النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ الوكالة بالخصومة إعلاء السنن ٥٠٧٦- ومن طريق أبى عبيد ثنا عباد بن العوام عن محمد بن إسحاق عن رجل من أهل المدينة يقال له: جهم عن على رضى الله عنه أنه وكل عبد الله بن جعفر بالخصومة فقال: إن للخصومة قحمًا. قال أبو عبيد: قال أبو الزياد: القجم المهالك، رواه "البيهقى" (٨١:٦) فى "سننه"، والجهم بن أبى الجهم ذكره ابن حبان فى "الثقات"، وإجارته إياها تصرف فى حقه، ومع ذلك لا يجوز لما فيه من الإضرار بالمؤجر إذ الناس مختلفون فى الركوب، ولا شك أن الناس يتفاوتون فى الخصومة، كما صرح به قوله عَ له: ((إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الأخر فأقضی له، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هى قطعة من النار)) ومعلوم أن الوكيل إنما يقصد عادة لاستخراج الحيل والدعوى الباطلة ليغلب وإن لم يكن الحق معه، وفى هذا إضرار بالآخر، فلا يلزم إلا بالتزامه إلا إذا كان معذورا، وذلك بسفره أو مرضه فإنه يعجز عن الخصومة بنفسه مع غيبته أو مرضه، وتوكيل على رضى الله عنه وغيره بالخصومة إن لم ينقل فيه استرضاء الخصم لم ينقل عدمه فهو جائز الوقوع، فلا يدل لأحد، قاله المحقق فى "الفتح" (٥٦٠:٦). ٦ وأيضا: فإن عليا رضى الله عنه كان أقضى الصحابة بشهادة الحديث وبدلائل ما نقل إلينا من قضاياه، فكان أهدى إلى الخصومات من أخيه عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر، فالظاهر رضا خصومه بو كالتهما، والكلام فيما إذا كان الوكيل ألحن من الموكل وأبلغ وأهدى منه إلى وجوه الخصومات لا سيما إذا كان المؤكل صالحا يتقى عن استخراج الحيل والدعاوى الباطلة للغلبة والوكيل بضذه، فلا بد أن فى وكالته ضرارا بالآخر، فلا يلزم إلا بالتزامه، ومن شاهد حال وكلاء الزمان فى إحقاقهم الباطل، وأبطالهم الحق لم يشك قط فى صحة قول أبى حنيفة رحمه الله ودقة فهمه فى السنة، فباليقين ندرى أن لو انسد باب الوكالة بالخصومات وسمع الولاة كلام المدعى والمدعى عليه من غير واسطة وشهد شهود عندهم من غير أن يتلقنوا الشهادة من الوكلاء لوضح لهم الحق من أول يوم ترفع فيه الخصومة إليهم، وأكثر ما يقع التاخير فى معرفة الحق من الباطل إنما هو من تلبيسات الوكلاء وتحيلهم على الحق ولبسهم الباطل بالصواب، والفقيه من عرف بحال زمانه، والسلام. وأورد ابن حزم على أبى حنيفة ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن بشير بن يسار عن سهل ابن أبى حثمة ورافع بن خديج فى حديث القسامة، وقد قتل عبد الله بن سهل بخيبر فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى رسول الله عدّ له، فتكلم عبد ج - ١٥ الوكالة بالخصومة ٣٢٢ روى عن أبى بردة بن نیار والمسور بن مخرمة وعبد الله بن جعفر، و عنه ابن إسحاق وعبد الله والعمرى والوليد بن عبد الله بن جميع (تعجيل المنفعة ص٧٤)، وليس بمجهول من روی عنه ثلاثة ثقات، فالحدیث حسن. الرحمن فى أمر أخيه وهو أصغرهم، فقال رسول الله عَّه: ((الكبر الكبر))، أو قال: ((ليبدأ الأكبر))، فتكلما فى أمر صاحبهما الحديث. قال: وقال أبو حنيفة: لا أُقبل توكيل خاضر ولا من كان غائبا على أقل من مسيرة ثلاث إلا أن يكون الحاضر أو من ذكرنا مريضا إلا برضا الخصم، وهذا خلاف السنة وتحديد بلا برهان وقول لا نعلم أحدا قاله قبله اهـ من "المحلى" (٢٤٥:٨). قلت: قد تقدم برهان أبى حنيفة وبه تبين أنه لم يخالف السنة بل اتبعها، وأما هذا الحديث فلو خليناه وظاهره لدل على أن صاحب الحق إذا كان أصغر القوم يجب عليه توكيل الأكبر لقوله مَّه: ((الكبر الكبر)) فى رواية: كبر الكبير ولم يقل بوجوبه أحد، وأيضا فحيث قال أبو حنيفة بجواب توكيل الحاضر إذا كان مريضا فقوله بجواز توكيله إذا كان صبيا أولى، والظاهر أن عبد الرحمن بن سهل كان إذ ذاك صبيا لم يبلغ الحلم. وأيضا فإن عبد الرحمن وحويصة ومحيصة جاءوا إلى رسول الله عَ لّه وتكلموا فى الأمر بغير محضر من الخصم فلو سلمنا عن عبد الرحمن وكل أخويه فى الكلام فلم يكن ذلك من التوكيل بالخصومة فى شىء، فإن كلام الوكيل بالخصومة لا يكون إلا بمحضر من الخصم أو من وكيله كما لا يخفى، ولكن ابن حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه فيورد على الخصم ما لا يرد عليه أصلا. قال فى الهداية: وتجوز الوكالة بالخصومة فى سائر الحقوق وكذا بإيفاءها واستيفاءها إلا فى الحدود والقصاص، فإن الوكالة لا تصح باستيفاءها مع غيبة المؤكل عن المجلس، لأنها تندرئ بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل، بل هو الظاهر للندب الشرعى، بخلاف غيبته الشاهد لأن الظاهر عدم الرجوع، لأن الأصل صدقه خصوصا مع العدلة بل هو نادر، فمن نحو ثمان مائة عام لا يعرف إلا ما وقع عند على كرم الله وجهه فهو بمنزلة ما لا وجود له فلا يصير شبهة يدرأ باعتبارها حكم (فتح). وبخلاف حضرة المؤكل لانتفاء هذه الشبهة، وليس كل أحد يحسن الاستيفاء، فلو منع عنه ينسد باب الاستيفاء أصلا اهـ قال المحقق: إن التعليل بثبوت شبهة العفو حالة الغيبة إنما يستقيم فى القصاص دون الحدود لأن العفو فيها لا يتحقق أصلا، فالوجه أن يضم ما يجرى فيه من إمكان ظهور شبهة أو غلط، فبعد الاستيفاء لا يمكن تدار كه، فيؤخر إلى أن يحضر نفس المستحق احتياطا للدرأ اهـ ملخصا (٥٥٨:٦). ٣٢٣ إعلاء السنن باب التو کیل فی عقد النكاح من الزوج ٥٠٧٧- عن سليمان بن يسار أن النبى عبّ له بعث أبا رافع -مولاه- ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث -وهو بالمدينة - قبل أن يخرج. رواه مالك فى "الموطأ" ، وأعله ابن عبد البر بالانقطاع بين سليمان بن يسار وأبى رافع، لأنه لم يسمع منه، ورجح ابن القطان اتصاله (نيل الأوطار ١٤٢:٥). ٥٠٧٨- عن أم حبيبة - أم المؤمنين- أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشى النبى عّ لٍّ وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث وقال الموفق فى "المغنى": لا نعلم خلافا فى جواز التوكيل فى البيع والشراء، وقد ذكرنا الدليل عليه من الآية