النص المفهرس

صفحات 141-160

ج - ١٦
جواز هبة الدین ممن علیه الدین
١٤١
٥٣١٢- ووهب الحسن بن على عليهما السلام دينه لرجل.
٥٣١٣- وقال النبى عّ لّه: ((من كان له علیه حق فليعطه أو لیتحلله منه)) اهـ،
قال الحافظ فى "الفتح" (١٦٥:٥): وصله أى أثر الحكم بن أبى شيبة عن أبى داود
عن شعبة، قال: قال لى الحكم: أتانى ابن أبى ليلى يعنى محمد بن عبد الرحمن فسألنى
عن رجل كان له على رجل دين فوهبه له، أله أن يرجع فيه؟ قلت: لا! قال شعبة:
فسألت حمادا فقال: بلى! له أن يرجع فيه. وقال فى أثر الحسن: لم أقف على من وصله،
وقال فى المرفوع: مله مسدد فى "مسنده"، وقد تقدم موصولا بمعناه فى كتاب
المظالم (من الصحيح).
لرجل فوهبه له ربه، وأبرأه منه، وقبل البراءة، أنه لا يحتاج فيه إلى قبض، لأنه مقبوض فى ذمته.
وإنما يحتاج فى ذلك إلى قبول الذى عليه الدين. واختلفوا إذا وهب دينا له على رجل لرجل آخر.
فقال مالك: يجوز إذا سلم إليه الوثيقة بالدين وأحله محل نفسه (أى سلطه عليه). فإن لم يكون
وثيقة وأشهدا على ذلك، وأعلنا فهو جائز. وقال أبو ثور: الهبة جائزة أشهدا أو لم يشهدا إذا تقاررا
على ذلك، وقال الشافعى وأبو حنيفة: الهبة غير جائزة، لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة، انتهى.
وعند الشافعية فى ذلك وجهان، جزم الماوردى بالبطلان، وصححه الغزالى ومن تبعه، وصحح
العمرانى وغيره الصحة. قيل: والخلاف مرتب على البيع إن صححنا بيع الدين من غير من عليه
فالهبة أولى، وإن منعناه ففى الهبة وجهان. وقال أصحابنا الحنفية: تمليك الدين من غير من هو عليه
لا يجوز، لأنه لا يقدر على تسليمه، ولو ملكه ممن هو عليه يجوز، لأنه إسقاط وإبراء، كذا فى
"عمدة القارى" (١٨٩:٦)، ومفاده أن لا يكون للدائن الواهب حق الرجوع فيه، لكونه قد أسقط
حقه، والساقط لا يعود.
وفى "الدر المختار": هبة الدين ممن عليه الدين وإبراءه عنه يتم من غير قبول، لكن يرتد بالرد
فى المجلس وغيره، لما فيه من معنى الإسقاط، وقيل: يتقيد بالمجلس، كذا فى العناية، لكن فى
"الصیرفیة": لو لم يقبل ولم یرد حتی افترقا ثم بعد أیام رد لا یرتد فى الصحيح. لكن فى
"المجتبى": الأصح أن الهبة تمليك والإبراء إسقاط (وأنت خبير بأن هذا الاستدراك مخالف
للمشهور "الشامى"). قال: وتمليك الدين ممن ليس عليه الدين باطل، إلا فى ثلث. حوالة، ووصية،
وإذا سلطه أى غير المديون على قبضه فيصح حينئذ، ومنه ما لووهبت من ابنها ما على أبيه فالمعتمد
الصحة للتسليط اهـ. أى إذا سلطته على القبض، فقول الشارح للتسليط أى التسليط صريحا،

١٤٢
إعلاء السنن
باب الإبراء عن حق مجهول
٥٣١٤- روينا من طريق ابن المبارك عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع مولى
أم سلمة عن أم سلمة، قالت: أتى رسول الله عَ لّه رجلان يختصمان فى مواريث لهما،
لفظ عيسى: عن أسامة يختصمان فى مواريث وأشياء قد درست، لم تكن لهما بينة إلا
دعواهما، فقال النبى عّ لّه، فذكر الحديث، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما:
حقى لك، فقال لهما النبى ◌ّ له: ((أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم
استهما، ثم تحالا))، رواه أبو داود (٣٢٩:٣)، وسكت عنه هو والمنذری.
٥٣١٥- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو
شىء فلتحلل منه اليوم)). الحديث رواه البخارى، وأحمد، والترمذى وصححه. وقالا
فيه: ((مظلمة من مال أو عرض)) وقد تقدم فى باب الصلح عن مجهول.
٥٣١٦- وعن الفضل بن عباس رضى الله عنهما فى خطبة النبى معَّه فى مرضه
أنه قال: ((ألا وإن من أحبكم إلى من أخذ حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله وأنا طيب
النفس))، الحديث بطوله رواه الطبرانى وأبو يعلى، وفى إسناد أبى يعلى عطاء بن مسلم،
وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٦:٩).
لا حكما، كذا فى "الشامية" (٧٩٥:٤).
قلت: فلو سلم إليه الوثيقة لم يجز، إلا إذا سلطه على قبضه وأحله محل نفسه، فيصير كأنه
وهبه حين قبضه، ولا يصح إلا بقبضه. قال السائحانى: وحينئذ يصير وكيلا فى القبض عن الآمر،
ثم أصيلا فى القبض لنفسه (ولعل هذا هو مراد مالك بقوله: يجوز إذا سلم إليه الوثيقة وأحله محل
نفسه، كما تقدمت الإشارة إليه). قال: ومقتضاه صحة عزله عن التسليط قبل القبض، وإذا قبض
بدل الدراهم دنانير صح، لأنه صار الحق للموهوب له، فملك الاستدلال وإذا نوى (الواهب) فى
ذلك التصدق بالزكاة أجزاه، كما فى "الأشباه" اهـ من الشامية أيضا، والله تعالى أعلم.
باب الإبراء عن حق مجهول
قوله: "روينا من طريق ابن المبارك" إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على
معنى الباب ظاهرة. أما الأول: فلأن الأشياء الدارسة الأظهر أنها تكون مجهولة. وفيه ((ليحلل أحد
كما صاحبه)). ولم يقل: ((بعد معرفته بماله على الآخر)) فدل على جواز الإبراء عن مجهول.

