النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
كيفية الاستحلاف
ج - ١٥
إلا فى مجلسه، وعدم سماعه كلام مروان أعظم من الإنكار عليه صريحا. قاله العينى (٣٨٩:٦).
سلمنا أن زيدا لم ينكر عليه لعلمه بإن ذلك سنة، فعدم سماعه كلام مروان، وإصراره على
الحلف فى مجلسه دليل على أن الحلف عند المنبر ليس بسنة مؤكدة ولا واجبا وإنما هو من الأمر
المباح الذى لا يجبر عليه المدعى عليه، وأقره على ذلك مروان حيث لم يقض عليه بالنكول،
ولم يزد على أن تعجب منه. وقد مر عن عثمان أنه استحلف ابن عمر فى الخصومة فى عبد باعه
بالبراءة، ولم يستحلفه عند المنبر، فدل على أن عثمان لم يكن يرى ذلك واجبا، وكذلك وقع
الحلف على عمر بن الخطاب حين تحاكم هو وأبى إلى زيد بن ثابت فى بيته ولم يستحلفه زيد على
المنبر، ولا طلب منه أبى ذلك. وهو الثابت عن على وأبى موسى الأشعرى وأبى عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود، كما مر ذكره، فالحق أن مذهب الحنفية فى الباب أقوى ما يكون رواية ودراية.
قال الموفق فى "المغنى": واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان
بالله﴾ قيل: أراد بعد العصر، ولنا: قول الله تعالى: ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق
عليهم الأوليان فيقسمان بالله﴾ الآية، ولم يذكر مكانا، ولا زمنا، ولا زيادة فى اللفظ. واستحلف
النبى معَّه ركانة فى الطلاق فقال: آلله ما أردت إلا واحدة؟ قال: آلله ما أردت إلا وحدة. (أخرجه
مسلم وأبو داود وغيرهما) ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ. وحلف عمر لأبى حين
تحاكما إلى زيد فى مكانه، فكانا فى بيت زيد. وقال عثمان لابن عمر: تحلف بالله لقد بعته وما به
داء تعلمه؟ وفى ما ذكروه تقييد لمطلق هذه النصوص ومخالفة الإجماع، فإن ما ذكرنا عن
الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر وهو فى محل الشهرة، فكان إجماعا. وقوله
تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ إنما كان فى حق أهل الكتاب فى الوصية فى السفر، وهى
قضية خولف فيها القياس فى مواضع: منها: قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين، ومنها:
استحلاف الشاهدين، ومنها: استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الإثم. وهم لا
يعلمون بها أصلا فكيف يحتجون(١) بها؟ اهـ (١١٦:٦). قلت: وقد تقدم أن حكم الآية منسوخ
عندنا وأيضا فلا دلالة فيها على وجوب هذا الحبس، والله تعالى أعلم.
(١) قلت: كما احتججت بها علينا فى القضاء باليمين مع الشاهد وقلت: إن استحلاف المدعى ليس مخالفا للكتاب، ولا للسنة
المشهورة، فتذکر.
٤٢٢
إعلاء السنن
باب افتداء الیمین
٥١٣٥- عن أبى قلابة أن عمر بن عبد العزيز سأله عن حديث القسامة فذكره
وقال فيه: وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم
فأدخلوا مكانه رجلا آخر أخرجه الشيخان (زيلعى ٢٢١:٢).
٥١٣٦- عن حذيفة أنه عرف جملا له سرق فخاصم فيه إلى قاضى المسلمين
فصارت على حذيفة يمين، فأراد أن يفتدى يمينه بعشرة دراهم، فأبى الرجل فقال:
عشرون. فأبى فقال: ثلاثون. فأبى فقال: أربعون. فأبى فقال حذيفة: أ أترك جملى؟
فحلف أنه جمله ما باعه ولا وهبه. أخرجه الدار قطنى بسند فيه حسان بن ثمامة، ولم
أقف على ترجمته عن قوم لا يعرفون. وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه: حدثنا إسماعيل
ابن عياش عن شريك بن عبد الله ثنا الأسود بن قيس عن رجل من قومه فذكره، وفيه
رجل لم يسم، وبقية ثقات مع اختلاف فى بعض وتأيد كلا الطريقين بعضهما ببعض.
باب الافتداء باليمين
قال العبد الضعيف: قال فى "الهداية": ومن ادعى على آخر مالا فافتدى يمينه، أو صالحا
منها على عشرة فهو جائز. وهو ماثور عن عثمان رضى الله عنه، والماثور عن عثمان رضى الله عنه
ما ذكره الشافعى رحمه الله بلاغا. ورواه ابن حزم من طريق أبى عبيد عن عفان بن مسلم عن
مسلمة ابن علقمة عن داود بن أبى هند عن الشعبى قال: استسلف المقداد من عثمان سبعة آلاف
درهم، فلما قضاه أتاه بأربعة آلاف. فقال عثمان: إنها سبعة آلاف. فارتفعا إلى عمر فقال المقداد:
يا أمير المؤمنين! ليحلف أنها كما يقول ويأخذها. فقال له عمر: أنصفك! احلف أنها كما تقول
وخذها (المحلى ٣٧٧:٩).
وزاد الطبرانى فى "الكبير": فأبى عثمان أن يحلف وأخذ ما أعطاها ثم قال لعمر: والله
الذى لا إله إلا هو أنها سبعة آلاف. قال: فما منعك أن تحلف؟ قال: إن هذا ليل وهذا نهار اهـ،
وقد ثبت مثل ذلك عن جبير بن مطعم والأشعث بن قیس ومسروق، وروی نحوه عن عبيد
السهام، وذكر الزهرى أن ذلك كان والصحابة بالمدينة كثير أى ولم يعرف لهؤلاء مخالف من
الصحابة، وهذه قضايا تنتشر غالبا ولا تخفى، فكان بمنزلة الإجماع. وأورد بعض الأحباب على
من احتج بأثر أبى قلابة على معنى الباب بأنه ليس من فعل من يحتج بفعله لأنه مجهول ولا الذين
قبلوه ممن يحتج بأفعالهم، ولم يثبت أن عمر بن الخطاب علم ذلك فأقره اهـ.
ج - ١٥
الافتداء باليمين
٤٢٣
٥١٣٧- وعن جبير بن مطعم أنه فدى يمينه بعشرة آلاف درهم. أخرجه الطبرانى
فى "معجمه الأوسط"، وفى سنده معاوية بن يحيى الصدفى ضعفوه (زيلعى ٢٢١:٢)،
وفى "مجمع الزوائد": رجاله ثقات.
٥١٣٨- وعن الأشعث بن قيس قال: لقد افتديت يمينى مرة بسبعين ألف درهم.
أخرجه الطبرانى فى معجمه. قال الزیلعی: ولم یذ کر له سندًا وفى " مجمع الزوائد
(٤: ١٨١): فيه عيسى بن المسيب البجلى ضعيف اهـ.
قلت: هو قاضى الكوفة أخرج له الحاكم فى "المستدرك" وصحح حديثه. وقال:
إن عيسى صدوق لم يجرح قط. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الدار قطنى: صالح
الحديث. وكذا قال ابن عدى، كما فى "اللسان" (٤٠٥:٤)، فالحديث حسن.
٥١٣٩- وسئل الزهرى عن الرجل يقع عليه اليمين فيريد أن يفتدى يمينه، فقال:
كانوا يفتدون ذلك، وقد افتدى عبيد السهام -وكان من الصحابة- يمينه بعشرة آلاف
وكان ذلك فى إمارة مروان والصحابة بالمدينة كثير. أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه"
عن معمر عن الزهرى (زيلعى ٢: ٢٣١)، قلت: مرسل صحيح الإسناد.
