النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
تذكر إحداهما الأخرى ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ رواه البخارى (٢٠٦:٥).
أحكام كثيرة كلها زائدة على ما فى القرآن، ثم ذكر لها أمثلة تشتمل على نحو من خمسة عشر
مسائل تتضمن الزيادة على الكتاب ظاهرا، والجواب ما قدمناه أنا لا تمنع زيادة حكم مستقل بنفسه
لم يعرض النص له لا إثباتا ولا نفيا، وإنما نمنع الزيادة التى تدفع معنى اللفظ بخبر الواحد، ولا نمنع
الزيادة على النص بالإجماع أو السنة المتواترة مطلقا، وكل ما ذكره الحافظ لا يخلو من أحد هذين
الوجهين، كمسألة الوضوء بالنبيذ فإن النص إنما ورد بوجوب غسل الأعضاء بالماء، وأما أن النبيذ إذا
كان رقيقا سائلا غير مسكر ماء أم لا؟ فلم يتعرض له مع ما مر فى الخبر، والأول من رجوع أبى
حنيفة عن ذلك، وكذا الوضوء من القهقهة، ومن القىء حكم مستقل بنفسه لم يتعرض له النص
لا نفيا ولا إثباتا.
وأما إيجاب المضمضة والاستنشاق فى الغسل فلأن قوله: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾
بصيغة المبالغة يدل على وجوب غسل ما يمكن غسله من البدن من غير مشقة، فلم يكن زائدا على
النص بالسنة بل ثابتا بدلالة النص، وزيد الاستبراء فى المسبية لأن قوله: ﴿والمحصنات من النساء إلا
ما ملكت أيمانكم) إنما يفيد جواز وطى المسبية فى الجملة لا بمجرد ثبوت الملك معا بل بشرط
ارتفاع الموانع من الحيض والنفاس مثلا، فهو عام فى أفراد المسبيات لا فى أوقات جواز الوطى
وأحواله، فهذه أيضا زيادة حكم لم يتعرض له النص، وإنما لا يقطع من سرق ما يسرع إليه الفساد،
لأن النص إنما تعرض لحكم السارق، وأما إن السارق من هو؟ فلم يتعرض له، فيجوز الرجوع فيه
إلى السنة كما يجوز إلى اللغة.
وإنما جازت شهادة المرأة الواحدة فى الولادة لأن نص الاستشهاد لم يتعرض لما يطلع عليه
الرجال، وإنما تعرض لما يستوى فى الاطلاع عليه الرجال والنساء جميعا، وإنما لم يجز القود إلا
بالسيف لأن نص القصاص لم يتعرض لكيفيته أصلا، ولم تجز الجمعة إلا فى مصر جامع لكون
النص ساكتا عن المحل بالمرة، وإنما تعرض لإيجابها إذا نودى لها، وأما أنها فى أى موضع ينادى لها
وفى أى وقت؟ فمسكوت عنه، وكذا لم يتعرض النص لكيفية قطع اليدين فى السرقة، والأمر
لا يفيد الفور فلم يكن النهى عن القطع فى الغزو زيادة عليه.
وكذلك آية الميراث إنما تعرضت لأحكام ميراث المسلمين لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله فى
أولادكم﴾ الآية، ولم يتعرض لميراث الكفار ولا لميراث المسلم والكافر، فقوله معّ له: ((لا يرث
الكافر المسلم)) ليس بزيادة على النص بالمعنى الذى منعناها به، وكذا قولنا: لا يؤكل الطافى من

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٨٢
.السمك، لأن النص إنما تعرض لإباحة صيد البحر، وما مات بنفسه ليس من الصيد فى شىء، وتحريم كل
ذى ناب من السباع ومخلب من الطير والنهى عن قتل الوالد بالولد وحرمان القتيل من ميراث المقتول
ثابت بالإجماع، كما لا يخفى. قال: وأجابوا بأنها أحاديث شهيرة فوجب العمل بها لشهرتها.
(قلنا: لا نقول بذلك ولا تلتزم الشهرة فى جميعها، فالأصل الذى نحن عليه فيه الكفاية).
الجواب عن دعوى الحافظ الشهرة فى حديث القضاء باليمين والشاهد:
قال: فيقال لهم: وحديث القضاء بالشاهد واليمين جاء من طرق كثيرة كمشهورة بل ثبت
من طريق صحيحة متعددة، (قلنا: إن كان المراد بهذه الشهرة الشهرة عندهم فلا يلزمنا ذلك، وإن
كان المراد الشهرة عند الكل فلا نسلم ذلك، لأن الشهرة عند الكل ممنوعة، كيف وقد أنكرها
الزهرى وجعلها بدعة وأنكرها عطاء وقال: أول من قضى بها عبد الملك ورجع عنها الخليفة الراشد
عمر بن عبد العزيز، ومنع من القضاء بها وترك العمل بها فقهاء العراق والشام والليث بن سعد
الإمام والأندلسيون من أصحاب مالك، وأشار البخارى إلى تركها كما تقدم. وأما وروده من
طرق كثيرة فمسلم، ولكنها بمجموعها لا تفيد الشهرة، وإنما تفيد أن للحديث أصلا، وقد تقدم
أنها حكاية فعل لا تفيد العموم، والخصم لم يجرها على العموم أيضا وإنما أخذ بها فى الأموال
خاصة، ونحن أخذنا بها فى قضايا لا تختص برجل معن بل تتعلق بجماعة المسلمين، وجعلناها فى
الأموال وفيما يختص برجل معين سببا للصلح بدليل حديث زبيب، كما تقدم).
قال: فمنها: ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله مُ طبّ قضى بيمين وشاهد
(قلنا: قد تقدم عن ابن معين أنه قال: ليس بمحفوظ وأن البخارى رماه بالانقطاع، وكذا الطحاوى
وابن القطان. فقول من صححه معارض بقول من تكلم فيه) قال: ومنها: حديث أبى هريرة أن
النبى معَّ قضى باليمين مع الشاهد (قد تقدم ما فيه وأن أبا حاتم أنكر صحته، وربيعة الرأى أيضا
لم يعتمد عليه وهو الذى تفرد بروايته).
الكلام على حديث جابر فى هذا الباب:
قال: ومنها حديث جابر مثل حديث أبى هريرة أخرجه الترمذى وابن ماجة وصححه ابن
خزيمة وأبو عوانة (قلنا: قد اختلف فیه علی جعفر، فعبد الوهاب الثقفی یرویه عن جعفر بن محمد
عن أبيه عن جابر عن النبى معَّه، وعبد العزيز بن سلمة وغيره يروونه عن جعفر عن أبيه عن على

