد ثبت فى الظئر بالآية فيثبت فى غيرها بالقياس عليها، ولأنه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التسمية، وكنفقة الزوجة، ولأن للكسوة عرفا وهى كسوة الزوجات، وللإطعام عرف وهو الإطعام فى الكفارات، فجاز إطلاقه، كنقد البلد، وأيضا فما كان عوضا فى الرضاع جاز فى الخدمة كالأثمان اهـ (٦٩:٦). ج - ١٦ ٢٠٤ باب إذا قال: أجرتك هذا کل شھر بدرهم جاز فی کل شهر ٥٣٨٠- عن على رضى الله عنه، قال: "جعت مرة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل فى عوالى المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدارا، فظننتها تريد بله، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا، حتى مجلت يداى، ثم أتيتها قلنا: ليست الآية صريحة فى جواز استئجار الظئر بالطعام والكسوة، وغاية ما فيها أنه يجب على المولود له أن يعطى المرضعة ما يكفيها لطعامها وكسوتها، وأما أن ذلك لا بد أن يكون معلوما، أو يجوز أن يكون مجهولا، فالآية ساكتة عن ذلك، وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ يدل على أن المراد برزقهن وكسوتهن أجورهن، وأجر الأجير يكون معلوما عادة وشرعا، فكذلك رزقهن وكسوتهن أيضا، هذا، ولكن الراجح عندى جواز الإجارة والاستئجار على الطعام والكسوة، فياسا على إجارة الظئر، فإن أبا حنيفة يقول بجواز استئجارها على طعامها وكسوتها، وعلله بأن الجهالة فيه لا تفضى إلى المنازعة العرف والعادة، فكذلك أجيرٍ الخدمة إذا تعورف استئجاره بالطعام والكسوة، والله تعالى أعلم. باب إذا قال: آجرتك هذا کل شھر بدرهم جاز فی کل شهر قوله:"عن على" إلخ: قال العبد الضعيف: الحدیث نص فى الباب، وهو يدل على جواز الإجارة بالمقاطعة، ومنها مسألة الباب أيضا، واختلفت نصوص المذهب فيه، فظاهر ما فى "القدورى" و "الهداية" وغيره من المتون والشروح أن من آجر دارا كل شهر بكذا صح فى واحد فقط، وفى كل شهر سكن فى أوله صح العقد فيه أيضا، وحاصله صحة العقد فى واحد لزوما، وفی الباقى موقوفا. وأما ما فى "القدورى": أن العقد صحيح فى واحد فاسد فى بقية الشهور، فقال فى "المحيط": هذا قول بعضهم، والصحيح أن الإجارة فى كل شهر جائزة، وإطلاق محمد يدل عليه، فيجوز العقد فى الشهر الأول، والثانى، والثالث، وإنما يثبت خيار الفسخ فى أول الثانى، لأنها مضافة إلى المستقبل، ولكل منهما فسخ المضافة اهـ، فمعنى قول من قال بالفساد فى الباقى عدم اللزوم، وأطلق عليه ذلك لأنه قابل للإفساد، كذا فى "رد المحتار" (٤٧:٥). وقال الموفق فى "المغنى": إذا قال: آجرتك هذا كل شهر بدرهم فاختلف أصحابنا، فذهب القاضى إلى أن الإجارة صحيحة، وهو المنصوص عن أحمد فى رواية ابن منصور، واختيار الخرقى، ٢٠٥ إذا قال: آجرتك هذا كل شهر بدرهم جاز فى كل شهر إعلاء السنن فعدت لى ست عشرة تمرة، فأتيت النبى معَّ ◌ِلّه، فأخبرته، فأكل معى منها"، رواه أحمد، وجود الحافظ إسناده. وأخرجه ابن ماجة بسند صححه ابن السكن اهـ (نيل الأوطار ١٧٠:٥). إلا أن الشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد، لأنه معلوم يلى العقد وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به، وهو السكنى فى الدار متلا، وإن لم يتلبس به، أو فسح العقد عند انقضاء الأول انفسخ، وكذلك حكم كل شهر يأتى، وهذا مذهب أبى ثور، وأصحاب الرأى، وحكى عن مالك نحو هذا، واختار أبو بكر عبد العزيز وأبو عبد الله بن حامد أن العقد باطل، وهو قول الثورى، والصحيح من قولى الشافعى، لأن كل اسم للعدد، فإذا لم يقدره كان مبهما مجهولاً فيكون فاسدا، كما لو قال: آجرتك مدة، وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد (الذى رواه ابن منصور) فى هذا على أن الإجارة وقعت على أشهر معينة (بأن قال: آجرتكها عشرين شهرا كل شهر بدرهم). ووجه الأول أن عليا رضى الله عنه استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة، وجاء به إلى النبى عَّه، فأكل منه وهو نظير مسألتنا، ولا شروعه فى كل شهر مع ما تقدم فى العقد من الاتفاق على تقدير أجره، والرضا ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه، وصار كالبيع بالمعاطاة إذا جرى من المساومة ما دل على التراضى بها، فعلى هذا متى ترك التلبس به فى شهر لم تثبت الإجارة فيه، لعدم العقد، وإن فسخ فكذلك، وليس بفسخ فى الحقيقة، لأن العقد فى أشهر الثانى ما ثبت اهـ ملخصا (١٩:٦). مؤاجرة المسلم نفسه من الكافر: فائدة: دل حديث الباب على جواز أن يؤاجر المسلم نفسه من الكفار، وترجم له البخارى فى "الصحيح" بقوله: ((هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك فى أرض الحرب؟)) وأورد فيه حديث خباب، وهو إذ ذاك مسلم فى عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهى إذ ذاك دار حرب، واطلع النبى معَّه على ذلك، وأقره. ولم يجزم البخارى بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن فى قتال المشركين ومنابذتبهم، وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه (ولعل حديث الباب الذى أودعناه فى المتن لم يصح عنده، لكونه ليس على شرطه، أو ذهب إلى الفرق بين ج - ١٦ إذا قال: آجرتك هذا کل شهر بدرهم جاز فی کل شهر ٢٠٦ ٥٤٨١- ورواه ابن ماجة (ص١٧٨) من حديث أبى هريرة أيضًا، ولكنه فى قصة رجل من الأنصار رأى فى وجه رسول الله عّ لّله أثر الجوع، فخرج يطلب، فإذا بيهودى يسقى نخلا، فشارطه كل دلو بتمرة، فاستقى بنحو من صاعين، فجاء به إلى النبى- عر ضي. الحديث مختصرا، وفى سنده عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، وهو متروك. المشركين وأهل الكتاب، وعلى رضى الله عنه لم يؤاجر نفسه إلا من يهودى أو امرأة من الأنصار، فافهم). وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، وقال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصناع فى حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه فى منزله، وبطريق التبعية له، والله أعلم اهـ من "فتح البارى" (٣٧١:٥). استئجار المسلم المشرك: وأما استئجار المشركين والكفار فقد صح أنه مرّ ل عامل يهود خيبر، واستأجر عند الهجرة رجلا من بنى الديل هاديا خريتا، وهو على دين كفار قريش، وترجمة البخارى فى الصحيح تشعر بأنه يرى امتناع استئجار المشرك حربيا كان أو ذميا، إلا عند الاحتياج إلى ذلك، كتعذر وجود مسلم يكفى ذلك العمل. وأشار فى الترجمة بقوله: ((إذا لم يوجد أهل الإسلام) إلى ما أخرجه أبو داود من طريق تحماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر أحسبه عن نافع عن ابن عمر: أن النبى معَ له. قاتل أهل خيبر، الحديث، وفيه: وأراد أن يجليهم، فقالوا: يا محمد! دعنا نعمل فى هذه الأرض، ولنا الشطر ولكم الشطر (وفى حديث بشير بن يسار عنده)، فلما صارت الأموال بيد النبى مد لّه والمسلمين لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله عَ لّه اليهود فعاملهم)) (١٢١:٣). وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب نحوه، وبالجملة إنما أجابهم إلى ذلك لمعرفتهم بما يصلح أرضهم دون غيرهم، فنزل البخارى من لا يعرف منزلة من لم يوجد. وفى استشهاده بقصة معاملة خيبر، وباستئجاره عّ لّ الدليل المشرك لما هاجر على عدم جوازه بدون الحاجة نظر، لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود، وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضموما إلى قوله معّ له: ((إنا لا نستعين بمشرك)) أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به. ٢٠٧ إعلاء السنن باب أجر السمسرة ٥٣٨٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: ((نهى رسول الله عَ ليه أن يتلقى الركبان، ولا يبيع حاضر لباد. قلت: يا ابن عباس! ما قوله: لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا یکون له سمسارا))، رواه البخاری. قال ابن بطال: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها، لما فى ذلك من المذلة لهم وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم اهـ من "فتح البارى" (٣٦٤:٥). قلت: ولا يخفى على الفقيه العارف أن كل استئجار من الكافر لا يورث مذلة للمسلم، بل منه مافيه إعزاز له. كالاستئجار للتعليم، أو لكتابة الحساب، أو للنظر فى الضياع والدكاكين، أو لفصل القضاة ونحوه. وأما استعمالهم أهل الذمة فى أعمال السلطان، وتوليتهم القضاء بين الناس، أو توليتهم على الجند فلا يخفى ما فيه من تسليطهم على أهل الإسلام، واستعلاءهم عليهم، فلا يجوز ذلك أصلا. وقد ثبت عن عمر أنه نهى أبا موسى الأشعرى عن اتخاذ النصرانى كاتبا له، كما مر فى كتاب الجهاد، فتذكر. باب أجر السمسرة قوله: "عن ابن عباس" إلخ: قال العبد الضعيف: احتج به العينى لأبى حنيفة، فقال: ومنه كان أبو حنيفة يكره السمسرة اهـ. ولا حجة له فیه، لأنه عارضه فتوى الراوى ورأيه، وهو ما ذكرناه بعد ذلك من قول ابن عباس نفسه، وإذا عارض قول الراوى روايته فالعبرة عندنا برأيه لا بروايته، إلا أن يقال: إن هذا إذا كان قوله أو عمله بخلاف روايته بعد الرواية مما هو خلاف بيقين. ولا يقين ههنا، لاحتمال أن يكون قول ابن عباس على سبيل المراضاة، لا على سبيل المعاقدة. وحديثه المرفوع محمول على المعاقدة حتما، كما هو ظاهر. ولكن للخصم أن يقول فى تفسيره المنع من بيع الحاضر للبادى بأن لا يكون له سمسارا، أن مفهومه أنه يجوز أن يكون سمسارا فى بيع الحاضر للحاضر، فإن قيل: هذا استدلال بالمفهوم، وهو ليس بحجة عندنا. قيل: إن الخصم يحتج به، وقد تأيد هذا المفهوم بقول ابن عباس: لا بأس أن يقول: بع هذا الثواب فما زاد على كذا فهو لك، وحمله على المراضاة بعيد. وفى "التلويح": أما قول ابن عباس وابن سيرين، وأكثر العلماء لا يجيزون هذا (لأنها وإن كانت أجرة سمسرة لكنها مجهولة. وشرط جوازها عند الجمهور أن تكون الأجرة معلومة)، ٢٠٨ ج - ١٦ أجر السمسرة ٥٣٨٣- وقال ابن عباس؛ لا بأس أن يقول: بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك، علقه البخارى، ووصله ابن أبى شيبة عن هشيم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس نحوه (عمدة القارئ ٦٤٥:٥)، وهذا سند صحيح. وغمن كرهه الثوری، والكوفیون. وقال الشافعى، ومالك: لا يجوز، فإن باع فله أجر مثله، وأجازه أحمد وإسحاق، وقالا. هو من باب القراض، وقد لا يربح المقارض اهـ من "العمدة" (٦٤٦:٥) للعينى. قلت: ولكن شرط جواز المقارضة أن تكون بالدراهم أو الدنانير، ولا تجوز بالعروض إجماعا. فكيف يصح حمله على المقارضة؟ فتأمل، ونقل ابن التين أن بعضهم شرط فى جوازه أن يعلم الناس ذلك الوقت أن ثمن السلعة يساوى أكثر مما سمى له، وتعقبه بأن الجهل بمقدار الأجرة باق اه من "فتح البارى" (٣٧٠:٥). قال العينى: وهذا الباب فيه اختلاف للعلماء، فقال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلعة إذا بين لذلك أجلا، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا الثوب ولك درهم أنه جائز وإن لم يوقت له ثمنا، و کذلك إن جعل له فى كل مائة دينار شيئا، وهو جعل. وقال أحمد: لا بأس أن يعطيه من الألف شيئا معلوما، وذكر ابن المنذر عن حماد، والثورى أنهما كرها أجره، وقال أبو حنيفة: إن دفع له ألف درهم يشترى بها بزا بأجر عشرة دراهم فهو فاسد، وكذلك لو قال: اشتر مائة ثوب، فهو فاسد، فإن اشترى له أجر مثله، ولا يجاوز ما سمى، وقال أبو ثور: إذا جعل له فى كل ألف شيئا معلوما لم يجز، لأن ذلك غير معلوم، وإن اكتراه شهرا على أن يشترى له ويبيع فذلك جائز اهـ (٦٤٥:٥). قلت: والحاصل أن أجرة السمسار ضربان: إجارة وجعالة، فالأول يكون مدة معلومة يجتهد فيها للبيع، وهذا جائز بلا خلاف، فإن باع قبل ذلك أخذ بحسابه، وإن انقضى الأجل أخذ كامل الأجرة، والجعالة لا يضرب فيها أجل، ولا يستحق فيها شيئا إلا بتمام العمل، وهى فاسدة عندنا لجهالة العمل والأجر معا مرة، وجهالة أحدهما أخرى. وفى "رد المحتار" (٥٩:٥): قال فى "التاترخانية": وفى الدلال والسمسار يجب أجرا لمثل، وما تواضعوا عليه أن فى كل عشرة دنانیر کذا فذلك حرام عليهم. وفى "الحاوى": سئل محمد بن سلمة عن أجرة السمسار، فقال: أرجو أنه لا بأس به، وإن كان فى الأصل فاسدا، لكثرة التعامل، وكثير من هذا غير جائز، فجوزوه لحاجة الناس إليه ٢٠٩ أجر السمسرة إعلاء السنن ٥٣٨٤- وقال ابن سیرین: إذا قال: بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك، أو بینی وبينك، فلا بأس به، علقه البخارى، ووصله ابن أبى شيبة عن هشيم عن يونس عن ابن سيرين (العمدة ٦٤٥:٥)، وهذا سند صحيح أيضًا. كدخول الحمام، وعنه قال: رأيت ابن شجاع يقاطع(١) نساجا ينسج له ثيابا فى كل سنة. قلت: والحاصل أن الجهالة اليسيرة عفو فى ما جرى به التعامل، لكونها لا تفضى إلى النزاع عادة. لا يشترط فى مدة الإجارة أن تلى العقد: فائدة: لا يشترط فى مدة الإجارة أن تلى العقد، بل لو آجره سنة خمس وهما فى سنة ثلاث، أو شهر رجب فى المحرم صح، وبهذا قال أبو حنيفة (وأحمد)، وقال الشافعى: لا يصح، إلا أن يستأجر من هى فى إجارته كذا فى "المغنى" (٦:٦). وقد وافق البخارى الحنفية فى هذا الباب، واحتج بحديث عائشة رضى الله عنها، قالت: "واستأجر رسول الله مرّ يه، وأبو بكر رضى الله عنه رجلا من بنى الديل هاديا خريتا فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث براحلتيهما صبح ثلاث، لا يقال: ليس فى الحديث أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث، بل الذى فيه أنهما استأجراه، وابتدأ فى العمل من وقته بتسليمهما إليه راحلتيهما، وبحفظهما، فكان خروجهما وخروجه بعد ثلاث على الراحلتين اللتين قام بأمرهما إلى ذلك الوقت؛ لأنهما لم يكونا استأجراه لخدمة الراحلتين، بل كانت الإجارة لأجل الدلالة على الطريق، ولا شك أنها تأخرت، والذى كان يرعى راحلتيهما عامر بن فهيرة لا الدليل، قاله ابن المنير، كما فى "فتح البارى" (٣٦٥:٥). إذا ثبت هذا فإن الإجارة إن كانت على مدة تلى العقد لم يحتج إلى ذكر ابتداءها من حين العقد، وإن كانت لا تليه فلا بد من ذكر ابتداءها؛ لأنه أحد طرفى العقد، فاحتيج إلى معرفته كالانتهاء، وإن أطلق فقال: آجرتك سنة أو شهرا صح، وكان ابتداءه من حين العقد، وهذا قول مالك وأبى حنيفة، وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: لا يصح حتى يسمى الشهر ويذكر أى سنة هى، ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام: ﴿على أن تأجرنی ثمانی حجج﴾ ولم (١) قلت: فيجوز مقاطعة القصار لغسل ثياب أهل البيت على طعام معلوم فى السنة، وقدر الثياب مجهول، وكذا مقاطعة الكناس والحلاق ونحوهم لكثرة التعامل بها، وحاجة الناس إليها وإن كان قدر العمل مجهولا، كما لا يخفى، (المؤلف) ٢١٠ ج - ١٦ أجر السمسرة ٥٣٨٥- وقال البخارى: ولم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأس، وذكر الحافظ فى "الفتح" (٣٧٠:٥) من وصله. يذكر ابتداءها اهـ من "المغنى" (٧:٦). لا خلاف فى إباحة إجارة العقار: فائدة: لا خلاف بين أهل العلم فى إباحة إجارة العقار. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل، والدواب جائز، ولا تجوز إجارتها إلا فى مدة معلومة معينة، ولا بد من مشاهدته، وتحديده، فإنه لا يصير معلوما إلا بذلك، ولا يجوز إطلاقه، ولا وصفه، وقال أصحاب الرأى: له خيار الرؤية، كقولهم فى البيع اهـ من "المغنى" (٢١:٦). كره أحمد كراء الحمام: فائدة: كره أحمد كراء الحمام، وسئل عن كرائه، فقال: أخشى، فقيل له: إذا شرط على المكترى أن لا يدخله أحد بغير إزار؟ فقال: ومن يضبط هذا؟ وكأنه لم يعجبه، قال ابن حامد: هذا على طريق الكراهة تنزيها لا تحريما، لأنه تبدو فيه عورات الناس، فتحصل الإجارة على فعل محظور، فكرهه لذلك، فأما العقد فصحيح، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن كراء الحمام جائز، وهذا قول مالك، والشافعى، وأبی ثور، وأصحاب الرأى، لأن المكترى إنما يأخذ الأجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه، وأحوال المسلمين محمولة على السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الأجر المأخوذ منه، كما لو اكترى دارا ليسكنها فشرب فيها خمرا اه من "المغنى" (٢٢:٦). رد ما حكى عن أبى حنيفة: يجوز للحمامى النظر إلى العورة: وأما ما روى عن أبى حنيفة لصاحب الحمام أن ينظر إلى العورة، وحجته الختان، كما فى "الدر"، فقد رده أهل المذهب، قال الشامى: هذا غير المعتمد، لما فى "شرح الوهبانية": وينبغى أن يتولى على عورته بيده دون الخادم، هو الصحيح، لأن ما لا يجوز النظر إليه لا يجوز مسه فوق الثياب اهـ، اللهم إلا أن يضطر إليه فلا بأس أن يطلى عورته غيره، أو يطلى هو عورة غيره، كالختان، ويغض بصره، قال الفقيه أبو الليث: هذا فى حالة الضرورة (والاضطرار) لا غيره هـ (٣٧٧:٥) . درا سي جديد وروى الطبرانى فى "الكبير" بسند رجاله: حال الصحيح عن ابن عمر: أنه كان يدخل ٢١١ فوائد شتى فى مبحث الإجارة إعلاء السنن الحمام، فينوره صاحب الحمام فإذا بلغ حقوه، قال لصاحب الحمام: أخرج اهـ، هذا هو المعتمد، لكثرة الأخبار عن رسول الله ګ أنه کره دخول الحمام، لما تكشف فيه العورات، فكيف يجوز لداخله أن يكشف عورته للحمامى؟ فما رواه الطبرانى عن الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعى يقول: الفخذ فى المسجد عورة، وفى الحمام ليس بعورة، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": رواته ثقات اهـ (٢٧٩:٤)، محمول على حالة الضرورة لا غير، فافهم. فائدة: لا يجوز للرجل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة، أو بيعة، أو يتخذها لبيع الخمر أو القمار، وبه قال الجماعة، وقال أبو حنيفة: إن كان بيتك فى السواد فلا بأس أن تؤجره لذلك، وخالفه صاحباه، واختلف أصحابه فى تأويل قوله، ولنا أنه فعل محرم، فلم تجز الإجارة عليه، کإجارة عبده للفجور، ولو اکتری دمی من مسلم داره فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه، وبذلك قال الثورى، وقال أصحاب الرأى: إن كان بيته فى السواد والجبل فله أن يفعل ما شاء، كذا فى "المغنى" (١٣٦:٦). قلت: علله فى "الدر" وغيره بأن سواد الكوفة غالب أهلها أهل الذمة وهم يمكنون من اتخاذ البيعة، والكنيسة، وإظهار شرب الخمر، وبيعها فى قراهم، بخلاف الأمصار، وقرى غير الكوفة، فلا يمكنون فيها من اتخاذ البيع، والكنائس، وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك، فكان ذلك إجارة لعمل قد أقررناهم عليه، فتصح، وقالا: لا ينبغى ذلك، لأنه إعانة على المعصية، ولا نزاع فى كراهتها ديانة، وإنما الخلاف فى صحتها قضاء، وفى حل الأجرة للمؤجر، ولا يخفى أن المعصية ليست قائمة بعين الدار، وإنما هى بفعل المستأجر، وهو مختار، فينقطع نسبته عنه، وصار كما لو آجرها للسكنى جاز وهو لا بد له من عبادته، والتكلم بكلمات الشرك والفكر فيه، فالراجح قول الإمام فى صحة مثل هذه الإجارة قضاء، وكراهتها ديانة فافهم، فإن الروايات قد اختلفت عن الإمام فى هذا الباب، والجمع بينها بما ذكرناه أولى، والله تعالى أعلم بالصواب. للمستأجر ضرب الدابة بقدر العادة: فائدة: للمستأجر ضرب الدابة بقدر ما جرت به العادة، ويكبحها باللجام للاستصلاح، ويحثها على السير، ليلحق بالقافلة. وقد صح أن النبى مّ لِّ نخس بعير جابر، وضربه، وكان أبو بكر يخرش بعيره بمحجنه، وللرائض ضرب الدابة للتأديب، وترتيب المشى، والعدو، والسير، ٢١٢ فوائد شتى فى مبحث الإجارة ج - ١٦ وللمعلم ضرب الصبيان للتأديب. قال الأثرم: سئل أحمد عن ضرب المعلم الصبيان. قال: على قدر ذنوبهم، ويتوفى بجهده الضرب، وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا يضربه، ومن ضرب من هؤلاء الضرب المأدون فيه لم يضمن ما تلف. وبهذا فى الدابة قال مالك، والشافعى وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد، وقال الثورى، وأبو حنيفة: يضمن، لأنه تلف بجنايته فضمن (والإذن مشروط بشرط السلامة) فضمنه كغير المستأجر، كذلك قال الشافعى فى المعلم يضرب الصبى، لأنه يمكنه تأديبه بغير الضرب اه من "المغنى" (١١٩:٦). للمعلم ضرب الصبى ثلاثا