النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
إعلاء السنن
٥١٦٧- وعن سهل بن سعد الساعدى فى حديث اللعان أن رسول الله عَ ليه
قال: إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة فلا أراها إلا وقد صدقت وكذب عليها،
الماء وقول القافة إنما يمكن جعله دليلا على المخلوقية من الماء لا الفراش فكيف يعتبر لقولهم فى
هذا الباب.
ثم قال ابن القيم: قال أهل الحديث: من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة ويجعلها من
باب الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقى بمن فى أقصى المغرب مع القطع بأنهما لم يتلاقيا
طرفة عين، ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابنا لأحدهما، ونحن إنما ألحقنا الولد بقول
القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعا وقدرا، فهو استناد إلى ظن غالب ورأى راجح وأمارة ظاهرة
بقول من هو من أهل الخبرة فهو أولى بالقبول من قول المقومين، وهل ينكر مجىء كثير من
الأحكام مستندا إلى الأمارات الظاهرة والظنون الغالبة اهـ "زاد المعاد" (٣١٤:٢).
وفيه نظر من وجوه: أما أولا: فلأن أهل الحديث يتعجبون من إلحاق ولد المشرقى بمن هو
فى أقصى المغرب مع احتمال العلوق بخرق العادة وعدم حكم القيافة بخلافه، فلا يعجبون من
صنع رسول الله عَ ◌ّ أنه ألحق ابن وليدة زمعة بزمعة مع حكم القيافة بأنه ليس من مائه بل من ماء
عتبة، واعتباره عَّ هذا الحكم حيث أمر سودة بالاحتجاب منه. فإن قلت: إنه ألحقه به بالفراش.
قلنا: فكذلك أبو حنيفة ألحق ولد المشرقى بالمغربى بالفراش فما ذا تنكرون عليه؟ فاعتبروا يا أولى
الأبصار من حال هؤلاء أهل الحديث كيف يطعنون على رسول الله عَ ليه ويدعون العمل بالحديث.
وأما ثانيا: فلأنا لا ننكر القيافة بالكلية بل نعتبرها فى باب المخلوقية من الماء كما اعتبرها الشارع
ولكن لا تعتبر فى باب النسب ولا فى جواز القذف بها لأنه لم يعتبرها الشارع فى هذا الباب بل
جعل النسب للفراش سواء كان مخلوقا من ماء صاحبه أم لا، فلا يرد علينا ما أورد أن القيافة حجة
ظنية معتبرة شرعا وعرفا، وأما قوله معَ ◌ّه فى ولد الملاعنة: إن جاءت به كذا فهو لشريك وإن
جاءت به كذا فهو لهلال بن أمية، فيحتمل أن يكون قاله بالوحى فلا يقاس عليه غيره.
وأما ثالثا: فلأنه أنكر إلحاق الولد باثنين على أبى حنيفة مع القطع بأنه ليس ابنا لأحدهما مع
أنه لا وجه للإنكار فيه، لأن القاضى إذا لم يتعين عنده أنه ابن من هو منهما فهو مضطر إلى جعله
ابنا لهما، مثلا ادعى رجلان نكاح امرأة فى وقت واحد وأقام كل واحد شاهدين على دعواه
وادعيا ابنا لها فبما ذا يقضى القاضى؟ فإن قلتم: يحكم القيافة قلنا: الولد للفراش والقيافة لا يمكن
لهم الشهادة على الفراش بل غاية ما فى الباب أنهم يحكمون بالشبه. ويحتمل أن يكون من به
1

٤٦٢
اعتبار القیافة وعدمه فی النسب
ج - ١٥
وإن جاءت به أسود أعين ذا إليتين فلا أراه إلا وقد صدق عليها. فجاءت به على
المكروه من ذلك.
الشبه زانيا والآخر صاحب الفراش، فلا دليل فى قولهم على النسب، فكيف يحكمون؟ ولو سلمنا
فإن قالوا يشبههما فبم يحكم القاضى؟ فإن قلتم: إنه يجعله ابنا لهما كما فعل عمر قلنا: فقد جعلتم
ابن أحدهما ابنا لهما، لأن المرأة الواحدة لا تكون منكوحة لرجلين فى وقت واحد، فيكون أحدهما
صاحب فراش والآخر زانيا، والولد للفراش وللعاهر الحجر، فلزمكم القول بما أنكرتم على أبى
حنيفة، فما هو جوابکم فهو جوابه.
وإن قلتم: إنا نستعمل القرعة قلنا: هو أسخف من القيافة لأن القيافة إنما يدل على المخلوقية
وإن كان لا يدل على الفراش، والقرعة لا يدل على هذا ولا على هذا، ثم قد تركتم حكم القيافة
وهو دليل النسب عندكم بما هو ليس بدليل النسب، وإنما هو لقطع النزاع فقط، بالجملة فيما قاله
أهل الحديث فى هذا الباب فاسد کله.
وأورد الحنفية على أهل الحديث من وجوه: أحدها أن القيافة أمر ظنى فالحكم بها حكم
بالظن والتخمين. وأجاب عنه ابن القيم بأن كثيرا من أحكام الشرع مبنى على الظن وهذا منه.
والجواب عنه أنا لا نسلم أنه منه لأنه لم یدل دلیل شرعی علی اعتباره فى باب النسب وما استدل به
ابن القيم فقد عرفت ما فيه. وثانيها: أن الشبه يوجد من الأجانب وينتفى عن الأقارب. وأجاب عنه
ابن القيم بأن هذا من النوادر، والأحكام لا تناط لها. والجواب عنه أن هذا يصح إذا ثبت من
الشارع اعتباره فى باب النسب ولم يثبت، فلا يفيده هذا الجواب.
وثالثها: أنكم نسيتم قصة الذى ولدت امراته غلاما أسود يخالف لونهما فلم يمكنه عَ لّه من
نفيه ولا جعل للشبه وعدمه أثرا، وأجاب عنه ابن القيم بأن هذه القصة حجة عليكم لا لكم، لأنها
دليل على أن العادة التى فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه وأن خلافه يوجب ريبة وأن فى طباع
الخلق إنكار ذلك، ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو الفراش كان الحكم بدليل القوى
ولذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائما فلا يعارض بقيافة ولا شبه
المخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه وهو الفراش غير مستنكر، وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل
الظاهر بغير شىء، والجواب عنه أنه إن صح الاستدلال بالعادة التى فطر الله عليها الناس باعتبار
الشبه وأن خلافه يوجب ريبة وأن فى طباع الخلق إنكار ذلك لزم أن يكون القيافة أقوى دليل من
الفراش، لأن الرجل لم يعد الفراش شيئا إذا رأى الولد لا يشبهه وهم بالإنكار، فلا يصح أن يقال:

