النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
اختلاف الزوجين فى متاع البيت أو ورثتهما بعد موتهما فيه
إعلاء السنن
وإذا طلق فهو كذلك غير أن ما كان للنساء والرجال فهو للرجل، لأنه صاحب البيت
فله كل ما كان فى البيت إلا ما كان من متاع النساء، وإذا اختلفا ولم يطلق فهو كذلك،
"كتاب الآثار" لأبي يوسف وأخرجه محمد فى "الآثار" (ص ١٠٠) عنه مفصلا ثم
قال: وبهذا كله يأخذ أبو حنيفة اهـ، وسنده صحيح.
موتا فالقول للرجل فيما يصلح لهما لأن المرأة وما فى يدها فى يد الزوج، والقول فى الدعاوى
لصاحب اليد، بخلاف ما يختص بها لأنه يعارضه ظاهر أقوى منه، والذى يصلح لهما: الفرش
والأمتعة والأوانى والرقيق والمنزل والعقار والمواشى والنقود كما فى "الكافى". وبه علم أن البيت
للزوج إلا أن يكون لها بينة وعزاه فى خزانة الأكمل للإمام الأعظم، ولو أقام البينة يقضى ببينتها
لأنه خارجة معنى كذا فى "البحر" (٢٢٦:٦) وفيه أيضا قالوا: والصالح له: العمامة والقباء
والقلنسوة والطيلسان والسلاح والمنطقة والكتب والفرس والدرع الحديد فالقول فى ذلك له مع
يمينه، وما يصلح لها: الخمار والدرع والأساورة وخواتم(١) النساء والحلى والخلخال ونحوها فالقول
لها فيها مع اليمين. قالوا: إلا إذا (٢) كان الزوج يبيع ما يصلح لها فالقول له لتعارض الظاهرین،
وكذا إذا كانت تبيع ما يصلح له لا يقبل قوله لما ذكرنا، ولو اختلفا فى متاع النساء وأقاما البينة
يقضى للزوج اهـ (٢٢٥:٦).
قال ابن حزم: ولا يختلف المخالفون لنا من الحنفيين والماكيين فى أخ وأخت ساكنين فى بيت
فتداعيا ما فيه أنه بينهما بنصفین مع أيمانهما ولم يحكموا فى ذلك بما حكموا به فى الزوجين،
وكذلك لم يختلفوا فى عطار ودباغ أو بزاز ساكنين فى بيت أن كل ما فى البيت بينهما ولم
يحكموا أن ما كان من عطر فللعطار، وما كان من ألة الدباغ فللدباغ وما كان من آلة البز فللبزاز،
فظهر تناقضهم وفساد قولهم بيقين اهـ (٣١٤:١٠).
قلت: لم يتنبه ابن حزم لما ذكرنا أن المرأة وما بيدها فى يد الزوج، فكان مقتضى القياس أن
يكون القول قوله فى الجميع إلا أنه يعارض ظاهره باليد ظاهر أقوى منه وهو الاختصاص
بالاستعمال فيما يختص بها. وأما الأخ والأخت والعطار والدباغ فليس أحد منهم فی ید الآخر،
(١) يقال لها بالهندية: آرسی.
(٢) وفى "النهاية" و"العناية": إذا كانت المرأة تبيع ثيات الرجال وما يصلح لهما كالآنية والذهب والفضة والأمتعة والعقار فهو
للرجل، لأن المرأة وما فى يدها فى يد الزوج والقول لصاحب اليد، بخلاف ما يختص بها، لأنه يعارض ظاهر الزوج باليد
ظاهر أقوى منه وهو الاختصاص بالاستعمال، كذا فى "منحة الخالق". فلعل فى المسألة قولين (٢٢٥:٦).

٤٨٢
ج - ١٥
باب الظفر بجنس حقه عند غيره وهو يمنعه ولا بينة له
٥١٧٨- عن عائشة رضى الله عنها قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت:
يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسيك فهل على حرج أن أطعم من الذى له عيالنا؟
فقال: ((لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف)). رواه البخارى وغيره.
ولا ينظر إلى ما يصلح لأحدهما لأنه قد يتخذه لنفسه أو للبيع أو لزوجته أو لزوجها فلا يصلح
مرجحا، وإذا اختلف الزوجان فى غير متاع البيت وما كان فى أيديهما فإنهما كالأجنبيين يقسم
بينهما كما فى "البحر" (٢٢٦:٦) ومن أراد تفصيل أقوال السلف فى مسألة الباب فليراجع
"المحلى" (٣١٣:١٠، ٣١٤ و٤٢٣:٩) ولم أر قولا أبين وأوضح وأجمع من قول إبراهيم النخعى
فإنه جمع الصور كلها وذكر ما يتعلق بكل واحد منها من الحكم، بخلاف غيره من الفقهاء فإنهم
قد أجملوا الأمر ولم يشرحوه، فبعضهم اقتصر على ذكر حكم التنازع فى حياة الزوجين وبعضهم
على ذكر موت الزوج ولم يتعرض لموتها، وبعضهم ذكر حكم موتهما وحياتهما ولم يذكر موت
أحدهما ولم يتعرض لحكم الفرقة أحد منهم صريحا والله تعالى أعلم.
باب الظفر بجنس حقه عند غيره وهو يمتعه ولا بينة له
قوله: عن عائشة إلخ. قال الموفق فى المغنى: إذا كان لرجل على غيره حق وهو مقر باذل له
لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما يعطيه بلا خلاف بين أهل العلم، فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه
لزمه رده إليه وإن كان قدر حقه ومن جنس حقه، لأنه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله
بغير اختياره لغير ضرورة، وإن كان مانعا له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار لم يجز أخذ شىء
من ماله بغير خلاف، وإن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا، وإن كان مانعا
له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضا بغيره، لأنه قدر على
استيفاء حقه بمن يقوم مقامه فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله. وإن لم يقدر على ذلك لكونه
جاحدا له ولا بينة له به أو لكونه لا يجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك أو نحو هذا
فالمشهور فى المذهب (أى مذهب أحمد) أنه ليس له أخذ قدر حقه وهو أحدى الروايتين عن مالك.
قال ابن عقيل: وقد جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها فى المذهب أخذ من حديث
هند حين قال لها النبى عّ لّه: ((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وقال أبو الخطاب: ويتخرج لنا
جواز ذلك، فإن كان المقدور علیه من جنس حقه أخذ بقدره، وإن کان من غير جنسه تحرى

