النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
العارية المضمونة وغير المضمونة
إعلاء السنن
المستعير غير المغل ضمان، قال البيهقى (٩١:٦): هذا هو المحفوظ عن شريح من قوله،
أيضا إذا تعدى المستعير فيها، فيحمل قولهما على ذلك، لكونه مجملا، وقول على وعمر مفسرا،
والمفسر قاض على المجمل، كما تقرر فى الأصول. واحتجوا بما روى من طريق ابن وهب عن رجال
من أهل العلم عن ابن عمر أنه كان يضمن العارية (المحلى أيضا). قلنا: نعم! إذا قصر فى الحفظ أو
تعدی فيها بدليل ما مر عن عمر، وهو أجل ممن روى عنه خلافه، وبما روى من طريق عبد الرزاق
عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال فى قضية معاذ بن جبل: العارية مؤداة، اهـ. قلنا: لا حجة فيه
على وجوب الضمان، وإنما هو فى رد العين إذا كانت قائمة، كما تقدم.
قالوا: وكان شريح يضمن العارية. قلت: كلا، وإنما كان يضمن الخائن المتعدى كما مر،
قالوا: وضمنها الحسن ثم رجع عن ذلك، قلت: فلا حجة لكم فيه بل هو حجة لنا. قالوا: وصح
عن مسروق أيضا وعن عطاء بن أبى رباح، وذكره ابن وهب عن يحيى بن سعيد الأنصارى
وربيعة، وذكرا أنه قول علمائهم الذين أدركوا وبه كانوا يقضون اهـ. قلنا: عمر وعلى وشريح أجل
من هؤلاء، وقد تقدم عن الموفق أن الحسن والنخعى والشعبى وعمر بن عبد العزيز والثورى وأبا
حنيفة ومالك والأوزاعى وابن شبرمة قالوا: هى أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدى، وليسوا بأقل
ممن أدركهم يحيى بن سعيد وربيعة من العلماء. قال محمد فى الآثار: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد
عن إبراهيم، أنه قال فى العارية من الحيوان والمتاع ما لم يخالف المستعير إلى غير الذى قال فسرق
المتاع أو أضله أو نفقت الدابة فليس عليه ضمان، اهـ (ص ١١٣)، قال محمد: وبه نأخذ، وهو
قول أبى حنيفة، والله تعالى أعلم.
قول الرجل: أخدمتك هذه الجارية عارية، والجواب عن قول البخارى فيه:
فائدة: إذا قال الرجل: أخدمتك هذه الجارية أو هذا العبد فهو عارية، وليس بتمليك ولا هبة
إلا أن تقوم بذلك قرينة، واحتج البخارى على أنه للتمليك، بقصة هاجر. وفيها قوله عّ لّ: ((هاجر
إبراهيم بسارة فأعطوها آجر فرجعت، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة) اهـ.
ولا حجة له فيه، فقد قال ابن بطال: لا أعلم خلافا أن من قال: أخدمتك هذه الجارية، أنه قد
وهب له الخدمة خاصة، فإن الإخدام لا يقتضى تمليك الرقبة، كما أن الإسكان لا يقتضى تمليك
الدار. قال: واستدلاله بقوله: فأخدمها هاجر، على الهبة لا يصح وإنما صحت الهبة فى هذه القصة
من قوله: فأعطوها هاجر، اهـ من "فتح البارى" (١٨١:٥).

٦٢
العارية المضمونة وغير المضمونة
ج - ١٦
ورواه عبد الرزاق قال: سمعت هشام بن حسان يذكر عن محمد بن سيرين عن
شريح به (المحلى ١٧:٩)، وهذا سند صحيح.
د
قال الحافظ: والذى يظهر أن البخارى لا يخالف ما ذكره عند الإطلاق، وإنما مراده إن
وجدت قرينة تدل على العرف، حمل عليها. فإن كان جرى بين قوم عرف فى تنزيل الإخدام منزلة
الهبة، فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ. ومن قال: هى عارية فى كل حال فقد خالفه اهـ. قلت:
الذى قال: هى عارية فى كل حال إنما ذكر ما يتبادر منه فى متعارف الناس عنده، ولم يرد أنه لو
جرى عرف باستعماله فى معنى الهبة أو قامت قرينة على إرادتها به لم يجز استعماله فى معنى الهبة
أبدا، ولا إرادتها به، فهذا مما لا يصح نسبته إلى عامى، فضلا عن فقيه قد أذعنت الأمة لجلالته فى
الفقه والعلم.
ثم أورد البخارى على بعض الناس أنه قال فى قول الرجل: كسوتك هذا الثوب، إنه هبة
اهـ. أى وهو كالإخدام فى إفادته تمليك المنفعة وضعا دون تمليك العين. فالقول بكون الأول عارية
والثانى هبة تناقض، قلنا: لا يجوز القياس فى اللغة لأن بناءها على السماع والعرف. قال ابن بطال:
لم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة إن له شرطه، وإن لم يذكر أجلا، فهو
هبة. وقد قال تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم﴾ ولم تختلف الأمة أن ذلك
تمليك للطعام والكسوة انتهى، من "فتح البارى" أيضا، فثبت أن قول الحنفية فى هذا الباب هو قول
جمهور العلماء لم يختلفوا فى ذلك، فمن شنع عليهم فيه هو أحق بالتشنيع دونهم.
الجواب عن إيراد البخارى على بعض الناس
فى قول الرجل: حملتك على هذا الفرس:
ثم بوب البخارى رحمه الله: "إذا حمل على فرس فهو كالعمرى والصدقة. وقال بعض
الناس: له أن يرجع فيها" وذكر فيه حديث عمر: حملت على فرس فى سبيل الله، فرأيته يباع
فسألت رسول الله عَّ له، فقال: ((لا تشتره ولا تعد فى صدقتك)). فإن أراد بهم الحنفية وأنهم
حملوه على العارية ففيه أن عندنا قول الرجل: حملتك على هذا الفرس، إن نوى به الهبة فهو هبة
وإلا فعارية. قال الزيلعى: إنه مستعمل فيهما، يقال: "حمل فلان فلانا على دابته" يراد به الهبة تارة
پر۔
والعارية أخرى، فإذا نوى أحدهما صحت نيته، وإن لم تكن له نية حمل على الأدنى كيلا يلزمه
الأعلى بالشك انتهى. والأدنى هو العارية وعلى التقديرين يصح الرجوع عندهم إذا لم يكن صدقة