٣٨٣
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
عن النبى عَّ. ومالك وسفيان وإسماعيل بن جعفر وغيرهم يروونه عن جعفر عن أبيه عن
النبى معَّه مرسلا، فالحديث مضطرب سندا، ورجح صاحب التمهيد والترمذى الإرسال. وقال
البيهقى فى المعرفة: إن الشافعى لم يحتج بهذا الحديث فى هذه المسألة لذهاب بعض الحفاظ إلى
كونه غلطا، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٤٨:٢)، وقال أبو حاتم فى "العلل": أخطأ عبد الوهاب
فى هذا الحديث إنما هو جعفر عن أبيه أن النبى ◌ّ مرسل (٤٦٧:١).
الجواب عن قول الحافظ: إن فى الباب عن نحو من عشرين من الصحابة:
قال: وفى الباب عن نحو من عشرين(١) من الصحابة فيها الحسان والضعاف، وبدون ذلك
تثبت الشهرة اهـ. قلنا: قد بلغوا طرقه هذا العدد بجعلهم الحديث الواحد عدة أحاديث، مثلا
حديث جابر هذا قد اضطربت الرواة فيه، يرويه بعضهم عن جعفر عن أبيه عن على، وبعضهم
يقول: عن جعفر عن أبيه عن جابر، وبعضهم عن جعفر عن أبيه عن النبى عّ مرسلا فجعلوه
ثلاثة أحاديث، وفى الحقيقة هو حديث واحد قد اختلف فيه على جعفر.
وكذا حديث سعد بن عبادة قد اختلف فيه على ربيعة، فروى بعضهم عنه: أخبرنى ابن
سعد بن عبادة قال: وجدنا فى كتاب سعد أن النبى عّ لّ قضى باليمين مع الشاهد. رواه الترمذى
هکذا غیر مسمى، وفى رواية عند أحمد وغيره عن سعید بن عمرو بن شرحبیل بن سعید بن سعد
ابن عبادة قال: وجدت فى كتاب سعيد بن سعد بن عبادة أن عمارة بن حزم شهد الحديث. وفى
رواية عند البيهقى فى سننه من رواية سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعد أنه وجد فى كتاب آباءه
هذا ما وقع أو ذكر عمرو بن حزم والمغيرة بن شعبة قالا: بينا نحن عند رسول الله عَ ليه فجعل
رسول الله عَّ يمين صاحب الحق مع شاهده فاقتطع بذلك حقه (عينى ٣٨٢:٦)، فالحديث واحد
قد اختلف فيه على رواته جعله مرة من مسانيد سعد بن عبادة وأخرى من مسند عمارة بن حزم،
وتارة من مسند عمرو بن حزم والمغيرة، وأخرى من مسند سعيد بن سعد بن عبادة فإنه صحابى
(١) قال فى "التلخيص" (ص ٤١٠): ذكر ابن الجوزى فى التحقيق عدد من رواه فزاد على عشرين صحابيا، وأصح طرقه حديث
ابن عباس ثم حديث أبى هريرة وعدهم فى "النيل" (٥٤٤:٨)، فقال: ابن عباس وجابر وعمارة بن حزم وعلى بن أبى طالب
وأبو هريرة وسرق وسعد بن عبادة وزبيب وعمر بن الخطاب والمغيرة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله ـن
عمر بن الخطاب وأبو سعيد الخدرى وبلال بن الحارث وسلمة بن قيس وعامر بن ربيعة وسهل بن سعيد وتميم الدارى
وأم سلمة وأنس هؤلاء أحد وعشرون رجلا من الصحابة.

٣٨٤
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
ج - ١٥
أيضا فقالوا: هذه خمسة أحاديث وليس فى الحقيقة إلا واحد قد اضطربوا فى إسناده.
وكذا حديث زيد بن ثابت قد اختلف فيه على سهيل بن أبى صالح فرواه ربيعة عنه عن أبيه
عن أبى هريرة، ورواه زهير بن محمد عنه عن زيد بن ثابت عند ابن عدى والبيهقى، قال ابن
عدى: لم يقل: عن سهيل عن أبيه عن زيد غير زهير. وقال أبو عمر فى التمهيد: هذا خطأ،
والصواب: عن أبيه عن أبى هريرة. وقال ابن حبان: زيد بن ثابت وهم من زهير بن محمد (عینی
٣٨٢:٦)، وقدم تقدم مثله عن أبى حاتم، فالحديث واحد وهم الراوى فيه فجعله عن زيد فقالوا:
هذان حديثان. وكذلك حديث الزبيب رواه أبو داود عن أحمد بن عبدة عن عمار بن شعيب بن
عبد الله الزبيب ثنى أبى سمعت جدى الزبيب فصحفه بعض الرواة فقال: عن أحمد بن عبدة
حدثنا عباد عن شعيب بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده الزبير بن العوام أن النبى معَّ له قضى
بيمين مع الشاهد. ذكره الحافظ أبو سعيد فى "كتاب الشهود" (عينى ٣٨٣:٦)، فجعلوه حديثين:
أحدهما: عن زبيب وآخر عن الزبير بن العوام، وليس هو إلا حديثا واحدا قد صفحه بعض من
لا معرفة له بالإسناد، فجعل الزبيب (بياءين) زبير: بباء (وراء فى آخره)، وزعموا أن فى الباب عن
نحو من عشرين من الصحابة، فإن كان هذا هو طريق الشهرة وتعدد الطرق فعلى الشهرة السلام.
وأما حديث سرق فأخرجه ابن ماجة من رواية عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن رجل من
أهل مصر عن سرق أن رسول الله مَّ أجاز شهادة الرجل مع يمين الطالب وهذا فيه مجهول
(عينى ٣٨٢:٦)، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو غير ثقة تركه غير واحد وضعفوه كما مر. وأما حديث
زبيب بن ثعلبة فرواه أبو داود وقد تقدم أنه حجة لنا لا علينا، وقد صحفه(١) بعضهم فقال: زينب
بنت ثعلبة، وزادوا بها عدد الرواة. وليس ذلك من الإنصاف فى شىء. وأما حديث عبد الله بن
عمر فأخرجه ابن عدى من رواية أبى حذافة السهمى عن مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال: هذا
بهذا الإسناد باطل. قال أبو عمر: حديث أبى حذافة منكر. وأما حديث رجل له صحبة، فأخرجه
البيهقى فى سننه من حديث الشافعى: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن ربيعة بن عثمان عن معاذ بن
عبد الرحمن عن ابن عباس، وآخر له صحبة، وقد ذكرنا أن إبراهيم بن محمد مكشوف الحال
يرمى بالكذب، وربيعة منكر الحديث. قاله أبو حاتم، والبسط فى "العمدة" للعينى (٣٨٣:٦).
(١) كما فى رواية عند الطيرانى، ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد".

٣٨٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
وحديث بلال بن الحارث رواه الطبرانى بلفظ: أن النبى عّلّ قضى باليمين
والشاهد، ورجاله ثقات، وحديث أبى سعيد رواه أيضا بهذا اللفظ وفيه عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم وهو ضعيف، كما فى "مجمع الزوائد" (٢٠٢:٤)، والستة الباقون لم أقف على أحاديثهم
ومن خرجها وحديث عمر ذكره ابن حزم موقوفا عليه من قوله ولم يذكر سنده، وقد صح عنه
خلافه، كما سیأتی.
الجواب عن قول الحافظ: إن دعوى نسخه مردودة:
قال الحافظ: ودعوى نسخه مردودة لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال اهــ ورده العينى بأن
قوله عَّر: ((اليمين على المدعى عليه)) وقوله: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) يرد ما قاله،
وكذا قوله: ((شاهداك أو يمينه)) مع ظاهر القرآن لأنه أوجب عند عدم الرجلين قبول رجل وامرأتين.
وإذا وجد شاهد واحد فالرجلان معدومان ففى قبوله مع اليمين نفى ما اقتضته الآية (وهى غير
منسوخة إجماعا. فلا بد أن يكون معارضها منسوخا أو مؤولا) ويؤيد من يدعى النسخ أن الأشعث
إنما وفد سنة عشرة وقد قال له رسول الله عَ لّة: ((شاهداك أو يمينه)) وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿ممن
ترضون من الشهداء﴾ (واحتجوا به على وجوب عدالة الشاهد وأن لا يكون متهما فى شهادته
کما مر)، ولیس المدعی بشاهد واجد ممن يرضى باستحقاق ما يدعيه بقوله ويمينه اهـ.
وقال الجصاص: وأيضا فلما كان حكم القرآن فى الشاهدين والرجل والمرأتين مستعملا
ثابتا وكانت أخبار الشاهد واليمين مختلفا فيها وجب أن يكون خبر الشاهد واليمين منسوخا
بالقرآن، لأنه لو كان ثابتا لاتفق على استعمال حكمه كاتفاقهم على استعمال حكم القرآن اهـ
(٥١٨:١)، والحق أنه لا حاجة بنا إلى القول بالنسخ، بل هو خاص عندنا بقضايا تتعلق بجماعة
المسلمين دون رجل معين، والخصم لا يقول بعمومه أيضا بل يخصه بالأموال، أو نقول: إن رسول
الله عّلّ جعل اليمين مع الشاهد سببا للصلح دون القضاء بالدعوى بدليل حديث زبيب بن ثعلبة
عند أبى داود وقد مر الكلام فيه مستوفی.
الجواب عن قول الإمام الشافعى رحمه الله: إن القضاء بشاهد
و يمين لا يخالف نص القرآن:
قال الحافظ: وقال الشافعى: القضاء بشاهد، ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لأنه لم يمنع

