النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
حديث القضاء بالشاهد واليمين ليس متلقى بالقبول
بل أنكره جماعة من الفقهاء والمحدثين:
وبعد ذلك فنقول: إن خبر القضاء بشاهد ويمين لم يتلقه الأمة بالقبول، بل رده أجلة الفقهاء
والمحدثين فى كل طبقة، فهذا الزهرى يقول : هذا شىء قد أحدثه الناس، هى بدعة وأول(١) من
قضى معاوية، والزهرى من أعلم أهل المدينة فى وقته بالحديث وقضايا الخلفاء، فلو كان هذا الخبر
ثابتا واجب العمل عنده لم يخف مثله عليه، وهو أصل كبير من أصول الأحكام، ولم يقل: إنه
بدعة أحدثها الناس، وهذا عطاء يقول: أدركت هذا البلد - يعنى مكة- وما يقضى فيه فى الحقوق
إلا بشاهدين حتى كان عبد الملك بن مروان. وهذا عمر بن عبد العزيز ترك العمل به بعد ما
كان يقضى به، وقال: إنا وجدنا الناس على غير ذلك ونهى عامله أن يقضى إلا بشهادة رجلين أو
برجل وامرأتين.
وهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد أبى أن يأخذ باليمين مع الشاهد. ذكرنا كل ذلك
فى المتن بأسانيد صحاح. وهذا ابن شبرمة وكافة علماء العراق قد تركوا العمل به، وقد سبق أن
عمر بن عبد العزيز وجد أهل الشام على خلافه، فثبت بذلك أن أهل الشام والعراق لم يعملوا به
قط، وإنما عمل به أهل الحجاز من لدن معاوية وعبد الملك بن مروان لا قبلهما. وأعجب بسنة
أظهرها معاوية وعبد الملك فى الشام فلم يأخذ بها أهل بلدهما وكانوا أحق بأخذها من غيرهم
وأخذ بها أهل الحجاز.
(١) قال الجصاص: حدثنا عبد الرحمن بن سيما ثنا عبد الله بن أحمد ثنى أبى ثنا عبد الرزاق وروح ومحمد بن بكر أخبرنا ابن
جريج أخبرنى ابن أبي مليكة أن علقمة بن أبى وقاص أخبره أن أم سلمة زوج النبى معَّ شهدت لمحمد بن عبد الله بن زهير
وإخوته أن ربيعة بن أبى أمية أعطى أخاه زهير بن أبى نصيبه من ربعه ولم يشهد على ذلك غيرها، فأجاز معاوية شهادتها
وحدها وعلقمة حاضر. ذلك من قضاء معاوية (وهذا سند صحيح رجاله ثقات) قال الجصاص: فإن كان قضاء معاوية
بالشاهد واليمين جائزا فينبغى أن يجوز أيضا قضاءه بشهادة امرأة واحدة فى المال من غير يمين الطالب، فاقضوا بمثله وأبطلوا
حكم الكتاب والسنة اهـ (٥١٧:١).
قلت: وروى مثل ذلك عن مروان فقد أخرج البخارى من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبى مليكة أن بنى صهيب مولى بنى
جدعان ادعوا بيتين وحجرة وأن النبى معَّ أعطى ذلك صهيبا فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ قالوا: ابن عمر. فقضى
مروان بشهادته لهم (جمع الفوائد ٢٦١:١)، وكل ذلك محمول عندنا على أن الدعوى لم تكن على رجل معين بل جماعة
المسلمین، کما سیأتی بیانه.

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٦٢
علل ابن معين حديث ابن عباس الذى أخرجه مسلم وقال: ليس بمحفوظ:
وقال ابن معين فى حديث ابن عباس الذى هو أمثل ما ورد فى الباب إسنادا: أخرجه مسلم
فى "صحيحه": أنه ليس بمحفوظ. ذكره ابن عدى فى "الكامل"، وذكر الترمذى فى "العلل
الكبير": سألت محمد بن إسماعيل البخارى عنه فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندى هذا
الحديث من ابن عباس (العمدة للعينى ٣٨٠:٦).
لم يذهب البخارى إلى حديث القضاء بشاهد ويمين:
وصنيع البخارى فى صحيحه يدل على أنه لم يذهب إلى حديث القضاء بشاهد ويمين لأنه .
ذكر فى باب اليمين على المدعى عليه قوله عَّه: ((شاهداك أو يمينه)) وقصة رد ابن شبرمة على أبى
الزناد قوله بشهادة الشاهد ويمين المدعى بنص الكتاب، ثم أسند عن ابن عباس أن النبى عّ لّ قضى
باليمين على المدعى عليه، يشير بكل ذلك إلى الرد على المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر
القائلين بالحكم بشاهد واحد ويمين المدعى. والعجب من الحافظ أنه كيف سكت فى الفتح عن
ذكر إشارته هذه وصنيعه كالصريح فى ذلك.
علل أبو حاتم حديث أبى هريرة فى القضاء بشاهد ويمين:
وقال ابن أبى حاتم فى "علله" فى حديث أبى هريرة: إن النبى معَّه قضى باليمين مع الشاهد
وهو عند أصحاب السنن رجاله مدنيون ثقات. رواه الدراوردى عن ربيعة عن سهيل بن أبى صالح
عن أبيه عنه قال أبو داود: ثم سأل الدراوردى سهيلا عنه فلم يعرفه.
قلت: وهو أمثل ما روى(١) فى الباب بعد حديث ابن عباس) قيل لأبى: يصح حديث أبى
هريرة عن النبى معَّ فى اليمين مع الشاهد؟ فوقف وقفة فقال: ترى الدراوردى ما يقول؟ يعنى
قوله: قلت: سهيل فلم يعرفه، قلت: فليس نسيان سهيل دافعا لما حكى عنه ربيعة وربيعة ثقة
والرجل يحدث بالحديث وينسى، قال: أجل هكذا هو، ولكن لم نر أن يتبعه متابع على روايته، وقد
روى عن سهيل جماعة كثيرة ليس عند أحد منهم هذا الحديث، قلت: إنه يقول بخبر الواحد،
قال: أجل غير أنى لا أدرى لهذا الحديث أصلا عن أبى هريرة أعتبر به.
(١) ذكر البيهقى عن أحمد بن حنبل أنه قال: ليس فى هذا الباب حديث أصح من هذا أى من حديث أبى هريرة وقال ابن عبد البر:
أصح إسناد لهذا الحديث ابن عباس (الجوهر النقى ٢٤٨:٢)، ولكن صنيع مسلم يدل على ترجيح قول ابن عبد البر، فافهم.