ج - ١٦
الإبراء عن حق مجهول
١٤٣
وأما الثانى: فلأن قوله: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه أو شىء)) مطلق فى كل شىء معلوما
كان أو مجهولا، وكذا قوله: ((فليتحلل منه اليوم)) مطلق فى طلب التحلل من كل مظلمة.
قال الحافظ فى "الفتح": وإطلاق الحديث يقوى من ذهب إلى صحته أى صحة الإبراء عن
المجهول (٧٣:٥). وأما الثالث: فلأنه معَّ قال: ((أو حللنى)) ولم يقل: ((أو عرفنى به وحللنى))
فطلب التحلل فى كل حق لأحد لم يكن يعلمه هو مَ ◌ّ فداه أبى وأمى. وقد مر بسط الكلام فى
ذلك فى باب الصلح عن مجهول، فليراجع.
وقال الموفق فى "المغنى": تصح البراءة من المجهول إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته. وقال
أبو حنيفة: تصح مطلقا. وقال الشافعى: لا تصح، إلا أنه إذا أراد ذلك قال: أبرأتك من درهم إلى
ألف، لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر، فإذا رضى بالجملة فقد زال الغرر، وصحت البراءة. ولنا
أن النبى معَّ ◌ُلّه قال لرجلين اختصما إليه فى مواريث قد درست: ((اقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما،
ثم تحالا)). ولأنه إسقاط فصح فى المجهول، كالعتاق والطلاق. وكما لو قال: من درهم إلى ألف،
ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة، ولا سبيل إلى العلم بما فيها، فلو وقفت صحة البراءة على العلم
لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم، وتبرئة ذمة، فلم يجز ذلك، كالمنع من العتق. وأما إذا
كان من إليه الحق يعلمه ويكتمه المستحق؛ خوفا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه فينبغى أن
لا تصح البراءة فيه لأن فيه تغريرا، وقد أمكن التحرز منه اهـ ملخصا (٢٥١:٦).
حكم الإبراء العام:
وفى "الأشباه": الإبراء العام يمنع الدعوى بحق قضاء لا ديانة إن كان بحيث لو علم بماله
من الحق لم يبرأ، كما فى "شفعة الولوالجية". لكن فى "خزانة الفتاوى": الفتوى على أنه يبرأقضاء
وديانة، وإن لم يعلم به اهـ. قال الحموى: ما ذكره فى "الولوالجية" قول محمد رحمه الله، وما
ذكره فى "الخزانة" قول أبى يوسف رحمه الله. وعبارة "الخزانة" فى كتاب الكراهية: رجل قال
لآخر: حللنى من كل حق لك على إن كان صاحب الحق عالما بما عليه برئ المديون حكما وديانة،
وإن لم يكن عالما بما عليه يبرأ حكما ولا يبرأ ديانة فى قول محمد. وقال أبو يوسف يبرأ حكما
وديانة، وعليه الفتوى اهـ (ص ٢٧١). قلت: ولا يخفى أن قول محمد أحوط وأضبط، وقول أبى
يوسف أقيس وأرفق، وقول أحمد أولى وأوسط، والله تعالى أعلم.

١٤٤
إعلاء السنن
باب بطلان الهبة بموت الواهب أو الموهوب له قبل القبض
٥٣١٧- عن أم كلثوم بنت سلمة، قالت: لما تزوج رسول الله عّ لّه أم سلمة قال
لها: ((إنى قد أهديت إلى النجاشى حلة وأواقى مسك، ولا أرى النجاشى إلا قد مات،
ولا أرى هديتى إلا مردودة على، فإن ردت فهی لك». رواه أحمد وقال الحافظ فی
"الفتح": إسناده حسن، وقد تقدم فى أول كتاب الهبة.
باب بطلان الهبة بموت الواهب أو الموهوب له قبل القبض
قوله: عن أم كلثوم إلى آخر الباب، قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على معنى الباب ظاهرة.
وفى الباب عن أبى بكر الصديق وعثمان رضى الله عنهما، كما تقدم فى باب القبض فى الهبة.
قال الموفق فى "المغنى": وإن مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة، سواء
كان قبل الإذن فى القبض، أو بعده، لأنه عقد جائز، فبطل بموت أحد المتعاقدين، كالوكالة
والشركة. قال أحمد فى رجل أهدى هدية فلم تصل إلى المهدى إليه حتى مات: فإنها تعود إلى
صاحبها مالم يقبضها. ثم ذكر حديث أم كلثوم بنت سلمة، وقال: وإن مات صاحب الهدية قبل
أن تصل إلى المهدى إليه رجعت إلى ورثة المهدى، وليس للرسول حملها إلى المهدى إليه، إلا أن
يأذن له الوارث، ولو رجع المهدى فى هديته قبل وصولها إلى المهدى إليه صح رجوعه فيها، والهبة
كالهدية. وقال أبو الخطاب (من الحنابلة): إذا مات الواهب قام وارثه مقامه فى الإذن فى القبض
والفسخ، وهذا يدل على أن الهبة لا تنفسخ بموته، وهذا قول أكثر أصحاب الشافعى، لأنه عقد مآله
إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت، كالبيع المشروط فيه الخيار اهـ (٦: ٢٥٠).
ولنا أنه عقد ليس مآله إلى اللزوم، فكان عقدا جائزا غير لازم، ألا ترى أن الواهب أن يرجع
فى هبته ولو بعد قبض الموهوب له، كما مر مع دلائله، والهبة لا تتم ولا تفيد الملك إلا بالقبض
بخلاف البيع، فافترقا.
الفرق بين الهبة والهدية:
وقد فرق العينى فى "العمدة" بين الهبة والهدية: بأن الهبة عقد من العقود يحتاج إلى
إيجاب، وقبول، وقبض، والهدية ليست كذلك، وقد يشترط العوض فى الهبة، ولا يشترط فى
الهدية اهـ (٢٩٤:٦). وهذا مما لم أره لغيره، والظاهر أن الهدية قد تشتمل على الإيجاب والقبول
بالمعاطاة دون اللفظ فهى نوع من أنواع الهبة، ولا بد لتمام كل واحد منهما من القبض، فافهم.

ج - ١٦
بطلان الهبة بموت الواهب أو الموهوب له قبل القبض
١٤٥
٥٣١٨- وعن أبى موسى الأشعرى، قال: قال عمر بن الخطاب: الإنحال ميراث
ما لم يقبض، رواه البيهقى بسنده، وهو صحيح، كما تقدم فى باب القبض فى الهبة.
تعليق الهبة بشرط:
فائدة: قوله مِّ لأم سلمة رضى الله عنها: ((فإن ردت فهى لك)) لم يكن هبة بالتعليق، بل
عدة. كقوله لجابر رضى الله عنه: ((لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا)) فهذه
عدة لا عطية. وقد أنفذ أبو بكر رضى الله عنه هذه العدة بعده عليه السلام. وهم لا يختلفون فى أن
من قال ذلك ثم مات ينفذ قوله بعد موته.
قال الموفق فى "المغنى": ولا يصح تعليق الهبة بشرط لأنها تمليك العين فى الحياة فلم يجر
تعليقها على شرط، كالبيع، فإن علقها على شرط كقول النبى عرّ له لأم سلمة: ((إن رجعت هديتنا
إلى النجاشى فهى لك)) كان وعدا. وإن شرط فى الهبة شروطا تنافى مقتضاها نحو أن يقول:
وهبتك هذا بشرط أن لا تهبه أو لا تبيعه أو بشرط أن تهب فلانا شيئا، لم يصح الشرط. وفى صحة
الهبة وجهان بناء على الشروط الفاسدة فى البيع. (قلت: وقد مر مذهبنا معشر الحنفية أن الشرط
فى الهبة إذا كان يمنع التمليك بطل الشرط والهبة جميعا. وإن كان لا يمنعه صحت الهبة، وبطل
الشرط كما فى العمرى). وإن وقت الهبة، فقال: وهبتك هذا سنة ثم يعود إلى، لم يصح، لأنه عقد
تمليك لمعين فلم يصح موقتا كالبيع اهـ (٢٥٦:٦).
فروع تتفرع من اشتراط القبض فى الهبة:
قال الموفق: ومتى قلنا: إن القبض شرط فى الهبة لم تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه. كالعبد
الآبق، والجمل الشارد، والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه من الغاصب. وبهذا يقول
أبو حنيفة والشافعي، لأنه عقد يفتقر إلى القبض فلم يصح فى ذلك كالبيع. قال: ولا تصح هبة
الحمل فى البطن، واللبن فى الضرع. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى وأبو ثور، (ولو فصله أى اللبن
وسلمه جاز لزوال المانع، وهل يكفى فصل الموهوب له؟ ظاهر الدرر نعم (الشامى ٧٨٢:٤). لأنه
مجهول معجوز عن تسليمه. وفى الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه (وعندنا هو
كاللبن فى الضرع). ومتى أذن له فى جز الصوف وحلب الشاة كان إباحة.
(وعندنا لا حاجة له إلى الإذن فى المجلس، فله أن يجز الصوف ویحلب الشاة بغير إذنه،
لصحة الهبة موقوفة على زوال المانع من القبض، فله أن يزيله، كما للواهب أن يسلمه إليه مفصولا،
هذا هو ظاهر كلام "الدر").