باليد لا بالخشبة والعصا: وفى "الدر": وإن وجب ضرب ابن عشر عليها أى على الصلاة بيد لا بخشبة؛ لحديث: (مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا)). قلت: والصوم كالصلاة على الصحيح، (ويؤمر بإعادة ما صلاه بلا وضوء، لا لو أُفسد الصوم لمشقته عليه. الشامى) وينهى عن شرب الخمر، ليألف الخير ويترك الشراه، قال الشامى: قوله: بيد أى ولا يجاوز الثلاث، وكذلك المعلم ليس له أن يجاوزها، قال(١) عليه السلام لمرداس المعلم: ((إياك أن تضرب فوق الثلاث فإنك إذا ضربت فوق الثلاث اقتص الله منك)) اهـ إسماعيل عن أحكام الصغار للإستروشنى وظاهره أنه لا يضرب بالعصا فى غير الصلاة أيضا اهـ (٣٦٤:١). العين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر: ." فائدة: العين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر، إن تلفت بغير تفريط لم يضمنها، لا نعلم فى هذا خلافا، لأنه قبض العین لاستيفاء منفعة يستحقها منها، وإذا انقضت المدة فعلیه رفع يده، ولیس عليه الرد، وعلى هذا متى انقضت المدة كانت العين أمانة فى يده، إن تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه، فإن شرط الموجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد، لأنه ينافى مقتضى العقفد، وهل تفسد الإجارة به؟ فيه وجهان بناء على الشروط الفاسدة فى البيع، وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر قال: "لا يصح الكراء والضمان"، وعن فقهاء المدينة أنهم كانوا يقولون: (١) لم أقف على حاله من الصحة وغيرها، ولا على من خرجه، قال الحافظ فى "الإصابة": مرداس المعلم ذكره أبو زيد الدبوسى فى "كتاب الأسرار" بغير سند، فقال: مر النبى مَّي بمرداس المعلم، فقال: ((إياك والخبز المرقق والشرط على كتاب الله)، وهذا لم أقف له على إسناده إلى الآن اهـ (٨١:٦). (المؤلف) ٢١٣ فوائد شتى فى مبحث الإجارة إعلاء السنن "لا نکتری بضمان"، إلا أنه من شرط علی کری أنه لا ينزل مطاعه بطن واد، أو لا يسير به ليلا مع أشباه هذه الشروط (كأن لا يسير وقت القائلة، أو لا يتأخر بها عن القافلة، أو لا يسير فى آخرها، أو لا يسلك بها الطريق الفلانية)، فتعدى ذلك، فتلف شيء مما حمل فى ذلك التعدى فهو ضامن، فأما غير ذلك فلا يصح شرط الضمان فيه، وإن شرطه لم يصح الرشط، لأن ما لا يجب ضمانه لا يصيره الشرط مضمونا، وما يجب ضمانه لا ينتفى ضمانه بشرط نفيه، وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: ((المسلمون على شروطهم))، وهذا يدل على نفى الضمان بشرط وجوبه بشرطه اهـ من "المغني" (١١٨:٦)، قال فى "الدر" عن "الأشباه" وغيرها: "إن الأجر والضمان لا يجتمعان" (٣٥:٥). · يجوز تضمين أهل البابور والبريد على المفتى به: قل: وأما تضمين أهل البريد والبابور فليس من باب ضمان المستأجر، بل هو من باب ضمان الأجير المشترك، وقد عرفت أن المفتى به فيه هو قولهما بالضمان. لا ضمان علی حجام، ولا متطبب عرف منه الحذق: فائدة: لا ضمان علی حجام، ولا ختان، ولا مطيب إذ عرفت منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم. والحاصل أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين: أحدهما: أن يكونوا ذوى حذق فى صناعتهم، ولهم بنها بصارة ومعرفة. لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع. وإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء. الثانى: أن لا تجنى أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغى أن يقطع، فأما إن كان حاذقا وجنت يده ضمن فيه كله، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، وهذا مذهب الشافعى، وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه خلافا اهـ من "المغنى" (١٢٠:٦). قلت: روى مالك فى "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغنى أنك جعلت طبيبا(١) تداوى، فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا، فتدخل النار، فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: متطبب والله! إرجعا إلى، أعيدا قصتكما، اهـ من "جمع الفوائد" (٢٥٩:١). (١) يعنى قاضيا بين الناس. (المؤلف) ج - ١٦ فوائد شتى فى مبحث الإجارة ٢١٤ من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن: وروى أبو داود والنسائى وابن ماجة والحاكم عن ابن عمرو مرفوعا: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) وإسناده صحيح، كما فى "العزيزى" (٣٢٥:٣). يجوز الاستئجار على الختان والمداواة بغير خلاف: قال الموفق: ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، وقطع السلعة، لا نعلم فيه خلافا، ولأنه فعل يحتاج إليه مأذون فيه شرعا فجاز الاستئجار عليه كسائر الأفعال المباحة اهـ (١٢٣:٦). يجوز استئجار الآدمى بغير خلاف: قال: ويجوز استئجار الآدمى بغير خلاف بين أهل العلم، وقد آجر موسى عليه السلام نفسه لرعاية الغنم، واستأجر النبى معَّه، وأبو بكر رجلا ليدلهما على الطريق، وذكر النبى معَ ◌ّه رجلا استأجر أجراء، كل