٥١٤٠- وعن الشعبی أن مسروقا افتدی یمینه بخمسین درهمًا. أخرجه ابن سعد
فى "الطبقات" بسند فيه جابر الجعفى (زيلعى). قلت: وقدمنا غير مرة أنه مختلف فيه
حسن الحديث.
قلت: مجرد الاحتمال العقلى لا يجدى وسياق الخبر يدل على أن عمر قد علم بذلك
ولفظه: فقال-أى عمر -: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوا قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون
رجلا، وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه
رجلا آخر الحديث. وظاهره: أن عمر بعد ما حلف تسعة وأربعون كان منتظر اليمين رجل يتم به
عدد الخمسين وإنما أخرها لكون الرجل ذاهبا إلى الشام، فلما جاء ولم يحلف وأدخلوا مكانه رجلا
آخر ممن لم يكن غائبا عن الحلف الأول لا بد أن يعلم عمر بسبب تخلف القادم عن اليمين وإقدام
الحاضر مكانه. هذا هو الظاهر من عادة عمر وسيرته وتحفظه فى باب القضاء، سلمنا ولكن أبا
قلابة حين حدث بالحديث بين يدى عمر بن عبد العزيز وقد أبرز سريره للناس وأذن لهم بالدخول
..
٤٢٤
الافتداء بالیمین
إعلاء السنن
٥١٤١- قال الشافعى رحمه الله: بلغنى أن عثمان بن عفان ردت عليه اليمين
فافتداها بمال، وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال: هذا بيمينه. ذكره البيهقى فى
"المعرفة" فى أدب القاضى (زيلعى ٢٢٠:٢).
قلت: بلاغ مثل الشافعى رحمه الله حجة - كما ذكرناه فى "المقدمة" - والقصة
أخرجها الطبرانى فى "الكبير" مطولةً، وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٨٢:٤):
رجاله رجال الصحيح.
كافة فلم ينكر أحد منهم افتداء اليمين ولو كان ذلك منكرا شرعا لردوه عليه كما أنكروا عليه نفى
القود فى القسامة. واحتجوا بحديث أنس بن مالك فى قصة العرنيين، فكان ذلك إجماعا من هؤلاء
التابعين على جواز الافتداء باليمين، وهو حجة أيضا، كما لا يخفى. قال: وباقى الأخبار لم تثبت
بطرق صحيحة اهـ.
قلت: ولكنها ثبتت بطرق حسان رجالها ثقات. وفى بعضهم كلام لا يضر، كما ذكرنا،.
قال: ولكن أصل الافتداء ثابت بحجة صحيحة لأن النكول عن اليمين صحيح بالإجماع، والنكول
افتداء بكل المال، فإذا جاز الافتداء بكل المال فببعضه أولى فافهم.
قلت: وأين الإجماع والشافعى لا يقول بالقضاء بالنكول بل يرد اليمين على المدعى
کما مر، ونحن إنما قلنا بجواز افتداء المدعى عليه عن يمينه دون المدعى، كما تقدم الكلام فيه
بما لا مزید علیه.
وبالجملة فإن روايات المتن صريحة فى جواز الافتداء عن اليمين، وهى صالحة للاحتجاج بها
على حيالها عندنا وبمجموعها عند الكل، والنظر يقتضى جوازه أيضا، لأن حقيقته الصلح،
والصلح جائز بين المسلمين ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما كما سيأتى فى بابه، فإذا كان بلفظ
الافتداء أو الصلح لم يكن للمدعى أن يستحلفه على تلك اليمين أبدا لأنه أسقط حقه بخلاف ما لو
اشترى يمينه بعشرة دراهم مثلا حيث لا يجبر وكان له أن يستحلفه، لأن الشراء عقد تمليك المال
بالمال واليمين ليست بمال. كذا فى الشروح وسائر المعتبرات (تكملة فتح القدير ١٩١:٧).
ولم يتنبه أهل الظاهر لهذا الفرق فإنكروا لافتداء مطلقا وحملوه على البيع والشراء وغفلوا
عن معنى الصلح فيه فافهم والله يتولى هداك.
٤٢٥
ج - ١٥
باب اختلاف المتبايعين
٥١٤٢- حدثنى محمد بن إدريس الشافعى أنا سعيد بن سالم -يعنى القداح- أنا
ابن جريج أن إسماعيل بن أمية أخبره عن عبد الملك بن عمير أنه قال: حضرت أبا عبيدة
ابن عبد الله بن مسعود أتاه رجلان يتبايعان سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا. وقال
هذا: بعت بكذا وكذا. فقال أبو عبيدة: أتى عبد الله بن مسعود فى مثل هذا فقال:
حضرت رسول الله عّ لِّ أتى فى مثل هذا فأمر بالبائع أن يستحلف، ثم يخير المبتاع إن
شاء أخذ وإن شاء ترك، أخرجه أحمد (مسند أحمد ٤٦٦:١)، وصححه ابن السكن
والحاكم (نيل ٩٠:٥).
وقال ابن حجر فى "التلخيص" (ص٢٢٤): فيه انقطاع على ما عرف من
اختلافهم فى صحة سماع أبى عبيدة من أبيه. واختلف فيه على إسماعيل بن أمية، ثم
على ابن جريج فى تسمية والد عبد الملك هذا الراوى عن أبى عبيدة فقال يحيى بن
سليم: عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير كما قال سعيد بن سالم، ووقع فى
النسائى: عبد الملك بن عبيد: ورجح هذا أحمد -وقال صاحب "التنقيح": هكذا وقع
فى رواية النسائى عبد الملك بن عبيد وهو لا يعرف (زيلعى ٢٢٢:٢).
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أخبرت عن هشام بن يوسف فى اليمين فى
حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة (زيلعى ٢٢٢:٢).
باب اختلاف المتبا يعين
قوله: حدثنى محمد بن إدريس الشافعى إلى آخر الباب.
قال العبد الضعيف: لعلك قد عرفت بما ذكرنا من طرق الحديث وكلام الأئمة صلاحيته
للاحتجاج به لثبوته بطرق عديدة مرسلة وموصولة إذا ضم بعضها إلى بعض تقوى. كما قاله
صاحب التنقيح. وأما قوله: ولكن فى لفظه اختلافا فسيعرف الناظر فى كتب أصحابنا أنهم عملوا
به بجميع ألفاظه ولنذكر أولا مذاهب الفقهاء فى هذا الباب ثم نتكلم على لفظ الحديث وطرقه إن
شاء الله تعالى. قال فى "البحر": اختلف البائع والمشترى فى قدر الثمن أو المبيع قضى لمن برهن أى
وأقام أحدهما بينة قضى له، لأن فى الجانب الآخر مجرد الدعوى والبينة أقوى منها. وإن برهنا
فللمثبت الزيادة، لأن البينات للإثبات، ولا تعارض فى الزيادة، فبينة البائع أولى فى الثمن، وبينة
٤٢٦
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
٥١٤٣- وعن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان حدثنى عون بن عبد الله عن ابن
مسعود قال: سمعت رسول الله عَّ ◌ُله: ((إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع، والمبتاع
بالخيار)) أخرجه أحمد (مسند ٤٦٦:١) وقال ابن حجر وغيره: فيه انقطاع بين عون
وابن مسعود (تلخيص ص٢٤٤).
٥١٤٤- وقال أحمد: حدثنا وكيع عن المسعودى عن القاسم عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا اختلف البيعان وليس منهما بينة فالقول ما يقول
صاحب السلعة أو يترادان)) (مسند أحمد ٤٦٦:١)، وقال ابن حجر وغيره: فيه انقطاع
بين القاسم وابن مسعود (تلخيص ص٢٤٤).
٥١٤٥- وقال أحمد: ثنا ابن مهدى قال: ثنا سفيان عن معن عن القاسم عن عبد
الله عن النبى عّ لّه قال: ((إذا اختلف البيعان والسلعة كما هى فالقول ما قال البائع أو
يترادان)) (مسند أحمد ٤٦٦:١)، وهو أيضًا منقطع، كما عرفت.
