النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
ج - ١٥
باب المتدا عیین یتناز عان فیما هو فى يد أحدهما
وكل يدعى النتاج فى ملكه أو سببًا لا يتكرر مثل النتاج
٥١٥٨- أبو يوسف عن أبى حنيفة عن الهيثم عن رجل عن جابر رضى الله عنه
عن النبى عّ لّه أن رجلين اختصما إليه فى ناقة ادعاها كل واحد منها وأقام البينة أنها
ناقته أنتجها، فقضى بها رسول الله عَ ليه للذى هى فى يده. كذا "كتاب الآثار" لأبى
يوسف (ص ١٦٠).
ولنا قول النبى عَّ للحضرمى: ((بينتك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك)) وقول النبى على اله:
(البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)).
(قلت: ولكن الموفق نسى كل ذلك حين احتج به محمد بن الحسن على رد القضاء بالشاهد
واليمين، فجعله مخالفا لرسول الله عَ ليه، وهل هذا إلا تحكم) ولأن البينة إحدى حجة الدعوى
فيكتفى بها كاليمين، وإن لم تكن للمدعى بينة وكانت للمنكر سمعت بينته ولم يحتج إلى الحلف
معها لأنا إن قلنا بتقديمها مع التعارض وأنه لا يحلف معها فمع انفرادها أولى، وإن قلنا بتقديم بينة
المدعى فيجب أن يكتفى بها عن اليمين لأنها أقوى من اليمين، فإذا اكتفى باليمين فيما هو أقوى
منها أولى (قلت: وهو قولنا معشر الجنفية) ويحتمل أن يشرع اليمين أيضا، لأن البينة ههنا يحتمل
أن یکون مستندها الید والتصرف فلا تفید إلا ما أفادته الید، وذلك لا یغنی عن الیمین فكذلك ما
قام مقامه اهـ (١٦٩:١٢). قلنا: إن الشهادة تشتمل على اليمين لأن قول الشاهد: أشهد على كذا
يمين عندنا، ويمين الشاهدين أقوى من يمين المدعى عليه وحده لكونه متهما فى يمينه دون الشاهدين
لكونهما أجنبيين قد عدلا، فافهم.
باب المتدا عیین یتناز عان فیما هو فى يد أحدهما
و کل ید عی النتاج فى ملكه أو سببا لا يتكرر مثل النتاج
قوله: أبو يوسف إلخ. قال العبد الضعيف: قال صاحب " المبسوط": دابة فى يد رجل
ادعاها آخر أنها دابته نتجها عنده وأقام البينة على ذلك وأقام ذواليد البينة على مثل ذلك قضى بها
لذى اليد استحسانا، وفى القياس يقضى للخارج وهو قول ابن أبى ليلى رحمه الله، ووجهه أن
مقصود كل واحد منهما إثبات الملك حتى لا يصير خصما إلا بدعوى الملك لنفسه وفيما هو
المقصود بينة ذى اليد لا تعارض بينة الخارج كما بينا فى دعوى الملك المطلق إلا إنا استحسنا للأثر،

٤٤٢
إعلاء السنن المتداعيان يتنازعان فيما هو فى يد أحدهما وكل يدعى النتاج فى ملكه
٥١٥٩- وأخرجه الدار قطنى (٥١٣:٢): من طريق يزيد بن نعيم (الصحيح زيد)
عن محمد بن الحسن عن أبى حنيفة عن الهيثم الصيرفى عن الشعبى عن جابر نحوه إلا
أنه قال: فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندى وأقام بينة الحدیث. وزید بن
نعيم هذا قال الذهبى: لا يعرف فى غير هذا الحديث. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله،
وهو ما رواه أبو حنيفة رحمه الله، فذكر حديث المتن وقال: ولأن يد ذى اليد لا تدل على أولوية
الملك فهو يثبت ببينته ما ليس بثابت بظاهر يده، فوجب قبول بينته ثم تترجح بيده، بخلاف الملك
المطلق فإن هناك لا يثبت ببينته إلا ما هو ثابت له بظاهر يده، وكذلك لو كانت الدعوى فى العبد
والأمة، وأقام كل واحد منهما البينة على الوالادة فى ملكه فهذا والنتاج فى الدابة سواء، وكذلك
إذا أقام كل واحد منهما البينة أنه ثوبه نسجه، فإن النسج فى الثوب يوجب أولوية الملك فيه، وهو
لا يتكرر، كالنتاج فى الدابة إلا أن يكون الثوب بحيث تنسج مرة بعد مرة کاخز ینسج ثم ینکث،
فيغزل ثانيا، فحينئذ يقضى به للخارج.
والحاصل أن النتاج مخصوص من القياس بالسنة فلا يلحق به إلا ما فى معناه من كل وجه،
فما لا يتكرر فهو فى معنى النتاج من كل وجه فيلتحق به، ويكون إثبات الحكم فيه بدلالة النص،
وما يتكرر ليس فى معنى النتاج من كل وجه فيعاد فيه إلى أصل القياس اهـ ملخصا (٦٤:١٧، ٦٥)
وهذا صريح فى أن ترجيح بينة ذى اليد فى دعوى النتاج مبنى على السنة التى رواها أبو حنيفة
رحمه الله وأن القياس ينافيه، وإنما قالوا بذلك استحسانا للأثر ولكن بعض الأحباب من لم يحفظ
من علم الحديث إلا الاضطراب ولا من الفقه إلا المصالحة، فإذا رأى حديثا يخالف أبا حنيفة ظاهرا
تخلص عنه بأن يقول: الحديث ورد على طريق المصالحة، وقول أبى حنيفة مبنى على الأصول، وإذا
تعذر عليه الجمع بين مختلف الأحاديث رد الجميع بدعوى الاضطراب فيها، وهكذا فعل ههنا
حيث قال: والذى عندى أن مسائل هذا الباب قياسية مبنية على أصول القضاء وليست بمبنية على
الروايات المذكورة فى الباب، لأن الروايات المذكورة مع كونها مضطربة ومتعارضة لم ترد على
القانون الكلى وإنما وردت حسب حكاية الحال التى لا عموم لها، ثم هى مجملة من جهة القيود
التى تختلف بها الأحكام إلى آخر ما قال وأطال، ومن لم يمعن النظر فى أقوال الفقهاء ودلائلهم
يبتلى بمثل هذا، أو أشد منه، وأتى بما يتعجب منه الرجال.
وقال الشافعى فى "الأم": أخبرنا ابن أبى يحيى عن إسحاق بن أبى فروة عن عمر بن الحكم
عن جابر بن عبد الله أن رجلين تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها فقضى بها