٦٣
إعلاء السنن
كتاب الوديعة
باب لا ضمان علی المؤتمن
٥٢٤٤- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله عَّ ◌ُله قال: ((لا
ضمان على مؤتمن))، أخرجه الدار قطنى (ص٢٠٦) وفيه محمد بن عبد الرحمن الحجبى
ذكر ابن حبان فى "الثقات"، وذكره البخارى فى "التاریخ"، فلم یذ کر فیه جرجا.
وقال ابن عدى: "ضعيف يسرق الحديث"، وقال الدار قطنى: "متروك"
(التهذيب ٢٩٩:٩)، ويزيد بن عبد الملك ضعفه الأئمة، واختلف فيه قول ابن معین،
فقال مرة: "ليس به بأس"، وأخرى: "ليس حديثه بذاك".
على الفقير، أو هبة لذى رحم محرم منه، لما سيأتى فى باب الهبة. والظاهر من حديث الباب أنه
كان قد تصدق بالفرس على الذى حمله عليه فلذا أقدم على الشراء. ولا يلزم منه أن مجرد الحمل
یکون تملیکا، أو وقفا.
وفى "العمدة" للعينى (٣٢١:٦): قال الداودى: قول البخارى: هو كالعمرى والصدقة،
تحكم بغير تأمل، وقول من ذكر من الناس أصح لأنهم يقولون: المسلمون على شروطهم.
قلت: عند الحنفية قول الرجل: "حملتك على هذا الفرس" لا يكون هبة إلا بنية. لأن الحمل هو
الإركاب حقيقة، فيكون عارية، ولكنه يحتمل الهبة. يقال: "حمل الأمير فلانا على الفرس" معناه ملكه
إياه، فيحمل على التمليك عند نيته، لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه فتعتبر نيته أهـ.
وفى "الهداية": وتصح بقوله: منحتك إرادته هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم
يرد به الهبة، لأنهما لتمليك العين. وعند عدم إرادته الهبة يحمل على تمليك المنافع تجوزا اهـ
(٢٦٣:٣)، والبسط فى حاشية "البحر" لابن عابدين، وفى "الكفاية"، وغيرها من شروح
"الهداية".
باب لا ضمان على المؤتمن
أقول: الأحاديث والآثار المذكورة بمجموعها تدل على المطلوب، والذين قالوا بوجوب
الضمان على المستودع، ليس لهم حجة غير الاجتهاد والرأى. وهو معارض باجتهاد المخالف فينبغى
النصوص والآثار سالمة عن المعارض. قال العبد الضعيف: قد غير بعض الأحباب الترتيب، فأدخل
أحكام الوديعة فى أحكام العارية.
والأصل فى الوديعة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿إن الله

٦٤
ج - ١٦
لا ضمان على المؤتمن
٥٢٤٥- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى عَّ له، قال: ((من أودع
وديعة فلا ضمان عليه))، أخرجه ابن ماجة، ورواه ابن حبان فى "كتاب الضعفاء" من
حديث ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب الزيلعى ٢٢٧:٢)، وفى "مسند ابن ماجه": مثنى
ابن الصباح، ومثنى وثقه ابن معين،.
وقال ابن عدى: له حديث صالح عن عمرو بن شعيب، وقد ضعفه الأئمة
المتقدمون، والضعف على حديثه بين اهـ، وضعفه آخرون (التهذيب)، وابن لهيعة
مختلف فيه، ويحتمل أن يكون ابن لهيعة سمعه من مثنى بن الصباح عن عمرو بن
شعيب، ورواه عن عمرو بن شعيب، لأنه كان يفعل ذلك، كما فى "التهذيب".
٥٢٤٦- وعن عمر بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده عن النبى عّ لّه، قال: ((ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على
المستودع غير المغل ضمان))، أخرجه الدارقطنى وقال: "عمرو وعبيدة ضعيفان
،
(الدار قطنى ص٣٠٦)، قلت: الطرق يقوى بعضها بعضا وله شواهد.
يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. وقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن
أمانته﴾. وأما السنة، فقول رسول الله عَ ليه: ((أد الأمانة إلى من أتمنك، ولا تخن من خانك)).
وروى عنه عليه السلام أنه كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجر أودعها عند أم أيمن(١)، وأمر
عليا أن يردها على أهلها. (رواه ابن إسحاق بسند قوى، فذكر حديث الخروج إلى الهجرة.
قال: فأقام على بن أبى طالب خمس ليال وأيامها حتى أدى عن النبى عَّ الودائع التى
كانت عنده للناس، كذا فى "التلخيص" (٢٧٠:٢).
وفيه دليل على جواز حفظ الوديعة عند أهل بيته ومن هو فى عياله، وكذا جواز ردها على
أيديهم، وأما الإجماع، فأجمع علماء كل عصر على جواد الإيداع والاستيداع، والقياس
يقتضيها، فإن بالناس إليها حاجة، فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى
من يحفظ لهم. والوديعة فعلية من يدع الشىء إذا تركه، أى هى متروكة عند المودع، وقبولها
مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة، لأن فيه قضاء حاجة أخيه المؤمن ومعاونته، وهى عقد جائز من
الطرفين، متى أراد المودع أخذ وديعته لزم المستودع ردها لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر كم أن تؤدوا
(١) وقع فى نسخة الرافعى عند أم المؤمنين فأشكل على الحافظ فى "التلخيص" (٢٧٠:٢). (المؤلف)

٦٥
لا ضمان على المؤتمن
إعلاء السنن
٥٢٤٧- وحدثنا: إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن محمد نا روح نا
عوف عن محمد، أن شريحا قال: ليس على المستعير غير المغل ولا على المستودع غير
المغل ضمان (الدار قطنى ص٣٠٦).
٥٢٤٨- وروى: سفيان الثورى فى جامعه عن جابر الجعفى عن القاسم بن عبد
الرحمن، أن عليا وابن مسعود قالا: ((ليس على المؤتمن ضمان)) (التلخيص الحبير
ص٢٧١)، وجابر مختلف فيه مع ما من الانقطاع، وهو لا يضرنا.
الأمانات إلى أهلها﴾، وإن أراد المستودع ردها على صاحبها لزمه قبولها، لأن المستودع متبرع
بإمساكها، فلا يلزمه التبرع فى المستقبل، قاله الموفق فى "المغنى" (٢٨٠:٧).
قال: والوديعة أمانة، فإذا تلفت بغير تفريط من المودع، فليس عليه ضمان سواء ذهب معها
شىء من مال المودع، أو لم يذهب، هذا قول أكثر أهل العلم، روى ذلك عن أبى بكر وعلى وابن
مسعود رضى الله عنهم، وبه قال شريح والنخعى ومالك وأبو الزناد والثورى والأوزاعى والشافعى
وأصحاب الرأى. وعن أحمد رواية أخرى: إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها لما روى عن عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه، أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله
قال القاضى: والأولى أصح، لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافى الأمانة، ويروى عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبى عّ لّه قال: ((ليس على المستودع ضمان)).
ويروى عن الصحابة الذين ذكرناهم ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه
وتفريطه، كالذى ذهب مع ماله، ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا، فلو لزمه الضمان،
لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضر لما بيناه من الحاجة إليها، وما روى عن عمر محمول
على تفريط من أنس فى حفظها، فلا ينافى ما ذكرنا. (ولأنها قضية عين لا عموم لها، فلعل
عمر رضى الله عنه قد علم بأن السارق واحد من أهل بيته، وإلا لم يأخذ الوديعة فقط من بين ماله،
فضمنه إياها، وما رويناه عنه فى المتن، حكم عام يعطى قانونا كليا مقتضاه أن الوديعة أمانة لا ضمان
فيها إلا أن يتعدى). قال الموفق: فأما إن تعدى المستودع فيها، أو فرط فى حفظها فتلفت ضمن بغير
خلاف نعلمه، لأنه متلف مال غيره فضمنه، كما لو أتلفه من غير استيداع اهـ (٢٨١:٧).
فروع فى الوديعة أكثرها مجمع عليها:
فائدة: قال فى "الهداية": وللمودع أن یحفظها بنفسه وبمن فی عیاله، لأنه لا يجد بدا من