١٤٦
بطلان الهبة بموت الواهب أو الموهوب له قبل القبض
إعلاء السنن
وإن وهب دهن سمسمة قبل عصره، أو زيت زيتونة لم يصح. وبهذا قال الثورى والشافعى
وأصحاب الرأى، ولا نعلم لهم مخالفا، ولا تصح هبة المعدوم كالذى تثمر شجرته، أو تحمل أمته.
لأن الهبة عقد تمليك فى الحياة فلم يصح فى هذا كله كالبيع اهـ (٢٥٥:٦). وقال فى "الدر":
بخلاف دقيق فى بر، ودهن فى سمسم، وسمن فى لبن حيث لا يصح أصلا، أى وإن سلمها مفرزة
لأنه معدوم أى حكما. وكذا لو وهب الحمل وسلم بعد الولادة لا يجوز، أى بالهبة السابقة، لأن
فى وجوده احتمالا، فصار كالمعدوم، فلا يملك إلا بعقد جديد اهـ (٧٨٢:٤)، وإذا كان عقدا
جدیدا فلا بد من تحقق أركانه وشرائطه، كما لا يخفى.
تأويل حديث فى قصة موسى فى هبة المعدوم:
وأما ما رواه أبو يعلى عن أنس ورجاله رجال الصحيح قال: لما دعا نبى الله عَّ ◌َّه موسى
صاحبه إلى الأجل الذى كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولها.
قال: فعمد، فوضع حبالا على الماء، فلما رأت الحبال فرغت، فجالت جولة، فولدن كلهن برقا إلا
شاة واحدة. فذهب بأولادهن ذلك العام. وروى البزار عن عتبة ابن النذر: أن رسول الله عرّ له سئل
أى الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أبرهما وأوفاهما)). ثم قال النبى معَ له: ((لما أراد موسى فرق شعيب
صلى الله عليهما أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون بها فأعطاها ما ولدت
غنمه فى ذلك العام من قالب لون قال: فما مرت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه فولدت قوالب
ألوان كلها)). قال: وقال رسول الله عَ لّه: ((إذا افتتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها وهى
السامرية)) اهـ مختصرا. وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح،
خلا عمر بن الخطاب السجستانى، وهو ثقة ولم يضعفه أحد(مجمع الزوائد ٤: ١٥٠). فليس من
باب هبة ما لم يولد، وإنما هو من باب الوعد، ونبى الله إذا وعد لم يخلف، والله تعالى أعلم.
لا يصح استثناء الحمل فى هبة الجارية:
فائدة: وإذا لم يصح هبة الحمل لم يصح استثناءه أيضا، فمن وهب جارية إلا حملها
صحت الهبة، وبطل الإستثناء، لأن الإستثناء لا يعمل إلا فى محل يعمل فيه العقد، والهبة لا تعمل
فى الحمل لكونه وصفا، فانقلب شرطا فاسدا، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، كذا فى "الهداية
(٢٧٥:٣)، وفيه خلاف أحمد، ذكره فى "المغنى" (٢٥٦:٦).

١٤٧
ج - ١٦
باب يقبض للطفل أبوه
٥٣١٩- روى: عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عروة، أخبرنى المسور بن
مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: لا نحل إلا لمن
حازه وقبضه عن أبيه. قال الزهرى: فأخبرنى سعيد بن المسيب، قال: فلما كان عثمان
شكى ذلك إليه فقال عثمان: نظرنا فى هذه النحول فرأينا أحق من يحوز على الصبى
أبوه (المحلى ١٢٢:٧)، وقال هذه أصح رواية فى هذا.
يجوز إرسال الهدية على يد صبى يعرف المهدی له:
فائدة: يجوز إرسال الهدية على يد صبى، ويجوز للمهدى له قبولها، فقد روى أحمد عن
عبدالله بن بسر صاحب النبى معَّ اللّه قال:((كانت أمى تبعثنى بالهدية إلى رسول الله مێ فيقبلها))،
وله عند أحمد أيضا، والطبرانى فى "الكبير": كانت أمى تبعثنى بالشىء إلى النبى مر ◌ّ تطرفه إياها
فيقبله منى. ورجالهما رجال الصحيح، وفى رواية للطبرانى من طريق الحكم بن الوليد عن عبد الله
ابن بسر: ((بعثنى أمى إلى رسول الله عَّه بقطف من عنب فأكلته، فقالت أمى لرسول الله عد له:
هل أتاك عبدالله بقطف؟)) قال: لا، فجعل رسول الله عَّه إذا رآنى قال: "غدر غدر". قال ابن عدى
فى "الكامل": لا أعرف، روى هذا عن عبدالله بن بسر إلا الحكم، هذا معنى كلامه، وبقية رجاله
ثقات (مجمع الزوائد ١٤٧:٤)، وهذا يدل على أنه كان صبيا، وفى "الإصابة" أنه مات بالشام
سنة ثمان وثمانین، وهو ابن أربع وتسعین.
آخر من مات بالشام من الصحابة:
وهو آخر من مات بالشام من الصحابة، وقال ابن القيم بن سعد: مات سنة ست وتسعين
وهو ابن مائة سنة، وكذا ذكره أبو نعيم. وساق فى ترجمته ما رواه البخارى فى "التاريخ الصغير
عن عبد الله بن بسر أن النبى مّ له قال له: ((يعيش هذا الغلام قرنا)) فعاش مائة سنة أهـ (٤١:٤).
وبالجملة فکان عند وفاة النبی مێ ابن أربع أو ست سنين.
باب يقبض للطفل أبوه
قوله: ((روى عبدالرزاق)) إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: دلالته على معنى الباب
ظاهرة، وقول عثمان مفسر لقول عمر رضى الله عنهما، فبين أن مراده بقوله: إلا لمن حازه وقبضه
عن أبيه، هو الولد الكبير دون الصغير، ووهم ابن حزم، فحمله على الخلاف.