٣٦٣
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
موافقة أبى حاتم للحنفية فى رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى:
وهذا أصل من الأصول لم يتابع عليه ربيعة اهـ(١) (٤٦٣:١-٤٦٤)، فهذا حال الطريقين
اللتين هما أمثل الطريق لهذا الحديث قد طعنهما جهابذة المحدثين من القدماء والمتأخرين ولم يعتبروا
بهما. فما بال غيرهما من الطرق التى لا تخلو عن ضعف وعلة قادحة عندهم كما سيأتى ذكره؟
وقد ذكرنا فى المقدمة أنه يشترط عندنا لصحة الحديث مع عدالة الراوى وضبطه كون الحديث
بحيث لا يخالف قطعى الكتاب ولا السنة المشهورة وأن لا يكون معرضا عنه فى الصدر الأول،
فالحديث المروى فى القضاء بالشاهد واليمين وإن رواه مسلم لكنه ضعيف لا يعمل به لهذا
الانقطاع فلا يقبل عند المعارضة بما هو أقوى منه، كذا فى "فواتح الرحموت" (ص ٦١٩).
الجواب عن ما توهم بعضهم أن أبا حاتم
صحح حديث أبى هريرة وزيد بن ثابت فى هذا الباب:
فإن قيل: قال ابن أبى حاتم فى "علله": سألت أبى وأبا زرعة عن حديث رواه ربيعة عن
سهيل بن أبى سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن النبى معَّ قضى بشاهد ويمين، فقالا: هو صحيح.
قلت: يعنى أنه يروى عن ربيعة هكذا، قلت: فإن بعضهم يقول: عن سهيل عن أبيه عن زيد
ابن ثابت، قالا: هو أيضا صحيح، جميعا صحيحين اهـ (ص٤٦٩).
قلت: قد مر ما يعارضه فى تصحیح حديث أبى هريرة ویعارضه فى تصحیح حديث زيد
ابن ثابت قوله: سألت أبى عن حديث حدثنا به بحر بن نصر عن ابن وهب عن عثمان بن الحكم
الحزامى عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت عن رسول الله عَ ليه
أنه قضى باليمين مع الشاهد فسمعت أبى يقول: إنما هو سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى عّ لّه
وعثمان بن الحكم ليس بالمتقن اهـ (٤٧٤:١). فليس معنى قولهما: جميعا صحيحين أنهما صححا
الحديثين عن رسول الله عَ ليه، بل معناه أن سند الروايتين إلى ربيعة صحيح، وإلى هذا أشار ابن أبى
حاتم بقوله: يعنى أنه يروى عن ربيعة هكذا، وأيضا فجرح أبى حاتم فى حديث أبى هريرة وزيد بن
ثابت مفسر وتصحيحه لهما مبهم ومذهب الفقهاء والمحدثين أن الجرح المفسر أولى من التعديل
(١) يعنى أن ربيعة قد تفرد برواية تعم بها البلوى فلا يقبل تفرده به، وفيه تأييد لما قاله الحنفية: إنه يشترط لصحة الحديث مع عدالة
الراوى وضبطه أن لا يكون شاذا فيما تعم به البلوى، فافهم.

٣٦٤
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
ج - ١٥
والتصحيح المبهم، أما كون الجرح مفسرا فلقوله فى حديث أبى هريرة: ترى الدراوردى ما يقول؟
وقوله: لم نر أن يتبعه متابع على روايته، وقد روى عن سهيل جماعة كثيرة ليس عند أحد منهم
هذا الحديث. وقوله: لا أدرى لهذا الحديث أصلا عن أبى هريرة أعتبر به، وهذا أصل من الأصول
لم يتابع عليه ربيعة اهـ. قد ناظره ابنه فى ذلك فرد عليه كل ما شيد به هذا الحديث وأصر على
کونه غیر ثابت.
وقال فى حديث زيد بن ثابت عن عثمان بن الحكم: ليس بالمتقن، أى أنه قد وهم فى
الإسناد حيث جعل زيد بن ثابت مكان أبى هريرة، فالراجح فى السند أبو هريرة مع كونه غير
ثابت عن أبى هريرة أيضا، فما قاله ابن رسلان فى شرح أبى داود، وتبعه الحافظ فى "التلخيص"،
والشوكانى فى "النيل" أنه صحح حديث الشاهد واليمين الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم من حديث
أبى هريرة وزيد بن ثابت (نيل ٥٤٢:٨) غفلة من ابن رسلان وممن تبعه فى ذلك حيث اعتمدوا
كلامه المجمل ولم يعرجوا على جرحه المفسر، فالحق أن أبا حاتم برىء مما نسب إليه ، وقد ألقينا
عليك كلامه برمته فتأمل وأنصف، ولا يبعد أن يقال: إن أبا حاتم صحح الحديثين مرة قبل الوقوف
على العلة، فلما وقف عليها رجع عن تصحيحه لهما، والله تعالى أعلم.
تفصيل الكلام فى حديث ابن عباس الذى أخرجه مسلم فى "صحيحه":
وأما حديث ابن عباس فرواه قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وقال ابن
القطان: وهذا الحديث وإن كان مسلم قد أخرجه فى "صحيحه" فهو يرمى بالانقطاع فى
موضعين. قال الترمذى: قال البخارى: عمرو بن دينار لم يسمع من ابن عباس هذا الحديث. وقال
الطحاوى: قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشىء. وقد أخرج الدارقطنى فى
"سننه" ما يوافق قول البخارى عن عبد الله بن محمد بن ربيعة ثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن
دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قضى عليه السلام باليمين مع الشاهد. ولكن هذه الرواية
لا تصح من جهة عبد الله بن محمد بن ربيعة وهو القدامى يروى عن مالك وهو متروك قاله
الدارقطنى (زيلعى ٢١٨:٢)، وضعف ابن حنبل محمد بن مسلم وقال: ما أضعف حديثه! (الجوهر
النقى ٢٤٧:٢).
وفى الزيلعى أيضا: قال البيهقى فى "المعرفة": قال الطحاوى: لا أعلم قيس بن سعد يحدث
عن ابن دينار بشىء وهذا مدخول، فإن قيسا ثقة أخرج له الشيخان فى "صحيحيهما".
:

٣٦٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
(قلت: قد علق له البخارى ولم يخرج له فى الأصول ولم يخرجا له عن عمرو بن دينار
شيئا فيما نعلم) وابن المدينى هو أثبت، وإذا كان الراوى ثقة وروى حديث عن شيخ يحتمله سنه
ولقيه وكان غير معروف بالتدليس وجب قبوله.
حكم من لم يوصف بالتدليس إذا روى عمن لقيه
أو عمن عاصره من غير تصريح بالسماع:
(قلت: ليس ذلك مما أجمع عليه، بل فيه تفصيل عند بعضهم. قال الحافظ فى "طبقات.
المدلسين": ومن لم يوصف بالتدليس من الثقات إذا روى عمن لقيه بصيغة محتملة حملت على
السماع، وإذا روى عمن عاصره بالصيغة المحتملة لم يحمل على السماع الصحيح المختار وفاقا
للبخارى وشيخه ابن المدينى (ص٣)، وقيس وإن عاصر عمرو بن دينار فلم يثبت لقيه منه، فقول
الطحاوى مبنى على الصحيح المختار وليس اجتهاد البيهقى وغيره حجة عليه) قال: قد روی قیس
ابن سعد عمن هو أكبر سنا وأقدم موتا من عمرو بن دينار كعطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبير،
وقد روى عن عمرو بن دينار من کان فی قرن قیس وأقدم لقیا منه - کأيوب السختیانی- فإنه رأی
أنس بن مالك، وروی عن سعيد بن جبير ثم روى عن عمرو بن دينار فكيف ينكر رواية قيس بن
سعد عن عمرو بن دينار؟ (قلت: لم يأت البيهقى بما يثبت لقاءه منه، وكل ما ذكره إنما يدل على
إمكان اللقاء وهو لا يجدى، ألا ترى أن الحسن لقى على ابن أبى طالب وعثمان، ومع ذلك جعلوا
روايته عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وأمثالهما من أصاغر الصحابة الذين وفاتهم متأخرة عن
عثمان وعلى رضى الله عنهما بكثير مرسلة؟ فافهم).
قال: وقد روى جرير بن حازم وهو ثقة عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار (لفظه فى
الخلافیات: سمعته یحدث عن عمرو بن دينار) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا وقصته
ناقة وهو محرم فذكر الحديث، فقد علمنا أن قيسا روى عن ابن دينار غير حديث اليمين والشاهد)
قلت: مراد الطحاوى أنه لا يعلم قيسا يحدث عن ابن دينار بشىء بلا واسطة، ورواية جرير هذه
لا يدل على سماعه منه. قال صاحب "الجوهر النقى": لم يصرح أحد من أهل هذا الشان فيما
علمنا بأن قيسا سمع من عمرو بن دينار، ولا يلزم من قول جرير: سمعت قيسا يحدث عن عمرو
أن يكون قيس سمع ذلك منه، فقد روى البيهقى فى باب التأذين من حديث أبى حمزة السكرى
سمعت الأعمش يحدث عن أبى صالح عن أبى هريرة رفعه: ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن))