٤٨٣
الظفر بجنس حقه عند غيره وهو منعه ولا بينة له
إعلاء السنن
واجتهد فى تقويمه. وقال الشافعى: إن لم يقدر على استخلاص حقه ببينة فله أخذ قدر حقه من
جنسه أو من غیر جنسه. وقال أبو حنيفة: له أن يأخذ بقدر حقه إن كان عينا أو ورقا أو من جنس
حقه، وإن كان المال عرضا لم يجز لأن أخذ العرض عن حقه اعتياض، ولا تجوز المعاوضة إلا برضا
من المتعاوضين قال الله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. واحتج الموفق لمشهور مذهبه
بقول النبى معَّه: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) رواه الترمذى وقال: حديث
حسن. ومتى أخذ منه قدر حقه من ماله بغير علمه فقد خانه فيدخل فى عموم الخبر.
(قلت: كلا بل هو من باب المعاقبة بالمثل ولم نقل بجواز أخذه من الأمانة، فمعنى الحديث:
لا تخن من خانك إذا قبلت له أمانة. وبه نقول: لا يجوز له أن ينقص من هذه الأمانة شيئا عوضا
عن خيانة، لأنه بالائتمان التزم أداء هذه الأمانة بعينها إليه، ولا يلزم منه أن لا يجوز له أخذ حقه من
غير هذه الأمانة) ولأنه إن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس
حقه فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه. فإن التعيين إليه ألا ترى أنه لا يجوز لهأن يهو - فعى
حقی من هذا الكيس دون هذا؟ (٢٣٠:١٢).
قلنا: نعم ليس له تعیین حقه بغير رضاه إذا كان على رجاء منه، وإذا تيقن بظلمه جاز له أن
يعاقبه بمثله لسقوط حق تعيينه بالظلم. وقال الحافظ فى "الفتح": استدل به أى بحديث عائشة على
أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه.
مسألة الظفر
وهو قول الشافعى وجماعة وتسمى مسألة الظفر. والراجح عندهم: لا يأخذ غير جنس حقه
إلا إذا تعذر جنس حقه. وعن أبى حنيفة المنع، وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه
إلا أحد النقدين بدل آخر. وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء، وعن أحمد المنع(١) مطلقا. قال
الخطابی: يؤخذ من حدیث هند جواز أخذ الجنس وغیر الجنس لأن منزل الشحيح لا یجمع کل ما
يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق اللازمة وقد أطلق لها الإذن فى أخذ الكفاية من ماله.
(١) ولكن أبا الخطاب أخذ جوازه من قول أحمد فى المرتهن يركب ويحلب بقدر ما ينفق، والمرأة تأخذ مؤنتها وبائع السلعة
يأخذها من مال المفلس بغير رضاه كما فى "المغنى" (٢٣٠:١٢). قلت: ومن أجاز للقاضى بيع مال المديون المفلس لقضاء دينه
سواء كان من جنسه أو من غير جنسه أولى بأن يقول بجواز أخذ الغريم حقه من ماله، فإن لصاحب الحق يدا ولسانا.

ج - ١٥
الظفر بجنس حقه عند غيره وهو يمنعه ولا بينة له
٤٨٤
٥١٧٩- عن عقبة بن عامر قال: قلنا للنبى عّ لّه: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا
فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا
فخذوا منهم حق الضيف رواه البخارى وغيره.
ويدل على صحة ذلك قولها فى رواية أخرى: وأنه لا يدخل على بيتى ما يكفينى وولدى
وأجيب بأن دعواه أن منزل الشحيح كذلك مسلمة (فى الشحيح الفقير). لكن من أين له أن منزل
أبى سفيان كان كذلك. والذى يظهر من سياق القصة أن منزله كان فيه كل ما يحتاج إليه إلا إنه
كان لا يمكنها إلا من القدر الذى أشارت إليه فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه. ووجه
ابن المنير قوله: إن لصاحب الحق أن يأخذ من غير جنس حقه بحيث يحتاج إلى التقويم، لأنه عليه
الصلاة والسلام أذن لهند أن تفرض لنفسها وعيالها قدر الواجب، وهذا هو التقويم بعينه بل هو أدق
منه وأعسر اهـ (٤٤٦:٩).
قلت: لا يتعسر معرفة الواجب بالمعروف على ربة المنزل التى تعرف قدر ما تحتاج إليه هى
عيا لها من الطعام والكسوة وغيرهما فى كل شهر وعام، ولا حاجة إلى التقويم إذا كانت تأخذ من
جنس حقها. قال الحافظ: وجوزه الحنفية فى المثلى دون المتقوم لما يخشى فيه من الحيف، واتفقوا
على أن محل الجواز فى الأموال لا فى العقوبات البدنية لكثرة الغوائل فى ذلك، ومحل الجواز فى
الأموال أيضا إذا أمن الغائلة كنسبة إلى السرقة ونحو ذلك اهـ (٧٨:٦).
قوله: عن عقبة بن عامر إلخ. ظاهر هذا الحديث أن قرى الضيف واجب وأن المنزول
عليه أو امتنع من الضيافة أخذت منه قهرا، وقال به الليث مطلقا. وخصه أحمد بأهل
البوادى دون القرى.
وقال الجمهور: الضيافة سنة مؤكدة، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة ذكرها الحافظ
فى "الفتح"، أحسنها عندى أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة
الإمام، فكان على المبعوث إليهم إنزالهم فى مقابلة عملهم الذى يتولونه لأنه لا قيام لهم
إلا بذلك حكاه الخطابى قال: وكان هذا فى ذلك الزمان إذا لم يكن للمسلمين بيت مال،
فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال قال: وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف فى الضيافة على
أهل نجران خاصة قال: ويدل له قوله: إنك تبعثنا. وتعقب بأن فى رواية الترمذى: إنا
نمر بقوم.

٤٨٥
الظفر بجنس حقه عند غيره وهو يمنعه ولا بينة له
إعلاء السنن
٥١٨٠- وروى عبد بن حميد فى تفسيره من طريق خالد الحذاء عن ابن سيرين:
إن أخذ أحد منك شيئا فخذ مثله. وعلقه البخارى بلفظ: قال ابن سيرين: يقاصه. وقرأ:
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ كل ذلك من "فتح البارى" (٧٧:٦-٧٨).
قلت: لم يزل التصرف فى الألفاظ من دأب الرواة، فيحمل هذا على ذلك أو يقال: إنه
خاص بأهل الذمة، وقد شرط عمر حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم
وتعقب پإنه تخصيص يحتاج إلى دليل خاص ولا حجة فيما صنعه عمر، لأنه متأخر عن زمان
سؤال عقبة أشار إلى ذلك النووى اهـ (٧٨:٦).
قلت: ولكن اشتراط الضيافة على أهل نجران ليس بمتأخر بل كان رسول الله عَ ◌ّه هو الذى
شرطها عليهم كما فى كتاب الأموال (ص: ١٨٨) وليكن هذا هو الأصل لما شرطها عمر رضى الله
عنه على أهل الشام. وبالجملة فقوله مرّم: ((فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف يدل على مسألة
الظفر)) وهو مقيد بالأخذ من جنس حقه من الطعام والشراب.
قوله: وروى عبد بن حميد إلخ. فيه دلالة على أن الأخذ بما ظفر به من جنس حقه عند
غيره ليس من الخيانة، بل هو من باب المعاقبة بالمثل والله تعالى أعلم. قال فى "الدر": ليس
لذى الحق أن يأخذ غير جنس حقه وجوزه الشافعى وهو الأوسع اهـ (٥: ٤١٧). وفى
"الشامية": قال الحموى فى شرح "الكنز" عن العلامة المقدسى عن جده الأشقر عن شرح
القدورى للأخصب أن عدم جواز الأخذ من غير الجنس كان فى زمانهم لمطاوعتهم فى
الحقوق، والفتوی الیوم على جواز الأخذ عند القدرة من أی مال کان، لا سيما فی دیارنا
لمداومتهم العقوق قال الشاعر:
زمان عقوق لا زمان حقوق
عفاء على هذا الزمان فإنه
و کل صدیق فیه غیر صدوق
و کل رقیق فیه غیر مرافق
اهـ (١٤٥:٥).
وهذه المسألة ذكرها فقهاءنا فى باب الحظر والإباحة وبعضهم فى باب الحجر وذكرتها
فى كتاب الدعوى لمنا سبتها إياه. وأما بعض الأحباب فلم يتعرض لها لا ههنا ولا هناك فافهم
والله يتولى هداك.

