النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
رواه أبو داود وسكت عليه. وقال الشوكانى: هذا إسناد لا مطعن فيه. قلت: وزاد فى
رواية أخرى له: ولا زان ولا زانية. وفى "التلخيص الحبير" (٤٠٧:٢): رواه أبو داود
وابن ماجه والبيهقى، ولیس فیه ذ کر الزانی والزانية إلا عند أبى داود وسنده قوى.
٥٠٠٤- وعن سفيان عن جابر عن عامر عن شريح قال: لا يجوز شهادة الابن
لأبيه ولا الأب لابنه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا الشريك لشریکه فی
شىء بينهما لكن فى غيره، ولا الأجير لمن استأجره، ولا العبد لسيده، أخرجه ابن أبى
شيبة وعبد الرزاق (نصب الراية ٢١٠:٢).
ولا زانية بالمحدودين فى الزنا، كما فى "بذل المجهود" (٣١٢:٤)، وأورد عليه بعض الأحباب أنه
ليس بوجيه، لأن رد شهادتهما للفسق لا للحد، وليس كل زان محدودا، لأن الحدود تندرئ
بالشبهات، ولا يثبت الحد بدون معاينة أربعة شهداء، بخلاف الفسق(١) فإنه لا يتوقف على المعاينة
ولا يندرئ بالشبهات. قلت: قد ورد فى بعض ألفاظ الحديث: ((ولا محدودا فى الإسلام
ولا محدودة)» مكان قوله: ((ولا زان ولا زانية)» والآثار يفسر بعضها بعضا، فحمله الشيخ على
الزانى والزانية المحدودين حملا للمطلق على المقيد، ولا بعد فيه وإن كان الحق فى تفسير المحدود
حمله على المحدود فى القذف عندنا بدليل ما ورد فى حديث حجاج بن أرطاة عند أبى شيبة بلفظ:
إلا محدودا فی فریة، کما قدمناه.
قوله: وعن سفيان إلخ قال بعض الأحباب: هو مذهب أبى حنيفة ولعله سمعه من عامر
الشعبى بدون توسط جابر، لأن جابرا وإن وثقه سفيان ولكن كذبه أبو حنيفة، فيبعد أن يعتمد
على روايته، فالظاهر أنه سمعه من الشعبى لأنه من مشايخه اهـ. قلت: وكم لقلة المراجعة من
آفات، فلو رجع "كتاب الآثار" لمحمد و"جامع المسانيد" للخوارزمى لم يقع فيما وقع، ولم يتقيد
بلعل وعسى.
(١) قال الجصاص فى "الأحكام" له عن أبى يوسف: فإن قالوا: نتهمه بالفسق والفجور نظن ذلك به ولم نره، فإنى أقبل ذلك ولا
أجيز شهادته (١: ٥٠٤) وفى "الخانية": من اتهم بالفسق لا تبطل عدالته، والمعدل إذا قال للشاهد: هو متهم بالفسق لا تبطل
عدالته، كذا فى "رد المحتار" (٥٨٤:٤) فالذى ذكره الجصاص عن أبى يوسف يؤيد بعض الأحباب ولكن عبارة الخانية تؤيد
الشيخ وعليه الفتوى، وترد على من قال: إن الفسق لا يتوقف ثبوته على المعاينة، وأما القذف بالزنا فلا يجوز ما لم يكن أربعة
شهداء يشهدون بذلك معاينة وإلا جلد القاذف حد القذف ثمانين جلدة.

٢٢٢
ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٥٠٠٥- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة: حدثنا الهيثم عن عامر الشعبى(١) عن
شريح قال: أربعة لا تجوز شهادة بعضهم لبعض: المرأة لزوجها، والزوج لامرأته، والأب
لابنه، والابن لأبيه، والشريك لشريكه، والمحدود حدًا فى قذف. قال محمد: وبه نأخذ،
وهو قول أبى حنيفة إلا أنا نقول: تجوز شهادة الشريك لشريكه فى غير شركتهما
(كتاب الآثار ص ٩٥)، وهذا سند صحيح.
٥٠٠٦- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا الهيثم عن عامر الشعبى أنه قال:
لا تجوز شهادة المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا الأب لابنه، ولا الابن لأبیه،
ولا الشريك لشريكه. والله أعلم (كتاب الآثار ص ٩٥)، وسنده صحيح أيضًا.
٥٠٠٧- أبو يوسف عن أبى حنيفة عن الهيثم عن عامر عن شريح أنه كان
لا يجيز شهادة الرجل لامرأته، ولا المرأة لزوجها، ولا الشريك لشريكه، ولا السيد
لعبده، ولا رجل لأبيه، ولا أبا لابنه، ولا الأعمى، ولا المحدود فى قذف (كتاب الآثار
لأبى يوسف ص: ١٦٢).
قوله: محمد قال: أخبرنا إلى قوله: أبو يوسف عن أبى حنيفة إلخ.
تصحیح حدیث شریح والرد على ابن حزم فی تضعيفه:
قال العبد الضعيف: الهيثم هذا هو الهيثم بن حبيب ويقال: الهيثم بن أبى الهيثم الصراف
وثقه ابن معين وغيره، أثنى عليه أحمد، وقال: ما أحسن أحاديثه وأسد استقامتها. وقال أبو زرعة
وأبو حاتم: ثقة في الحديث صدوق. وذكره ابن حبان فى "الثقات"، روى عنه أبو حنيفة
والمسعودى وشعبة وأبو عوانة، وقال: قال لى شعبة: الزم الهيثم الصيرفى. كذا فى "التهذيب"
(٩١:١١)، والباقون لا يسأل عنهم.
فاندحض بذلك قول ابن حزم فى "المحلى": روينا من طريق لا تصح عن شريح أنه لا يقبل
الأب لابنه، ولا الابن لأبيه، ولا أحد الزوجين. وصح هذا كله عن إبراهيم النخعى وعن الحسن
والشعبى فى أحد قوليهما اهـ (٤١٥:٩)، فقد رأيت أنه قد صح عن شريح أيضا، ولعل ابن حزم
(١) هذا ساقط من نسخة الآثار لمحمد عندنا ولكنه ثابت فى نسخته عند صاحب "جامع المسانيد" للإمام (٢٧٦:٢)، وكذا هو
ثابت فى نسخة الآثار لأبی یوسف، کما سیجیء.