والخبر، ويجوز التوكيل فى الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والصلح والوصية والهبة والوقف والصدقة والفسخ والإبراء، لأنها فى معنى البيع فى الحاجة إلى التوكيل فيها، فيثبت فيها حكمه، ولا نعلم فى شىء من ذلك اختلافا اهـ (٢٠٣:٥). قلت: ولا يعتد بخلاف ابن حزم فى بعض ذلك فإنه محجوج بإجماع من تقدمه. باب التوكيل فى عقد النكاح من الزوج قوله: عن سليمان إلخ. قال العبد الضعيف: حديث أم سلمة فى الباب الماضى لم يكن صریحا فی التو کیل فی عقد النكاح من الزوج وحديث الباب صريحان فى ذلك فلذا استدر كتهما على بعض الأحباب، ودلالتهما على معنى الباب ظاهرة. والصحيح أن وكيل النبى معَّ له فى عقد النكاح على أم حبيبة كان هو النجاشى دون عمرو بن أمية الضمرى كما فى المغنى، فإن عمرو بن أمية إنما كان رسولا إلى النجاشى ليخطب أم حبيبة على النبى عّ لّه فتولى النجاشى الخطبة وإيجاب العقد، كما هو معروف فى السير. تزوج رسول الله عَ ◌ّ- ميمونة وهو محرم: فائدة: قال ابن تيمية فى "المنتقى": وفيه -أى فى حديث سليمان بن يسار - دليل على أن تزوجه عّ بميمونة سبق إحرامه وأنه خفى على ان عباس اهـ قلت: الإنصاف أولى بأهل العلم، فإن حديث سليمان هذا منقطع ظاهرا، وإن سلمنا اتصاله فإنما يكون دليلا على ما ذكره لو كان ج - ١٥ التوكيل فى عقد النكاح من الزوج ٣٢٤ بها إلى النبى عٍَّ مع شرحبيل بن حسنة، رواه أبو داود، وهذا الخبر منقول نقل الكافة (المحلى ٢٢٤:٨). قوله وهو بالمدينة قبل أن يخرج ظرفا لقوله: فزوجاه(١)، لم لا يجوز أن يكون ظرفا لقوله: بعث؟ فهذا الأمر إن كان يؤخذ من طريق صحة الإسناد واستقامته كما هو مذهبهم فإن حديث أبى رافع إنما وصله مطر الوراق ومطر عندهم ليس ممن يحتج به، ورواه مالك وهو أضبط منه وأحفظ فقطعه، وحدیث یزید بن الأصم أن النبى متّ نكح خالته ميمونة وهو حلال، ضعفه عمرو بن دينار حين حدثه الزهرى به فقال: وما يدرى يزيد بن الأصم أعرابى بوال، أتجعله مثل ابن عباس؟ فسكت الزهرى ولم ينكره عليه، وهم يضعفون الرجل بأقل من هذا الكلام، وبکلام من هو دون عمرو بن دينار والزهرى، فكيف وقد أجمعا جميعا على الكلام فى يزيد بن الأصم، وأما حديث ميمون ابن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمون بنت الحارث قالت: تزوجنى رسول الله عَ ليه بسرف، ونحن حلالان بعد أن رجع من مكة (فمع كونه محمولا على البناء للإجماع على أنه تزوجها قبل الرجوع من مكة)، فإن أثبت الناس عندهم فى ميمون بن مهران هو جعفر بن برقان. وقد روى هذا الحديث منقطعا، قال الطحاوى: حدثنا فهد ثنا أبو نعيم ثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كنت عند عطاء فجاءه رجل فقال: هل يتزوج المحرم؟ فقال عطاء: ما حرم الله عز وجل النكاح منذ أحله. قال ميمون: فقلت له: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أن سل يزيد بن الأصم: أكان رسول الله عَّه حين تزوج ميمونة حلالا أو حراما؟ فقال يزيد: تزوجها وهو حلال. فقال عطاء: ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، كنا نسمع أن رسول الله عَّه تزوجها وهو محرم. فأخبر جعفر بن برقان عن ميمون بالسبب الذى وقع إليه هذا الحديث عن يزيد بن الأصم (١) ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه ابن سعد بسند فيه الواقدى (وهو ثقة عندنا ومقبول فى المغازى والسير إجماعا) إلى على بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد ◌َّ الخروج إلى مكة للعمرة بعث أوس بن خولى وأبا رافع إلى العباس ليزوجه ميمونة فأضلا بعير بهما، فأقاما أياما ببطن رابغ إلى أن قدم رسول الله معرّ فوجدا بعيريهما فسارا عنه حتى قدما مكة، فأرسل إلى العباس يذكر ذلك له، فجعلت أمرها إلى رسول الله علّ فجاء إلى منزل العباس فخطبها إلى العباس فزوجها إياه اهـ من "الإصابة" (١٩٢:٨)، فهذا صريح فى أنهما لم يزوجاه وهو بالمدينة قبل أن يخرج، وإنما بعثهما قبل خروجه من المدينة، وأما التزوج فإنما كان بمكة وهو محرم. قال الحافظ: قد جزم ابن عباس بأنه تزوجها وهو محرم، وهو فى صحيح البخارى، وقد انتشر الاختلاف فى هذا الحكم بين الفقهاء ومنهم من جمع بأنه عقد عليها وهو محرم وبنى بها بعد أن أحل من عمرته بالتنعيم وهو حلال فى الحل، وذلك بين من سياق القصة عند ابن إسحاق اهـ. ٣٢٥ إعلاء السنن باب الو کالة فى الصرف وأن الو کیل إذا باع بیعًا فاسدًا وجب عليه رده ٥٠٧٩- أخرج سعيد بن منصور من طريق موسى بن أنس عن أبيه أن عمر أعطاه آنية مموهة بالذهب، فقال له: اذهب فبعها. فباعها من يهودى بضعف وزنه، فقال له . وإنما كان ذلك من قول يزيد لا عن ميمونة ولا عن غيرها، ولو كان عنده ممن هو أبعد منه لاحتج به على عطاء ليؤيد به حجته، فهذا هو أصل هذا الحديث عن يزيد بن الأصم لا عن غيره، والذين رووا أن النبى عّ لّ تزوجها وهو محرم أهل علم وأثبت أصحاب ابن عباس: سعد بن جبير وعطاء وطاوس وجاهد وعكرمة وجابر بن زيد، وهؤلاء كلهم أئمة فقهاء يحتج برواياتهم وآرائهم والذين نقلوا عنهم فكذلك أيضا، منهم: عمرو بن دينار وأيوب السختياني وعبد الله بن أبى نجيح، فهؤلاء أيضا أئمة يقتدى برواياتهم. ثم قد روى عن عائشة أيضا ما قد وافق ما روى عن ابن عباس روى ذلك عنها من لا يطعن أحد فيه أبو عوانة عن مغيرة عن أبى الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء أئمة يحتج برواياتهم، فما رووا من ذلك أولى مما روى من ليس كمثلهم فى الضبط والثبت والفقه والأمانة، وأما حديث عثمان مرفوعا قال: (المحرم لا ینکح ولا ینکح))، فإنما رواه نبيه بن وهب، ولیس کعمرو بن دینار ولا كجابر بن زيد ولا كمن روى عن مسروق عن عائشة، ولا لنبيه أيضا موضع فى العلم کموضع أحد ممن ذكرنا، فلا يجوز أن یعارض به جمیع من ذکرنا. (وأيضا: فقد ثبت فيه قوله: ولا يخطب. وقد يتفقوا على جواز خطبة المحرم، فالجواب الجواب والدليل الدليل) وأما النظر فى ذلك فإنهم قد أجمعوا أنه لا بأس للمحرم بأن يبتاع جارية ولكن لا يطأها حتى يحل، ولا بأس بأن يشترى طيبا ليتطيب به بعد ما يحل، ولا بأس بأن يشترى قميصا ليلبسه بعد الحل، وذلك الجماع والتطيب واللباس حرام عليه كله وهو محرم، فلم يكن حرمة ذلك علیه تمنعه عقد الملك علیه، فکذا النكاح. وقد صح عن ابن مسعود أنه کان لا یری بأسا أن يتزوج المحرم، وكذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك ذكره الطحاوى فى "معانى الآثار" بسند قوى (١ :٤٤٤)، وقد سبق الكلام فى المسألة فى باب النكاح مستوفى، وذكرت ههنا ما لم أذكره هناك فاعلم ذلك والله يتولى هداك. باب الوكالة فى الصرف قوله: أخرج سعيد بن منصور إلى أخر الباب. دلالتها على الباب ظاهرة، قال ابن المنذر: ٣٢٦ ج - ١٥ الوكالة فى الصرف عمر: اردده. فقال له اليهودى: أزيدك؟ فقال له عمر: لا إلا بوزنه. وعلقه البخارى مختصراً، وإسناده صحيح، كما فى "فتح البارى" (٣٩٢:٤). ٥٠٨٠- وأخرج سعيد بن منصور أيضاً من طريق الحسن بن سعد قال: كانت لى عند ابن عمر دراهم، فأصبت عنده دنانير فأرسل معى رسولا إلى السوق، فقال: إذا قامت على سعرٍ فأعرضها عليه، فإن أخذها وإلا فاشتر له حقه ثم اقضه إياه، وعلقه البخارى مختصرًا، وإسناده صحيح (فتح البارى ٣٩٢:٤). ٥٠٨١- وعن أبى سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما أن رسول الله عَّ له استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال فى الميزان مثل ذلك. رواه البخارى ولفظ مسلم: ((بيعوا تمرها واشتروا لنا من هذا)) (فتح البارى ٣٩٣:٤) و "المحلى" (٢٤٤:٨). أجمعوا على أن الوكالةٍ فى الصرف جائزة حتى لو وكل رجلا يصرف له دراهم ووكل آخر يصرف له دنانير فتلاقيا وتصارفا صرفا معتبرا بشرطه جاز ذلك. كذا فى "فتح البارى". وفى الحديث دلالة أيضا على أن الوكيل إذا باع بيعا فاسدا فبيعه مردود لما فى بعض طرق الحديث عند مسم من طريق أبى نضرة عن أبى سعيد فقال: هذا الربا فرده. وعند الطبرى من طريق سعيد بن المسيب عن بلال قال: كان عندى تمر دُون فابتعت منه تمرا أجود منه الحديث. وفيه: فقال النبى عَّ ◌ُله: هذا الربا بعينه فرده علىصاحبه وخذ تمرك ويعه بحنطة إو شعير ثم اشتر به من هذا التمر ثم جئنى به اهـ، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣٩٩:٤)، وهذا لا يرد على ما فى "الفتاوى الهندية" أن الوكيل بالبيع المطلق إذا باع بيعا فاسدا لا يضمن بالبيع والتسليم وللو كيل أن يسترده، والمأمور بالبيع الفاسد إذا أتى بالبيع الجائز جاز استحسانا، كذا فى "الخلاصة" اهـ (٣٠٣:٤)، فإن حديث أبى سعيد وبلال لا دلالة فيها على كون الوكيل ضامنا، وغاية ما فيهما وجوب فسخ البيع ورده على الوكيل، ووجوب ذلك عليه يستدعى بقاءه على الوكالة، ولا ضمان على الوكيل ما دام وكيلا لكونه أمينا، فافهم. ٣٢٧ إعلاء السنن باب للوكيل أن يصدق رسول الموكل إذا علم بصدقه بعلامة بينهما . ٥٠٨٢- نا عبيد الله بن سعد بن إبراهیم نا سعد نا عمی هو یعقوب بن إبراهیم نا أبى هو إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن أبى نعيم وهب بن كيسان قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أردت الخروج إلى خيبر فقال لى رسول الله عَّ له: ((إذا باب للو کیل أن یصدق رسول المو کل إذا علم بصدقه بعلامة بينهما قوله: نا عبيد الله إلخ. فيه دليل صحة الوكالة وفيه دليل أيضا على جواز اتخاذ علامة بين الوكيل ومؤكله لا يطلع عليها غيرهما ليعتمد الوكيل عليها فى تصديق الرسول لأنها سهل من الكتاب، فقد لا يكون أحدهما ممن يحسنها، ولأن الخط يشبه الخط، وهل إذا دفع الوكيل بالعلامة يبرأ بالدفع إليه ولا يضمن؟ قال فى "الدر" عن "الأشباه": إذا قال الدائن لمديونه: من جاءك بعلامة كذا فادفع مالى عليك إليه لم يصح، لأنه توكيل مجهول ولا يبرأ وعن الوهبانة، ومن قال: (٦٤٥:٤) فأعطاه لم يبرأ وبالمال يخسر اعط المال قابض خنصر وفى "الأشباه": ومن التوكيل المجهول قول الدائن لمديونه: من جاءك بعلامة كذا، ومن أخذ إصبعك، أو قال: لك كذا فادفع مالى عليك إليه لم يصح لأنه توكيل مجهول فلا يبرأ بالدفع إليه كما فى القنية اهـ قال الحموى: وفيها من باب الوكالة بقضاء الدين وكل بعض الورثة إنسانا ليستوفى نصيبه من ديون مورثه على الناس ولا يعلم المؤكل والوكيل بعض من عليهم الديون يصح، أفتى به تاج الدين أخو الحسام الشهيد بعد التأمل والمباحث الكثيرة، وفيها آخر الكتاب فى المسائل التى لم يجد فيها رواية منصوصة ولا جوابا من المتأخرين إذا قال المودع للمودع: من جاءك بعلامة كذا بأن أخذ من إصبعك وقال لك كذا فادفع إليه الوديعة هل يصح هذا التوكيل أم لا يصح لکون الو کیل مجهولا ویضمن بالدفع؟ فقد جزم هنا بعدم صحة الو کالة لکونه تو کیل مجهول. وتردد هناك مع أن فى كل منهما توكيل مجهول، فليتأمل اهـ (ص ٢٥٠). قلت: ولا يخفى أن حديث المتن ليس بنص فى جواز توكيل المجهول، فليس فيه أنه عرق. كان قال لوكيله: من جاءك بعلامة كذا فادفع إليه المال، بل غاية ما فيه أنه اتخذ علامة بينه وبين وكيله ليعتمد الوكيل عليها فى تصديق الرسول، فدل على جواز اتخاذ مثل هذه العلامة، وعلى أن للوكيل تصديق الرسول بها إذا شهد قلبه بصدقه، وأما أنه يبرأ بالدفع إليه ولا يضمن فالحديث ساكت عنه فللمجتهد أن يميل إلى أحد الجانبين باجتهاده، والمسألة لا نص فيها عن الإمام وأصحابه ج - ١٥ للوكيل أن يصدق رسول الموكل إذا علم بصدقه بعلامة بينهما ٣٢٨ أتيت وكيلى بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته)). رواه أبو داود، كما فى "المحلى" (٢٤٤:٨)، ولم يعله بشىء، وفى "عون المعبود" (٣٥١:٣): قال المنذرى: فى إسناده محمد بن إسحاق اهـ. أى وفيه مقال لا سیما إذا لم يصرح بالتحدیث فالحدیث حسن، کما يدل علیه سکوت أبى داود عنه. ولا عن المتأخرين من مشائخ المذهب كما قاله صاحب "القنية". وقال الموفق فى "المغنى": وإذا كان على رجل دين وعنده وديعة فجاءه إنسان فادعى أنه وكيل صاحب الدين والوديعة فى قبضهما وأقام بذلك بينة وجب الدفع إليه، وإن لم يقم بينة لم يلزمه دفعهما إليه سواء صدقه فى أنه وكيل (بعلامة أو بغير ها)، أو كذبه. وبهذا قال الشافعى. ٠ وقال أبو حنيفة: إن صدقه لزمه وفاء الدين وفى دفع العين إليه روايتان: أشهرهما: لا يجب تسليمها، واحتج بأنه أقر له بحق الاستيفاء فلزمه إيفاءه، كما لو أقر له أنه وارثه. ولنا: أنه تسليم لا يبرئه فلا يجب، وفارق الإقرار بكونه وارثه، لأنه يتضمن براءته فإنه أقر بأنه لا حق لسواه، فإن دفع إليه مع التصديق أو مع عدمه فحضر المؤكل وصدق الوكيل برئ الدافع، وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف وكان الحق عينا قائمة فى يد الوكيل (المدعى الوكالة) فله أخذها، وله مطالبة من شاء ردها، لأن الدافع دفعها إلى غير مستحقها، وإن تلفت العين أو تعذر ردها فلصاحبها الرجوع ببدلها على من شاء منهما، لأن الدافع ضمنها بالدفع، والمدفوع إليه قبض ما لا يستحق قبضه، وأيهما ضمن لم يرجع على الآخر إلا أن يكون الدافع دفعها إلى الوكيل من غير تصديقه فيما ادعاه من الوكالة. وإن كان المدفوع دينا لم يرجع إلا على الدافع وحده، لأن حقه فى ذمة الدافع لم يبرأ منه بتسليمه إلى غير وكيل صاحب الحق، ويرجع الدافع فيما أخذ منه الوكيل، ويكون قصاصا مما أخذ منه صاحب الحق، وإن كان قد تلف فى يد الوكيل لم يرجع عليه بشىء لأنه مقر بأنه أمين لا ضمان عليه إلا أن يتلف بتعديه وتفريطه، فيرجع عليه اهـ ملخصا (٢٣٤:٥). والأشبه بمذهب أبى حنيفة أن لا يجب على المديون ولا على المودع دفع الدين أو الوديعة إلى من جاءه يدعى كونه وكيلا عن الدائن أو المودع بعلامة بينهما لا يطلع عليها غيرهما، كما قال فى اللقطة أن الملتقط لا يجبر على دفعها إلى من وصفها بصفاتها، نعم! يجوز له دفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقه ولا يبرأ بالدفع إليه ما لم يصدقه الدائن أو المودع فافهم. وأما ما ذكره الموفق ومثله فى "الكنز" وغيره أن من ادعى أنه وكيل الغائب فى قبض دينه فصدقه الغريم أمر بدفعه إلیه، والمراد بأمره جبره عليه، كما فى "البحر" عن السراج (١٨٣:٧)، فهذا إذا كان الْغريم صدقه لعدالة ٣٢٩ إعلاء السنن باب یصح إقرار الو کیل على الموكل عند الحاكم دون غيره ٥٠٨٣- عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة فى قصة وفد هوازن أن رسول الله عَّ ◌ُلّه قال: ((أما بعد! فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين وإنى قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل)) فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله عَّه فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إنا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفائكم أمركم))، فرجع الناس فكلمهم عرفاءهم ثم رجعوا إلى رسول الله عّ لّه فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. رواه البخارى فتح البارى (٤: ٣٩٤). عنده لا بمجرد الاعتماد على العلامة، وأما إذا صدقه اعتمادا على العلامة فحكم المديون والمودع فيه سواء أنهما لا يجبران على الدفع، لأن الاعتماد على العلامة ليس بحجة، هكذا ينبغى فهم المقام، والله تعالى أعلم بالصواب. باب یصح إقرار الو کیل علی المو کل عند الحاکم دون غيره قوله: عن مروان بن الحكم إلخ. قال الخطابي: فيه أن إقرار الوكيل على الموكل مقبول، لأن العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم. وبهذا قال أبو يوسف، وقيده أبو حنيفة ومحمد بالحاكم أى قالا: إقراره جائز عليه عند الحاكم ولا يجوز عند غيره (عينى)، قال: وقال مالك: لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلا أن يجعل ذلك إليه موكله (٦٩٣:٥)، وقال الشافعى وابن أبى ليلى: لا يصح إقرار الوكيل على الموكل. قال الحافظ فى "الفتح": وليس فى الحديث حجة للجواز لأن العرفاء ليسوا وكلاء وإنما هم كالأمراء عليهم فقبول قولهم فى حقهم بمنزلة قبول قول الحاكم فى حق من هو حاكم عليه، والله أعلم اهـ (٤: ٣٩٤). قلت: ولا يخفى أن العرفاء بالوكلاء أشبه منهم بالأمراء، سلمنا ولكن قبول قول الحاكم فى حق من هو حاكم عليه مسبب من وصف نيابة عنهم لا من حكومة عليهم، ألا ترى أن السجان حاكم على المسجونين، ولا يصح إقراره عليهم لكونهم لم يؤمروه، وكذلك الباغى إذا تغلب على ج - ١٥ يصح إقرار الوكيل على الموكل عند الحاكم دون غيره ٣٣٠ ٥٠٨٤- وفيه أيضًا: أخرج ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى عّ لّه قال لوفد هوازن: نصيبى لكم، وعلقه البخارى. أهل العدل لا يكون قوله مقبولا فى حقهم، وظنى أن لا حجة لأحد فى الحديث، لأن الناس کانوا(١) قد و کلوا عرفاءهم بأن يبلغوا رسول الله ێے إذنهم ویطیبهم، أو کانوا رسلا منهم إليه، ولا نزاع فى ذلك، وإنما النزاع فيما إذا لم يجعل الموكل أمر الإقرار والإنكار إلى الوكيل، واستدل به بعضهم على جواز القرص إلى أجل مجهول لقوله: حتى نعطيه أياه من أول ما يفىء الله علینا، ولا يرد عليه جواز استقراض الحيوان لأن ذلك كان استقراضا على بيت المال، وقد قلنا بجوازه، كما مر عن "المبسوط " فى بابه. وقال ابن المنير: قوله مَّه الوفد: ((نصيبى لكم)) قد يوهم أن الموهبة وقعت للوسائط وليس كذلك، بل المقصود هم وجميع من تكلموا بسببه، فيستفاد منه أن الأمور تنزل على المقاصد لا على الصور، وأن من شفع لغيره فى هبة فقال المشفوع عنده للشفيع: قد وهبتك ذلك فليس للشفيع أن يتعلق بظاهر اللفظ ويخص بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له، ويلتحق به من و کل على شراء شىء بعينه فاشتراه الوكيل، ثم ادعى أنه إنما نوى نفسه فإنه لا يقبل منه ويكون المبيع للمؤكل. قال الحافظ فى "الفتح": وهذا قاله أى ابن المنير على مقتضى مذهبه وفى المسألة خلاف مشهور اهـ (٣٩٥:٤). قلت: مذهبنا فى ذلك ما ذكره ابن المنير سواء، كما فى "الهداية" (١٦٨:٣). حكم ما يبهبه الناس لسفراء المدارس: وعرف بمسألة الهبة للشفيع حكم ما يهبه الناس لسفراء المدارس ويقولون: هذا لكم فليس لهم أن يتعلقوا بظاهر اللفظ ويخصوا به أنفسهم بل الهبة للمدارس لا لهم، إلا أن يكون الواهب من معارفهم، وقد جرت عادته بالإهداء إليهم من قبل، وهذه واقعة الفتوى قد سئلت عنها فأجبت بما قاله ابن المنير