٤٤٣
ج - ١٥ المتداعيان يتنازعان فيما هو فى يد أحدهما وكل يدعى النتاج فى ملكه
(لسان) قلت: إنما ذكرته لتعريف المبهم فى هذه الرواية إنه هو الشعبى ويكتفى بالسند
الضعيف فى مثل ذلك على أن ابن خسرو رواه من طريق أبى بكر بن حمدان عن بشر
ابن موسى عن المقرئ عن أبى حنيفة عن الهيثم عن الشعبى عن جابر، ورواه طلحة وابن
رسول الله عَّ للذى هى فى يديه قال: وهذا قول من حفظت عنه ممن لقيت فى النتاج، وفيما
لا يكون إلا مرة، وخالفنا بعض المشرقيين فيما سوى النتاج وفيما يكون مرتين فقال: إذا أقاما عليه
بینة کان للذی لیس هو فی یدیه اهـ (٢٥٠:٦).
وهذا صريح فى أن بعض المشرقيين إنما ذهب إلى ترجيح بينة ذى اليد فى دعوى النتاج لهذا .
الحديث، وذهب فى غيره مما يتكرر إلى الأصل المستنبط من قوله عَ له: ((البينة على المدعى واليمين
على من أنكر)) وأما الشافعى رحمه الله فإنه يذهب إلى ترجيح بينة ذى اليد مطلقا فى النتاج وغيره
كما مر، وظن أن ترجيح النبى معَّم بينة ذى اليد فى النتاج لأجل يده لا غير، فليكن كذلك فيما
سوى ذلك، وظن غيره أن ذلك مختص بدعوى النتاج وما أشبهها مما لا يتكرر، لأن البينة القائمة
على النتاج قائمة على أولية الملك وأولويته، فأثبتت ما ليس بثابت بظاهر اليد، فكانت بينته بمثابة
بينة الخارج، وقد استوت البينتان فتترجح بينة ذى اليد باليد لأجل ذلك لا بمجرد اليد، فيقضى
ببينته، وليس كذلك فى دعوى الملك المطلق أو المقيد بسبب لا يتكرر، والفرق ما ذكرناه عن
"المبسوط". قال الموفق فى "المغنى": قد اختلفت الرواية عن أحمد فيما إذا تعارضتا، فالمشهور عنه
تقديم بينة المدعى ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال. وهذا قول إسحاق.
(قلت: وهذا هو مقتضى القياس كما مر فى الباب السابق) وعنه رواية ثانية: إن شهدت
ببينة الداخل بسبب الملك وقالت: نتجت فى ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينة أقدم تاريخا
قدمت، وإلا قدمت بينة المدعى وهو قول أبى حنيفة وأبى ثور فى النتاج والنساج فيما لا يتكرر
نسجه، فأما ما يتكرر نسجه كالصوف والخز، فلا تسمع بينته، لأنها إذا شهدت بالسبب (وهو
لا يتكرر أو كان تاريخها متقدمة) فقد أفادت ما لا تفيده اليد (فكانت مظهرة مفيدة للزيادة كبينة
المدعى) وقد روى جابر بن عبد الله، فذكر الحديث، كما ذكرناه فى المتن (١٦٧:١٢) وتبين بما
ذكرنا أن حديث النتاج وما فيه من تقديم بينة ذى اليد على بينة الخارج ليس بخلاف لقوله مد خله:
((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) لما عرفت أن كلا من المتنازعين مدع ههنا، فأى
البينتين رجحت لم يلزم إلا ترجيح بينة المدعى ولا شك أن بينة ذى اليد أرجح من بينة الخارج بعد
استواءهما فى الإفادة، بخلاف ما إذا لم تستويا فى ذلك، فالترجيح لمثبت الزيادة المفيد للأو لوية،

٤٤٤
إعلاء السنن المتداعيان يتنازعان فيما هو فى يد أحدهما وكل يدعى النتاج فى ملكه
عبد الباقى عن أبى بكر بن حمدان عن بشر بن موسى عن المقرئ عنه عن أبى الزبير عن
جابر. وله طرق أخرى عند أصحابنا، ذكرها صاحب "عقود الجواهر" (٦٢:٢، ٦٣)،
و "جامع مسانيد الإمام" (٢٦٨:٢-٢٦٩)، فالحديث حسن صالح للاحتجاج به.
أو الأولية، وأيضا: فقد ثبت بقول الإمام الشافعى ونصه: هذا قول من حفظت عنه ممن لقيت فى
النتاج وفيما لا يكون إلا مرة إلخ أن تقديم بينة ذى اليد على بينة الخارج فى دعوى النتاج إجماع
الفقهاء فى عصره لم يعرف لهم مخالفا، وهو قول شريح والشعبى والنخعى والحكم وأبى حنيفة
وأصحابه وأبى عبيد، وهو قول أهل المدينة وأهل الشام وروى عن طاوس (المغنى ١٦٧:١٢) إلا أن
بعضهم أجرى حديث النتاج على عمومه وقال: إن بينة ذى اليد تقدم على كل حال وتركوا العمل
بقوله عَّ: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) وأبو حنيفة ومن وافقه لم يجروه على
العموم بل خصوه بدعوى النتاج وما فى معناه، ولا يخفى أن إعمال الحديثن أولى من إعمل
أحدهما وإهمال الآخر، فقول أبى حنيفة وأصحابه أقوى ما يكون فى هذا الباب. وأما ما ذكره
عيسى بن أبان أن الطريق فى النتاج تهاتر البينتين لتيقن القاضى بكذب أحدهما، إذ لا يتصور نتاج
دابة من دابتين، فإنما يقضى بها لذى اليد قضاء ترك لتهاتر البينتين، فليس بصحيح على مذهب
أصحابنا فقد ذكروا فى الخارجين أقام كل واحد منهما البينة على النتاج أنه يقضى بها بينهما
نصفين، ولو كان الطريق ما قال لكان يترك فى يد ذى اليداهـ، من "المبسوط" (٦٤:١٧).
قلت: وسيأتى دليل ما ذكروه فى الخارجين من قول أبى الدرداء فانتظر.
فائدة: وإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه وأنه أودعها للداخل أو أعاره إياها أو آجرها منه
ولم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول المنكر مع يمينه لا نعلم فيه خلافا، وإن كان لكل واحد
منهما بينة فبينة الخارج مقدمة وهذا قول الشافعى (وهو قولنا) لأن اليمين فى حق المدعى عليه
فتكون البينة للمدعى، كما لو لم يدع الإيداع، يحققه أن دعواه الإيداع زيادة فى حجته وشهادة
البينة تقوية لها، فلا يجوز أن تكون مبطلة لبينته، وإن ادعى الخارج أن الداخل عقبه إياها وأقاما
بينتين فهى للخارج (المغنى ١٧٠:١٢) وإذا كان فى يد رجل شاة فادعاها رجل أنها له منذ سنة
وأقام بذلك بينة وادعى الذى هى فى يده أنها فى يده منذ سنتين وأقام بذلك بينة فهى للمدعى بغير
خلاف، لأن بينته تشهد له بالملك، وبينة الداخل تشهد باليد خاصة، فلا تعارض بينهما لإمكان
الجمع بأن تكون اليد على غير ملك فكان بينة الملك أولى، فإن شهدت بينة بأنها ملكه منذ سنتين
فقد تعارض ترجيحان تقدم التاريخ من جهة بينة الداخل، وكون الأخرى بينة الخارج ففيه روايتان:

ج - ١٥
٤٤٥
باب المتدا عیین یتاز عان شيئًا فى أيديهما
أو فى يد غيرهما ويقيم كل واحد منهما بينة
أو لم يكن لهما بينة قضى به بين كل واحد منهما نصفين
٥١٦٠- أخرج النسائى قال: أخبرنا على بن محمد بن على أبى المضاء -قاضى
المصيصة- نا محمد بن كثير عن حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى
إحداهما تقدم بينة الخارج، وهو قول أبى يوسف ومحمد وأبى ثور لقوله معَّه: ((البينة على
المدعى)) ولأن بينة الداخل يجوز أن يكون مستندها اليد فلا تفيد أكثر مما تفيده اليد أشبهت
الصورة التى قبلها. والثانية تقدم بينة الداخل وهو قول أبى حنيفة والشافعى لأنها تضمنت زيادة
(المغنى ١٧٢:١٢).
أى فكانت كبينة المدعى سواء وترجحت باليد، فأما إن شهدت إحدى البينتين بأن العين
لهذا وشهدت الأخری أنها لهذا الآخر نتجت فى ملکه فقد ذکرنا فی الترجيح ہہذا روایتین،
إحداهما: لا يرجح به. وهو اختيار الخرقى. والثانية: تقدم بينة النتاج وما فى معناه، وهو مذهب
أبى حنيفة لأنها تتضمن زيادة علم وهو معرفة السبب والأخرى خفى عليها ذلك، فيحتمل أن
تكون شهادتهما مستندة إلى مجرد اليد والتصرف، فتقدم الأولى عليها كتقدم بينة الجرح على
التعديل (المغنی ١٧٥:١٢)، فإن شهدت إحداهما أنها له منذ سنة وشهدت الأخری انها له منذ
سنتين فظاهر كلام الخرقى التسوية بينهما، وهو أحد قولى الشافعى.
وقال القاضى: قياس المذهب تقديم أقدمهما تاريخا. وهو قول أبى حنيفة والقول الثانى
للشافعى، لأن المتقدمة التاريخ أثبتت الملك له فى وقت لم تعارضه الأخرى فيه، فيثبت الملك فیه،
ولهذا له المطالبة بالنماء فى ذلك الزمان، وتعارضت البينتان فى الملك فى الحال فسقطتا وبقى ملك
السابق تحت استدامته وأن لا يثبت لغيره ملك إلا من جهته اهـ (المغنى ١٧٥:١٢). ولم يتنبه ابن
حزم ومن وافقه لهذا المعنى، وأخلق بهم أن لا يتنبهوا له لجمودهم على الظاهر، وينبغى للمرأ إذا .
لم يعلم شيئا أن يكله إلى عالمه، ولكن الناس أعداء لما جهلوا، فإلى الله المشتكى.
باب المتداعيين يتناز عان شيئا فى أيدهما وفى يد غيرهما
ويقيم كل واحد منهما بينة أو لم يكن لهما بينة قضى به بينهما نصفين
قوله: أخرج النسائى إلخ. قال العبد الضعيف: وبما ذكرنا فى المتن عن "الجوهر النقى" اندفع