٤٦٣
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
إعلاء السنن
٥١٦٨- وفى رواية أخرى لابن عباس: فقال النبى معَّ: اللهم بين. فجاءت شبها
إن الفراش دليل أقوى من القيافة، ثم أى دليل عندكم على كون الفراش أقوى من الشبه مع أن
الشبه يدل على المخلوقية من الماء، بخلاف الفراش فإنه لا يدل عليه.
فالجواب الصحيح أنه ليس فى الحديث إنكار للقيافة بل فيه تائيد وتقوية لها، لأنه لما احتج
الرجل بالقيافة بنفى الولد جعله رسول الله عّ لّ- محجوجا لها وقال: لعله نزعه عرق. ففيه تسليم
للقيافة لا إنكار لها ولكن لا دليل فيه على أنه حجة لثبوت النسب. ورابعها: أنه لو كان للشبه أثر
لاكتفى به فى ولد الملاعنة ولم يحتج إلى اللعان ولكان ينتظر ولادته ثم يلحق لصاحب الشبه
ويستغنى بذلك عن اللعان بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج.
وأجاب عنه ابن القيم بأن تقديم اللعان على الشبه إنما هو من تقديم أقوى الدليلين على
أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية
ويعمل لهما عند عدمهما. والجواب عنه أن هذا مبنى على كون الشبه دليلا ولو أضعف ولم يثبت
بعد. ثم أى دليل عندكم على قوة دلالة اللعان بالنسبة إلى دلالة الشبة. وأجاب الحنفية عن قصة
زيد وأسامة بأن المنافقين كانوا يطعنون فى نسبه من زيد بمخالفة لونه لون أبيه ولم يكونوا يكتفون
بالفراش، وحکم الله ورسوله فی أنه ابنه، فلما شهد القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله،
فسربه النبى عّ لّه لموافقتهما حكمه ولتكذيبها قول المنافقين لا لأنه أثبت نسبه بها، فأين فى هذا
إثبات النسب بقول القائف، وهذا معنى الأحاديث التى ذكر فيها اعتبار الشبه فإنها إنما اعتبر الشبه
بنسب ثابت بغیر القیافة ونحن لا ننكر ذلك.
وأجاب عنه ابن القيم بأنا لم نثبت نسبه بالقيافة ولكنا نقول: إن القيافة دليل آخر، فسرور
النبى عَّ ◌ُّه كان لتظاهر أدلة النسب وتعاضدها، ولو لم يكن القيافة دليلا لم يفرح ولم يسر.
والجواب عنه أن ليس فى الحديث ما يدل على أن القيافة من أدلة النسب، نعم فيه دليل على
أنها من أدلة المخلوقية من الماء، والنسب والمخلوقية أمران متغايران ينفك أحدهما من الآخر، كما
شهد به قصة تخاصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فإن رسول الله مرّ له أثبت نسب ابن وليدة
زمعة من زمعة وجعله مخلوقا من ماء عتبة وأمر سودة بالاحتجاب منه، وأما سرور رسول الله مرّ له
بقول القائف فلأنه ثبت عنده من قول القائف أن أسامة مخلوق من ماء زيد أيضا كما أنه ابن له من
حيث النسب للفراش، فالنسب كان ثابتا بالفراش ولكن المخلوق من مائه لم يكن ثابتا به، والمخلوقية
من الماء ثبتت من قول القائف لا النسب، فإذا ثبت كلاهما سر بذلك رسول الله عَّ له لأنه لم يبق

ج - ١٥
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
٤٦٤
بالرجل الذى ذكر زوجها أنه وجده (بخارى ٨٠٠:٢).
للطاعنين مجال فى الطعن.
ولعلك تفطنت من هذا التفصيل أن منشأ الشغب بين الفريقين هو عدم الفرق بين النسب
والمخلوقية من الماء، وبعد الفرق لا مجال للشغب، ولله در أبى حنيفة أنه ابتدى لهذا الفرق فجمع
بين الأحاديث كلها ووضع كل حديث فى محله فلم ينكر القيافة بالكلية ولم يجعلها حجة فى
باب النسب، فالقول الفصل فى هذا البحث أن القيافة معتبرة فى باب المخلوقية من الماء وليست
معتبرة فى باب النسب ولا فى جواز القذف بها.
والفرق بين المخلوقية من الماء والنسب ظاهر، لأن المخلوقية من الماء يتحقق فى ولد الزنا بالنسبة
إلى الزانى بدون النسب، والنسب يتحقق فيه بالنسبة إلى صاحب الفراش بدون المخلوقية من الماء
فافترقا. وقد يجتمعان كما فى المخلوق من ماء صاحب الفراش.
ثم اعلم أن القيافة إنما تدل على اتصال البعض بالبعض كما قال المجزر: إن هذه الأقدام
بعضها من بعض. ولا يدل على المخلوقية من الماء بخصوصه وإنما هو يستفاد من خارج. وأيضا عدم
المشابهة لا يدل على عدم المخلوقية من الماء وأشار إليه النبى معَ ظله بقوله: ((لعله نزعه عرق)) فتحكيم
القيافة لا معنى له، لأنه لما ادعى رجلان رجلا فلا يخلو إما أن يحكم القيافة بالمشابهة بكليهما، أو
بأحدهما أو ينفيان المشابهة عن كل منهما، على الأول ينبغى أن يكون ابنا لهما، وهذا هو الحكم
عندنا عند عدم التحكيم فلا فائدة فيه، وعلى الثانى لا يلزم أن يكون ابنا للذى منه الشبه، لأنه
يحتمل أن يكون من منه الشبه زانيا والآخر صاحب الفراش، أو يكون كلاهما صاحب فراش.
ولكن نزعه أحدهما إلى نفسه والآخر إلى قريب من أقربائه، فما ذا تفيد التحكم؟ وعلى الثالث
يحتمل أن يكون كلاهما صادقين ونزعه كل واحد منها إلى قريب من أقربائه، ويحتمل أن يكون
أحدهما صادقا والآخر كاذبا.
ويحتمل أن يكون كلاهما كاذبين فماذا يفيد التحكيم؟ فثبت أن تحكيم القيافة لا شىء. وما
روى عن عمر رضى الله عنه فقد عرفت أنه كان من قضية من قضايا الجاهلية على قانونهم لا على
قانون الإسلام، وكذا القرعة ليست بشىء بل هى أسخف من تحكيم القيافة لأن حكم القيافة إن لم
يكن دليلا على النسب فهو دليل على المخلوقية من الماء فى الجملة، والقرعة ليست بدليل لا على
هذا ولا على هذا فهو أسخف وأبعد.
وما رواه أبو داود عن على فى قرعة ففيه أنه حديث مضطرب فإنه رواه الأملج عن الشعبى
1

30.
إعلاء السنن
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
٤٦٥
عن عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم مرفوعا، ورواه صالح الهمدانى عن الشعبى عن عبد خير
عن زيد بن أرقم مرفوعا، ورواه سلمة بن كهيل عن الشعبى عن الخليل أو ابن الخليل عن على
موقوفا. ورواه النسائى عن إسحاق بن شاهين عن خالد عن الشيبانى عن الشعبى عن رجل من
حضر موت عن زيد بن أرقم مرفوعا. ورواه أيضا عن سلمة عن الشعبى فقال عن أبى الخليل أو ابن
أبى الخليل عن على موقوفا. وقال: رواية سلمة عن الشعبى عن أبى الخليل أو ابن أبى الخليل عن
على هو الصواب. وقال المنذرى: أما حديث عبد خير فرجاله ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال،
اهـ. ولا أدرى ما وجه الصواب فى الإرسال، فالحق أن الحديث مضطرب.
خطأ الشو کانی فی النقل
وقال الشوكانى: قد رواه أبو داود من طريقين: الأول من طريق عبد الله بن الخليل عن زيد
ابن أرقم عنه. والثانية من طريق عبد خير عن زيد بن أرقم عنه قال المنذرى: أماحديث عبد خير
فرجاله ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال اهـ، وعلى هذا لم تخل كل واحدة من طريقين عن علة
فالأولى فيه الأجلح والثانية معلولة بالإرسال، والمراد بالإرسال ههنا الوقف كما عبر عن ذلك
المصنف لا ما هو الشائع فى الاصطلاح من أنه قول التابعى: قال رسول الله مَ ل ـ اهـ (نيل ٢١٢:٦)
وفيه نظر من وجهين: الأول أنه قال: رواه أبو داود من طريقين مع أن أبا داود رواه من طرق ثلاثة
كما عرفت، والثانى أنه أعلى طريق عبد خير بالإرسال وقال: المراد به الوقف مع أن طريق عبد خير
مرفوع أيضا كطريق ابن الخليل، والوقف إنما هو فى طريق سلمة عن الشعبى عن الخليل أو ابن
الخليل أو أبى الخليل أو ابن أبى الخليل لا فى طريق عبد خير فتدبر.
خطأ ابن القيم فى النقل
وقال ابن القيم فى "زاد المعاد" (٣١٧:٢): قد أعل هذا الحديث بأنه روى عن عبد خير
بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلا. قال النسائى: وهذا أصوب وهذا أعجب، فإن إسقاط زيد بن
أرقم من هذا الحديث لا يجعله مرسلا، فإن عبد خير أدرك عليا وسمع منه، وعلى صاحب القصة
فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له فى السنن فمن أين يجىء الإرسال ؟ اهـ.
وفيه أيضا نظر فإنك قد عرفت أن أبا داود رواه عن عبد خير عن زيد بن أرقم مرفوعا، فلا
إرسال فى روايته ولا وقف، وإنما الإرسال والوقف فى رواية سلمة عن الشعبى عن الخليل أو أبى