٥١٤٦- وأخرج الدارقطنى عن عمر بن قيس الماصر عن القاسم عن عبد الرحمن
عن أبيه قال: باع عبد الله بن مسعود سبيا من سبى الإمارة بعشرين ألفًا - يعنى من
الأشعث بن قيس- فجاء بعشرة آلاف فقال: إنما بعتك بعشرين ألفًا. قال: إنما أخذتهم
بعشرة آلاف وأنا أرضى فى ذلك برأيك. فقال ابن مسعود: إن شئت حدثتك عن رسول
الله عَّه قال: أجل! قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا تبايع المتبايعان بيعًا ليس بينهما
شهود فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع)) قال الأشعث: قد رددت عليك (دار قطني
ص٢٩٧)، قال ابن حجر فى "التلخيص" (ص٢٤٤): رجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن
اختلف فى سماعه من أبيه اهـ قلت: الراجح عندى السماع. وقال الدار قطنى
(ص٢٩٧): عن أبى العميس قال: سمعت القاسم تذكر عن عبد الله والأشعث مثل هذا
سواء، ورفعه إلى النبى عَ تّه.
المشترى أولى فى المبيع نظرا إلى زيادة الإثبات، وإن عجزا ولم يرضيا بدعوى أحدهما تحالفا أى
استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى صاحبه، فإن كان قبل القبض، فهو قياسى،
لأن كلامنهما منكر، وأما بعده فاستحسانى فقط. لأن المشترى لا يدعى شيئا، لأن المبيع سالم له.
(وقد اتفقا على نقل السلعة إلى المشترى)، فبقى دعوى البائع فى زيادة الثمن والمشترى ينكره،
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٢٧
٥١٤٧- وأخرج الدار قطنى (ص٢٩٨) عن هيثم قال: نا محمد بن أبى ليلى عن
القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: باع عبد الله بن مسعود من الأشعث رقيقًا من رقيق
الإمارة، فاختلفا فى الثمن، فقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفًا. وقال الأشعث: اشتريت
منك بعشرة آلاف. فقال عبد الله: إن شئت حدثتك بحديث سمعته من رسول
الله عَّ؟ قال: هات. قال سمعت رسول الله عّ له: ((إذا اختلف البيعان والمبيع قائم بعينه
وليس منهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع)) قال الأشعث: أرى أن نرد البيع.
٥١٤٨- وأخرجه أيضاً الدار قطنى (ص٢٩٧): عن إسماعيل بن عياش عن
موسى بن عقبة عن ابن أبى ليلى بألفاظ مختلفة. فرواه أحمد بن إبراهيم أبو عبد الملك
الدمشقى عن هشام بن عمار عن ابن عياش وقال: إذا اختلف المتبايعان فى البيع والسلعة
كما هى لم تستهلك فالقول قول البائع أو يترادان. وقال أبو الأحوص القاضى عن
هشام: إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك كان المبتاع بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك.
قال الدارقطنى: تفرد بهذا اللفظ أبو الأحوص القاضى عن هشام. ورواه أبو الأحوص
القاضى عن إبراهيم عن عمار عن ابن عياش مثل ما رواه عبد الملك عن هشام. وقال ابن
حجر: فيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة (تلخيص ص٢٤٤)، قلت: هو حسن
الحديث، كما مر غير مرة.
فيكتفى بحلفه. لكنا عرفنا بالنص وهو قوله عليه السلام: (( إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة
بعينها تحالفا وترادا)) قيد بعدم رضاهما للإشارة إلى أن القاضى يقول لكل منهما: إما أن ترضى
بدعوى صاحبك وإلا فسخناه، لأن المقصود قطع المنازعة وهذا جهة فيه، لأنه ربما لا يرضيان
بالفسخ فإذا علما به بتراضيان وبدأ بيمين المشترى.
وهذا قول محمد وأبى يوسف آخرا، وهو رواية عن أبى حنيفة وهو الصحيح، لأن المشترى
أشدهما إنكارا لأنه يطالب أولا بالثمن، أو لأنه يتعجل فائدة النكول. وكان أبو يوسف يقول: أولا
يبدأ بيمين البائع؛ لقوله عليه السلام: ((إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قاله البائع)) خصه بالذكر وأقل
فائدته التقديم. (قال الرملى: قول المصنف: وبدأ بيمين المشترى هذا إذا كان الاختلاف فى الثمن،
أما لو كان فى المبيع يبدأ بيمين البائع) وفى شرح "التلخيص" من باب الاختلاف فيما يجب للبائع
على المشترى وبالعكس: الأصح فيهما تقديم يمين البائع، وفسخ القاضى بطلب أحدهما، فلا ينفسخ
٤٢٨
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
٥١٤٩- وأخرجه الدار قطنى من طريق أبى العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن
محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده: أن عبد الله بن مسعود باع للأشعث بن قيس رقيقًا
البيع بحلفهما ولا يفسخه بدون طلب أحدهما ولو فسخاه انفسخ بلا توقف على القاضى، وإن
فسخ أحدهما لا وإن اكتفى القاضى بطلب أحدهما، ومن نكل لزمه دعوى الآخر، هذا إذا اختلفا
والمبيع قائم، وإن اختلفا بعد هلاك المبيع أو بعضه لم يتخالفا والقول للمنكر اهـ ملخصا (٢١٨:٢،
٢٢٠)، وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع على القيمة اهـ (ص: ٢٢٢).
وقال الموفق فى "المغنى": اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فقال البائع: بعتك بعشرين. وقال
المشترى: بل بعشرة. ولأحدهما بينة حكم بها، وإن لم يكن لهما بينة تحالفا. وبهذا قال شريح وأبو
حنيفة والشافعى ومالك فى رواية. (وهى المذكورة فى المدونة ) وعنه القول قول المشترى مع يمينه.
وبه قال أبو ثور وزفر لأن البائع يدعى عشرة زائدة ينكرها المشترى والقول قول المنكر، وقال
الشعبى: القول قول البائع أو يتردان البيع. وحكاه ابن المنذر عن أحمد والمشهور فى المذهب الأول.
ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا خلف فرضى
المشترى بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضا وفسخ البيع بينهما، لأن فى بعض ألفاظه حديث ابن
مسعود: تحالفا، ولأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فإن البائع يدعى عقدا بعشرين ينكره
المشترى، والمشترى يدعى عقد العشرة ينكره البائع، والعقد بعشرة غير العقد بعشرين، فشرعت
"اليمين فى حقهما. وهذا الجواب عما ذكروه والمبتدى باليمين البائع، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو
حنيفة: یبتدأ بیمین المشتری (هو قول محمد وأبی یوسف آخرا لأنه منکر والیمین فی جنبته أقوى،
ولأنه يقضى بنكوله ويفصل الحكم وما كان أقرب إلى فصل الخصومة أولى).
ولنا: قول النبى معَّه: ((فالقول ما قال البائع))، وقد بينا أن كل واحد منهما منكر فيتساويان
من هذا الوجه والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشترى عن اليمين يحلف الآخر ويقضى له فهما
سواء، وإذا حلف البائع فنكل المشترى عن اليمين قضى عليه، وإن نكل البائع حلف المشترى
وقضى له، وإن حلفا جميعا لم ينفسخ البيع بنفس التحالف، لأنه عقد صحيح لا يفسخه تعارضهما
كما لو أقام كل واحد منهما بينة لكن إن رضى أحدهما بما قال صاحبه أقر بينهما، وإن لم يرضيا
فلكل واحد منهما الفسخ.