أجير بفرق من درة، وقال: ((إنما مثلكم ومثل أهل الكتاب كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لى من غدوة إلى نصف النهار على قيراط قيراط))، قال: ويجوز الاستئجار للبناء وتقديره بالزمان، أو بالعمل، فإن قدره بالعمل فلا بد من معرفة موضعه، لأنه يختلف بقرب الماء وسهولة التراب، ولا بد من ذكر عرضه، وطوله، وسمكه، وآلة البناء من لبن وطين، وحجر وطين، أو شيد وآخر، أو غير ذلك اهـ (٣٦:٦)، ويدل على ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى والخضر عليهما السلام: ﴿فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾، قال سعيد: "أجرا نأكله"، أى لو تشارطت على عمله بأجرة معينة لنفعنا ذلك، وفيه دلالة على أن الإجارة تضبط بتعين العمل، كما تضبط بتعين الأجل، كذا فى "فتح البارى" (٣٦٦:٥). يجوز استئجار ناسخ لینسخ کتب فقه ونحوه: قال: ويجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه، أو حديث، أو شعرا مباحا، أو سجلات، ولا بد من التقدير بالمدة، أو العمل. فإن قدره بالعمل ذكر عدد الأوراق وقدرها، وعدد السطور فى كل ورقة وقدر الحواشى، ودقة القلم وغلظه، لأن الأجر يختلف باختلافه، فإن عرف الخط بالمشاهدة جاز، قال ابن عقيل: ليس له محادثة غيره حالة النسخ، ولا التشاغل بما يشغل سره ويوجب غلطه، ولا لغيره تحديثه وشغله، وكذلك كل الأعمال التى تختل بشغل السر والقلب كالمقصارة، والنساجة ونحوهما. ٢١٥ فوائد شتى فى مبحث الإجارة إعلاء السنن يجوز أن يستأجر من يكتب له مصحفا: قال: ويجوز أن يستأجر من یکتب له مصحفا فی قول أكثر أهل العلم، روی ذلك عن جابر بن زيد، ومالك بن دينار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال ابن سيرين: لا بأس أن يستأجر الرجل شهرا، ثم يستكتبه مصحفا. وكره علقمة كتابة المصحف بالأجر. ولعله يرى أن ذلك مما يختص فاعله بكونه من أهل القربة، فكره الأجر عليه كالصلاة، ولنا أنه فعل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذ الأجر عليه ككتابة الحديث، وقد جاء فى الخبر ((أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)) اهـ (٣٧:٦). قلت: هذا فى الرقية خاصة، كما مر. يجوز الاستئجار لحصاد الزرع بغير خلاف: قال: ويجوز أن يستأجر لحصاد زرعه، ولا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم وكان إبراهيم بن : أدهم يؤجر نفسه لحصاد الزرع ويجوز أن يقدره بمدة، وبعمل معين مثل أن يقاطعه على حصاد زرع معين أهـ (٣٧:٦). يجوز استئجار الخضير، والكيال، والوزان بغير خلاف: قال: ويجوز استئجار رجل ليدله على طريق. ويجوز استئجار كيال ووزان لعمل معلوم، أو فى مدة معلومة وبهذا قال مالك، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه مخالفا. فإن النبى معَّه، وأبا بكر رضى الله عنه استأجرا عبد الله بن أريقط ليدلهما على طريق المدينة، وفى حديث سويد بن قيس: "أتانا رسول الله عَّ فاشترى منا رجل سراويل، وثم رجل يزن بأجر فقال رسول الله مَ له: زن وارجح"، رواه أبو داود اهـ (٣٩:٦) من استأجر الدار أن يسكنها، أو يسكن غيره فيها بغير خلاف: قال: ومن استأجر عقارا للسكنى فله أن يسكنه ويسكن فيه من شاء ممن يقوم مقامه فى الضرر أو دونه ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به من الرجال والطعام ويخزن فيها الثياب وغيرها مما لا يضر بها، ولا يسكنها ما يضر بها، مثل القصارين والحدادين، لأن ذلك يضر بها، ولا يجعل فيها الدواب لأنها تروث فيها، وتفسدها، ولا یجعل فيها السرجین ولا رحی، ولا شیئا یضر بها، ولا يجوز أن یجعل فيها شيئا ثقيلا فوق سقف، لأنه يثقله، ویکثر خشبه، ولا یجعل فيها شيئا يضر ٢١٦ فوائد شتى فى مبحث الإجارة ج - ١٦ بها إلا أن يشترط ذلك وبهذا قال الشافعى وأصحاب الرأى ولا نعلم فيه مخالفا اهـ (٥١:٦). يجوز للمستأجر إجارة العين المستأجرة: قال: ويجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها، نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وأبى سليمان ابن عبد الرحمن والنخعى والشعبى والثورى والشافعى وأصحاب الرأى، وذكر القاضى فيه رواية أخرى (عن أحمد) أنه لا يجوز، لأن النبى معَّ ((نهى عن ربح ما لم يضمن))، والمنافع لم تدخل فى ضمانه، والأول أصح، لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع اهـ (٥٣:٦). حكم إجارة العين المستأجرة بمثل الأجر وزيادة منه: قال: ويجوز للمستأجر إجارة العين المستأجرة بمثل الأجر وزيادة، نص علیه أحمد، وروى ذلك عن عطاء والحسن والزهرى، وبه قال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر، وروى عن أحمد أنه إن أحدث فى العين زيادة جاز أن يكريها بزيادة وإلا لم تجز الزيادة، فإن فعل تصدق بالزيادة. روى هذا عن الشعبى، وبه قال الثورى، وأبو حنيفة لأنه يربح بذلك فيما لم يضمن، وقد نهى النبى عند الله عن ربح ما لم یضمن اهـ (٥٥:٦). وفى "المحلى" من طريق ابن أبى شيبة نا عباد بن العوام عن عمر بن عامر عن قتادة عن