٠
١٤٨
يقبض للطفل أبوه
إعلاء السنن
٥٣٢٠- ومن طريق ابن وهب عن مالك عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن
عثمان، أنه قال: من نحل ولدا صغيرا له لم يبلغ أن يحوز نحلة فأعلن بها، وأشهد عليها
فهى جائزة، وأن وليها أبوه، قال ابن وهب: وأخبرنى رجال من أهل العلم عن عمر بن
الخطاب وعمر بن عبد العزيز وشريح والزهرى وربيعة وبكير بن الأشج مثل هذا اهـ من
"المحلی" (١٢٢:٩)، وسنده صحيح.
قال الموفق فى "المغنى": إن الطفل لا يصح قبضه لنفسه ولا قبوله، لأنه ليس من أهل
التصرف، ووليه يقوم مقامه فى ذلك، قال أحمد فى صبى وهبت له هبة أو تصدق عليه بصدقة
فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر، فقال: ((لا أعرف للأم قبضا، ولا يكون إلا الأب)). وقال عثمان
رضى الله عنه: ((أحق من يحوز على الصبى أبوه))، وهذا مذهب الشافعى، ولا أعلم فيه خلافا، لأن
القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه، والولى نائب بالشرع، فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له،
ويحتمل أن يصح القبض والقبول من غيرهم، (أى غير الأب ووصيه والحاكم) عند عدمهم، لأن
الحاجة داعية إلى ذلك، فإن الصبى قد يكون فى مكان لا حاكم فيه، وليس له أب، ولا وصى،
ويكون فقيرا لا غنى به عن الصدقات، فإن لم يصح قبض غيرهم له إنسد باب وصولها إليه،
فيضيع ويهلك، ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية، فعلى هذا للأم القبض له،
وكل من يليه من أقاربه وغيرهم، وإن كان الصبى مميزا فحكمه حكم الطفل فى قيام وليه مقامه،
لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ، إلا أنه إذا قبل لنفسه وقبض لها صح، لأنه من أهل التصرف
فإنه یصح بيعه و شراءه بإذن الولی اهـ (٩٥٢:٦).
ومذهبنا معشر الحنفية فى ذلك ما ذكره فى "الدر": وإن وهب له أجنبى يتم بقبض وليه،
وهو أحد الأربعة، الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه(١)، وإن لم يكن فى حجرهم، وعند عدمهم
(غييتم غيبة منقطة) تتم بقبض من يعوله، كعمه وأمه وأجنبى ولو ملتقطا، لو فى حجرهما، وإلا لا،
لفوات الولاية. ويقبضه لو مميزا يعقل التحصيل ولو مع وجود أبيه، لأنه فى النافع المحض كالبالغ،
واختلف فيما لو قبض من يعوله والأب حاضر، فقيل: لا يجوز، والصحيح هو الجواز.
(قلت: وبالأول جزم صاحب الهداية، والجوهرة، والبدائع، صحح قاضيخان وغيره من
أصحاب الفتوى خلافه). قال: وصح رد الصبى لها كقبوله اهـ. أى إذا كان مميزا، وانظر حكم رد
"(١) قال ابن عابدين: ثم الوالى، ثم القاضى، ووصى القاضى، كما سيأتى فى المأذون، اهـ.

١٤٩
ج - ١٦
باب سقوط القبض إذا كان الموهوب فى يد المتهب
٥٣٢١- عن ابن عمر رضى الله عنهما، أنه كان مع النبى معَّ له فى سفر، وكان
على بكر صعب لعمر، فكان يتقدم النبى معَّ له، فيقول أبوه: يا عبد الله! لا يتقدم
النبى معَ لّه أحد، فقال النبى عّ لّه: ((بعنيه))، فقال عمر: هو لك، فاشتراه، ثم قال: هو لك
يا عبد الله! فاصنع به ما شئت، رواه البخارى (فتح البارى ١٦٧:٥).
الولى، والظاهر أنه لا يصح، حتى لو قبل الصبى بعد رد وليه يصح، كذا فى "الشامية" (٧٨٤:٤).
قال الموفق فى "المغنى": فإن وهب الأب لابنه شيئا قام مقامه فى القبض والقبول إن احتج
إليه، قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل
دارا بعينها، أو عبدا بعينه وقبضه له من نفسه، وأشهد عليه أن الهبة تامة. هذا قول مالك والثورى
والشافعى وأصحاب الرأى، وروينا معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز وقال ابن البر: أجمع
الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير فى حجره لا يحتاج إلى قبض، وإن الإشهاد فيها يغنى عن
القبض، وأن وليها أبوه؛ لما رواه مالك عن الزهرى فذكر ما ذكرناه فى المتن اهـ ملخصا (٢٦٠:٦).
وقال فى "الدر": وهبة من له ولاية على الطفل فى الجملة، وهو كل من يعوله، فدخل الأخ
والعم عند عدم الأب، لو فى عيالهم، تتم بالعقد، لو الموهوب معلوما وكان فى يده. لأن قبض
الولى ينوب عنه اهـ. قال ابن عابدين: قال محمد رحمه الله: كل شىء وهبه لابنه الصغير وأشهد
عليه، وذلك الشىء معلوم فى نفسه فهو جائز. والقصد أن يعلم ما وهبه له، والإشهاد ليس بشرط
لازم. لأن الهبة تتم بالإعلام (التاتار خانية ٧٨٣:٤) اهـ.
باب سقوط القبض إذا كان الموهوب فى يد المتهب
قوله: عن ابن عمر إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على معنى الباب ظاهرة. لأن النبى عدّ له
لم يأمر عبد الله أن ينزل عن البعير، ثم يقبضه عنه. قال فى "الدر": وملك بالقبول بلا قبض جديد
لو الموهوب فى يد الموهوب له، ولو بغصب أو أمانة، لأنه حيئذ عامل لنفسه، والأصل أن القبضين
إذا تجانسا ناب أحدهما عن الآخر، وإذا تغايرا ناب الأعلى عن الأدنى، لا عكسه اهـ (٤: ٧٨٣).
وقال ابن بطال: كيفية القبض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب له، وحيازة
الموهوب لذلك. كركوب ابن عمر الجمل، واختلفوا فى الحيازة، هل هى شرط لصحة الهبة أم !؟
فقال بعضهم: شرط. وهو قول أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان (ذى النورين) وابن عباس

١٥٠
سقوط القبض إذا كان الموهوب فى يد المتهب
إعلاء السنن
ومعاذ وشريح ومسروق والشعبى والثورى والشافعى والكوفيين، وقالوا: ليس للموهوب له مطالبة
الواهب بالتسليم إليه لأنها ما لم تقبض عدة، فيحسن الوفاء، ولا يقضى عليه. وقال آخرون: تصح
بالكلام دون القبض کالبیع، روى عن على وابن مسعود والحسن البصرى والنخعى كذلك، وبه
قال مالك وأحمد وأبو ثور إلا أن أحمد وأبا ثور قالا: للموهوب له المطالبة بها فى حياة الواهب،
وإن مات بطلت الهبة فإن قلت: إذا تعين فى الهبة حق الموهوب له وجب له مطالبة الواهب فى
حياته، فكذلك بعد وفاته، كسائر الحقوق. قلت: هذا هو القياس لو لا حكم الصديق بين ظهرانی
الصحابة وهم متوافرون فیما وهب لابنته ولم تکن قبضتها، وقال لها: لو کنت حزتیه کان ذلك
لك. وإنما هو الیوم مال وارث، ولم یرو عن أحد من الصحابة أنه أنکر قوله ذلك، ولا رد علیه اهـ
من "عمدة القارى" (٢٨٧:٦). وقد تقدم الكلام فى كيفية القبض فى كتاب البيوع، فليراجع.
من أهدی له هدية و عنده جلساءه فهو أحق بها:
فائدة: احتج البخارى بحديث ابن عمر هذا على أن من أهدى له هدية وعنده جلساءه فهو
أحق بها. لأنه مرّه وهب ابن عمر بعيرا بمحضر من الصحابة فكان أحق به، ولم يكن رفقاءه
شركاء فيه. قال البخارى: ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاءه، ولم يصح اهـ. قال الحافظ
فى "الفتح": هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا، والموقوف أصح إسنادا من المرفوع،
فأما المرفوع فوصله عبد بن حميد من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعا:
«من أهديت له هدية وعنده قوم(١) فهم شر کاءه فيها)).
وفى إسناده مندل بن على، وهو ضعيف. ورواه محمد بن مسلم الطائفى عن عمرو
كذلك. واختلف على عبد الرزاق عنه فى رفعه ووقفه والمشهور عنه الوقف. وهو أصح الروايتين
عنه، وله شاهد مرفوع من حديث الحسن بن على فى مسند إسحاق بن راهويه، وآخر عن عائشة
عند العقيلى. وإسنادهما ضعيف أيضا، قال العقيلى: لا يصح فى هذا الباب عن النبى معّ له شىء.
قال ابن بطال: لو صح حديث ابن عباس لحمل على الندب فيما خف من الهدايا، وما جرت العادة
بترك المشاحة فيه. ثم ذكر حكاية أبى يوسف المشهورة. وفيما قاله نظر، لأنه لو صح لكانت العبرة
بعموم اللفظ، فلا يخص القليل من الكثير إلا بدليل. وأما حمله على الندب فواضح اهـ (١٦٧:٥).
(١) أى قوم مقيمون لخدمة العلم والدين، كما سيأتى. (المؤلف)