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٦٦
ثم لم يجعل البيهقى ذلك سماعا للأعمش من أبى صالح، بل قال: هذا الحديث لم يسمعه الأعمش
من أبى صالح، إنما سمعه من رجل عن أبى صالح (٢٤٧:٢)، فكيف يجعل مثله سماعا لقيس من
عمرو بن دينار؟ غير أنه أراد نصرة مذهبه ولم يجد ما يشهد له غير حديث ابن عباس هذا فى ثقة
الرواة، فجعل يشيده ويدفع طعن الصحاوى عنه بمالا يدفعه) قال: ثم قد تابع قيسا على روايته هذه
محمد بن مسلم الطائفى عن عمرو بن دينار عن ابن عباس بلفظ حديث قيس (قلنا: قد مر أن
أحمد قد ضعف محمد بن مسلم هذا وإن سلمنا فطعن البخاری بالانقطاع بین ابن دینار وابن
عباس قائم لم يرتفع بعد، وقد أشار الحاكم فى علوم الحديث إلى أنه كان يدلس، كما فى "طبقات
المدلسين" (ص ٦)، وقد عنعن فى الرواية فلا يقبل، ثم قال: وقد روى من وجه آخر ثم ساق من
طريق الشافعى ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمى عن ربيعة بن عثمان عن معاذ بن عبد الرحمن عن ابن
عباس أن رسول الله مرّ قضى باليمين مع الشاهد اهـ.
قلنا: إبراهيم مكشوف الحال رماه غير واحد بالكذب، وربيعة هذا قال أبو زرعة: ليس
بذلك. وقال أبو حاتم: منكر الحديث (الجوهر النقى ٢٤٧:٢)، فقول الشافعى رحمه الله: إن هذا
الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن غيره مع أن معه غيره مما يشده، وكذا ما قال
ابن عبد البر أنه لا مطعن لأحد فى إسناده، وكذا قول النسائى أن إسناده جيد كما فى النيل وغيره
معارض بقول ابن معين: إنه ليس بمحفوظ، وقول البخارى والطحاوى وابن القطان أن فى سنده
انقطاعا فى موضع أو موضعين، وقول الحاكم أن عمرو بن دينار كان يدلس، ويقول الزهرى أن
القضاء بيمين وشاهد بدعة أحدثه الناس، وأول من قضى به معاوية، ويقول عطاء: كان هذا البلد
أى مكة، لا يقضى فيه فى الحقوق إلا بشاهدين، حتى كان عبد الملك يقضى بشاهد ويمين، ويقول
عمر بن عبد العزيز: قد كنا نقضى كذلك، وإنا وجدنا الناس على غير ذلك، فلا تقضين إلا بشهادة
رجلين أو برجل وامرأتين، كما مر، وهذا قدح من هؤلاء الثلاثة فى كل ما روى فى القضاء بشاهد
ويمين، ومنه حديث ابن عباس هذا، فلا يكون إخراج مسلم إياه فى الصحيح حجة والحال هذه.
تفصيل الكلام فى حديث أبى هريرة:
ثم ذكره البيهقى من وجه آخر من حديث مغيرة بن عبد الرحمن (الحزامى) عن أبى الزناد
عن الأعرج عن أبى هريرة (الجوهر ٢٤٨:٢).
قلت: عده ابن عدى فى مفاريده (ومنكراته) قال: ينفرد بأحاديث، وأورد منها جملة،

٣٦٧
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
ثم قال: عامتها مستقيمة أى وبعضها ليس بمستقيم، أورد له عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى
هريرة مرفوعا فى القضاء باليمين والشاهد، وقد رواه ابن عجلان وغير واحد عن أبى الزناد عن ابن
أبى صفية عن شريح قوله، كذا فى "التهذيب" (٢٦٦:١٠) و"الميزان" (١٩٢:٣)، فالسند هذا
واختلط الأمر على مغيرة فجعله عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة وسلك الجادة، لأن أبا
الزناد روى كثيرا عن الأعرج عن أبى هريرة، فجعل هذه الرواية منها أيضا، والصواب ما رواه ابن
عجلان وغير واحد عن أبى الزناد عن ابن أبى صفية عن شريح من قوله، ومغيرة وإن كان من
رجال الجماعة وثقوه، ولكن قال فيه ابن معين: ليس بشىء. وقال النسائى: ليس بالقوى. (تهذيب)
وقال الجصاص فى "الأحكام" له: حدثنا عبد الرحمن بن سيما (قد مر توثيقه) حدثنا عبد الله بن
أحمد (ابن حنبل) حدثنى أبى قال: حدثنا إسماعيل (ابن علية) عن سوار بن عبد الله قال: سألت
ربيعة الرائى قلت: قولكم: شهادة الشاهد ويمين صاحب الحق؟ قال: وجدت فى كتاب سعد. فلو
كان حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أو حديث أبى الزناد عن الأعرج عنه صحيحا عند ربيعة
لذكره ولم يعتمد على ما وجد فى كتاب سعد اهـ (٥١٧:١) لأن الرواية مقدمة على الوجادة
حتما، وقد تقدم أن سهيلا لما سئل عن هذا الحديث قال: ما أعرفه. ومثل هذا الحديث لا تثبت به
شريعة مع إنكار من روى عنه إياه وفقد معرفته به. فإن قيل: يجوز أن يكون رواه ثم نسيه؟ قلنا:
ويجوز أن يكون قد وهم بديا فيه وروى مالم يكن سمعه، وقد علمنا أنه كان آخر أمر جحوده،
وفقد العلم به فهو أولى، ويؤيده اعتماد ربيعة على ما وجد فى كتاب سعد، وإعراضه عن حديث
سهيل وغيره ممن رواه عن أبى هريرة (الأحكام للجصاص).
الكلام فی حدیث وجد فی کتاب سعد:
وحديث كتاب سعد ذكره الحافظ فى "الإصابة" (٢٧٥:٤): ونصه روى أحمد وأبو عوانة
وابن قانع من طريق سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة قال: وجدت فى
كتاب سعيد بن سعد بن عبادة عن عمارة بن حزم شهد أن النبى عّلّ قضى باليمين مع الشاهد.
وقال الشوكانى: قال فى "مجمع الزوائد": رجاله ثقات (٥٤٣:٨)، وهو حديث مضطرب سندا،
لأن ربيعة بن أبى عبد الرحمن قد يرويه عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه
أنهم وجدوا فى كتاب سعد بن عبادة أن النبى معرّ له قضى باليمين مع الشاهد أخرجه أحمد، وسنده
ليس بذاك، فإن إسماعيل وأباه لا يعرفان، قاله الحافظ فى "تعجيل المنفعة" (ص ٣١٥).

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٦٨
وقد یرویه عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة قال: وجدت فی
كتاب سعيد بن سعد بن عبادة أن عمارة بن حزم شهد الحديث، كما فى "تعجيل المنفعة"
و "الإصابة"، وقد يرويه عن ابن سعد بن عبادة أنه قال: وجدنا فى كتاب سعد رواه الترمذى
والدار قطنى. فتراه يجعله من مسند سعد بن عبادة مرة ومن مسند عمارة بن حزم أخرى، وينسب
الوجادة إلى كتاب سعيد بن سعد بن عبادة تارة وإلى كتاب سعد بن عبادة أخرى، وهل هذا إلا
اضطراب. ومع ذلك فهو وجادة ليس برواية فلا حجة فيه. وقال بعض الأحباب: إن حديث عمارة
ابن حزم قد عزاه صاحب "المنتقى" والحافظ ابن حجر لأحد ولكنى تصفحت المسند صفحة
صفحة ولم أجد فيه ذكر العمارة ولا لحديثه فليحقق. قلت: وأما حديث الوجادة من كتاب سعد،
فموجود فى "المسند" (٢٨٥:٥).
الجواب عن أحاديث القضاء بالشاهد واليمين بعد تسليم صحتها:
وبعد تسليم الصحة فالجواب أن الحديث لا يفيد العموم لكونه حكاية عن الفعل ولا عموم
له اتفاقا. قال الإمام فخر الدين الرازى -: قول الصحابى: نهى النبى معَّ ◌ُلّه عن كذا، وقضى بكذا،
لا يفيد العموم، لأن الحجة فى المحكى لا فى الحكاية، والمحكى قد يكون خاصا (زيلعى ٢١٨:٢).
وقال الجصاص: إن أكثر ما فيه أن النبى معَّ قضى بشاهد ويمين، وهذه حكاية قضية من
النبى معَّه ليس بلفظ عموم فى إيجاب الحكم بشاهد ويمين حتى يحتج به فى غيره أهـ (٥١٨:٢).
وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون النبى معَ لّ قضى بذلك فى قضية يجوز فيها الاكتفاء بشاهد
إجماعا واستحلف المدعى مع ذلك لمزيد التثبت، قال فى "البدائع": وقد روى عن بعض الصحابة
أنه قضى بشاهد، ويمين فى الأمان.
يجوز القضاء فى بعض أحكام الأمان بشاهد واحد:
وعندنا يجوز القضاء فى بعض أحكام الأمان بشاهد واحد إذا كان عدلا بأن شهد أنه آمن
هذا الكافر تقبل شهادته، حتى لا يقتل لكن يسترق، والأمان من باب ما يحتاط فيه؛ فحمل على
هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض اهـ (٢٢٥:٦)، ويشهد له ما رواه أحمد والترمذى،
وقال: حديث حسن عن ابن مسعود، قال: لما كان يوم بدر وجىء بالأسارى قال رسول الله عد له:
((لا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق)) قال عبد الله بن سعود: فقلت: يا رسول الله!