هذا ظاهر كلام أحمد (وهو قولنا لكن بشرط رضا الآخر بالفسخ) ويحتمل أن يقف الفسخ
على الحاكم وهو ظاهر مذهب الشافعى، (وهو قولنا إذا فسخ أحدهما ولم يفسخ الآخر)، ولنا:
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٢٩
من رقيق الخمس وساق الحديث عن أبيه إلى أن قال: قال ابن مسعود: سمعت رسول
الله عَ لّه يقول: إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة،
قول النبى معَّ ◌ُله: ((أو يترادان البيع)) (أى برضاهما جميعا) وفى القصة أن الأشعث قال لابن مسعود:
فإنى أرد البيع. وفى رواية: إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم كان المشترى بالخيار إن شاء أخذ
وإن شاء ترك، وهذا ظاهر فى أنه يفسخ من غير حاكم لأنه جعل الخيار إليه (قلنا: معناه أن المشترى
بالخيار إن شاء أخذ بما قال البائع، وإن شاء ترك برضاه، ألا ترى أنه لا خيار له أن يأخذ بدون ما قال
البائع، فكذا ليس له أن يترك من غير رضاه به، وأيضا فغاية ما فى الحديث أن الخيار للمشترى، فمن
أين أثبتم الخيار للبائع وقول عَ لّه: ((أو يتردان)) صريح فى وجود الفسخ من الجانبين وقول الأشعث:
فإنى أرد البيع محمول على ذلك أنه رده برضا ابن مسعود لما فى بعض طرقه: أرى أن نرد البيع
وهو ظاهر فيما قلنا.
قال: وإذا اختلفا فى ثمن السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: يتحالفان مثل
ما لو كانت قائمة، وهو قول الشافعى وإحدى الروايتين عن مالك (وهو قول محمد منا)
والأخرى: القول قول المشترى مع يمينه اختارها أبو بكر، وهذا قول النخعى والثورى والأوزاعى
وأبى حنيفة لقوله عليه السلام فى الحديث: ((والسلعة قائمة)) فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند
تلفها (ولأنه معَّه قال: وترادا. والتراد لا يكون إلا حال قيام السلعة، فدل بمنطوقه على اشتراط قيام
السلعة للتحالف، ولما فى بعض ألفاظ الحديث: فإذا استهلك فالقول قول المشترى، كما فى المتن)
ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشترى واستحقاق عشرة فى ثمنها، واختلفا فى عشرة زائدة،
البائع يدعيها والمشترى ينكرها، والقول قول المنكر اهـ (٢٦٨:٤). ولأنهما لا يكونان متبايعين إلا
حال قيام المبيع لكون البيع قائما به دون الثمن، ولذا كان هلاك المبيع يمنع الإقالة دون هلاك الثمن،
صرح به فى "الهداية" (٥٤:٣) فلم يكن كل واحد منهما مدعيا عقدا ينكره الآخر لبطلان العقد،
أو انتهاءه بهلاك محله.
وأيضا فإن التحالف حال قيام السلعة يفضى إلى الفسخ، ولا كذلك بعد هلاكها لارتفاع
العقد بالهلاك، فلم يكن حال هلاك السلعة فى معنى حال قيام السلعة فلا يصح الإلحاق بالدلالة
("هداية") هذا هو الوجه فى مشروعية التحالف عند قيام المبيع، وعدمه عند هلا که.
وأما ما ذكروه أن التحالف عند قيام المبيع قبل القبض قياسى وبعده استحسانى فقط لأن
المدعی لا یدعی شیئا إلخ، فلا وجه له لما علمت أن كلا من المتبایعین مدع ومدعی علیه حال قيام
:
٤٣٠
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
أو يتتار كان. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وحسنه البيهقى (تلخيص ص٢٤٤).
٥١٥٠- وأخرج الدار قطنى من طريق حسن بن عمارة عن القاسم بن عبد
المبيع والقبض لا ينافيه، لأن نفس القبض لا يستلزم البيع بالثمن الذى ادعاه، ولا براءة ذمته،
ولا استحقاقه القبض بأدائه، فكيف ينهدم دعواه بمجرد القبض؟ وإنما يكون المبيع سالما له إذا كان
هالكا لأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشترى وكونه هالكا على ملكه ولا يتصور قيام البيع بعد
هلاك المحل، فلا يصح كون كل منهما مدعيا عقدا غير ما يدعيه الآخر، فلم يبق إلا أن البائع يدعى
استحقاق زيادة فى الثمن قد أنكرها المشترى فلا يتحالفان ، بل يكون القول للمشترى والبينة على
البائع كما هو القياس، ولا يعارضه النص لكونه واردا فى اختلاف المتبايعين حيث يتصور التراد،
ولا تراد بعد هلاك المبيع وهو ظاهر، ولم يبقيا متبايعين بعده إلا مجازا باعتبار ما كانا.
وبهذا ظهر الجواب عما ذكروه أن المشترى لما لم يدع شيئا بعد القبض لم يكن البائع منكرا
له، فوجوب اليمين عليه مخالف لقوله مَّ ◌ُلّهِ: ((واليمين على من أنكر اهـ)) فقد عرفناك أن كلا من
البائع والمشترى مدع ومدعى عليه حال قيام المبيع سواء اختلفا قبل القبض، أو بعده.
ولا حاجة إلى ما ذكره صاحب نتائج الأفكار فى الجواب من أن حديث التحالف يدل
بعبارته على وجوب اليمين على البائع وحديث اليمين على من أنكر يدل بإشارته على نفيه فقدمنا
العبارة على الإشارة (٢٠٢:٧) مع أن فيه خللا من وجوه: الأول ما مر ذكره أن حديث: ((البينة
على المدعى واليمين على من أنكر)) يدل على التقسيم والحصر وهو ينفى يمين المدعى بعبارته دون
إشارته، وإلا لزمكم أن تقدموا عبارة حديث القضاء بالشاهد واليمين على إشارته.
والثانى: أن هذا حديث مشهور متلقى بالقبول وحديث التحالف لا يصلح معارضا له. ومع
ذلك فهو ساكت عن القبض وعدمه، فكان يجب حمله على ما قبل القبض كيلا يعارض المشهور،
لا أن يقال بعمومه لما قبل القبض وبعده، ثم يرجع خبر الواحد على المشهور (١) عند المعارضة.
فالحق أن حديث التحالف حين قيام المبيع لا يعارض حديث: ((البينة على المدعى
واليمين على من أنكر))، بل هو يوافقه كما قال الطحاوى فى "مشكل الآثار" له.
(١) لا يقال: حديث ابن مسعود مشهور أيضا لما سيأتى، لأن شهرته إنما حدثت بعد ابن مسعود لتلقى العلماء له بالقبول فهو خبر
واحد فى الأصل مداره على ابن مسعود وحده، بخلاف حديث: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه))، فإنه مروى
عن جماعة من الصحابة مع تلقى العلماء له بالقبول، فهو قوى.
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٣١
الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا اختلف البيان فالقول ما قال
ذكرت هذا الباب لأحمد (١) بن أبى عمران، وقلت له: هل عندك فيه شىء يتصل عن رسول
الله عَ ليه؟ فقال لى: أما أن أجده منصوصا عن رسول الله عَ لّه فلا، ولكن الحجة قد قامت به من
قول رسول الله عَّ ◌ُله: ((اليمين على المدعى عليه)) لأن المتبايعين إذا اختلفا فى ثمن المبيع فقد ادعى
كل واحد منهما بيعا بثمن غير البيع الذى ادعاه به، فكانا بذلك متداعيين، فوجب التحالف لينفى
كل واحد منهما دعوی صاحبه.