ج - ١٥
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
٤٦٦
الخليل أو ابن الخليل أو ابن أبى الخليل عن على، والنسائى إنما صوب هذه الرواية لا رواية عبد خير
عن على، فإنه لا أثر لهذه الرواية فى النسائى، وهو المراد من قول ابن تيمية فى المنتقى أنه رواه
النسائى وأبو داود موقوفا على على بإسناد أجود من إسناد المرفوع لا ما ظنه الشوكانى أن المراد منه
*طريق عبد خير لأن عبد خير رواه عن زيد بن أرقم مرفوعا لا موقوفا على على تنبه له.
وقال فى بذل المجهود فى الجواب عن حديث محرز المدلجى: محصل الجواب عن استدلالهم
بأن استدلالهم ليس مبناه إلا على استبشاره معَّه وسروره لقول القائف، واستشاره عّ لّ. يحتمل
أمرين أحدهما أن يكون رضى بقول القائف مثبتا لنسب أسامة به. وثانيهما: أن يكون استبشاره
ردعا لزعم أهل الجاهلية بإبطال نسب أسامة من زيد، ولا شك أن استبشاره عدّ له بقول القائف لم
يكن على الاحتمال الأول بل على الثانى، لأنه مَّ لم يكن فى شك من نسبه بل كان على يقين
منه، فلا يجوز الاستدلال باستبشاره عّ لّ اهـ بمحصله (١٠٢:٣).
واحتج البيهقى بقصة تخاصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة على صحة إقرار الوارث
بالوارث. وقال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" أنه باعتراف أحد الوارثين لا يثبت النسب فى
حق الوارثين بالاتفاق ولم تقربه سودة بل علق الحكم بإقرار عبد، فعلم أنه مرّ له أثبت النسب فى
حقه بإقراره لا فى حق أبيه، ولو ثبت النسب فى حق أبيه كان أمرها بالاحتجاب قطعا للرحم،
ويؤيده قوله: فإنه ليس لك بأخ "الجوهر، النقى" (٣١:٢).
الرد على بعض الأحباب والشوكانى
فإن قيل: كما قال بعض الأحباب: لا معنى لسروره بقول القائف ردا لما زعم أهل الجاهلية،
لأن حاصل زعمهم أن الولد يشبه الوالد وكان ذلك هو منشأ نفيهم مخلوقية أسامة من ماء زيد،
وليس فى قول القائف نفى لهذا الزعم بل تائيد وتقوية له.
قلت: كلا لأنه حكم بكون الأقدام بعضها من بعض مع تخالف اللونين وانتفاء الشبه
بينهما، فدل على أن مخلوقية الولد من ماء أبيه لا تدور على الشبه وحده كما زعمه أهل الجاهلية
الطاعنون فى نسب أسامة، بل قد تكون ثابتة مع انتفاء الشبه، وهذا هو الرد على هؤلاء بعينه، فإن
قيل كما قال الشوكانى: لو كانت القيافة لا يجوز العمل بها إلا فى مثل هذه المنفعة مع مثل أولئك
الذين قالوا مقالة السوء لما قرره معرّ ◌ُلّه على آله: هذه الأقدام بعضها من بعض وهو فى قوة هذا ابن
هذا، فإن ظاهره أنه تقرير للإلحاق بالقافة مطلقا لا إلزام الخصم بما يعتقده اهـ. (٢١٥:٦) قلنا: أما

٤٦٧
اعتبار القیافة وعدمه فی النسب
إعلاء السنن
العمل بالقيافة فلم يوجد منه عدوٍّ فى قصة أسامة أصلا، وغاية ما فيه أنه استبشر بقول القائف.
وأما أن فيه تقريره عَّ. على قوله: هذه الأقدام بعضها من بعض فلا يلزم من تقريره على
قول قد صدق فيه شرعا وحقيقة تقريره على كل قول يقوله بالقيافة فإن الكذوب قد يصدق كما
قال عّ فى عفريت كان يسرق من تمر زكاة رمضان.
وبالجملة فهذه حكاية حال لا عموم لها وغاية ما فيها أن القائف قد يصدق كما صدق
المدلجى فى قوله فى أسامة. ولا دليل فيه على صدقهم وتصديقهم بالعموم فافهم.
وأما قول بعض الأحباب: سلمنا أنه عرّ لم يكن فى شك من نسب أسامة لكن كان بناء
هذا اليقين على مجرد حسن الظن بأمه، ولم يكن عنده دليل غير حسن الظن بها، فلما وقف على
دليل ظاهر بقول القائف سر به، فسروره كان بناء على الاحتمال الأول دون الثانى اهـ فأسخف.
من كل باطل وأضعف من ظل زائل، فحاشا رسول الله عَّر أن يستدل بقول قائف لا يؤمن بالله
ولا باليوم الآخر على أمر ثابت شرعا، وأى حاجة لمن يأتيه الوحى من السماء غدوة وعشية إلى
تحصيل اليقين من عند كافر هو أضل من بعيره؟ وكيف يقول هذا المدعى أن بناء سروره مُ ◌ّه كان
على الاحتمال الأول وقد اعترف بأنه لا عبرة بالقيافة فى باب النسب، وأجمعوا على أنه لا يجوز
قذف المحصنات بها، وأما قول الشوكانى: إن النبى: مَّ ◌ُلّه لم ينقل عنه إنكار كونه طريقا يثبت بها
النسب حتى يكون تقريره لذلك من باب التقرير على مضى كافر إلى كنيسة ونحوه مما عرف منه
إنكاره قبل السكوت عنه اهـ ففيه أنه قد ثبت عنه أنكاره فى قوله: ((لعل عرقا نزعه)) وفى شرع الله
اللعان بين الزوجين وإهدار القيافة والشبه جملة، ولم نقل أن تقريره لذلك من باب التقرير على
مضى كافر إلى كنيسة بل من باب قوله: إن الكذوب قد يصدق كما مر أو كان تعجبا من إصابته
وصدقه فى هذا القول مع كونه كافرا من حزب الطاعنين.
وأما قوله عَّ لأم سليم حين قالت: أو تحتلم المرأة؟ ((فبم يكون الشبه)) فإنما أراد به إثبات
الاحتلام للنساء وأن لهن منى كمنى الرجال لا غير، فالاحتجاج به على معنى الباب لا معنى له:
وأما أن قوله: إن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له الحديث يستلزم أنه مناط شرعى وإلا لما
كان للأخبار فائدة اهـ (٢١٥:٦). فلا يقول ذلك إلا من غفل عن أسباب الحديث وموارده فقد
أخرج البخارى عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله عّ لّه فأتاه فقال: إنى سائلك
عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى فذكر الحديث وفيه: وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟ قال: ((أخبرنى

: ٤٦٨
ج - ١٥
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
بهن جبريل آنفا)). إلى أن قال: وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة
نزعت قال: أشهد أن لا إله إلا الله الحديث وفيه ما يدل على بطلان القيافة وأن علم الشبه مما لا
يعلمه إلا الله أو من يأتيه الوحى من الله تعالى. وفيه أنه مَّه لم يقل ذلك لبيان المناط الشرعى وإنما
قاله فى جواب سائل سأله عن ذلك اختبارا لنبوته وهذا أظهر من أن يخفى على عاقل.
ثم أورد بعض الأحباب على صاحب "الجوهر النقى" بأن ابن الوليدة المذكورة كان معروفا
بالنسب من زمعة بإقراره ولم يكن ينكره أحد لا عبد ولا سودة ولا غيرهما اهـ. وهل هذه إلا
دعوى مجردة عن دليل لا رجل ولا رأس فمن أنبأه أنه كان معروف النسب؟ ومن أخبره بإقرار
زمعة به؟ وقد قال المازري: يتعلق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه وهو صحيح عند الشافعى إذا
لم يكن له وارث سواه، وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادعاه ولدا ولا اعترف
بوطأ أمه فكان المعول فى هذه القصة على استلحاق عبد بن زمعة "فتح البارى" (٣٠:١٢).
وفيه أيضا: واستدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالأب بل للأخ أن يستلحق
وهو قول الشافعية بشرط أن يكون الأخ جائزا أو يوافقه باقى الورثة، وتعقب بأن زمعة كان له ورثة
غير عبد. وأجيب بأنه لم يخلف وارثا غيره إلا سودة فإن كان زمعة مات كافرا فلم يرثه إلا عبد
وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم وورثته سودة فيحتمل أن تكون و كلت أخاها فى ذلك أو
ادعت أيضا (٢٨:١٢) فهؤلاء أهل العلم بالحديث والأخبار يتكلمون بالاحتمال، فمن أين لهذا
المدعى أن يجزم بكون ابن الوليدة معروفا بالنسب من زمعة بإقراره وإقرار ورثته؟
وأغرب من ذلك قوله: إن أمره مَّ لسودة بالاحتجاب وقوله: ((ليس هو لك بأخ) لم يكن
لنفى النسب فى حقها بل لأنه كان خلق من ماء عتبة ولذا لم يكن بينهما رحم، ونفى الرحم لا
يستلزم نفى النسب اهـ. فهل سمعتم بأسخف ممن يقول بأن نفى الرحم لا يستلزم نفى النسب،
وهل الرحم إلا النسب والقرابة بعينهما؟ ثم قال: ومنشأ خطأ ابن التركمانى أنه زعم أن المتخاصمين
كانا سعدا وعبدا. وهو خطأ، فإن المتخاصمين فى الحقيقة هما زمعة وعتبة، وسعد كان خصما من
أخيه، عبد كان خصما من أبيه، فقضى رسول الله عَُّّه لزمعة وأثبت النسب فى حق جميع الورثة
لا فى حق عبد خاصة اهـ. وهل هذا إلا هذر كهذر الفلاسفة لا إلمام له بعلم ولا فقه، وكيف يصح
القول بأن المتخاصمين فى الحقيقة زمعة وعتبة ولم يثبت إقرار زمعة بهذا الولد ولا وصيته
باستلحاقه. ولو ثبت ذلك لارتفع النزاع من البین، و کان الحدیث من باب استلحاق الأب دون
الأخ اتفاقا.