٢٢٣
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
٥٠٠٨- ثنا صالح بن رزيق -وكان ثقة - ثنا مروان بن معاوية الفزارى عن يزيد
بن زياد الشامى عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها عن النبى عرّ له أنه قال:
((لا جوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته،
ولا العبد لسيده، ولا السيد لعبده، ولا الشريك لشريكه، ولا الأجير لمن استأجره»
أخرجه الخصاف، وشهد له أكابر المشايخ أنه كبير فى العلم (فتح القدير ٤٧٧:٦).
لم يطلع إلا على طريق سفيان عن جابر الجعفى عن الشعبى عن شريح، ولم يطلع على سند أبى
حنيفة الإمام، ولا يعارضه ما رواه عبد الرزاق نا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت
شريحا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال الرجل: إنه أبوها وزوجها. فقال شريح: فمن شهد
للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ كما فى "المحلى". (٤١٦:٩) فإنه واقعة حال لا عموم لها، وما رواه أبو
حنيفة عنه قول يفيد الحكم الكلى، ويحتمل أن يكون الأب والزوج قد شهدا لها فيما لا يطلع عليه
الرجال غالبا، وفى مثله تجوز شهادة عدلة من النساء أيضا، فشهادة الزوج والأب بالأولى، يدل
على ذلك قول شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ أي فى مثل ما شهدا به.
ولا حجة فى مارواه أبو عبيد من طريق الحسن بن عازب عن جده شبيب نحوه، وفيه: فقال
له شريح: هل تعلم شيئا تجرح به شهادتهما؟ كل مسلم شهادته جائزة. فإن الحسن بن عازب غير
معروف فى الرواة لم نر أحدا ممن صنف فى الرجال ذكره، والله تعالى أعلم. وفى قوله: أربعة
لا تجوز شهادة بعضهم لبعض دليل على رد شهادتهم مطلقا، سواء كانوا متهمين فى الشهادة،
أو لا، وإلا لم يكن لتخصيصهم بالرد معنى، فافهم.
قوله: ثنا صالح بن رزيق إلخ قال العبد الضعيف: صالح بن رزيق هذا لم نر من وثقه غير
الخصاف، والحديث رواه الترمذي من طريق الفزارى عن يزيد بن زياد الدمشقى عن الزهري
عن عروة عن عائشة رضى الله عنها رفعته بلفظ: ((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود
حدا، ولا ذى غمر على أخيه، ولا مجرب بشهادة زور، ولا القانع بأهل البيت، ولا ظنين فى ولاء
ولا قرابة)). كذا فى "فتح القدير" قال المحقق: فهذا الحديث لا ينزل عن درجة الحسن اهـ.
(٤٧٨:٦) أى لما له من الشواهد التي قد ذكرها، وبهذا اللفظ رواه أبو عبيد نا مروان ابن معاوية
عن يزيد الجزرى قال: أحسبه يزيد بن سنان عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبى عد له:
((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ظنين فى ولاء أو قرابة، ولا مجلود فى حد)). الحديث، كما
فى "المحلى" (٩: ٤١٦).

٢٢٤
ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
وقال: "الزيلعى" عن الخلاصة: إن الخصاف رفعه، وكذا قال الحافظ فى
"الدراية" ويقال: إن الخصاف أسنده مرفوعًا. قلت: ولكن يزيد بن زياد الدمشقى
ضعفه غير واحد. وقال ابن شاهين فى الثقات: قال وكيع: كان رفيعًا من أهل الشام فى
الفقه والصلاح (تهذيب ٣٢٩:١١).
الجواب عن قول ابن حزم: هذا عليهم لا لهم فى حديث عائشة:
((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة)» إلخ:
قال ابن حزم: وهذا علیھم لا لهم لوجوه: أولها: أنه لا یصح، لأنه عن یزید وهو مجهول،
فإن کان یزید بن سنان فهو معروف بالكذب اهـ. قلت: لا يعرف بالجزرى إلا هو، وليس بمجهول
ولا متهم بالكذب، روى عنه شعبة ولا يروى إلا عن ثقة عنده، ومروان ابن معاوية وأبو خالد
الأحمر وعيسى بن يونس وأبو عقيل وأبو أسامة ووكيع ويحيى بن سعيد الأموى وآخرون، ومن
روى عنه أمثال هؤلاء لا يكون مجهولا قط، وكان مروان بن معاوية يثبته، وقال أبو حاتم: محله
الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخارى: مقارب الحديث (وناهيك بمن جعله البخارى
مقاربا) إلا أن ابنه محمد يروى عنه مناكير، كذا فى "التهذيب" (١١ - ٣٣٦)، والحديث ليس
من رواية ابنه عنه بل من رواية مروان بن معاوية، کما لا يخفى، وأيضا فقد تابع یزید بن زياد
الدمشقى عند الترمذى، کما ذكرناه.
وهذا يصدق قول ابن الهمام: إن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن. قال: ثم لو صح لكانوا
أوَل مخالف له فى موضعين: أحدهما تفريقهم بين الأخ والأب، وبين العم وابن الأخ، وبين الأب
والابن. وكلهم سواء، إذهم متقاربون فى التهمة بالقرابة، وكلهم يجيز المولى لمولاه وهو خلاف
الخبر، وكلهم يجيز المجلود فى الحد إذا تاب وهو خلاف هذا الخبر، فمن أضل سبيلا أو أفسد دليلا
ممن يحتج بخبر هو حجة عليه وهو مخالف له اهـ؟
قلت: الأضل سبيلا إنما هو من حرم الفقه والدراية جملة، فسوى بين الأخ والأب وبين الابن
وابن الأخ. وقد قال مَّهِ: أنت ومالك لأبيك، ولم يقل: لأخيك ولا لعمك، وبين الأصول
والفروع من البعضية ما يمنع قبول الشهادة كما منع من إعطائهم من الزكاة، فكما أن من أعطاهم
من الزكاة فقد أعطي نفسه، فكذلك من شهد لهم فقد شهد لنفسه، وشهادة المرأ لنفسه باطلة
إجماعا، ولا كذلك الأخ والعم ولا ابن العم وسائر الأقارب. وقال تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده
جزءًا﴾ -أى ولدا- فالولد جزء فكيف تقبل شهادة الرجل فى جزئه، وقد قال مرّ له: إن أطيب ما

15
إعلاء السنن
رد الشهادة للتهمة والفسق
٢٢٥
٥٠٠٩- وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على
بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودًا فى حد أو ظنيئًا فى ولاء أو قرابة. وهو
كتاب تلقاه الأمة بالقبول، ورواه "الدار قطنى" بسندين أحدهما رجالهثقات، كما مر.
أكل الرجل من كسبه، والإنسان متهم فى ولده مفتون به كما قال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم
فتنة﴾، فكيف تقبل شهادة المرا لمن قدّ جعل مفتونا به، فهذا وجه الفرق بين الأب والابن وبين
غيرهما من الأقارب، وأيضا فقد ورد تفسير قوله: ((ولا ظنين فى ولاء ولا قرابة))، فى ما رواه
الخصاف عن صالح بن رزيق بسنده عن عائشة مرفوعا وغيره عن شريح موقوفاً بقوله: ((لا تجوز
شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، ولا العبد لسيده،
ولا السيد لعبده، لم يذكر الأخ ولا العم، ولا ابن العم ولا المولى. وتفسير الحديث بالمنقول أولى
من تفسيره بالمعقول، وأبو حنيفة لم يفرق بين الأب والابن، بل رد شهادة بعضهما لبعض مطلقا،
ولم يقل بقبول شهادة القاذف المجلود بعد توبته، فانظر من هو المتلاعب المتجازف؟
قوله: وقال عمر بن الخطاب إلخ قال ابن حزم: وذكروا ما رويناه عن وكيع عن عبد الله بن
أبى حميد، قال: كتب عمر إلى أبى موسى فذكره، وقال: القول فى هذا كالذى قبله من أنه لم
يصح قط عن عمر ثم قد خالفوه كما ذكرنا سواء اهـ، (٤١٧:٩) قلت: قد اغتر ابن حزم بطريق
عبيد الله بن أبى حميد وهو ضعيف وغفل عن طريق أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة عن
إدريس الأودى عن سعيد بن أبى بردة عند الدار قطنى رجاله كلهم ثقات، وعن طريق جعفر بن
برقان عن معمر عن أبى العوام البصرى عند البيهقى فى "المعرفة"، كما فى " التعليق المغنى
(٥١٢:٢)، وهو مرسل قوى، وأما المخالفة، فقد ذكرنا أن الحنفية لم يخالفوه فى شىء قط.
الرد على ابن حزم فى قوله: إن الأثبت عن عمر قبول الأب لابنه
واحتجاجه بسند فيه متهم بالوضع:
قال ابن حزم: والأثبت عن عمر قبول الأب لابنه اهـ. قلت: أشار بذلك إلى ما رواه من
طريق عبد الرزاق عن أبى بكر بن أبى سبرة عن أبى الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:
قال عمر بن الخطاب: تجوز شهادة الوالد لولد والولد لوالده والأخ لأخيه اهـ (٤١٥:٩)،
ولم يستح عن إثباته وفيه أبو بكر بن أبى سبرة متهم بالوضع. قال أحمد: كان يضع الحديث
ويكذب، وقال ابن عدى: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو فى جملة من يضع الحديث، كذا