فإن قيل: قد اتفقا على أن المبيع ملك المبتاع وإنما الاختلاف فى الثمن، فوجب أن يكون
المبيع له ويلزم المشترى ما أقر به ويحلف على ما ينكره كرجل ادعى على رجل مالا، فصدقه فى
بعضه وأنكر البعض، قلنا: ليس الأمر كما ذكر لأن الاختلاف فى الثمن موجب لاختلاف العقد،
ألا ترى إذا ادعى على آخر ألف درهم وخمس مائة فأنكر المدعى عليه فأقام شاهدا بألف وآخر
بألف وخمس مائة يقضى بالألف التى اتفق الشاهدان عليه، ولو ادعى البيع بألف وخمس مائة
فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة لا يقضى بشىء، فعقلنا بذلك افتراق الحكم فى
المسألتين، كما ذكرنا اهـ ملخصا (٢٢٥:١ من المعتصر).
وبهذا ظهر الجواب عن قول الزيلعى: أنه لا معنى لقولهما: إن كل واحد منهما يدعى عقدا
غير ما يدعيه الآخر، فإن العقد لا يختلف باختلاف الثمن من جنس واحد، ألا يرى أن الوكيل
بالبيع بألف يبيعه بألفين، وأن المبيع بألف يصير بألفين بالزيادة فى الثمن وبخمسمائة بالحط، انتهى.
فإن الوكيل بالبيع بألف أنما يجوز له البيع بألفين دلالة كما سبق تفصيله ولا يلزم منه اتحاد البيعين
(حواشى سعدية على العناية (٢٠٢:٧) هذا وأما بعض الأحباب فليس من العير ولا من النفير حيث
قال: وأما الحنفية فلم أر للمتقدمين منهم فيه كلاما أى فى حديث ابن مسعود، وأما المتأخرون
كصاحب "الهداية" وغيره، فهم يثبتون الحديث، ويتمسكون به لمذهبهم اهـ.
قلت: وكم لقلة المراجعة من آفات، قال الطحاوى: وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف يذهبان
إلى ما قال هذا القائل ويقولان: إذا اختلفا فى ثمن المبيع تحالفا وترادا إذا كان قائما وإذا كان فائتا
فالقول قول المشترى، لأن الذى يوجبه القياس أن يكون القول قول المشترى (لقوة جنبة الإنكار فيه
(١) هو شيخ الطحاوى وقاضى الديار المصرية من أكابر الحنفية تفقه على محمد بن سماعة عن أبى يوسف ومحمد، وحدث عن
على بن الجعد وابن الصباح وغيرهما، وثقه ابن يونس فى تاريخه للمصر ذكره السيوطى فى "حسن المحاضرة" (١٩٧:١)
وقال: وروی الکثیر، مات سنة ٢٨٥هـ.
٤٣٢
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
البائع، فإذا استهلك فالقول قول المشترى))، وقال: حسن بن عمارة متروك (ص٢٩٧).
وقوة جنبة الدعوى فى البائع)، ولكنه ترك فى القائم لمكان الحديث المروى (الذى جعل كلا منهما
مدعيا، ومدعى عليه لكون المشترى مدعيا من وجه، وكون البائع منكرا من وجه أيضا، كما
لا يخفى)، وفى الفائت لم يوجد نص فأجرى على القياس (لتعذر جعل كل واحد منهما مدعيا
عقدا غير العقد الذى يدعيه الآخر لبطلان العقد، أو انتهاءه بهلاك المبيع) قال ابن أبى عمران: ولو
لم يكن نص كان القياس يوجب ما قد روى عنه عَّه، وإذا كان كذلك وجب استعماله(١) فى
الباقى والفائت لأن الذى يوجب رده إذا كان باقيا هو الذى يوجب رد قيمته إذا كان فائتا، وهذا
استخراج لطيف ومعنى حسن، والله أعلم اهـ (٢٢٥:١ من "المعتصر").
فهذا ابن أبى عمران والطحاوى من قدماء الحنيفة وهما يرويان عن أبى حنيفة وأبى يوسف
ومحمد أنهم أخذوا بحديث التحالف كلهم إلا أن الشيخين أخذا به فى الباقى فقط، ومحمد
أخذ به فى الباقى والفائت جميعا، وقد تقدم عن "المغنى" أن قول الشيخين هو قول النخعى
والثورى والأوزاعى ومالك فى رواية عنه، وأنهم احتجوا بما فى حديث ابن مسعود من لفظة:
. والمبيع قائم، فتذكر. قال بعض الأحباب: وأنا فى غاية العجب من صنيعهم هذا لأن الحديث
مخالف لمذهبهم من وجوه: أما أولا: فلأن الحديث مصرح بأن القول هو قول البائع وهم لا يقولون
به. قلت: كلا، بل هو قول أبى حينفة، كما فى "البدائع" ونصه: ويبدأ بيمين المشترى فى ظاهر
الرواية، وهو قول محمد وأبى يوسف الآخر، وفى قوله الأول: يبدأ بيمين البائع، ويقال: إنه قول
أبى حنيفة رحمه الله اهـ (٢٥٩:٦).
وقد تقدم عن "البحر" عن شرح التلخيص: الأصح تقديم يمين البائع(٢) اهـ. فظاهر الرواية
إنما هو قول الصاحبين دون قول الإمام، فافهم.
قال: وأما ثانيا: فلأنهم لا يجعلون الخيار إلى المشترى بل يقولون: لا ينفسخ البيع بفسخ
أحدهما، بل بفسخهما، أو بفسخ القاضى بطلبهما، أو طلب أحدهما اهـ.
قلت:(٣) لم يذهب أحد إلى خيار المشترى بالمعنى الذى ذهبت إليه لا من الحنفية ولا من
(١) قد أشرنا إلى الفرق بين الباقى والفائت وهو يفيد التحالف عند قيام المبيع دون هلا كه.
(٢) والحديث محمول فى ظاهر الرواية على ما إذا كان الاختلاف فى قدر المبيع دون الثمن.
(٣) هذا الجواب على سبيل التنزل وإلا فالمحفوظ فى الحديث: فالقول قول البائع أو يتردان البيع، وأما خيار المشترى فلم يرد إلا فى
حديث إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير أو ابن عبيد، أو فى حديث عون عن ابن مسعود أو فى لفظ أبى الأحوص
القاضى عن هشام، كما مر فى المتن، وفى كل ذلك مقال.
28
٠٠
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٣٣
قلت: كلا بل هو مختلف فيه. تابعه ابن أبى ليلى فرواه عن القاسم عن أبيه عن جده
نحوه بمعناه.
غيرهم، فإن الذين ذهبوا إلى اسبداد العاقدين بالفسخ قالوا بتخييرهما جميعا، وإن لكل واحد
منهما الفسخ إذا لم يرضيا وتحالفا، والذين ذهبو إلى أن الفسخ يقف على الحاكم قالوا بأنه يخير
المشترى إن شاء أخذ بما قال البائع أو ترك، وبهذا نقول، وهذا لا ينفى خيار البائع أن يأخذ بقول
المشترى، ولكنه مستغنى عن البيان، وإنما الحاجة إلى ذكر خيار المشترى كما هو ظاهر، فبطل القول
بأن الحنفية لا يجعلون الخيار إلى المشترى إذا تخالفا فافهم. قال: وأما ثالثا فلأنهم يجعلون قوله:
((والسلعة قائمة)) للاحتراز وهو مخالف لأصلهم، أما أولا: فلأنهم لا يحتجون بالمفهوم. وأما ثانيا:
فلأنهم لا يحملون المقيد على المطلق، وههنا يلزم الحمل اهـ.
قلت: قد أشرنا إلى الجواب عن الأول: بأن أبا حنيفة لم يحتج بالمفهوم(١) والمنطوق جميعا،
فإن قول معَّهِ: ((وتراد)) يدل على قيام السلعة لأن التراد لا يكون إلا حال قيامها والمفهوم إذا تأيد
بالمنطوق كان حجة عند الكل، وبه ظهر الجواب عن الثانى، لأن قوله: ((تراد)) موجود فى طرق
الحديث كلها أو أكثرها وهى المحفوظة، فأين الإطلاق والتقييد؟ وأيضا إذا كان مخرج الحديث
واحدا قد ساقه بعض الرواة أتم من غيره يوخذ بما هو أتم سياقا، ولا يكون ذلك من الإطلاق
والتقييد فى شىء، بل هو من باب الأخذ بالزيادة، ويحمل ما سواه على اختصار الراوى، كما
لا يخفى على من له إلمام بالفقه والحديث.