٦٦
ج - ١٦
لا ضمان على المؤتمن
٥٢٤٩- وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو شهاب عن الحجاج بن أرطاة عن أبى
الزبير عن جابر: أن أبا بكر قضى فى وديعة كانت فى جراب فضاعت، أن لا ضمان
منها (التلخيص الحبير ص٢٧١)، وقال الحافظ: إسناده ضعيف، ولعله لأجل الحجاج،
وقد مر غير مرة أنه حسن الحديث.
الدفع إلى عياله، لأنه لا يمكنه ملازمة بيته ولا استصحاب الوديعة فى خروجه، فكأن المالك راضيا
به اهـ. قلت: قد مر دليله فى قصة خروجه مَّه للهجرة، وكانت عنده ودائع، فأودعها عند أم أيمن
وأمر عليا أن يردها على أهلها، فتذكر. وفيه أيضا: أنه إذا رد الوديعة أو العارية إلى المالك مع عبده
أو أمته أو أجيره أو بمن هو فى عياله جاز ولم يضمن. قال فى الهداية: فإن حفظها بغيرهم أو
أودعها غيرهم ضمن اهـ.
قال الموفق فى المغنى: إذا أودعها غيره لغير عذر، فعليه الضمان بغير خلاف فى المذهب، هو
قول شريح ومالك والشافعى وأبى حنيفة وإسحاق. وقال ابن أبى ليلى: لا ضمان عليه، لأن عليه
حفظها وإحرازها، وقد أحرزها عند غيره وحفظها به، ولأنه يحفظ ماله بإيداعه فإذا أودعها فقد
حفظها بما يحفظ به ماله، ولنا أنه خالف المودع فضمنها، كما لو نهاه عن إيداعها، وهذا صحيح
فإنه أمره بحفظها بنفسه ولم يرض لها غيره، قال: ولو أن رب الوديعة أمر المستودع بحفظها فى
مکان عینه فحفظ فیه ولم يخش عليه فلا ضمان عليه بغير خلاف، لأنه ممثل لأمره غير مفرط فى
ماله، وإِن خاف سيلا وتوى يعنى هلاكا فأخرجها منه إلى حرزها، فتلفت فلا ضمان عليه بغير
خلاف أيضا، لأن نقلها فى هذه الحال تعين حفظالها، وهو مأمور بحفظها اهـ.
والمودع أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمع
كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول
قوله، وقال الآكثر: مع يمينه، وإن ادعى ردها على صاحبها فالقول قوله مع يمينه أيضا، وبه قال
الثورى والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى. وقال مالك: إن كان دفعها إليه بغير بينة، وإن كان
أودعه إياها ببينة لم يقبل قوله فى الرد إلا ببينة اهـ (٢٩٢:٧).
حكم السفر بالوديعة:
وهل للمودع أن يسافر بالودیعة؟ إن کان المودع نهاه عن ذلك لم یکن له ذلك، وضمنهما
إن خرج بها، لأنه مخالف لصاحبها، وإن لم يكن نهاه لكن الطريق مخوف أو البلد الذى يسافر
إليه مخفوف ضمنها، لأنه فرط فى حفظها (لا نعلم فيه خلافا)، وإن لم يكن كذلك فله السفر بها.

٦٧
لا ضمان على المؤتمن
إعلاء السنن
٥٢٥٠- وأخرج عبد الرزاق فى "مصنفه" عن عمر بن الخطاب، قال: "العارية
بمنزلة الودیعة، لا ضمان منها إلا أن یتعدی" ..
٥٢٥١- وأخرج عن على، قال: "ليس على صاحب العارية ضمان" (الزيلعي
٢٢٩:٢)، وقد مر أن إسناده حسن.
نص عليه أحمد سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعى:
إن سافر بها مع القدرة على صاحبها (أى على الرد إليه أو وكيله أو الحاكم أو أمين ضمنبها. لأنه
يسافر بها من غير ضرورة، أشبه ما لو كان السفر مخوفا. ورجحه الموفق، لأنه يفوت على صاحبها
إمكان استرجاعها، ويخاطر بها، فإن النبى معَّ ◌ُّه قال: ((إن المسافر وماله لعلى قلت (أى هلاك) إلا ما
وقى الله)). ولنا أنه نقلها إلى موضع مأمون، لأنه سافر بها سفرا غير مخفوف كما لو نقلها فى
البلد، وأما الحديث فرواه السلفى فى أخبار أبى العلاء المعرى من طريقه (ولا خير فيه).
وأسنده الديلمى فى "مسند الفردوس" من غير طريقه (وأحاديث الديلمى أكثرها ضعاف
كما مر فى المقدمة). وقد أنكره النووى فى "شرح المهذب"، فقال: ليس هذا خبرا عن النبى معَّ له،
وإنما هو من كلام بعض السلف. قيل: إنه على بن أبى طالب رضى الله عنه. قال الحافظ فى
"التلخيص": وذكره ابن قتيبة فى غريب الحديث عن الأصمعى عن رجل من الأعراب اهـ
(٢٧١:٢). ولو حمل المسافر فى ذلك الزمان لم يبعد كما حمل عليه قوله مرّ له: ((الواحد شيطان،
والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب)). فإن السفر فى ذلك الزمان لم يكن يخلو من خطر غالبا،
والكلام فيما إذا كان الطريق آمنة، والله تعالى أعلم.
حكم خلط الوديعة بغيرها:
قال الموفق: وإذا خلط الدراهم الغلة أى المكسرة فى صحاح، أو صحاحا فى غلة،
لم يضمنها بالخلط، لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها على صاحبها فلم يضمنها، كما لو
تركها فى صندوق وفيه أكياس له، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى ومالك. ولا نعلم فيه اختلافا،
و کذلك الحكم إذا خلط دراهم بیضا بسود یضمنها. ولعله قال ذلك لكونها تكتسب منها سوادا،
أو يتغير لونها فتنقض قيمتها. فإن لم يكن فيها ضرر فلا ضمان عليه. والله أعلم اهـ (٧: ٢٨٤).
إذا مات المستودع مجهلا للوديعة:
قال: وإذا مات وثبت أن عنده وديعة لم توجد بعينها ولم تتميز من ماله فهى دين عليه، يغرم.

٦٨
ج - ١٦
کتاب الهبة
باب فی قبول الھبة
٥٢٥٢- عن خالد بن عدى الجهنى، قال: سمعت رسول الله عَ ظله يقول: ((من
من تركته لأنه مات مجهلا وهو سبب الضمان. فإن كان عليه دين سواها فهى والدين سواء، فإن
وقت تركته بهما وإلا اقتسماها بالحصص. وبهذا قال الشعبى والنخعى وداود بن أبى هند ومالك
والشافعى وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وروى ذلك عن شريح ومسروق وعطاء وطاوس
والزهرى وأبى جعفر محمد بن على، وروى عن النخعى: الأمانة قبل الدين. وقال الحارث العكلى :.
الدین قبل الأمانة، ولنا أنهما حقان وجبا فى ذمته فتساویه کالدینین، وسواء وجد فی تر کته من
جنس الوديعة أو لم يوجد. وهذا إذا أقر المودع أن عندى وديعة لفلان، أو ثبت ببينة أنه مات،
وعنده وديعة اهـ (٢٩٠:٧).
وفى رحمة الأمة: اتفق الأئمة على أن الوديعة أمانة محضة، وأن الضمان لا يجب على
المودع إلا بالتعدى، وأن القول قوله فى التلف والرد على الإطلاق مع يمينه. واختلفوا فيما إذا كان
قبضها ببينة فالثلاثة (الأئمة) على أنه يقبل قوله فى الرد بلا بينة، وقال مالك: لا يقبل إلا ببينة.
إذا تصرف المستودع فى الوديعة ثم ردها إلى مكانها:
وإذا استودع دنانير أو دراهم، ثم أنفقها، أو أتلفها، ثم رد مثلها إلى مكان الوديعة، ثم تلف
المردود بغير فعله، فلا ضمان عليه عند مالك، فإن عنده لو خلط دراهم الوديعة، أو الدنانير، أو
الحنطة بمثلها حتى لا تتميز لم يكن عنده ضامنا للتلف، وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه لم يضمن
تلفه، وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان. وقال الشافعى وأحمد: هو ضامن على كل حال بنفس
إخراجه لتعديه. ولا يسقط عنه الضمان سواء رده بعينه إلى حرزه أو رد مثله اهـ (ص ٨٢).
ولنا قول النبى عّ لّه: ((عفى عن أمتى الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به
أو تعمل))، فإذا نوى الخيانة فى الوديعة بالجحود، أو الاستعمال، ولم يفعل شيئا إلا أنه أخذها،
أو بعضها، ثم رده بعينه ولم ينفق شيئا، ولم يغير لم يصر ضامنا لأنه لم يحدث فى الوديعة قولا،
ولا فعلا، فکان کما إذا عد دراهم الودیعة ثم وضعها.
باب فی قبول الهبة
أقول: اضطرب كلمات الحنفية فى أن ركن الهبة ما هو؟ فقال شيخ الإسلام خواهر زاده فى