٢٢٦
رد الشهادة للتهمة والفسق
ج - ١٥
فى "التهذيب" (٢٧:١٢ و ٢٨) لم يوثقه أحد من أهل هذا الشان، فمن أين لابن حزم أن يجعل ما
رواه أثبت ما روى عن عمر؟ ولكنه لا يدرى ما يخرج من رأسه، فيجعل كتاب عمر إلى أبى
موسى. وله إسناد قوى موصول. وطريق أخرى قوية مرسلة وقد تلقاه الأمة بالقبول موضوعا
مکذوبا علی عمر غیر صحیح، ويجعل ما رواه متهم بالوضع والكذب صحیحا ثابتا عن عمر، بل
أثبت ما روى عنه، فهل هذا هو الإنصاف؟ هل بمثل هذا النقد المشتمل على الجور والاعتساف
يفرح ابن حزم وأتباعه عند البحث والاختلاف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، نسأل الله
السلامة، ونعوذ به من الخذلان.
الرد على ابن حزم فى احتجاجه بأثر واه ساقط مكذوب فى مسألة فدك:
وأغرب من ذلك قوله: وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه شهد لفاطمة رضى الله
عنها عند أبى بكر الصديق رضى الله عنه ومعه أم يمن، فقال أبو بكر: لو شهد معك رجل أو امرأة
أخرى لقضيت لها بذلك اهـ. ولا يحتج بمقل هذا الأثر الساقط المكذوب المختلق إلا من خلع ربقة
الحياء والعلم عن عنقة جملة، فإنا لم نعرفه إلا من طريق عبد الله بن ميمون المكتب (إن كان هو .
القداح المخرومى فهو ذاهب الحديث واه جدا، يروى عن الأثبات الملزوقات، روى عن عبيد الله بن
عمر أحاديث موضوعة، كما فى "التهذيب" (٤٩:٦) وإلا فلا أدرى من هو؟) قال: أخبرنا الفضل
· ابن عياض عن مالك بن جعونة (نكرة لا تتعرف).
ولا يبعد أن يكون محمد بن سعيد المصلوب الشامى، فقد غيروا اسمه على وجوه سترا له،
قلبوا اسمه على مائة اسم وزيادة كما فى "الميزان" (٦٤:٣) وهو هالك اتهم بالزندقة والوضع) عن
أبيه (مجهول لم يذكره أحد ممن صنف فى الرجال والرواة) قال: قالت فاطمة لأبى بكر: إن رسول
الله عَّه جعل لى فدك فأعطنى إياها وشهد لها على بن أبى طالب، فسألها شاهدا آخر فشهدت له
أم أيمن، فقال: قد علمت يا بنت رسول الله! إنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أورجل وامرأتين
فانصرفت، أُخرجه البلاذری فی الفتوح، قال: وحدثنی روح(١) الكرابیسی ثنا زيد بن الحباب
(١) لم أجد أحدا يسمى روحا يلقب بالكرابيسى، فالظاهر أنه روح بن الفرج البزاز أبو الحسن البغدادى من شيوخ ابن ماجة،
أو روح بن حاتم البزاز البغدادى يروى عن هشيم وطبقته، والأول صدوق ولكن يصغر عن إدراك زيد بن الجساب، والثانى
ليس بشىء، كما فى "الميزان"، ظ.

٢٢٧
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
أخبرنا خالد بن طهاما (ضعفه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: كان من عنق الشيعة محله الصدق،
كذا فى "التهذيب" ولكن مثله يحتج به فیما يؤيد مذهبه، كما لا يخفى) عن رجل حسبه روح
جعفر بن محمد (وهذا ظاهره الجهالة، وقد روى عن زيد بن على ما يخالف(١) هذا) أن
فاطمة رضى الله عنها قالت لأبى بكر الصديق رضى الله عنه: أعطنى فدك، فقد جعلها رسول
الله عَّ لى. فسألها البينة فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبى معَّه، فشهدا لها بذلك فقال: إن هذا
الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين اهـ (ص ٣٨).
وهذا خلاف ما صح وتواتر عند القوم أن فاطمة رضى الله عنها إنما جاءت أبا بكر تطلب
ميراثها عن رسول الله عَّ ◌ُله، فقد روى الشيخان من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن
عائشة رضى الله عنها أن فاطمة والعباس رضى الله عنهما أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من
رسول الله عّ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت
رسول الله عَّ له يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال الحديث.
ورى البخارى من طريق شعيب بن أبى حمزة عن الزهرى ثنى عروة أن عائشة رضى الله
عنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله عَّه أرسلت إلى أبى بكر رضى الله عنه تسأله ميراثها من
رسول الله عَّ له مما أفاء الله على رسوله عّ له، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبى معد له التى بالمدينة
وفدك وما بقى من خمس خيبر الحديث. وفيه: فوجدت فاطمة على أبى بكر رضى الله عنهما من
ذلك، فقال أبو بكر لعلى رضى الله عنهما: والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله عّ لّ أحب إلى أن
أصل من قرابتى، فأما الذى شجر بينى وبينكم من هذه الصدقات فإنى لا آلو فيها عن الخير، وإنى
لم أكن لأترك فيها أمرا رأيت رسول الله عَّ له يصنعه إلا صنعته اهـ.
وروى الشيخان من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب يسنده أن فاطمة
بنت رسول الله عَّ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله عَ ليه أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول
الله عَّه، فكانت فاطمة تسأل أبا بكر رضى الله عنهما نصيبها مما ترك رسول الله عدّ له من خيبر
وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر رضى الله عنه عليها ذلك، قال: لست تاركا شيئا كان رسول
الله عَظِلِّ يعمل به إلا عملت، فإنى أخشى إن تركت شئا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة
فدفعنا عمر إلى على والعباس، فغلب على عليها، وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر وقال: هما صدقة
(١) وسنذكره فيما بعد وأثر جعفر بن محمد هذا لا حجة فيه لابن حزم، أما أولا فلكونه مرسلا ضعيفا، وأما ثانيا فلأنه لم يذكر
على بن أبى طالب، فلا دلالة فيه على شهادة الرجل لأهله،ظ.

ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٢٢٨
رسول الله عَّ له كانت لحقوقه التى تعروه ونوائبه وأمرهما إلى ولى الأمر، فهما على ذلك اليوم اهـ.
وقصة مخاصمة العباس وعلى رضى الله عنهما عند عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة
قول عمر للعباس: فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وقوله لعلى: وجئت أنت تطلب
نصيب امرأتك من أبيها مشهورة فى الصحاح والسنن والمسانيد لا يجهلها طالب فضلا عن عالم،
وفى كل ذلك دلالة صريحة على أن فاطمة بنت رسول الله عَ ليه لم تكن تطلب فدك ملكا لها
لكونه عّ لّه وهبه لها، وإنما كانت تطلبه ميراثا من رسول الله عَ ليه، فمن روى أنها ادعت فيه الهبة
من رسول الله عَّه لنفسها فقد أتى بزور وبهتان، يرده ما تواتر وصح فيه من الحديث عند القوم.
فقد روى أبو داود فى سننه ومن طريق البيهقى: حدثنا عبد الله بن الجراح (ثقة محدث
كبير كما فى "التهذيب") نا جرير (هو ابن عبد الحميد من رجال الجماعة ثقة صحيح الكتاب)
عن المغيرة (الضبى لا يسئل عنه) قال: جمع عمر بن عبد العزيز بنى مروان حين استخلف فقال: إن
رسول الله عَّم كانت له فدك، فكان ينفق منها، ويعود منها على صغير بنى هاشم ويزوج منها
أيمهم ، وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها (لفظ البلاذرى فى الفتوح من طريق عثمان بن أبى شيبة عن
جرير عن مغيرة عنه: وأن فاطمة سألته أن يهبهالها) فأبى فكانت كذلك فى حياة رسول الله عدّ له.
حتى مضى لسبيله، فلما أن ولى أبو بكر عمل فيها بما عمل النبى معَّ فى حياته، حتى مضى
لسبيله، فلما أن ولى عمر عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله، ثم أقطعها مروان، ثم صارت
لعمر بن عبد العزيز (يريد نفسه) قال عمر : -يعنى ابن عبد العزيز- فرأيت أمرا منعه النبى عدّ له
فاطمة ليس لى بحق، وإنى أشهد كم أنى قر رددتها على ما كانت يعنى على عهد رسول الله عَ ليه
اهـ (١٠٤:٣)، وهذا سند كما ترى، صحیح لا مطعن فى رجاله.
فالعجب من ابن حزم أنه كيف أغمض عينيه عن ذلك وهو صريح فى أنه عدّ له. لم يهب
لفاطمة فدك بل منعها حين سألته، واغتر بأثر لا يقوم على رجل ولا أساس وجعل يحتج به على
جواز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، وهل هذا إلا مجرد تمويه للباطل تغيرا للعوام نسأل الله
السلامة، أو لم يدر ابن حزم أن الأثر الذى ذكره فى شهادة على لفاطمة إنما هو من وضع الروافض
(١) ولا غضاضة عليها فى ذلك أصلا فقد خفى كثير من الأحكام على كثير من أكابر الصحابة وعمله أصاغرهم، ويمكن لو
كانت علمت بذلك أن تكون اعتقدت أن عموم: ((لا نورث)» مخصوص بأعيان ما خلفه دون منافعه، ورأت أن منافع
ما خلفه من أرضي وعقار لا يمتنع أن يورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم واختلفا فى أمر محتمل التأويل، كذا فى
"فتح البارى" (١٤٠:٥) ظ.

٢٢٩
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
وضعوه لدفع ما توهموه من الغضاضة (١) على فاطمة رضى الله عنها فى سؤالها أبا بكر ميرثها من
رسول الله مَّه مع أن الأنبياء لا يورثون مالا ولا درهما، وللطعن(١) فى أبى بكر رضى الله عنه
حيث لم يقبل قول فاطمة بنت رسول الله عَّةٍ وسألها البينة، ولما أقامت البينة ردها بقوله: إن هذا
الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين، مع أن ابن حزم والجمهور يرون القضاء بشاهد واحد
مع اليمين، فأنشد الله ابن حزم ومن تبعه فى الاحتجاج بهذا الأثر الواهى المختلق المكذوب أنه لو
صح فما ذا يقولون فى امتناع أبى بكر من القضاء بالشاهد الواحد مع اليمين مع أنهم يرونه سنة
ماضية من رسول الله عَّه والخلفاء بعده؟ كما سيأتى فى موضعه، إن شاء الله تعالى، ولكن ابن
حزم لا يدرى ما يخرج من رأسه ولا يشعر أنه قد احتج بما هو حجة عليه.
وروى أبو داود(٢) من طريق الوليد بن جميع عن أبى الطفيل قال: جاءت فاطمة إلى أبى بكر
تطلب ميراثها من النبى عّ لّه قال: فقال أبو بكر: سمعت رسول الله مَّه يقول: ((إن الله إذا أطعم
نبيا طعمة فهى للذى يقوم من بعده) اهـ. أى يعمل فيها ما كان النبى معَّ لهم يعمل، لا أنها تكون له
ملكا، قاله العزيزى، وحمله عثمان إلى أن للإمام أن يتصرف فيها برأيه، ولذا أقطع مروان فدك.
قال المنذرى: فى إسناده الوليد بن جميع، قد أخرج له مسلم وفيه مقال اهـ. قلت: فهو صحيح
على شرط مسلم.
وإخرج البيهقى من طريق أبى الوليد الطيالسى: ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو
عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن فاطمة رضى الله عنها جاءت إلى أبى بكر، فقالت: من يرتك؟
قال: أهلى وولدى. قالت: فمالى لا أرث النبى معَّه؟ قال: إنى سمعت رسول الله عَّه يقول:
إنا لا نورث، ولكنى أعول من كان النبى معَّمِ يعوله، وأنفق على من كان ينفق عليه (٣٠٢:٦)،
وهذا سند صحيح رواه الترمذى أيضا وصححه، كما فى "النيل" (٣٣٨:٥).
(١) لا وجه للطعن فيه إذا كان متمسكا بالكتاب والسنة، ألا ترى أن شریحا رد شهادة الحسن رضى الله عنه ولم یکن ذلك سبب
غضاضة لأحد منهما، بل أذعن على رضى الله عنه لحكمه، وهذا من أجل محاسن الإسلام التى جذب قلوب أعدائه إليه، كما
سیأتی،ظ.
(٢) وأخرجه البيهقى من هذا الطريق بلفظ: جاءت فاطمة إلى أبى بكر رضى الله عنهما، فقالت: يا خليفة رسول الله! أنت ورثت
رسول الله عَِّ أم أهله؟ قال: لا بل أهله، قالت: فما بال الخمس؟ فقال: إنى سمعت فذكره وزاد: فلما وليت رأيت أن ارده
على المسلمين، قالت: أنت ورسول الله أعلم ثم رجعت اهـ (٦-٣٠٣) وفيه لفظة منكرة، وهو قول أبى بكر: بل لا أهله،
والمشهور عنه أن النبی لا یورث، ظ.

ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٢٣٠
وأخرج من طريق ابن أبى داود عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن على بن الحسين بن
على: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر رضى الله عنه لحكمت بمثل ما حكم به أبو بكر رضى الله عنه
فی فدك اهـ.
وبالجملة فقد تواترت الآثار بأن فاطمة رضى الله عنها إنما كانت تطلب من أبى بكر ميراثها
لا ما وهب لها النبى معَّه، ولو كان عند أهل البيت أن النبى معَّه كان قد وهب لها فدك لم يقل
زيد بن على: لو كنت مكان أبى بكر لحكمت بمثل ما حكم به أبو بكر فى فدك. فأحسن الله
عزاءنا فيك يا ابن حزم! حيث سكت عن هذا الأثر الواهى المكذوب، وذكرته فى موضع
الاحتجاج به فلم نكن نظن بك مثل هذا.
وبعد التسليم فالجواب ما أشار إليه السرخسى في "المبسوط" أنه كان لرد هذه الشهادة
وجهان: الزوجية ونقصان العدد، فأشار أبو بكر إلى أبعد الوجهين تحرزا عن الوحشة (١٢٤:١٦)
مع ما روى أنه شهد لها رباح وأم أيمن، ولم يشهد لها على رضى الله عنه، وهذا اضطراب يقتضى
طرح الروايتين جميعا، ولو لم يكن لها علة سواه، فكيف وكلاهما لا يخلو عن ضعيف متهم
بالوضع، أو متهم بالغلو فى التشيع، كما مر؟ ومثل هذا الأثر الواهى ما روى فى عكسه عن
عمر رضى الله عنه؟ قال: لما قبض رسول الله عَّه جئت أنا وأبو بكر إلى على فقلنا: ما تقول فيما
ترك رسول الله عَ ليه؟ قال: نحن أحق الناس برسول الله عَّه، قال: فقلت: والذى بخيير؟ قال:
والذى بخيير، قلت: والذى بفدك؟ قال: والذى بفدك). فقلت: أما والله حتى تخروا رقابنا بالمناشير
فلا. رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه موسى بن جعفر ابن إبراهيم وهو ضعيف، كما فى
" مجمع الزوائد" (٤٠:٩) وأنه تفرد عن مالك بخبر منكر جدا، كما فى "اللسان" (١١٥:٦)،
ومثله لا يعتد به.
إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه ترضى
فاطمة بنت رسول الله عَ لم حتى رضيت:
وأخرج البيهقى فى سننه بسند صحيح إلى الشعبى قال: لما مرضت فاطمة رضى الله عنها
أتاها أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فاستأدن عليها، فقال على رضى الله عنه: يا فاطمة! هذا
أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها،

٢٣١
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم
أهل البيت، ثم يترضاها حتى رضيت. قال البيهقى: هذا مرسل حسن بإسناد صحيح اهـ.
(٣٠١:٦) وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها، وكمال دينها عليها السلام،
وأنها بنت أبيها بضعة خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته البررة الكرام
وسلم تسليما كثيرا كثيرا.
وقال المحقق فى "الفتح": لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر. وقال الشافعى رحمه الله:
تقبل، وبقولنا قال مالك وأحمد. وقال ابن أبى ليلى والثورى والنخعى(١): لا تقبل شهادة الزوجة
لزوجها لأن لها حقا فى ماله لوجوب نفقتها. وتقبل شهادة الزوج لها لعدم التهمة، وجه الشافعى
رحمه الله أن الأملاك بينهما متميزة والأيدى متحيزة، فلا اختلاف فيها، ولهذا يجرى بينهما
القصاص والحبس بالدين، ولا معتبر بما بينهما من المنافع المشتركة لكل منها بمال الآخر، لأنه غير
مقصود بالنكاح وإنما يثبت ذلك تبعا للمقصود عادة، وصار كالغريم إذا شهد لمديونه المفلس بمال له
على آخر تقبل مع توهم أنه يشاركه فى منقعته.
ولنا ما روينا من قوله عَّ ◌ُله: ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته،. وقد سمعت أنه من قوله
شريح، ومرفوع من رواية الخصاف، ولو لم يثبت فيه نص كفى المعنى فيه، وإلحاقه بقرابة الولاد فى
ذلك الحكم بجامع لشدة الاتصال فى المنافع، حتى يعد كل غنيا بمال الآخر، ولذا قال تعالى:
﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ قيل(٢): بمال خديجة رضى الله عنها، بل ربما كان الاتصال بينهما فى
منافع والانبساط فيها أكثر مما بين الآباء والأبناء، بل قد يعادى أبويه لرضا زوجته وهى لرضاه،
ولأن الزوجية أصل الولاد، لأن الولادة عنها تثبت، فيلحق بالولادة فيما يرجع إلى معنى اتصال
المنافع. (ولذا لا يجوز لأحد منهما أن يدفع زكاة ماله إلى الآخر) كما أعطى كسر بيض الصيد
حكم قتل الصيد عندنا، بخلاف القصاص لأن بعد القتل لا زوجية، ولو شهد أحدهما للآخر
فردت فارتفعت الزوجية فأعاد تلك الشهادة تقبل، بخلاف ما لو ردت لفسق، ثم تاب وأعاد
لا تقبل، وبه قال مالك وأحمد والشافعى فى الأصح اهـ ملخصا (٤٧٩:٦).
(١) صح عن النخعى أنه لا يقبل أحد الزوجين للآخر كما مر عن ابن حزم، فتذکر ، ظ.
(٢) روى أحمد من حديث مسروق عن عائشة رفعته: أنها -أى خديجة- أمنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس،
وواستنى بما لها إذ حرمنى الناس ورزقنى الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء اهـ من "فتح البارى" (١٠٣:٧).

ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٢٣٢
قصة تحاکم علی إلی شریح فی درع له وجدها عند یهودی:
ومما يؤيدنا فى رد شهادة الابن لأبيه ما رواه الشعبى قال: ضاع درع لعلى يوم الجمل،
فأصابها رجل فباعها فعرفت عند رجل من اليهود فخاصمه إلى شريح، فشهد لعلى الحسن ومولاه
قنبر، فقال شريح لعلى: زدنى شاهدا مكان الحسن، فقال: أترد شهادة الحسن؟ قال: لا، ولكنى
حفظت عنك أنه لا تجوز شهادة الولد لوالده. كذا فى "كنز العمال" (٦:٤)، وعزاه السيوطى إلى
الحاكم فى "المستدرك"، ولم يتعقبه بشىء، وأحاديث الحاكم كلها صحاح عنده إلا ما تعقب،
كما صرح به فى خطبة "كنز العمال"، وعزاه أيضا إلى الترمذى والحاكم فى التاريخ وإلى أبى
أحمد الحاكم فى الكنى وإلى عبد الله بن أحمد بن حنبل، وذكره أتم من ذلك وأطول، وعزاه
الحافظ فى "التلخيص" إلى أبى أحمد الحاكم فى الكنى فى ترجمة أبى سمير عن الأعمش عن
أبراهيم التيمى (عن أبيه كما فى "الكنز") قال: فذكره مطولا وقال: منكر تفرد به أبو سمير،
ورواه البيهقى من وجه آخر من طريق جابر عن الشعبى، وفيه عمرو بن شمر عن جابر وهما
ضعيفان اهـ. (٤٠٥:٢). قلت: أبو سمير اسمه حكيم بن حزام كما فى "الكنى" للدولابى، وله
ذكر فى اللسان ضعفه غير واحد، وقال القواريرى: لقيته وكان من عباد الله الصالحين، وذكر له
ابن عدى أحاديث، ثم قال: وهو ممن يكتب حديثه اهـ (٣٤٢:٢).
وبالجملة فالحديث حسن لا سيما وله طرق وهو فوق ما رواه ابن حزم فى شهادة على
لفاطمة رضى الله عنهما بدرجات، وأيضا: فإذا ردت شهادة القانع بأهل البيت لكونه كالتابع لهم
وإن كان عدلا فالولد للوالد والزوج للزوجة والعبد للسيد ونحوهم أولى بالرد، لأن قرابة الولاد
والزوجية ونحوها أعظم فى ذلك، فيثبت حينئذ رد شهادتهم بدلالة النص، وقد عرفت أن الحديث
رواه أبو داود فى سننه، وإسناده لا مطعن فيه، وصرح الحافظ بأنه سند قوی، فیکون دليلا على
صحة حديث الترمذى أيضا، وفيه: ولا ظنين فى ولاء ولا قرابة. وإن كان راويه مضعفا، إذ ليس
كل ما يرويه الراوى المضعف باطلا، وإنما يرد لتهمة الغلط لضعفه، فإذا قامت دلالة أنه أجاد فى هذا
المتن وجب اعتباره صحيحا والله تعالى أعلم، قاله المحقق فى "الفتح". (٤٧٨:٦).
فإن قيل: إذا كان الشاهد عدلا فواجب قبول شهادته لهؤلاء كما تقبل للأجنبى، وإن
كانت شهادته لهؤلاء غير مقبولة لأجل التهمة فغير جائز قبولها للأجنبى، لأن من كان متهما فى
الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجاز عليه مثل هذه التهمة للأجنبى، قيل له: ليست التهمة المانعة

٢٣٣
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب، وإنما التهمة فيه من قبل أنه يصير فيها بمعنى
المدعى لنفسه.
لا یکون أحد من الناس مصدقا فیما ید عیه لنفسه:
ألا ترى أن أحدا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته لا يجوز أن يكون مصدقا فيما
يدعيه لنفسه؟ لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة
تشهد له بها، فالشاهد لابنه بمنزلة المدعى لنفسه ما بينا، وكذلك قال أصحابنا: إن كل شاهد يجر
بشهادته إلى نفسه مغنما أو يدفع بها عن نفسه مغرما فغير مقبول الشهادة، لأنه حينئذ يقوم مقام
المدعى، والمدعى لايجوز أن يكون شاهدا فيما يدعيه، ولا أحد من الناس أصدق من نبى الله مَ ◌ّه،
إذ دلت أعلام المعجزة على أنه لا يقول إلاحقا، وإن الكذب غير جائز عليه، ومع ذلك لم يقتصر
فيما ادعاه لنفسه على دعواه دون شهادة غيره حين طالبه الخصم بها، وهو قصة خزيمة بن ثابت
الأنصارى حين ابتاع مَّةٍ فرسا من أعرابى، فطفق الأعرابى يقول: هلم شهيدا يشهد أنى
قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته، فأقبل النبى معَّه على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال:
بتصديقك يا رسول الله! فجعل النبى معَّ ◌ُّ شهادته بشهادة رجلين، (وهو حديث صحيح، كما
سيأتى فى موضعه) فلم يقتصر النبى عّ لّه فى دعواه على ما تقرر وثبت بالدلائل أنه لا يقول إلا
حقا، (وكذالك لم يقتصر خلفاء فيما ادعوه على أحد من الناس أو نازعوه فى شىء على ما تقرر
بالنصوص أنهم شهداء الله فى الأرض عدول هداة مهديون، بل تحاكموا فيه إلى القضاة، وطولبوا
بالبينة واليمين، فقد تحاكم عمر رضى الله عنه حین خاصمه أبی بن کعب إلی زيد بن ثابت،
وتحاكم عثمان وعبد الرحمن بن عوف إلى جبير بن مطعم كما مر فى (باب البيوع والقضاء)
وتحاكم على مع يهودى إلى شريح القاضى كما ذكرناه آنفا، ولم يقل النبى مَّ ه للأعرابى حين
قال: هلم شهيدا: أنه لا بينة عليه، وكذلك سائر المدعين، فعليهم إقامة بينة، وشهادة الوالد لولده
يجر بها إلى نفسه أعظم المغنم، فهى كشهادته لنفسه، والله تعالى أعلم. كذا فى "أحكام القرآن"
للجصاص (١ : ٥١٠).
وفى "البدائع": وأما العمومات فنقول بموجبها لكن لم قلتم أن أحد الزوجين فى الشهادة
لصاحبه عدل ومرضى، بل هو مائل ومتهم (مدع لنفسه) لما قلنا لا يكون شاهدا، فلا تتناوله
العمومات اهـ (٢٧٢:٦).

ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٢٣٤
٥٠١٠- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال:
قال رسول الله عَّ له: ((لا تجوز شهادة ذى الظنة ولا ذى الجنة))، أخرجه الحاكم فى
"مستدركه" (٩٩:٤) صححه على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى.
قوله: عن العلاء بن عبد الرحمن إلى آخر الباب. قال العبد الضعيف: الظنين وذو الظنة
هو المتهم فى ولاء أو قرابة، كما فى أثر عائشة رضى الله عنها من التصريح بها، وأما المتهم بالفسق
فلا تسقط عدالته، كما مر فى الحاشية عن "الخانية" أول الباب، اللهم إلا أن يكون قد اشتهر بذلك
بين العامة وتواتر عندهم الخبر بفسقه، فلا تقبل شهادته، وهو المراد بقول أبى يوسف. فإن قالوا:
نتهمه بالفسق والفجور، ونظن ذلك به ولم نره فإنى أقبل ذلك، ولا أجيز شهادته اهـ. وعلى هذا
فلا منافاة بينه وبين ما فى "الثانية"، فافهم. فمن فسر الظنين بالمتهم فى دينه يحمل كلامه علي من
اشتهر بذلك، وتواتر فسقه عند الناس.
الخصم نوعان
والخصم نوعان: أحدهما كل من خاصم فى حق فلا تقبل شهادته فيه، كالوكيل لا تقبل
شهادته فيما هو وكيل فيه، ولا الوصى فيما هو وصى فيه، ولا الشريك فيما هو شريك فیه،
و كذلك ما أشبه هذا لأنه خصم فيه، فلم تقبل شهادته به كالمالك.
الجواب عما عسى أن يتوهم من رد شهادة الزوج
إذا شهد على امرأته بالزنا مع ثلاث لكونه خصما فى شهادته:
وعلى هذا فينبغى أن لا تقبل شهادة الزوج على زوجته بالزنا ما لم يأت بأرتعة شهداء سواه،
وهو قول مالك والشافعى وسائر المدنيين فى ذلك، واختاره الطحاوى فى "مشكل الآثار"، وروى
فيه أثرا عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: حدثنا صالح بن عبد الرحمن حدثنا سعيد بن منصور
حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس فى أربعة
شهدوا امرأة بالزنا أحدهم زوج، قال: إنه يلاعن الزوج، قال أبو الزناد: وذلك رأی اهل بلدنا، ثم
أخرجه من طريق أخر بلفظ: يلاعن الزوج ويجلد الثلاثة اهـ. (٤٠٣:١). ومذهب الحنفية أن
شهادتهم جائزة، ويقام الحد على المرأة وقالوا: إن الزوج إنما يكون خصما إذا قذف امرأته عند
القاضى وحده، فيجب عليه اللعان أو يجىء بأربعة شهداء سواه، وإذا جاء مجىء الشهود مع ثلاثة
غيره، فليس بخصم، ولا قاذف، ولا لعان عليه، كالأجنبى إذا قذف وحده وجب عليه الحد،