24
إعلاء السنن
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٦٩
إلا سهيل بن بيضاء)، فإنى سمعته يذكر الإسلام، قال: فسكت رسول الله عَّه فما رأيتنى فى يوم
أخوف أن يقع على حجارة من السماء منى فى ذلك اليوم، حتى قال رسول الله عَ ليه: إلا سهيل بن
بيضاء الحديث، وفيه أنه يجوز فك الأسير من الأسر بغير فداء إذا ادعى الإسلام قبل الأسر ثم شهد
له بذلك شاهد، وكذلك إذا لم تقع منه دعوى وشهد له شاهد أنه كان قد أسلم قبل الأسر، كما
وقع حدیث الباب (نیل ٢٠٦:٧).
وفى "شرح السير": عن محمد أن الإمام إذا فتح حصنا فشهد رجل مسلم عدل (على
أسير) أنه كان حربيا فأسلم قبل أن يوسر قال: إن شهد قبل أن يقسم أو يباع تقبل شهادته، وإن
شهد بعد ما قسم أو بيع لا تقبل شهادته، والوجه أنه وإن ثبت فيه حق المسلمين بالأسر فإنه ليس
بالحق لرجل خاص بل الحق فيه لجماعة المسلمين، فهو بشهادته ليس يبطل حقا خاصا لرجل معين،
فجعل بمنزلة الشهادة فى أمر من أمور الدين فيقبل، إذ حرمة الاسترقاق من أمور الدين، بخلاف ما
بعد القسمة لأنه يبطل ملكا خاصا لرجل معين، فلا يقبل فى ذلك إلا بما يقبل فى الأحكام من
شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين اهـ (٢٢٧:٤).
قلت: وأما قول محمد: إن شهادة العدل مقبولة على إسلام الأسير الميت إذا شهد أنه أسلم
قبل أن يموت فيصلى عليه المسلمون، ولو كان حيا فشهد له شاهد أنه أسلم قبل أن يوسر لم يكن
حرا بشهادة الواحد حتى يشهد مسلمان ممن يجوز شهادتهما فى الحقوق اهـ. فهو محمول على ما
إذا شهد بإسلامه بعد القسمة. قاله السرخسى فى "شرح السير" (٢٢٦:٤)، وهو الواجع عندنا
لكونه متأيدا بالأثر، فإن حديث ابن مسعود هذا يدل أن شهادة الواحد العدل على إسلام الأسير
قبل أسره مقبولة قبلِ القسمة.
حديث القضاء باليمين والشاهد محمول على ما لم يكن فيه إبطال حق خاص
لرجل معين أو على أنه جعله سببا للصلح دون القضاء بالدعوى:
فحديث قضاء النبى معَّ بشهادة الواحد ويمين المدعى محمول على مثل هذا مما لم يكن فيه
إبطال حق خاص لرجل معين، ولعله استحلف المدعى لكون الشاهد مستورا غير ظاهر العدالة،
ولا بأس بذلك فيما لم يكن الدعوى على معين فأمره إلى الإمام، ألا ترى أنه لم يستخلف سهيل بن
البيضاء لكون الشاهد على إسلامه عدلا ظاهر العدالة، ولا يبعد أن يقال: إنه معَّ جعل اليمين مع
الشاهد سببا للصلح دون القضاء بالدعوى على وجه الإلزام، يؤيده ما رواه أبو داود فى سننه

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٧٠
وسكت عنه: حدثنا أحمد بن عبدة نا عمار بن شعيب بن عبد الله بن الزبيب العنبرى حدثنى أبى
سمعت جدى الزبيب يقول: بعث رسول الله عَ ليه جيشا إلى بنى العنبر فأخذوهم بركبة من ناحية
الطائف فاستاقوهم إلى نبى الله عَ لّه فركبت فسبقتهم إلى النبى معَّ فقلت: السلام عليك يا نبى
الله ورحمة الله وبركاته أتانا جندك فأخذونا وقد كنا أسلمنا وخضرمنا (1) آذان النعم فلما قدم بلعنبر
قال لى نبى الله عَّ ◌ُله: هل لكم بينة(٢) على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا فى هذا لأيام؟ قلت: نعم.
قال: من بينتك؟ قلت: سمرة رجل من بنى العنبر(٣) ورجل آخر سماه له، فشهد الرجل وأبى سمرة
أن يشهد، فقال نبى الله عَ ليه: قد أبى أن يشهد لك فتحلف مع شاهدك الآخر، فقلت: نعم
فاستحلفنى فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا وكذا وخضرمنا آذان النعم. فقال نبى الله عد له:
((اذهبوا فقاسموهم أنصاف الأمول ولا تمسوا ذرايهم لو لا أن الله تعالى لا يحب ضلالة العمل ما
رزيناكم عقالا)) الحديث.
قال المنذرى: قال الخطابي: إسناده ليس بذلك، وقال أبو عمر النمرى (هو الحافظ ابن عبد
البر): إنه حديث حسن، هذا آخر كلامه. قال فى "فتح الودود": هذا يدل على أنه معّ ◌ُلِّ جعل
اليمين مع الشاهد سببا للصلح والأخذ بالوسط بين المدعى والمدعى عليه لا أنه قضى بالدعوى بهما
اهـ من "عون المعبود" (٣٤٣:٣).
قلت: ولا نزاع فى ذلك فيجوز للإمام أن يجعل الشاهد مع يمين المدعى أو الشاهد وحده
سببا للصلح، لأن الصلح خير كله لا سيما إذا لم يكن الدعوى على معين ولا مبطلة لحق خاص
لرجل معین، کما وقع فی حدیث الباب.
وأما قول بعض الأحباب: قال الخطابي: ليس إسناده بذاك ومع ذلك فهو ليس مما نحن فيه
لأنه لم يكن ثم مدع ولا مدعى عليه بل كان ما وقع من زبيب أخبار رسول الله عَ لّه أن الأسر
والاغتنام من المسلمين وقع فى غير محله، لأن قومه أسلموا قبل ذلك إلخ فكلام من لم يعرف
(١) قال الخطابي: يقول: قطعنا أطراف آذانها، وكان ذلك فى الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم.
(٢) فيه دليل على أن شهادة الواحد على إسلام الأسير قبل أن يؤسر تقبل فى حق إسلامه دون ما أخذ ماله، بل لا بد فيه من شهادة
رجلين أو رجل وامرأتين، سواء شهد بها قبل القسمة أو بعدها، لأنه مّه سألهم البينة قبل القسمة، فلما عجزوا عن البينة أطلق
ذراريهم، وقاسم أموالهم.
(٣) فيه دليل على أن اسم البينة إذا أطلق فى باب الأحكام والشهادات، يراد به الشاهدان خلاف ما زعمه ابن القيم، فتذكر.