نافع عن ابن عمر أنه قال فيمن استأجر أجيرا فَآجره بأكثر مما استأجره قال ابن عمر: "الفضل للأول"، ومن طريق وكيع نا شعبة عن قتادة عن ابن عمر: "أنه كرهه"، وصح عن إبراهيم أنه قال: "يرد الفضل هو ربا"، ولم يجزه مجاهد، ولا أياس بن معاوية، ولا عكرمة، وكرهه الزهرى بعد أن كان یبیحه، و کرهه ميمون بن مهران وابن سيرين وسعيد بن المسيب وشريح ومسروق ومحمد بن على والشعبى وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأباحه سليمان ابن يسار وعروة بن الزبير، والحسن وعطاء. قال ابن حزم: احتج المانعون من ذلك بأنه كالربا، وهذا باطل، بل هى إجارة صحيحة، ولا فرق بين من ابتاع بثمن، وباع بأكثر، وبين من اكترى بشىء وأكری بأكثر. (قلت: الفرق بين، فإن المبيع يدخل فى ضمان المشترى بعد البيع، والعين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر، فكان إجارتها بأكثر مما استأجرها من ربح ما لم يضمن). قال: والمالكيون يشنعون بخلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف، وهذا مما تناقضوا ٢١٧ فوائد شتى فى مبحث الإجارة إعلاء السنن فيه، لأن ابن عمر لم يجزه ولا يعرف له فى ذلك مخالف من الصحابة. (قلت: فقويت حجة أبى حنيفة بذلك)، قال: وممن قال بقول أبى حنيفة فى ذلك الشعبى، (قلت: لم أدر حكمة هذا التكرار، فقد مر ذكره فى المانعين)، قال: والعجب أنهم قالوا: يتصدق بالفضل، وهذا باطل لأنه إن كان حلالا فلا يلزمه أن يتصدق به إلا أن يشاء، وإن كان حراما عليه فلا يحل له أن يتصدق بما لا يملك اهـ (١٩٨:٨). قلت: بل هو من المشتبهات لصحة الإجارة بدليل ما مر فى المسألة التى قبل هذه، وهى تفيد ملك المستأجر للفضل، وكان هذا الفضل من ربح ما لم يضمنه لما ذكرنا آنفا فلم يطب له، وحكم الملك الخبيث أن يتصدق به، فافهم. قال أحمد: وقال النخعى: لا بأس أن يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم ثم يقبلها بعد ذلك أن يعين فيها، أو يقطع، أو يعطيه سلوكا أو إبرا، أو يخيط فيها شيئا، فإن لم يعنى فيها بشىء فلا يأخذن فضلا، قال الموفق: وهذا يحتمل أن يكون النخعى قاله مبنيا على مذهبه أن من استأجر شيئا لا يؤجره بزيادة، وقياس المذهب (أى مذهب أحمد) جواز ذلك، سواء أعان فيها بشىء أو لم يعن اهـ (ص ٥٦). قلت: وحجة الحنفية أقوى ما يكون فى الباب، وهو نهيه معدّ لّ عن ربح ما. لم یضمن، فتذ کر. يجوز استئجار أمته، وأخته، وبنته لرضاع ولده بغير خلاف دون استئجار امرأته لرضاع ولده منها: قال: ويجوز للرجل استئجار أمته، وأخته، وابنته لرضاع ولده، و کذلك سائر أقاربه بغير خلاف، وإن استأجر امرأته لرضاع ولده منها جاز، هذا الصحيح من مذهب أحمد، وذكره الخرقى سواء كانت فى حبال الزوج، أو مطلقة، وقال القاضى: ليس لها ذلك، وتأول كلام الخرقى على أنها فى حبال زوج آخر، وهذا قول أصحاب الرأى، وحکی عن الشافعى، لأنه قد استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه عوض آخر لذلك اهـ (٧٦:٦). وأيضا فإن إرضاع الولد واجب على الأم ديانة إذا لم يكن بها عجز عنه، ولا يجوز الإجارة على عمل هو واجب على الإنسان عينا، ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ... ) الآية، ولا يرد على ذلك ما أورده الموفق على العلة التى ذكرها بقوله: إن الحبس والاستمتاع غير الحضانة، واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر، ج - ١٦ فوائد شتى فى مبحث الإجارة ٢١٨ كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها اهـ (٧٦:٦). الجواب عن قصة أم موسی فی أخذها الأجر على إرضا عه: ولعل أحمد يحتج بقصة أم موسى حيث أرضعته بأمر فرعون، وأجرى عليها النفقة، ولنا أن نقول: لم يكن أخذها ذلك من باب أخذ الأجرة على الإرضاع، ولو سلم فيجوز للمسلم أن يأخذ أموال أهل الحرب فى دارهم بطيبة أنفسهم بأى وجه كان من غير عذر، وأيضا فلو أقرت بأنها أمه، وأبت عن النفقة لعلم فرعون كونه من بنى اسرائيل، وقتله، ومن ابتلى ببليتين فليختر أهونهما، والله تعالى أعلم. لا يجوز أن يكترى دابة مدة غزاته: قال: ولا يجوز أن يكترى (دابة) مدة غزاته، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الأوزاعى، والشافعى، وأصحاب الرأى، وقال مالك: قد عرف وجه ذلك، وأرجو أن يكون حقيقا، ولنا أن هذه إجارة فى مدة مجهولة، وعمل مجهول فلم يجز، كما لو أكراها لمدة سفره فى تجارته. فإن سمی لکل یوم شیئا جاز: فإن سمى لكل يوم شيئا معلوما جاز، وقال الشافعى: هذا فاسد أيضا، لأن مدة الإجارة مجهولة، ولنا أنه كما لو قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم وهو جائز بدليل ما مر: أن عليا رضى الله عنه آجر نفسه كل دلو بتمرة اهـ ملخصا (٨٥:٦). أجمع أهل العلم على إجارة كراء الإبل إلى مكة وغيرها: قال: أجمع أهل العلم على إجارة كراء الإبل إلى مكة وغيرها، ولأن بالناس حاجة إلى السفر، وقد فرض الله تعالى عليهم الحج، وأخبر أنهم يأتون ﴿ ... رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾، وليس لكل أحد بهيمة يملكها، ولا يقدر على معاناتها، والقيام بها، والشد عليها، قد دعت الحاجة إلى استئجارها، فجاز دفعا للحاجة، إذا ثبت هذا فمن شرط صحة العقد معرفة المتعاقدين ما عقدا عليه. فأما الجمال فيحتاج إلى معرفة الراكبين، والآلة التى يركبون فيها من محمل، أو محارة، أو غيرها، وإن كان مقتبا ذكره، وهل يكون مغطى أو مكشوفا؟ وبماذا يغطى؟ ويحتاج إلى معرفة ٢١٩ فوائد شتى فى مبحث الإجارة إعلاء السنن الوطاء الذى يوطأ به المحمل، والمعاليق التى معه من قربة، وسطيحة، وسفرة، وذكر سائر ما يحمل معه، وبهذا قال الشافعى مع جواز الإطلاق فى الغطاء، والمعاليق، وحملها على العرف فى رواية عنه أبو ثور وابن المنذر: وقال أبو حنيفة: إذا قال: فى المحمل رجلان وما يصلحهما من الوطاء والدثر جاز استحسانا، لأن ذلك يتقارب فى العادة، فحمل على العادة اهـ، وأما المستأجر فيحتاج إلى معرفة الدابة التى يركب عليها، لأن الغرض يختلف بذلك اهـ (٩٢:٦). لا خلاف فى صحة إجارة الراعى، ولا ضمان عليه: قال: ولا نعلم خلافا فى صحة استئجار الراعى، وقد دل عليه قول الله تعالى مخبرا عن شعيب عليه السلام أنه قال: ﴿إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج﴾، وقد علم أن موسى عليه السلام آجر نفسه لرعاية الغنم. إذا ثبت هذا فلا ضمان على الراعى فيما تلف من الماشية ما لم يتعد، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الشعبى، فإنه يروى عنه أنه ضمن الراعى، ولنا أنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد، ولأنها عين قبضها بحكم الإجارة فلم يضمنها من غير تعد، كالعين المستأجرة، فأما ما تلف بتعديه فيضمنه بغير خلاف اهـ (١٢٧:٦). تجوز إجارة الحلى: قال: وتجوز إجارة الحلى، نص عليه أحمد، وبهذا قال الثورى والشافعى وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى، وروى عن أحمد أنه قال: "ما أدرى ما هو؟" وقال مالك فى إجارة الحلى والثياب: "هو من المشتبهات"، ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة، وليس من المقاصد الأصلية اهـ، ولنا أنها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقاء عينها فأشبهت سائر ما تجوز إجارته، وكونها زينة لا يمنع كونها من المقاصد بقوله تعالى: ﴿لتر كبوها وزينة﴾، وقوله: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ الآية (ص ١٢٩). قال العبد الضعيف: ولا يجوز إجارة الدابة ليجنبها بين يديه ولا يركبها، (ويصح لو استأجرها لهما)، ولا لأجل أن يربطها على باب داره ليراها الناس، فيقولوا: له فرس، ولا إجارة ثوب لأجل أن يزين بيته أو حانوته به، لأن هذه منافع غير مقصودة من العين، وكذا لو استأجر طيبا ليشمه، كما فى "الدر مع الشامية" (٣٢:٥). ٢٢٠ فوائد شتى فى مبحث الإجارة ج - ١٦ وقال الموفق فى "المغنى": يجوز استئجار ما يبقى من الطيب، والصندل، وأقطاع الكافور، والند لتشمه المرضى مدة ثم يردونه، لأنها منفعة مباحة فأشبهت الوزن والتحلى، مع أنه لا ينفك من إخلاق وبلی اهـ (١٣١:٦). لا يجوز عندنا استئجار الدار ليتخذها مسجدا: قال: ويجوز استئجار دار يتخذها مسجدا تصلى فيه، وبه قال مالك، والشافعى، وقال أبو حنيفة: لا يصح اهـ (١٣٢:٦). قلت: ومنشأ الخلاف أن الاستئجار على الطاعات لا يجوز عنده، ويجوز عند غيره، وقد مر. الكلام فيه بما لا مزید علیه. لا يجوز الاستئجار لمنفعة محرمة: قال: ولا يجوز الاستئجار لمنفعة محرمة كالزنا، والزمر، والنوح، والغناء، وبه قال مالك، والشافعى، وأبو حنيفة، وصاحباه، وأبو ثور، وكره ذلك الشعبى، والنخعى، لأنه محرم فلم يجز الاستئجار عليه، كإجارة أمة للزنا، ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء ونوحا، وقال أبو حنيفة: يجوز (لأن المحرم هو فعل الغناء والنوح، لا كتابته، وقراءته بلا تغن ونياحة)، قال: ولنا أنه انتفاع بمحرم فأشبه ما ذكرنا، (قلت: وفيه ما فيه). لا يجوز الاستئجار الحمل الخمر ولو نصرانى ويقضى للحمال بالأجر: قال: ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها، ولا على حمل خنزير، ولا ميتة لذلك (أى للأكل)، وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد والشافعى، وقال أبو حنيفة: يجوز لأن العمل لا يتعين عليه، بدليل أنه لو حمله مثله جاز، ولأنه لو قصد إراقته أو طرح الميتة جاز اهـ (١٣٥:٦). قلت: قد اختلفت الروايات عن الإمام فى هذا الباب، فروى عنه جواز بيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا، وقيل: يكره لإعانته على المعصية، وزاد القهستانى معزيا للخانية: أنه يكره بالاتفاق، وبيع أمرد ممن يلوط به لا يجوز عنده، لكون المعصية تقوم بعينه، بخلاف العصير، فإن المعصية لا تقوم به بعينه، بل بعد تغييره إلى الخمرية، كذا فى "الدر مع الشامية" (٣٨٦:٥)، وإذا كان كذلك فيكره حمل الخمر لمن يشربها، لكون المعصية تقوم بعينها، وما فى بعض الروايات من جواز الاستئجار على حملها معناه أنه يقضى للحمال بالكراء، وإن كان الإجارة والاستئجار