سواء من غير سابقة الاطلاع عليه فلله الحمد على الموافقة. (١) بدليل قوله مرّ ◌ُّه: ((فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاءكم أمركم) وهو يشتمل الأمر بتوكيلهم العرفاء فى ذلك أو جعلهم إياهم رسلا إليه أو يقال: إن رسول الله عَّةٍ وكل العرفاء فى تحقيق الحال، فاعتمدهم فيما أخبروه به كما يعتمد القاضى على المزكين فى تعدیل الشهود ونحوه. إعلاء السنن ٣٣١ باب التوكيل بحفظ الصدقة وأدائها وأنه يجوز للوكيل التصدق بها على غير من أمره الموكل بالتصدق عليه أو بالحفظ له من الفقراء والمساكين إذا أجازه الموكل ٥٠٨٥- كتب عبد الله بن عمرو إلى قهرمانه وهو غائب عنه أن يزكى عن أهله الصغير والكبير علقه البخارى (فتح البارى ٣٩٣:٤). باب التوكيل بحفظ الصدقة وأدائها وأنه يجوز للوكيل التصدق بها على غير من أمره الموكل بالتصدق عليه أو بالحفظ له من الفقراء والمساكين إذا أجازه الموكل قوله: كتب عبد الله بن عمر إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على التوكيل بأداء الصدقة ظاهرة. جواز أداء الزوج عن زوجته والأب عمن هو فى عياله من الأولاد الكبار صدقة الفطر والزكاة بدون إذنهم وكذلك التضحية: فيه أيضا جواز أداء الزوج صدقة الفطر عن زوجته بدون إذنها وكذا الأب عن أولاده الكبار بدون إذنهم إذا كانوا فى عياله، لأن عبد الله بن عمرو أمر قهرمانه بأداء الزكاة أى زكاة الفطر عن أهله صغيرهم وكبيرهم، ولم يأمره بأن يستأذن أهله فى ذلك، أو يخبرهم بأمره، قال فى "الدر" : لا عن زوجته وولده الكبير العاقل، ولو أدى عنهما بلا إذن أجزاه استحسانا للإذن عادة، أى لو فى عياله، وإلا فلا. "قهستانى" عن "المحيط" فليحفظ اهـ قال الشافعى: وقال فى "البحر": وظاهر "الظهيرية" أنه لو أدى عمن فى عياله بغير أمره جاز مطلقا بغير تقييد بالزوجة والولد اهـ. وأشار بقوله: للإذن عادة. أى وجود النية حكما وإلا فقد صرح فى "البدائع" بأن الفطرة لا تتأدى بدون النية تأمل اهـ (١٢٠:٢). قلت: وقس على ذلك دفع الزكاة والتضحية عنهم بغير أمرهم والله تعالى أعلم، ويشهد لذلك أنه معِّ ذبح عن عائشة رضى الله عنها بقرة يوم النحر، وفى رواية: أن رسول الله عَ لّه نحر عن نسائه رواه مسلم (٤٢٤:١) ولم يثبت أنه استأذنهن فى ذلك، ولو وقع لنقل ولو فى رواية كما هو مقتضى العادة. ٠ ج - ١٥ التوكيل بحفظ الصدقة وأدائها ٣٣٢ ٥٠٨٦- عن أبى هريرة قال: وكلنى رسول الله عَّ ◌ُّه بحفظ زكاة رمضان فأتانى آتٍ، فجعل يحثو من الطعام فأخذته. وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله عَ لّم قال: إنى محتاج وعلى عيال ولى حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت فقال النبى عد له: ((يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)) قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعیالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: ((أما إنه قد كذبك وسيعود))، الحديث رواه البخارى. ٥٠٨٧- وفى رواية الرويانى عن معاذ بن جبل فقلت: يا عدو الله! وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، الحديث (فتح البارى ٣٩٦:٤). قوله: عن أبى هريرة إلخ. قلت: فيه أن أبا هريرة خلى سبيل الآتى حين شكا إليه الحاجة والعيال، وكان قد عرف أنه ليس ممن أمر النبى معَ ظّم بحفظ الصدقة لهم لما فيه من قوله: لأرفعنك إلى رسول الله عَّ ◌ُّه، وفى حديث معاذ من قوله: وكانوا -أى فقراء المدينة- أحق منك، فدل على أن لو كيل الصدقة أن يتصدق بها على غير من أمر بالتصدق عليهم، أو بحفظ الصدقة لهم. وبوب البخارى على ذلك إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه المؤكل فهو جائز. قال المهلب: مفهوم الترجمة أن المؤكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه فهو غير جائز، كذا فى "فتح " البارى" (٣٩٦:٤). وفى "رد المحتار" تحت قول " الذر": وللوكيل أن يدفع لولده الفقير وزوجته لا لنفسه إلخ مانصه: وهذا حيث لم يأمره بالدفع إلى معين، إذ لو خالف ففيه قولان حكاهما فى " القنية"، وذكر فى "البحر" أن القواعد تشهد للقول بأنه لا يضمن لقولهم: لو نذر التصدق على فلان له أن يتصدق على غيره اهـ. أقول: وفيه نظر لأن تعيين الزمان والمكان والدراهم والفقير غير معتبر فى النذر، لأن الداخل تحته ما هو قربة وهو أصل التصدق دون التعيين فيبطل وتلزم القربة كما صرحوا به، وهنا الوكيل إنما يستفيد التصرف من المؤكل وقد أمره بالدفع إلى فلان يملك الدفع إلى غيره، كما لو أوصى لزيد بكذا ليس للوصى الدفع إلى غيره، فتأمل اهـ (١٧:٢). وقد كنت ذهبت إلى ترجيح قول صاحب "البحر" فى ذلك، ورأى شيخنا حكيم الأمة ترجيح قول ابن عابدين فرجعت إلى قوله وفى القلب منه شىء حتى وقفت على ما ذكره الموفق فى "المغنى" بما نصه: ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن مؤكله من جهة النطق، أو من جهة العرف، لأن تصرفه بالإذن فاختص بما أذن فيه، والإذن يعرف بالنطق تارة وبالعرف أخرى إلى أن قال: وإن عين له المشترى فقال: بعه من فلان. لم يملك بيعه لغيره بغير خلاف علمناه سواء قدر إعلاء السنن ٣٣٣ باب إذا قال الموكل للوكيل: أعط فلانًا شيئا أو قال: اقضه حقه وزده، يحمل على المتعارف ٥٠٨٨- عن جابر بن عبد الله فى قصة اشتراء النبى معَّ اللّه جمله وفيه أنه قال: بل بعنيه قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة قال: فلما قدمنا المدينة قال: يا بلال! اقضه وزده. فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطًا. رواه الشيخان(١) (فتح البارى ٤: ٣٩٥). له الثمن أو لم يقدره، لأنه قد يكون له غرض فى تمليكه إياه دون غيره إلا أن يعلم الوكيل بقرينة، أو صریح أنه لا غرض له فى عين المشترى اهـ (٢٥٢:٥). وهذا عين ما قاله الشيخ فى مسألة التعيين فى الزكاة: إنه قد يكون قصد المؤكل إيصال النفع إلى معين (لقرابة، أو صدقة، أو زهد، أو حاجة) مع سقوط الواجب اهـ فلا يجوز للوكيل الدفع إلى غيره، فحمدت الله على الموافقة فلا يجوز لأهل المدارس دفع ما جاءهم من الصدقات