٣٧١
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
الدعوى، ولا الشهادة، وكيف يقول: لم يكن ثم مدع وزبيب كان مدعيا إسلام قومه قبل أن
يؤخذوا، والمدعى عليهم هم المسلمون الذين أسروهم وغنموهم، ولو لم يكن هناك مدع،
ولا مدعى عليهم ولا دعوى لم يسألهم النبى مرّه البينة على ذلك، فطلبه البينة منهم دليل على
وجود الدعوى والمدعى والمدعى عليه. وقول الخطابى: ليس إسناده بذاك معارض بقول ابن عبد
البر: إسناده حسن، وبسكوت أبى داود عنه، فافهم.
الجواب عن حديث عمرو بن شعيب
فى هذا الباب وفيه حكاية عن القول:
فإن قلت: إن هذا التأويل إنما يتمشى فى حديث ورد فيه أنه مێے قضى بشاهد ويمين حكاية
عن الفعل لا يجرى فى حديث عمرو بن شعيب، وفيه حكاية عن القول رواه الدار قطنى وغيره
بلفظ: قال رسول الله عَّ له: ((قضى الله ورسوله فى الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه
وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده)) اهـ (٢: ٥١٥). وما رواه الطبرانى عن جابر بن عبد الله:
قال قال رسول الله عَ ليه: ((أمرنى جبريل عليه السلام أن أقضى باليمين مع الشاهد)). قلنا: إنما يلزمنا
تأويل ما يحتمل الصحة دون ما لا يحتملها أصلا، وحديث أنه مَ لّ قضى بشاهد ويمين قد ورد
بطرق كثيرة مجموعها يفيد العلم بأن للحديث أصلا وإن كان كلها مدخولا بانفراده.
وأما ما رواه الدار قطنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والطبرانى عن جابر حكاية
عن القول فلا يحتمل الصحة. أما حديث عمرو فلأن فيه محمد بن عبد الله الكنانى، وهو لا يتابع
على حديثه، قال البخارى. وقال أبو حاتم: مجهول، كذا فى "الميزان"، وظنى أنه محمد بن عبد
الله بن عبيد بن عمير الليثى، فإنه من ولد ليث بن كنابة، نسبه بعضهم إلى الليث وبعضهم إلى
كنانة، ونسبته إلى الليث بن كنانة، ذكره السمعانى فى "الأنصاب" (ص٤٩٧) ضعفه ابن معين.
وقال البخارى: منكر الحديث. وقال النسائى: متروك. وقال أبو داود: ليس بثقة.
وقال ابن عمار: ضعيف . وقال النسائى أيضا: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وعن ابن
مهدى ما يدل على أنه كان متهما بالكذب كان يلقن فيتلقن كما فى "اللسان" (٢١٧:٥)، وفيه
أيضا إسحاق بن جعفر بن محمد وهو مجهول. وفى "اللسان": إسحاق بن جعفر بن محمد على
ابن الحسين ذكره ابن عقدة فى رجال الشيعة فإن كان هو هذا فالحديث مجروح بجرح قادح.

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٧٢
٥١٠٦- وأخرج الطبرانى من رواية سفيان عن نافع عن ابن عمر (مرفوعًاً)
بلفظ: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)). وقال: لم يروه عن سفيان إلا
الفريابى. وأخرجه الإسماعيلى من رواية ابن جريج بلفظ: ولكن البينة على الطالب
واليمين على المطلوب. كذا فى "فتح البارى" (٢٠٨:٥)، وسكوت الحافظ عنه دلیل
علی صحته، أو حسنه.
٥١٠٧- حدثنا محمد بن مخلد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنی ابی نا سفيان
ابن عيينة نا إدريس الأودى عن سعيد بن أبي بردة وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب
عمر إلى أبى موسى الأشعرى وفيه: ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر))
الحديث رواه "الدار قطنى" (٥١٢:٢)، ورجاله ثقات كلهم، وهذه وجادة جيدة،
وقد تقدم أنه كتاب عظيم تلقاه الأمة بالقبول وجعلوه عمدة "أحكام القضاء" قاله ابن
القيم فى "الإعلام".
٥١٠٨- ثنا سويد بن عمرو ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم والشعبى فى
الرجل يكون له الشاهد مع يمينه قالا: لا يجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. قال
عامر - هو الشعبى -: إن أهل المدينة يقبلون شهادة الشاهد مع يمين الطالب. رواه ابن أبى
شيبة وهذا السند رجاله على شرط مسلم (الجوهر النقى ٢٤٩:٢).
وفيه يعقوب بن محمد الزهرى، وقد تكلم فيه الحفاظ، وأما حديث جابر ففيه إبراهيم بن أبی حیة
وهو متروك (مجمع الزوائد ٢٠٢:٤).
وبالجملة: فالحديث القولى فى هذا الباب ليس مما يقوم به حجة فلا حاجة لتاويله ولا يندفع
به ما ذكرنا من التأويل فى الحديث الفعلى.
قوله: وأخرج الطبرانى.
وقوله: حدثنا محمدبن مخلد إلخ دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة.
قوله: حدثنا سويد بن عمرو ألخ. دلالته على أنه لا يجوز القضاء بشاهد ويمين ولا يجوز إلا
بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ظاهرة. قال صاحب التمهيد: وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى
والأوزاعى: لا يقضى باليمين مع الشاهد. وهو قول عطاء والحكم وطائفة. وزاد فى "الاستذكار"
النخعى، وفى "المحلى": أشار إلى إنكاره الحكم بن عتيبة وابن شبرمة، وفى "التمهيد": تر که يحيى

٣٧٣
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
٥١٠٩- ثنا حماد بن خالد عن ابن أبى ذئب عن الزهرى قال: هى بدعة (أى
اليمين مع الشاهد) وأول من قضى بها معاوية. رواه ابن أبى شيبة، وهذا السند على
شرط مسلم أيضًا (الجوهر النقى ٢٤٩:٢).
ابن یحیی بالأندلس وزعم أنه لم یر اللیث بن سعد یفتی به ولا يذهب إليه، وقوله علیه السلام فی
"الصحيحين": ((شاهداك أو يمينه)) وكذا قوله فى "الصحيحين": ((اليمين على المدعى عليه)) وفى
رواية: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) يرده مع ظاهر القرآن (الجوهر النقي ٢: ٢٥٠).
قلت: وأثر النخعى أخرجه الإمام أبو يوسف فى كتاب الآثار له وكذا محمد عن أبى
حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه وكان لا يرد
اليمين. قال محمد: وبه نأخذ. وهو قول أبى حنيفة. كان أبو حنيفة لا يستحلف مع البينة ولا يرد
اليمين، وأن حمادا كان لا يفعل شيئا من ذلك. اهـ (ص ١٦١- ١٦٢).
قوله: حدثنا حماد بن خالد إلى قوله: وروى الليث بن سعد إلخ. قلت: فی قول الزهرى:
هى بدعة أحدثه الناس، وفى قول عطاء: لا يجوز شهادة على دين ولا غيره دون شاهدين إلخ،
وفى قول عمر بن عبد العزيز: قد كنا نقضى كذلك وإنا وجدنا الناس على غير ذلك، فلا تقضين
إلا بشهادة رجلین إلخ تأیید لما حکی عن محمد بن حسن: إن حكم به قاض نقض حکمه، وهو
بدعة، كما فى "العمدة" (٣٨٣:٦) للعينى.
الرد على الموفق بن قدامة فى تشنيعه على الإمام محمد بن الحسن:
وقد أفرط الموفق فى "المغنى" وأخذته أريحته العصبية حيث قال: وقول محمد(١) فى نقض
قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله عّ لّه والخلفاء الذين قضوا
(١) وذكر أبو عمر مذهبنا فى "التمهيد"، ثم رده علينا أشد الرد ولم يكن هذا الإنكار دأبه فذكر نظائر فى مذهبنا فيها الزيادة بخبر
الواحد على النص وقد ذكرنا منشأ الخطأ فى ذلك، ثم أظهر أبو عمر الغضب علی قول محمد: إن حكم به قاض نقض
حكمه. فقال: أو ليس مذهبنا مجتهدا فيه أيضا أى وقضاء القاضى فى الاجتهاديات نافذ، لا يجوز نقضه ولكنه أخطأ فى
معنى قولنا: إن قضاء القاضى فى الاجتهاديات نافذ، فإن هذا إذا لم يكن القضاء نفسه مجتهدا فيه بل ما يتعلق به القضاء، وإذا
كان نفس القضاء مجتهدا فيه فإنه لا يصير مجمعا عليه ومحكما بنفس القضاء بل لا بد له من الإمضاء حتى إذا رفع إلى قاض
آخر فنفذه لا يقبل النقض بعد ذلك لاتصال الإمضاء به، صرح به فى الهداية (٣٣٨:٣) (كتاب الحجر)، فمعنى قول محمد:
إن القضاء بالشاهد واليمين يقبل النقض ما لم يتصل الإمضاء به فليس فيه إنكار كونه من المسائل المجتهد فيها فافهم (٦٤٩:٢).