٤٦٩
اعتبار القیافة وعدمه فى النسب
إعلاء السنن
قال: فالمسألة ليس من قبيل إقرار الوارث بالوارث كما ظنه البيهقى وابن التر كمانى، بل من
قبيل إقرار المورث بالوارث فتنبه له اهـ.
قلت: لا يتنبه له إلا من كان مجهولا على الدعاوى المجردة من غير دليل رجما بالغيب. قال:
ولو كان من قبيل إقرار الوارث فسعد وعبد كلاهما كانا مقرين بكونه أخا لهما، فكان ينبغى أن
يكون أخا لهما بإقرارهما اهـ. قلنا: كان ينبغى ذلك على طريق الجاهلية دون الإسلام، لأن الولد
للفراش وللعاهر الحجر شرعا، فلم تكن الدعویان متکافیتین، فعبد كان يدعى أخوته لكونه ولد
جارية أبيه ولد على فراشه، وسعد كان يدعيه لكون عتبة كان قد زنى بأمه، فكيف كان ينبغى أن
يكون أخا لهما شرعا؟ ومن استشعر من نفسه الاجتهاد وليس له بأهل يبتلى بمثل ذلك وأشد منه
وأتى بما يستضحك منه البله والصبيان، هذا وقد مر الكلام فى مسألة القيافة والاستلحاق فى باب
النسب والاستیلاد من هذا الكتاب مستوفى فليراجع.
فائدة: قوله عَّه: (الولد للفراش)) يؤيد قول أبى حنيفة فى شرقى تزوج غربية بالكتاب
فأتت بالولد لستة أشهر بعد النكاح فالولد للفراش عند أبى حنيفة وأن لم يتصور اجتماعهما ظاهرا.
واستبعد النووى وقال: إن أبا حنيفة جمد على محض ظاهر الحديث، قلنا: قد غفل رحمه الله عن
باب اللعان وهو باب عظيم من الفقه فنقول: إذا ولدت المغربية ولم ينف المشرقى ولدها فكيف
يمكن لأحد أن ينفيه عنه ولو جاز ذلك لم يبق حاجة إلى اللعان، ولو علم الزوج أن الولد ليس له
فعليه أن ينفيه باللعان.
والعجب من الشافعية أنهم استبعدوا هذه المسألة وهم يقولون بمثلها فى مسألة أخرى وهى
أن مذهب مالك فى امرأة مقيمة غير غربية ظهر بها الحبل ولا زوج لها ولا سيد: إن عليها الرجم
لو محصنة والجلد لو غير محصنة، ومذهب الجمهور أن لا حد عليها بمجرد ظهور الحبل ما لم
يكن بينة على زناها أو اعتراف. ثم قالت الشافعية ردا على المالكية أن المرأة إذا حبلت ولم نعلم لها
زوجا ولا سيدا لا يجب عليها الحد لاحتمال أنها كانت قد نكحت سرا ولم نعلم به أو وطئت
بشبهة أو مكرهة ولا يجب علينا الاستفسار عن ذلك كله قبل رفع القضية إلينا بالإقرار أو البينة،
فإذن ليس قول أبى حنيفة من الاستبعاد فى شىء، فإنه أيضا لا يقول إلا ذلك فى ولد المغربية أنه
للفراش ولا يجب علينا الاستفسار عن الحال ما لم ترفع القضية إلينا بالبينة أو الاعتراف أو اللعان فافهم.
فائدة: لا تتعلق بهذا الباب ولكن الشىء بالشىء يذكر، أخرج العقبلى عن محجن مولى

٤٧٠
ج - ١٥
باب ولد المغرور حر بالقيمة
٥١٦٩- حدثنا أبو بكر بن عياش عن مطرف عن عامر عن على فى رجل اشترى
جارية فولدت منه أولادًا ثم أقام رجل البينة أنها له قال: ترد عليه ويقوم عليه ولدها يغرم
الذى باعها ماعز وهان. رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (زيلعى)، ورجاله ثقات وقد
أثبتنا سماع الشعبى من على فى الاستدراك وغيره، فليراجع.
عثمان قال: كنت مع عثمان فى أرضه فدخلت عليه أعرابية بضر فقالت: إنى قد زنيت فقال:
أخرجها يا محجن! فأجرجتها ثم رجعت فقالت: إنى قد زنيت فقال: أخرجها يا محجن!
فأخرجتها ثم رجعت فقالت: إنى قد زنيت فقال عثمان: ويحك يا محجن! أراها بضر وإن الضر
يحمل على الشر، فاذهب بها فضمها إليك فأشبعها واكسها، فذهبت بها ففعلت ذلك بها حتى
رجعت إليها نفسها ثم قال عثمان: أوقر لها حمارا من تمر ودقيق وزبيب ثم اذهب بها فإذا مر قوم
يغدون بادية أهلها فضمها إليهم ثم قل لهم: يؤدوها إلى أهلها. ففعلت ذلك فبينا أنا أسير بها إذ
قلت لها: أتقرين بما أقررت به بين يدى أمير المؤمنين قالت: إنما فعلت ذلك من ضر أصابنى، "كنز
العمال" (٣٧٢:٦). لم أقف له على سند وبجانبه علامة الحسن، وفيه دلالة على حكمة الاستفسار
عن المقر بالزنا لاحتمال أن يكون قد أقر بذلك لضر أصابه فاستعجل الموت. وفيه أيضا اشتراط
الإقرار أربع مرات فى أربع مجالس، ولو وجب الحد بالإقرار مرة لم يكن لإخراج عثمان إياها
ثلاث مرات معنى، وفيه من صدق فراسة عثمان ما لا يخفى فإنه كان ينظر بنور الله رضى الله عنه
وعن أصحاب النبى عّ لِّ أجمعين.
باب ولد المغرور حر بالقيمة
قوله: حدثنا أبو بكر بن عياش إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: ذكر محمد رحمه الله
فى الأصل عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: أبقت أمة فأتت بعض القبائل فانتمت إلى بعض قبائل
العرب، فتزوجها رجل من بنى عذرة فنثرت له ذا بطنها ثم جاء مولاها فرفع ذلك إلى عمر بن
الخطاب رضى الله عنه فقضى بها لمولاها وقضى على أبى الولد أن يفدى الأولاد، الغلام بالغلام
والجارية بالجارية، قال: وفى هذا دليل على أن ولد المغرور يكون حرا بعوض يأخذه المستحق من
المغرور فأخذ بعض العلماء رحمهم الله بظاهره فقالوا: مضمون بالمثل، الغلام بالغلام والجارية
بالجارية. وعندنا هو مضمون بالقيمة، وتأويل الحديث: الغلام بقيمة الغلام والجارية بقيمة الجارية
والمراد المماثلة فى المالية دون الصورة.