٤٤٦
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
بردة ابن أبى موسى الأشعرى عن أبيه أن رجلين ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل
واحد منهما شاهدين أنها دابته فقضى النبى عّ لّه بينهما نصفين. ذكره ابن حزم فى
"المحلى" (٤٣٧:٩)، وقال: فهذا نص على إقامة البينة من كل واحد منهما وليس فى
أيديهما اهـ وتابعه حفص بن عمير الضرير والنضر بن شميل عند البيهقى وإسحاق بن
راهويه فروياه عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى بردة عن أبى موسى
متصلا. وابن كثير هذا هو المصيصى وثقه ابن معين وغيره، وقال النسائى: هذا خطأ
ما ذكره البيهقى فيه من الاختلاف على قتادة وأصل الحديث به. قال: وقال البخارى: قال سماك
ابن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه، كما
فى "التلخيص" (٤١٢:٢).
قلت: لم يتهم أبو بردة بالتدليس فلما رواه عن أبيه موصولا يحمل على أنه سمع الحديث
من سماك وسمعه من أبيه أيضا، فلا بعد فى أن يسمع الراوى حديثا واحدا من شیخین عال ونازل،
وأما أبا كامل مظفر بن مدرك روى عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى بردة مرسلا اهـ،
فإن الفقيه قد يسند الحديث إذا قصد الرواية وقد يفتى به، فلا يعل الموصول بالمرسل.
وبالجملة: فقد صححه الحاكم وغيره موصولا فالحكم للوصل وقد تقرر فى الأصول أن
الوصل زيادة لا تنافى الوقت والإرسال، فهى مقبولة إذا كان الواصل ثقة، وقد عرفت أن ابن كثير
وصله ووافقه علی ذلك النضر بن شمیل وحفص بن عمیر، فلا بد من ترجيح الوصل وتصحيحه،
ودلالته على الجزء الثانى من معنى الباب ظاهرة.
وبالجملة فحديث أبى موسى إنما هو فى ادعاء الرجلين شيئا ليس فى أيديهما بل فى يد ثالث
غيرهما لا يدعيه، لما فى رواية النسائى من التصريح بأن رجلين ادعيا دابة وجداها عند رجل وهو
نص فى أن كل واحد منهما أقام بينة على ما ليس فى أيديهما فقضى به النبى معَّ بينهما، وزيادة
الثقة مقبولة فيحمل ما فى بعض الروايات عن أبى موسى من غير هذه الزيادة أن رجلين ادعيا بعيرا
فبعث كل واحد منهما شاهدين فقسمه رسول الله عَ ليه بينهما نصفين على اختصار الراوى،
فافهم، وهو الحكم فى ما إذا لم يكن لأحدهما بينة لأنه إذا لم يكن فى أيديهما فأقام كل واحد
منهما فيه البينة فقد شهد به لهما، وليست إحدى البينتين أولى من الآخر، فالواجب قسمته فى كل
ذلك بينهما، وكذا إذا لم تكن لهما بينة لاستواءهما فى الدعوى، ولا مرحج فيقضى به بينهما

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٤٧
وابن كثير صدوق إلا أنه كثير الخطأ. قال عبد الحق: إنما خطأه فى هذا الحديث؛ لأنه إنما
يروى عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة كما تقدم. قلت: قد تقدم أن النضر بن شميل
وحفص بن عمير وافقا ابن كثير على رواية عن قتادة كذلك، فيحمل على أن لقتادة فيه
سندين (الجوهر النقي ٢٥٥:٢).
نصفين، ولما فى رواية أبى داود من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة بن
أبى موسى الأشعرى عن أبيه عن جده أبى موسى أن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة فأتيا به النبى عدّ له
ليس لواحد منهما بينة فجعله النبى معَّه بينهما (١٥٣:٢) لم يقل فى حديث أبى موسى: ليس
لواحد منها بينة غير سعيد بن أبى عروبة فيما علمت، فإما أن يحمل ذلك على اختلاطه لأنه كان
قد اختلط آخرا ولكن سماع يزيد بن زريع منه قبل الاختلاط وهذا من روايته عنه، أو يقال: إن
البينتين لما تعارضتا تساقطتا، وصارتا كالعدم، فاعتبر الراوى صورة الحال مرة ورواها كما هى
وقال: فبعث كل واحد منهما شاهدين، واعتبر المعنى مرة وقال: ليست لواحد منهما بينة ويحتمل
أن يكون أحدهما أى رواية ابن أبى عروبة فى عين كانت فى يديهما والآخر أى رواية غيره من
أصحاب قتادة وفيها: فبعث كل واحد منهما بشاهدين فى عين كانت فى يد ثالث لا يدعيها بدليل
ما فى رواية النسائى: ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل واحد منهما شاهدين. قال ابن
رسلان: وهذا أظهر لأن حمل الإسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما على معنى واحد
لأن القاعدة ترجيح ما فيه زيادة علم على غيره اهـ (عون ٣٤٤:٣).
قلت: نعم! ولكن سعيد بن أبى عروبة قد اضطرب فى إسناد هذا الحديث فأفحش، كما
سيأتى فالظاهر عندى هو الاحتمال الأول أو الثانى، وأن سلمنا صحة الروايتين فقد قلنا بهما
جميعا. قال ابن حزم فى "المحلى": قال أبو حنيفة: إذا أقام كل واحد منهما البينة فسواء كان الشىء
فى أيديهما معا، أو لم يكن فى يد واحد منهما هو بينهما نصفين مع أيمانهما (لكون كل واحد
منهما مدعيا ومدعى عليه)، وكذلك إذا لم يقيما بينة والشىء فى أيديهما معا، أو ليس فى
أيديهما، ولا مدعى له سواهما، فأيهما نكل قضى به للذى حلف اهـ (٤٣٨:٣).
وهذا إذا كان الثالث ذو اليد لا يدعيه وإن كان يدعيه أيضا فهو المدعى عليه، والمتنازعان
كلاهما مدعيان، وحكمه ما ذكره الموفق فى "المغنى" أن الرجلين إذا تداعيا عينا فى يد غيرهما،
ولا بينة لهما فأنكرهما فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف نعلمه، وأما من كانت لأحدهما بينة حكم
بها بغير خلاف نعلمه، وإن كانت لكل واحد منهما بينة ففيه روايتان إحداهما تسقط البينتان