ولا شك فى اتحاد المخرج ههنا لكونه يدور على ابن مسعود وحده، قال: وأما رابعا: فلأنهم
يشترطون التحالف، وليس فى شىء من طرق الحديث ذكر التحالف اه . .
قلت: قال صاحب التعليق الممجد: وهذه الزيادة أى ذكر التحالف وإن لم يقع فى حديث
ابن مسعود فيما أخرجه الشافعى والنسائى والدارقطنى ولم يقع فى روايتهم ذكر التراد أيضا ووقع
عند الترمذى وابن ماجة وأحمد ومالك والطبرانى وأبى داود والحاكم والبيهقى والنسائى
والدار قطنى من طريق آخر ذكر التراد دون التحالف، ولكنه ورد فى ما أخرجه عبد الله بن أحمد
فى زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده والطبرانى والدارمى من هذا الوجه
(١) وأيضا: فقد بينا أن التحالف عند هلاك المبيع لا يساعده القياس، فلا يصح القول بأن أبا حنيفة نفاه احتجاجا بالمفهوم بل العدم
الأصلى وهذا أظهر من أن يخفى على من له أدنى مسكة بالأصول.
٠
٤٣٤
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
فقال عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعا: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة
لأحدهما على الأخر تحالفا)) اهـ (ص: ٣٤٠).
وقال الشوكانى فى "النيل": ورواه عبد الله بن أحمد فى زيادات المسند من طريق القاسم
ابن عبد الرحمن عن جده بلفظ: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا»
ورواه من هذا الوجه الطبرانى والدارمى إلخ (٩٠:٥).
وأما قولك: إن الشوكانى أخذه من كلام ابن حجر فى "التلخيص" وأخطأ فى فهمه، وليس
هذا اللفظ فى زيادات المسن ولا فى الطبرانى والدارمى اهـ فيحتمل أن يكون الأمر كذالك ولكن
الجزم بذلك متعذر، لأن الرواية التى وجدناها خالية عن هذا الكلمة فى المسند ليست من زيادات
عبد الله بل هى من روايته عن أبيه، فلا يبعد وجود رواية رواها عن غير أبيه من طريق القاسم عن
جده بلفظ: تحالفا، ولو ادعى أحد تصفح المسند صفحة صفحة فلا يبعد أن تكون فى نسخة أخرى
اطلع عليها الشوكانى ولم يطلع عليها المتصفح، وأيضا: فقد اعترف الحافظ فى "التلخيص" أن
رواية التحالف إنما توجد فى كتب الفقه، وهذا الحديث لم يصلح للاحتجاج به إلا لتلقى الفقهاء
إياه بالقبول، فلا بد من قبول هذه الزيادة اللتى ذكرها من صار الحديث حجة بتلقيه له.
قال ابن عبد البر: إن هذا الحديث منقطع إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة تلقوه بالقبول
وبنوا عليه كثيرا من فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وتابعه عبد الحق، وأعله هو وابن القطان
بالجهالة فى عبد الرحمن وأبيه وجده. وقال الخطابى: هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله
وذلك يدل على أن له أصلا. وإن كان فى إسناده مقال، كما اصطلحوا على قبول: ((لا وصية
لوارث))، وإسناده فيه ما فيه، انتهى من " النيل" (٩١:٥).
وقد عرفت بما تقدم عن الموفق أنه قد ذهب إلى التحالف شريح وأبو حنيفة والشافعى
وأحمد ومالك فى رواية (المدونة)، وذكرنا فى المتن أنه قول من ينتهى إليه من فقهاء المدينة،
ولم ينكر التحالف إلا زفر وأبو ثور، ففى إجماع هؤلاء الفقهاء على ذلك دليل على أن للحديث
أصلا عندهم بلفظ: تحالفا. وأيضا فقد تبين بقول الطحاوى وابن أبى عمران أن أبا حنيفة وأبا يوسف
ومحمدا كلهم ذهبوا إلى التحالف عند قيام المبيع لمكان الحديث المروى فى ذلك، وفى الفائت
لم يوجد نص، فأجراه الشيخان على القياس، وفيه دليل على أن الحديث بلغهم بلفظ: تحالفا.
واحتجاج المجتهد الواحد بحديث تصحيح له، فكيف باحتجاج المجتهدين. وأيضا
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٣٥
٥١٥١- وقال الدار قطنى (ص٢٩٧): نا أبو القاسم بدوين الهيثم نا محمد بن
عبيد بن عبد نا أحمد بن مسيح الجمال نا عصمة بن عبد الله نا إسرائيل عن الأعمش عن
أبى وائل عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك فالقول
قول البائع، ورفع الحديث إلى النبى عّ لّه فى ذلك.
٥١٥٢- وقال الطبرانى فى "الكبير": نا محمد بن هشام المستملى نا عبد
الرحمن بن صالح نا فضيل بن عياض نا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
مرفوعًا: البيعان إذا اختلفا فى البيع ترادا. قال ابن حجر فى "التلخيص" (ص٢٤٤):
رواته ثقات، لكن اختلف فى عبد الرحمن بن صالح وما أظنه حفظه فقد جزم الشافعى
أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شىء موصول. ذكر الدارقطنى علله،
فلم يعرج على هذه الطريق اهـ.
فقد صرح ابن أبى عمران أن التحالف فى هذا الباب قد قامت به الحجة من قول رسول الله عد له:
((اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعى)) أى لكونهما جميعا مدعيين ومدعى عليهما، كما
مر، فأيش يضر اشتراطهم التحالف أنه ليس فى طرق هذا الحديث عند المحدثين. فاندحض قول
بعض الأحباب أن استدلال المتأخرين بحديث ابن مسعود على المسألة غير صحيح والحديث عليهم
لا لهم، والجواب عنه أنه إما غير ثابت كما قال الحفاظ، أو ثابت ومتروك لمعارضته الحديث
المشهور، أو مؤول بتأويل صحيح، وهو أنه محمول على المصالحة وهو الراجح عندى. ومسألة
التحالف مبنية على أصول القضاء ((كالبينة على المدعى واليمين على من أنكر)) اهـ. ولا يخفى ما
فى هذا الكلام من التناقض والتهافت فيجعل حديث ابن مسعود معارضا للحديث المشهور مرة،
ويجعل التحالف مبنيا على هذا الحديث المشهور بعينه أخرى. ومن أين له أن يرد حديث ابن
مسعود وقد صرح ابن عبد البر بكونه مشهور الأصل لتلقى بالقبول، والخطابى بكونه مما اصطلح
عليه الفقهاء، فهل تراه أراد بهم المتأخرين منهم دو المتقدمين؟ كلا بل أراد الفقهاء قاطبة، ومنهم
الحنفية متقدموهم والمتأخرون، وقد بينا أن الحديث لنا لا علينا بأبسط وجه وأكمله، فتدبر.