٦٩
قبول الهبة
إعلاء السنن
جاءه معروف من أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق
ساقه الله إليه))، رواه أحمد، قال فى "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح (نيل
الأوطار ٤٩:٤).
٥٢٥٣- وعن أم كلثوم بنت أبى سلمة، قالت: لما تزوج النبى معَّ أم سلمة قال
لها: ((إنى أهديت إلى النجاشى حلة وأوانى من مسك، ولا أرى النجاشى إلا قد ملت،
ولا أرى هديتى إلا مردودة، فإن ردت على فهی لك»، قالت: وكان كما قال رسول
الله عَّ ◌ُله، وردت عليه هدية، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم
سلمة بقية المسك والحلة، رواه أحمد ٤٠٤:٦). وقال فى "الفتح": إسناده حسن
(١٦٤:٥).
وقال فى "مجمع الزوائد": فى إسناده أم موسى بن عقبة ولا أعرفها (نيل
٢٣٢:٥)، وفيه أيضًا حديث أم كلثوم هذا أخرجه الطیرانی والحاكم، وحسن صاحب
"الفتح" إسناده اهـ.
"ميسبوطه": هو مجرد إِيحاب الواهب وهو قوله: وهيت، ولم يجعل قبول الموهوب له ركنا، لأن
العقد ينعقد بمجرد أيجاب الواهب. وقال صاحب "التحفة": ركنها الإيجاب والقبول، ووجهه أن
الهبة عقد والعقد هو الإيجاب والقبول، وقال فى "البدائع": أما ركن الهبة فالإيجاب من الواهب.
فأما القبول من الموهوب له فلیس بر کن استحسانا والقیاس أن یکون ر کنا، هو قول زفر، وفى قول
قال: القبض أيضا ركن، كذا فى "نتائج الأفكار" (٤٨٠:٧)، لكن هذا الاضطراب والاختلاف إنما
هو فى حقيقة الهبة فقط، ولم يختلفوا فى أن الملك للموهوب له لا يثبت بدون قبول الموهوب له
وقبضه.
قال صاحب "النهاية" تحت قول صاحب " الهداية": وتصح بالإيجاب والقبول أى تصح
بالإيجاب وحده فى حق الواهب وبالإيجاب والقبول فى حق الموهوب له. لأن الهبة عقد تبرع
فيتم بالمتبرع. فصار هو عندنا بمنزلة الإقرار والوصية. ولكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول
والقبض، هكذا فى "نتائج الأفكار" (٤٨٠:٧). فظهر من هذا التفصيل أن ما يظهر من كلام
الشوكانى، أن الموهوب له يملك بالإيجاب فقط عند بعض الحنفية، ناش من قلة التدبر فى كلامهم.
لأن النزاع منهم إنما هو فى حقيقة الهبة لا فى ثبوت الملك بالإيجاب فقط

٧٠
ج - ١٦
قبول الهبة
٥٢٥٤- عن أبى هريرة، عن النبى عَّه قال: ((تهادوا تحابوا))، رواه البخارى
فى "الأدب"، والبيهقى وابن طاهر فى "مسند الشهاب"، وإسناده حسن (التلخيص
الحبير ٢٥٩:٢).
قال العبد الضعيف: إن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة. وكلها تمليك فى
الحياة بغير عوض (فى الحال). واسم العطية والهبة شامل لجميعها.
الفرق بين الصدقة والهدية:
والصدقة والهدية متغائران. فإن النبى معٍَّ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وقال فى
اللحم الذى تصدق به على بريرة: «هو عليها صدقة ولنا هدية)). فمن أعطى شيئا يتقرب به إلى الله
تعالى للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى أحد شيئا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية كما وقع
التصريح به فى حديث عبد الرحمن بن علقمة، وجميع ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه. فإن
النبى معَّه قال: ((تهادوا تحابوا)) وإسناده حسن، وأما الصدقة فما ورد فى فضلها أكثر من أن
يحصر. وذكر القاضى وأبو الخطاب من الحنابلة أن الهبة والعطية لا تصح كلها إلا بالإيجاب
والقبول، ولا بد منهما، سواء وجد القبض أو لم يوجد وهذا قول أكثر أصحاب الشافعى لأنه عقد
تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالنكاح وغيره.
الصحيح أن المعاطاة كافية لصحة الهبة ولا حاجة إلى الإيجاب والقبول لفظا:
والصحيح أن المعاطاة والأفعال الدالة على الإيجاب والقبول كافية، ولا يحتاج إلى لفظ.
وهذا اختيار ابن عقيل، فإن النبى ◌ٍّ كان يهدى ويهدى إليه، ويعطى ويعطى، ويفرق
الصدقات، ويأمر سعاته بتفريقها وأخذها، وكان أصحابه يفعلون ذلك ولم ينقل عنهم فى ذلك
إيجاب ولا قبول لفظا، ولا أمر به ولا تعليمه لأحد. ولو كان ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشهورا،
كما هو مقتضى العادة، وكان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبى مرّ له العمر: "بعينه"، فقال: "هو
لك يا رسول الله، فقال رسول الله عَ ليه: ((هو لك يا عبد الله ابن عمر! فاصنع به ما شئت)).
ولم ينقل قبول النبى معَّ له من عمر، ولا قبول ابن عمر من النبى عّ لّ لفطا. ولو كان
شرطاً لفعله النبی عګ﴾ وعلمه ابن عمر، ولم يكن ليأمره أن يصنع به ما شاء قبل أن یقبله، وروى أبو
هريرة: أن النبى معَ ◌ّ كان إذا أتى بطعام سأل عنه. فإن قالوا: صدقة، قال لأصحابه: ((كلوا))،
ولم يأكل. وإن قالوا: هدية ضرب بيده فأكل معهم)).