٤٧١
ولد المغرور حر بالقيمة
إعلاء السنن
٥١٧٠- حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن ابن قسيط عن سليمان
ابن يسار أن أمة أتت قومًا فغرتهم وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت له أولادًا
فوجدها أمة فقضى عمر بقيمة أولادها فى كل مغرور غرة. رواه ابن أبى شيبة أيضًا
(زيلعى ٢٢٤:٢)، ورجاله ثقات وصححه ابن حزم فى "المحلى" (١٣٩:٨).
قال السرخسى رحمه الله: فإنه ثبت بالنص أن الحيوان لا يكون مضمونا بالمثل كما
قال ګے فى العبد بین اثنین یعتقه أحدهماك إن كان موسرا ضمنه نصف قيمته، وهكذا روى عن
عمر رضى الله عنه. وهو تأويل حديث على رضى الله عنه الذى ذكره (محمد) بعد هذا عن
الشعبى أن رجلا اشترى جارية فولدت منه فاستحقها رجل ورفع ذلك إلى على رضى الله عنه،
فقضى بالجارية لمولاها وقضى للمشترى على البائع أن يفك ولده بما عز وهان، ولم يرد بقوله:
قضى بأولادها لمولاها أن يسلم الأولاد إليه، وإنما المراد جعل الأولاد فى حقهم كأنهم مملوكين له
حيث أوجب له القيمة على المغرور، وأضاف ذلك إلى البائع بطريق أن قود الضمان عليه، فإن
المشترى يرجع على البائع بما عزم من قيمة الأولاد، ومعنى قوله: عزوهان بالقيمة بالغة ما بلغت
وهو الأصل عندنا فى ولد المغرور فإنه فى حق المغرور هو حر الأصل وفى حق المستحق كأنه رقيق
مملوك له بملك الأصل أى الجارية لأنه لا وجه لإيجاب الضمان له إلا هذا، ولأن النظر من الجانبين
واجب والنظر فى جانب المغرور فى حرية الولد، لأنه لم يرض برق مائه والنظر فى جانب المستحق
فى رق الولد لكونه لا يبطل ملكه عما هو جزء من ملكه فيجب ضمان المالية على المغرور ويعتبر
قيمته وقت الخصومة اهـ ملخصا (١٧٦:١٧). وفى "الهداية": وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع
الصحابة رضى الله عنهم اهـ وقد بينا معنى الإجماع فى المتن.
قلت: وقد صح عن عمر أنه قضى فى أولاد الغارة بالقيمة، وفى رواية: أنه قضى بقيمة
أولادها فى كل مغرور غرة، (المحلى ١٣٨:٨). فثبت أنه لم يقض بالمثل وقوله: فى كل مغروة غرة
بيان للقيمة أى يغرم فى كل مغرور قيمة غرة. وهذا ظاهر ولكن ابن حزم تجشم حملها على المثل
تمشية لمذهبه لكون الحيوان مضمونا بمثله عنده وقد استوفينا الكلام معه فى (باب السلم والسلف
فى الحيوان) فليراجع. وقول على رضى الله عنه: ترد إليه ويقوم عليه الولد فيغرم الذى باعه بما عز
وهان صريح فى ضمان الولد بالقيمة.
وأما قول ابن حزم: إنهم تعلقوا بهذه وقد كذبوا لأنهم لا يغرمون البائع ما يفدى به ولده،
(١٣٩:٨) اهـ فلا يرد علينا لأنا قائلون بغرامة البائع ما يفدى به ولده. صرح به السرخسى فى

ج - ١٥
ولد المغرور حر بالقيمة
٤٧٢
٥١٧١- حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن خلاس أن أمة أتت طيًا
فزعمت أنها حرة فتزوجها رجل ثم إن سيدها ظهر عليها فقضى عثمان أنها وأولادها
لسيدها وجعل لزوجها ما أدرك من متاعها وجعل فيهم الملة(١) والسنة فى كل رأس
رأسين. رواه ابن أبى شيبة أيضًا (زيلعى)، رجاله ثقات ولكن خلاسًا لم يسمع من
عثمان، وسماع عبد الأعلى من سعيد بعد الاختلاط.
"المبسوط" ونصه: فإن المشترى يرجع على البائع بما غرم من قيمة الأولاد كما مر. وأما رجوعه
عليه بثمن الجارية فلا خلاف فيه. قال الموفق فى "المغنى" بعد ما ذكر اختلاف الروايات عن أحمد
فى كيفية الضمان ما نصه، وعن أحمد رواية أنه يفديهم بقيمتهم. وهو قول أبى حنيفة والشافعى،
وهو أصح إن شاء الله تعالى، لأن الحيوان ليس(٢) بمثلى فيضمن بقيمته كسائر المتقومات، ورجع
بذلك كله على الغاصب يعنى بالمهر(٣) وما فدى به الأولاد لأن المشترى دخل على أن يسلم له
الأولاد وإن يتمكن من العطأ بغير عوض فإذا لم يسلم له ذلك فقد غره البائع فرجع به عليه، فأما
الجارية إذا ردها لم يرجع ببدلها لأنها ملك المالك رجعت إليه لكنه يرجع على الغاصب أى البائع
بالثمن الذى أخذه منه اه ملخصا (٤١١:٥).
وذهب ابن حزم إلى أن ولد المغرور رقيق لسيد الجارية لا يجبر على قبول القداء وقال: لا
يمكن البتة أن تكون الأولاد إلا أحرارا أو مماليك. لا سبيل إلى قسم ثالث، فلعمرى لإن كانوا أحررا
مذ ولدوا فما يحل لسيد أمهم أخذ قيمة حر ولا يحل أن يغرم أبوهم فى قيمتهم ثمنا أصلا، وإن
كانوا مماليك فما يحل لأحد إجبار إنسان على بيع مماليكه بغير نص من قرآن أو سنة عن رسول الله
عَ ◌ّه اهـ. قلنا: أو سنة عن أصحابه مجمع عليها. وأيضا فكل ما ذكرته قياس والقياس كله باطل
عندك، فلا ندرى متى هو حجة عندك ومتى هو ليس بحجة، ولا نسلم أنه لا سبيل إلى قسم ثالث
فقد ذكرنا أن ولد المغرور حر الأصل فى حق المغرور لأنه ولده ولا ملك قرابة الولاد وفى حق
المستحق كأنه رقيق مملوك له بملك الأصل، ولذلك نظائر فى الشرع كالمكاتب والمدبر وأم الولد
فکلهم رقيق من وجه حر من وجه.
(١) لفظ الملة ذكره ابن حزم فى هذا الحديث كما فى "المحلى" (١٣٧:٨)، وهى الدية والعوض.
(٢) نقضوا ههنا أصلهم فإنهم يقولون بجواز السلف فى الحيوان وادعوا هناك أنه مثلى فافهم.
(٣) لا يرجع عندنا بالمهر أى العقر.