٤٨٦
ج - ١٥
کتاب الإقرار
باب صحة الإقرار و عدم صحة الرجوع عنه فى غير الحدود
٥١٨١- عن ابن عمر مرفوعًا: ((اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله تعالى عنها،
فمن ألم بشىء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه
کتاب الله)). رواه الحاكم فى "المستدرك" (٣٨٣:٤). وسكت عنه، وصححه الذهبى
على شرط الشيخين وصححه ابن السكن (التلخيص الحبير ٣٥٣:٢).
باب صحة الإقرار وعدم صحة الرجوع عنه فى غير الحدود
قوله: عن ابن عمر إلخ قال العبد الضعيف: قوله مد ◌ّ: فإنه من يبدلنا صفحته فى معنى
قوله: من أقر بشىء من الحدود كما هو ظاهر من سياق الحديث، فدل على صحة الإقرار وقد تقدم
رجمه عّ له ماعزا بإقراه والغامدية بإقرارها، وهو مشهور لا يجهله أحد له إلمام بالعلم، فلما جعل
الإقرار حجة فى الحدود التى تدرأ بالشبهات فلأن يكون حجة فى غيرها أولى.
والإقرار هو الاعتراف، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى فى
ميثاق النبيين: ﴿قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا﴾. وقال تعالى: ﴿وآخرون
اعترفوا بذنوبهم﴾ وقال تعالى: ﴿وأشهدهم على مسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾. فى آى كثيرة
مثل هذا. وأما السنة فما ذكرناه وقال عَّضير: ((اعد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))
رواه الشيخان وغيرهما. وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار كما ذكره الموفق فى
"المغنى" (٢٧١:٥).
ولأن الإقرار إخبار علی وجه ینفی عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا یکذب علی نفسه کذبا
يضر بها، ولهذا كان آكد من الشهادة، فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة، وإنما
تسمع إذا أنكر، ولو كذب المدعى بينة لم تسمع، وإن كذب المقر ثم صدقه سمع، ولا يصح
الإقرار إلا من عاقل مختار، فأما الطفل والمجنون والنائم والمغمى عليه فلا يصح إقرارهم لا نعلم فى
هذا خلافا. قاله الموفق وقد تقدم قوله معدّظّم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبی حتى يبلغ، وعن
المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ)). فنص على الثلاثة، والمبرسم والمغمى عليه فى معنى
المجنون والنائم، ولأنه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم، كالبيع والطلاق، وأما الصبى المميز
فإن كان محجورا عليه لم يصح إقراره، وإن كان ماذونا له صح إقراره فى قدر ما أذن له فيه، وقال
الشافعى: لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر، ولأنه غير بالغ فأشبه الطفل، ولأنه لا تقبل شهادته ولا

٤٨٧
صحة الإقرار وعدم صحة الرجوع عنه فى غير الحدود
إعلاء السنن
٥١٨٢- أخرج البيهقى (٨٤:٦): من طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم أنبأنا ابن
عون عن إبراهيم النخعى أن رجلا أقر عند شريح ثم ذهب ينكر، فقال له شريح: شهد
عليك ابن أخت خالتك. قال: وحدثنا ابن سيرين أن شريحًا قال له: شهد عليك ابن
أخت خالتك اهـ. وسنده صحيح.
روايته فکذا إقراره.
ولنا: أنه عاقل مختار يصح تصرفه فصح إقراره، وإلا لانسد باب الإذن له، فإنه لا يعامله
أحد إذا لم يقبل إقراره فيما إذن له فيه. ومن زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه فهو كالمجنون لا
يسمع إقراره بلا خلاف، قاله الموفق.
وإن كان بمعصية كالسكران بخمر ومن شرب ما يزيل عقله عامدا لغير حاجة لم يصح
إقراره عند أحمد، وعندنا يصح إلا فى حد الزنا(١) وشرب الخمر صرح به فى "البحر" (٢٥٠:٦)
وهو منصوص الشافعى بناء على وقوع طلاقه، لأن أفعاله تجرى مجرى الصاحى. وأما المكره فلا
يصح إقراره بما أكره على الإقرار به، وهو مذهب الشافعى وأحمد كما فى "المغنى" (٢٧٢:٥)
وصرح به فى "البحر" و"البدائع" وغيرهما من كتبنا لأن الإقرار إنما كان حجة لما مر من أنه إخبار
على وجه ينفى عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضر بها، وكونه كاذبا
فى الإقرار بالإكراه ظاهر فلو أقر بالطلاق والعتاق مكرها لم يصح.
وأما قوله عّ لّهِ: ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). فإنما يدل على رفع
الإثم دون رفع الفعل عندنا كما مر فى أبواب الطلاق، والحرية شرط لتنفيذ الإقرار للحال لا مطلقا
وصح إقرار العبد للحال فيما لا تهمة فيه كالحدود والقصاص ويؤخر ما سواهما إلى ما بعد العتق،
وصح إقرار العبد المأذون بما كان من التجارة للحال لكونه ملحقا بالحر فى ذلك، وتأخر بما ليس
منها إلى العتق كإقراره بجناية ومهر موطوءة بلا إذن كذا فى "البحر" (٢٥٠:٦).
قوله: أخرج البيهقى إلخ. دلالته على بطلان رجوع المقر عن إقراره ظاهرة. قال الموفق فى
المغنى: ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط
لإسقاطه، فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارة فلا
يقبل رجوعه عنها، ولا نعلم فى هذا خلافا اهـ (٢٨٨:٥).
(١) ودليل هذا الاستثناء قوله مَّ ه لماعز بعد إقراره: أشربت خمرا؟ فقام رجل فاستنهكه فلم يجد منه ريح خمر. رواه مسلم فدل
علی أن السكر من الخمر مانع من صحة الإقرار بالزنا ونحوه.

٤٨٨
ج - ١٥
باب إقرار المريض بالدين للوارث
٥١٨٣- نا أحمد بن كامل نا عبيد بن كثير نا عباد بن يعقوب نا نوح بن دراج
عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا وصية
لوارث ولا إقرار بدين)) أخرجه الدار قطنى (ص٤٨٩).
وقال ابن حزم فى "المحلى": وأما الرجوع عن الإقرار فكلهم متفق على ما قلنا. (من أنه إن
رجع لم ينتفع برجوعه وقد لزمه ما أقر به على نفسه) إلا فى الرجوع عن الإقرار بما يوجب الحد،
فإن الحنفيين والمالكيين (قلت: والشافعيين والحنبليين أيضا) قالوا: إن رجع لم يكن عليه شىء وهذا
باطل. والقوم أصحاب قياس بزعمهم، فهلا قاسوا الإقرار بالحد على الإقرار بالحقوق سواه.
(قلت: لكنهم لا يجيزون القياس بمعرض النص وقد ورد النص بصحة الرجوع عن الإقرار
بالحد. وأما ابن حزم ومن تبعة من أهل الظاهر فلا الآثار يتبعون ولا القياس يحسنون) قال: وأيضا
فإن الحد قد لزمه بإقراره، فمن ادعى سقوطه برجوعه فقد ادعى ما لا برهان له به (قلت: كلا)
واحتجوا بشيئين: أحدهما حديث ماعز. والثانى أن قالو: إن الحدود تدرأ بالشبهات اهـ (٢٥٢:٨).
قلت: فمن أين لك أن نقول: إنهم ادعوا ما لا برهان لهم به؟ وأما قولك: إن قول رسول الله معد له
فى ماعز حين ذكروا له هروبه: ((هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه)» لا يدل على صحة الرجوع
فمكابرة وتحكم بارد، وأما قولك: إن قولهم: ادرأوا الحدود بالشبهات فما جاء عن النبى عّ لّه قط
من طريق فيها خير اهـ. فقد رددناه عليك فى أبواب الحدود بما لا مزيد عليه والله تعالى أعلم.
باب الإقرار بالدین للوارث
قوله: لا إقرار بدين. أقول: احتج به صاحب "الهداية" لعدم جواز الإقرار بدين للوارث،
وأورد عليه أولا أنه مرسل. والجواب أنه لا ضير فإن المرسل عندنا حجة. وثانيا أن فيه نوح بن دراج
وقد كذبه ابن معين. وقال أبو داود: كذاب يضع الحديث. وقال ابن حبان والحاكم: يروى
الموضوعات عن الثقات. وضعفه الدار قطنى وغيره. والجواب أنه قال جعفر الفريابى عن محمد بن
عبد الله بن نمير: ثقة. وقال أبو زرعة: كان قاضى الكوفة، وأرجو أن لا تكون به بأس. وقال ابن
عدى: ليس هو بالمكثر يكتب حديثه. فظهر أن الرجل مختلف فيه، والاحتلاف غير مضر عندنا.
وثالثا أن قوله: لا إقرار بدين غير مقيد بالوارث، بل هو مطلق، والإطلاق غير مسلم عندكم أيضا،
فکیف تحتجون به؟.