١٥١
سقوط القبض إذا کان الموهوب فی ید المتهب
ج - ١٦
قلت: دليل التخصيص هو ما ثبت بالاستقراء أنه عّ لّه كان إذا أتى بطعام، سأل عنه: أ هدية
أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده ما ێمه
فأكل معهم، وأهدى ملك إبلة له بغلة بيضاء فكانت له خاصة، وأهدی ثوب حریر فأعطاه عليا
فقال: ((شققه خمرا بين الفواطم)) "فتح البارى" (١٦٩:٥). وكذلك أهدى له المقوقس عظيم القبط
هدية سنية فيها جاريتان وبغلة، وأوافى ذهب، وغيرها فاختص النبى معَّ بكل ذلك، ولم يشرك
جلساءه فیه، فافهم.
حكاية أبى يوسف المشهورة:
حكاية أبى يوسف: أن الرشيد أهدى إليه مالا كثيرا وهو جالس مع أصحابه فقيل له: قال
رسول الله عَ ليه: ((جلساء كم شر کاء كم)). فقال أبو يوسف: أنه لم يرد فى مثله، وإنما ورد فيما
خف من الهدايا من المآكل والمشرب. ويروى من غير هذا الوجه أنه كان جالسا وعنده أحمد(١) بن
حنبل ويحيى بن معين، فحضر من عند الرشيد طبق وعليه أنواع من التحف المثمنة فروى أحمد، أو
يحمى هذا الحديث. فقال أبو يوسف: ذلك فى التمر والعجوة يا خازن ارفعه. اهـ من "عمدة
القارى" (٢٩٣:٦). ولا يبعد أن يكون محمل الحديث من يهدى له الناس لاجتماع جماعة من
الفقراء عنده، لطلب العلم، وذكر الله عز وجل، ونحوه وهو یطعمهم ویکسوهم من عنده، ومما
يجمع عنده من الصدقات، وغيرها. فمثله إذا أهدى له شىء على اسم الفقراء فلا شك أنهم
شركاءه فيه، أو على اسمه من غير تصريح بالفقراء فلا ينبغى له أن يختض به ما لم تبين له أن ذلك
مما أهدى له خاصة، لا له ولأصحابه عامة. قال العارف الشعرانى رحمه الله تعالى فى "البحر
المورود": ولذلك قررنا غير مرة أنه لا ينبغى (لشيخ الزاوية) أن يخص قط نفسه وأولاده بشىء يأتيه من
هدايا الأكابر كخمسة أرداب أزراد خمسة قناطير عسل. فإن مثل الفقير الواحد لا يهدى له ذلك
فى العرف، فيعلم بالقرينة أن ذلك ما جاء إلا على اسم الجميع من الشيخ، والفقراء اهـ (ص٣٢٤).
وقد أدركنا مشايخنا على هذا القدم، فلا يخصون أنفسهم بشىء مما يهدى لهم إلا بعد
معرفتهم بأنه مما قد أهدى لهم خاصة، وطريقة شيخنا حكيم الأمة فى قبول الهدايا من أوضح
الطرق وأحسنها وأجلاها، ولله الحمد.
(١) كل هؤلاء من تلامذته، فانظر إلى جلالته عن المحدثين. (المؤلف)

١٥٢
إعلاء السنن
باب رد الهدية لعلة، وأن هدايا الأمراء غلول
إلا ما كان بإذن الإمام
٥٣٢٢- عن الصعب بن جثامة الليثى أنه أهدى لرسول الله عّ لّه حمار وحش
وهو بالأبواء أو بودان وهو محرم، فرده، فقال صعب: فلما عرف فى وجهى رده
هدیتی، قال: ((ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم)) رواه البخارى.
الهدية للمشركين وقبول الهدية منهم:
فائدة: وأما الهدية للمشركين وأهل الكتاب، وقبول هداياهم، فكل ذلك جائز إذا كانوا ذمة
لنا، وكذلك إذا كانوا أهل حرب وطمع فى إسلامهم فهو مندوب إلى أن يؤلفهم فيقبل الهدية
ويهدى إليهم. وإذا لم يطمع فى إسلامهم فله أن يظهر معنى الغلظة والشدة عليهم برد الهدية شرح
السير (٧٢:٣). قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم
من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ إلى قوله: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين
وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم﴾ الآية. والمراد منها بيان من يجوز بره منهم وأن الهدية
للمشرك إثباتا ونفيا ليس على الإطلاق. ثم البر، والصلة، والإحسان لا يستلزم التحابب والتواد
والمنهى عنه فى قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله وسوله﴾
الآية. فإنها عامة فى حق من قاتل ومن لم يقاتل، والله أعلم، قاله الحافظ فى "الفتح" (١٧١:٥).
البر والصلة إلى الكفار ليس من باب الموالاة فى شىء:
قلت: والبر والصلة إلى الكفار إنما هو من باب قوله معَ ◌ّه: ((فى كل ذات كبد رطبة أجر)) فى
جواب من سأله: أن لنا فى البهائم أجرا؟ أخرجه الشيخان (المشكاة ص ١٤٠)، وليس من باب
الموالاة فى شىء. والعجب ممن حرم مبايعة الكفار أهل الحرب مطلقا، وأدخلها فى الموالاة، فإلى الله
المشتكى مما ارتكبوا من التحريف فى الأحكام، ومن أراد الوقوف على الآثار الواردة فى باب
الهدية للمشركين وقبولها منهم فليراجع "البخارى" و"فتح البارى"، والله تعالى أعلم.
باب رد الهدية لعلة، وأن هدايا الأمراء غلول إلا ما كان بإذن الإمام
قوله: عن الصعب بن جثامة إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على الجزء الأول من الباب
ظاهرة، فإنه عّ لّ رد الهدية، وبين العلة فى ردها لكونه كان محرما، والمحرم لا يملك الحى من
الصيد اتفاقا، ولا يأكل ما صيد لأجله عند البعض، واستنبط منه المهلب رد هدية من كان ماله