باسم المدرسة إلى من لا علاقة له بها، أو باسم الطلبة إلى من ليس هو منهم فليحفظ ذلك، ظ. دليل جواز إخراج صدقة الفطر قبل العيد: فائدة: وفى الحديث دلالة أيضا على جواز إخراج صدقة الفطر قبل العيد، لأن المراد بزكاة رمضان صدقة الفطر ليس إلا وكانوا يجمعونها قبل ليلة الفطر ويؤكلون البعض لحفظها وتفرقتها. باب إذا قال المو کل للو کیل: أعط فلانًا شيئا أو قال: اقضه حقه وزده، يحمل على المتعارف قوله: عن جابر إلخ. قال ابن بطال: فيه الاعتماد على العرف، لأن النبى معَّه لم يعين قدر الزيادة فى قوله: وزده. فاعتمده بلال على العرف فاقتصر على قيراط، فلو زاده مثلا دينارا لتناوله. مطلق الزيادة لكن العرف يأباه كذا قال، ونازعه الحافظ فى ذلك باحتمال أن يكون هذا القدر كان النبى معَّ أذن فى زيادة، وذلك القدر الذى زيد عليه كأن يكون أمره أن يزيد من يأمر له بالزيادة على كل دينار ربع قيراط، فيكون عمله فى ذلك بالنص، لا بالعرف اهـ (٣٩٦:٤). قلت: ولكن مجرد الاحتمال العقلى لا يجدى فى النقل شيئا، ولو كان بناء فعل بلال هذا (١) من عادة الحافظ أنه ينص فى آخر كل كتاب على عدد الروايات التى اشتمل عليها، وعلى أن مسلما وافقه على تخريجها سوى أحاديث بينهما، فليعلم ذلك. ٠٩ ٣٣٤ ج - ١٥ إذا قال الموكل أعط فلانًا شيئا أو اقضه حقه وزده، يحمل على المتعارف على النص لنقل ولو فى رواية كما هو مقتضى عادة الصحابة رضى الله عنهم فى ذكر كل قليل وكثير مما يتعلق بالقصة، وإذ لم يكن من ذلك شىء بالظاهر ما قاله ابن بطال، وإليه مال البخارى رحمه الله حيث بوب عليه: إذا وكل رجل رجلا أن يعطى شيئا ولم يبين كم يعطى فأعطى على ما يتعارفه الناس. وإذا لم يكن هناك عرف بطلت الوكالة لفحش الجهالة، فإن الجهالة الفاحشة لا تتحمله الوكالة إلا إذا قيل للوكيل: اعمل برأيك أو افعل ما شئت فتصح، وللو كيل أن يعمل برأيه لأن الجهالة الفاحشة لا تضر مع تفويض الرأى إليه. قال فى "البدائع": والأصل فيه أن الجهالة إن كانت كثيرة تمنع صحة التوكيل، وإن كانت قليلة لا تمنع، وهذا استحسان. وفيه أيضا أن التوكيل بالشراء نوعان: عام وخاص، فالعام أن يقول له: اشتر لى ما شئت أو ما رأيت. ويصح مع الجهالة الفاحشة من غير بيان النوع والصفة والثمن، لأنه فوض الرأى إليه فيصح مع الجهالة الفاحشة، والخاص أن يقول: اشتر لى ثوبا أو حيوانا أو دابة أو جوهرا ونحوه، فلا يجوز التوكيل إلا بعد بيان النوع، أو الصفة، أو الثمن، أو جميعا لتقل الجهالة اهـ ملخصا (٢٣:٦)، هذا ما ظهر لى فى حكم مسألة الباب من القواعد، ولم أره صريحا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. إذا و کله بشراء شاة بدینار فاشترى به شاتین: فائدة: قال الموفق فى "المغنى": وإن وكله فى شراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوى كل واحدة منهما أقل من دينار لم يقع(١) للموكل، وإن كانت كل واحدة منهما تساوى دينارا أو إحداهما تساوى دينارا والأخرى أقل من دينار صح ولزم الموكل. هذا المشهور من مذهب الشافعى. قال أبو حنيفة: يقع للموكل إحدى شاتين بنصف دينار والأخرى للوكيل، لأنه لم يرض إلا بالزامه عهدة شاة واحدة. ولنا: أن النبى معَّ أعطى عروة بن الجعد دينارا، فقال: اشتر لنا به شاة. فاشترى شاتين بدينار ثم باع منه شاة بدينار فأتى النبى عّ لّه بالدينار وبالشاة، الحديث اهـ ملخصا (٢٥٩:٥). قلت: هذا حجة لأبى حنيفة لا عليه وإنما كان حجة عليه لو كان أتى النبى مد ◌ّ. (١). لأن شاة بدينار أعلى مما هى بأقل من دينار، فلعله كان يريد الأعلى دون الأدنى. ٣٣٥ إعلاء السنن باب التوكيل بالجعل المسمى ٥٠٨٩- أخرج البيهقى (٣٣:٦): من طريق سفيان الثورى يحدث عن سماك ابن حرب عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدی بزاً من حجر، أو البحرين، بشاتين(٢) وأما إذا باع واحدة منهما وأتى بشاة فهو يؤيد قول أبى حنيفة يقع للموكل إحدى الشاتين بنصف دينار والأخرى للوكيل، وإقدام عروة على بيعها دليل على أن الأخرى لم تقع للنبى معَّ عنده، بل وقعت له، فافهم. قال الموفق: فإن باع الوكيل إحدى الشاتين بغير أمر الموكل ففيه وجهان: أحدهما: البيع باطل، لأنه باع مال موكله بغير أمره فلم يجز كبيع الشاتين. والثانى: إن كانت الباقية تساوى دينارا جاز لحديث عروة البارقى ولأنه حصل له المقصود وزيادة. ولو كانت غير الشاة جاز فجاز له إبدالها بغيرها. وظاهر كلام أحمد صحة البيع، لأنه أخذ بحديث عروة وذهب إليه (وهذا هو الصحيح لوجوب حمل فعل الصحابى على الصحة لا سيما وقد قرره النبى معَِّ عليه) اهـ ملخصا (٢٦٠:٥). باب التوكيل بالجعل المسمى قوله: أخرج البيهقى إلخ. قلت: اختلف سفيان وشعبة فى سنده فقال سفيان: عن سماك عن سويد بن قيس. وقال شعبة: فقال عن سماك عن أبى صفوان بن عميرة وفى رواية: قال: سمعت أبا صفوان مالك بن عميرة. ذكره أبو داود والبيهقى رجحا قول سفيان وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" وقال أبو صفوان: كنية سويد بن قيس هما واحد صحابى من الأنصار، والحديث صحيح على شرط مسلم وقال الحاكم أبو أحمد فى "الكنى": أبو صفوان مالك بن عميرة، ويقال: سويد بن قيس، وقال أبو عمر - ابن عبدالبر -: أبو صفوان مالك بن عميرة، ويقال: سويد ابن قيس. وذكر له الحديث، وهذا يدل على أنه عندهما رجل واحد كنيته أبو صفوان، واختلف فى اسمه قاله المنذرى، كما فى "العون" أيضا. (١) وأيضًا: فأبو حنيفة لم يقل بفساد البيع، ولا ببطلان الولاكة، وإنما قال: بأن الأخرى لا يلزم الموكل ما لم يرض بها، فلو أتى عروة بشاتين، ورضى بهما النبى معٍَّ كان ذلك أيضًا حجة له، لا عليه، وإنما كان ذلك يرد عليه لو أنككر النبى عّ لّ. على عروة بيعه إحدى الشاتين، وإذا فلا، فافهم. ج - ١٥ التوكيل بالجعل المسمى ٣٣٦ فلما كنا بمنى أتانا رسول الله عَ ليه فاشترى منى سراويل قال: وثم وزان يزن بالأجر، فدفع إليه رسول الله ێ﴾ الثمن. ثم قال له: «زن وارجح))، و کذلك رواه قيس بن الربيع عن سماك اهـ. وأخرجه أبو داود فى السنن. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح اهـ. ومخرفة هذا بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة بعدها راء مهملة وفاء وتاء تأنيث (عون المعبود ٣: ٢٥٠) ومن التوكيل بالأجر بعث العاملين على الصدقات وإعطائهم العمالة وهو جائز بالنص. ومعروف من فعل النبى معَ ◌ّه ولهذا قال له ابنا عمه: لو بعثتنا على هذه الصدقات فنؤدى قلت: فليس خطأ شعبة فيه بمتعين، ولم أر موضعا نسبوه فيه إلى الخطأ إلا وجدت له ما يبرئه من الخطأ، كيف لا وهو أمير المؤمنين فى الحديث فارس هذا الميدان، قال أحمد: كان أمة وحده فى هذا الشأن يعنى فى الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال، وقال الشافعى: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق اهـ من "التهذيب" (٤٤٣:٤). قلت: وهو الذى كتب إلى أبى حنيفة الإمام أن يحدث يأمره به وشعبة شعبة، قاله ابن معين، كما مر فى المقدمة، ودلالة الحديث على جواز التوكيل بالأجر ظاهرة، فإن الوزان كان وكيلا عن المشترين فى الوزن وكان يزن بالأجر ولم ينكره النبى معَّ له، ثم بعث النبى معَّ العاملين وأعطاهم العمالة وكانوا نوابا له عٍَّ فى ذلك، وهو ظاهر. قال بن قدامة: ويجوز التوكيل بجعل وغيره لأنه تصرف بغيره لا يلزمه، فجاز أخذ الجعل عليه كرد الآبق، ويجوز بغيره بغير خلاف قال: ولو قال (المؤ کل): بع ثوبی بعشرة فما زاد فلك، صح نص علیه (أحمد). وروى ذلك عن ابن عباس وهو قول ابن سيرين وإسحاق، وكرهه النخعى وحماد وأبو حنيفة والثورى والشافعى وابن المنذر، لأنه أجر مجهول يحتمل الوجود وعدمه. ولنا: أن عطاء روى عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل الرجل الثوب، أو غيره فيقول: بعه هكذا فما ازددت فهو لك. ولا يعرف له مخالف فى عصره فكان إجماعاً(١) ولأنها عين تنمى بالعمل عليها أشبه دفع ما له مضاربة اهـ (٢٥٨:٥)، قلنا: إن كان هذه إجارة فيشترط فى عوض الإجارة كونه معلوما بالإجماع لا نعلم فى ذلك مخالفا، وقد روى عن .(١) قلنا: لم يكن النخعى ولا حماد ولا أبو حنيفة والثورى والشافعى وابن المنذر ليخالفوا الإجماع، فالظاهر ثبوت الخلاف فى ذلك بدليل ما سیأتی. 22 إعلاء السنن ٣٣٧ إليك ما يؤدى الناس ونصيب ما يصيبه الناس - يعنيان العمالة- (٤٩:٩) رواه مسلم، وقد ذكرناه فى كتاب الزكاة. باب إذا وكل المسلم حربيا فى دار الحرب أو فى دار الإسلام جاز ٥٠٩٠- عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال: كاتبت أمية بن خلف النبى عّ لّه: ((من استأجر أجيرا فليعلمه أجره)) صرح به الموفق فى "المغنى" (١١:٦)، وسيأتى بسطه فى الإجارات، وإن كان مضاربة فقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض (وهو المضاربة) إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعى والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى ذكره الموفق فى "المغنى" أيضا (١٤٨:٥)، ونص على أن من شرط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل لأنه يستحقه بالشرط فلم يقدر إلا به (١٤٢:٥)، وههنا قد شرط صاحب المتاع لنفسه دراهم معلومة ولم يقدر للعامل أجره وهو ظاهر فلا بد من حمل أثر ابن عباس على أنه لم يقل ذلك فيما إذا كان قول صاحب المتاع: فما ازددت فهو لك شرطا فى العقد، بل إذا كان وعدا منه على طريق التبرع والإحسان، وإذا كان كذلك فالربح ملك المؤكل وينبغى له أن يهبه للوكيل، إيفاء لما وعده ولا يجب عليه ذلك لأنه لا جبر فى التبرع، فافهم. باب إذا وكل المسلم حربيا فى دار الحرب أو فى دار الإسلام جاز قوله: عن عبد الرحمن بن عوف إلخ: قال العبد الضعيف: موضع الاستدلال من الحديث عن عبد الرحمن بن عوف وهو مسلم فى دار الإسلام فوض إلى أمية بن خلف وهو كافر فى دار الحرب ما يتعلق بأموره، والظاهر اطلاع النبى معَّ ◌ُلّه ولم ينكره. قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيا مستأمنا وتوكيل الحربى المستأمن مسلما لا خلاف فى جوازه، كذا فى "فتح البارى" (٣٩٢:٤). قلت: ولكن ظاهر الحديث يدل على جواز توكيل الحربى فى دار الحرب أيضا، وبه قال الأئمة الفقهاء فإن أمية بن خلف قتل ببدر وكاتبه عبد الرحمن بن عوف بعد الهجرة وكانت مكة إذ ذاك دار حرب كما هو ظاهر. قال الموفق فى "المغنى": وإن وكل مسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه صح توكيله سواء كان ذميا أو مستأمنا أو حربيا أو مرتدا، لأن العدالة غير مشترطة فيه وكذلك الدين كالبيع، وإن وكل مسلما فارتد (والعياذ بالله) لم تبطل وكالته سواء لحق بدار الحرب أو أقام. ج - ١٥ إذا و کل المسلم حربیا فی دار الحرب أو فى دار الإسلام جاز ٣٣٨ كتابًا أن يحفظنى فى صاغیتی بمكة، وأحفظه فى صاغيته بالمدينة، الحديث رواه وقال أبو حنيفة: إن لحق بدار الحرب بطلت وكالته لأنه صار منهم(١) ولنا: أنه يصح تصرفه لنفسه فلم تبطل وكالته، كما لو لم يلحق بدار الحرب، ولأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته فلم تمنع استدامتها كسائر الكفر، وإن ارتد المؤكل لم تبطل الوكالة فيما له التصرف فيه. فأما الوكيل فى ماله فيبنى على تصرفه نفسه، فإن قلنا: يصح تصرفه لم يبطل توكيله، وإن قلنا: هو موقوف، فوكالته موقوفة، وإن قلنا: يبطل تصرفه بطل توكيله، وإن وكل فى حال ردته ففيه الوجوه الثلاثة أيضا اهـ (٢٤٥:٥)، فتراه إنما ذكر الاختلاف فى توكيل المرتد وكالته ولم يذكره فى توكيل المسلم الكافر، ولو حربيا. وفى "البحر الرائق": وما يرجع إلى الوكيل فالعقل، فلا يصح توكيل مجنون وصبى لا يعقل، لا البلوغ والحرية وعدم الردة، فيصح توكيل (المسلم) المرتد ولا يتوقف لأن المتوقف ملكه اهـ (٧: ١٤٠)، وفيه أيضا فى بيان شروط الموكل: لا يصح توكيل مجنون وصبى لا يعقل مطلقا، وصبى يعقل بنحو طلاق وعتاق من التصرفات الضارة، فيصح توكيله بالنافعة بلا إذن وليه كقبول الهبة إلى أن قال: وأما توكيل المرتد (أحدا) فموقوف، إن أسلم نقذ وإلا بأن قتل أو مات أو لحق عنده، وقالا: نافذ اهـ (١٤٢:٧). وحاصله: أن عدم الردة ليس بشرط للوكيل وإنما هو شرط فى المؤكل، فإن لحق الوكيل بدار الحرب مرتدا لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلما، ولو عاد الموكل مسلما بعد اللحاق لا تعود الوكالة فى الظاهر -أى ظاهر الرواية- والفرق أن مبنى الوكالة فى حق الموكل على الملك وقد زال فى حق الوكيل على معنى قائم به، ولم يزل باللحاق، كذا فى "الهداية" (١٨٤:٣)، ومقتضاه: صحة توكيل المسلم الحربى فى دار الحرب، لأنه إذا لم يزل مبنى الوكالة فى حق الوكيل بلحاقه بدار الحرب مرتدا فلأن لا يزول بكونه فى دار الحرب حربيا أولى، ولكن فى "الهندية" عن "الحاوى": وإن وكل مسلم حربيا فى دار الحرب والمسلم فى دار الإسلام فالوكالة باطلة. وكذا لو وكل حربى فى دار الحرب مسلما فى دار الإسلام، وإذا وكل المسلم أو الذمى حربيا مستأمنا فى دار الإسلام جاز، وإذا التحق بدار الحرب بطلت وكالته اهـ (٤: ٢٩١)، فانظر ما هو الفرق بين لحاق المرتد بدار الحرب حيث لم تبطل الوكالة به وبين لحاق المستأمن حيث بطلت به؟ وإن صح فى المذهب ما ذكره الحاوى فلعلهم يحملون أثر عبد الرحمن بن عوف على أنه كان قبل نزول الحكم بقطع الولاية عن أهل دار الحرب. (١) قلت: بل لأن اللحاق بدار الحرب والمراد به حكم الحاكم بلحاقه حكم بموته عندنا، فافهم. ٣٣٩ إذا وكل المسلم حربيا فى دار الحرب أو فى دار الإسلام جاز إعلاء السنن البخارى (٣٩٢:٤). ٥٠٩١- عن ابن إسحاق عن عيسى بن معمر عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه قال: بعثنى رسول الله عَّ بمال إلى أبى سفيان بن حرب فى فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم فقال لى: التمس صاحبًا. فلقيت عمرو بن أمية فقال: أنا أخرج معك الحديث وفيه: فدفعت المال إلى أبى سفيان فقال أبو سفيان: ما رأيت أبر من هذا ولا أوصل! إنا نجاهده ونطلب دمه وهو يبعثُ إلينا بالصلات يبرنا بها. أخرجه عمر بن شبة والبغوى وهو عند أبى داود وغيره من طريق ابن إسحاق لكن قال: عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء عن أبيه (الإصابة ص ٢٩٠). وأخرجه أبو داود فى باب الحذر من الناس، كما فى "عون المعبود" (٤١٥:٤)، وفيه: دعانى رسول الله عّ لّه وقد أراد أن يبعثنى بمال إلى أبى سفيان يقسمه فى قريش بمكة بعد الفتح. الحديث، وقوله: بعد الفتح يرده ما فى لفظ ابن شبة والبغوى: وهم مشركون، وقول أبى سفيان: إنا نجاهده ونطلب دمه وهو يبعث إلينا بالصلات فلم يكن بعد الفتح فى قريش مشرك ولا من يجاهد رسول الله عَ ليه ويطلب بدمه، ولفظ أبى داود مختصر، وجاء ابن شبة والبغوى بالحديث على وجهه وساقاه أتم منه، فالترجيح له، كما مر فى المقدمة، قال المنذرى: وفى سنده ابن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه اهـ. وأما القول بأنه مّ له لم يطلع على ذلك فبعيد، وفى "الأشباه" عن "الولوالجية" ومثله فى "الهندية" عن المبسوط أن تصرفات المرتد على أربعة أوجه: نافذ بالاتفاق كقبول الهبة والاستيلاد وتسليم الشفعة والطلاق والحجر على المأذون، وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبائح والإرث، وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة مع المسلم، وما اختلفوا فى توقفه كالبيع والشراء والعتق والتدبير والكتابة والوصية وقبض الدين عند الإمام هذه التصرفات موقوفة، إن أسلم نقذ، وإن قتل، أو مات على الردة، وقضى القاضى بلحاقه بدار الحرب بطل، وعندهما ينفذ إلا أن عند أبى يوسف ينفذ، کما ینفذ من الصحیح، حتى تعتبر من جمیع المال، وعند محمد تنفذ كما تنفذ من المریض حتى تعتبر من الثلث انتهى (ص٣٩٢)، فانظر أن الوكالة والتوكيل بأى هذه التصرفات أشبه؟ وقد قدمنا فى أحكام المرتدين من المجلد الثانى عشر دليل كون لحاق المرتد فى حكم الموت شرعا، فتذكر. قوله: عن ابن إسحاق إلخ. قال العبد الضعيف: ويمكن الجمع بين ما رواه أبو داود وبين ما رواه ابن شبة والبغوى بالجمل على تعدد الواقعة لكون أبى داود رواه من حديث عمرو ابن الفغواء ٣٤٠ ج - ١٥ باب التوكيل بالاستقراض ٥٠٩٢- أخرج "البيهقى" (٨٠:٦): من طريق أبى توبة ثنى معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام حدثنى عبد الله الهوذنى -يعنى أبا عامر الهوذنى- قال: لقيت بلالا مؤذن النبى معَّ ◌ُّم بحلب فقلت: يا بلال! حدثنى كيف كانت نفقة النبى عّ لّه؟ فقال: ما كان له شىء إلا أنا الذى كنت إلى ذلك منه مذ بعثه الله إلى أن توفى، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عاريا يأمرنى فأنطلق فأستقرض - فأشترى البردة والشىء فأكسوه وأطعمه حتى اعترضنى رجل من المشركين فقال: يا بلال! إن عندى سعة فلا تستقرض من أحد إلا منى ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك فى عصابة من التجار، فلما رآنى قال: يا حبشى! قال: قلت: يا لبيه؟ فتهجمنى وقال قولا غليظًا فقال: أ تدرى كم بينك وبين الشهر؟ قال قلت: قريب. قال: إنما بينك وبينه أربع ليال، فآخذك بالذى لى عليك فإنى لم أعطك الذى أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك ولكن أعطيتك لتجب لى عبدًا فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك الحديث. قلت: سند صحيح. وقال ابن حزم فى "المحلى" (٢٤٤:٨): قد كان بلال على نفقات رسول الله عَّ له ذكره جازماً به. وغيره رواه من حديث علقمة بن الفغواء وهما أخوان، فيحتمل أن رسول الله عّ لّه بعث أحدهما بالمال قبل الفتح وثانيها بعد الفتح، والله تعالى أعلم بالصواب، وفيه توكيل النبى ◌ّ أبا سفيان بقسمة المال بين فقراء قريش وهو إذ ذاك حربى فى دار الحرب، فافهم. باب التوكيل بالاستقراض قوله: أخرج البيهقى إلخ. قال العبد الضعيف: ظاهر الحديث جواز التوكيل بالاستقراض لأن بلالا كان يستقرض للنبى عَّه ويستدين عليه بدليل ما فى الحديث من قول المشرك: فإنى لم أعطك الذى أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك، وأيضا فإن الناس كانوا قد عاموا من حال بلال أنه لم يكن ليستقرض لنفس هذه الأموال العظيمة وهو لا يأوى إلى أهل ولا مال، وأنما يستقرض للنبى معَّه، ولأجل ذلك قال له المشرك: يا بلال! إن عندى سعة فلا تستقرض عن