٧١
قبول الهبة
إعلاء السنن
٥٢٥٥- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: ((كان رسول الله عزّ له يقبل الهدية
ویشیب عليها))، رواه البخارى (الزيلعى ٢٣٠:٢).
تقديم الطعام بين يدى الضيف إذن فى الأكل
ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه فى أن تقديم الطعام بین یدی الضيفان إذن فی
الأكل، وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله ولأنه وجد ما يدل على التراضى بنقل الملك فاكتفى به، كما
إذا وجد الإيجاب والقبول، قال ابن عقيل: إنما يشترط الإيجاب والقبول لفظا مع الإطلاق وعدم
العرف القائم بين المعطى والمعطى لأنه إذا لم يكن عرف يدل على الرضا فلا بد من قول دال عليه،
أما مع قرائن الأحوال والدلائل فلا وجه لتوفيقه على اللفظ، ألا ترى أنا اكتفينا بالمعاطاة فى البيع،
واكتفينا بدلالة الحال فى دخول الحمام، وهو إجارة وبيع أعيان، فإذا اكتفينا فى المعاوضات مع
تأكدها بدلالة الحال، وأنها تنقل الملك من الجانبين، فلأن نكتفى به فى الهبة أولى، ذكره الموفق فى
"المغنى" (٢٥٣:٦).
قلت: وهذا هو مذهبنا معشر الحنفية. قال ابن عابدين: إن التلفظ بالإيجاب والقبول لا
يشترط، بل تكفى القرائن الدالة على التمليك، كمن دفع لفقير شيئا وقبضه، ولم يتلفظ واحد
منهما بشىء، وكذا يقع فى الهدية ونحوها، فاحفظه. ومثله ما يدفعه لزوجته أو غيرها قال: وهبت
منك هذه العين، فقبضها الموهوب له بحضرة الواهب ولم يقل: قبلت، صح لأن القبض فى باب
الهبة جار مجرى الركن، فصار كالقبول "ولوالجية". قال: وتصح الهبة بقبول أى ولو فعلا، ومنه
(وهبت جاريتى هذه لأحد كما فليأخذها من شاء" فأخذها رجل منهما تكون له، وكان أخذه
قبولا، (وكذا لو وضع ما لا فى طريق ليكون ملكا للرافع جاز ويكون لمن رفعه). وما فى "المحيط"
من أنها تدل على أنه لا يشترط فى الهبة القبول مشكل "بحر". قلت: يظهر لى أنه أراد القبول
قولا، وعليه يحمل كلام غيره أيضا، وبه يظهر التوفيق بين القولين باشتراط القبول وعدمه، والله
الموفق، وقدمنا نظيره فى العارية. نعم! القبول شرط لو كان الموهوب فى يده أى يد الموهوب له،
كما يأتى اهـ (٧٧٨:٤). وبهذا ارتفع الاضطراب الذى ادعاه بعض الأحباب فى كلمات الحنفية.
اغتر بعض الفقهاء بمسألة اليمين:
واغتر من قال بعدم ركنية القبول بما ذكروه فى باب الأيمان: "إذا حلف أن لا يهب فوهب
ولم يقبل، حنث. ولو قال: لا أبيع فباع ولم يقبل المشترى لم يحنث". ولا حجة لهم فيه، لما عرف

٧٢
قبول الهبة
ج - ١٦
٥٢٥٦- عن أبى هريرة، عن النبى عّ لّه قال: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو
أهدى إلى ذراع لقبلت))، رواه البخارى، وأخرجه الترمذى من حديث أنس وصححه
(التلخيص الحبير ٢٥٩:٢).
أن مبنى الأيمان على العرف، ويقال لمثله واهبا عرفا ولو لم يقبل الموهوب له، ولا يقال له بائعا ما لم
يقبل المشترى. ولهذا يقال: وهب ولم يقبل. ولا يقال: باع ولم يقبل. ولا يلزم من صحة إطلاق
الهبة بدون القبول عرفا صحته بدونه شرعا، فالحق أن القبول ركن من أركان الهبة، لا تصح
بدونه، سواء كان بالقول، أو الفعل.
قال فى "الكفاية": وركنها الإيجاب والقبول، لأن ملك الإنسان لا ينتقل إلى الغير بدون
تمليكه، وإلزام الملك على الغير لا يكون بدون قبوله اهـ. ومثله فى "الكافى"، وبه صرح صاحب
"النهاية" و"معراج الدراية": أن ركن الهبة هو الإيجاب والقبول.
وقول صاحب "الهداية": أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد والعقد ينعقد بالإيجاب والقبول.
بمنزلة الصريح فى أن عقد الهبة لا يتم إلا بالإيجاب والقبول كسائر العقود، ويشهد لهذا أيضا
قوله: والقبض لا بد منه لثبوت الملك، إذ لو كان مراده أن الهبة عقد تبرع فيتم بالمتبرع، ولكن
لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض، لقال: والقبول والقبض لا بد منهما لثبوت الملك
(لا لصحة العقد). وهذا كله مما لا سترة به عند من له ذوق صحيح (نتائج الأفكار ٧: ٤٨٠).
فإن قيل: إذا لم يثبت الملك للموهوب له بدون القبض، فما فائدة صحة الهبة بالإيجاب
والقبول وجعلها ركنين لها؟ قلنا: فائدته ثبوت استحقاق الملك له، ولذا كان له قبض الموهوب
بلا إذن الواهب فى المجلس، فافهم.
دلائل اشتراط القبول للهبة:
ولا يخفى أن حديث خالد بن عدى يدل على أن الهدية تفتقر إلى القبول. لقوله عن ◌ّ فيه:
((فليقبله))، ولو كانت الهبة والهدية تتم بمجرد الإيجاب لم يكن حاجة إلى القبول، وكذا حديث
عائشة: كان رسول الله عَّ ◌ُلّه يقبل الهدية ويثبت عليها. وكذا حديث أبى هريرة ((لو أهدى إلى
ذراع لقبلت)) وغير ذلك من الأحاديث التى ذكرها صاحب "المتنقى" و"نيل الأوطار"، كلها
مشعرة بأن الهبة والهدية تفتقر إلى القبول، وإلا لم يكن لذكره معنى، وهذا هو المطلوب، لا ما
زعمه بعض الأحباب أن المطلوب توقف ثبوت الملك للموهوب له على القبول. ثم قال: إن هذه