قوله: وقال الدارقطنى نا أبو القاسم بدر بن الهيثم إلخ قال الشوكانى: أبو وائل هو عبد الله
ابن بحير شيخ عبد الرزاق الصنعانى القاص وثقه ابن معين، قال ابن حبان: يروى العجائب التى
كأنها معمولة لا يحتج به، وليس هذا المذكور عبد الله بن بحير بن ريشان، فإنه ثقة، وعلى هذا
٤٣٦
اختلاف المتبا يعين
إعلاء السنن
٥١٥٣- أبو حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن
الأشعث بن قيس اشترى من عبد الله رقيقًا من رقيق الإمارة، فتقاضاه عبد الله فقال
الأشعث: اشتريت منك بعشرة آلاف درهم. وقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفًا. فقال
عبد الله: اجعل بينى وبين نفسك رجلا. فقال الأشعث: فإنى قد جعلتك بينى وبين
نفسك. فقال عبد الله: فإنى سأقضى بينى وبينك بقضاء سمعته من رسول الله عَ لّه،
سمعت رسول الله عّ لّ يقول: ((إذا اختلف البيعان ولم تكن لهما بينة فالقول ما قال
البائع أو يترادان)) رواه الحارثى من طريق عبد الله بن يزيد وأبى عبد الرحمن المقرئ
وخارجة بن مصعب وإسماعيل بن حماد عن أبيه والقاسم بن معن كلهم عنه.
٥١٥٤- وروى الحارثى أيضًا من طريق المقرئ عنه عن حماد عن إبراهيم أن
أشعث بن قيس اشترى من عبد الله بن مسعود رقيقًا فذكر الحديث زاد بعد قوله: بينة،
والسلعة قائمة، وقال المنذرى: قد روى هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود، وفى
بعضها: إذا اختلف البيعان والبيع قائم بنفسه، وفى لفظة: والسلعة قائمة، ولا تصح، وإنما
جاءت من رواية ابن أبى ليلى، ولا يحتج به اهـ. قلت: هذه اللفظة قد جاءت فى رواية
الإمام من طريق المقرئ، وليس فى السند ابن أبى ليلى، ولا من يتكلم فيه.
وعلى البيهقى: أصح إسناد روى فى هذا الباب رواية أبى العميس عن عبد الرحمن
ابن قيس عن أبيه عن جده، قلت: كأنه لم يطلع على طريق الإمام عن حماد عن
إبراهيم، فإنه رواية فقيه عن فقيه، وكلهم ثقات أثبات، وعبد الرحمن بن قيس مجهول
الحال، كما فى "التقريب"، وجده محمد بن الأشعث ليس بصحابى على الصحيح،
وإنما الصحبة لأبيه اهـ من "عقود الجواهر" (٦٢،٦١:٢) ملخصا.
فلا يقبل ما تفرد به أبو وائل المذكور اهـ (٩١:٥).
قلت: وهذا عجيب من الشوكانى يقضى عليه بقلة المعرفة بطبقات الرجال، فمن أين لشيخ
عبد الرزاق أن يكون شيخ الأعمش؟ وأنى له أن يروى عن ابن مسعود؟ وإنما هو شفيق بن سلمة
الأسدى أبو وائل الكوفى روى عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود وغيرهم من الصحابة وأجلة
التابعين. هو أعلم الناس بحديث عبد الله روى عنه الأعمش ومنصور والثورى وحماد بن أبى
سليمان ومغيرة بن مقسم وغيرهم من الأجلة، فلا يعل الحديث به، نعم! عصمة بن عبد الله
ج - ١٥
اختلاف المتبا يعين
٤٣٧
قلت: وقد مر غير مرة أن ابن أبى ليلى حسن الحديث حسن له الترمذى وغيره
ولم يتفرد بها بل تابعه عليها معن عن القاسم عند أحمد أيضًا كما ذكرنا، وتابعه على
قوله: عن القاسم عن أبيه عمر بن قيس الماصر عند الدارقطنى والحسن بن عمارة عنده
أيضًا، وأبو حنيفة الإمام فى مسنده للحارثى فالحديث صحيح موصول.
٥١٥٥- وأخرج البيهقى (٣٢٣:٥) من طريق إسماعيل القاضى، ثنا ابن أبى
أويس ثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذيين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا
يقولون: إذا تبايع الرجلان بالبيع واختلفا فى الثمن احتلفا جميعًا فأيهما نكل لزمه
القضاء، فإِن حلفا جميعًا كان القول ما قال البائع، وخبر المبتاع، إن شاء أخذ بذلك
الثمن وإن شاء ترك (قال) روينا عن شريح أنه قال: فإن نكلا عن اليمين ترادا البيع اهـ
قلت: سند صحيح صالح للاحتجاج به.
والراوى عنه لم أقف لهما على ترجمة، فلا حجة فيما فيه من قوله: ((إذا اختلف البيعان والمبيع
مستهلك فالقول قول البائع)) وإنما الراجح أن القول قول المشترى إذا استهلك المبيع. ولو صح فهو
محمول على ما إذا اختلفا فى قدر المبيع دون الثمن كما مر.
قوله: وأخرج البيهقى إلخ. قال الشافعى رحمه الله فى "الأم": ولو هلكت السلعة ترادا
قيمتها إذا خلفا معا، وإذا كانت السنة تدل على أنهما يتصادقان فى أن السلعة مبيعة يختلفان فى
الثمن، فإذا حلفا ترادا، وهما يتصادقان أن أصل البيع كان حلالا، فلا يختلف المسلمون فيما
علمت أن ما كان مردودا لو وجد بعينه فى يدى من هو فى يديه ففات أن عليه قيمته إذا كان أصله
مضمونا، ولو جعلنا القول قول المشترى إذا فاتت السلعة كنا قد فارقنا السنة ومعنى السنة، وليس
لأحد فراقهما، وقد صار بعض المشرقيين إلى أن رجع إلى هذا القول فقال به وخالف صاحبه فیه.
(٢٣٨:٦)، وحاصله: إيجاب التحالف المتبايعين عند قيام المبيع، وهلاكه سواء بالسنة التى أوجبنا
به التحالف عند قيامه، وفيه دليل على ثبوت حديث التحالف عند الشافعى وبعض المشرقيين الذى
رجع إلى قوله، وخالف صاحبه فيه وهو محمد بن الحسن الإمام كما لا يخفى، ودل على ثبوت
التحالف بالسنة أيضا إجماع من ينتهى إلى قولهم من فقهاء المدينة عليه كما هو فى حديث المتن.
وناهيك به من حجة، فزفر وأبو ثور محجوجان بإجماع من تقدمهما، وأما قول الشافعى رحمه
الله: إنا لو جعلنا القول قول المشترى إذا فاتت السلعة كنا قد فارقنا السنة ومعناها. فعجيب منه
رحمه الله لأنه أول قائل بالمفهوم، وقد ثبت فى الحديث.
.
٤٣٨
إعلاء السنن
٥١٥٦- وقال الموفق فى "المغنى" (٢٦٦:٤): إن فى بعض ألفاظ حديث(١) ابن
مسعود أن النبى معَّ ◌ُّه قال: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا،
قال: وقال أحمد: ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلى يزيد بن هارون، وقد أخطأ رواة الحلف
عن المسعودى لم يقولوا هذه الكلمة ولكنها فى حديث معن اهـ.
قلت: لم يتفرد به فقد وافقه عليها أبو حنيفة وابن أبى ليلى وغيرهما كما مر، وقد
تأيد ثبوت التحالف بإجماع فقهاء المدينة عليه، وقال صاحب "التنقيح": والذى يظهر
أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل بل هو حديث حسن يحتج به لكن فى
لفظه اختلافًا (زيلعى ٢٢٢:٢).