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٧٤
٥١١٠- ثنا معمر سألت الزهرى عن اليمين مع الشاهد، فقال: هذا شىء أحدثه
الناس، لا بد من شاهدين. رواه عبد الرزاق فى مصنفه، وفى الاستذكار: هو الأشهر
عن الزهرى (الجوهر النقي ٢٤٩:٢).
٥١١١- ثنا وهبان(١) ثنا أبو حمام ثنا ابن المبارك عن ابن أبى ذئب عن الزهرى أن
معاوية أول من قضى باليمين مع الشاهد وكان الأمر على غير ذلك، رواه الطحاوى
(٢٨٣:٢)، رجاله ثقات وسنده صحيح.
به. قد قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية. والقضاء بما
قضى به محمد بن عبد الله عَّم أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له اهـ (١١:١٢).
قلت: يا سبحان الله! هل يكون محمد بن الحسن الإمام مخالفا لرسول الله عَّ ◌ُّه ومن كتبه
أخذ أحمد بن حنبل المسائل الدقيقة وتكون أنت موافقا له؟ لا والله! بل محمد بن الحسن وشيخه
أتبع الناس لقول رسول الله عَ ليه وأشدهم أخذا بالقرآن والسنة، كما لا يخفى على من أمعن النظر
فى كتابنا هذا، إن شاء الله تعالى.
والعجب ممن يرد على الشافعى قوله برد اليمين على المدعى إذا نكل المدعى عليه عن اليمين،
ويحتج عليه بقوله عَّهِ: ولكن اليمين على المدعى عليه، ويقول: فحصرها فى جانب المدعى عليه
وبقوله مَّهِ: ((البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه)) ويقول: فجعل جنس اليمين فى جنبة
المدعى عليه كما جعل جنس البينة فى جنبة المدعى ولم يكن بذلك مخالفا لرسول الله عَ ليه، وإذا
احتج عليه محمد بن الحسن بعين ذلك الدليل فى رد القضاء بشاهد ويمين المدعی ورد قوله عليه بما
رد هو على الشافعى قوله يجعله مخالفا لرسول الله عَ ليه، فهذا لعمرى فى الفعال عجيب.
فإن قال: إنما رددنا على الشافعى قوله لكون حجته ضعيفة وحجتنا قوية، قلنا: وهل ذلك إلا
دعوى محضة تدعيها والشافعى ينازعك فيها ولا يلزم من ضعفها عندك ضعفها عنده، فهل
جاءكم وحى من السماء، أو قال لكم رسول الله عَّه: إن حجتكم قوية وحجة الشافعى ضعيفة؟
وإذا ليس شىء من ذلك فهل للشافعى وأصحابه أن يقولوا فيك وفى أصحابك جميعا: أنكم
مخالفون لرسول الله عَّ؟ وإلا فمن أين لك أن ترى محمد بن الحسن بما هو برىء منه قطعا
لا سيما وقد اعترفت بقوة حجته حيث احتججت بها على الشافعى، ومحمد بن الحسن لا يعترف
(١) هو وهب بن بقية بن عثمان أبو محمد يقال له: وهبان، ثقة، كذا فى " كشف الأستار" (ص١١٢).

٣٧٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
٥١١٢- وروى محمد بن الحسن عن ابن أبى ذئب قال: سألت الزهرى عن
شهادة شاهد ويمين الطالب فقال: ما أعرفه وإنها لبدعة، وأول من قضى به معاوية،
الزهرى من أعلم أهل المدينة فى وقته، فلو كان هذا الخبر (أى قضاؤه عّ لّه وقضاء
خلفائه بشاهد واحد مع يمين المدعى) ثابتًا كيف كان يخفى مثله عليه، وهو أصل كبير
من أصول الأحكام، على أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به وأنه بدعة. كذا فى
"الأحكام" للرازى (٥١٧:١)، وذكره محمد فى "الموطأ" مختصرًا (ص٣١٦).
٥١١٣- ومن طريق عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: كان عطاء يقول:
لا يجوز شهادة على دين ولا غيره دون شاهدين حتى إذا كان عبد الملك بن مروان
جعل مع شهادة الرجل الواحد يمين الطالب.
بقوة حجتك فيما احتججت به عليه، أما الأحاديث فقد وقفت على حالها.
وأما ما ذكرته عن الخلفاء فقال أبو عمر ابن عبد البر -: وروى عن أبى بكر وعمر وعثمان
وعلى وأبى كعب وعبد الله بن عمرو القضاء باليمين وإن كان فى الأسانيد عنهم ضعف (عينى
٣٨٣:٦) فإن كان هؤلاء قد روى ذلك عنهم بأسانيد ضعيفة فقد روى عن غيرهم بأسانيد صحاح
أنه لا يجوز، ولو كان ذلك صح عن الخلفاء لما جعله الزهرى بدعة، ولا قال عطاء: كان الأمر على
غير ذلك، حتى جاء عبد الملك بن مروان. ولم يقل عمر بن عبد العزيز- وهو الخليفة الراشد أتبع
الناس للسنة فى زمانه وأعلمهم بقضايا الخلفاء -: كنا نقضى كذلك وإنا وجدنا الناس على غير
ذلك، فلا نقضين إلا بشهادة رجلين. وقد مر أن الأوزاعى وأهل الشام والثورى وابن شبرمة وأهل
العراق كلهم منعوا منه، فهل ترى أن هؤلاء كلهم مخالفون لرسول الله عَ ◌ّه وأنت موافق له؟
قال النووى: واختلف العلماء فى ذلك، فقال أبو حنيفة والكوفيون والشعبى والحكم
والأوزاعى والليث والأندلسيون من أصحاب مالك لا يحكم بشاهد ويمين فى شىء من الأحكام
(عون المعبود ٣٤٢:٣)، وهل ترى محمدا قد قال غير ما قاله الزهرى أن القضاء بذلك بدعة وقد
أجمعنا نحن وأنت على أن القضاء بالبدعة منقوض مفسوخ. وأيضا: فمن أين لك أن تكون موافقا
لرسول الله عَّه، وأنت لا تقضى بالشاهد واليمين فى غير الأموال فهل عندك نص من رسول
الله عَّ أنه قضى به فى الأموال خاصة دون غيرها؟ فإن قلت: قال عمرو بن دينار: هو فى
الأموال. قلنا: هو قول عمرو بن دينار ومذهبه وليس فيه أن النبى معَّ قضى بها فى الأموال
خاصة، فإذا أنت موافق لعمرو ومخالف لرسول الله عَ ليه.