٤٨٩
الإقرار بالدين للوارث
إعلاء السنن
٥١٨٤- وقال أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان ثنا أبو عبد الرحمن المقدمى
ثنا أشعث بن شداد اخراسانی ثنا يحيى بن يحيى ثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله عَّ فذكره إلخ وزاد: قال أبو
عبد الرحمن: وحدثنا به فى موضع آخر فلم يذكر جابرًا، وقال ابن القطان فى "كتابه":
وهو الصواب (زيلعى ٢٢٥:٢).
والجواب أن قوله: لا إقرار بدين من قبيل عطف المفرد على المفرد، لا من عطف الجملة على
الجملة، وإن كان من عطف الجملة على الجملة فالخبر المحذوف هو قوله للوارث بقرينة السابق لا
قوله: صحيح أو جائز، ثم الاحتمال إنما يضر فى القطعيات دون الاجتهاديات الظنيات، وإلا لم
يصح الاستدلال بظنى لأحد من الأئمة، فإن كل ظنى يحتمل خلافه.
فتدبر فى هذا التحقيق فإنه ينفعك فی کثیر من المباحث، ولیعلم أيضا أن الكلام فى نوح بن
دراج، وإسناد الحديث وإرساله إنما يفيد إذا كانت الرواية عند المجتهد من رواية نوح، وإن كان
عنده عن أبان أو عن جعفر بن محمد أو عن أبيه الباقر فلا يفيد، وهو محتمل فإن أبا حنيفة من
أقران الباقر وكان يفتى فى حياته كما صرح به ابن تيمية فى "المنهاج" فى الجواب عن قول
الرافضى أن أبا حنيفة من تلاميذ جعفر الصادق وهو من مشائخ أبى حنيفة أيضا كما صرح به ابن
حجر فى "التهذيب" فاحفظه.
قال العبد الضعيف: وفى "المغنى" لابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من
أهل العلم على أن إقرار المريض فى مرضه لغیر الوارث جائز، فإن أقر لأ جنبی فی مرضه وعلیه دین
ثبت ببينة أو إقرار فى صحة وفى المال سعة لهما فهما سواء، وإن ضاق عن قضائهما فظاهر كلام
الخرقى أنهما سواء وبه قال مالك والشافعى وأبو ثور وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدينة وقال
أبو الخطاب: لا يحاص غرماء الصحة. قال القاضى: وهو قياس المذهب لنص أحمد فى المفلس أنه -
إذا أقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذى بالبينة، وبهذا قال النخعى والثورى وأصحاب الرأى، لأنه
أقر بعد تعلق حقه بتركته، فوجب أن لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة اهـ (٣٤٢:٥).
وفيه أيضا: وإن أقر لوارث لم يلزم باقى الورثة قبوله إلا ببينة وبهذا قال شريح وأبو هاشم
وابن أذينة والنخعى ويحيى الأنصارى وأبو حنيفة وأصحابه وروى ذلك عن القاسم وسالم، وقال
عطاء والحسن وإسحاق وأبو ثور: يقبل. لأن من صح الإقرار له فى الصحة صح فى المرض
كالأجنبى. وللشافعى قولان كالمذهبين. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم ويبطل إن اتهم. ولنا أنه

ج - ١٥
الإقرار بالدين للوارث
٠٫٠
٤٩٠
٥١٨٥- أخرج الدارمى من طريق قتادة قال: قال ابن سيرين عن شريح: لا يجوز
إقرار لوارث. قال: وقال الحسن: أحق ما جاز عليه عند موته أول يوم من أيام الآخرة
وآخر يوم من من أيام الدنيا. ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢٨١:٥)، وصححه.
إيصال لما له إلی وارثه بقوله فى مرض موته، فلم يصح بغير رضا بقية ورثته کھبته، ولأنه محجور
عليه فى حقه، فلم يصح إقراه له كالصبى فى حق جميع الناس، وفارق الأجنبى، فإن هبته له تصح.
(والسر فيه أن الإقرار وإن كان إخبارا فى الحقيقة فقد جعل كالإيجاب والإنشاء من وجه، حتى أن
من أقر الإنسان بجارية لا يستحق أولادها، بخلاف ما لواستحقها بالبينة فإقراره للوارث بمال
إيجاب لا يقابله مال، والمريض ممنوع من ذلك، لأن حق الورثة قد تعلق بماله بمرضه، فيكون إقرارا
لبعضهم إيثارا منه للمقر له بعد ما تعلق حقهم جمیعا به فلا يصح، ويجعل إقراره له كالوصية له،
وهذا لأن محل الوصية وهو الثلث خالص حقه، ثم لم يجز وصيته به للوارث إجماعا مع أنه
خالص حقه، فيكون ذلك دليلا على أنه محجور عن إيصال المنفعة إلى الوارث، وإقرار المحجور لا
يصح إلا أن هذا الحجر لحق الورثة، فلو أجازوه نفذ كما إذا أجازوا وصيته، هذا ملخص ما فى
"المبسوط" (١٨:٣١).
قال الموفق: وما ذكره مالك لا يصح فإن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها، (لأنه لا يعلمها
أحد إلا الله تعالى) فوجب اعتبارها بمظنتها وهو الإرث، وكذلك اعتبر فى الوصية والتبرع
وغيرهما اهـ (٣٤٤:٥). ولعلك قد عرفت بذلك أن ما رواه نوح بن دراج عن أبان عن جعفر عن
أبيه عن جابر مرفوعا مؤيد بالقياس الصحيح أيضا، وهو من أمارات صحة الحديث كما فى
المقدمة فتذكر.
الجواب عن تشنيع البخارى على بعض الناس
وهذه المسألة من إحدى المسائل التى شنع بها البخارى على بعض الناس وقالوا: أراد به أباحنيفة
أو الحنفية فقال: باب قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ قال الحافظ فى "الفتح"
(٥: ٢٨٠): وجه الدلالة أنه سبحانه وتعالى سوى بين الوصية والدين فى تقديمها على الميراث، ولم
يفصل بين وارث وغيره، فخرجت الوصية للوارث بالدلیل، وبقی الإقرار بالدین علی حاله انتهى.
قلت: كما خرجت الوصية للوارث للدليل وهو قوله مّ له: ((لا وصية لوارث)) فكذلك
خرج الإقرار بالدين للوارث بقوله: ولا إقرار له بدين. وقد بينا أنه حديث حسن الإسناد على