٣٨٦
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
ج - ١٥
أن يجوز أقل مما نص عليه (قلنا: وكيف يقول الشافعى رحمه الله ذلك وقد أجمعنا على أن قوله
تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾، وقوله: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء فاجلدوهم) الآية، يمنع أن يجوز فى الشهادة على الزنا أقل مما نص عليه. وكذا قوله:
﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ و کذا قوله: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ يمنع أن یجوز فی
حد القاذف والزانى أقل مما نص عليه، فكيف لا يدل قوله: ﴿واستشهدوا شهیدین من رجالكم﴾،
وقوله: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ على المنع من أن يجوز فى الشهادة أقل مما نص عليه لا سيما
وقد نص على العدد أيضا فيما إذا لم يكونا رجلين مع أن الحال تقتضى التوسع وجواز التقليل فقال:
﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ ولم يقل: فرجل ويمين، ولم يكتف بذلك بل نص على علة
التعدد فى قوله: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، فالحق ما قاله الجصاص وغيره أن
المفهوم منه الذى لا يرتاب به أحد من سامعى الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين،
أو رجل وامرأتين، كما مر.
الجواب عن قول الحافظ: إن الحنفية لا يقولون بالمفهوم فضلا عن مفهوم العدد:
قال: يعنى والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلا عن مفهوم العدد، والله أعلم (٢٠٨:٥).
قلت: لو عكس الإضراب لكان أولى فإن عدم قولنا بالمفهوم أى مفهوم الصفة والشرط
مسلم، وأما عدم قولنا بمفهوم العدد ففيه خلاف. قال فى "شرح مسلم الثبوت": واختلف الحنفية
فيه أى فى مفهوم العدد فمنهم منكر له- كالإمام فخر الإسلام وشمس الأئمة- ومنهم قائل
كالطحاوى(١) وأبى بكر الرازى. قال الشيخ أبو بكر: قد كنت أسمع كثيرا من شيوخنا يقولون فى
المخصوص بالعدد أنه يدل على أن ما عداه حكمه بخلافه، ويؤيده ما فى الهداية ردا على الشافعى:
القياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد اهـ. وأيضا فإن النزاع فى مفهوم العدد إنما هو فى
نفى الحكم الثابت بعدد معين عما زاد عليه كما فيه أيضا (ص ٣٠٦) لا فى خطر التقليل منه فيجوز
عند البعض الزيادة على الخمس الفواسق المذكورة فى الحديث، ولا يجوز التقليل منها اتفاقا، فلو
قال أحد بحرمة قتل واحد من الخمس لكان قولا باطلا، فافهم، على أن خطر أقل من شاهدين،
أو رجل وامرأتين ليس ثابتا بمفهوم العدد فقط بل بعبارة النص وفحواه ودلالته، كما مر.
(١) قلت: والطحاوى أعرف الناس بمذاهب العلماء لا سيما بمذهب الحنفية، فافهم.

٣٨٧
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
الجواب عن قول الإمام الشافعى فى "الأم":
وقال الإمام الشافعى فى الأم وغيره ما ملخصه: أنه لو كان القضاء بشاهد ويمين مخالفا
للكتاب لأنه شرط فى الاستشهاد أن يكون رجلين أو رجلًا وامرأتين يكون إجازة شهادة أهل الذمة
بعضهم على بعض مخالفا له أيضا، لأنه شرط أن يكونا من رجال المؤمنين، وكذا يكون إجازة
شهادة المرأة الواحدة فى الولادة وغيره (من عيوب النساء) مخالفا له أيضا، وكذا يكون القضاء
بالدية للمدعى فى القسامة بالأيمان أيضا مخالفا اهـ.
والجواب أن الآية لم تتعرض للعقود الواقعة بين الكفار فيما بينهم أو بين المسلمين والكفار
لقوله فى الابتداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) الآية، فكيف يكون شهادة الكفار فيما
سكتت عنه ولم تتعرض له مخالفا لما نطقت به، وكذا لم تتعرض لأمور لا يمكن فيه الاستشهاد
لدلالة قوله: ﴿فاستشهدوا﴾ على أنه حكم ما يمكن فيه الاستشهاد من المعاملات والقسامة خارجة
عنه كما لا يخفى، لأنها لا تكون إلا فى قتيل وجد فى محلة أو قربة ولم يدر قاتله، وكذا قوله:
﴿فاستشهدوا شهیدین من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ صریح فی أنه حكم ما
يكون الرجال والنساء فى الاطلاع عليه سواء، فلم يتعرض لما لا يمكن فيه استشهاد الرجال،
ولا يطلع عليه غير النساء بل النص ساكت عنه، فليس قولنا بالقضاء بيمين المدعى فى القسامة
وبشهادة القابلة فى الولاد مخالفا للكتاب، بل هو زيادة حكم مستقل بنفسه لم يتعرض له النص
لا إثباتا ولا نفيا، بخلاف القضاء بيمين وشاهد فإنكم تجوزونه فى عين تلك المعاملات التى شرط
الله فيها استشهاد رجلين، أو رجل وامرأتين، فيكون مخالفا للكتاب لا محالة، ولما ثبت التعارض
فالسبيل الترجيح. وترجيح الكتاب والسنة المشهورة المتفق عليها ظاهر، فيرجحان عليه، ويؤول
حديث القضاء باليمين، والشاهد على ما ذكرناه سابقا.
الرد على الموفق وابن القيم فى قولهما: إن الآية واردة فى التحمل دون الأداء:
وقال الموفق فى "المغنى" (١٢:١١) وتبعه ابن القيم فى "الأعلام" (٣٢:١): إن الآية واردة
فى التحمل دون الأداء، ولهذا قال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، والنزاع فى
الأداء اهـ. والجواب أنا أجمعنا نحن أنتم على أن حال الأداء أقوى من حال التحمل بدليل كون
الكافر والعبد والصبى أهلا للتحمل دون الأداء كما مر فى باب الشهادات، فإذا كان العدد شرطا
عند التحمل، وهو أدنى فلأن يكون شرطا عند الأداء، وهو أقوى أولى، وهذا من باب دلالة النص

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٨٨
لا من باب القياس، كما عرف فى الأصول، وأيضا فيلزمكم أن لا تتفقوا باليمين والشاهد إلا لمن
كان استشهد عند التحمل شهيدين أو رجلا وامرأتين وأنتم لا تلتزمونه، فلم تكن الآية واردة
عندكم فى شىء لا فى التحمل ولا فى الأداء وفيه إبطال حكم النص رأسا، ولا يخفى وهنه
وبطلانه، فالقضاء بما قضى الله به ورسوله أولى من قضاء من أبطل قضاءهما.
وأيضا فلا يخفى أن الغرض من الإشهاد على العقد إنما هو إثباته عند التجاحد فقد تضمن
لا محالة استشهاد الشاهدين أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم وإلزامه الحكم به، وإذا كان
كذلك، فظاهر اللفظ يقتضى الإيجاب لأنه أمر فقد ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور لقيام
الإجماع على كون الأمر للوجوب ههنا. وأيضا فلو كانت الآية واردة فى التحمل دون الأداء لزم
رد شهادة مسلم أو حر أو بالغ أو عدل كان كافرا عند التحمل، أو عبدا، أو صبيا، أو غير عدل،
ثم أسلم، أو عتق، أو بلغ، أو صار عدلا وقت الأداء لكون الإسلام والحرية والبلوغ والعدالة شرطا
فى الاستشهاد لقوله: ﴿فاستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (أى الأحرار البالغين المسلمين بدليل
الخطاب كما مر فى باب الشهادات) ولقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقد حملتموه على
التحمل فلا بد من اشتراط كل ذلك عنده، وهو خلاف الإجماع، لأن شهادة هؤلاء المذكورين
مقبولة إجماعا كما تقدم، فبطل حملكم الآية على التحمل فقط.
وأيضا: قد انتظمت الآية شيئين من أمر الشهود: أحدهما العدد والآخر الصفة، وهى أن
يكونوا أحرارا مرضيين لقوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ وقوله: ﴿من ترضون من الشهداء﴾
وبالإجماع لا يجوز إسقاط الصفة المشروطة لهم والاقتصار على ما دونها عند الأداء، فلا يجوز
إسقاط العدد أيضا إذا كانت الآية مقتضية لاستيفاء الأمرين فى تنفيذ الحكم بها وهو العدد
والعدالة، فغير جائز إسقاط واحد منهما عند الأداء، والعدد أولى بالاعتبار من العدالة والرضا لأن
العدد معلوم من جهة اليقين، والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر لا من طريق الحقيقة، فلما لم يجز
إسقاط العدالة المشروطة من طريق الظاهر لم يجز إسقاط العدد المعلوم من جهة الحقيقة واليقين، قاله
الجصاص (١ : ٥١٤).
وأيضا فقوله: ﴿ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا﴾ يدل على كون
الآية واردة فى الشهادة-أى أداءها- دون الاستشهاد والتحمل فقط، لأن الشهادة غير التحمل،
ولأن نفى أسباب التهمة والريب ونحوه إنما يحتاج إليه عند الأداء والتجاحد، كما لا يخفى.