ج - ١٦
رد الهدية لعلة، وأن هدايا الأمراء غلول إلا ما كان بإذن الإمام
١٥٣
٥٣٢٣- وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية فى زمن رسول الله عَّ اللّه هدية،
واليوم رشوة، علقه البخارى، ووصله ابن سعد بقصة فيه بلفظ: "إنها لأولئك هدية،
وهى للعمال بعدهم رشوة".
٠ ٥٣٢٤- وفى معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد والطبرانى ... من حديث أبى
حميد بلفظ: "هدايا العمال غلول" اهـ (فتح البارى ١٦٢:٥ و١٦٣) ... قلت: وله
طرق عديدة يقوى بعضها بعضا.
٥٣٢٥- عن عبد الله بن صخر وكان ممن بعث النبى عَّ مع عماله إلى اليمن،
قال: قال النبى معَّه لمعاذ بن جبل حين بعثه معلما إلى اليمن: ((إنى قد عرفت بلاءك فى
الدين وقد ظننت لك الهدية. فإن أهدى لك شىء فاقبل))، فرجع حين رجع بثلاثين رأسا
أهدوا له، رواه الطبرانى فى "الكبير"، وفيه سيف بن عمر التميمى، وهو ضعيف، وقد
تقدمت له طريق إسنادها جيد فى الفأس والحجر (مجمع الزوائد ١٥١:٤). قلت:
سأذكر هذه الطريق فى الحاشية.
حراما، أو عرف بالظلم اهـ من "فتح البارى"، وأغرب ابن حزم حيث أوجب قبول الهدية إذا
جاءته من غير إشراف أو مسألة، سواء كانت من حرام أو ظلم. وقد تقدم الكلام معه فى باب أدب
القاضى، فليراجع.
قوله: وقال عمر بن عبد العزيز إلخ. دلالته على الجزاء الأول حيث رد عمر ما أهدى إليه من
أطباق التفاح كما فى القصة التى ذكرها الحافظ فى "الفتح"، والثانى حيث قال: وهى للعمال
بعدهم رشوة، ظاهرة.
قوله: عن عبد الله بن صخر إلخ. دلالته على قبول العامل الهدية بإذن الإمام ظاهرة، وهذا لم
أره صريحا فى كلام القوم، ولكن القوعد تساعده.
قال فى "شرح السير": لو بعث الخليفة عاملا إلى زكاة فأهدى إليه. فإن علم الخليفة أنه
أهدى إليه طوعا، أخذ ذلك منه، فجعله فى بيت المال. لأنه أهدى إليه لعمله الذى قلده، وقد كان
هو نائبا عن المسلمين، فهذه الهدايا حق المسلمين توضع فى بيت مالهم. فإن علم أنهم أهدوا إليه
مكرهين فينبغى أن يأخذه فيرده على أهله اهـ. واستدل للأول بما فى الصحيح من قصة ابن اللتبية
أنه عَّ استعمله على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لى. قال: فهلا جلس فى بيت

١٥٤
رد الهدية لعلة، وأن هدايا الأمراء غلول إلا ما كان بإذن الإمام
إعلاء السنن
أبيه، وبيت أمه، فينظر أيهدى له أم لا))؟ قال ابن بطال: فيه أن هدايا العمال تجعل فى بيت المال، وأن
العامل لا يملكها إلا أن طيبها له الإمام اهـ من "فتح البارى" (١٦٣:٥). والثانى بما اشتهر عن عمر
بن عبد العزيز أنه أمر حين استخلف يرد الأموال التى اجتمعت فى بيت المال لما علم أن من قبله من
المروانية كانوا أخذوا ذلك بطريق الإكراه. وإذا ثبت أن ما يهدى إلى الأمراء طوعا يوضع فى بيت
المال، لكونه حق المسلمين. فللإمام أن يطيبه للعامل إذا رأى فيه مصلحة، كما فعله رسول الله سعر اليوم
بمعاذ، لأنه كان قد أنفق ماله فى نصرة الإسلام والمسلمين، فجبره منّره بمرافق الإمارة، وبما يهدى
له من الهدايا.
والحديث رواه الطبرانى فى "الأوسط" عن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل أدان
بدين على عهد رسول الله مطمئآه، حتى أحاط ذلك بماله، فقال: يا رسول الله! ما جعلت فى نفسى
حين أسلمت أن أبخل بما ملكته، وإنى أنفقت مالى فى أمر الإسلام. فأبقى ذلك على دينا عظيما
فذكر الحديث، وفيه: ثم أن رسول الله مرُّله بعث معاذا إلى بعض اليمن ليجبره، فأصاب معاذ من
اليمن من مرافق الإمارة مالا. فتوفى رسول الله عَ ليه، ومعاذ باليمن، فارتد بعض أهل اليمن،
فقاتلهم معاذ، وأمراء كان رسول الله مظلة أمرهم على اليمن، حتى دخلوا فى الإسلام. ثم قدم فى
خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه بمال عظيم. فأتاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: إنك
قد قدمت بمال عظيم، فإنى أرى أن تأتى أبا بكر فتستحله منه، فإن أحله لك طاب لك، وإلا دفعته
إليه. فقال معاذ: لقد علمت يا عمر! ما بعثنى رسول الله مٍَّ إلا ليجبرنى فى حين دفع مالى إلى
غرمائی، وما کنت لأدفع إلی ابی بکر شيئا مما جئت به إلا أن سألنیه فإن سألنیه دفعته إلیه وإن لم
يأخذ أمسكته. فقال له عمر: إنى لم أر لك ولنفسى إلا خيرا. ثم قام عمر، فانصرف. فلما ولى
عمر دعاه معاذ، فقال: إنى مطيعك، فانطلق بنا إلى أبى بكر. فانطلقا حتى دخلا عليه. فذكر له
معاذ كنحو ما كلم به عمر فيما كان من غرمائه، وما أراد رسول الله عَ لآه من جبره، ثم أعلمه بما
جاء به من المال، حتى قال: وسوطى هذا مما جئت به. فقال له أبو بكر: هو لك كله يا معاذ.
فالتفت عمر إلى معاذ، فقال: يا معاذ! هذا حين طاب (لك المال) فكان معاذ من أكثر أصحاب
النبى معَ ◌ّه مالا.
كان معاذ أول من أصاب مالا من مرافق الإمارة
وكان معاذ أول رجل أصاب مالا من مرافق الإمارة اهـ مختصرا. قال الهيثمى: فيه ابن
٠