٤٧٣
ولد المغرور حر بالقيمة
إعلاء السنن
٥١٧٢- مالك فى "الموطأ" أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان قضى
أحدهما فى أمة غرت رجلا بنفسها فذكرت أنها حرة فتزوجها فولدت له أولادًا فقضى
والعجب ممن يجوز للقاضى بيع أموال المديون فى دينه جبراً من غير رضاه أن ينكر إجبار
إنسان على بيع مماليكه لحق المغرور فإن المغرور أحق بالنظر من الغرماء الذين دفعوا أموالهم إلى
المديون برضاهم، والمغرور لم يدفع ثمن الجارية إلى البائع راضيا بتعلق حق الغير فيها. والعجب ممن
يلزم المشترى الذى اشترى مصراة فلما حلبها افتضح له الأمر وأراد ردها أن يردها ويرد معها صاعا
من تمر مع أن البائع غار خادع غاش لا يستحق النظر، ولا يلزم مولى الغارة بيع أولادها للمغرور
لكونه مظلوما مخدوعا فى البيع أو النكاح فإن قال: إن مولاها لم يغره، وإنما غره الغاصب أو
الجارية. قلنا: فليأخذ جاريته وصداقها فإنها هى المغصوبة وبضعها، وأما أولادها فلم يتحقق فيهم
الغصب. لأن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك، ويد المالك ما كانت
ثابتة على الأولاد قط، فمن أين له أن يأخذ ما لم يتحقق فيه الغصب أصلا؟
فإن قال: إنها نماء ملكه. قلنا: فهى نماء ملك المشترى أيضا، لأنه لم يطأ الجارية إلا معتمدا
على ملكه فيها ملك يمين أو نكاح، فإن قال: إن اعتماد المشترى على الملك مبنى على ظن قد أخطأ
فيه. قلنا: فمن أنبأك بإهدار مثل هذا الظن شرعا، ألا ترى أنه يسقط الحد عن الواطئ والولد لا حق
به نسبا، وعليه الصداق لها كما ذكرت كل ذلك فى باب النكاح (٤٩١:٩) وقلت: إن رسول الله
مَّ خِّ أتى بالحق ولم يزل الناس يسلمون وفى نكاحهم الصحيح والفاسد كالجمع بين الأختين
ونكاح أكثر من أربع وامرأة الأب ففسخ عليه السلام كل ذلك، وألحق فيه الأولاد، فالولد لا حق
بالجاهل اهـ. وإذا كان كذلك فلا بد من النظر للجانبين وهو فيما قلنا.
وبهذا ظهر الجواب عن قوله: إن هذه الغارة أو المبيعة بغير إذن مالكها أهى زوجة للذى
ولدت له أو ملك يمين له أم ليست له زوجة أو ملك يمين ولا بد له من أحدهما اهـ. (٣٧:١٠) قلنا:
هى زوجة جاهل أو ملك يمين جاهل وقد اعترفت بمراعاة مثل هذا الجهل فكما لا بد من إلحاق
أولاده به لجهله كذلك لا بد من إجبار مولى الأمة على قبول فدئ أولاده ومن ادعى الفرق فليأت
بيرهان وليعلم ابن حزم ومن تبعه أنهم لا حظ لهم فى الدراية والقياس فما لهم وله، وأولى لهم أن
لا يزاحموا الفقهاء فیه.
وبهذا بطل احتجاجه بقول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو
ما ملكت أيمانهم﴾ لأنا نقول: إن المغرور لم يطأ إلا زوجته أو ملك يمينه ولا يكلف المرأ ما غاب

٤٧٤
ولد المغرور حر بالقيمة
ج - ١٥
أن ولده بمثلهم. قال مالك: وتلك القيمة عندى. (زيلعى ٢٢٤:٢)، وقال الحافظ فى
التلخيص وإطلاق (الرافعى) الإجماع باعتبار أنهما لا يعرف لهما فى ذلك مخالف اهـ.
عن علمه، فلو ظهر فى يوم من الأيام بطلان هذا النكاح أو فساد الملك لا يعد وطأه زنا إجماعا،
فكيف يصح القول بأن أولاده عبيد لمولى الأمة لا يجبر على بيعهم، بل يجب إعطاء كل شىء من
الصورة والمعنى حقه، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
وأما قولك: فهؤلاء عمر وعثمان وعلى أئمة الهدى قد قضوا بأولاد المستحقة رقيقا لسيد
أمهم ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة رضى الله عنهم اهـ، قلنا: فهذا لا يضرنا؛ لأنا نقول
بكونهم رقيقا فى حق المستحق، ولكنه يجبر على قبول الفداء لما فى حديث عمر أنه قضى بقيمة
أولادها فى كل مغرور غرة، ولو كانوا رقيقا من كل وجه لم يقض بذلك ولما فى حديث على: ترد
علیه ويقوم عليه ولدها فيغرم الذى باعه بما عز وهان.
وأما قولك: إن ابن عياش ضعيف. فرد عليك، فإنه من رجال البخارى والأربعة أخرج له
مسلم فى مقدمته والناس على توثيقه والاعتراف بجلالته، ومن وثقه أكثر ممن ضعفه، وقد رويت
من طريق حماد بن سلمة عن حميد قال: باع رجل جارية لأبيه فتسراها المشترى فولدت له أولادا
فجاء أبوه فخاصمه إلى عمر بن الخطاب فردها وولدها إليه فقال المشترى: دع لى ولدى. فقال:
دع له ولده، وهذا يدل على أن المولى مأمور بأن يدع للمشترى ولده إما فضلا وإما بالقيمة.
فإن قلت: هذه شفاعة من عمر. فقلنا: دعوى بلا دليل بل هو قضاء منه بدليل ما ورد فى
حديث المتن من أنه قضى بقيمة أولادها وبدليل ما رويت من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا
حميد الطويل عن الحسن أن رجلا باع جارية لأبيه وأبوه غائب فلما قدم أبى أن يجيز بيع ابنه وقد
ولدت من المشترى فاختصموا إلى عمر بن الخطاب فقضى للرجل بجاريته وأمر المشترى أن يأخذ
بيعه بالخلاص فلزمه، فقال أبو البائع: فليخل عن ابنى. فقال عمر: وأنت فخل عن ابنه. (٣٦:١٠)
من "المحلى". وهذا صريح فى أنه لم يقل ذلك شفاعة بل كان قد قضى على البائع بالخلاص أى
خلاص الثمن وأولاده فلما اشتدت على أبى البائع ملازمته لابنه أمره عمر بأن يخلى عن ابن
المشترى فرجع إلى حديث ابن يسار أن عمر قضى بقيمته أولادها على البائع.
واندحض به قولك: إن الحنفيين والمالكيين والشافعيين خالفوا هؤلاء الصحابة بإيجاب القيمة
التى لم تأت من أحد نعلمه قبل أبى حنيفة ثم أتبعه مالك والشافعى اهـ (٣٩:١٠) وكيف تقول
ذلك وقد ورد التصريح بالقضاء بالقيمة عن عمر وعن على رضى الله عنهما؟ وليس تأويلك القيمة

٤٧٥
إعلاء السنن
باب لا يثبت نسب الحميل إلا ببينة
٥١٧٣- روى الشعبى أن عمر رضى الله عنه كتب إلى شريح أن لا توارث
حمیلا حتى تقوم به بينة رواه سعيد.
بالمثل حجة على خصمك ولا تضعيفك لأبى بكر بن عياش مما يلتفت إليه، وقد نسبت مع ذلك ما
أخرجته من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا مطرف هو ابن طريف والمغيرة قال: مطرف عن
الشعبى. وقال مغيرة: عن أبراهيم قالا فى ولد الغارة أن على أبيهم أن يفديهم بما عز وهان (أى
بالقيمة بالغة ما بلغت) وقد، فى بيان المذاهب: إن إبراهيم قال: على أبيهم قيمتهم ويهضم عنه من
القيمة شىء اهـ (١٣٨:٨).
فهؤلاء سلف أبى حنيفة فى إيجاب القيمة التى زعمت أنها لم تأت عن أحد قبله، ويدل
على أن الإنسان لا يفدى بالمثل بل بالقيمة ما رويته من طريق عبد الرزاق عن سفيان ابن عيينة عن
زكريا -هو ابن أبى زائدة- عن الشعبى قال: قضى رسول الله عَّه فى سبى العرب فى الجاهلية أن
فداء الرجل ثمان من الإبل وأن فى الأنثى عشر. وما رويته من طريق عبد الرزاق عن أبى بكر بن
عياش قال قال أبو حصين عن الشغبى: لما استخلف عمر بن الخطاب قال: ليس على عربى ملك
ولسنا بنازعين من يد أحد شيئا أسلم عليه ولكنا نقومهم الملة اهـ (٣٩:١٠).
وأما قولك: أنتم أول مخالف لهذا فتوجبون الملك للعلج على أولاد العربى والقرشى إذا
تزوج أمته بإذنه اهـ قلنا: لا يخالف بينهما بين القولين إلا من حرم الفقه والدراية جملة، فإن
الحديث وقول عمر إنما وردا فى سبى العرب فدلا على أن العرب لا يسترقون بالسبى، وأما أن
أولادهم لا يسترقون بنكاح الإماء أو بردة الآباء فلا، ولو لا ذلك لم يكن عدم استطاعة طول الحرة
شرطا فى نكاح الإماء ولم يكن لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير
لكم معنى. فانظر من هو ينحو من الخط الصواب؟ وقد ثبت عن الصحابة استرقاق ذرية المرتدين
من العرب كما مر فى كتاب السير من هذا الكتاب وهو قول أبى حنيفة رحمه الله مع الأصحاب.
باب لا يثبت نسب الحميل إلا ببينة
قال فى "المبسوط": الأصل أن إقرار الرجل يصح بأربعة: بالأب والابن والمرأة ومولى
العتاقة. وإقرار المرأة يصح من ثلاثة: بالأب والزوج ومولى العتاقة، ولا يصح إقرارها بالولد لأن
إقرار المرء على نفسه مقبول قال الله تعالى: ﴿بَل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ وعلى الغير مردود

