النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ج - ١٦ باب کسب الحجام ٥٣٣٢- عن أنس: أن النبى معَّه احتجم، حجم أبو طيبة. وأعطاه صاعين من طعام، وحكم مواليه، فخففوا عنه. وفى لفظ: دعا غلاما منا حجمه، فأعطاه أجره صاعا، أو صاعين. وحكموا إليه أن يخففوا عنه من ضريبته، رواه أحمد والبخارى. ٥٣٣٣- وعن ابن عباس، قال: احتجم النبى معَّه، وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه، رواه أحمد والبخارى ومسلم، ولفظه: حجم النبى مِّ عبد لبنى مباضة، فأعطاه النبى ێ أجره، وحكم سيده، فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سحتا صّلىالله لم يعطه النبى معَّ له. ٥٣٣٤- وعن جابر: ((أن رسول الله عَ لّ احتجم فى الإخدعين وبين الكتفين وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراما لم يطعه))، رواه أبو يعلى، وفيه جبارة بن مفلس، وثقه ابن نمير، وضعفه الأئمة (مجمع الزوائد ٩٤:٤). جنسين لأنه يكون بيع دين بدين اهـ. ففيه أن اختلاف الجنس مجوز للنساء، فلا يتحقق الربا فى جنسين، وليس هذا فى معنى بيع الدين بالدين. لأن المنفعتين معدومتان وقت العقد، والدين اسم الموجود فى الذمة أخر بالأجل المضروب. فأما مالا وجود له وتأخر وجوده إلى وقت فلا يسمى دينا. وأيضا، فإن الإجارة إنما جوزت بخلاف القياس للحاجة. ولا حاجة عند اتحاد الجنس بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة. هذا ملخص ما فى "الهداية وحاشيتها" (٢٩١:٣) ونحوه فى "البدائع" (١٩٤:٤). باب کسب الحجام أقول: اختلف العلماء فيه: فذهب قوم إلى جوازه. واحتجوا بأحاديث الباب. وذهب الآخرون إلى منعه، واحتجوا بما روى عن النبى ◌ّ أنه نهى عنه، وسماه سحتا وخبيثا، وأجاب عنه المجوزون بأن النهى عنه ليس لحرمته بل للدناءة، والخبث محمول على الخبث الطبعى لا الشرعى وكذا السحت. قال فى "القاموس": السحت بالضم وبضمتين الحرام، أو ما خبث من المكاسب، فلزم منه العار اهـ. ويدل عليه أنه معرّ ◌ُلِّ نهى محيصة بن مسعود عن كسب عبده الحجام أشد النهى. ثم لما بالغه فى السؤال قال: ((أعلفه ناضحك أو أطعمه رقيقك)). رواه أحمد وأبو داود، والترمذى وقال: حسن وروى أحمد نحوه عن جابر. فلو كان حراما لم يبح رسول الله عَ ليه ١٦٢ كسب الحجام إعلاء السنن ٥٣٣٥- حدثنا. محمد بن النعمان ثنا الحميدى ثنا سفيان عن أبى الزبير عن جابر، أن النبى عّ لّه قد قال فى كسب الحجام: ((أعلفه الناضح))، أو قال: ((أعلف ذلك ناضحك)، رواه الطحاوى (٢٧٢:٢)، وسنده صحيح. ٥٣٣٦- قال: وحدثنا إبراهيم بن أبى داود ثنا يوسف بن عدى ثنا القاسم بن مالك عن عاصم عن أنس: أن أبا طيبة حجم النبى معَّه وهو صائم، فأعطاه أجره، ولو كان حراما لم يعطه، وهذا سند صحيح أيضًا. ٥٣٣٧- قال: وحدثنا يونس ثنا عبد الله بن وهب أخبرنى موسى بن على بن رباح عن أبيه، قال: كنت عند ابن عباس رضى الله عنهما، فأتته امرأة، فقالت له: إن لى غلاما حجاما وأن أهل العراق يزعمون أنى آكل ثمن الدم. فقال لها عبد الله بن عباس: "لقد كذبوا، إنما تأكلين خراج غلامك، وهذا سند صحيح على شرط مسلم. الانتفاع به. وقد يناقش فيه بأنه الكسب الحرام ليس مما يحرم الانتفاع به مطلقا، لأن سبيله التصدق، فكيف يدل قوله: ((أعلفه ناضحك أو رقيقك)) على الجواز؟ قلنا: وجه الاستدلال أنه عّ لّ أطلق له فى كسب غلامه الحجام فى المستقبل، وبین له مصرفه. فلو كان حراما لم يطلق له فى الكسب فيما بعد، فاندفع المناقشة. وأيضا فالذى سبيله التصدق يجب التصدق به على الفقراء، ولا يجوز صرفه إلى ناضحه ولا رقيقه، لأنه كالإنفاق على نفسه. ويؤيد الإباحة أن الحجم فعل مباح، وليس بواجب على الحجام فيجب أن يطيب أجره كسائر المباحات. وليس هذا بقياس فى مقابلة النص، لأن النص لا يدل على الحرمة كما عرفت. فالقياس ليس لترك النص، بل لصرفه عن الظاهر. وبهذا التقرير اندفع شبهة أخرى، وهى أنا لا نسلم أن ما أعطاه رسول الله عمّ له أبا طيبة كان أجرة لعمله، لم لا يجوز أن يكون تبرعا من رسول الله مرّة. كما كان شفاعته إلى سيده فى تخفيف ضريبته؟ ووجه الاندفاع أنه لما تعارض النصان من حيث الظاهر، ومن حيث التأويل، رجعنا إلى القياس، والقياس يجوزه فحكمنا بالجواز، وأولنا النصين بتأويل موافق للقياس. وحكمنا بأن النهى للتنزيه، وما أعطاه أبا طيبة كان بحسب الأجرة، فتطابق النصوص فيها ووافق القياس، وارتفع القيل والقال، والله أعلم بحقيقة الحال. ثم إعلم أنه سلك ابن القيم فى هذه المسألة سلكا آخر، وقال: أما إعطاء النبى معَ له الحجام أجره فلا يعارض قوله: ((كسب الحجام خبيث)). فإنه لم يقل: إن إعطاءه خبيث، بل إعطاءه إما جـ غيـ غيـ 1 3 ج - ١٦ كسب الحجام ١٦٣ ٥٣٣٨- قال: وحدثنا يونس ثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث قال: حدثنى ربيعة ابن أبى عبد الرحمن الرائى: أن الحجامين قد كان لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهذا مرسل صحيح. واجب، وإما مستحب، وإما جائز، ولكن هو خبيث بالنسبة إلى الآخذ، وخبثه بالنسبة إلى آكله، فهو خبيث الكسب، ولم يلزم من ذلك تحريمه، فقد سمى النبى عّ لّه الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النبى مرّه الحجام أجره حل أكله فضلا عن كون أكله طيبا، فإنه قال: (إنى لأعطى(١) الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارا))، والنبى مّ لّه قد كان يعطى المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة، والفئ مع غناهم وعدم حاجتهم إليه ليبذلوا من الإسلام(٢) والطاعة ما يجب عليهم بذله بدون العطاء، ولا يحل لهم توقف بذله على الأخذ، بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض، وهذا أصل معروف من الشرع أن العقد والبذل قد يكون جائزا، أو مستحبا أو واجبا من أحد الطرفين، مكروها أو محرما من الطرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل ويحرم على الآخذ أن يأخذ، وبالجملة فحبث كسب الحجام من جنس حبث أكل الثوم والبصل، لكن هذا خبيث للرائحة، وهذا خبيث لكسبه اهـ (زاد المعاد ٤٤٢:٢)، ولم أفهم حقيقة هذا الكلام حتى أنظر فيه، فليتدبر الناظر هل له حقيقة، أو هو من جنس كلام المجاذيب؟ الرد على ابن القيم فى مسألة كسب الحجام: قال العبد الضعيف: حاصل ما قاله ابن القيم إنكار الأصل الذى تقرر فى الفقه أن ما حرم أخذه حرم إعطاءه كالربوا، ومهر البغى، وحلوان الكاهن، والرشوة، وأجرة النائحة والزامر إلا فى مسائل الرشوة، لخوف على ماله أو نفسه، وفك الأسير، إعطاء شىء لمن يخاف هجوه، ونحوها، كما فى "الأشباه" (ص ١١٦)، ولا يخفى على عاقل أنهم لم يستثنوا من هذه القاعدة شيئا إلا لأجل الضرورة، وأما ما لا ضرورة فيه فلا، ولا شك فى أنه لم يكن لرسول الله عّ له حاجة إلى (١) محمول على من سأله الصدقة وهو غنى فأخفى غناه، وأظهر فقره، فيحرم له أخذها، ولا يحرم إعطاءه، لأنا أمرنا بأن نكل السرائر إلی الله ونحکم علی الظاهر، ولیس کسب الحجام من هذا الجنس، کما لا يخفى. (٢) كان المؤلفة قلوبهم كفارا فى الظاهر والباطن أو فى الباطن فقط مع دعواهم الإسلام بالألسنة، وإذا كانوا كذلك، فكيف يصح القول بتحريم ما كانوا يأخذونه من النبى ◌ّ؟ فإن ذلك فرع كون الكفار مخاطبين بالفروع وهو محل النزاع مختلف فیه جدا. ١٦٤ كسب الحجام إعلاء السنن ٥٣٣٩- قال: وحدثنا يونس ثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث، أنه قال: وقد أخبرنى يحيى بن سعيد الأنصارى: أن المسلمين لم يزالوا مقرين بأجر الحجامة، ولا ينكرونها، وهذا سند صحيح. إعطاء الحجام أجره، لأنه كان فى سعة من أن يقول له: لا أعطيك أجر الحجامة فاحجمنى بلا أجر، وسأرضيك بما تحب وأعطيك ما ترضى به ولكنه لم يفعل ذلك، بل أعطاه أجره، كما صرح به أنس وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة وصرح هؤلاء الثلاثة بأنه لو كان حراما أو سحتا لم يعطه. الرد على ابن حزم أيضا: فاندحض بذلك قول ابن حزم: لا تجوز الإجارة على الحجامة، ولكن يعطى على سبيل طيب النفس، وله طلب ذلك، فإن رضى، وإلا قدر عمله بعد تمامه. قال: ووجدنا النبى معَّ أعطاه من غير مشارطة لا تجوز اهـ (١٩٢- ١٩٣). قلنا: إن النبى معٍَّ لم يشارطه لكون الأجر معروفا، والمعروف كالمشروط، كما مرفى البيوع وسيأتى، فلا يكون عدم مشارطته دليلا على حرمة المشارطة، وأيضا فلو كان ما يعطى الحجام تبرعا محضا عن طيب نفس فمن أين له أن يطلبه؟ ومن أين لك أن تقدره بقدر عمله؟ فما هكذا يكون التبرع عن طيب النفس، وبالجملة فكلامه متناقض متهافت، وسقط قول ابن القيم: لا يلزم من إعطاء النبى معَّ الحجام أجره حل أكله إلخ. فإن ابن عباس وجابرا وأنسا رضى الله عنهم صرحوا بأن إعطاءه الحجام أجره يدل على حله، وأن هذا ليس من المواضع التى قد استثنيت من الأصل الكلى ((ما حرم أخذه حرم إعطاءه)) بل هو مما ((لو حرم أخذه لحرم إعطاءه))، لخلوه عن الحاجة الشديدة الداعية إلى الإستثناء فافهم، وقد ثبت بقول ربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى: إن المسلمين لم يزالوا مقرين بأجر الحجامة ولا ينكرونها، وهذا منها حكاية الإجماع. وبعد ذلك فلا بد من التأويل فى قوله عزّ ليه: ((كسب الحجام خبيث)) وهو ما ذکرنا أنه أراد الخبث الطبعى لا الشرعى، كما روى ابن حزم من طريق سعيد بن منصور وأبو عوانة عن الفضيل بن طلحة أن ابن عمر قال لرجل كناس للغدرة: انت خبیث، وما كسبت خبيث، وما تزوجت خبیث، حتى تخرج منه کما دخلت فيه، ومثله عن ابن عباس اهـ (١٩٨:٨). وقد أجمعوا على جواز الإجارة والإستيجار على كنس الكنف، ونقل الميتات، والجيف، فلو لم تجز لتضر بها الناس، فأجر الحجام أولى من كل ذلك بالجواز مع كونه خبيثا طبعا. ١٦٥ كسب الحجام إعلاء السنن قال الموفق فى "المغنى": يجوز ان يستأجر حجاما ليحجمه، وأجره مباح، وهذا اختیار أبی الخطاب. وهذا قول ابن عباس، قال: أنا آكله، وبه قال عكرمة والقاسم وأبو جعفر ومحمد بن على بن الحسين وربيعة ويحيى الأنصارى ومالك والشافعى وأصحاب الرأى. وقال القاضى: لا يباح أجر الحجام وذكر أن أحمد نص عليه فى مواضع، وقال: لو أعطى شيئا من غير عقد ولا شرط فله أخذه، ويصرفه فى علف دوابه، وطعمة عبيده، ومؤنة صناعته، ولا يحل له أكله، وممن كره كسب الحجام عثمان وأبو هريرة والحسن والنخعى، وذلك لأن النبى مرّ لآله قال: (( كسب الحجام خبيث))، رواه مسلم. وقال: ((أطعمه ناضحك ورقيقك)) ولنا ما روى ابن عباس قال: احجتم النبى معَضّ. وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حراما لم يعطه، متفق عليه. وفى لفظ: "لو علمه خبيثا لم يعطه". ولأنها منفعة مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فجاز الاستيجار عليها، كالبناء والخياطة، ولأن بالناس حاجة إليها، ولا نجد كل أحد متبرعا بها، فجاز الاستيجار عليها كالرضاع، وقول النبى مرّ لآه فى كسب الحجام: «أطعمه رقيقك)) دلیل على إباحته إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله (لقوله عب له: ((أطعموهم مما تطعمون واكسوهم مما تكسون)). فإن الرقيق آدميون يحرم عليهم ما حرم الله تعالى، كما يحرم على الأحرار وتخصيص ذلك بما أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه. وتسميته كسبا خبيثا لا يلزم منه التحريم، فقد سمى النبى معَّ له الثوم والبصل خبيثين مع إباحتهما أو إنما كره النبى عّ لّه ذلك للحر. تنزيها لدناءة هذه الصناعة. ليس عن أحمد نص فى تحريم كسب الحجام: وليس عن أحمد نص فى تحريم كسب الحجام، ولا الاستئجار عليها، وإنما قال: نحن نعطيه كما أعطى النبى معَّه، ونقول له كما قال النبى عرّ له لما سئل عن أكله، نبهاه وقال: ((أعلفه الناضح والرقيق))، وهذا معنی کلامه فی جمیع الروايات، وليس هذا صريحا فى تحريمه، بل فيه دليل على إباحته، كما فى قول النبى معَّ له وفعله على ما بينا أن إعطاءه دليل على إباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه وهو عليه السلام يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات، فكيف يعطيهم إياها ويمنعهم منها؟ وأمره بإطعام الرقيق دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة (تنزيها) دون التحريم، وكذلك قول الإمام أحمد، وكذلك سائر من كرهه من الأئمة، يتعين حمل كلامهم على هذا، ولا يكون فى المسألة قائل بالتحريم، وإذا ثبت هذا فإنه يكره للحر أكل كسب الحجام، ويكره تعلم ج - ١٦ ١٦٦ باب جواز أجرة الحمام ٥٣٤٠- حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد عّ لّه فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه سیئا فهو عند الله سىء، أخرجه أحمد. صناعة الحجام، وإجارة نفسه لها لما فيها من الأخبار، ولأن فيها دناءة فكره الدخول فيها كالكسح، وعلى هذا يحمل قول الأئمة الذين ذكرنا عنهم الكراهة، جمعا بين الأخبار الواردة فيها، وتوفيقا بين الأدلة الدالة عليها. استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشعر فجائز، و کسبه لا یکون خبيثا بالإتفاق: فأما استئجار الحجام لغير الحجامة، كالفصد وحلق الشعر وتقصيره والختان وقطع شىء من الجسد للحاجة إليه فجائز. وكذلك لو كسب بصناعة أخرى لم يكن خبيثا بغير خلاف. وهذا النهى مخالف للقياس، مختص بالمحل الذى ورد فيه (اتفاقا)، ولأن هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ولا تحريم فيها، فجازت الإجارة فيها وأخذ الأجر عليها كسائر المنافع المباحة اهـ ملخصا (١٢٢:٦ و١٢٣)، وبهذا كله اندحض قول ابن القيم وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر واتضح الحق، وانكشف الغطاء، وظهر الصواب وزال الخفاء، فلله الحمد أهل المجد والثناء وصلى الله على سيدنا النبى محمد وعلى آله وأصحابه النجباء، وعلى الراشدين المهديين الخلفاء. باب جواز أجرة الحمام أقول: احتج به صاحب "الهداية" على جواز أجرة الحمام، ووجه الإستدلال أن المسلمين استحسنوها، وما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، فهى حسنة، والأحسن أن يستدل له بأن الحمامات كانوا فى زمن النبى عّ لّه والناس يدخلونها، فلم ينكر عليهم غير كشف العورة. فدل ذلك على جواز أجرة الحمامات من حيث التقرير، ثم المراد من المسلمين فى قول ابن مسعود هم الصحابة، ويلحق بهم من ضاهاهم فى العلم والعمل، فلا يتم احتجاج المبتدعة على بدعاتهم بأثر ابن مسعود. لأن الذين رأوا هذه البدعات حسنة ليسوا من الصحابة، ولا من الذين لحقوا بهم من حيث العلم والعمل. ١٦٧ جواز أجرة الحمام إعلاء السنن وقال ابن حجر فى "الدراية": إسناده حسن ورواه أيضًا الحاكم فى "المستدرك"، وزاد فيه: "وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلف أبو بكر" وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الطيالسى عن المسعودى عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود، وقال البيهقى: رواية ابن عياش أشبه. وأخرجه البيهقى فى "المدخل" من طريق آخر، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن إسحاق الصاغانى ثنا أبو الجواب ثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله، فذكره (الزيلعى ٢٣٦:٢) ملخصا. الآثار الواردة فى الحمام و دخوله: قال العبد الضعيف: روى أبو داود والترمذى عن عائشة: أن رسول الله عێآ نهی الرجال والنساء عن دخول الحمام، ثم رخص للرجال أن يدخلوا فى المآز، وفى رواية: دخل عليها نسوة من أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكورة التى تدخل نساءها الحمامات؟ قلن: نعم. قلت: أما أنى سمعت رسول الله عَ لّ يقول: ((ما من إمرأة تخلع ثيابها فى غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب))، ولأبى داود عن عمرو بن العاص رفعه: ((ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيه بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوا منها النساء، إلا مريضة أو نفساء)). قال المنذر فى الأول: وأخرجه ابن ماجة والترمذى وقال: حديث حسن، وقال الشوكانى فى "النيل": هو من حديث شعبة عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن أبى المليح عن عائشة، وكلهم رجال الصحيح، وفى الثانى: أخرجه ابن ماجة، وفى إسناده عبدالرحمن بن أنعم الإفريقى، وقد تكلم فيه غير واحد، وعبدالرحمن بن رافع التنوخى قاضى إفريقية قد غمزه البخارى وابن حاتم اهـ، من "العون" (٦٩:٤ و٧٠). قلت: كلاهما مختلف فيهما، وحديثهما حسن. وروى الطبرانى بإسناد فيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث عن عائشة أنها سألت رسول الله عَّ له عن الحمام. فقال: ((إنه سيكون بعدى حمامات ولا خير فى الحمامات للنساء)) الحديث. وعن أم الدرداء، قالت: خرجت من الحمام فلقينى النبى نَ ◌ّه، فقال: ((من أين يا أم الدرداء)) فقلت: من الحمام، فقال: ((والذى نفسى بيده ما من امرأة تضع ثيابها فى غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهى هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل))، رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" بأسانيد، ج - ١٦ ١٦٨ باب التهی عن عسب الفحل ٥٣٤١- عن ابن عمر قال: ((نهى النبى عَّه عن عسب الفحل))، أخرجه البخارى وغيره. ٥٣٤٢- وعن جابر، قال: ((نهى رسول عَّه عن بيع ضراب الحمل))، أخرجه مسلم وغيره. رجال أحدها رجال الصحيح، وعن ابن عباس مرفوعا ((احذروا بيتا يقال له الحمام)). قالوا: يا رسول الله! ينفى الوسخ. قال: ((فاستتر)). ورواه البزار والطبرانى، إلا أنه قال: قالوا: يا رسول الله! إنه يذهب بالدرن، وينفع المريض. ورجاله عند البزار رجال الصحيح اهـ ملخصا، من "مجمع الزوائد" (٢٧٧:١ و٢٧٨)، وفى كل ذلك دلالة على جواز دخول الحمام متسترا، ولا يدخل إلا بأجر، فدل على جواز أجرة الحمام أيضا. وقال ابن حزم: واستئجار الحمام جائز، ولا يجوز عقد إجارة مع الداخل فيه، لكن يعطى مكارمة، لأن مدة بقاءه قبل أن يستوفيه مجهولة، ولا يجوز عقد الكراء على عمل مجهول اهـ ملخصا (٢٠٠:٨). قلت: يا للعجب ممن يجيز إعطاء الغزل للنسج بجزء مسمی منه کربع، أو ثلث، أو نحو ذلك، و كذلك یجیز إعطاء الثوب للخياط بجزء منه مشاع أو معین، وفيه من الجهالة ما لا يخفى، كيف ينكر أجرة الحمام وفيها جهالة يسيرة لا تفضى إلى المنازعة أصلا؟ وأيضا فإن ذلك قياس، والقياس كله باطل عنده وإذا كان بمعرض النص فباطل اتفاقا وقد دلت النصوص على جواز دخول الحمام بالستر، ولا يدخل إلا بأجر، فكل قياس عارضه باطل، فانظر من هو من أصحاب الرأى؟ باب النهى عن عسب الفحل قوله: "نهى رسول الله عَ لَّه". أقول: قال العينى فى "عمدة القارى" (٦٥٧:٥): قد اختلف أهل اللغة فى العسب، هل هو الضراب، أو الكراء الذى يؤخذ عليه، أو ماء الفحل؟ ثم نقل كلامهم. ثم قال: احتج به من حرم بيع عسب الفحل وإجارته، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم على وأبو هريرة، وهو قول أكثر الفقهاء كما حكى عنهم الخطابى، وهو قول الأوزاعى وأبى حنيفة والشافعي وأحمد، وجزم أصحاب الشافعى بتحريم البيع. لأن ماء الفحل غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه، وحكوا فى إجارته وجهين، أصحهما المنع، وذهب ابن أبى هريرة إلى جواز الإجارة عليه، وهو قول مالك، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزوات : ١٦٩ النهى عن عسب الفحل إعلاء السنن معلومة، وعلى مدة معلومة، فإن آجره على الطرق متى يحمل لم يصح، ورخص فيه الحسن وابن سيرين. وقال عطاء: لا بأس به إذا لم يجد بطرقه. وقال ابن بطال: اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم، وذلك عن أبى سعيد والبراء، وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور إلى أنه لا يجوز، واحتجوا بحديث الباب. وروى الترمذى من حديث أنس: أن رجلا من كلاب سأل رسول الله عَّ ◌ُله عن عسب الفحل، فنهاه. فقال: يا رسول الله! إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص فى الكرامة، ثم قال: حسن غريب وفيه جواز قبول الكرامة على عسب الفحل، وأن حرم بيعه وإجارته، وبه صرح أصحاب الشافعى. وقال الرافعى: ويجوز أن يعطى صاحب الأنثى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية، خلافا لأحمد اهـ. وقد حكى ما ذهب إليه أحمد من غير واحد من الصحابة والتابعين، ثم نقل كلامهم، ثم قال: ثم الحكمة فى كراهية إجارته عند من يمنعها أنها ليست من مكارم الأخلاق اهـ. أقول: يرد عليه كسب الحجام، فإنه أيضا ليس من مكارم الأخلاق، وأيضا يرد عليه بيع الكلاب، فإنه أيضا ليس من مكارم الأخلاق. لأنه قال رسول الله عَّ خليه فيه: ((إنها طعمة جاهلية))، فلا يصح هذا التعليل، وعلله فى "رد المختار" بأنه عمل غير مقدور عليه وهو الإحبال، وهذا يصح لو جعل المعقود عليه هو الإحبال، وإن جعل العقود عليه نفس الضراب كما هو المتعارف فلا، والدليل على كون الضراب معقودا عليه أنه لو ظهر عدم الحبل لا يرجع المستأجر على المؤجر بشىء، فالصحيح فى التعليل أن يقال: إن الضراب أيضا غير مقدور عليه، لأنه مبنى على نشاط الفحل ورغبته وهو غير مقدور، ثم هو مجهول لا يدرى كم ينزء؟ وهل يحصل به مقصود الإحبال أم لا؟ فيكون الجهالة مفضية إلى النزاع، وعلله فى "تكملة البحر" بكونه غير متعارف. وقال فى "البدائع": وعلى هذا يخرج ما ذكرنا أيضا من استئجار الفحل للإنزاء استئجار الكلب المعلم والباز المعلم للاصطياد، وأنه لا يجوز، لأن المنفعة المطلوبة منه غير مقدورة الاستيفاء، إذ لا يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال، ولا إجبار الكلب والباز على الاصطياد، فلم تكن المنفعة التى هى معقود عليها مقدورة الاستيفاء فى حق المستأجر، فلم تجزاهـ (١٨٩:٤). وهو صريح فيما قلنا. ١٧٠ ج - ١٦ باب الرخصة فى الكرامة على عسب الفحل ٥٣٤٣- عن أنس بن مالك: أن رجلا من كلاب سأل النبى عّ لّه عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول الله! إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له فى الكرامة، أخرجه النسائي والترمذى وحسنه (الزيلعى ٢٣٧:٢)، وقال ابن حجر فى "الدراية": رجاله ثقات. باب الرخصة فى الكرامة على عسب الفحل أقول: الحديث صريح فى الباب، وهو يدل على أن الكرامة غير الأجرة، لأن الأجرة مشروط فى العقد، وأما الكرامة فهو مجرد تفضل من قبيل جزاء الإحسان بالإحسان، فهو جائز. قال العبد الضعيف: وقال ابن حزم فى "المحلى": قال أبو حنيفة والشافعى وأحمد وأبو سليمان: لا تجوز الإجارة على ضراب الفحل، وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثورى عن شوذب أبى معاذ، قال: قال لى البراء بن عازب: لا يحل عسب الفحل، ومن طريق الأعمش عن عطاء بن أبى رباح قال: قال أبو هريرة: أربع من السحت، ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغى، وكسب الحجام. (قلت: ولكنه سحت دون سحت)، وقال عطاء: لا تعطه على طراق الفحل أجرا إلا أن تجد من يطرقك، وهو قول قتادة. أباح مالك أخذ الأجرة على ضراب الفحل: قال ابن حزم: وأباح مالك الأجرة على ضراب الفحل كرات مسماة ما نعلم لهم حجة أصلا، لا من نص، ولا من نظر، وأوردوا رواية فاسدة موضوعة من طريق (١) عبد الملك بن حبيب، وهو هالك، عن طلق بن السمح ولا يدرى من هو؟ عن عبد الجبار بن عمر، وهو ضعيف: أن ربيعة أباح ذلك، وذكره عن عقيل بن أبى طالب أنه كان له تيس ينزية بالأجرة. (١) قلت: لم أجده فى "المدونة" باللفظ الذى ذكره ابن حزم، وإنما فيه عن ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عمن حدثه عن عقيل ابن أبى طالب كان لا يرى بأسا فى الرجل يكون له تيس يطرقه الغنم ويأخذ عليه الجعل، اهـ (٣: ٤٠١). ومعناه أنه كان يقول ويفتى بجواز عسب التيس، لا أنه كان عنده تيس ينزيه بالأجرة حاشاه منه. قال ابن القاسم: وإنما جوزه مالك لأنه ذكر أن العمل عندهم عليه، وأدرك الناس يجيزونه بينهم، فلذلك جوزه مالك، (رعمل أهل المدينة حجة عنده، فبطل قول ابن حزم: ما نعلم لهم حجة أصلا). ثم روى سحنون عن ابن وهب، قال: سألت عبد العزيز بن أبى سلمة عن ذلك فقال: ((لا بأس بذلك، وقد كانت عندنا دور فيها تيوس تكری لذلك وأبناء أصحاب رسول الله من أحياء، فلم يكونوا ينهون عن ذلك)) اهـ (جـ ٤٠١). قلت: وكل ذلك محمول عندنا على الكرامة دون الإجارة، كما سيأتى. (المؤلف) ١٧١ إعلاء السنن باب الأجرة على تعليم القرآن ٥٣٤٤- قال عثمان بن سعید الدارمی: حدثنا عبد الرحمن بن یحیی بن إسماعيل بن عبيد الله ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم قال ابن حزم: قد أجل الله قدر عقيل فى نسبه وعلو قدره عن أن يكون قياسا يأخذ الأجرة علی قضیب تیسہ اهـ (١٩٢:٨). وقال الموفق فى "المغنى": لا تجوز إجارة الفحل للضراب، وهذا ظاهر مذهب الشافعى، وأصحاب الرأى، وأبى ثور، وابن المنذر، وخرج أبو الخطاب (من الحنابلة) وجها فى جوازه، لأنه انتفاع مباح والحاجة تدعوا إليه فجاز، كإجارة الظئر للرضاع، والبئر للسقى. ولأنها منفعة تستباح بالإعارة فتستباح بالإجارة كسائر المنافع، وهذا مذهب الحسن وابن سيرين. ولنا: أن النبى معَّ ◌ُّه نهى عن عسب الفحل، متفق عليه. وفى لفظ: نهى عن ضراب الجمل. ولأن المعقود عليه الماء الذى يخلق منه الولد، فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين غائبة، فلم يجز، كإجارة الغنم لأخذ لبنها، وهذا أولى، فأن هذا الماء محرم لا قيمة له، فلم يجز أخذ العوض عنه، کالميتة والدم، وهو مجهول، فأشبه اللبن فى الفرع، فإن احتاج إنسان إلی ذلك، ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه، وهو قول عطاء (كما مر)، ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها فجاز، كشراء الأسير، ورشوة الظالم ليدفع ظلمه، وإن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط فأهديت له هدية، أو أكرم بكرامة لذلك، فلا بأس به. لأنه فعل معروفا فجازت مجازاته عليه، كما لو أهدى هدية أهـ (١٢٤:٦). العجب من ابن القيم حيث لم يعرف حديث السنن: والعجب من ابن القيم رحمه الله فى حفظه ووسعة نظره أنه لم يعرف حديث المتن هذا، وقد أخرجه النسائي والترمذى وغيرهما. حيث قال: واحتج أصحابنا بحديث روى عن أنس رضى الله عنه عن النبى عّ لّله أنه قال: ((إذا كان إكرام فلا بأس)). ذكره صاحب المغنى، ولا أعرف حال هذا الحديث ولا من خرجه اهـ "زاد المعاد" (٤٤٣:٢). وقد صدق الله عز وجل: ﴿وفوق كل ذى علم عليم). باب الأجرة على تعليم القرآن أقول: اختلفوا فى جواز الأجرة على تعليم القرآن، فجوزه الشافعى وغيره، ومنعه أبو حنيفة ١٧٢ ج - ١٦ الأجرة على تعليم القرآن الدرداء عن أبى الدرداء، أن رسول الله عّ لّه قال: ((من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلده الله قوسا من نار)) اهـ، وعبد الرحمن ضعفه البيهقى، ووثقه أبو حاتم (الزيلعى ص٢٣٩). قلت: وثقه أيضًا ابن حبان، وصحح له البخارى روايته، كما يظهر من "التهذيب"، باقى رجاله رجال الصحيح. ٥٣٤٥- وأخرج البيهقى فى "شعب الإيمان" من طريق على بن قادم الخراعى عن سفيان الثورى عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم القيامة وجهه عظم ليس عليه لحم)) (الزيلعى ٢٣٩:٢)، وسكت عليه ابن حجر فى "الدراية". ٥٣٤٦- وأخرجه ابن ماجه فى التجارات، عن ثور بن يزيد عن عبد الرحمن بن سلم عن عطية الكلاعى عن أبى بن كعب، قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى إلى قوسا، فذكرت ذلك للنبي عّ لّهِ، فقال: ((إن أخذتها أخذت قوسا من نار))، قال: فرددتها، وقال فى "التنقيح": عبد الرحمن بن سلم ليس بالمشهور، وأدخل المزى فى "الأطراف" بينه وبين ثور خالد بن معدان، وهو وهم منه (الزيلعى ٢٣٩:٢). وغيره. واحتجوا بما روينا فى الباب، والمجوزون قدحوا فى الروايات من حيث السند، ومن حيث أنها منسوخة، أما القدح من حيث السند فقد عرفت حاله فى المتن، وأما القدح من حيث إنها منسوخة، فقال البيهقى فى حديث عبادة بن الصامت: إن ظاهره متروك عندنا وعندهم، فإنه لو قبل الهدية، وكانت غير مشروطة لم يستحق هذا الوعيد، وبه يعلم أن يكون منسوخا بحديث ابن عباس والخدرى (الزيلعى ٢٣٩:٢). والجواب عنه عن قوله فى الحديث: فرأى أن عليه حقا، فأهدى إلى قوسا، يدل على أنه كان أعطاه على وجه العوض، فلذا نهاه مَّه عنه، ويمكن أن يكون من قبيل سد الذرائع، لئلا يجترئ الناس على الأجرة، ويمكن أن يكون من قبيل هدايا العمال. فالحدیث لیس بمتروك الظاهر عندنا، کما زعم البیہقی، ولا تعارض بینه وبین حديث ابن عباس وأبى سعيد الخدرى فى قصة اللديغ، لأنه ليس فيهما جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، بل فيهما جواز الأخذ على الرقى، وهو غير التعليم، فلا نسخ. وقال الشوكانى بعد ما أجاب عن الأحاديث بأجوبة واهية: هذا غاية ما يمكن أن يجاب به عن أحاديث الباب، ولكنه لا يخفى أن مجموع ما تقضى به يفيد ظن عدم الجواز، وينتهض للاستدلال به على المطلوب، وإن كان فى كل طريق من إعلاء السنن الأجرة على تعليم القرآن ١٧٣ وقد روى عن ابى من وجوه أخر فأخرجه الذهبى من طريق أبى إدريس الخولانى عن أبى بن كعب. وقال: هذا مرسل جيد الإسناد، وقال المزى فى "الأطراف": رواه موسى بن على بن رباح عن ابنه عن أبى بن كعب، ورواه محمد بن حجارة عن أبان عن أبى بن كعب، ورواه إسماعيل بن عياش عن عبد ربه بن سليمان عن الطفيل بن عمرو الدوسى عن أبى بن كعب (الجوهر النقى ٣٨:٢). طرق هذا الحديث مقال، فبعضها يقوى بعضا، ويؤيد ذلك أن الواجبات إنما تفعل بوجوبها، والمحرمات إنما تترك لتحريمها، فمن أخذ على شىء من ذلك أجرا فهو من الآكلين لأموال الغير بالباطل، لأن الإخلاص شرط، ومن أخذ الأجرة غير مخلص والتبليغ للأحكام الشرعية واجب على كل فرد من الأفراد قبل قيام غيره به (النيل ١٦٤:٥). ويدل على عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن أيضا حديث ابن عباس فى قصة اللديغ، ووجه الدلالة أن الصحابة قالوا: يا رسول الله مَّطله! إنه أخذ أجرا على كتاب الله، فدل ذلك على أنه كان من المعروف عندهم عدم أخذ الأجرة على كتاب الله، ولكن أخطأوا فى تعميمه للرقية، فردهم ◌َِّ إلى الصواب ببيان أن الرقية ليست بداخلة فيه. ويدل على أن قوله: ((أحق ما اتخذتم عليه أجرا كتاب الله)) مخصوص بالرقية، أن تعليم القرآن إن كان أخذ الأجرة جائزا فلا يكون أحق بأخذ الأجرة عليه من أخذ الأجرة على حمل الطعام، وغير ذلك بالاتفاق لأنها أبعد من شبهة عدم الجواز، بخلاف تعليم القرآن، فإنه ليس كذلك. فقوله: ((أحق)) مخصوص بالرقية، فتدبر. قال العبد الضعيف: وقال الموفق فى "المغنى": القسم الرابع مما لا تجوز الإجارة عليه القرب، التى يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، يعنى يشترط أن يكون مسلما، كالإمامة، والأذان، والحج، وتعليم القرآن نص عليه أحمد، وبه قال عطاء والضحاك بن قيس وأبو حنيفة والزهرى، وكره الزهرى وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف التى يأخذها المعلمون من السحت. وممن كره أجرة التعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبى والنخعى. ثم ذكر ما ذكرناه فى المتن، وقال: ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجر عليها، كما لو استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة، أو التراويح، فأما الأخذ على الرقية فإن أحمد اختار جوازه، وقال: لا بأس. وذكر حديث أبى سعيد، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، والجعالة أوسع من الإجارة، وبهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة. وقوله عليه السلام: ((أحق ما .2 . ١٧٤ الأجرة على تعليم القرآن ج - ١٦ ٥٣٤٧- وعن عبادة بن الصامت، قال: كان النبى عَ لّه إذا قدم رجل مهاجرا دفعه إلى رجل منا نعلمه القرآن. فدفع إلى رجلا كان معى وكنت أقرأه القرآن فانصرفت يوما إلى أهلى، فرأى أن عليه حقا، فأهدى إلى قوسا ما رأيت أجود منها عودا، ولا أحسن سنا عظاما، فأتيت النبي عَ لَّه فاستفتيه، فقال: ((جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها))، رواه أبو داود والحاكم وصححه، وأعله البيهقى بالاضطراب، فقال: قد یروی عن عبادة بن نسىء عن الأسود بن ثعلبة، وقد يروى عنه جنادة بن أبى أمية عن عبادة، وقد يروى عن عبد الرحمن بن أسلم عن عطية عن أبى (الزيلعى ٢٣٩:٢). أخذتم عليه أجرا كتاب الله)) يعنى به الجعل فى الرقية، لأنه ذكر ذلك ... أيضا فى سياق خبر الرقية، (يؤيده ما فى هذا الحديث من قوله مرّه: ((لعمرى لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق)). فكان معنى قوله: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا)) إلخ. أن أحق ما أخذتم بالاسترقاء به أجرا کتاب الله، لکونه شفاء من غير شك، بخلاف غيره من الرقی، فافهم. وأما جعل التعليم صداقا (فى الخبر المشهور: ((زوجتكها بما معك من القرآن))) ففيه اختلاف. وليس فى الخبر تصريح بأن التعليم صداق، وإنما قال: ((زوجتكها على ما معك من القرآن)). فيحتمل أنه زوجها بغير صداق إكراما له. كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، ونقل عنه (أى عن أحمد) جوازه (ويحتمل أنه زوجها لما معه من القرآن طمعا فى غناه لأجله، فإن تلاوة القرآن وحفظه يسهل أبواب الرزق فرجا منه أداء الصداق ولو بعد حين). قال: والفرق بين المهر والأجر أن المهر ليس بعوض محض، وإنما وجب نحلة ووصلة، ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته، وصحح مع فساده بخلاف الأجر فى غيره. فأما الرزق من بيت المال كما ثبت عن عمر: أنه كان يرزق ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر، رواه ابن حزم من طريق ابن أبى شيبة عن صدقة الدمشقى عن الوضين بن عطاء عنه، كما فى "المحلى" (١٩٥:٨). (وهو مرسل فإن الوضين من السادسة لم يدرك عمر، ولكن ابن حزم لا يستحبى من الاحتجاج بمثله إذا وافق غرضه) فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور. لأن بيت المال لمصالح المسلمين فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه، كان من المصالح، وكان للآخذ أخذه لأنه من أهله. وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الأجر وكان ذلك من عمر من غير مشارطة فإنه رأى هؤلاء الثلاثة يعلمون الصبيان برضى أنفسهم لوجه الله فرزقهم من بيت المال لكونهم ممن بذل نفسه للإسلام والمسلمين. ١٧٥ الأجرة على تعليم القرآن إعلاء السنن قلت: رواية الحاكم التى رواها عن بشير بن عبد الله بن يسار عن عبادة بن نسىء عن جنادة بن أمية عن عبادة أقوى من رواية المغيرة بن زياد عن عبادة بن نسىء عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة، ومن رواية عبد الرحمن بن أسلم عن عطية عن أبى بن کعب، فلا اضطراب. أعطى عمار بن ياسر قوما قرأوا القرآن فى رمضان: فلا يعارض ما رواه شعبة وسفيان كلاهما عن أبى إسحاق الشيبانى عن أسير بن عمرو، قال شعبة فى روايته: إن عمار بن ياسر أعطى قوما قرأوا القرآن فى رمضان(١)، فبلغ ذلك عمر، فكرهه. وقال سفيان فى روايته: إن سعد بن أبى وقاص قال: من قرأ القرآن ألحقته فى ألفين. فقال عمر: أو يعطى على كتاب الله ثمنا؟. كما فى "المحلى" (١٩٥:٨). فإن عمارا وسعدا رزقاهم على مجرد القراءة دون التعليم، والقراءة ليس مما يتعدى نفعه إلى المسلمين بخلاف الثانى، وأيضا فإن سعدا رزقهم على قراءة القرآن بالشرط، فأشبه الأجر، فافهم. قال: فإن أعطى المعلم شيئا من غير شرط فظاهر كلام أحمد جوازه (وهو قولنا معشر الحنفية). وكرهه طائفة من أهل العلم، لما تقدم من حديث القوس، والخميصة اللتين أعطيهما أبى، وعبادة من غير شرط. ولأن ذلك قربة فلم يجز أخذ العوض عنها، لا بشرط ولا بغيره، كالصلاة والصيام. ووجه الأول قول النبى مرّ له: ((ما أتاك من غير إشراف نفس ولا مسألة فخذه، وتموله. فإنه رزق ساقه الله إليك))، (رواه البخارى وغيره، كما تقدم). ((وقد أرخص النبى مَّ ◌ُلّ لأبى فى أكل طعام الذى كان يعلمه إذا كان من طعامه(٢) وطعام أهله، (رواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد ربه بن سليمان عن الطفيل ابن عمرو مرفوعا، وابن أبى شيبة عن محمد بن میسر أبی سعد عن موسى بن على بن رباح عن أبيه، أن أبى بن كعب فذكره كما فى "المحلى" (١٩٤:٨). ولأنه إذا كان بغير شرط كان هبة مجردة، فجاز. كما لو لم يعلمه شيئا. فأما حديث القوس والخميصة فقضيتان فى عين، فيحتمل أن النبى معَّ علم أنهما فعلا ذلك لله خالصا فكره أخذ العوض من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك اهـ (١٤٢:٦). (١) فيه دليل على اهتمام الصحابة بختم القرآن فى قيام رمضان. (المؤلف) (٢) أى ولم يكن مما اتحفه به. (المؤلف) ١٧٦ الأجرة على تعليم القرآن ج - ١٦ ٥٣٤٨- وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن یحیی بن أبی کثیر عن زيد بن سلام عن جده عن أبى راشد الجرانى، قال: قال عبد الرحمن بن شبل: سمعت رسول الله عَّ ◌ُّه يقول: ((اقرأوا القرآن ولا تأكلوا))، رواه أحمد من طريق هشام الدستوائى عن يحيى عن أبى راشد الجرانى، وأخرجه البزار من طريق حماد بن يحيى عن يحيى عن أبى سلمة عن أبيه، وأخرجه ابن عدى من طريق ضحاك بن نبراس عن يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة، وضعفه، وخطأ البزار حماد بن يحيى، وصحح رواية معمر (الزيلعى ٢٣٩:٢) ملخصا. الجواب عن إيراد ابن حزم على الحنفية فى مسألة أخذ الأجر على تعليم القرآن: قلت: فاندحض قول ابن حزم: ثم لو صحت (أحاديث النهى عن أخذ الأجر على تعليم كتاب الله) لكانت كلها قد خالفها أبو حنيفة وأصحابه لأنها كلها إنما جاءت فيما أعطى بغير أجرة ولا مشارطة، وهم يجيزون هذا الوجه اهـ. قلنا: حملها أبو حنيفة ومن وافقه على الكراهة، دون التحريم، بدليل قوله: ((ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف نفس)) الحديث. وما كان مكروها من غير شرط، فهو بالمشارطة أشد، كما لا يخفى. دليل جواز ما يبهدى إلى المعلم من غير شرط: يؤيد جواز ما يهدى إلى المعلم من غير شرط ما رواه ابن أبى شيبة، نا وكيع نا مهدى بن مسمون عن ابن سيرين، قال: كان بالمدينة معلم عنده من أبناء أولياء القخام، فكانوا يعرفون حقه فى النيروز والمهرجان، كما فى "المحلى"، وفيه أيضا من طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله هو الطحان عن سعيد بن إياس الجريرى عن عبد الله بن شقيق، قال: كان أصحاب رسول الله مرّ له يكرهون بيع المصاحف وتعليم القرآن بالإرش ويعظمون ذلك. وصح عن إبراهيم: أنه كره أن يشترط المعلم، وأن يأخذ أجرا على تعليم القرآن. وصح عن عبد الله بن يزيد وشريح: لا تأخذ لكتاب الله ثمنا. وقد مر نحوه عن عمر رضى الله عنه. وعن الضحاك بن قيس أنه قال لمؤذن معلم كتاب الله: إنى لأبغضك فى الله، لأنك تتغنى فى أذانك، وتأخذ لكتاب الله أجرا اهـ (١٩٥:٨). فهؤلاء جماعة الصحابة والتابعين إنما كرهوا تعليم القرآن بأجر مشروط، وأما إذا أعطى شيئا من غير شرط فقد صح عن عمر أنه كان يرزق المعلمين من بيت المال، وأن أهل المدينة فى زمن ابن سيرين كانوا يعرفون لهم حقا فى أعيادهم، فعلى ذلك حملنا الأحاديث المروية فى الباب. . ج i ١٧٧ الأجرة على تعليم القرآن إعلاء السنن الرد على ابن حزم ومن وافقه فى إبطال الأحاديث الناهية عن أخذ الأجر على تعليم القرآن: وأما قول ابن حزم: إن الأحاديث فى ذلك عن رسول الله مَّ ◌ُلّه لا يصح منها شىء، فرد عليه، فإن حديث أبى الدرداء مرفوعا: ((من أخذ قوسا على تعليم القرآن قلده الله قوسا من نار))، رجاله عند الدارمى رجال الصحيح. وأما ما ذكره البیهقی عن دحیم أنه قال: ليس له أصل، فرده ابن التر كمانى بأن البيهقى أخرجه هنا بسند جيد، فلا أدرى ما وجه ضعفه و کونه لا أصل له؟ اهـ. وحديث أبي بن كعب من طريق أبى إدريس الخولانى مرسل جيد الإسناد، وله طرق أخرى موصولة، والمرسل إذا ورد بطريق آخر موصولا فهو حجة عند الكل، وحديث عبادة من طريق بشر ابن عبد الله بن يسار صحيح الإسناد، وله طرق فى بعضها الأسود بن ثعلبة. قال البيهقى عن على بن المدينى: إسناده كله معروف إلا الأسود بن ثعلبة، فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث. وقال ابن حزم: هو مجهول لا يدرى (١٩٦:٨). قلت: ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وصحح الحاكم حديثه هذا. وقال صاحب التمهيد: حديث معروف عند أهل العلم، لأنه روى عن عبادة من وجهين، وقد حفظ عن الأسود بن ثعلبة ثلاثة أحاديث أخر: أحدها: عن معاذ بن جبل مرفوعا فى النفساء إذا رأت الطهر فى سبع، أخرجه الحاكم، وقال: الأسود بن ثعلبة شامى معروف، والثانى: عن عبادة فى ذكر الشهداء، والثالث: من روايته عن معاذ بن جبل. وفیه: إنکم علی بینة من ربكم ما لم تظهر فیکم سکرتان، رواهما البزار. ورواه عبد الرحمن بن أبى مسلم عن عطية بن قيس الكلابى عن أبى بن كعب، وعطية هذا تابعى، ذكر صاحب الكمال عن أبى مسهر أنه ولد فى حياة النبى مَّه، فعلى هذا روايته عن أبى محمولة على الاتصال اهـ من "الجوهر النقى". فإعلال البيهقى وابن حزم إياه بالانقطاع ليس بشىء ... وقال الشعبى: لا يشترط المعلم إلا أن يعطى شيئا فليقبله، علقه البخارى، ووصله ابن أبى شیبة، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة: أحدث الناس ثلاثة لم یکن یؤخذ علیهن أجر، ضراب الفحل، وقسمة الأموال والتعليم اهـ من "فتح البارى" (٣٧٣:٤). وهو يشعر بكراهة أخذ الأجر على التعليم، لكونه محدثا، كأخذهم الأجر على ضراب الفحل، وهو منهى عنه، فلا حجة فى فعل من أحدثه. وقال ابن الجوزى: وقد أجاب أصحابنا عن هذين الحديثين أى حديث أبى سعيد وابن عباس فى رقية الصحابة بأم القرآن وأخذهم الأجر عليها بثلاثة أجوبة: أحدها: أن القوم كانوا كفارا، فجاز أخذ أموالهم (أى بطيبة أنفسهم، ولو كان العقد فاسدا). ١٧٨ ج - ١٦ باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بكتاب الله ٥٣٤٩- عن ابن عباس، أن نفرا من أصحاب النبى معَّه مروا بماء فيه لديغ، أو سليم، فعرض لهم رجل من الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ فإن فى الماء رجلا لديغا، أو سليما فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله عَ ليه: ((إن أحق ما أخدتم أجرا عليه كتاب الله))، رواه البخاری، وروى الجماعة إلا النسائی عن أبی سعید معناه. وروى أبو داود وأحمد عن خارجة بن الصلب عن عمه وقال فيه: فأتيت النبى معَّ ◌ُلّه فأخبرته فقال: ((خذها، فلعمرى من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق)) (نيل الأوطار ١٧٦:٥ و١٦٨). ميل الخصوم إلى قول الحنفية بجواز الربا فى دار الحرب: (وهذا ميل منهم إلى قول الحنفية بجواز عقد الربا فى دار الحرب)، والثانى أن حق الضيف واجب (أى على أهل الصلح والذمة) ولم يضيفوهم، والثالث أن الرقية ليست بقربة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها. وقال القرطبى فى شرح مسلم: ولا نسلم أن جواز الأجر فى الرقى يدل على جواز التعليم بالأجر، والحديث إنما هو فى الرقية، والله أعلم اهـ (الزيلعى ٢: ٢٤٠). باب جواز أخذ الأجرة على الرقیة بکتاب الله أقول: الأحاديث نص فى الباب، واحتج المجوزون للأجرة على تعليم القرآن بقوله: ((أحق ما اتخذتم عليه أجرا كتاب الله)). ولا دليل لهم فيه، بل هو يدل على خلافه، لأنه يعلم منه الصحابة كانوا عارفين بأن أخذ الأجرة على كتاب الله حرام، وكانوا مصيبين فى ذلك، إلا أنهم أخطأوا فى تعميمه الرقية، فبين لهم النبى معَّه أن الرقية ليست منه، بل الرقية بالكتاب أحق بأخذ الأجرة عليها من الرقية بغيرها. فقوله: ((أحق ما اتخذتم عليه أجرا كتاب الله)) مخصوص بالرقية، ولا يشمل التعليم والقراءة، كما يدل عليه السياق. والعجب من ابن حجر أنه قال فى رد قول من قال: إن المراد من الأجر الثواب الأخروى: إن سياق القصة التى فى الحديث يأبى هذا التأويل. ولم يتدبر أنه كما يأبى هذا التأويل كذلك يأبى تأويل من قال: إنه يدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فكيف يسلم تأويلهم؟ بالجملة الحديث دليل للحنفية لا لغيرهم، وعلى هذا لو سلم ضعف ما أوردنا فى الباب السابق لا يضرنا، فإن حديث ابن عباس الذى هو صحيح بالاتفاق يدل على عدم جواز ١٧٩ إعلاء السنن باب عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان وسائر القرب ٥٣٥٠- عن عثمان بن أبى العاص، قال: يا رسول الله! اجعلنى إمام قومى، قال: ((أنت إمامهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا))، أخرجه أصحاب السنن الأربع، وأحمد، والحاكم وصححه على شرط مسلم. وفى لفظ للترمذى وابن ماجه: "إن من آخر ما عهد إلى النبى عّ لّ أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا"، وأخرجه أيضًا ابن سعد فى "الطبقات" عن موسى بن طلحة مرسلا، فقال: بعث رسول الله عَّ له عثمان بن أبى العاص على الطائف وقال له: ((صل لهم صلاة أضعفهم ولا يأخذ مؤذنك على الأذان أجرا)). ٥٣٥١- وعن المغيرة بن شعبة، قال: قلت: يا رسول الله! اجعلنى إمام قومى، قال: ((قد فعلت))، ثم قال: ((صل بصلاة أضعف القوم، ولا تتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا))، أخرجه البخارى فى "تاريخه". أخذ الأجرة على تعليم القرآن، كما عرفت فتأمل فيه، والله أعلم بالصواب .. باب عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان وسائر القرب أقول: دلالة الأحاديث على عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان ظاهرة، وعلى سائر القرب بالقياس عليها، لاشتراك العلة. الرد على ابن حزم فى تفريقه بين الأذان، والصلاة، وتعليم القرآن فى الإجارة: قال العبد الضعيف: وأغرب ابن حزم حيث فرق بين الأذان والصلاة وتعليم القرآن، وقال: لا تجوز الإجارة على الصلاة، ولا على الأذان، والرجارة جائزة على تعليم القرآن، وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة، واحتج على الأول بحديث عثمان بن أبى العاص المذكور فى المتن، واحتج على الثانى بحديث الرقية، وقد مر الجواب عنه، وأنه لا دلالة فيه على جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن، فإن الرقية ليس من القربة فى شىء، ولا يخفى على الفقيه أن عدم جواز الإجارة على الأذان يستلزم عدم جوازها على سائر القرب لاشتراك العلة، ولكن أهل الظاهر لا يفقهون. ومن الغرائب قول ابن حزم بجواز أخذ الأجرة فى التطوع بالأذان، والصلاة، والصوم عن غيره، وفى أداء الفرض عن عاجز، أو ميت، كالصيام، أو الصلاة المنسية، والمنوم عنها، والمنذورة. قال: فهذه تؤدى عن الميت، فالإجازة فى أدائها عنه جائزة (١٩٢:٨). وهذا كله قياس بمعرض ج - ١٦ عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان وسائر القرب ١٨٠ ٥٣٥٢- وعن یحیی البكاء، قال: سمعت رجلا قال لابن عمر: إنى أحبك فى الله، فقال له ابن عمر: وأنا أبغضك فى الله، قال: سبحان الله! أنا أحبك فى الله، وأنت تبغضنى فى الله، قال: نعم! فإنك تأخذ على أذانك أجرا، أخرجه ابن عدى، وأعله بيحيى البكاء، وقال: ليس بذاك المعروف، ولا له كثير رواية (نصب الراية ٢٤٠:٢) ملخصا. النص، فقد صح عن النبى مَ ◌ّه النهى عن الإجارة فى الأذان، وتعليم القرآن، والقرب كلها فى حكمهما، والنهى مطلق فى فعلها عن نفسه، أو عن غيره، وفى الفرض والتطوع جميعا، فلا يجوز تقييدها بالواجب، وعن فعلها عن نفسه، دون غيره. وأما القياس على الحج عن الغير، فما أبعد أهل الظاهر عن القياس! فإن الحج عبادة مركبة، كما تقرر فى الفقه، فهى بين البدنية والمالية، والنيابة لا تجرى فى البدنية مطلقا، وتجرى فى المالية مطلقا، وفيما هو مركب منهما تجرى عند العجز لا عند القدرة، والمأمور بالحج لا يكون أجيرا للآمر، بل هو نائب عنه، وأحاديث جواز الحج عن الغير لا تدل إلا على جواز النيابة فيه عند العجز، لا على جواز الإجارة فيه، ومن ادعى فعليه البيان، ولكن أهل الظاهر لا القياس يحسنون، ولا الآثار يتبعون. نعم! لو كان إمام المسجد أو مؤذنه قيما للمسجد یسرج قناديله، ویکنسه، ويغلق بابه ويفتحه فأخذ أجرا على خدمته، أو كان النائب فى الحج يخدم المستنيب له فى طريق الحج، ويشد له، ويرفع حمله، ويحج عن أبيه فدفع له أجرا لخدمته لم يمتنع ذلك - إن شاء الله تعالى- لأن هذه الأفعال تقع قربة تارة، وغير قربة أخرى، وكذلك لو عينوا للمعلم وقتا وموضعا للدرس، وأمروه أن يعلم فى وقت معلوم فى موضع معلوم يتقيد به وأعطوه أجرا على ذلك فلا بأس به، فإن التقيد بوقت، وبموضع للتعليم ليس من القربة فى شىء، بل هو تقييد فى أمر كان المعلم فى مندوحة عنه شرعا، فافهم، والله تعالى أعلم. وفى "الهداية": وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم (أى لاختلال نظام بيت مال المسلمين) ولأنه ظهر التوانى فى الأمور الدينية، ففى الامتناع تضييع حفظ القرآن، وعليه الفتوى. وفى "العناية" عن أبى عبد الله الخير أخرى: يجوز فى زماننا للإمام والمؤذن والمعلم أخذه الأجرة اهـ. وفى "الكفاية": هؤلاء المشايخ هم أئمة بلخ فإنهم اختاروا قول أهل المدينة اهـ (٤٠:٨).