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٧٦
٥١١٤- وروى مطرف بن مازن -قاضى أهل اليمن- عن ابن جريج عن عطاء
ابن أبى رباح قال: أدركت هذا البلد - يعنى مكة- وما يقضى فيه فى الحقوق إلا
بشاهدین حتی کان عبد الملك بن مروان یقضی بشاهد ویمین. أخرجه الجصاص فى
"الأحكام" له (٥١٧:١)، وذكره محمد فى "الموطأ"(١) بلفظ: وكذلك (روى) ابن
جريج أيضًا عن عطاء بن أبى رباح قال: إنه كان القضاء الأول لا يقبل إلا شاهدان،
فأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان اهـ. ومطرف بن مازن قال فيه
ابن عدى: ما رأيت له متنا منكرًا. وذكر عن صاحب ابن سليمان قال: كان مطرف بن
مازن رجلا صالحًا، ونسبه هشام بن يوسف إلى الكذب ووافقه ابن معين على ذلك،
ولم يثبت عليه. قاله الحافظ فى "التعجيل" (ص ٤٠٥)، ولما رجع الحديث إلى محمد بن
الحسن الإمام أغنى عن مطرف، فإن احتجاج المجتهد بحديث تصحیح له.
فإن قلت: راوى الحديث أعلم بمعناه من غيره. قلنا: ثبت الجدار فانقش، فإن هذا الأصل
لا تأخذبه أنت ولا إمامك، فالعبرة عندكم بالرواية لا برأى الراوى وفتواه، سلمنا ولكن عطاء
وعمر بن عبد العزيز والزهري أولى بمعرفة معناه من عمرو بن دينار وحده، وقد أنكروه وجعلوه
بدعة وأعرضوا عن العمل به، فكيف تكون أنت بتقليد عمرو بن دينار موافقاً لرسول الله عَ ليه
ويكون محمد بن الحسن بتقليد هؤلاء الأئمة مخالفا له؟ وإنما المخالف من خالف حديث رسول
الله عَّه بعد ثبوت الحديث عنده، وأما من خالفه أو تركه لكونه غير ثابت عنده فلا، وإلا فأنتم
أشد الناس مخالفة لرسول الله عَ ليه، حيث تركتم أحاديث كثيرة قد أخذ بها أبو حنيفة وأصحابه
وتركتموها يعلة الإرسال مرة وبعلة الضعف أخرى، وأيضا فكما أخذتم بحديث القضاء بالشاهد
واليمين فى الأموال فكذا أخذ به محمد بن الحسن وأصحابه فى الحقوق التى تتعلق بجماعة
المسلمين ولا تختص برجل معين كما قدمنا، فكنتم أنتم ومحمد بن الحسن سواء فى الأخذ به فى
بعض الحقوق وتركه فى البعض، فكيف جاز لك أن تجعله مخالفا لرسول الله عَ ليه وتجعل نفسك
(١) فإن قيل: روى الدار قطنى عن أبى هريرة أن النبى معَ ◌ّه قال: استشرت جبريل فى القضاء باليمين والشاهد، فأشار على بالأموال
لا تعدو ذلك، كما فى "التلخيص" (ص٤١٠).
قلنا: لم نجده فى "السنن" له وإنما وجدناه فى "مجمع الزوائد" من طريق جابر وليس فيه: فأشار على بالأموال إلخ، وفى سنده
إبراهيم بن أبى حية متروك بالمرة، ومع ذلك فقد صرح الحافظ بتضعيفه له، فلا حجة فيه.

٣٧٧
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
٥١١٥- وروى الليث بن سعد عن زريق بن حكيم أنه كتب إلى عمر بن عبد
العزيز وهو عامله أنك كنت تقضى بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق؟
فكتب إليه: إنا قد كنا نقضى كذلك وإنا وجدنا الناس على غير ذلك، فلا تقضين إلا
بشهادة رجلين أو برجل وامرأتين، ذكره الجصاص (٥١٧:١) أيضًا، وهو حجة حافظ
ثقة فى النقل.
موافقا له؟
وأيضا فالذى ثبت عن رسول الله عَّم فى كيفية القضاء بالشاهد واليمين هو ما رواه أبو
داود من حديث زبيب وفيه أنه عّ جعل اليمين والشاهد سببا للصلح والأخذ بالوسط بين المدعى
والدعى عليه، وهو موافق لما ذهب إليه محمد بن الحسن لا أنه قضى بالدعوى بهما، ولو كان
قضى بهما بالدعوى لرد على بنى العنبر أموالهم كلها، كما هو قولكم، فانظروا من هو الموافق.
لرسول الله عَ لّه ومن هو المخالف له؟
أيضا فقد روى معاذ عن رسول الله عّ لّه أنه قال له حين بعثه إلى اليمن: كيف تصنع إن
عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب الله. قال: فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة
رسول الله عَِّ الحديث. وقد تقدم أنه حديث مشهور متلقى بالقبول، وصح عن عمر أنه كتب
إلى شريح أن اقض بما فى كتاب الله، فإن لم يكن فى كتاب الله فبسنة رسول الله عێ، وصح
نحوه عن ابن مسعود كما مر فى أوائل كتاب القضاء.
وفى كل ذلك دليل على أنه لا يقضى بالسنة إلا فيما لم يكن فيه نص الكتاب، وإذا كان
الحكم منصوصا عليه فى الكتاب فلا يؤخذ إلا به ما لم يكن منسوخا، وإن ورد فى السنة ما يخالفه
ويعارضه لزم إرجاعه إليه. وهذا مما أجمع عليه الأمة لا نعلم فيه خلافا، وحكم الشهادة منصوص
عليه فى الكتاب، فما ذا على محمد بن الحسن إن أخذ به، وأرجع السنة إليه؟ وكيف يكون
بهذا الصنيع مخالفا لرسول الله عّ لّه وهو فى ذلك متبع لما أوصى به معاذا أن يأخذ بالكتاب أولا
فإن لم يكن فيه فبالسنة، وسيأتى تقرير احتجاجه بالكتاب فى هذا الباب(١).
(١) ومتبع أيضا ما رواه الدار قطنى عن أبى هريرة وعلى بن أبى طالب والطبرانى عن ابن عمر مرفوعا. لفظ الدار قطنى: ((سيأتيكم
عنى أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقا لكتاب الله ولسنتى فهو منى، وما جاءكم مخالفا لكتاب الله ولسنتی فليس منی)
(٥١٣:٢). قال السخاوى فى "المقاصد": سئل شيخنا عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طريق لا تخلو من مقال. وقد جمع
البيهقى طرقه فى المدخل وبين معناه اهـ(ص١٧)، قلت: والمراد بالسنة السنة المشهورة، كما لا يخفى.

ج - ١٥
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
٣٧٨
٥١١٦- وقال قتيبة: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة كلمنى أبو الزناد فى شهادة
الشاهد ويمين المدعى فقلت: قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن
احتجاج ابن شبرمة على أبى الزناد بالآية الكريمة وتقرير الاستدلال بها:
قوله: وقال قتيبة إلخ. قال الحافظ فى "الفتح": وكان مذهب أبى الزناد القضاء بذلك كأهل
بلده، ومذهب ابن شبرمة خلافه كأهل بلده فاحتج عليه أبو الزناد بالخبر الوارد فى ذلك فاحتج
عليه ابن شبرمة بما ذكر فى الآية الكريمة (٢٠٧:٥)، قال العينى: مذهب ابن شبرمة ومذهب أبى
ليلى وعطاء والنخعى والشعبى والأوزاعى والكوفيين والأندلسيين من أصحاب مالك وهم يقولون:
نص الكتاب العزيز فى باب الشهادة رجلان فإذا لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، والحكم بشاهد
ويمين مخالف للنص، (لأنه إذا وجد شاهد واحد، فالرجلان معدومان، ففى قبوله مع اليمين نفى
ما اقتضته الآية)، فلا يجوز، والأخبار التى وردت بشاهد ويمين أخبار آحاد فلا يعمل بها عند
مخالفتها النص، لأنه يكون نسخا ونسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز (٣٧٩:٦).
وقال الجصاص: ووجه النسخ منه أن المفهوم من النص الذى لا يرتاب به أحد من سامعى
الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين، وفى استعمال هذا الخبر ترك
موجب الآية والاقتصار على أقل من العدد المذكور، إذ غير جائز(١) أن ينطوى تحت ذكر العدد
المذكور فى الآية الشاهد واليمين، كما كان المفهوم من قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾
وقوله: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ منع الاقتصار على أقل منهما فى كونها حدا،
فكما أن القائل بجواز أن يكون حد القاذف أقل من ثمانين وحد الزانى أقل من مائة مخالف للآية
كذلك من قبل شهادة رجل واحد قد خالف أمر الله تعالى فى استشهاد شاهدين (نصا) وهو
مخالف لمعنى الآية، كذلك من وجه آخر وهو ما أبان الله تعالى به عن المقصد فى الكتابة واستشهاد
الشهود فى قوله: ﴿ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا﴾، وقوله: ﴿ممن
ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الآخرى)) فأخبر أن المقصد فيه الاحتياط
والتوثق لصاحب الحق والاستظهار بالكتابة والشهود لنفى الريبة والشك والتهمة عن الشهود، وفى
الحكم بشاهد ويمين رفع هذه المعانى كلها وإسقاط اعتبارها لما فى قبول يمينه من أعظم الريب
والشك وأكبر التهمة، ولا يجوز أن يكون رضى فيما يدعيه لنفسه فثبت بما وصفنا أن الحكم بها
خلاف الآية (٥١٧:١، ٥١٨).
(١) رد على تأويل الحافظ الشاهدين بالبينة وتعميمها للرجلين ورجل وامرأتين، وشاهد ويمين، كما تقدم، ظ.