٤٧٦
لا يثبت نسب الحميل إلا ببينة
ج - ١٥
٥١٧٤- حدثنا سفيان عن ابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: كتب عمر
ابن الخطاب أن لا توارث حميلا إلا ببينة، رواه سعيد بن منصور أيضًا، كذا فى
"المغنى" (٢٢٤:١٢)، وهو مرسل حسن، فإن ابن جدعان مختلف فيه حسن الحديث
کما ذكرنا فى غير ما موضع واحد.
للتنهمة فالرجل بالإقرار مقر بالولد على نفسه، لأن الولد ينسب إليه والمرأة تقر على الغير وهو
صاحب الفراش، لأن الولد ينسب إليه لا إليها فلم يصح إقرارها بالولد لهذا، وفى الثلاثة هى مقرة
على نفسها كالرجل فيصح الإقرار، والإقرار بما سوى هذه الأربعة من القرابات كالإخوة والأعمام
لا يصح، لأنه يحمل نسبه على غيره، فإن ثبوت النسب بينهما لا يكون إلا بواسطة وفى تلك
الواسطة إقرار على الغير فلم يكن صحيحا. والأصل فيه حديث عمر رضى الله عنه: ((لا يوارث
الحميل إلا ببينة)).
وبيانه: ما روى عن الشعبى رحمه الله أن امرأة سبيت ومعها صبى فأعتقا وكبر الصبى
واكتسب مالا ثم مات فقالوا للمرأة: خذى ميراث ابنك، فقالت: ليس هو ابنی ولکنه ابن دهقان
القرية وكنت ظئرا له فكتب بذلك إلى عمر فكتب أن لا يورث الحميل إلا ببينة.
قال محمد رحمه الله: الحميل عندنا كل نسب كان فى أهل الحرب وليس هذا بشىء
يختص بأهل الحرب، فإن الحميل من يحمل النسب على الغير فعيل بمعنى فاعل أو من يحمل نسبه
على الغير فعيل بمعنى مفعول كالقتيل بمعنى المقتول، إلا أنه إنما وضعه فى أهل الحرب بناء على
العادة لأنه لا يمكن إثبات أنسابهم بالبينة فى دار الإسلام، وقل ما يتعذر ذلك فيما بين المسلمين
فلهذا وضعه فى أهل الحرب، فقال: إذا سبى صبيان فأعتقا وكبرا فأقر كل واحد منهما أن الآخر
أخوه لأبيه وأمه لم يصدقا فى ذلك، لأنهما يحملان النسب على الأب، وكذلك لو كان مع
المسبى امرأة فأعتقت وادعت أنه ابنها وصدقها فى ذلك لم يصدقا، بخلاف ما إذا كان مع المسبى
رجل فأعتق ثم ادعى أن الصبى ابنه يثبت نسبه منه لأنه يقر بالنسب على نفسه، ولأن سبب ثبوت
النسب من الرجل خفى لا يقف عليه غيره، فمجرد قوله فيه مقبول، وسبب ثبوت النسب من المرأة
ولادة يطلع عليها غيرها فلا يقبل بمجرد قولها، فإن كان الصبى ممن يعبر عن نفسه أو كان بالغا لم
يثبت النسب إلا بتصديقه، لأن الإقرار يتوقف على تصديق المقر له إذا كان التصديق متأتيا، ولأنه
من وجه يدعى عليه وجوب الانتساب إليه فلا يثبت المدعا عليه إلا بتصديقه، وإنما يثبت عند
التصديق إذا كان محتملا فى نفسه بأن لم يكن الولد معروف النسب من غيره، وإذا أقرت المرأة

٤٧٧
لا يثبت نسب الحميل إلا ببينة
إعلاء السنن
٥١٧٥- وأخرجه محمد فى "الموطأ" (ص٣١٩) عن مالك: أخبرنا بكير بن عبد
الله الأشج عن سعيد بن المسيب قال: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحدًا من الأعاجم
إلا ما ولد فى العرب، وقال: بهذا نأخذ اهـ.
بولد وصدقها لم يثبت النسب، ولكنهما يتوارثان إن لم يكن لهما وارث معروف، لأن المقر يعامل
فى حق نفسه بإقراره كان ما أقر به حقا أولا، وإنما لا يتصدق فى حق الغير لتمكن التهمة، وإذا لم
يكن هناك وارث معروف لا تتمكن تهمة على إبطال حق وارث، ولأن كل واحد منهما
متمكن من إنشاء سبب يجعل ماله لصاحبه كالوصية فى عقد الموالاة فلا تتمكن فيه التهمة اهـ
ملخصا (١١٩:١٧).
قلت: فقول عمر: لا تورث حميلا إلا ببينة محمول على ما إذا كان للمقر وارث. قال
الموفق فى "المغنى": ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعوتها بحال. وهذا قول الثورى والشافعى وأبى
ثور وأصحاب الرأى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا
يثبت بدعوة المرأة لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرد اهـ (٣٩٣:٦). وقال
الحافظ فى "الفتح": قال ابن بطال: أجمعوا على أن الأم لا تستلحق بالزوج ما ينكره (إذا لم يكن
ولد على فراشه) فإن أقامت البينة قبلت حيث تكون فى عصمته، فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن
لا يعرف له أب: هذا ابنى ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لأمه،
ونازعه ابن التين فحكى عن ابن القاسم: لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط اهـ (٤٧:١٢).
وذکر الموفق فى "الغنی" رواية عن أحمد أن دعوتها تقبل ویلحقها نسبه لأنها أحد الأبوين
فثبت النسب بدعوتها كالأُب، ونصرها الموفق واحتج لها بما فى قصة داود وسليما عليهما السلام
حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما أبنان فذهب الذئب بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن
الباقى ابنها، فحكم به داود للكبرى وسليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما، ولا حجة له فيه،
لأن الحديث ليس من باب دعوة النسب لأن كل واحد منهما كانت ذات ولد عند أهل بلدها
وعشيرتها، وإنما كان النزاع فى الباقى من الولدين أنه لأيتهما فافهم. وقد تقدم بسط الكلام فى
ذلك فى باب اللقيط فليراجع.
وقال محمد فى "الموطأ": لا يورث الحميل الذى يسبى وتسبى معه امرأة فتقول: هو ولدى
أو تقول: هو أخى. أو يقول: هى أختى. ولا نسب من الأنساب يورث إلا ببينة إلا الوالد والولد،
فإنه إذا ادعى الوالد أنه ابنه وصدقه فهو ابنه. ولا يحتاج فى هذا إلى بينة إلا أن يكون الولد عبدا