٣٨٩
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
وأيضا: فلما أراد الله الاحتياط فى إجازة شهادة النساء، أوجب شهادة المرأتين ثم قال: ﴿ذلكم
أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا﴾ فنفى ذلك أسباب التهمة والريب والنسيان،
وفى مضمون ذلك ما ينفى قبول يمين الطالب والحكم به بيمينه لما فيه من الحكم بغير ما أمر به من
الاحتياط والاستظهار ونفى الريب والشك. وفى قبول يمينه أعظم الريب والشك وأكبر التهمة
وذلك خلاف مقتضى الآية، فافهم (الأحكام للجصاص).
الرد على ابن حزم فى قوله: إن الحنفية
يحتجون بالمرسل والضعيف، فكيف لم يحتجوا به ههنا؟
واندحض بذلك كله ما قاله ابن حزم فى "المحلى": والعجب من أصحاب أبى حنيفة يقولون
دهرهم كله: المسند(١) والمرسل سواء فى كل بلية يقولون بها، ثم يردون حديث جابر بأن هذا
أرسله غير الثقفى وأنه روى مرسلا من طريق سعيد بن المسيب وغيره فأعجبوا لعدم الحياء ورقة
الدين إلخ (٤٠٥:٩).
قلنا: لا يعدم الحياء إلا من حرم الفقة وليس رقيق الدين إلا من فاته الدراية، فإن الحنفية إنما
يقبلون المرسل، وكل حديث ضعيف إذا كان فيه حكم مستقل بنفسه لم يتعرض له النص لأن
الحديث الضعيف مقدم عندهم على آراء الرجال، وأما إذا كان فيه زيادة على النص تدفع لفظه
ومغناه، فلا يقبلون فيه خبر الآحاد مطلقا، ولو كان مسندا بأصح الأسانيد، لأن خبر الواحد
لا يصلح معارضا للقطعى وقد أمرنا الله ورسوله بمراعاة الحدود وأن ننزل الأشياء منازلها، والذى
ذكرنا من علة الإرسال والانقطاع، وضعيف الرواة فى أحاديث الباب كله لإلزام الخصم، وإلا
فقد بينا أنها لو صحت وسلمت من العلل كلها لم تصلح للزيادة على النص لكونها آحادا، وإنما
العجب ممن يرد المراسيل، والأحاديث الضعاف برأيه مطلقا سواء عارضت الكتاب، والسنة
المشورة، أو لم تعارض، فانظر من هو عديم الجياء ورقيق الدين؟
قال: وعجب آخر وهو أنهم يقضون بالنكول فى الدماء (كلا! فإنهم لا يقضون بالنكول
فى الحدود والقصاص) والأموال فيعطون المدعى بلا شاهد ولا يمين لكن بدعواه المجردة (كلا! بل
بنكول المدعى عليه عن اليمين) وإن كان يهوديا أو نصرانيا برأيهم الفاسد (كلا! بل بالنصوص،
(١) لم نقل بذلك قط، بل المسند أولى عندنا من المرسل وكان المرسل حجة أيضا إذا لم يعارض أقوى منه، كما مر فى المقدمة.

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٩٠
٥١١٧- أنبأنا ابن عيينة أخبرنى عمرو بن دينار عن أبى جعفر أن العباس بن عبد
المطلب قال لعمر بن الخطاب: إن رسول الله عَّ لله أقطع لى البحرين. فقال له عمر:
شهودك من؟ قال: المغيرة بن شعبة، قال: ومن معه؟ قال: ليس معه أحد. قال عمر:
كما سيأتى) ويردون الحكم باليمين والشاهد اهـ. قلنا: إنما نقضى بالنكول لكونه إقرارا من المدعى
عليه بحق المدعى والمرأ يؤخذ بإقراره إجماعا، ولو كان خصمه يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا،
أو وثنيا، وليس الحكم بالنكول مخالفا للنص لكونه ساكتا عما إذا لم يحلف المدعى عليه، وقد ورد
فى الأخبار ما يدل على القضاء بالنكول فقضينا به، وذلك عين الاتباع للنص والأثر، ولكن أهل
الظاهر لا يفقهون.
وأيضا: فمن أخبرك أن الحنفية تركوا حديث القضاء بالشاهد واليمين؟ فقد مر أنا عملنا به
فى بعض القضايا وجعلنا الشاهد واليمين سببا للصلح فى بعضها كما فعله النبى عّ لّه، ولا دليل فى
لفظ الحديث على العموم وكل ما رميت الحنفية به من العظائم فى زعمك فقد ارتكبت ما هو أشد
منها فى عملك بحديث الشاهد واليمين، فإنك لا تعمل به فى الحدود والقصاص ولا معنى له، لأن
تخصيص للخبر بلا دليل مع أنك قائل بعمومه، وأيضا فقد ألغيت قول الله تعالى: ﴿واستشهدوا
شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ لأن أحدا لا يعجز عن أن يحلف مع
الشاهد الواحد، فأى حاجة إلى شاهد آخر؟ فكان ذكره لغوا عندك.
وأيضا: فقد رجحت اليمين على الشاهد، لأن المرأة إذا ادعت تقضى لها بيمينها مع الشاهد
مع أنها لو كانت شاهدة لم تقض بشهادتها مع الواحد. وأيضا يلزمك جواز شهادة الكافر على
المسلم إذا كان المدعى كافرا والمدعى عليه مسلما وقضيت عليه بشاهد واحد ويمين المدعى، وهذا
لو كان شاهدا وحلف على شهادته خمسين يمينا لم تقبل شهادته ولا يمينه على المسلم. وإذا ادعى
لنفسه وحلف استحق ما ادعى بقوله ويمينه مع أنه غير مرضى ولا مأمون لا فى شهادته ولا فى
أيمانه، وكذلك شهادة الفاسق مردودة بالنص، ولو کان مدعيا معه شاهد واحد استحق ما ادعاه
بيمينه مع أن لا عبرة بشهادته ولا يمينه، وفى كل ذلك دليل على بطلان قولك وتناقض مذهبك،
فافهم، ولا تجعل بالإنكار على الأئمة الهدى، فتندم.
قوله: أنبأنا ابن عيينة إلخ. دلالة قوله: فأبى عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد على أنه
لا يقضى بالشاهد مع يمين المدعى فى الأموال ظاهرة، وتبين بذلك ضعف ما ورد فى بعض
الروايات أن عمر قضى باليمين مع الشاهد الواحد، كما فى "المحلى" بلا سند (٤٠٣:٩).