٤٩١
الإقرار بالدين للوارث
إعلاء السنن
٥١٨٦- روينا عن شريح أنه كان يجيز اعتراف المريض عند موته بالدين
أصلنا، ولو سلم ضعفه فقد انجبر بموافقة قول ابن عمر وفتیا أجلة التابعین له مع کونه مؤيدا بالقياس.
الصحيح، لما عرفت أن الإقرار خبر صورة إنشاء معنى، فكان فى معنى الوصية فافهم، قال: ويذكر
أن شريحا وعمر بن عبد العزيز وطاوسا وعطاء وابن أذينة أجازوا إقرار المريض بدين.
قلت: لا يرد هذا إلا على من أبطل إقرار المريض بالدين مطلقا، وأما نحن فقد قلنا بجوازه
لغير الوارث وللوارث أيضا إذا صدقه الورثة أو قام به بينة وهذا هو قول شريح وابن أذينة وإبراهيم
النخعى والحكم والشعبى كما قاله ابن حزم، وأما أثر عمر بن عبد العزيز فقال الحافظ: لم أقف على
من وصله وأما عطاء فقد روينا عنه وفى المتن ما يؤيدنا.
قال: وقال الحسن: أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة. قلت:
مفاده أنه ينبغى للورثة أن يصدقوا المريض فى إقراره لوارث بدين وبه نقول يجب عليهم ديانة
تصديقه إذا شهد قلوبهم بصدقه، وأين فيه وجوب ذلك عليهم قضاء أو وجوب تصديقه على
القاضى. قال: وقال إبراهيم والحكم: إذا أبرأ الوارث من الدين برئ.
:
قلنا: وبه نقول: إذا قال: لا حق لى عليه. كما فى "الدر" فيبرأ قضاء لا ديانة. وأما إذا قال:
أبرأته مما لى عليه من الدين لم يبرأ قضاء ولا ديانة (٤: ٧١٠) فقول إبراهيم والحكم محمول على
الأول دون الثانى ((لما مر أنهما قائلان بعدم صحة إقرار المريض لوارثه بدين، والإبراء مثله فى إيثار
بعض الورثة على بعض، بل أشد(١)، فكان معنى الوصية فيه أظهر وهو ممنوع من الوصية للوارث
إجماعا فافهم. قال: وأوصى رافع بن خديج أن لا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها.
وقال الحافظ فى "الفتح": لم أقف على هذا الأثر موصولا بعد اهـ.
قلنا: ومع ذلك فهو ظاهر فى الوصية وهى باطلة للوارث اتفاقا فيجب حمله على أن للورثة
أجازوها، وكذلك لو حملناه على الإقرار حملناه على أن الورثة كانوا قد صدقوه فيه وهو الظاهر
فى إقرار مثل رافع بن خديج الصحابى فى جلاله وأمانته، ونحن نقول بجواز إقرار المريض للوارث
إذا صدقه الورثة فيه. قال: وقال الحسن: إذا قال لمملوكة عند الموت: كنت أعتقتك جاز اهـ.
قلنا: نعم ولكنه يسعى(٢) فى قيمته للورثة قال: وقال الشعبى: إذا قالت المرأة عند موتها: إن
(١) لما فى الإقرار بالدين من احتمال الصدق، فلا يكون إيثارا وأما الإبراء فهو تمليك لما عليه من الدين حتما. ظ
(٢) عن القاسم قال: سئل ابن مسعود عن رجل أعتق عبده عند الموت وليس له مال غيره وعليه دين فقال: يسعى فى قيمته. رواه
الطبرانى فى الكبير والقاسم لم يدرك ابن مسعود مجمع الزوائد (٢١١:٤) قلت: ولكنه أدرى بما فى بيته والمرسل حجة
عندنا. ظ

ج - ١٥
الإقرار بالدين للوارث
٤٩٢
لغير الوارث، ولا يجيزه للوارث إلا ببينة، وهو قول إبراهيم وابن أذينة صح ذلك
زوجى قضانى وقبضت منه جازاهـ قلنا: نعم إذا صدقها الورثة وإلا فهو برئ ديانة إذا كان قضاها،
لا قضاء إذا لم يعلم ذلك إلا بقولها، ليس للزوج بينة، ولنا: قول مرجوح بصحة إقرارها بأن ليس
لها على زوجها مهر كما مر فى الشامية (٤: ٧١٠) فأثر الشعبى لا يخالفنا فقد قلنا بقوله فى بعض
الأحوال، وقد تقدم أنه قائل بعدم صحة إقرار المريض لوارثه بدين، فكذا لا يصح إقراره بالاستيفاء
منه، لأن الإقرار بالاستيفاء إقرار بالدين بطريق المقاصة كما حققه صاحب "البدائع" (٢٢٧٠٦).
وبالجملة فكل ما ذكره البخارى من أقوال السلف قضايا مطلقة لا عموم لها، فلا يرد إلا
على من أبطل إقرار المريض لوارثه للقالا على من أجازه مرة وأبطله أخرى، قال: وقال بعض
الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة اهـ قلنا: لم يعلل الحنفية عدم جواز إقرار المريض لبعض
الورثة بهذه العبارة بل قالوا: لا يجوز ذلك، لأنه إضرار لبقية الورثة وإيثار بعضهم على بعض، لأن
الإقرار إخبار من وجه إيجاب وإنشاء من وجه، فكان فى معنى الوصية مع ورود قوله عَ له: ((لا
وصية لوارث ولا إقرار له بدين)).
ومذهب مالك كمذهب أبى حنيفة إذا اتهم، وهو اختيار الرديانى من الشافية وهو أحد
القولين للشافعى كما تقدم، وعن شريح والحسن بن صالح: لا يجوز إقرار المريض لوارثه إلا
لزوجته بصداقها (لأن سببه معلوم، والأصل بقاءه فى الذمة) وعن القاسم وسالم والثورى
(والشعبى والحكم وابن أذينة وعطاء): لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقا، وزعم ابن المنذر أن
الشافعى رجع إلى قول هؤلاء، وبه قال أحمد، والعجب من (شراح) البخارى (أنهم من أين قالوا):
إنه خصص الحنفية بالتشنيع عليهم وماهم بمنفردين فيما ذهبوا إليه ولكن ليس هذا إلا بسبب أمر
سبق فيما بينهم والله أعلم كذا فى "عمدة القارى" (٤٨٨:٦). قال البخارى: استحسن أى بعض
الناس فقال: يجوز إقراره بالوديعة والبضاعة والمضاربة اهـ. قال ابن التين: إن أراد هذا القائل ما إذا
أقر بالمضاربة مثلا للوارث لزمه التناقض وإلا فلا. "فتح البارى" (٢٨١:٥).
قلت: قد أخطأ البخارى رحمه الله فى فهم مذهب الحنفية، إن كان قد أرادهم بعض الناس
فإن ظاهره يفيد أن إقرار المريض بأن هذا العين وديعة لوارثه فلان أو مضاربة أو بضاعة له جائز
عندهم ولو لم يصدقه الورثة فى ذلك وما هم بقائلين بذلك وإنما قالوا بجواز إقراره لوارثه بعين
مستهلكة وصورته أن يقول: كانت عندى وديعة لهذا الوارث فاستهلكتها والوديعة معروفة قبل
إقراره بالاستهلاك لأنا لو لم نعتبر إقراره و جعلناه کمن سکت ومات مجهلا لا يدرى ما صنع كان

٤٩٣
الإقرار بالدين للوارث
إعلاء السنن
عنهما، ورويناه أيضًا عن الحكم والشعبى وهو قول أبى حنيفة اهـ ذكره ابن حزم فى
"المحلى" (٢٥٤:٨).
ضمانها فى ماله، فإذا أقر بإتلافه فأولى. والحاصل أن مدار الإقرار هنا على استهلاك الوديعة
المعروفة لا عينها.
قال فى "الأشباه": وأما مجرد الإقرار للوارث فهو موقوف على الإجازة سواء كان بعين أو
دين أو قبض منه أو إبراءه إلا فى ثلث لو أقر بإتلاف وديعته المعروفة أو أقر بقبض ما كان عنده أى
عند وارثه وديعة أو بقبض ما قبضه الوارث بالوكالة من مديونه. كذا فى تلخيص الجامع. وينبغى
أن يلحق بالثانية إقراره بالأمانات كلها ولو مال الشركة والعارية، والمعنى فى الكل أنه ليس فيه إيثار .
البعض قال الشامى فى رد المحتار: قوله: إقراره بالأمانات أى بقبض الأمانات التى عند وارثه لا بأن
هذا العين لوارثه، فإنه لا يصح كما صرح به الشارح قريبا وصرح به فى الأشباه، وهذا مراد
صاحب الأشباه بقوله: ينبغى أن يلحق بالثانية إقراره بالأمانات كلها فتنبه لهذا فإنا رأينا من يخطئ
فيه ويقول: إن إقراره لوارثه بها جائز مطلقا مع أن النقول مصرحة بأن إقراره له بالعين بدين كما
قدمناه عن الرملى اهـ ملخصا (٧١٢:٤).
وأيضا فإن مبنى الإقرار بالدين على اللزوم، ومبنى الإقرار بهذه الأشياء المذكورة على
الأمانة، وبين اللزوم والأمانة فرق عظيم، فلو سلمنا (١) جواز إقراره بالعين أنها وديعة أو بضاعة لم
يلزم التناقض كما توهمه البخارى. وأيضا فإن ربح المال فى المضاربة مشترك بين العامل والمالك فلم
يكن كالدين المحض كذا فى "العمدة" و"فتح البارى". قال البخارى: وقد قال النبى عَ له: ((إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث)) اهـ قلنا: إنما يصح الاحتجاج به علينا إذا ثبت أن الحنفية لم يعلل
الجواب بسوء الظن به للورثة وقد منعنا هذا عن قريب، ولئن سلمنا أن هذا ظن فلا نسلم أنه ظن
فاسد والمحذور عنه هو هذا دون مطلق الظن ألا ترى أنه يجب علينا العمل بخبر واحد ظننا
صحته، وأيضا فغاية ما فيه أن الورثة مأمورن بحسن الظن بمورثهم فينبغى لهم أن يحسنوا الظن به
إذا أقر لوارث بدين، وليس فيه أن على القاضى الحكم بإقراره إذا لم يصدقه الورثة فيه وادعوا
كذبه فى إقراره له. قال: ولا يحل مال المسلمين لقول النبى معَّ له: «آية المنافق إذا ائتمن
خان)). وقال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ فلم يخص وارثا ولا غيره
(١) كما ذهب إليه صاحب "الدر" تبعا لصاحب الأشباه مخالفا للمنقول وخالفه فيه العلماء الفحول شامى (٧١٢:٤).