٢٣٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
٥٠١١- مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين،
(الموطأ ص: ٣٠٠) وبلاغاته حجة. وقال الحافظ فى "التلخيص" (٤٠٩:٢): ليس له
إسناد صحيح لكن له طرق يقوى بعضها ببعض.
أو يأتى بأربعة غيره يشهدون بالزنا، ولو جاء مع ثلاثة، فشهدوا بالزنا لم يكن قاذفا وكان شاهدا،
فكذلك الزوج، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، وأثر ابن عباس محمول على إذا جاء الزوج والثلاثة
الشهداء متفرقین، فافهم.
تحقيق مذهب الحنفية فى شهادة العدو:
والثانى: العدو. فشهادته غير مقبولة على عدوه فى قول أكثر أهل العلم، روى ذلك
عن ربيعة والثورى وإسحاق ومالك والشافعي وأحمد، ويريدون بالعداوة ههنا العداوة
الدنيوية، فأما العداوة فى الدين كالمسلم يشهد على الكافر، أو المحق من أهل السنة يشهد على
مبتدع، فلا ترد شهادته، لأن العدالة بالدين، والدين يمنعه من ارتكاب محظور دينه، ذكره الموفق
فى "المغنى". وقال: قال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة الشهادة لأنها لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة
كالصداقة اهـ (٥٦:١٢).
قلت: وهذا الذى ذكره إنما هو رواية القنية ولكن المشهور على ألسنة فقهائنا هو التفصيل
فى العداوة الدنيوية والدينية تبعا "للمختصر" و"الكنز" وغيره، وقد جزم به المتأخرون. وفى
الخيرية ما نصه: فتحصل من ذلك أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل وإن كان عدلا، وصرح
يعقوب باشا فى حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضى بشهادة العدو على عدوه والمسألة دوارة فى
الكتب اهــ ملخصا من "رد المحتار" (٥٩٠:٤).
وفى "الدر": وتقبل من عدو بسبب الدين، لأنها من التدين، بخلاف الدنيوية فإنه لا يأمن
من التقول عليه كما سيجبىء، وأما الصديق لصديقه فتقبل إلا إذا كانت الصداقة متناهية بحيث
يتصرف كل فى مال الآخر اهـ. (٥٨٣:٤) وفيه أيضا عن "الأشباه": ولو العداوة للدنيا لا تقبل
سواء شهد على عدوه أو على غيره، لأنه فسق وهو لا يتجزى اهـ. قلت: وإنما يكون فسقا إذا أدى
إلى الحقد والضغينة والله تعالى أعلم. ثم اعلم أن أصحابنا وكذلك الشافعية والحنابلة ذکروا فى حد
العدل أنه من كان الأغلب والأظهر من أمره الطاعة والمروءة، وإذا كان الأغلب من أمره المعصية
وخلاف المروءة، فهو غير عدل لا تقبل شهادته.

٢٣٦
ج - ١٥
رد الشهادة للتهمة والفسق
٥٠١٢- وروى أبو داود فى "المراسيل" من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف
أن رسول الله عَ لّه بعث مناديًا أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
الجواب عن إيراد ابن حزم على الجمهور
فى اشتراطهم المروءة فى عدالة الشاهد:
وأورد عليه ابن حزم أنه كان يجب أن يكتفى بذكر الطاعة والمعصية، وأما ذكر المروءة ههنا
ففضول من القول وفساد فى القضية، لأنها إن كانت من الطاعة فالطاعة تغنى عنها، وإن كانت
ليست من الطاعة، فلا يجوز اشتراطها فى أمور الديانة، إذ لم يأت بذلك نص قرآن ولا سنة، قال:
والعدل هو من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة الصغيرة، والكبيرة هى ما سماها رسول الله عَ ليه.
كبيرة أو ما جاء فيه من الوعيد. والصغيرة ما لم يأت فيه وعيد، وليس إلا فاسق أو غير فاسق،
فالفاسق هو الذى يكون منه الفسوق، والكبائر كلها فسوق، فسقط قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا
العدل، وهو من ليس بفاسق، وأما الصغائر فإن الله عزوجل قال: ﴿إِن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه
نكفر عنكم سيآتكم﴾، فصح أن ما دون الكبائر مكفرة باجتناب الكبائر، وما كفره الله تعالى
وأسقطه، فلا يحل لأحد أن يذم به صاحبه، ولا أن يصفه به اهـ (٣٩٣:٩ و ٣٩٥).
قلت: والمذكور فى "الهداية" من معنى العدل هو ما ذكره ابن حزم بعينه فلفظه: وإن كانت
الحسنات أغلب من السيآت والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية. هذا
هو الصحيح فى حد العدالة المعتبرة، إذ لا بد من توقى الكبائر كلها، وبعد ذلك يعتبر الغالب
اهـ. وأورد عليه المحقق أن فيه قصورا حيث لم يتعرض لأمر المروءة، بل اقتصر على ما يتعلق
بالمعاصى، والمروى عن أبى يوسف هو قوله: أن لا يأتى بكبيرة ولا يصر على صغيرة، ويكون
ستره أكثر من هتكه، وصوابه أكثر من خطأه، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق، ويجتنب
الكذب ديانة ومروءة اهـ (٤٩٠:٦).
دليل اشتراط المروءة فى عدالة الشاهد:
وحجة من اشترط المورءة فى العدالة قوله عّ لّه: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى:
(إذا لم تستح فاصنع ما شئت)). رواه أحمد والبخارى وأبو داود وابن ماجة عن ابن مسعود، كما
فى العزيزى (٢٨:٢) يعنى من لم يستح صنع ماشاء، والمروءة أكبر دليل على حياء المرء وقلته على
قلة حيائه، ومن فاته الحياء يصنع ما يشاء، فلا تحصل الثقة بقوله، ولأن المروءة تمنع الكذب، وتزجر