٧٣
قبول الهبة
إعلاء السنن
٥٢٥٧- عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفى قال: لما قدم وفد ثقيف قدموا معهم
بهدية، فقال النبى عّ لّه: ((أ هدية أم صدقة؟ فإن كانت هدية، فإنما يبتغى بها وجه رسول
الله عَّةٍ وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله))، قالوا: لا، بل هدية،
فقبلها منهم، الحديث رواه النسائي، وسكت عنه الحافظ فى "التلخيص" (٢٥٩:٢).
الأحاديث لا تتعرض للملك. قلنا: ثبوت الملك يتوقف على القبض، وأما الإيجاب والقبول فإنما
يتوقف عليهما صحة العقد وإفادة الاستحقاق للموهوب له، ولا يخفى دلالة أحاديث الباب على
هذا المعنى، أما حديث خالد ابن عدى فلما ذكرنا فيه من قوله: ((فليقبله)).
وأما حديث أم كلثوم بنت سلمة فلما فيه من قبض النبى معَّظّ الهداية التى بعث بها إلى
النجاشى بعد رجوعها إليه، دل ذلك على أن الهدية لا تتم بمجرد الإهداء بل لا بد من القبول ولو
كانت تتم بمجرد ذلك ويستحقها الموهوب له بالإهداء لما قبضها مرّ ته، لأنها قد صارت للنجاشى
عند بعثه ےګ بها، ولورثته من بعده.
الجواب عن إيراد بعض الأحباب:
وأورد عليه بعض الأحباب أنه لا دليل فى الحديث على أن النجاشى كان حيا حين الإهداء
إذا يمكن أن يكون إهداءه عّ لّه إليه لظنه حيا ثم علم بعده أنه قد مات قبل الإهداء، ولهذا ارتجع
هديته. قلت: مجرد الاحتمال العقلى لا يجدى فى هذا العلم ولو راجع الأصول الصحاح لعلم أن
النبى معَّه كان قد نعى النجاشى فى اليوم الذى مات فيه، وأخرج بهم إلى المصلى نصف بهم
وكبر عليه أربع تكبيرات. رواه الجماعة عن أبى هريرة، كما فى "نيل الأوطار" (٢٨٣:٣).
وحديث أم سلمة صريح فى عدم تيقنه مرّ ه بموته حين قال لها ما قال لقوله: ((ولا أرى النجاشى إلا
قد مات)). بدون الجزم به، فلا بد أن يكون ذلك قبل اليوم الذمى مات فيه، أو قبل موته بساعة،
أو ساعات، فافهم.
وفى ترجمة البخارى: إذا وهب هبة فقيضها الآخر ولم يقل: قبلت، إشارة إلى صحة الهبة
بدون القبول بالقول، ونقل ابن بطال اتفاق العلماء، وأن القبض فى الهبة هو غاية القبول، قال
الحافظ فى "الفتح": وغفل رحمه الله عن مذهب الشافعى، فإن الشافعية يشترطون القبول (لفظا)
فى الهبة دون الهدية إلا إن كانت الهبة ضمنیة، کما لو قال: أعتق عبدك عنى، فعتقه عنه، فإنه
يدخل فى ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول، ومقابل إطلاق ابن بطال قول الماوردى. قال
الحسن البصرى: لا يعتبر القبول فى الهبة كالعتق. قال: وهو قول شذ به عن الجماعة وخالف فيه

٧٤
ج - ١٦
باب انعقاد الهبة بقوله: نحلت
٥٢٥٨- عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله عّ لّه فقال: إنى
نحلت ابنى هذا غلاما، فقال: ((أ كل ولدك نحلت مثله؟)) قال: لا، قال: ((فارجعه))
(البخارى).
الكافة إلا أن يريد الهدية فيحتمل اهـ. على أن فى اشتراط القبول فى الهدية وجها عند الشافية.
واحتج البخارى بحديث أبى هريرة فى قصة المجامع فى رمضان، وفيه أنه مرّ: أعطى الرجل التمر
فقبضه ولم يقل: قبلت، ثم قال له: ((اذهب، فأطعمه أهلك)). ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا
بأنها واقعة عين فلا حجة فيها، ولم يصرح فيها بذكر القبول ولا بنفيه، وقد اعترض الإسماعيلى
بأنه ليس فى الحديث أن ذلك كان هبة بل لعله كان من الصدقة، فيكون قاسما، لاواهبا اهـ، وقد
تقدم فى الصوم التصريح بأن ذلك كان من الصدقة، وكان البخارى يجنج إلى أنه لا فرق فى
ذلك، (بين الهبة والصدقة والهدية لا شتراك الجميع فى كونها تمليكا بلا عوض) اهـ (٥: ١٦٤)،
وأما حكم القبض فى الهبة، فسنذكره فى بابه، وغفل بعض الأحباب حيث ذكره فى باب القبول
وخلط بينهما.
تنبيه: احتج ابن حزم بما فى حديث خالد بن عدى من قوله مَ ظله: ((من جاءه معروف من
أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده)) الحديث. على أن قبول الهدية والصدقة
والهبة فرض لا يجوز رد شىء منها، وهكذا سائر وجوه النفع، ثم أغرب وقال بوجوب قبولها ولو
علم وتيقن بأن الذى أعطى حرام، أو شك فلم يدر أ حلال هو أم حرام؟ (١٥٢:٩ و١٥٣)، وهذا
ما لم يقله أحد قبله من جماعة العلماء، وقد رددناه عليه فى باب رزق القاضى من باب
القضاء، فليراجع.
باب انعقاد الهبة بقوله: نحلت
أقول: احتج صاحب "الهداية" بقوله عّ لّه: ((أكل ولدك نحلت مثله))؟ على انعقاد الهبة
بقوله: نحلت، ولا حجة له فيه، لأنه قد ورد فى رواية للبخارى أخرى فى هذه القصة بعينها قوله:
(أعطيت سائر ولدك مثل هذا))؟ فلا يدرى أى لفظ قال رسول الله عَ ليه، فلا يصح الاحتجاج بلفظ
خاصٍ. فالصحيح الاحتجاج فيه باللغة والعرف، ولا حاجة فيه إلى الاحتجاج بالنص، لأن كون
النحل بمعنى الإعطاء والهبة أمر لغوى وعرفى وليس بشرعى، ومعلوم أن الشرع لا يعتبر خصوص

٧٥
إعلاء السنن
باب القبض فى الهبة
٥٢٥٩- عن عائشة رضى عنها زوج النبى عدّ له أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق
كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغاية، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية!
مامن الناس أحد أحب إلى غنى بعدى منك، ولا أعز على فقرا بعدى منك، وإنى كنت
نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان ذلك لك، وإنما هو اليوم
مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة: فقلت: يا
أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هى أسماء فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة
خارجة أراها جارية (موطأ مالك ٣١٤).
الألفاظ فى العقود، بل هو يعتبر المعانى فقط. وغاية الاعتذار عنه أن يقال: إن استدلال صاحب
الهداية بهذا اللفظ على وجه الاستحسان والأولوية، لأنه يحتمل كونه من كلام رسول الله عَ ليه،
بخلاف ما لو استدل بكلام صاحب "القاموس" أو "الصحاح" أو غيرهما.
قال العبد الضعيف: قد تقرر فى الأصول أن الروايات يفسر بعضها بعضا، فلما ورد فى
بعض ألفاظ الحديث "نحلت" مكان قوله: "وهبت" أو "أعطيت" ثبت أن النحلة والهبة والعطية
كلها سواء ومعناها واحد، هذا هو مراد صاحب "الهداية"، فلا شك فى صحة احتجاجه على
انعقاد الهبة بقوله: "نحلت" بما ذكره من لفظ الحدیث، فلا أدری فی أی واد ذهب بعض الأحباب
فتخبط خبط عشواء، ولو راجع طرق الحديث عند البيهقى ، الدارقطنى والطحاوى لعلم أن أكثرها
بلفظ: "نحلت و"نحلنى" و"نحلت" ولم يرد "أعطيت" أو"وهبت" إلا فى طريق، فالظاهر أن
المحفوظ هو الأول، وأما الثانى والثالث فمن تصرف الرواة رواية بمعنى، فافهم.
باب القبض فى الهبة
أقول: الآثار المذكورة تدل على أن الهبة لا يصح إلا مقبوضة، والدلالة ظاهرة لا تحتاج إلى
التقرير.
الجواب عن إيراد بعض الأحباب وابن حزم على الحنفية
فى استدلالهم بأثر الصديق على اشتراط القبض:
قال العبد الضعيف: فإن قيل كما قال بعض الأحباب: إن فى الاستدلال بأثر الصديق نظرا،
لأنه كان وهب مشاعا، وهبة المشاع فاسدة تعود إلى الصحة بالقسمة والقبض عند أبى حنيفة،