٤٩٤
ج - ١٥
الإقرار بالدين للوارث
٥١٨٧- روينا من طريق عبد الرزاق نا بعض أصحابنا عن الليث بن سعد عن
نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: إذا أقر المريض فى مرضه بدين لرجل فإنه جائز.
رواه ابن حزم فى "المحلى" وزاد فيه محمد: لرجل غير وارث فإنه جائز وإن أحاط ذلك
بماله. وإن أقر لوارث فهو باطل. كما فى "المبسوط" (٢٤:١٨-٣١).
٥١٨٨- روينا عن ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال:
لا يجوز إقرار المریض بالدین.
اهـ. أى لم يفرق بين الوارث وغيره فى ترك الخيانة ووجوب أداء الأمانة عليه، فيصح الإقرار سواء
كان للوارث أو غيره اهـ.
قلنا: وكذلك أمر الله تعالى بأداء الزكاة وإيفاء النظر وتكفير الأيمان، فلو أقر المريض بأن عليه
من الزكاة والصدقات المنذورة وكفارات الأيمان ما يحيط بتركته كلها، فهل تجيزون هذا الإقرار
وتتصدقون بتركته كلها؟ وإلا فما الفرق بين أمره بأداء الأمانات وأمره بأداء الزكاة ونحوها؟
وأيضا: لو أقر العبد المحجور عليه فى مرضه بعين أنها لفلان هل تجيزون إقراره من غير تصديق
المولى؟ لا أظنكم قائلين به فتبين أن معنى الآية إنما هو الأمر بأداء الأمانات مطلقا، وأما أن الأداء متى
يصح ومتى هو غير صحيح فلم تتعرض له الآية أصلا وقد تقرر بالدلائل أن تصرف المحجور عليه لا
يصح إلا بإذن من له الحجر، فكذلك المريض لما صار محجورا عليه فى الوصية والإقرار ونحوهما
لتعلق حق الورثة بماله لا يصح إقراره بشىء لوارثه إلا بتصديق بقية الورثة. وأيضا فمن أين علم أن
ذمة المقر للوارث كانت مشغولة حتى إذا لم يقر كان خائنا؟.
فإن قيل: إقراره عند توجهه إلى الآخرة يدل على ذلك: قلنا: وفيه مع ذلك احتمال
تخصيصه بذلك بعض الورثة أنه فعل ذلك قصدا لنفعه وفى ذلك ضرر لغيره والضرر مدفوع
شرعا، ولئن سلمنا اشتغال ذمة فى نفس الأمر بما أقر به فهذا لا يكون إلا دينا مضمونا فلا يطلق
عليه الأمانة، فلا يصح الاستدلال بالآية الكريمة على ذلك مع أن كون الدين فى ذمته مظنون
بحسب الظاهر، والضرر لباقى الورثة عند ذلك محقق فكيف يترك العمل بالمحقق ويعمل بالمظنون.
كذا فى "عمدة القارى" (٤٨٨:٦) مع زيادات عليه.
قوله: روينا من طريق عبد الرزاق إلخ. قال العبد الضعيف: وفى "المبسوط" السرخسى قال
رحمه الله: روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: إذا أقر الرجل فى مرضه بدين لرجل غير
وارث فإنه جائز وإن أحاط ذلك بماله، وإن أقر لوارث فهو باطل اهـ. والظاهر أن القائل هو محمد

٤٩٥
الإقرار بالدين للوارث
إعلاء السنن
٥١٨٩- ومن طريقه نا زيد بن الحباب نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن
عطاء فيمن أقر لوارث بدين قال: جائز (المحلى ٢٥٥:٨).
فالأول محمول على المريض مرض الموت أقر لوارث، والثانى على الصحيح أو
المريض فى مرض الموت يقر له بدين وإلا فابن جريج يقدم على قيس فى عطاء قاله أبو
داود كما فى "التهذيب".
٥١٩٠- وفى "الجوهر النقى": قال ابن أبى شيبة: ثنا وكيع عن سفيان عن ابن
جريج عن عطاء قال: لا يجوز إقرار المريض وهذا بسند صحيح جليل اهـ.
٥١٩١- عن شريح: إذا أقر فى مرض الموت لوارث بدين لم يجز إلا ببينة وإذا أقر
لغير وارث جاز. رواه ابن أبى شيبة وفى إسناده جابر الجعفى وهو ضعيف (فتح
البارى). قلت: قد مر غير مرة أنه حسن الحديث مع أن معنى الأثر قد ثبت عن شريح
بسند صحيح كما تقدم. وفى كل ذلك دليل لصحة ما رواه نوح بن دراج عن أبان بن
تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر مرفوعًا: ((لا وصية لوارث ولا إقرار بدين))
وقد ذكرنا فى الحاشية أن نوح بن دراج مختلف فيه وثقه ابن نمير وقال أبو زرعة: أرجو
أن لا یکون به بأس، وقال ابن عدی لیس هو بالمکثر، یکتب حدیثه کما فی التهذيب،
فالحدیث حسن ولا أقل من أن يعتضد به.
ابن الحسن الإمام رحمه الله تعالى بل هو المتعين لقول الزيلعى فى "نصب الراية" غريب ذكره
محمد فى "الأصل" (٢٢٤:٢) والأثر ليس بغريب من أصله لما عرفت أن عبد الرزاق أخرجه فى
"مصنفه نعم هو غريب بهذا اللفظ الذى ذكره محمد رحمه الله ولا ضير فإن محمد إمام مجتهد
وبلاغاته حجة عندنا واحتجاجه بحدیث تصحیح له كما مر فى المقدمه.
الجواب عن إيراد صاحب نتائج الأفكار
فإن قيل كما قال صاحب نتائج الأفكار إن كل واحد من الحديث الذى رواه الدار قطنى
عن رسول الله عَ ◌ّه وأثر الذى روى عن ابن عمر إنما يدل على بطلان إقرار المريض بالدين لوارثه
بدون تصديق الورثة ومسألتنا تعم بطلان الإقرار له بالدين وبالعین کما صرحوا به فکان الدلیل
قاصرا عن إفادة تمام الدعوى. (٣٦٢:٧) قلنا: إذا بطل الإقرار بالدين وليس إلا اعترافا بالوجوب فى
الذمة فكيف يصح إقراره بعين هى فى يده لأن أقضى ما يستدل به على الملك اليد، وإذا لم يصح