٣٩١
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
فلا إذن، فأبى عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد، فقال له العباس شيئًا، فقال عمر لابن
عباس: يا عبد الله! خذ بيد أبيك فأقمه، رواه عبد الرزاق فى "المصنف" (كنز العمال)،
وسنده صحيح مع إرساله (٣٠٨:٢).
وأما ما رواه الدار قطنى من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن على رضى الله عنه أن رسول
الله عَّهِ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدعى. قال جعفر:
والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم (٢: ٥١٦). ومن طريق أبى بكر بن أبى سبرة عن أبى الزناد عن
عبد الله بن عامر قال: حضرت أبا بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم يقضون باليمين مع الشاهد
اهـ. ففى الأول طلحة بن زيد قد تركه الأئمة ورموه بالوضع، كما فى "التهذيب" (١٦:٤)، وفى
الثانى أبو بكر بن أبى سبرة رماه أحمد وابن عدى بالوضع وضعفه آخرون، وقد ذكرنا أن حديث
جعفر بن محمد عن النبى معَّ ◌ُلِّ فى هذا الباب مضطرب جدا، فلا حجة فيه، كيف وفى سنده
متهم بالوضع والكذب.
قال البيهقى: ورواه أبو بكر بن أبى سبرة عن أبى الزناد عن عبد الله بن عامر حضرت أبا
بكر وعمر وعثمان يقضون باليمين مع الشاهد ثم قال: والرواية فيه عنهم ضعيفة وهى عن على
وأبى مشهورة اهـ. ورده صاحب "الجوهر النقى" وقال: من نظر فى الرواية عنهما عرف أنها
عنهما أيضا ضعيفة. ثم قال البيهقى: وفيما روى سليما عن ربيعة أن عمر بن الخطاب كتب بذلك
إلى شريح وهو وإن كان منقطعا (قلت: بل معضلا) ففيه تاكيد لرواية ابن أبى سبرة.
قلت: ابن أبى سبرة ضعفه البيهقى رماه أحمد بالوضع، وذكره الذهبى فى كتاب الضعفاء
ومثل هذا كيف يتقوى بهذا المنقطع. وأيضا فرواية ابن أبى سبرة فيها ذكر الثلاثة وهذا الأثر
المنقطع مقصور على عمر وحده اهـ (٢٤٩:٢).
قلت: وقول ربيعة هذا يعارضه قول الزهرى: إنه بدعة أول من قضى به معاوية، وقول
عطاء: كان الأمر على غير ذلك حتى كان عبد الملك، وقول عمر بن عبد العزيز: أنا وجدنا الناس
على غير ذلك ومنع من القضاء بالشاهد واليمين، وقول جعفر بن محمد فى حديث المتن: فأبى
عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد وهو مرسل صحيح الإسناد. فهؤلاء فى عددهم أولى بمعرفة
قضايا الخلفاء من ربيعة وحده، وبعد التسليم فإنها حكاية فعل لا عموم لها، وقد قلنا بجواز القضاء
بالشاهد واليمين فى بعض القضايا وبجعلها سببا للصلح فى بعضها، كما تقدم، وهذا هو الجواب
عما رواه النسائى من حديث أبى الزناد عن ابن أبى صفية الكوفى أنه حضر شريحا فى مسجد

ج .- ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٩٢
٥١١٨- وقال ابن حزم: وروينا إنكار الحكم به عن الزهرى وقال: هو بدعة مما
أحدثه الناس وأول من قضى به معاوية.
الكوفة قضى باليمين مع الشاهد اهـ عينى (٣٨٣:٦).
وأما ما روى عن عمر بن عبد العزيز أنه قضى باليمين مع الشاهد وأنه كتب إلى عامله
بالمدينة أن يقضى به فقد صح عنه رجوعه عن ذلك ومنعه من القضاء إلا بشاهدين أو رجل وامرأتين
كما مر، وأما قول الموفق: وليس هو أى قوله مرّ له: ﴿البينة على المدعى واليمين على من أنكر﴾
للحصر اهـ (١١:١٢)، فقد رده هو نفسه فی (باب رد الیمین) (١٢٤:١٢)، وسلم کونه للحصر،
ورد به على الشافعى قوله برد اليمين على المدعى إذا نكل المدعى عليه، وهل هذا إلا تهافت من
القول وتناقض فيه، وأما قوله: بدليل أن اليمين تشرع فى حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها
وفى حق الأمناء لظهور جنايتهم وفى حق الملاعن وفى القسامة وتشرع فى حق البائع والمشترى إذا
اختلفا فى الثمن والسلعة قائمة اهـ فمبناه الغفلة عن معنى المدعى والمدعى عليه.
قال فى "الهداية": المدعى من لا يجبر على الخصومة إذا تركها، والمدعى عليه من يجبر على
الخصومة. ومعرفة الفرق بينهما من أهم ما يبتنى عليه مسائل الدعوى. قال محمد رحمه الله فى
الأصل: المدعى عليه هو المنكر. وهذا صحيح لكن الشان فى معرفته والترجيح بالفقه عند الحذاق
من أصحابنا رحمهم الله، لأن الاعتبار للمعانى دون الصور، فإن المودع إذا قال: رددت الوديعة
فالقول له مع اليمين، وإن كان مدعيا للرد صورة لأنه ينكر الضمان اهـ.
وأما اللعان والقسامة فكلاهما وردا على خلاف القياس، ألا ترى ما فى اللعان من تكرار
الأيمان أربع مرات والخامسة باللعنة والغضب وما فى القسامة من عدد الخمسين، وأن الأيمان فى
اللعان قامت مقام حد الفرية فى حق الزوج ومقام حد الزنا فى حق المرأة، فوجب أن يقتصر على
مورد الحديث، ولا يقاس عليه، وإن أبيتم إلا القياس فابدأوا فى سائر القضايا بيمين المدعى ثم
ردوها على المدعى عليه، فإذا نكل ردوها على المدعى كما هو الحكم فى اللعان حيث يبدأ بيمين
الزوج اتفاقا ثم بيمين المرأة وفى القسامة عندكم وعند الشافعية حيث قلتم بالبداءة بأيمان المدعین،
فإن لم يحلفوا رددتم اليمين على المدعى عليهم، فإن نكلوا حلفتم المدعين وإلا فقد أبطلتم القياس.
قال ابن حزم: وإنما فى هذا الحديث تحليف المدعين أولا خمسين يمينا بخلاف جميع
الدعاوى ثم رد اليمين على المدعى عليهم بخلاف قولهم، فمن أين رأوا أن يقيسوا علیه ضده من
تحليف المدعى عليه أولا، فإن نكل حلف المدعى ولم يقيسوا عليه فى تبدية المدعى فى سائر