٧٦
ج - ١٦
القبض فى الهبة
٥٢٦٠- وعن عبد الرحمن بن عبد القارئ، عن عمر بن الخطاب قال: ما بال
رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالى بيدى لم
أعطه أحدا، وإن مات هو قال: هو لابنى قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة، فلم يحزها
الذى نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهى باطل (موطأ مالك ص ٣١٤).
٥٢٦١- وعن أبى موسى الأشعرى، أنه قال: قال عمر: الإنحال ميراث ما لم
تقبض. أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة (كنز العمال ٣٢٧:٨).
٥٢٦٢- وعن النضر بن أنس، قال: قضى عمر بن الخطاب فى الإنحال ما قبض
منه فهو جائز، وما لم يقبض منه فهو ميراث، أخرجه ابن أبى شيبة والبيهقى (كنز
العمال ٣٢٧:٨).
فيجوز أن يكون اعتبار القبض هناك لفساد الهبة قبل الجداد والإحراز، فلا يدل على اشتراط القبض
فى الهبة الصحيحة، أو كما قال ابن حزم: إن أبا بكر إما أن يكون أراد نخلا تجد منها عشرين وسقا
وإما أن يكون أراد تمرا يكون عشرين وسقا مجدودة، لا بد من أحدهما، وأى الأمرين كان فإنما
هى عدة، ولا يلزم هذه القضية عندهم ولا عندنا، لأنها ليست فى معين من النخل ولا معين من
التمر اهـ (١٢٤:٩).
قلنا: لا يجوز حمله على محل النزاع أى هبة المشاع، وأقل أحواله الكراهة وفساد العقد،
والظاهر من حال أبى بكر اجتناب المكروهات، والحق أنه كان قد وهبها أرضا معلوماة يقال لها
ثمرد، فيها نخل كان جدادها عشرين وسقا، كما وقع التصريح به فى حديث القاسم عند البيهقى،
وقد ذكرناه فى المتن، فعبر عنها بعض الرواة بأنه نحلها جداد عشرين وسقا، وبعضهم بأنه نحلها
نخلا، وبعضهم بأنه نحلها أرضا يقال لها ثمرد. فلم يكن وهبها مشاعا بل أرضا معلومة متعينة،
وإنما لم تتم الهبة لكونها لم تقبضها، وكانت عند أبى بكر رضى الله عنه بعد الهبة كما كانت
قبلها. فقال: لو كنت جددتيه واحتزتيه كان ذلك. لكونه طريقا لقبض الأرض، وإنما هو اليوم مال
وارث لأنك لم تخريبها إليك. وفيه دلالة ظاهرة على أن الهبة لا تتم إلا بالقبض، هذا هو المتبادر من
سياق الحديث، وهو الذى أخذه الفقهاء والمحدثون منه، وكلهم قد اتفقوا على أنه كان هبة لا عدة،
کما زعمه ابن حزم.
کیف وقد ورد فى أثر ظنه موافقا له قول أبى بكر: فردیه علی ولدى، ولو لم يكن هبة
لم يكن لقوله: فرديه، معنى، كما لا يخفى، والأثر رواه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى ابن أبى

٧٧
إعلاء السنن
القبض فى الهبة
٥٢٦٣- ثنا: يزيد بن زريع ثنا سعيد بن عروبة عن قتادة عن یحیی بن یعمر عن
أبى موسى الأشعرى، قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "الإنحال ميراث ما لم
يقبض ، رواه البيهقى (٦: ١٧٠) بسنده، وهو صحيح.
٥٢٦٤- قال: وروينا عن عثمان وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم أنهم قالوا:
"لا تجوز صدقة حتى تقبض".
٥٢٦٥- وعن معاذ بن جبل وشريح "أنهما كانا لا يجيزانها حتى تقبض" اهـ.
٥٢٦٦- ومن طريق مالك ويونس بن يزيد وغيرهما من أهل العلم أن ابن شهاب
أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها. فذكر قصة نحلة أبى بكر لها
جداد عشرين وسقا من مال بالغاية، قال(١): وأنبأ ابن وهب أخبرنى عبد الله بن عمر عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك.
مليكة أن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق أخبره: أن أبا بكر الصديق قال لعائشة: يا بنية! إنى
نحلتك نخلا من خيبر، وإنى أخاف أن أكون آثرتك على ولدى. وإنك لم تكونى احتزتيه، فرديه
على ولدى. فقالت: يا أبتاه! لو كانت لى خيبر بجدادها لرددتها. قال ابن حزم: وهذه السياقة
موافقة لقولنا لا لقولهم اهـ (١٢٤:٩).
قلت: وكيف يكون موافقال له؟ وفيه قوله: وإنك لم تكونى احتزتيه، وهويدل على أنها لو
کانت احتازته لملکته، ولم یکن لأبی بکر أن يسترده منها.
فإن قيل: إنما استرده لكونه قد خالف أن یکون أثرها على ولده. قلنا: بل استرده منها لأجل
هذه المخافة ولكونها لم تكن حازته، وإذا كان الحكم معللا بعلتين لم يجز قصره على علة واحدة إلا
بدليل، لا سيما والقاسم لم يذكر مخافة الإيثار إلا فى هذه الرواية الفردة، وعامة الروايات ليس
فينها إلا قوله: فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، ولو كان علة الاسترداد مخافة الإيثار لم
يكن لقوله ذلك معنى، لكون الاسترداد واجبا عليه ولو بعد الجداد والاحتياز عند ابن حزم ومن
وافقه فإنه يقول: لا يحل أن يفضل ذكرا على أنثى ولا أنثى على ذكر، فإن فعل فهو مفسوخ
مردود أبدا ولا بد (٩: ١٤٢). وأثر الصديق صريح فى أنها لو كانت جدته أو حازته لم يسترده
منها، و کان ذلك لها، فافهم.
(١) ابن الحكم. (المؤلف)

٧٨
ج - ١٦
القبض فى الهبة
٥٢٦٧- قال: وأخبرنى ابن وهب سمعت حنظلة بن أبى سفيان يحدث أنه سمع
القاسم بن محمد يحدث بذلك أيضًا، إلا أنه قال: أرضا يقال لها ثمرد، وكانت عنده
لم تقبضها، أخرجه البيهقى (١٧٠:٦) أيضًا، وسنده صحيح.
وأيضا: فإن التسليم كالتمليك المبتدأ عندنا، لأن أبا بكر رضى الله عنه امتنع من ذلك لمرضه،
فإن المريض ممنوع من إيثار بعض ورثته بشىء من ماله بطريق التبرع، فالمعنى أنك لوجددتيه
واحتزتيه قبل مرضى كان ذلك لك ولا يجوز لى أن أسلمه إليك الآن، لأن التسليم فى المرض
کالتملیك ابتداء، وفيه مخافة الإيثار فى المرض وهو غير جائز.
قال الموفق فى "المغنى": إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول
أكثر الفقهاء، منهم النخعى والثورى والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعى.
وقال مالك: يلزم ذلك بمجرد العقد، ولنا: إجماع الصحابة رضى الله عنهم، فإن ما قلنا
مروى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ولم يعرف لهما مخالف فى الصحابة، فروى عروة عن
عائشة رضى الله عنها: أن أبا بكر رضى الله عنه نحلها جذاد عشرين وسقا، الحديث.
وروى ابن عيينة عن الزهرى عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدالقارى: أن عمر بن الخطاب
قال: ما بال أقوام ينحلون، الحديث.
رووى عن عثمان: أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغارا (ومفهومه أن لا بد للكبير أن
يحوز بنفسه) قال المروزى: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. ولأنها
هبة غير مقبوضة فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض، فإن مالكا يقول: لا يلزم الورثة التسليم،
والخبر أى قوله عَّ له: ((العائد فى هبة كالعائد فى قيئه)) محمول على المقبوض اهـ.
قال: وأما غير المكيل والموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك فى الموهوب قبل
قبضه. روى ذلك عن على وابن مسعود، وهو قول مالك وأبى ثور. وعن أحمد رواية أخرى، لا
تلزم الهبة فى الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم.
قال المروزى: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلى على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، ويروى
ذلك عن النخعى والثورى والحسن بن صالح والعنبرى والشافعى وأصحاب الرأى، لما ذكرنا فى
المسألة الأولى اهـ ملخصا (٢٤٦:٦ و٢٥١).