٣٧٩
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
إعلاء السنن
لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر
الجواب عن إيراد الحافظ فى "الفتح" على حجة ابن شبرمة:
فبطل بذلك ما أورده الحافظ على حجة ابن شبرمة أنها لا تنتهض حجة لأنه يصير معارضة
للنص بالرأى وهو غير معتبر به اهـ فيا سبحان الله! كيف يكون الاحتجاج بكتاب الله بمعرض
السنة احتجاجا بالرأى؟ فهل نص الكتاب داخل عنده فى الرأى؟ وأما قوله: وإنما تتم له الحجة بذلك
على أصل مختلف فيه بين الفريقين وهو أن الخبر إذا ورد متضمنا لزيادة على ما فى القرآن هل
يكون نسخا والسنة لا تنسخ القرآن؟ أو لا يكون نسخا بل زيادة مستقلة بحكم مستقل إذا ثبت
سنده وجب القول به؟ والأول مذهب الكوفيين والثانى مذهب الحجازيين اهـ.
قال: وقد أجاب عنه الإسماعيلى فقال: الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنما هو إذا
شهدتا، وإن لم تشهد أقامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة (قلنا: هذا هو نسخ الكتاب بالسنة
فإن نص الآية ظاهر فى لزوم العدد فى الشهود حيث قال: ﴿فاستشهدوا شهیدین من رجالكم﴾،
ولم يكتف فيما إذا لم يكونا رجلين بأقل من رجل وامرأتين، فتجويز الاكتفاء بأقل من ذلك هو
النسخ ليس إلا) قال: ولو لزم إسقاط القول بالشاهد واليمين لأنه ليس فى القرآن للزم إسقاط
الشاهد والمرأتين، لأنهما ليستا فى السنة، لأنه مَّه قال: ((شاهداك أو يمينه)) اهـ (قلنا: هذا هو
خلط المبحث بعينه فإنا لم نسقط القول بالشاهد واليمين، لأنه ليس فى القرآن، بل لأنه
مخالف لنص القرآن، فلا يلزمنا إسقاط الشاهد والمرأتين لكونه ليس فى السنة، لأنه لا يخالف السنة
ويوافق القرآن.
وأيضا فالممنوع إنما هو الزيادة على النص المتواتر بالسنة دون الزيادة على السنة بالقرآن،
وقد مر الكلام فى ذلك كلا مستوفى فيما تقدم فتذكر، ثم أجاب الحافظ عن قولنا: إن الزيادة على
القرآن نسخ بأن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا. (قلنا: مكابرة صريحة لأن المفهوم من النص الذى
لا يرتاب به أحد من سامعى الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين، وفى
استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية والاقتصار على أقل من العدد وهو رفع الحكم بعينه، كما إذا
قال قائل بجواز الاقتصار على أقل من ثمانين فى حد القاذف أو على أقل من مائة فى حد الزانى
فافهم) قال: وأيضا فالناسخ والمنسوخ لا بد أن يتواردا على محل واحد وهذا غير متحقق فى
الزيادة على النص، وغاية ما فيه أن تسمية الزيادة كالتخصيص نسخا اصطلاح، فلا يلزم منه نسخ
الكتاب بالسنة لكن تخصيص الكتاب بالسنة جائز، وكذلك الزيادة عليه اهـ. قلنا: مبناه على الغفلة

٣٨٠
البينة على المدعى واليمين على من أنكر
ج - ١٥
إحداهما الأخرى﴾ قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهد ويمين المدعى فما يحتاج أن
عن معنى الزيادة التى منعتها الحنفية، وعن الفرق بينها وبين التخصيص.
تحقيق معنى الزيادة على الكتاب:
فالزيادة التى منعوها بخبر الواحد إنما هى الزيادة التى تدفع معنى اللفظ لا الزيادة معنى ما
ذكر ما لم يتعرض له النص لا نفيا ولا إثباتا، فالزائد على النص إذا كان حكما مستقلا بنفسه
مسكوتا عنه فى النص لا يضرو لأنه لا يغير ولا يبدل فلا يسمى نسخا، صرح به العينى فى
"العمدة" (٣٨٠:٦)، والإمام السبكى الشافعى فى "شرح المهذب" (٥٦:١٠)، ونصه: أن المراد
بآية الربا تحريم النساء وتحريم النقد زائد عليها بالسنة. وقد يقال: إنه يأتى بحث الحنفية فى أن الزيادة
على النص إذا كان لها تعلق به نسخ عندهم، والصواب أن ذلك لا يأتى ههنا، لأن إباحة النقد
لم تفهم من الآية وهم إنما يقولون ذلك فيما كانت الزيادة تدفع مفهوم اللفظ اهـ. والتخصيص هو
بيان عدم إرادة بعض ما يتناوله اللفظ، فيبقى الباقى بذلك النظم بعينه، فإن العام إذا خص منه البعض
بقى الحكم فيما وراءه بلفظ العام بعينه، فلم يكن التخصيص نسخا؛ لأن النسخ بيان انتهاء مدة
الحكم الثابت، والتخصيص بيان أن المخصوص لم يكن مرادا بالعدم، فلا يكون رفعا بعد الثبوت،
بل منعا عن الدخول فى حكم العام، ولهذا قلنا: التخصيص لا يكون إلا مقارنا لأنه بيان محض،
وشرط النسخ أن يكون متأخرا فيكون تبديلا لا بيانا محضا، فلا نسلم أن الزيادة على النص
كالتخصيص مطلقا (عینی ٣٨٠:٦).
ولا شك أن الحكم بشاهد ويمين رفع لحكم الشاهدين والشاهد والمرأتين، أى رفع لزوم العدد
الذى اقتضاه لفظ النص، فكيف يقول الحافظ: إنه لا رفع ههنا وأن الناسخ والمنسوخ لم يتواردا
على محل واحد؟ قال: كما فى قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وأجمعوا على تحريم
نكاح العمة مع بنت أخيها، وسند الإجماع فى ذلك السنة الثابتة اهـ قلنا: فالزيادة إنما هى
بالإجماع دون خبر الواحد، والخبر لم يكن ظنيا عند أهل الإجماع بل قطعيا وإن كان قد وصل
إلينا بخبر الآحاد، قال: وكذلك قطع رجل السارق فى المرة الثانية، وأمثلة ذلك كثيرة اهـ. قلنا:
هذه زيادة حكم مستقل بنفسه لم يتعرض له النص نفيا ولا إثباتا، فليس من الزيادة التى منعناها مع
أن ذلك مما قد أجمع عليه أيضا، ويجوز الزيادة على النص بالأجماع مطلقا لكونه قطعيا فافهم.
الجواب عن إيراد الحافظ على الحنفية أنهم زادوا على النص فى مسائل كثيرة:
قال: وقد أخذ من رد الحكم بالشاهد واليمين لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة فى