٤٩٦
ج - ١٥
باب إقرار ١١ ارث بوارث
٥١٩٢- أخرج البيهقى من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد
عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما قال: كانت لزمعة جارية
يطأها (وفى نسخة بخطه: تبطنها)، وكان رجل يتبعها يظن بها، فمات زمعة والجارية
إقرار المريضة فى المهر بالاستيفاء على الصحيح مع أن الأصل براءة الذمة، فكيف يصح فيما فيه
الملك مشاهد بيد (١) المقر؟ "رد المحتار" (٧١٠:٤) فبطلان الإقرار بالعين مستفاد من النص بدلالته
كدلالة حرمة التافيف على حرمة الضرب، فلا حاجة إلى ما قاله صاحب النتائج اللهم إلا أن يلتزم
ذلك بناء على إفادة دليل العقلى الآتى كلية المدعى فتأمل اهـ.
واندحض به قول بعض الأحباب أن قوله ذلك مبنى على كونه المسألة قياسية وإن كان
مخالفا لما قال شمس الأئمة أنه خلاف القياس كما يدل عليه قوله: إن قول الواحد من فقهاء
الصحابة عندنا مقدم على القياس اهـ فإن الحق ما قاله شمس الأئمة، وأما ما ذكروه من التعليل فهو
من تعليل النص لا من تعليل الحكم وشتان بينهما.
الجواب عما يرد على قول الحنفية بتقديم قول الصحابى على القياس
فإن قيل: كيف يصح قول شمس الأئمة أن قول الواحد من فقهاء الصحابة مقدم عندنا على
القياس، قد رددتم أحاديث مرفوعة صحيحة من أخبار الآحاد لمخالفتها القياس كحديث المصراة
وغيره؟ قلنا: حاشا الحنفية أن يردوا حديثا واحدا ولو مرسلا أو ضعيفا بالقياس، نعم إذا ورد
حديث من أخبار الآحاد معارضا لحكم الكتاب أو السنة المشهورة أو لأصل مجمع عليه يقدمون
حكم الكتاب والسنة المشهورة والأصل المجمع عليه على خبر الواحد ويحملونه على محمل حسن
مراعاة للحدود وتنزيلا للأشياء على منازلها كما لا يخفى على من أمعن النظر فى كتابنا هذا إن
شاء الله تعالی.
باب إقرار الوارث بوارث
قوله: أخرج البيهقى إلخ. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى" : إن أحد الوارثين إذا
أقر بوارث ثالث مشارك لهما فى الميراث لم يثبت النسب بالإجماع،. لأن النسب لا يتبعض فلا
(١) ولو كانت العين بيد الوارث صح إقراره بها، لأن يد الوارث دليل لملكه فكان إقرار المريض مؤيدا بدليل الظاهر ولم يكن من
باب الإيثار صرح بذلك الشامى.

32
إعلاء السنن
إقرار الوارث بوارث
٤٩٧
حبلى فولدت غلامًا يشبه الرجل الذى كان يظن بها، فسألت سودة رضى الله عنها
رسول الله عَّ عن ذلك فقال: أما الميراث فهو له وأما أنت فاحتجبى منه، فإنه ليس لك
بأخ. أعله البيهقى بيوسف بن الزبير وأن جريرًا قد نسب فى آخر عمره إلى سوء الحفظ،
وفى "الجوهر النقى": أخرج النسائى هذا الحديث عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير،
وهذا سند صحيح، وذكره صاحب الميزان من طريق أبى يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا جرير
ثم قال: صحيح الإسناد. وكذا قال الحاكم فى "المستدرك"، ويوسف معروف العدالة
روى عنه مجاهد وبكر بن عبد الله المزنی وأخرج له الحاکم وذكره ابن حبان فی
"الثقات"، وفى الكاشف للذهبى: هو ثقة. ولعل يوسف هذا اشتبه على البيهقى رحمه
الله بآخر يقال له: يوسف بن الزبير يروى عن أبيه عن مسروق هو وأبوه مجهولان اهـ.
يمكن إثباته فى المقر دون المنكر، ولا يمكن إثباته فى حقهما، لأن أحدهما منكر ولم توجد شهادة
يثبت بها النسب ولكنه يشارك المقر فى الميراث فى قول أكثر أهل العلم.
وقال الشافعى: لا يشاركه. وحكى ذلك ابن سيرين. وقال إبراهيم: ليس بشىء حتى يقروا
جميعا لأنه يثبت نسبه فلا يرث كما لو أقر بنسب معروف النسب. ولنا: أنه أقر بسبب مال لم
يحكم ببطلانه فلزمه المال كما لو أقر يبيع أو أقر بدين فأنكر الآخر، وفارق ما إذا أقر بنسب
معروف النسب فإنه محكوم ببطلانه. ولأنه يقر بمال يدعيه المقر له ويجوز أن يكون له فوجب
الحكم له به كما لو أقر بدين على أبيه أو أقر له بوصية فأنكر سائر الورثة اهـ (٣٢٥:٥).
الجواب عن استدلال من استدل
بقصة وليدة زمعة على مسألة استلحاق الأخ
واستدل بقصة وليدة زمعة على أن الاستلحاق لا يختص بالأب بل للأخ أن يستلحق. وهو
قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الأخ جائزا (كل ميراث لا يشاركه فيه أحدا) أو يوافقه باقى
الورثة، وإمكان كونه من المذكور وأن يوافق على ذلك إن كان بالغا عاقلا وأن لا يكون معروف
الأب (وتعقب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد وأن سودة لم تقر به كما سيأتى). واستدل به على
أن الأمة تصير فراشا بالوطأ لأنه لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر قاله الحافظ فى
"الفتح" (٢٩:١٢).
وتعقب بما ورد فى حديث ابنة زمعة رضى الله عنها أنها كانت أم ولد له. وجملة الكلام أن
:٠

ج - ١٥
إقرار الوارث بوارث
٤٩٨
٥١٩٣- وعن ابن الزبير عن النبى عَّ أنه جعل لابن وليدة زمعة الميراث لأنه
ولد على فراش زمعة. رواه النسائي باختصار ورواه الطبرانى فى "الأوسط"، ورجاله
ثقات (مجمع الزوائد ١٥:٥).
٥١٩٤- وعن ابنة زمعة قالت: أتيت النبي عّ لّه فقلت: إن أبى مات وترك أم ولد
له وإنا كنا نظنها برجل وأنها ولدت، فخرج ولدها يشبه الرجل الذى ظنناها به قال:
فقال لها: أما أنت فاحتجبى منه، فليس بأخيك وله الميراث. رواه أحمد وتابعيه لم يسم
وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد). قلت: لا يضرنا المجهول فى القرون الفاضلة.
ولیدة زمعة کانت أم ولد له توفی عنها وهی حبلی، فلما ولدت بعده ولدا أقر به وارث وهو عبد
وأنكرته ابنة زمعة كما يدل عليه قولها، وأنها ولدت فخرج ولدها يشبه الرجل الذى ظنها به، فقال
رسول الله عَّهِ: ((هو لك يا عبد هو أخوك)). وقال لابنة زمعة: ((أما الميراث فهو له وأما أنت
فاحتجبى منه فإنه ليس لك بأخ)) وهذا صريح فيما قال أبو حنيفة أن الاستلحاق يختص بالأب
وليس للأخ أن يستلحق بأبيه أحدا.
وبذلك اندحض ما قاله الحافظ فى الفتح أن زمعة لم يخلف وارثا غير عبد إلا سودة،.
فيحتمل أن تكون وكلت أخاها فى ذلك أو ادعت أيضا على تقدير أن يكون زمعة مات مسلما وإن
كان مات كافرا فلم يرثه إلا عبد وحده اهـ ملخصا (٢٨:١٢) فقد تبين برواية البيهقى وأحمد أن
سودة لم تدعه بل أنكرت كونه لأبيه، واختلاف الملة إنما يؤثر فى حق الميراث ولا يؤثر فى حق
النسب، فلو سلمنا أن زمعة مات كافرا لم يلزم منه أن لا يكون لسودة حق نفى ما ولدته أم ولده
بعده. فإن قيل: إذا مات الرجل عن أم ولده أو أعتقها فولدت لدون سنتين لزمه عندكم كما فى
"الدر" (١٠٤:٢). ومثله فى الهندية.
إذا مات الرجل عن أم ولده فولدت بعده لزمه إلا أن ينفيه الوارث
قلنا: نعم لأن ولد أم الولد لا يحتاج إلى الدعوة لكنه ينتفى بالنفى. قال الشامى عن
الرحمتی: فهل يصح نفيه هنا يراجع اهـ. والظاهر أنه يصح لأن الوارث خلیفة عن مورثه فیثبت له
ما كان ثابتا له من الإقرار والنفى، وهو ظاهر قوله مرّ لّ لسودة: ((احتجبى منه فإنه ليس لك بأخ))
وتأويله بأنه ليس لك بأخ شيها لا يجرى على أصلنا فإنا لا نعتبر الشبه فى باب النسب أصلا. فإن
قيل: ظاهر قوله عَّ له: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) يفيد إلحاق الولد بفراش زمعة، ومفاده جواز
استلحاق الأخ.