٤٤٨
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
وبالجملة: فالحديث صحيح الإسناد رواه أيضًا أحمد فى مسنده والحاكم
فى "المستدرك"، وصححه على شرطهما. وقال المنذرى فى إسناده: كلهم ثقات
(زيلعى ٢٢٣:٢).
ويقترع المدعيان على اليمين، كما لو لم تكن لهما بينة، والثالث لا يدعيها بل يعترف بأنه لا يملكها
أو قال: لا أعرف صاحبها، أو قال: هى لأحد، كما لا أعرف عينا أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف
أنها له وسلمت إليه، وروى هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وهو رواية
عن مالك وقديم قول الشافعى لما روى ابن المسيب أن رجلين اختصما إلى رسول الله عَ ليه فى أمر
وجاء كل منهما بشهود عدول على حدة سواء قاسم النبى معَّ بينهما، رواه الشافعى فى مسنده.
قلت: رواه من طريق ابن أبى يحيى. قال عبد الحق فى أحكامه: هذا مرسل وضعيف فإن
إبراهيم بن أبى يحيى متروك اهـ (زيلعى ٢٢٣:٢)، وليس فيه أن المدعى كان فى يد ثالث غيرهما،
فيحتمل أن يكون فى أيدييهما جميعا، وأنتم لا تقولون بالقرعة إلا إذا كان فى يد غير المتنازعين،
وسيأتى بسط الكلام فيه فانتظر. ولأن البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على
الأخرى فسقطتا كالخبرين (قلنا: إن البينة دليل من أدلة الشرع وحجة من حججه والعمل بالدليلين
واجب بالقدر الممكن، فإن أمكن العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من كل وجه، وإن لم يمكن
العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من وجه كما فى سائر دلائل الشرع من ظواهر الكتاب
والسنن المشهورة وأخبار الآحاد، والأقيسة الشرعية إذا تعارضت(١) لا يسقط شىء منها ما أمكن
الجمع، وههنا إن تعذر العمل بالبينتين بإظهار الملك فى كل المحل أمكن العمل بهما بإظهار الملك فى
النصف، فيقضى لكل واحد منهما بالنصف (بدائع ٢٣٦:٦).
وقال: والرواية الثانية تستعمل البينتان وفى كيفية استعمالهما روايتان إحداهما: تقسم العين
بينهما وهو قول الحارث العكلى وقتادة وابن شبرمة وحماد وأبى حنيفة وقول الشافعى لما روى أبو
موسى فذكر حديث المتن، ولأنهما تساويا فى دعواه فيتساويان فى قسمته. والرواية الثانية تقدم
إحداهما بالقرعة، وهو قول الشافعى وله قول رابع: يوقف الأمر حتى يتبين، وهو قول أبى ثور لأنه
اشتبه الأمر فوجب التوقف. ولنا: أن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين. بل إذا تعذر
الترجيح أسقطناها ورجعنا إلى دليل غيرهما.
(١) وبهذا يظهر لك مزية الحنفية على غيرهم فى العمل بالأحاديث والأخبار، فإن عملهم على الجمع بينهما أمكن، وعمل غيرهم
على القول بتساقط المتعارضين، فافهم.

29
ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٤٩
٥١٦١- أخبرنا عبد الصمد ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن
بشير بن نهيك عن أبى هريرة أن رجلين ادعيا دابة فأقام كل واحد منهما بينة فقضى بها
رسول الله عّ لّه بينهما نصفين. أخرجه إسحاق بن راهويه وابن حبان فى "صحيحه"
(زيلعى ٢٢٤:٢)، وفى "الدراية" (ص: ٣٠٠): إسناده صحيح.
(قلت: وقد تقدم عن "البدائع" أن الجمع بينهما ممكن فلا مصير إلى الترجيح ولا إلى
الإسقاط) فإن أنكرهما من العين فى يده وكانت لأحدهما بينة حكم له (١) بها اهـ (١٨٤:١٢)،
وسيأتى الجواب عن حجة من ذهب إلى الاقتراع، فانتظر.
قوله: أخبرنا عبد الصمد إلى قوله: أخرجه الطبرانى. قال العبد الضعيف: الآثار كلها
محمولة على أن المدعى لم يكن بيد واحد من المتداعيين بل كان فى أيديهما جميعا.
ويحتمل كونه فى يد ثالث غيرهما لا يدعيه، لأنه إن كان فى يد واحد منهما لم يكن لإقامة
كل منهما البينة معنى لكون ذى اليد مدعى عليه والآخر مدعيا فى هذه الصورة، والبينة على
المدعى واليمين على المدعى عليه كما تقدم فى باب تعارض الدعويين فيما هو فى يد أحدهما.
والأولى حملها على أن المدعى كان فى أيديهما جميعا، لأن كونه فى يد ثالث غيرهما
خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل وقد قام الدليل على ذلك فى حديث أبى موسى حيث وقع
التصريح به فى رواية عند النسائى، ولم يقم فى حديث أبى هريرة ولا فى حديث جابر بن سمرة،
ولا فى مرسل تميم، فلم يرد فى شىء من طرقها أن الرجلين ادعيا دابة أو بعيرا وجداها عند رجل،
وإذا تنازع رجلان فى عين فى أيديهما ادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه ولم تكن
لهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه، وجعلت بينهما نصفين لا نلعم فى هذا، خلافا؛ لأن يد
کل واحد منهما على نصفها، والقول قول صاحب الید مع يمينه، وإن نكلا جميعا، فهى بينهما
أيضا لأن كل واحد منهما يستحق ما فى يد الآخر بنكوله، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضى
له بجميعها لأنه يستحق ما فى يده بيمينه وما فى يد صاحبه إما بنكوله (عندنا وعند الحنابلة) وإما
بيمينه التى ردت عليه عند نكول صاحبه (عند الشافعى) وإن كانت لأحداهما بينة دون الآخر
حكم له بها لا نعلم فى هذا خلافا، وإن أقام كل واحد منهما بينة وتساوتا تعارضت البينتان
وقسمت العين بينهما نصفين، وبهذا قال الشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى لما روينا.
(١) أى بلا خلاف نعلمه، كما مر، ظ.

٤٥٠
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
٥١٦٢- حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرًا،
فأقام كل واحد منهما البينة أنه له فقضى النبى عّ لّه به بينهما. أخرجه ابن أبى شيبة فى
مصنفه، ورواه عبد الرزاق أيضًا فى مصنفه أخبرنا سفيان الثورى وإسرائيل عن سماك
به. ورواه البيهقى فى كتاب المعرفة عن الحاكم بسنده عن أبى عوانة ثنا سماك بن حرب
به وقال: هذا منقطع. (زيلعى ٢٢٣:٢). وقال: قال الشافعى فى القديم: تميم مجهول.
قلت: روى عنه سماك وعبد العزيز بن رفيع وغيرهما وأخرج له مسلم، والحاكم فى
"المستدرك"، وابن حبان فى "صحيحه"، وذكره فى "الثقات" من التابعين (الجوهر
النقی ٢٥٦:٢)، وله شاهد موصول.
ولأن كل واحد منهما داخل فى نصف العين خارج عن نصفها، فتقدم بينة كل واحد منها
فيما فى يده عند من يقدم بينة الداخل، وفيما فى يد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج، فيستويان
على كل واحد من القولين، واختلفت الرواية (عند الحنابلة) هل يحلف كل واحد منهما على
النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين؟ فروى أنه يحلف، وهذا أحد قولى الشافعى بناء على
أن اليمين تجب على الداخل مع بينة وكل واحد منهما داخل فى نصفها، والرواية الأخرى أن العين
تقسم بينهما من غير يمين وهو قول مالك وأبى حنيفة وأحد قولى الشافعى وهو أصح للخبر والمعنى
ملخصا من "المغني" (١٧٤:١٢).
وبالجملة فقد اتفقوا على قسمة العين بين المدعيين إذا كانت فى أيديهما سواء، وأما أنه متى
يكون بأيديهما على السواء، فيطلب بيانه من كتب الفروع، ولم يقل أحد بالاقتراع فى هذه
الصورة إلا رواية ذكرها أبو الخطاب من الحنابلة أنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعته حلف أنها لا
حق للآخر فيها و کانت العین له.
ورده الموفق وقال: الأول أصح للخبر والمعنى (ص مذكور) وإنما اختلفوا فى الشىء يكون
فى يد الرجل فيتداعاه اثنان ويقيم كل واحد منهما بينة فقال أحمد وإسحاق: يقرع بينهما فمن
خرجت له القرعة صار له، وكان الشافعى يقول به قديما ثم قال فى الجديد فيه قولين: أحدهما:
يقضى به بينهما نصفين (وهو الراجح عند أصحابه كما يدل عليه كلام البيهقى وسيأتى)، وبه قال
أصحاب الرأى وسفيان الثورى. والقول الآخر: يقرع بينهما وأيهما خرج سهمه خلف: لقد شهد
شهوده بحق ثم یقضی له به. وقال مالك: لا أحكم به لواحد منهما إذا كان فى يد غيرهما (بل
يترك فى يد صاحب اليد وهو وقول للشافعى أيضا ذكره ابن الملك) حكى عنه أنه قال هو لأعدلهما