ج - ١٦
رد الهدية لعلة، وأن هدايا الأمراء غلول إلا ما كان بإذن الإمام
١٥٥
٥٣٢٦- عن أنس أن النبى عّ لّه كان لا يرد الطيب، رواه البخارى.
٥٣٢٧- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف
المحمل طيب الرائحة))، رواه أبو داود، وأبو عوانة، وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن
قال: "ريحان" بدل طيب، ورواية الجماعة أثبت، قاله الحافظ فى "الفتح" (١٥٣:٥).
٥٣٢٨- وعن ابن عمر مرفوعًا: ((ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن))، رواه
الترمذى وقال: يعنى بالدهن الطيب، وإسناده حسن (فتح البارى ١٥٣:٥).
لهيعة، وفيه كلام، وحديثه حسن. وبقية رجاله رجال الصحيح، إلا أن ابن شهاب قال: عن ابن
كعب بن مالك عن أبيه ولم يسمه. وفى الصحيح غير حديث كذلك، ولا يعلم فى أولاد كعب
ضعيف، والله أعلم (٤: ١٤٤).
وإنما قال عمر لمعاذ أن يأتى أبا بكر فيستحله منه لأن أكثر ما أصاب معاذ من المال كان بعد
وفاة النبى ◌ّ فانقطع إذنه له فى الهدايا ونحوها، واستخلفه أبو بكر فلم يكن يحل لمعاذ ما أخذ
منها إلا بإذن الخليفة بعده عّ لّه. وأيضا فإنه عَ لّه إنما أذن له فى قبول الهدايا دون أن يتملكها من
غير إعلامه بها، فكان ذلك وعدا منه مَّ لّه بهبة ما يقبله من الهدايا له. لما عرفت أن هبة المعدوم
محمولة على الوعد، فكما كان على معاذ أن يأتى رسول الله عَّ له بجميع المال لو كان حيا، فكذا
كان عليه أن يأتى الخليفة بعده به ويستحله منه، فافهم والله تعالى أعلم.
قوله: عن أنس إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: فى قوله عّ لّ: ((فإنه خفيف
المحمل)) دلالة على جواز أن يرد ما ثقل محمله. وكذا فى قوله: ((ثلاث لا يرد)) دلالة على أنه
بالخيار فيما سواها بين الرد والقبول. وهذا كله ظاهر على الفقيه، خفى على أهل الظاهر،
فافهم لا يفقهون.

١٥٦
إعلاء السنن
كتاب الإجارة
باب فى الوعيد على منع الأجرة
٥٣٢٩- عن أبى هريرة عن النبى عَ لّه قال: قال الله تعالى: ((ثلاثة أنا خصمهم
يوم القيامة رجل أعطى بى ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا
فأستوفى منه ولم يعطه أجره))، أخرجه البخارى.
باب فى الوعيد على منع الأجرة
أقول: الحديث نص فى الباب، وهو دليل أيضا على مشروعية الإجارة.
دليل جواز الإجارة من الكتاب والسنة والإجماع:
قال العبد الضعيف: الأصل فى جواز الإجارة الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب
فُقول الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ وقال تعالى: ﴿قالت إحداهما يا أبت
استأجره إن خير من استأجْرت القوى الأمين قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن
تأجرنی ثمانى حجج﴾. وروى ابن ماجة فى "سننه" عن عتبة بن الندر، قال: كنا عند رسول
الله ◌َّ، فقرأ طاسين، حتى إذا بلغ قصة موسى، قال: إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثمانى
حجج أو عشرا على عفة فرجه، وطعام بطنه. وأما السنة فقد ثبت أن رسول الله عَ ◌ّه استأجر رجلا
من بنى الديل هاديا خرتيا. (وروى مسلم عن ثابت بن الضحاك، أن رسول الله عّ لّ نهى عن
المزارعة، وأمر بالمؤاجرة). والأخبار فى ذلك كثيرة، وأجمع أهل العلم فى كل عصر وكل مصر
على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم وإبراهيم بن علية كما فى "المحلى"
(١٨٢:٨). أنه قال: لا يجوز ذلك، لأنه غرر، يعنى أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا
يمنع انعقاد الإجماع الذى سبق فى الأعصار، وسار فى الأمصار، والعبرة أيضا دالة عليها، فإن
الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على
المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل
مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعا، وكذلك
أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن لكل أحد عمل ذلك، ولا يجد متطوعا به، فلا بد من
الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق، حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من
الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة اهـ ملخصا من "المغنى" (٣:٦). ومع ما ثبت أنه مرّ له

ج - ١٦
الوعيد على منع الأجرة
١٥٧
٥٣٣٠- وفى الباب عن أبى هريرة مرفوعًا: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف
عرقه))، رواه البيهقى فى "سننه" (١٦١:٦) بسند حسن.
قد استأجر ابن أريقط دليلا ألى المدينة من مكة، وغير ذلك من الأخبار التى سنذكرها فى أبوابها.
المعقود عليه فى الإجارة المنافع:
قال الموفق: المعقود عليه فى الإجارة المنافع، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأبو
حنيفة وأكثر أصحاب الشافعى، وذكر بعضهم أن المعقود عليه العين، لأنها الموجودة، والعقد
يضاف إليها، فيقول: آجرتك دارى، كما يقول: بعتكها، ولنا أن المعقود عليه هو المستوفى بالعقد،
وذلك هو المنافع دون الأعيان، وما كان العوض فى مقابلة فهو المعقود عليه، والأجر فى مقابلة
المنفعة، ولهذا تضمن دون العين، وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها حمل المنفعة ومنشاها، كما
يضاف عقد المساقاة إلى البستان المعقود عليه الثمرة.
يجب أن تكون مدة الإجارة معلومة إذا وقعت على مدة:
والإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة، ولا خلاف فى هذا
نعلمه، ولأن المدة هى الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة، كعدد المكيلات
فيما بيع بالكيل. ولا يشترط فى المدة أن تلى العقد، بل لو آجره سنة خمس وهما فى سنة ثلاث، أو
شهر رجب فى المحرم جاز، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافى: لا يصح، فإن كانت على مدة تلى
العقد لم يحتج إلى معرفته كالانتهاء وإن أطلق، فقال: آجرتك سنة أو شهرا صح، وكان ابتداءه من
حين العقد، وهذا قول مالك وأبى حنيفة. وقال الشافعى: لا يصح حتى يسمى الشهر، ويذكر أى
سنة هى، ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام: ﴿علی أن تأجرنی ثمانی حجج﴾ ولم
يذكر ابتداءها، ولأنه تقدير بمدة ليس فيها قربة، فإذا أطلقها وجب أن تلى السبب الموجب، كمدة
السلم والإيلاء، تفارق النذر فإنه قربة.
لا تتقدر أكثر مدة الإجارة:
قال: ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة، بل تجوز إجارة العين للمدة التى تبقى فيها وإن كثرت،
وهذا قول كافة أهل العلم. إلا أن أصحاب الشافعی اختلفوا فى مذهبه، فمنهم من قال: له قولان،
أحدهما كقول أهل العلم، وهو الصحيح، الثانى لا يجوز أكثر من سنة، لأن الحاجة لا تدعوا إلى

١٥٨
الوعيد على منع الأجرة
إعلاء السنن
أكثر منها، ومنهم من قال: له قول ثالث أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة. لأن الغالب أن الأعيان
لا تبقى أكثر منها، وتتغير الأسعار والأجر، ولنا قول الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه
قال: ﴿على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾.
شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل:
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل. والتقدير بسنة أو ثلاثين تحكم لا دليل
عليه، وليس ذلك أولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه.
تقسيم الإجارة إلى ضربين:
قال: والإجارة على ضربين: أحدهما: أن يعقدها على مدة. الثانى أن يعقدها على عمل
معلوم كبناء حائط، وخياطة قميص، وحمل إلى موضع معين. فإذا كان المستأجر مما له عمل
کالحیوان جاز فيه الوجهان، لأن له عملا تتقدر منافعه به، وإن لم يكن له عمل کالدار والأرض
لم يجز إلا على مدة. ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، لأن
الجمع بينهما يزيدها غررا، لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل فى بقية المدة فقد
زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركا للعمل فى بعض المدة، وقد لا يفرغ من العمل
فى المدة، فإن أتمه عمل فى غير المدة، وإن لم يتمه لم يأت بما وقع عليه العقد. وهذا غرر أمكن
التحرز عنه، ولم يوجد مثله فى محل الوفاق، فلم يجز العقد معه.
وفى رواية عن أحمد جواز تقديرهما جميعا، وهو قول أبى يوسف ومحمد بن الحسن، لأن
الإجارة معقودة على العمل، والمدة مذكورة للتعجيل، فلا يمتنع ذلك، فعلى هذا إذا فرغ قبل
انقضاء المدة لم يلزمه العمل فى بقيتها، لأنه وفى ما عليه، فلم يلزمه شىء آخر، وإن مضت المدة قبل
العمل فللمستأجر فسخ الإجارة. لأن الأجير لم يف له بشرطه، وإن رضى بالبقاء عليه لم يملك
الأجير الفسخ. لأن الإخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة له إلى الفسخ. كما لو تعذر أداء
المسلم فيه فى وقته لم يملك المسلم إليه الفسخ. ويملكه المسلم اهـ (٩:٦).
وقال ابن حزم: الإجارة جائزة فى كل شىء له منفعة فيؤاجر ينتفع به، ولا يستهلك عينه،
وقد جاءت الآثار فى الإجارات، وبإباحتها يقول جمهور العلماء.