٣٩٣
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
٥١١٩- وقال عطاء: أول من قضى به عبد الملك بن مروان وأشار إلى إنكاره
الحكم بن عتيبة.
الدعاوى وأن يجعلوا الأيمان فى كل دعوى خمسين يمينا، فهل فى التخليط وخلاف السنن وعكس
القياس وضعف النظر أكثر من هذا؟ (٣٧٩:٩).
وأما مشروعية اليمين فى حق البائع والمشترى إذا اختلفا فى الثمن والسلعة قائمة فلكون كل
واحد منهما مدعيا ومدعى عليه كما سيأتى، وبالجملة فقول أبى حنيفة وأصحابه أقوى ما يكون
رواية ودراية فى هذا الباب، وعمدتهم فى ذلك نص الكتاب والسنة المشهورة المتلقى بالقبول عند
أولى الألباب، وحديث القضاء بالشهادة واليمين مع ما فيه من كلام المتقدمين والمتأخرين من أئمة
الفقهاء وأجلة المحدثين ليس بمشهور ولا متلقى بالقبول، فلا يصلح معارضا لما هو أقوى منه كما
تقرر فى الأصول، وظنى أن تائيد الإمام بهذا النمط بأبسط وجه فى هذا الباب مما قد تفردت به من
بين الأصحاب، فاغتنم هذا التحقيق الأنيق، فعسى أن لا تجد مثله فى غير هذا الكتاب، والحمد لله
العلى الوهاب الملهم الموفق للحق والصواب، وصلى الله على سيدنا النبى محمد أفضل من أوتى
الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله خير آل وأصحابه خير أصحاب.
تتمة: روى الدار قطنى من طريق محمد بن الحسن نا حجاج عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَ ليه: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه))
(وسنده حسن)(١).
وروى من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن (الجزرى وهو ضعيف وتابعه عبد الله بن عبد
الرحمن القرشى وإسحاق بن خالد بن يزيد عند ابن خسرو فى "مسنده" قالا، نا أبو حنيفة عن
حماد عن إبراهيم عن شريح عن عمر عن النبى معَّ قال: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى
عليه)) زاد ابن خسرو: إذا أنكر (٥١٧:٢) (دارقطنى ٢: ٢٧١ جامع المسانيد).
وأخرج الدار قطنى من طريق طلحة بن مصرف عن مجاهد عن ابن عمر أن النبى عّ لّه قال:
(المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة)). والحديث أخرجه ابن حبان فى صحيحه أيضا من
طريق مجاهد عن ابن عمر (التعليق المغنى ٥١٧:٢).
ولا شك أن الشاهد الواحد لا يسمى بينة، كما مر بما أغنانا عن الإعادة، فعلى مقتضى
(١) وراه أبو حنيفة أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هكذا، كما فى "جامع المسانيد" (٢٧٠:٢).

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٩٤
٥١٢٠- وروى عن عمر بن عبد العزيز الرجوع إلى ترك القضاء به لأنه وجد
أهل الشام على خلافه، ومنع منه ابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه اهـ من "المحلى" ولم
يعل شيئا من تلك الآثار بشىء، ففيه تصحيح لبعض ما ذكرنا من الآثار عن الجصاص
تعليقًا، فإن جزم ابن حزم بشىء حجة عند المحدثين، كما مر ذكره فى "المقدمة".
الحديث يكون المدعى عليه أولى باليمين دون المدعى ولو شهد له شاهد، لأن مفاده أنه إذا لم يكن
بينة فالمدعى عليه أحق باليمين. وأخرج من طريق مروان بن معاوية عن حجاج بن الصواف ثنى
حميد بن هلال عن زيد بن ثابت قال: قضى رسول الله عّ لّه أن من طلب عند أخيه طلبة من غير
شهداء(١) فالمطلوب أولى باليمين وسنده صحيح.
قلت: فلا يكون المدعى أولى باليمين مع الشاهد الواحد لكونه طالبا من غير شهداء. وأخرج
أيضا من طريق ابن وهب أخبرنى يزيد بن عياض (ضعيف بالمرة ومع ذلك روى عنه الأجلة الثقات
كأنس بن عياض وابن وهب ويزيد بن هارون وابن أبى فديك وغيرهم. وليس أدنى حالا من
محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى بل هو أرفع منه) عبد الملك بن عمر (وفى نسخة ابن
عبيد وهو من رجال النسائى) عن خرنيق بنت الحصين (صحابية ذكرها الحافظ فى "الإصابة".
وهى أخت عمران بن الحصين أسلمت وبابعت) عن عمران بن الحصين قال: أمر رسول الله عَ ليه
بشاهدين على المدعى واليمين على المدعى عليه اهـ (٥١٨:٢).
وفيه رد على من فسر البينة فى حديث: البينة على المدعى بما يبين الحق أعم من أن يكون
شاهدا واحدا مع اليمين، والحديث ذكرناه اعتضادا لا احتجاجا به، ولا شك أنه صالح
للاعتضاد، زاد به عدد رواة الحديث، وفيه رد للقضاء بشاهد واحد مع يمين المدعى لما فيه من
التصريح بأنه مَّ أمر المدعى بشاهدين، ويؤيده حديث زيد بن ثابت المتقدم. وبالجملة
فحديث: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) حديث مشهور متلقى بالقبول، وقاعدة
كبيرة من قواعد الشرع، وهو ينفى القضاء بيمين وشاهد ورد اليمين على المدعى بعد نكول
المدعى عليه، والذى روى فى القضاء باليمين والشاهد، أو فى رد اليمين ليس متلقى بالقبول،
ولا مشهورا، فلا يصلح معارضا للسنة المشهورة والكتاب. فهو إما مؤول، أو متروك بالمعارضة،
وقد تقدم تأويله، فتذكر.
(١) أقل الجمع اثنان اتفاقًا.

ج - ١٥
٣٩٥
باب القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٥١٢١- حدثنا محمد بن يحيى ثنا عمرو بن أبى سلمة أبو حفص التنيسى عن
زهير عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى عَّم قال: ((إذا
ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف(١) زوجها، فإن
حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه. رواه ابن
ماجه فى "سننه" (ص١٤٨) والدار قطنى (٤٥٢:٢) بهذا السند هكذا بلفظه، وسنده
إلى عمرو بن شعيب صحيح على شرط البخارى، فإن محمد بن يحيى هو الذهلى
الإمام الحافظ الحجة أخرج له الجماعة إلا مسلم، وعمرو بن أبى سلمة من رجال الجماعة
صدوق، وثقه ابن سعد ويونس وغيرهما، وزهير هو ابن محمد التميمى من رجال
الجماعة ثقة، وابن جريج من رجال الجماعة لا يسأل عنه.
باب القضاء بالنكول وأنه کالإقرار
قوله: حدثنا محمد بن يحيى إلخ. قال العبد الضعيف: ولا يخفى على الحاذق الفطن أن
أحاديث الباب كما توجب القضاء بالنكول كذلك ترد القضاء باليمين والشاهد ورد اليمين على
المدعى أيضا، وقوله معَ ◌ّه: ((إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف
زوجها)) صريح فى أن الشاهد الواحد لا يوجب استحقاق المدعى شيئا بيمينه، ولو كان كذلك
لقال: استحلف المدعية ولم يستحلف الزوج. وأصرح منه قوله: فإن حلف بطلت شهادة الشاهد،
ففيه دلالة على أن الشاهد الواحد لا يفيد المدعى شيئا مع حلف المدعى عليه.
وقوله: وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه، صريح فى القضاء بالنكول، وأنه
كشهادة المدعى عليه للمدعى بحقه، وليس معناه أنه لا يقضى بنكوله إذا لم يكن للمدعى شاهد،
لأنه مَّه حيث جعل نكول المدعى عليه بمنزلة شهادته للخصم، وشهادة الخصم لخصمه إقرار منه
بحقه، والمرأ يؤخذ بإقراره إجماعا فلا بد من القضاء بانكول مطلقا، سواء كان للمدعى شاهد
(١) واذكر ما كتبنا فى حاشية الباب السابق أن الاستحلاف يجرى فى الطلاق عندنا بلا خلاف، سواء ادعت الطلاق قبل الدخول
أو بعده صرح به فى "البحر" (٢٠٩:٧)، وقد أغرب صاحب إنجاح الحاجة حيث قال: الحديث مخالف لمذهب الحنفية فإن
عندهم نصاب الشهادة فى الحقوق من المال والنكاح والطلاق رجلان أو رجل وامرأتان، انتهى. فحمل الحديث على القضاء
بشاهد واحد وليس كذلك، بل فيه القضاء بنكول المدعى عليه عن اليمين وهو عين مذهب الحنفية، فافهم.