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٥١
٥١٦٣- أخرج الطبرانى عن سويد بن عبد العزيز عن الحجاج بن أرطاة عن
سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة أن رجلين اختصما إلى النبى عدّ له
فى بعير فأقام كل واحد منهما بشاهدين أنه له فجعله النبى عَ لّم بينهما (زيلعى).
شهودا وأشهرهما بالصلاح. وقال الأوزاعى: يؤخذ بأكثر البينتين عددا. وحكى عن الشعبى أنه
قال: هو بينهما على حصص الشهود انتهى من العون نقلا عن الخطابى وغيره (٣: ٣٤٤).
وقد تقدم عن "المغنى" اختلاف الروايات عن أحمد فيما إذا أقام كل منهما بينة وإنما ذهب
إلى الاقتراع بينهما إذا لم يكن لأحدهما بينة رواية واحدة وهو قول ابن حزم أيضا وقال بمثل قولنا
إذا أقام كلاهما البينة أنه يقضى به بينهما.
واحتجوا بما رواه أبو داود حدثنا محمد بن منهال نا يزيد بن زريع نا ابن أبى عروبة عن
قتادة عن خلاس بن عمرو عن أبي رافع عن أبى هريرة أن رجلين اختصما فى متاع إلى النبى عدّ له
ليس لواحد منهما بينة، فقال النبى معَّ ◌ُله: ((استهما على اليمين ما كانا أحبا أو كرها))، حدثنا أبو
بكر ابن أبى شيبة نا خالد بن الحارث عن سعيد بن أبى عروبة بإسناد ابن منهال مثله قال فى دابة،
وليس بينهما بينة فأمرهما رسول الله عَّ لهم أن يستهما على اليمين اهـ (٣: ٣٤٤، ٣٤٦ مع العون).
ولا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه أن العين لم يكن فى أيديهما وكانت فى يد غيرعما وهم لا يقولون
بالاقتراع إلا كذلك، وحديث أبى موسى الذى وقع فيه التصريح بأنهما وجداه عند رجل ليس فيه
القضاء بالاقتراع، بل فيه أنه قضى به بينهما، فلا يتم لهم الاحتجاج بحديث أبى هريرة هذا ما
لم يرد فيه أنهما وجداه عند رجل غيرهما، ودون إثباته خرط القتاد، ولا يجوز حمله على ذلك
بمجرد الرأى والاحتمال.
وأيضا فغاية ما فيه أنه عَِّ أمرهما بالاستهام على اليمين وهذا لا نزاع فيه، فأين فيه أنه
قضى به لمن خرج سهمه، كما قاله أحمد وإسحاق وابن حزم ومن تبعهم، فيجوز أنه عَ لّم حين
أمرهما بالحلف، وتسارع كل منهما إلى اليمين اقترع بينهما ليبدأ بيمين من خرجت له القرعة . .
هذا هو معنى الحديث، وأما كيفية القضاء فالحديث ساكت عنه بالمرة فيحتمل أن يكون ..
قضى به لمن خرجت له القرعة، ويحتمل أن يكون قسمه بينهما نصفين بعد ما حلفا، وبالجملة
فلم يكن الاقتراع إلا للبداءة باليمين لا للقضاء به لمن خرج سهمه. قال القارى: ويمكن أن يكون
معناه: استهما نصفين على يمين كل واحد منكما (عون المعبود ٣٤٦:٣) حملا للاستهام على
اقتسام ، وقد كثر استعماله فى هذا المعنى، كما لا يخفى على من مارس اللغة، وأساليب الكلام.

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٥٢
.وقال الحافظ فى "التلخيص" (٤١٢:٢): إن سويدًا والحجاج ضعيفان اهـ قلت:
سويد والحجاج كلاهما مختلف فيهما وثق رحيم سويدًا. وقال أبو حاتم: لين الحديث.
وقد مر غير مرة أن الحجاج حسن الحديث، وتابعه ياسين الزيات فروى عن سماك به
وقال البيهقى فى بيان معنى الحديث: إن القرعة فى أيهما تقدم حين إرادة تحليف القاضى
لهما، وذلك أنه يحلف واحد ثم يحلف الآخر فإن لم يحلف الثانى بعد حلف الأول قضى بالعين
كلها للحالف أولا، وإن حلف الثانى فقد استويا فى اليمين فتكون العين بينهما كما كانت قبل أن
يحلفا. كذا فى "العون" (٣٤٥:٣)، والمحفوظ عن أبى هريرة رضى الله عنه الاستهام ما رواه
البخارى من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن هشام عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى مرّ كلّه
عرض علی قوم الیمین فأسرعوا فأمر ان یسهم بينهم فی الیمین أیهم یحلف اه، ليس فيه أن رجلین
اختصما فى متاع.
وأخرجه أبو داود عن أحمد وسلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق نا معمر عن همام عن أبى
هريرة رفعه بلفظ: إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليها اهـ، والمعنى : إذا توجهت
اليمين على اثنين وأراد الحلف سواء كانا كارهين لذلك بقلبهما وهو معنى الإكراه الوارد فى لفظ
سلمة عند أبى داود، لأن الإنسان لا يكره على اليمين حقيقة، أو مختارين لذلك بقلبهما، وهو
معنى الاستحباب وتنازعا أيهما يبدأ فلا يقدم أحدهما على الآخر بالتشهى بل بالقرعة، وهو المراد
بقوله: فلیستهما أى فليقترعا، وظاهره کون القوم المذ کورین مدعی علیهم بعین فی أيديهم
وأنكروا ولا بينة للمدعى عليهم فتوجهت عليهم اليمين فتسارعوا إلى الحلف فقطع النزاع بينهم
بالقرعة، فمن خرجت له بدأ به اهـ ملخصا من "فتح البارى" (٢١١:٥).
والمحفوظ عن أبى هريرة فى اختصام الرجلين ما رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن
أنس عن بشير بن نهيك عنه أن رجلين ادعيا دابة فأقام كل واحد منهما بينة فقضى بها رسول
الله عّ لِّ بينهما نصفين كما ذكرناه فى المتن وسنده صحيح، فخلط سعيد بن أبى عروبة بين
الحديثين، فذكر الاستهام على اليمين فى قصة اختصام الرجلين وقال: ولا بينة لواحد منهما.
واختلف على قتادة فى متن الحديث وإسناده، فمرة يرويه عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة
عن أبيه عن جده ويقول: إن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة إلى النبى معَّ ليست لواحد منهما بينة
فجعله النبى معَِّ بينهما. وغيره يرويه عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى بردة عن أبى موسى،
أو عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده بلفظ: فأقام كل واحد منهما شاهدین،
+