باب تعارض الد عویین فیما هو
فى يد أحدهما وكل يدعى ملكًا مطلقًا
٥١٥٧- عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ له: ((لو يعطى الناس بدعواهم
قوله: والمبيع قائم بعينه وفى لفظ: ((والسلعة كما هى لم تستهلك)). وفى لفظ: (( والسلعة
قائمة)). ومفهومه أنهما لا يتحالفان إذا كانت السلعة هالكة، وقد ورد التصريح بذلك فى رواية
عند الدار قطنى بلفظ: فإذا استهلك فالقول قول المشترى، فكيف يكون القائل بأن القول للمشترى
إذا فاتت السلعة مفارقا السنة أو معناها، وقد ذكرنا فى المتن أن هذه الزيادة ثابتة فى طرق عديدة
یقوی بعضها بعضا، وثبتت فى رواية الإمام أبى حنيفة بسند صحيح لیس فیه من يتكلم فيه، فلا بد
من قبولها ولا مرد لها، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
باب تعارض الد عویین فیما هو
فى يد أحدهما وكل يدعى ملكا مطلقا
قول: عن ابن عباس إلخ. قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": من ادعى شيئا فى
(١) لا يقال: يعارضه قول الموفق فيما بعد: ليس فى الحديث تحالفا وليس ذلك بثابت فى شىء من الأخبار (٢٦٨:٥) لأن عدم
الثبوت لا ينفى وجوده فى بعض الطرق الغير الثابتة عنده، ولو لم يكن موجودًا فى شىء من الأخبار لم يجز له أن يقول: إن
فى بعض ألفاظ حديث ابن مسعود تحالفا، ولم يجز له أن يحتج به على مشروعية التحالف مع أنه ذكر هذا اللفظ فى مقام
الاحتجاج، کما لا يخفى على من راجع كلامه.
ج - ١٥
تعارض الدعويين فيما هو فى يد أحدهما وكل يدعى ملكا مطلقا
٤٣٩
لادعى رجال أموال قوم ودمائهم لكن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه»،
أخرجه البيهقى فى "سننه"، وقال الحافظ فى "الفتح": إسناده حسن أو صحيح، وقد
يد غيره فإن أقام البينة أو أقام كلاهما البينة قضى به للذى ليس الشىء فى يده إلا أن يكون فى بينة
من الشىء فى يده بيان زائد بانتقال الشىء إليه، أو يلوح بتكذيب بينة الآخر (وسيأتى بينه فى الباب
الآتى) وهو قول سفيان وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وأبى سليمان، وقال مالك والشافعى: يقضى
به للذى هو فى يده، وحجتهم أنه قد تكاذبت البينتان فوجب سقوطهما، وليس كما قالوا، بل بينة
من الشىء فى يده غير مسموعة، لأن الله تعالى لم يكلفه البينة إنما حكم الله تعالى على لسان
رسوله عليه الصلاة والسلام بأن ((البيننة على المدعى واليمين على المدعى عليه)). قال عليه الصلاة
والسلام: ((ليس لك))، فصح أنه لا يلتفت إلى بينة المدعى عليه وبالله التوفيق اهـ (٤٣٦:٩).
الجواب عن حجة البيهقى لمذهبه:
واحتج البيهقى للشافعى بحديثين عن جابر وكلاهما فى دعوى النتاج فى سند، الأول ابن
أبى يحيى، وهو مكشوف الحال وشيخه ابن أبى فروة ضعفه البيهقى نفسه، وفى سند الثانى زيد
ابن نعيم لا يعرف حاله، ثم على تقدير صحة الحديثين فالبينتان فيهما قامتا على أمر زائد على اليد
لا تدل الید علیه، فاستوت البینتان فى ذلك وترجحت بینة ذی الید لكون المدعی عنده، بخلاف ما
إذا قامت البينتان على الملك، لأن بينة الخارج أكثر إثباتا لأنها تظهر الملك، بخلاف بينة ذى اليد
لأن الملك كان ظاهرا له بيده (الجوهر النقي ٢٥٥:٢).
وفى "البدائع": إن البينة حجة المدعى لقوله عَّه: ((البينة على المدعى))، وذو اليد ليس
بمدع. فلا تكون البينة حجة، والدليل على أنه ليس بمدع ما ذكرنا من تحديد المدعى أنه اسم لمن
يخبر عما فى يد غيره لنفسه، والموصوف بهذه الصفة وهو الخارج لا ذو اليد، لأنه يخبر عما فى
يد نفسه لنفسه فلم يكن مدعيا، فالتحقت بينه بالعدم، فبقيت بينة الخارج بلا معارض فوجب
العمل بها، ولأن بينة الخارج أظهرت له سبق الملك فكان القضاء بها أولى، بيانه أنها أظهرت له
سبق اليد لأنهم شهدوا له بالملك المطلق، ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم به،
ولا يحصل العلم بالملك إلا بعد العلم بدليل الملك، ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد، فإذا
شهدوا للخارج، فقد أثبتوا كون المال فى يده، وكون المال فى يد ذى اليد ظاهرا ثابت للحال،
فكانت يد الخارج سابقة على يده، فكان ملكه سابقا ضرورة ، وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضى
٤٤٠
تعارض الدعويين فيما هو فى يد أحدهما وكل يدعى ملكا مطلقا
إعلاء السنن
تقدم فى أول كتاب الدعوى وتقدم أيضًا قوله عّ لّه للحضرمى وقد غلبه رجل من كندة
على أرض له: ألك بينة؟ قال: لا. قال: ((فلك يمينه، ليس لك إلا ذلك))، رواه الشيخان
وغيرهما.
ببينة، لأنه لما ثبت له الملك واليد فى هذا العين فى زمان سابق علم أنها انتقلت من يده إليه، فوجب
إعادة يده ورد المال إليه حتى يقيم صاحب اليد الحجة أنه بأى طريق انتقل إليه، كما إذا عاين
القاضى كون المال فى يد انسان يدعيه لنفسه ثم رأه فى يد غيره فإنه بأمره بالرد إليه إذا ادعاه ذلك
الرجل إلى أن يبين سببا صالحا للانتقال إليه اهـ (٢٣٢:٦).
وقال الموفق فى "المغنى": لا تقبل بينة الداخل إذا لم تفد إلا ما أفادته يده رواية واحدة،
واحتج من ذهب إلى تقديم بينة المدعى عليه (وهو الداخل ويقال للمدعى: الخارج) بأن جنبة
المدعى عليه أقوى لأن الأصل معه ويمينه تقدم على يمين المدعى، فإذا تعارضت البينتان وجب إبقاء
يده على ما فيها وتقديمه كما لو لم تكن بينة لواحد منهما، وحديث جابر يدل على هذا فإنه إنما
قدمت بينته ليده، ولنا قول النبى معَّ فيه: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) فجعل جنس
البيئة فى جنبة المدعى، فلا يبقى فى جنبة المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعى أكثر فائدة، فوجب
تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، دليل كثرة فائدة أنها تثبت شيئا لم يكن وبينة المنكر إنما
تثبت ظاهرا تدل عليه اليد، فلم تكن مفيدة، ولأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية
اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها
بينة المدعى، كما تقدم على اليد.
وقال الشافعى فى أحد قوليه: يستحلف صاحب اليد مع بينته لأن البينتين سقطتا بتعارضهما
فصارا كمن لا بينة لهما فيحلف الداخل، ولنا أن إحدى البينتين راجحة فيجب الحكم بها منفردة
كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما أرجح بوجه من الوجوه، ولا نسلم أن البينة الراجحة
تسقط، وإنما ترجح ويعمل بها وتسقط المرجوحة، فإن كانت البينة لأحدهما دون الآخر نظرت،
فإن كانت البينة للمدعى وحده حكم بها ولم يحلف بغير خلاف فى المذهب، وهو قول أهل
الفتيا من أهل الأمصار، منهم الزهرى وأبو حنيفة ومالك والشافعى وقال شريح وعن بن عبد الله
والنخعى والشعبى وابن أبى ليلى: يستحلف الرجل(١) مع بينته.
(١) أخذوا ذلك عن على كرم الله وجهه ولا حجة لهم فى فعله لأنه كان يرى استحلاف الراوى أيضا إذا روى له حديثا عن رسول
الله مِ ◌ّ، كما فى "تذكرة الحفاظ" بسند حسن (١٠:١)، ولا قائل به.