٤٩٩
إقرار الوارث بوارث
إعلاء السنن
٥١٩٥- وعن محمد بن إسحاق قال: ادعى نصر بن الحجاج بن علاط السهمى
عبد الله بن رباح مولى خالد بن الوليد فقال خالد بن الوليد: مولاى ولد على فراش
مولاى. وقال نصر: أخى أوصانى (أنى) بمنزله. قال: فطالت خصومتهم فدخلوا معه
قلنا: لا دلالة فیه علی جواز استلحاقه بل فيه ترجيح دعوی عبد علی دعوی سعد لكون
الفراش مؤيدا للأول دون الثانى، ولكن فراش أم الولد ليس كفراش المنكوحة فلا يكون حجة إلا
على المقر دون النافى، فمن كما قال ◌َّه: ((هو لك يا عبد هو أخوك)) أى فى الميراث ونحوه وليس
هو بأخ لأولاد أبيك كلهم إذا تفوه وقد صرح بذلك ابن الزبير فى رواية الطبرانى أنه مرَ ◌ّه جعل
لابن وليدة زمعة الميراث لأنه ولد على فراش زمعة أى لا لاستلحاق عبد أياه فافهم.
قال الحافظ فى "الفتح": وجرى المزنى على القول بأن الإلحاق يختص بالأب فقال: أجمعوا
على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره والذى عندى فى قصة عبد بن زمعة أنه مرّ أجاب عن المسألة
فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدعى صاحب الفراش، لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة ولا
دعوى عبد عن زمعة بل عرفهم أن الحكم فى مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال: ((احتجى منه
ياسودة!)) قال الحافظ: وتعقب بأن قوله لعبد ابن زمعة: هو أخوك يدفع هذا التاويل اهـ (٢٩:١٢).
قلت: ولكن قوله مَّه السودة: ((فإنه ليس لك بأخ)) يؤيده. فإن أولتموه على أنه أراد ليس
لك بأخ شبها حملنا قوله: هو أخوك أى فى الميراث دون النسب وليس أحد التاويلين بأولى من
الآخر فإما أن يتساقطا ويترك العمل بهما جميعا أو يجمع بينهما بما قلنا: إنه يكون أخا للمدعى
فقط ولا يكون أخا لغيره من أولاد أبيه، وهو الظاهر من السياق ولا معنى لكونه أخا للمدعى إلا
مشاركته فى الميراث، وهذا هو قول أبى حنيفة وأكثر أهل العلم كما مر فى كلام الموفق.
قال صاحب "الجوهر النقى": ثم إنه باعتراف أحد الوارثين لا يثبت النسب فى حق الميت
بالاتفاق ولم تقر به سودة (بل قد نفته كما تقدم) بل قد علق الحكم بإقرار عبد، فعلم أنه مرّ له أثبت
النسب فى حقه بإقراره لا فى حق أبيه، ولو ثبت النسب فى حق أبيه كان أمره بالاحتجاب قطعا
للرحم، ويؤيده قوله فى هذه الرواية: فإنه ليس لك بأخاه .. قلت: وما أورده عليه بعض الأحباب
رددناه كله عليه فيما تقدم من قريب فتذكر.
قوله: عن محمد بن إسحاق إلخ. قلت: إنما ذكرته كيلا يحتج أحد ممن لا خبرة له بالحديث
والفقه ولا إِلمام له بالعلم بقصة استلحاق معاوية زيادا بأبى سفيان على جواز استلحاق الأخ، فإن
الأمة أنكرت ذلك من معاوية ولم يرض به أحد من أئمة الفقه والحديث. قال السيوطى فى تاريخ

ج - ١٥
إقرار الوارث بوارث
٥٠٠
على معاوية وفهر تحت رأسه فادعيا فقال معاوية: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((الولد
الخلفاء: وفيها أى فى عام الجماعة استلحق معاوية زياد بن أبيه: وهى أول قضية غير فيها حكم
النبى عَ بّ اهـ (ص: ٧٥).
قلت: ولكن أثر ابن إسحاق هذا يدل على رجوع معاوية من قضائه إلى قضاء رسول
الله عَ ليه صريحا وهو وإن كان منقطعا فإحسان الظن بالصحابى وجب على كل حال لا سيما إذا
كان له وجه منقول ولو مرسلا أو منقطعا فافهم. فإن قيل: هذا الأثر لا يفيد حسن الظن به فإنه
لولاه لحملنا فعله على أنه فعل ذلك لعدم علمه بقضاء رسول الله مٍَّ فى مثله، وأما هذا الأثر فإنه
يدل على أنه معاوية رضى الله عنه تعمد تغيير حكم النبى عّ لّ بعد ما علمه وسمعه. قلت: لا يصح
القول بأن معاوية لم يكن يعلم قضاء النبى دولة فى مثل ذلك لكون هذا الحكم متواترا قد جاء عن
بضعة وعشرين من الصحابة. قاله المناوى كما فى العزيزى (٤١٩:٣).
عذر معاویة رضى الله عنه فى استلحاقه زيادا
ثم رجوعه من قضائه إلى قضاء رسول الله عَ لّ
وثبت إنكار الصحابة على معاوية استلحاقه زيادا كما ذكره أصحاب السير قاطبة، وأما أنه
تعمد تغيير حكم النبى معَّ بعد ما علمه فحاشاه من ذلك بل الظاهر أنه حمل قول النبى عّ لّه.
(الولد للفراش وللعاهر الحجر)) على ما إذا ادعاه صاحب الفراش كما ادعا عبد بن زمعة ابن وليدة
أبيه فى مورد الحديث، وأما إذا لم يدعه وأقر آخر بأنه ابنه فكان عند معاوية إلحاقه بالمقر لا سيما إذا
ثبت أنه أقر به فى الجاهلية قبل الإسلام، وزياد ابن أبيه كانت أمه مولاة صفية بنت عبيد بنت أسد
الثقفى، وكانت من البغايا بالطائف، ولد زياد على فراش عبيد مولى ثقيف. وكان عبدا فاشتراه
زياد بألف درهم وأعتقه، وكان يقال له قبل استلحاق معاوية إياه: زياد بن أبيه، كما رواه محمد بن
عثمان بن أبی شیبة فى تاريخه پاسناد صحيح عن ابن سیرین.
وفيه دلالة على أن صاحب الفراش لم يكن ادعاه ولا أقر به، وقد تقدم عمل أهل الجاهلية
فى أولاد البغايا وإلحاقهم بمن ادعاهم بقول القافة مرة وبقول البغايا أخرى. ويقول المستلحق تارة
وقد أقرهم الإسلام على ذلك ولم ينف أحدا عمن ألحقه أهل الجاهلية به قبل الإسلام، وأبطل ذلك
فيما يستقبل به من الأمور وشهد عند معاوية زياد بن أسماء الحرمازى ومالك بن ربيعة السلولى
والمنذر بن الزبير فيما ذكر المدائنى بأسانيده، وزاد فى الشهود جويرية بنت أبى سفيان والمستورد