٣٩٦
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
- إعلاء السنن
صحیفة عمرو بن شعيب
وقال ابن القيم فى "الإعلام": قد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يعرف فى أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها
واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى، كأبى حاتم وابن حزم
وغيرهما اهـ. فالحديث حسن صحيح صالح للاحتجاج به.
٥١٢٢- حدثنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن سالم بن عبد
الله بن عمر بن الخطاب أن أباه باع عبدًا له بثمانمائة درهم بالبراء، ثم إن صاحب العبد
خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله لقد بعته وما به من
داء. فأبى ابن عمر من أن يحلف، فرد عليه عثمان العبد، رواه أبو عبيد (المحلى)، وسنده
صحيح رجاله رجال الجماعة.
أولا. قال الموفق فى "المغنى": إن الأئمة أجمعت على صحة الإقرار، ولأن الإقرار إخبار على وجه
ينفى عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضربها، ولهذا كان آكد من
الشهادة، فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة وإنما تسمع إذا أنكر اهـ (٢٧١:٥).
وبالجملة فجعل النبى عرّ نكول المدعى عليه بمنزلة شاهد آخر للمدعى دليل على كونه
بمنزلة الإقرار، وبالإجماع لا حاجة فى الإقرار إلى التكرار فلا مفهوم لقوله: شاهد آخر. وإنما ذكر
لفظ الآخر اتفاقا لكون القضية مفروضة فى مدع له شاهد واحد والله تعالى أعلم. واندحض بذلك
قول ابن حزم فى "المحلى" أنه لم يأت نص بكون النكول بمنزلة الإقرار لا فى كتاب ولا فى سنة
اهـ. فهذا نص من السنة صريح فى ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومن تبعهم ولكن أهل الظاهر
لا يفقهون.
قوله: حدثنا يزيد بن هارن إلخ. دلالته على القضاء بنكول المدعى عليه من اليمين ظاهرة،
فإن عثمان رضى الله عنه رد العبد على ابن عمر رضى الله عنهما حين أبى أن يحلف. وأورد عليه
ابن حزم أنه من العجب أن يكون حكم عثمان بعضه حجة وبعضه ليس بحجة؛ لأنه لم يجز البيع
بالبراءة إلا فى عيب لم يعلمه البائع وهذا خلاف قولكم اهـ ملخصا (٣٧٦:٩). قلنا: لا عجب فيه
فإنا أخذنا فيه بقول ابن عمر لكونه أشبه بالسنة وأقرب إلى القياس، كما مرت الإشارة إلى ذلك فى
(باب البيع بالبراءة) وأخذنا فى القضاء بالنكول بقول عثمان، لكون أشبه بالسنة التى فتحنا بها
الباب ولم يعرف له مخالف فى ذلك من الصحابة.

ج - ١٥
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٣٩٧
٥١٢٣- حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس
أنه أمر ابن أبى مليكة أن يستحلف امرأة فأبت أن تحلف فألزمها ذلك. رواه ابن أبى شيبة
(زيلعى ٢١٩:٢)، والمحلى (٣٧٣:٩)، واللفظ له: وزاد أبو نعيم فيه عن إسماعيل بن
عبد الملك الأسدى عن ابن أبى مليكة: فإن لم تحلف فضمنها اهـ وإسماعيل هذا من
رجال أبى داود والترمذى وابن ماجه روى عنه الثورى والحمانى وعيسى بن يونس
ووكيع وأبو نعيم وغيرهم، تركه يحيى القطان ثم كتب عن سفيان عنه وقال ابن معين:
ليس به بأس، وهو توثيق منه، ولينه أبو حاتم، وقال البخارى: يكتب حديثه. وقال ابن
عدى: هو ممن يكتب حديثه، وضعفه آخرون (تهذيب ٣١٦:١)، فهو حسن الحديث،
وزيادة مثله مقبولة، وجهله ابن حزم، والأمان مرتفع من تجهيله كما مر فى المقدمة.
١
وأما قوله: إن مالك بن أنس روى هذا الخبر عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن سالم بن عبد
الله فقال فيه عن أبيه فأبى أن يحلف وارتجع العبد، فدل هذا على أنه اختار أن يرتجع العبد فرده إليه
عثمان برضاه، فبطل بهذا أن يصح عن عثمان القضاء بالنكول اهـ فلا راحة له فيه لأن الارتجاع
بمعنى الاسترداد وهو مطاوع للرد، يقال: رده عليه فاسترده، وارتجعه سواء كان بالرضا أو بدونه،
فلا منافاة بينه وبين ما رواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد أن عثمان رده عليه، ولا دلالة فى
لفظ الاسترداد والارتجاع على الرضا أصلا، ومن ادعى فعليه البيان، وإنكار ابن عمر من ارتجاعه
أولا حتى احتاج خصمه إلى الاستعداء عليه من عثمان دليل على عدم رضاه به، فالظاهر أنه ارتجع
العبد لحكم عثمان لا برده عليه برضاه، ولا يجوز صرف الكلام عن الظاهر بمجرد الاحتمال،
وإلا لم يصح لأحد أبدا استدلال.
قوله: حدثنا حفص بن غياث، إلخ. دلالته على القضاء بالنكول ظاهرة، وأغرب ابن حزم
حيث قال: ليس فيه أن ابن عباس ألزم الغرامة بالنكول، إذ ليس للغرامة فى الخبر ذكر أصلا اهـ
(٣٧٦:٩). قلنا: لا حاجة إلى ذكره لأنه هو المفهوم من سياق الخبر وحمله على أنه ألزمها اليمين
تأويل بعيد لا يرتضيه أحد من له إلمام باللسان ومسكة بالعلم، لا سيما وقد وقع التصريح بإلزام
الغرامة فيما رواه أبو نعيم عن إسماعيل بن عبد الملك الأسدى وقول ابن حزم: إنه مجهول لا يدرى
أحد من هو؟ رد عليه، فقد روى عنه الثورى والحمانى ووكيع وأبو نعيم وغيرهم، ولا يكون
مجهولا من روى عنه الأجلة من الثقات، وقد أخرج له أصحاب السنن ولكن ابن حزم مسرف فى
تجهيل المعروفين.

٣٩٨
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
إعلاء السنن
٥١٢٤- وأخرج الطحاوى فى "مشكله" عن عبد الله بن عون من أهل فلسطين
قال: أمرت امرأة وليدة لها أن تضطجع عند زوجها، فحسب أنها جاريته فوقع عليها
وهو لا يشعر، فقال عثمان: حلفوه أنه ما يشعر، فإن أبى أن يحلف فارجموه، وإن
قوله: وأخرج الطحاوى إلخ. قال بعض الأحباب: إن فى حديث عثمان ما هو خلاف
مذهب الحنيفة، وهو الاستحلاف فى حدود القضاء بالنكول فيها وحد الزوجة الآمرة اهـ.
قلت: ولكنه مع ذلك موافق لمذهب الحنفية فى وجوب الحد بوطئ امرأة وجدها على فراشه
خلافا للأئمة الثلاثة، قال المحقق فى "الفتح" تحت قول الهداية: ومن وجد امرأة على فراشه فرطئها
فعليه الحداهـ، خلافا للأئمة الثلاثة -مالك والشافعى وأحمد- قاسوها على المزفوفة بجامع
ظن الحل.
لنا: أن المسقط شبهة الحل ولا شبهة ههنا أصلا سوى أن وجدها على فراشه، ومجرد وجود
امرأة على فراشه لا يكون دليل الحل ليستند الظن إليه، وهذا لأنه قد ينام على الفراش غير الزوجة
من حبائبها الزائرات وقراباتها، فلم يستند إلى ما يصلح دليل حل فكان كما لو ظن المستأجر
للخدمة أو المودعة حلالا فوطئها فإنه يحد اهـ (٥: ٤٠). أى ولو ادعى عدم الشعور بأن قال: ظننتها
امرأتى، أو جاريتى، كما فى حديث الباب، فإن الرجل لم يقل: ظننت أن جارية امرأتى تحل لى،
ولا أنها أحلتها له، وإنما ادعى عدم الشعور بها، ودعوى عدم الشعور غير مسموعة، لأنه لا اشتباه
بعد طول الصحبة ولو أعمى، ولأنه يمنكه التمييز بالسؤال وغيره، فعلى مذهب الحنفية يجب الحد
ولا حاجة إلى الاستحلاف ولا إلى النكول، ولا حد عليه عند الثلاثة ولا يستحلف. وبالجملة
فحديث الباب يوافقنا فى إيجاب الحد على من وطئ امرأة وجدها على فراشه، وفى كون النكول
بمنزلة الإقرار فى الجملة يخالفنا فى الاستحلاف، وفى القضاء بالنكول فى هذا الموضع بخصوصه،
ويخالف الجمهور فى إيجاب الحد والاستحلاف والشافعية فى القضاء بالنكول مطلقا.
قال الموفق فى "المغنى": الضرب الثانى حقوق الله تعالى، وهى نوعان: أحدهما: الحدود
فلا تشرع فيها يمين ولا نعلم فى هذا خلافا، لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قبل منه وخلى من غير.
يمين، فلأن لا يستخلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره والتعريض للمقربه بالرجوع عن
إقراره وللشهود بترك الشهادة والستر عليه. قال عليه السلام لهزال فى قصة ماعز: ((يا هزال! لو
سترته بثوبك لكان خيرا لك)) فلا تشرع فيه يمين بحال اهـ (١٢٨:١٢)، فاستحلاف الواطئ فى
حديث الباب لم يقل به أحد من أئمة المذاهب، وإذا كان كذلك فلا يتم به الاستدلال على كون