٧٩
القبض فى الهبة
إعلاء السنن
٥٢٦٨- روينا: من طريق شعبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن
أبيه: قال: لما نزلت ﴿ألهاكُم التكاثر﴾ قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((يقول ابن آدم: مالى مالى.
وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت)) (المحلى
١٢١:٩)، وسنده صحيح.
٥٢٦٩- ومن طريق أبى داود الطيالسى نا هشام هو الدستوائى عن قتادة عن
قوله: روينا من طريق شعبة، وقوله: ومن طريق أبى داود الطيالسى إلخ. احتج بهما من
ذهب إلى اشتراط القبض فى صحة الهبة ولزومها. قالوا: فشرط رسول الله عَ ليه فى العطية
والصدقة الإمضاء، وهو الإقباض.
الجواب عن أيراد ابن حزم:
وأورد عليه ابن حزم أنه عّ لّه لم يقل: إن الإمضاء هو شىء آخر غير التصدق والإعطاء،
ولا جاء ذلك قط فى لغة. بل كل تصدق وإعطاء فاللفظ بهما إمضاء لهما اهـ.
قلت: دعوى مجردة عن دليل. وقد تقرر فى الأصول أن العطف يقتضى المغائرة، ولا يجوز
عطف الشىء على نفسه، والفاء للتعقيب، فلا بد لها من شيئين، متقدم ومتأخر يعقبه. فقوله معرّ له:
((أو أعطيت فأمضيت، أو تصدقت فأمضيت)) صريح فى أن الإمضاء شىء آخر غير التصدق
والإعطاء يعقبهما، كما أن الإفناء والإبلاء يعقبان الأكل واللبس، ويتفرعان عليهما. فإن الثوب
لا يبلى بمجرد اللبس بل بتكرره. فقول ابن حزم: إن الإفناء والإبلاء هو الأكل واللباس لا غير، رد
عليه. فكذلك الإمضاء لا يتحقق بمجرد الإعطاء والتصدق لفظا، بل لا بد له من شىء آخر يقرره
وليس إلا نقل الواهب الموهوب من يده إلى يد الموهوب له، دل على ذلك قول الشعبى: الواهب
أحق بهبته ما كانت فى يده. فإذا أمضاها أى نقلها من يده فقبضت فهی للموهوب له، کما ذکرناه
فى المتن. وهو صريح فى أن الإمضاء غير الهبة، وهو إخراج الواهب الموهوب من يده، والشعبى
أعرف باللغة واللسان ومعانى الحديث من ألوف أمثال ابن حزم. قال فى القاموس: مضى فى الأمر
مضاء ومضوا نفذ والسيف مضاء قطع وأمضاه أنفذه (٩٧٤:٢)، فالإمضاء تنفيذ الأمر وتحقيقه
قطعا. ولا يشك عاقل فى أن الهبة شىء، وتنفيذها شىء آخر، فمن قاله إن الإمضاء هو الهبة نفسها
فقد سها سهوا بينا.
قال ابن حزم: وأيضا فإن من قال: هذا صدقة على فلان أو قال: قد تصدقت عليك بهذا

٨٠
القبض فى الهبة
ج - ١٦
مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، أنه سمع رسول الله عَ ليه يقرأ ﴿ألهاكم
الشىء، أو قال: مالى هذا هبة لفلان أو قد وهبته فلا يختلف اثنان ممن يحسن اللغة العربية فى أنه
يقال قد تصدق فلان بكذا على فلان، وقد وهب له كذا. فلو لم تكن الصدقة كاملة تامة باللفط
لكان الخبر عنه بأنه تصدق أو وهب كاذبا اهـ. قلنا: نسلم أنه يقال له قد تصدق بكذا على فلان، أو
وهب له كذا، ولكن لا نسلم كون الصدقة كاملة تامة باللفظ وحده ألا ترى أنه لو لم يسلم
الصدقة والموهوب للمتصدق علیه والموهوب له يقال له: تصدق فلان بکذا فلم يمضه، ووهب فلان
لفلان كذا ولم يمضه فيثبت أن الهبة والصدقة لا تتم باللفظ بل بالإمضاء وبه نقول إن الهبة تثبت
بالإيجاب والقبول ولا تتم إلا بالقبض.
قال: فوجب حمل الحكم على ما توجبه اللغة ما لم يأت نص بحكم زائد لا تقتضيه اللغة
فيوقف عنده ويعمل به اهـ (١٢٣:٩). قلنا: وأى نص أقوى من قوله معدّ لله: ((أو تصدقت فأمضيت،
أو أعطيت فأمضيت))؟ وقد مر وجه دلالته على لزوم القبض لتمام الصدقة والهبة، وأجبنا عن
إيرادك جملة، ورددناه عليك، وأى دليل أقوى من إجماع الخلفاء على ذلك أيضا؟ كما تقدم.
الجواب عن قول ابن حزم: إن عمر وعثمان مختلفان فى اشتراط القبض للهبة:
وأما قوله: إن عمر وعثمان مختلفان. فباطل بالمرأة. لأنهما متفقان على أن الهبة لا تتم إلا
بالقبض. وزاد عثمان أن أحق من يحوز على الصبى أبوه، وهذا ليس منه إنكارا للقبض. بل معناه أن
قبض الولى كقبض الصغير فتتم الهبة بقبضه له. فلم يقل بتمامهما بدون القبض. ولكن ابن حزم
مجبول على إنشاء الخلاف بين الرويات إذا لم توافق غرضة، وينسى طريق الجمع بينهما، فقول
عمر رضى الله عنه: "الإنحال ميراث ما لم يقبض"، متفق عليه بينه وبين عثمان، وأما إن قبض
الولى عن الصبى قبض له أم لا؟ فلم ينفه عمر وأثبته عثما، وليس ذلك من الاختلاف فى شىء.
فبطل قوله: إن عمر عم كل موهوب وعثمان خص من ذلك صغار الولد (١٢٥:٩). فقد عرفت
أنه لم يخصهم، وإنما جعل قبض الولى كقبضهم. وليس هذا من العموم والخصوص فى شىء.
وأما قوله: وقد صح عن أبى بكر وعائشة خلاف ذلك. فأبطل وأبطل، فقد ذكرنا اتفاقهما
على أن الهبة لا تتم، ولا تلزم إلا بالقبض. وما أورد عليه ابن حزم فقد رددناه عليه جملة، كما مر.
الجواب عما احتج به ابن حزم على جواز الصدقة بدون القبض:
وأما ما احتج به على جواز الصدقة بدون القبض، وهو ما رواه من طريق الحجاج بن