ج - ١٦
١٥٩
باب فی معلومية الأجر
٥٣٣١- أخبرنا عبد الرزاق ثنا معمر عن حماد عن إبراهيم عن أبى سعيد الخدرى
عن رسول الله عَّ له، قال: ((من استأجر أجيرا فليبين له أجرته)). أخرجه إسحاق بن
راهويه فى "مسنده"، ورواه محمد بن الحسن عن أبى حنيفة عن حماد بن أبى سليمان
عن إبراهيم عن أبى سعيد الخدرى، وأ هريرة عن النبى معَّ له. ورواه أيضًا سفيان عن
لا يجوز إجارة ما تتلف عينه:
ولا يجوز إجارة ما تتلف عينه أصلا، كالشمع للوقيد، والطعام للأكل، والماء للسقى به،
ونحو ذلك، لأن هذا بيع الإجارة والبيع هو تملك العين، والإجارة لا تملك بها العين. قال: ومن
الإجارات ما لا بد فيه من ذكر العمل الذى يستأجر عليه فقط، ولا يذكر فيه مدة. كالخياطة،
والنسج، ور کوب الدابة إلی مکان مسمی، ونحو ذلك. ومنها ما لا بد فيه من ذکر المدة، کسکنی
الدار، ور کوب الدابة، ونحو ذلك، ومنه ما لا بد فيه من الأمر معا، کالخدمة، ونحوها. فلا بد من
ذكر المدة والعمل، لأن الإجارة بخلاف ما ذكرنا مجهولة. وإذا كانت مجهولة فهی أكل مال
بالباطل اهـ (١٨٣:٨). وبالجملة فقد اتفقوا على بطلان الإجارة بالجهالة والغرر، وإنما اختلفوا فى
تفاصيلها لكون بعض الشروط مفضيا إلى الجهالة عند البعض، غير مفضية إليها عند غيره. كما
ستقف عليه، إن شاء الله تعالى.
باب فى معلومية الأجر
أقول: الأحاديث نص فى الباب إلا أنه قيل: إن إبراهيم عن أبى سعيد منقطع، ولا ضير، فإن
المرسل عندنا حجة، لا سيما مرسل إبراهيم. لأن الأئمة صححوا مراسيله، ولكن البيهقى نصه بما
أرسل عن ابن مسعود، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: ولا يضرنا ذلك. أما أولا فلقول ابن معين: مراسيل إبراهيم صحيحة،
إلا حديث تاجر البحرين وحديث القهقهة اهـ. وقوله: مراسيل إبراهيم أحب إلى من مراسيل
الشعبی.
وعنه أيضا: أعجب إلى من مرسلات سالم والقاسم وسعيد بن المسيب. وقال أحمد: لا بأس
بها، كما مر فى المقدمة، وهذا مطلق فى كل مرسل رواه إبراهيم. وأما ثانيا فلأن البيهقى نفسه
روى حديث المتن فى سننه من طريق عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن
الأسود عن أبى هريرة وقال كذا رواه أبو حنيفة، وكذا فى كتابى عن أبى هريرة اهـ (١٦٠:٦).
16

١٦٠
معلومية الأجر
إعلاء السنن
حماد عن إبراهيم عن أبى سعيد، وأبى هريرة مرفوعًا وموقوفا، أخرجهما عبد الرزاق فى
"مصنفه". ورواه أيضًا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن أبى سعيد مرفوعًا عند
إسحاق بن راهويه وأحمد، وموقوفا عند النسائى فى المزارعة (الزيلعى ٢٣٤:٢ و ٢٣٥).
وهذا سند صحيح موصول، وبه تبين أن الواسطة بين إبراهيم وبين أبى هريرة وأبى سعيد هو
الأسود. والمراسل إذا ورد بطريق أخرى مو صولة فهو حجة عند الكل.
قال الموفق فى "المغنى": يشترط فى عوض الإجارة كونه معلوما. لا نعلم فى ذلك خلافا
وذلك لأنه عوض فى عقد معاوضة، فوجب أن یکون معلوما، کالثمن فى البيع. وقد روی عن
النبى معَّله أنه قال: ((من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)). ويعتبر العلم بالرؤية، أو بالصفة كالسبع
سواء. قال: وكل ما جاز ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الإجارة، لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، فعلى
هذا يجوز أن يكون العوض عينا ومنفعة أخرى. سواء كان الجنس واحدا كمنفعة دار بمنفعة
أخرى، أو مختلفا كمنفعة دار بمنفعة عبد. قال أحمد: لا بأس أن يكترى بطعام موصوف معلوم.
وبهذا كله قال الشافعى، قال الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال: ﴿إنى أريد أن
أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج﴾. فجعل النكاح عوض الإجارة (قلنا: بل
جعل رعى الغنم سنين معلومة صداق بنته، وهو جائز عندنا أيضا).
لا تجوز إجارة منفعة بمنفعة من جنسها:
وقال أبو حنيفة فيما حكى عنه: لا تجوز إجارة دار لسكنى بدار أخرى، ويجوز أن يختلف
جنس المنفعة، كسكنى دار بمنفعة بهيمة. لأن الجنس الواحد عنده يحرم النساء. و کره الثوری
الإجارة بطعام موصوف، والصحيح جوازه. وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأى، وقياس قول
الشافعى، لأنه عوض يجوز فى البيع فجاز فى الإجارة كالذهب والفضة. قال: وما قاله أبو حنيفة
لا يصح. لأن المنافع فى الإجارة ليست فى تقدير النسئة، ولو كانت نسيئة ما جاز فى جنسين لأنه
یکون بیع دین بدین اهـ (١٢:٦).
قلت: أما قوله: إنَ المنافع فى الإجارة ليست فى تقدير النسيئة. فغير مسلم. لأن المنافع
معدومة عند العقد حقيقة، وإنما اعتبرناها موجودة حكما. وقلنا بجواز الإجارة بخلاف القياس
لحاجة الناس وشهادة الآثار بصحتها، وإذا كان كذلك وجب رعاية الحقيقة عند اتحاد الجنس. تحرزا
عن شبهة الربوا لقول عمر رضى الله عنه: فاتقوا الربا والريبة. بخلاف ما إذا اختلف الجنس. لأن
النسأ المختلف ليس بحرام، كما لو أسلم قوهيا فى مروى. وأما قوله: ولو كانت نسئة ما جاز فى
غيـ
غيـ
C
F