٤٥٣
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
نحوه سواء اهـ. وياسين وإن كان ضعيفًا فلا أقل من أن يعتبر به لأنه كان من كبار فقهاء
الكوفة ومفتيها ومثله لا يضعف إلا من جهة الحفظ والإتقان والمرسل إذا جاء موصولا
أو بعث كل واحد منهما شاهدين (أبو داود ١٥٣:٢) ويرويه أخرى عن قتادة عن خلاس بن عمرو
عن أبى رافع عن أبى هريرة وهو هذا الذى نحن بصدده، وتارة يرويه عن قتادة عن سماك بن
حرب عن تميم بن طرفة كما فى "التلخيص الحبير" (٤١٢:٢).
فالحق أن حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة لا تصلح للاحتجاج به لشدة اختلافه على
قتادة فيه سنداً ومتنا وإنما الحجة هو ما رواه غيره عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك
عن أبى هريرة أو ما رواه معمر عن همام عن أبى هريرة، وليس فى شىء منهما أن رسول الله معد له
أمر المتداعيين بالاستهام على اليمين، وإن سلمنا صحة ما رواه سعيد عن قتادة عن خلاس عن أبى
رافع عن أبى هريرة فقد عرفت أنه ليس فيه أن العين لم تكن بأيدى المتداعيين ولا أنه مرّ طلّ قضى بها
لمن خرجت له القرعة، وغاية ما فيه أنه اقترع بينهما ليبدأ بيمين من خرجت له.
الطحاوى لا يقول بنسخ القر عة مطلقا
بل بنسخ القضاء بها فى إثبات الحق أو إبطاله
قال الطحاوى فى مشكله: فكان الذى تأولنا من وجهه الذى أريد به أن ذينك الخصمين
كان بينهما شىء كان كل واحد منهما فيه مدعيا دعوى على صاحبه يوجب عليه اليمين فيها
فتكافيا فى ذلك، فلم يقدم رسول الله مَّ واحدا منهما فى أخذ اليمين له من صاحبه كراهية الميل
إلى أحدهما بمعنى لا يميل به إلى الآخر منهما، فرد ذلك إلى الإقراع بينهما لتكون أمورهما تجرى
على ما يكون عن تلك القرعة مما يوجب تقديم أحدهما على الآخر كما كان مَّةٍ يفعل فى أزواجه
إذا أراد سفرا فى الإقراع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وهكذا ينبغى للحكام فيما
يستعملونه من أمور الناس وتقديمهم إليهم فى خصوماتهم عندهم إذا احتاجوا إلى أن يقدم بعضهم
على بعض فيما لا يستطيعون استعماله فيبهم معا أن يقرعوا بينهم فيه ثم يقدموا من قرع على من
سواه منهم حتى لا يقع فى القلوب ميلهم إلى بعض دون بعض اهـ (٤: ٥٥، ٥٦)، وبهذا بطل قول
من عزى إلى الطحاوى القول بنسخ القرعة مطلقا فإنه قائل بها لقطع النزاع بتقديم أحد المستحقين
المتساويين على الآخر بالقرعة فى اليمين ونحوها، وإنما يقول بنسخ استعمالها لإثبات ما لم يثبت
بحجة أو لترجيح أحد المستحقين وإبطال حق الآخر بها، فافهم.

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٥٤
ولو من طريق ضعيف فهو حجة عند الكل فكيف وهذا الموصول ليس بضعيف بل
حجة الطحاوى فى نسخ القضاء بالقرعة
وحجته فى ذلك ما روى عن على رضى الله عنه أنه أتى باليمين فى ثلاثة وقعوا على امرأة
فى طهر واحد فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذى أصابته القرعة وجعل عليه ثلثی الدیة فذكر ذلك
للنبى معَّ فضحك حتى بدت نواجذه، رواه الخمسة إلا الترمذى ورواه النسائى وأبو داود موقوفا
على على بإسناد أجود من إسناد المرفوع وكذلك رواه الحميدى فى مسنده وقال: فأغرمه ثلثى قيمة
الجارية لصاحبيه كذا فى "النيل" (٢١٢:٦)، ثم روى عنه ما أخرجه عبد الرزاق عن الثورى عن
قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن على أنه أتاه رجلان فوقعا على امرأة فى طهر واحد فقال: الولد
بينكما وهو للباقى منكما. وراه ابن أبى شيبة فى المصنف عن حسين بن على عن زائدة عن سماك
عن حنش عن على وهذا السند على شرط مسلم "الجوهر النقى" (٢٥٦:٢).
قال الطحاوى: ولا يظن بعلى ترك الإقراع الذى حكم به واستحسنه النبى عيّةٍ إلا لما هو
أولى بالعمل فالنتهى القضاء بالقرعة وانتسخ اهـ (٤٦٦:١ من المعتصر)، فقول الحافظ فى
"الدراية": ادعى الطحاوى أن القرعة كانت فى الإسلام ثم نسخت ولم يقم عليه دليلا مقبولا اهـ،
ليس على ما ينبغى، فإن الطحاوى لم يدع انتساخها مطلقا وإنما ادعى انتساخ القضاء بها وقد أقام
على ذلك حجة قوية لا يدان لردها.
واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود فى مراسیله وقال: حدثنا قتيبة بن سعيد عن ليث بن سعد ثنا
بكير بن عبد الله بن الأشجع أنه سمع سعيد بن المسيب قال: اختصم رجلان إلى رسول الله عَ ليه
فجاء كل واحد منهما بشهود عدل فى عدة واحدة فسألهم بينهما رسول الله عّ لّه وقال: ((اللهم
اقض بينهما)) (زيلعى ٢٢٢:٢) ووصله الطبرانى فى الأوسط بذكر أبى هريرة فيه وفيه شيخه على
بن سعيد الرازى وهو من أوهامه ورواه البيهقى مرسلا وقال: اعتضد هذا المرسل بطريق أخرى ثم
ساقه من طريق ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة وسليمان بن يسار نحوه. وأخرج أيضا من
جهة أبان عن قتادة عن خلاس عن أبى رافع عن أبى هريرة نحوه موقوفا "التلخيص الحبير"
(٤١٢:٢).
ولا حجة لهم فيه لأنه لا دلالة فيه على أن العين كانت فى يد غير المتنازعين وهم لا يقولون
بالاقتراع إلا كذلك ولا يقولون به إذا كانت العين فى أيديهما، فلا يتم لهم الاستدلال به إلا إذا
ثبت أنها لم تكن فى أيديهما بل فى يد غيرهما، ودون ذلك خرط القتاد.

٤٥٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
حسن الإسناد وسندا ابن أبى شيبة وعبد الرزاق صحيحان مرسلا.
وأيضا فقول: فساهم بينهما لا يدل على الاستهام على اليمين بل يحتمل أن يكون اقتراع
على المقسوم بعد القسمة. وأما ابن حزم فعهدنا به أنه لا يحتج بمرسل سعيد ولا بابن لهيعة و كذلك
عامة المحدثين. وأما الموصول فقد عرفت أن ذكر أبى هريرة فيه من أوهام على بن سعيد الرازى فلا
حجة فيه، وبالجملة فليس عند الخصم إلا مرسل سعيد بن المسيب وقد اعتضد بمرسل عروة
وسليمان من طريق ابن لهيعة، وأما رواية أبى هريرة من طريق سعيد بن المسيب فضعيفة من جهة
على بن سعيد الرازى شيخ الطبرانى كما قاله الحافظ، ومن طريق أبان عن قتادة موقوفة، ومن طريق
سعيد بن أبى عروبة عن قتادة وإن كانت موصولة إلا أن سعيدا كان قد تغير بآخره، فالظاهر أنه
وهم فيه والصحيح موقوف كما رواه عنه أبان بن يزيد العطار، وإن كانت موصولة فيعارضها ما
رواه حماد بن(١) سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة أن رسول
الله ګّ جعله بينهما نصفين.
ومع كل ذلك فلا دلالة فى شىء من هذه الطرق على أن العين كانت فى يد ثالث، فالحق أن
حجة من ذهب إلى التقسيم بين المتداعيين أرجع ثبوتا وأصح قياسا، أما الأول فلأن حديث أبى
موسى رواه همام عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبى بردة عنه مرفوعا بلا اختلاف ولا
اضطراب فى السند ولا فى المتن، وتابعه عليه حماد أيضا فى رواية وسعيد بن أبى عروبة فى رواية
وفيه أن كلا منهما أقام البينة وهو مؤيد بتصحيح الحاكم له وتوثيق المنذرى لرواته، وقد ورد فيه
التصريح بأن المختصمين وجدا لعين فى يد ثالث كما هو فى رواية عند النسائى، وفى بعض طرقه
عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة أن المختصمين لم يكن لهما بينة. ومع ذلك قضى رسول الله عَ ليه
به بينهما نصفین. فلم یبق صورة من صور التقسیم إلا وقد ورد التصريح به فى الروايات، بخلاف
ما ذهب إليه الخصم من الاقتراع بين المدعيين إذا لم يكن العين فى أيديهما ولم يكن لهما بينة، فلم
يرد التصريح به فى شىء من الروايات.
أما حديث سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبى رافع عن أبى هريرة فليس فيه
إلا الاقتراع على اليمين أيهما يحلف أولا، وليس فيه القضاء بالقرعة كما قاله الخصم. وأما مرسل
(١) فإن قيل: إن حماد بن سلمة أيضا قد اختلف على قتادة قلنا: نعم! ولكنه لم يتهم بالاختلاط ولم يضطرب فى متن الحديث وقد
تابعه غيره على ما رواه كما لا يخفى على من مارس الأسانيد،ظ.
:

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٥٦
سعيد بن المسيب وموصوله فليس فيه أنهما لم يكن لهما بينة بل فيه خلاف ذلك أن كل واحد
منهما أقام شهودا عدلاء، ولأن حديث أبى هريرة الذی ذکرناه فى المتن قد صححه ابن حبان
والحافظ فى " الدراية"، وهو مؤيد بمرسل تميم بن طرفة وموصولة وبأثر أبى الدرداء رضى الله عنه
بسند صحيح على شرط الشیخین، وأما رجحانه من جهة القیاس فلأن فى الاقتراع إهدارا لإحدى
البينتين وترجيحا للأخرى أو إهدار يمين البعض وترجيح يمين الآخر من غير مرجح، لأن القرعة لا
تدل على أن البينة أو اليمين التى خرجت لها القرعة أعدل وأوثق وأصدق من الآخرى فكيف
تكون مرجحة؟.
الجواب عن حجة مالك فى الباب
وأما قول مالك أنه يقضى بأعدل البينتين فرده ابن حزم فى "المحلى" (٤٣٨:٩) بأنه لم يأت
به برهان قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة ولا عن أحد من الصحابة ولا يؤيده قياس وإنما كلفنا عدالة
الشهود فقط، ولا فضل فى ذلك لأعدل البرية على عدل، وهذا قول خالف فيه كل من روى عنه
فى هذه المسألة لفظة من الصحابة إنما روى القول بأعدل البينتين عن الزهرى وقال: فإن تكافأت فى
العدالة أقرع بينهما وهم لا يقولون بهذا (بل يقولون: إذا تكافأت البينتان لا يحكم به لواحد منهما
بل يترك فى يد صاحب اليد، وهذا خلاف قول الزهرى) وقال: وجاء عن عطاء والحسن وروى
عن على بن أبى طالب تغليب أكثر البينتين عددا، وقال به الأوزاعى إذا تكافأ عددهما (١) اهـ.
وفى "الهداية": إن أقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة فهما سواء لأن شهادة كل شاهدين
علة تامة، ولا يقع الترجيح بكثرة العلل بل لقوة فيها اهـ، وقال الموفق فى "المغنى": ولا ترحج
إحدى البينتين بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى، ويتخرج إن ترجح
بذلك ما خوذا من قول الخرقى ويتبع الأعمى أوثقهما فى نفسه، وهذا قول مالك، لأن أحد الخبرين
يرجح بذلك فكذلك الشهادة لأنها خبر، ولأن الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به، وإذا
كثر العدد أو قويت العدالة كان الظن به أقوى.
وقال الأوزاعى: يقسم على عدد الشهود فإذا شهد لأحدهما شاهدان وللآخر أربعة قسمت
العين بينهما أثلاثا، لأن الشهادة سبب الاستحقاق فيوزع الحق عليها. ولنا أن الشهادة مقدرة
(١) كذا فى الأصل والظاهر: إذا تكافأت عدالتهما.

٤٥٧
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
إعلاء السنن
بالشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية، وتخالف الخبر فإنه مجتهد فى قبول خبر الواحد دون العدد
فرجح بالزيادة، والشهادة يتفق فيها على خبر الاثنين فصار الحكم متعلقا بهما دون اعتبار الظن، ألا
ترى أنه لو شهد النساء منفردات وإن كثرن حتى صار الظن بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين
لا تقبل شهادتهن، وعلى هذا لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين فى المال لأن
كل واحدة من البينتين حجة، فإذا اجتمعتا تعارضتا. قال: فأما إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر
شاهد فبذل يمينه معه ففيه وجهان: أحدهما يتعارضان. والثانى: يقدم الشاهدان لأنهما حجة متفق
عليها، والشاهد واليمين مختلف فيهما. ولأن اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الأجنبيين،
فيجب تقديمها كتقديمهما على يمين المنكر. وهذا الوجه أصح إن شاء الله. وللشافعى قولان
کالوجهین (١٧٧:١٢).
اعتراف الخصم بكون القضاء بالشاهد
واليمين زيادة على الكتاب والسنة المشهورة
قلت: وفيه تسلیم لما ادعينا أن قوله تعالی: ﴿واستشهدوا شهیدین من رجالکم فإن لم یکونا
رجلين فرجل وامرأتان﴾ وكذا قوله عّ له: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) وقوله:
((شاهداك أو يمينه)) لم يشتمل الشاهد واليمين بل ينفى القضاء بهما ولو لا ذلك لم يجب تقديم
الشاهدين على الشاهد واليمين، وإذا كان كذلك كان القضاء بالشاهد واليمين زيادة على نص
الكتاب والسنة المشهورة مغیرا لحکمهما، وهذا هو النسخ بعینه، فلا يجوز بخبر الواحد بل یؤول
ويحمل على محمل حسن كما بينا.
واحتج الأوزاعى بما روى عن حنش بن المعتمر قال: أتى على رضى الله عنه ببغل وجد فى
السوق يباع فقال رجل: هذا بغلى لم أهب ونزع على ما قال بخمسة يشهدون قال: وجاء آخر
يدعيه يزعم أنه بغله وجاء بشاهدين، فقال على رضى الله عنه: إن فيه قضاء وصلحا وسوف أبين
لكم ذلك كله، أما صلحه أن يباع البغل فيقسم ثمنه على سبعة أسهم: لهذا خمسة ولهذا سهمان
وإن لم يصطلحوا إلا القضاء فإنه يحلف أحد الخصمين أنه بغله ما باعه ولا وهبه فإن تشاححتما
أيكما يحلف أقرعت بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف قال: قضى بهذا وأنا شاهد. وذكره
الخطابى هكذا بلا سند كما فى "عون المعبود" (٣٤٥:٣).
٠٠