ج - ١٥
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
٣٩٩
حلف فاجلدوه مائة جلدة واجلدوا امرأته مائة جلدة، وجلدوا الوليدة الحد. قال
الطحاوى: لا نعلم له مخالفًا من الصحابة ولا منكرًاً عليه، يعنى فى الحكم بالنكول وأنه
كالإقرار (زيلعى ٢١٩:٢).
النكول بمنزلة الإقرار فى غير هذا الموضع، لأنه فرع جواز القضاء بالنكول فى هذا الموضع ولا قائل
به، ولكنا ذكرناه فى المتن تبعا لبعض الأحباب، وقد تبع فى ذلك الطحاوى حيث قال: فحكم
عثمان فى هذا الحديث للنكول بحكم الإقرار ولا نعلم له مخالفا من الصحابة ولا منكرا عليه منهم
إياه وفى ذلك ما قد شد ما وصفناه اهـ (٢٣٧:١) من "المختصر من مشكل الآثار".
ولا حجة له فيه، لأنه لو صح به الإجماع على كون النكول بحكم الإقرار يصح به
الإجماع على الاستحلاف فى الحدود والقضاء بالنكول فيها أيضا، وهو خلاف ما ذهب إليه فقهاء
الأمصار، كيف والحد فى مثل ذلك مختلف فيه بين الصحابة، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج
أخبرنى عمرو بن دينار أنه سمع طاوسا يقول: قال ابن عباس: إذا أحلت امرأة الرجل أو ابنته أو
أخته له جاریتها فليصبها وهى لها فليجعل به بين ور کیها. قال ابن جريج: وأخبرنى ابن طاوس عن
أبيه أنه كان لا يرى به بأسا وقال: هو حلال فإن ولدت فولدها حر والأمة لامرأته ولا يغرم الزوج
شيئا. قال ابن حزم فى "المحلى": أما قول ابن عباس فهو عنه وعن طاوس فى غاية الصحة ولكنا لا
نقول به اهـ (٢٥٨:١١). ولا يخفى أن أمر الزوجة وليدتها بأن تضطجع عند زوجها إحلال(١) له
وطئ أمتها وهو صحيح عند ابن عباس كإعارة ما سواها من الأموال فى إباحة الانتفاع بها، فلم
يجب به الحد على الزوج ولا على الوليدة ولا على المرأة، وإذا لم يصح الإجماع على وجوب الحد
لم يصح على ما سواه مما اشتمل عليه الخبر.
فالحق أن ذلك اجتهاد من عثمان رضى الله عنه حيث رأى الحد واجبا على الواطئ
والموطوئة جميعا وقد أصاب فى ذلك لأن إعارة الفروج لا تحل عند الجمهور، وشذ ابن عباس
(١) ولو نوزع فى وجود الإحلال فلا شك أنه وطئ جارية امرأته بإذنها ولا إجماع فى وجوب الحد عليه. قال الموفق فى "المغنى"
(١٥٧:١٠): إذا وطئ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيبا، وحكى عن النخعى أنه يعزر ولا حد عليه،
لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة فى مملوكتها، وعن عمر وعلى وعطاء وقتادة والشافعى ومالك أنه كوطئ الأجنبية سواء
أجلتها له، أو لم تحلها، لأنه لا شبهة له فيها لأنه إباحة لوطئ محرمة عليه. وعن ابن مسعود والحسن: إن كان استكرهها فعليه
غرم مثلها وتعتق، وإن كانت طاوعته فعليه غرم مثلها ويملكها، لأن هذا يروى عن النبى رواه ابن عبد البر وقال: هذا حديث
صحيح اهـ.

٤٠٠
القضاء بالنكول وأنه كالإقرار
إعلاء السنن
٥١٢٥- حدثنا شريك عن مغيرة عن الحارث قال: نكل رجل عند شريح عن
بالقول بإباحتها، ورأى أن دعوى عدم الشعور بها غير مسموعة، وهو كذلك عندنا، ورأى
الاستخلاف احتيالا للدرء، فإن الحدود تندرئ بالشبهات، وهو منازع فى ذلك، لأن دعواه به عدم
الشعور بها إن كان شبهة يندرئ بها الحد، فلا معنى للاستحلاف لما فيه من معنى الإثبات وهو
ينافى الدرء والإسقاط ولا معنى للقضاء بالنكول ههنا، لأنه وإن كان بمنزلة الإقرار، فليس كصريح
الإقرار، فلا يصح الحكم به فيما يندرئ بالشبهات فافهم، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
قوله: حدثنا شريك إلخ. دلالته على القضاء بالنكول ظاهرة، وبه تبين أن ما روى عن شريح
أنه كان يرد اليمين على المدعى بعد نكول المدعى عليه أو كان يقضى بشاهد ويمين ليس على
عمومه بل حكاية قضية حال تحتمل وجوها عديدة قد تقدمت الإشارة إليها.
تقبل البينة لو أقامها المدعى بعد يمين المدعى عليه
وإذا نكل المدعى عليه عن الیمین وقضی علیه بالنكول لا تسمع يمينه بعده:
وفى الأثر دلالة على أن المدعى عليه إذا نكل، وقضى عليه بالنكول، ثم أراد أن يحلف
لا يلتفت إليه والقضاء على حاله "در" (٦٥٣:٤ مع الشامية)، وفيه أيضا: وتقبل البينة لو أقامها
المدعى بعد يمين المدعى عليه وإن قال قبل اليمين: لا بينة لى. "سراج" خلافا لما فى شرح المجمع عن
المحيط (لأن حكم اليمين انقطاع الخصومة للحال) إلى غاية إحضار البينة وهو الصحيح. قيل:
انقطاعها مطلقا. (شامى) كما تقبل البينة بعد القضاء بالنكول عند العامة وهو الصحيح لقول
شريح: اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة، ولأن اليمين كالخلف عن البينة فإذا جاء الأصل
انتهى الخلف كأنه لم يوجد أصلا (بحر) اهـ.
قال ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق وكيع نا سفيان الثورى عن هشام بن حسان عن
ابن سيرين قال: كان شريح يستحلف الرجل مع بينته ويقبل البينة بعد اليمين ويقول: البينة العادلة
أحق من اليمين الفاجرة. وقال البخارى: وقال طاوس وإبراهيم وشريح: البينة العادلة أحق من
اليمين الفاجرة. قال الحافظ: أما قول شريح فوصله البغوى فى الجعديات من طريق ابن سيرين
عنه قال: من ادعى قضائى فهو عليه حتى يأتى ببينة، الحق أحق من قضائى، الحق أحق من يمين
فاجرة. وذكر ابن حبيب فى الواضحة بإسناد له عن عمر قال: البينة العادلة خير من اليمين
الفاجرة اهـ (٢١٢:٥).