ج - ١٥
لا يثبت نسب الحميل إلا ببينة
٤٧٨
فيكذبه مولاه بذلك فلا يكون ابن الأب ما دام عبدا حتى يصدفه المولى، والمرأة إذا ادعت الولد
وشهد امرأة حرة مسلمة على أنها ولدته وهو يصدقها وهو حر فهو ابنها وهو قول أبى حنيفة
والعامة من فقهاءنا رحمهم الله تعالى (ص: ٣١٩).
وقال الموفق فى دعوة أهل الحرب: نسب بعضهم من بعض أنهم إذا دخلوا إلينا مسلمين أو
غير مسلمين (بالاستيمان) فأقر بعضهم بنسب بعض ثبت نسبهم كما يثبت نسب أهل دار الإسلام
من المسلمين وأهل الذمة بإقرارهم، ولأنه إقرار لا ضرر على أحد فيه فقبل كإقرارهم بالحقوق المالية
ولا نعلم فى هذا خلافا، وإن كانوا سبيا فأقر بعضهم نسب بعض وقامت بذلك بينة من المسلمين
ثبت أيضا سواء كان الشاهد أسيرا عندهم أو غير أسير ويسمى الواحد من هؤلاء حميلا. وإنما لم
يقبل إقرارهم لما فى ذلك من الضرر على السيد يتفويت إرثه بالولاء على تقدير العتق. وإن صدقهما
معتقهما قبل لأن الحق له، وإن لم يصدقهما ولم تقم بذلك بينة لم يرث بعضهم من بعض وميراث
كل واحد منهما لمعتقه.
وهذا قول الشافعى فيما إذا أقر بنسب أو أخ أو جد أو ابن عم وإن أقر بنسب ابن ففيه ثلاثة
أوجه: أحدها: لا تبل، والثانى: يقبل لأنه يملك أن يستولد فملك الإقرار به، والثالث: إن أمكن أن
يستولد بعد عتقه قبل لأنه يملك الاستيلاد بعد عتقه، وإلا لم يقبل، لأنه لا يملك أن يستولد قبل
عتقه، ويروى عن ابن مسعود ومسروق والحسن وابن سيرين أن إقراره يقبل فيما يقبل فيه الإقرار
من الأحرار الأصليين. وبه قال أبو حنيفة لأنه مكلف أقر بنسب وارث مجهول النسب يمكن صدقه
فيه ووافقه المقر له فيه فقبل، كما لو أقر من له أخ بنسب ابن وبهذا يبطل ما ذكروه (٤٢٤:١٢).
قال: ولنا ما روى الشعبى فذكر ما ذكرناه فى المتن من الآثار، قلنا: ليس الحميل فيه بمعنى
المحمول من دار الكفر بل هو من يحمل نسبه على الغير كما قال محمد وهو إمام فى اللغة مسلم،
وإلا لزم أن لا يثبت نسب اللقيط من غير بينة أيضا لكونه أولى فى وصف المحمولية ممن يسبى من
أهل الحرب. وقد تقدم أن إقرار الرجل بالولد إقرار على نفسه ليس هو فى ذلك بحامل النسب على
غيره فلم يكن أحد من المقر والمقر له حميلا، إذا كان كذلك فأثر عمر دليل لنا لا علينا كما بينا.
قال: ولأن إقراره يتضمن إسقاط حق معتقه من ميراثه فلم يقبل كما لو أقر أنه مولى لغيره،
قلنا: مولى العتاقة آخر العصبات، وإذا صح إقرار من له أخ بنسب ابن فإقرار المعتق بالابن أولى
بالصحة، لأن النسب أقوى من الولاء. وأما قوله: إن الولاء ثبت عن عوض بخلاف الإخوة فكان

٤٧٩
إعلاء السنن
باب اختلاف الزوجين فى متاع البيت عند الفرقة
أو اختلاف ورثتهما بعد موتهما أو موت أحدهما
٥١٧٦- أخرج ابن حزم من طريق سفيان الثورى عن عبيدة بن معتب عن
إبراهيم النخعى أنه قال فى الرجل: إذا مات فادعت المرأة متاع البيت أجمع قال: إن كان
من متاع الرجل فهو للرجل، وما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان مما يكون
للرجل والمرأة فهو للباقى منهما، فإن كان فرقة وليس موتًا فهو للرجل (المحلى ٣١٣:١٠)
عبيدة بن معتب تغير بآخره قال الساجى: صدوق سىء الحفظ. وقال ابن عدى: هو مع
ضعفه يكتب حديثه وكره حفص بن غياث قول من اتهمه (تهذيب ٨٧:٧).
أقوى منها، وتقديم النسب فى الميراث لقربه لا لقوته فممنوع لثبوت ميراث النسب بكتاب الله
وثبوت الولاء بالسنة فهو أقوى والله أعلم. وقد تقدم الكلام فى قصة ولد زمعة والجواب عن
استدلال من استدل بها على جواز استلحاق الأخ، وقد ذكر أبو يوسف الإمام فى الأمالى أن وليدة
زمعة كانت أم ولد له كما فى "المبسوط" (١٧: ١٠١) وقد بينا حجته فى باب الاستيلاد من هذا
الكتاب فليراجع فلم يكن قضاء رسول الله عَّ ◌ُّه بالولد للفراش إلا لكون الوليدة أم ولد لسيدها لا
بمجرد دعوی أخیه فافهم.
باب اختلاف الزوجين فى متاع البيت عند الفرقة
أو اختلاف ورثتهما بعد موتهما أو موت أحدهما
قوله: أخرج ابن حزم إلى آخر الباب قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا ولكن ما كان من متاع
الرجل فهو للرجل، وما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان يكون لهما جميعا فهو للرجل
على كل حال إن مات أو طلق أو لم يطلق (أى إلا أن يقيم الآخر بينة أنه له وهو قول ابن شبرمة
وابن أبى ليلى فيما رواه ابن حزم من طريق سعيد بن منصور نا هشيم عنهما قالا جميعا: ما كان
للرجال فهو للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان مما يكون للرجال والنساء فهو للرجل.
قال ابن حزم: وهو قول الحكم وهو قول المالك، الفرقة والموت سواء فى ذلك عنده، ويحلف كل
واحد منهما فى كل ذلك. (٣١٣:١٠) قال محمد: وقال ابن أبى ليلى(١): المتاع كله متاع الرجل
(١) ذكره ابن حزم قولا لابن أبى ليلى، ولم يذكر سنده.

ج - ١٥
اختلاف الزوجين فى متاع البيت أو ورثتهما بعد موتهما فيه
٤٨٠
٥١٧٧- أبو يوسف عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى الرجل إذا
مات: فما كان فى البيت من متاع الرجال فهو للرجل، وما كان من متاع النساء فهو
للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو للباقى بعد منهما إلا أن يقيم الآخر بينةً.
ما كان يكون للرجال والنساء وغير ذلك إلا لباسها.
وقال غيره من الفقهاء: ما كان يكون للرجال فهو للرجل، وما يكون للنساء فهو للمرأة، وما
كان يكون لهما جميعا فهو بينهما نصفان. وقد قال ذلك زفر. وقد يروى عن إبراهيم النخعى
(رواه ابن حزم من طريق سعيد بن منصور ثنا سويد بن عبد العزيز قال: سألت ابن شبرمة عن
تداعى الزوجين فذكره قال: وسالت ابن أبى ليلى عن ذلك فقال مثل قول ابن شبرمة وزاد: فى
الحياة والموت اهـ) قال محمد: وقال بعض الفقهاء أيضا: جميع ما فى البيت من متاع الرجال
والنساء وغير ذلك بينهما نصفين (عزاه ابن حزم إلى سفيان الثورى وشريك بن عبد الله القاضى
والشافعى وأبى سليمان وأصحابهما. قال: وهو أحد قولى زفر بن الهذيل.
وقول الطحاوى (٣١٤:١٠) قال محمد وقال بعض الفقهاء أيضا: البيت بيت المرأة، فما
كان من متاع الرجال والنساء فهو للمرأة. (رواه ابن حزم عن الزهرى من طريق عبد الرزاق عن
معمر عنه أنه قال فى تداعى الزوجين: البيت بيت المرأة إلا ما عرف للرجل وروى نحوه عن الحسن
باختلاف فيه فقال مرة: للمرأة ما أغلق عليه بابها إذا مات زوجها. وقال مرة: ليس للرجل إلا
سلاحه وثياب جلده. وقال مرة: لها ما أغلقت عليه بابها إلا سلاح الرجل ومصحفه) قال محمد:
وقال بعض الفقهاء أيضا: تعطى للمرأة من متاع النساء ما يجهز به مثلها وجميع ما بقى فى البيت
فهو كله للرجل إن مات أو ماتت. وهو قول أبى يوسف اهـ (ص: ١٠١) إلا قوله، وهو قول أبى
یوسف. فليس فى الآثار لمحمد وهو فى حاشية الآثار لأبى يوسف (ص: ١٥٨).
ورواه ابن حزم عن ابن سيرين من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور عنه قال: ما
كان من صداق فهو لها وما كان من غير صداق فهو ميراث هـ (٣١٣:١٠) وإنما اختار الإمام أبو
حنيفة قول إبراهيم النخعى لكونه لسان ابن مسعود وأصحابه كما مر فى المقدمة، ولكونه مؤيدا
بالقياس لأن البينة للمدعى واليمين على المدعى عليه، والمدعى عليه من يشهد له الظاهر، فرجحنا
الرجل فيما يصلح له وجعلنا القول قوله مع يمينه، والمرأة فيما يصلح لها، والقول قولها مع يمينها.
وجعلنا فيما يصلح لهما قول الباقى منهما فى الموت، لأنه صاحب اليد، لأن اليد للحى دون الميت
وصاحب اليد هو المدعى عليه، فالقول قوله مع يمينه، والبينة على ورثة الميت، فإن كان فرقة ولیس