ج - ١٥
المتداعيان يتنازعان شيئا ويقيم كل واحد منهما بينة
٤٥٨
٥١٦٤- أخبرنا وكيع ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن أبی لیلی
قال: جاء رجلان يختصمان إلى أبى الدرداء فى فرس أقام كل واحد البينة أنها نتجت
عنده فقضى به بينهما نصفين ثم قال: ما أحوجكما إلى مثل سلسلة بنى إسرائيل كانت
تنزل فتأخذ عنق الظالم. رواه إسحاق بن راهويه فى سنده (زيلعى ٢٢٤:٢)، وسنده
صحيح على شرط الشيخين.
ولا حجة فيه للأوزاعى لأن عليا رضى الله عنه إنما اعتبر عدد الشهود فى الصلح دون
القضاء ولا نزاع فى أن للمتخاصمين أن يصطلحا على أى وجه يتراضيان به وإنما النزاع فى الطريق
القضاء، ولا حجة فيه لأحمد ولا للشافعى فى أحد قوليه لأنه لا دلالة فى قوله: أقرعت بينكما على
الحلف فأيكما قرع حلف إلخ على أنه يأخذ العين كلها، فيحتمل أن يكون أراد أن أيهما قرع حلف
أولا أى ثم حلف الآخر بعده، فإن نكل أخذ الحالف الكل، وإن تحالفا جميعا قسمت العين بينهما
نصفین، ولا ينبغى لأحد أن یأتی إلی خبر یحتمل تأویلین فیعطفه على أحدهما بلا دليل، فأولی
الأشياء بنا أن نصرف الأخبار إلى ما يوافق الكتاب والسنة المتفق عليهما لا إلى يخالفهما أو يخالف
أحدهما.
وقد ثبت بحديث أبى موسى وأبى هريرة وتميم بن طرفة وجابر بن سمرة قسمة العين بين
المدعیین نصفین إذا أقام كل واحد منهما بینة والعین بأيديهما، فكذلك إذا وجداه فی ید رجل
غيرهما، وهذا هو العدل المامور به فى الكتاب لأمره بالاستشهاد وقبول الشهادة إذا كان الشهود
عدولا ولا وجه لقبول إحدى البينتين ورد الأخرى فيجب إعمالهما جميعا وهو فيما قلنا، وكذا إذا
لم تكن لهما بينة فليس يمين أحدهما بأولى من يمين الآخر فمقتضى العدل قسمة العين بينهما
نصفین، وبالجملة فقول أبى حنيفة وأصحابه أقوی ما یکون فى هذا الباب والحمد لله العلى الوهاب
الذى رزق هذا الإمام فهم السنة وعلم الكتاب وصلى الله على سيدنا النبى محمد والآل
والأصحاب.
قوله: أخبرنا وكيع إلخ. محمول على أن الفرس كان بأيديهما جميعا أو فى يد ثالث
غيرهما، لأنه لو كان فى يد واحد منهما لترجحت بينة ذى اليد كما مر فى الباب السابق، وفيه
دليل لما ذكره أصحابنا فى الخارجين أقام كل واحد منهما البينة على النتاج أنه يقضى بها بينهما
نصفين، وكذا إذا كانت الدابة فى أيديهما جميعا لتكافؤ الدعويين والمتداعيين من كل وجه، والله
تعالى أعلم بالحق والصواب وهو المستعان فى كل باب.

٤٥٩
إعلاء السنن
باب اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
٥١٦٥- حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن
عائشة أنها قالت: اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى غلام فقال سعد: هذا
يا رسول الله إن أخى عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن
زمعة: هو أخى يا رسول الله! ولد على فراش أبى من وليدته. فنظر رسول الله عَّ له إلى
شبهه بينًا بعتبة فقال: ((هو لك يا عبد! الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبى منه يا
سودة بنت زمعة)) قالت: فلم ير سودة قط، أخرجه البخارى (١٠٠١:٢).
باب اعتبار القیافة و عدمه فی النسب
أقول: استدل ابن القيم على ثبوت النسب بالقيافة بوجوه: أحدها أنه قال: حكم رسول الله
وقضاءه باعتبار القيافة وإلحاق النسب بها ثبت فى الصحيحين من حديث عائشة ثم ذكر قصة زید
وأسامة وقال: ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سربها ولا
أعجب بها، ولكانت بمنزلة الكهانة وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنا قال الشافعى:
والنبى معَِّ أثبته علما ولم ينكره، ولو كان خطأ لأنكره، لأن فى ذلك قذف المحصنات ونفى
الأنساب اهـ "زاد المعاد" (ص: ٣١٣).
الجواب عنه أنا لا نقول بنفى القيافة وكونهما من قبيل الكهانة بل نقول: إنها ليست من أدلة
النسب، لأن مدار النسب على الفراش لا على المخلوقية من الماء، ألا ترى أنه معَ ◌ّ أثبت نسب ابن
وليدة زمعة مع علمه أنه ليس من مائه بل من ماء عتبة وقال: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) والقيافة
إنما يستدل بها على الثانى لا على الأول، فكيف يكون دليلا للنسب. وثانيها: أنه قال: وقال عّ لّه
فى ولد الملاعنة: إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك
ابن سحماء فلما جاءت به على شبه الذى رميت به قال: ((لو لا الإيمان لكان لی ولها شان». وهل
هذا إلا اعتبار للشبه وهو عين القيافة اهـ "زاد المعاد" (٣١٤:٢).
والجواب عنه ما مر أن غايته أنه استدل بالشبه على أنه مخلوق من ماء شريك بن سحماء
وقد علمت أنه لا تعلق له بالنسب لأن النسب إنما يثبت بالفراش لا المخلوقية من الماء فلا حجة له
فيه. وثالثها: أنه قال: أخبر فى الحديث الصحيح أن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له، وإذا
سبق ماءها ماءه كان الشبه لها، فهذا اعتبار منه للشبه شرعا وقدرا اهـ "زاد المعاد" (٣١٤:٢).
والجواب عنه أيضا ما مر أنه لا حجة فيه على ثبوت النسب بالقيافة، لأن الشبه إنما يدل على

ج - ١٥
اعتبار القيافة وعدمه فى النسب
٤٦٠
٥١٦٦- وعن عائشة بالسند المذكور قالت: إن رسول الله عَّ له دخل على
مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تر أن مجرزًا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة
ابن زيد فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. (بخاری (١٠٠١:٢).
المخلوقية من الماء لا على الفراش، ودليل النسب هو الفراش لا المخلوقية من الماء. ورابعها: أنه قال:
روى عن عمر فى امرأة وطيها رجلان فى طهر واحد فقال القائف: قد اشتر كا فيه جميعا فجعله
بينهما وروى عن على نحوه رواهما سعيد بن منصور. ولا يعرف فى الصحابة من خالفهما فى
ذلك، مع أنه وقع ذلك بمحضر عن الصحابة "زاد المعاد" (٣١٤:٢).
والجواب عنه أولا أنه لا يعلم من هذه القصة أن الواقعة المذكورة من واقعات الجاهلية أو
الإسلام والرجلان كانا مالكين للمرأة أو غير مالكين أو أحدهما مالك دون الآخر، وإذ لم يعلم
ذلك لا يتم الاستدلال به، لأنه يمكن أن يكون القصة من الواقعة الجاهلية ففصلها عمر وعلى بقانون
الجاهلية. وأما ثانيا: فلأنه روى عن عمر وعلى خلافه فروى الطحاوى عن عمر أنه قال للغلام: وآل
أيهما شئت معانى الآثار (٢٩٢:٢) وفى رواية أخرى: اتبع أيهما شئت معانى الآثار (٢٩٢:٢).
وهذا مخالف لما روى عنه أنه جعله منهما. وروى عن على أنه جعله بينهما من غير رجوع
إلى القیافة "معانی الآثار" (٢٩٤:٢) وإذا تعارضا تساقطا. وأما ثالثا: فلأنه قال الصحاوى: حدثنا
أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر قال: حدثنى عوف بن أبى جميلة عن أبى المهلب أن عمر قضى فى
رجل ادعاه رجلان كلاهما يزعم أنه ابنه وذلك فى الجاهلية فدعا القافة فقالوا: إن هذا لمن هذين
فقال عمر: فهما أبواك اهـ، ملخصا "معانى الآثار" (٢٩٣:٢)، وهذا نص فى أن القضية كان من
قضايا الجاهلية. ففصلها عمر بقانون الجاهلية لأن أولاد البغايا كانوا يلحقون بآبائهم بقول القافة
كما أخبرت به عائشة رضى الله عنها رواه البخارى (٧٦٩:٢).
خطأ الناسخ فى معانى الآثار
وفى "معانى الآثار" (٢٩٢:٢): حدثنا ابن داود قال: أخبرنى عروة بن الزبير أن عائشة
أخبرته إلخ. وهذا خطأ، فإن ابن داود لا يروى عن عروة بل بينهما مفازة وقد وقع أيضا الخطأ فى
قوله: ابن داود، لأنه ابن أبى داود الفريس واسمه إبراهيم لا ابن داود فتنبه له. وأما رابعا: فلأنه
كيف ساغ لهم الاحتجاج لقول عمر وعلى مع أن رسول الله عّ لّه قال: ((الولد للفراش وللعاهر
الحجر)) وهذا يدل على عدم اعتبار قول القافة لأنه مُ تّ جعل مبنى النسب الفراش لا المخلوقية من