٢٣٧
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن .
٥٠١٣- وروى أيضًا والبيهقى من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله عّ لّه
عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين، ألا ترى إلى قول أبى سفيان حين سأله قيصر
عن النبى معَِّ وصفته: والله لو لا أنى كرهت أن يؤثر عنى الكذب لكذبته ولم يكن يومئذ ذا دين،
وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت فى العدالة کالدين.
وأيضا: فقوله تعالى: ﴿من ترضون من الشهداء﴾ يدل على أن أمر تعديل الشهود موكول
إلى اجتهاد رأينا، وما يغلب فى ظنوننا من عدالتهم وصلاح طرائقهم، وجائز أن يغلب فى ظن
بعض الناس عدالة شاهد ، وأمانته فیکون عنده رضیا، ویغلب فى ظن غيره أنه ليس برضى. روى
الجصاص فى أحكامه عن أشعث الجدانى أنه شهد عند أياس بن معاوية رجل من أصحاب الحسن
فرد شهادته، فبلغ الحسن، وقال: قوموا بنا إليه. قال: فجاء إلى أياس فقال: يا لكع! أترد شهادة
رجل مسلم؟ فقال: نعم. قال الله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وليس هو ممن أرضى. قال:
فسكت الحسن، فقال: خصم الشيخ.
وروى ابن لهيعة عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: قلت لأياس بن معاوية:
أخبرت أنك لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا البخلاء ولا التجار الذين يركبون البحر. قال:
أجل. أما الذين يركبون إلى الهند(وكان إذ ذلك دار الحرب) حتى يغرروا بدينهم ويكثروا عددهم
من أجل طمع الدنيا، فعرفت أن هؤلاء لو أعطى أحدهم درهمين فى شهادة لم يتحرج بعد تغريره
بدینه، وأما الأشراف فإن الشریف(١) بالعراق إذا أنابت أحد منهم نائبة أتی إلی سید قومه فیشهد له
ويشفع، فكنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر أن لا یأتینی بشهادة، وقد روى عن
السلف رد شهادة قوم ظهر منهم أمور لا يقطع فيها بفسق فاعليها، إلا أنها تدل على سخف،
أو مجون. روى الجصاص بسنده عن بلال بن أبى بردة ومكان على البصرة أنه كان لا يجيز شهادة
من يأكل الطين وينتف لحيته.
وبسنده عن ابن جريج أن رجلا من أهل مكة شهد عند عمر بن عبد العزيز وكا ينتف
عنفقته ويحفى لحيته وحول شاربيه فقال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: بل اسمك ناتف، ورد
شهادته، وبسنده عن الجعد بن ذكوان قال: دعا رجل شاهدا له عند شريح اسمه ربيعة فقال:
يا ربيعة! ياربيعة! فلم يجب، فقال: يا ربيعة الكويفر! فأجاب، فقال له شريح: دعيت باسمك
(١) لعلهم كانوا روافض لا يبالون بالكذب، ويسمون تقية، كما سمو الزنا متعة، ظ.

٢٣٨
رد الشهادة للتهمة والفسق
ج - ١٥
قال: لا تجوز شهادة ذى الظنة والجنة -يعنى الذى بينك وبينه عداوة- وفى الترمذى من
فلم تجب، فلما دعيت بالكفر أجبت؟ فقال: أصلحك الله إنما هو لقب، فقال له: قم. وقال لصاحبه،
هات غيره.
شهادة الأقلف وإمامته:
قال: وحدثنا عبد الباقى قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد حدثنى إسماعيل بن إبراهيم حدثنا
سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: الأقلف لا تجوز شهادته.
(وهذا سند صحيح لا مطعن فيه، ومحمله إذا ترك الختان من غير عذر أو استخفافا بالدين
أو رغبة عن السنة فلا تقبل شهادته. وأما إذا تركه بعذر كمن أسلم كبيرا وخاف على نفسه فتقبل
شهادته وتجوز صلاته وإمامته، وكل من يراه واجبا يبطل به شهادته، وعندنا هو سنة. قال المحقق فى
"الفتح": وما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تقبل شهادته ولا تقبل صلاته ولا توكل ذبيحته إنما
أراد به المجوسى، ألا ترى إلى قوله: ولا توكل ذبيحته اهـ (٤٩١:٦).
وروى عن حماد بن أبى سلمة عن أبى المهزم عن أبى هريرة: لا تجوز شهادة أهل الحمر يعنى
النخاسين. وروى عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة صاحب حمام(١) ولا حمام وروى مسعر: أن
رجلا شهد عند شريح وهو ضيق كم القبا فرد شهادته، وقال: كيف يتوضأ وهو على هذه الحال؟
وحدثنا عبد الباقى بن قانع حدثنا معاذ بن المثنى ثنا سليمان بن حرب ثنا جرير بن حازم عن
الأعمش عن تميم بن سلمة قال: شهد رجل عند شريح فقال: اشهد بشهادة الله، فقال: شهدت
بشهادة الله لا أجيز لك اليوم شهادة. قال الجصاص: لما رآه تكلف من ذلك ما لیس علیه لم يره
أهلا لقبول شهادته.
فهذه الأمور التى ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من أجلها غير مقطوع فيها
بفسق فاعليه ولا سقوط العدالة، وإنما دلهم ظاهرها علی سخف من هذه حاله فردوا شهادتهم من
أجلها لأن كلا منهم تحرى موافقة ظاهر قوله تعالى: ﴿من ترضون من الشِهداء﴾ على حسب ما
أداه إليه اجتهاده، فمن غلب فى ظنه سخف من الشاهد، أو مجونه، أو استهانته يأمر الدين أسقط
شهادته، قال محمد فى كتاب أدب القاضى: من ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته اهـ. (٥٠٥:١)
فهذا دليلهم فى اشتراط المروءة فى العدالة من السنة والكتاب لا يهتدى إليه إلا من أوتى الحكمة
(١) بتشديد الأول وتخفيف الثانى، والمراد بالأول الحمامى وبالثانى من يطير الحمام ويطلع على عورات الناس.

٢٣٩
رد الشهادة للتهمة والفسق
إعلاء السنن
حديث عائشة فى حديث أوله: ((لا تجوز شهادة خائن)) الحديث. وفيه: ولا ذی غمر
وفصل الكتاب، وأما من حرم الفقه والدراية جملة فلا يهتدى إليه سبيلا؛ ومرادهم بالمروءة
التصاون والسمت الحسن وحفظ الحرمة وتجنب السخف والمجون.
ولعل ابن حزم حيث أنكرها حملها على نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة
والشارة الحسنة، فإن كان كذلك فقد أبعد، لأن هذه الأمور ليست من شرائط الشهادة عند أحد
من المسلمين، وأيضا: فماذا يقول ابن حزم فى التيقظ والحفظ وقلة الغفلة هل تشترط فى الشاهد أم
لا؟ فإن قال: لا، فقد خالف الإجماع، فإن الفقهاء والمحدثين قاطبة اعتبروا فى الشاهد أن يكون .
موثوقا بقوله غير معروف بكثرة الغلط والغفلة، يدل على ذلك اشتراطهم ذلك فى الراوى،
فلا يقبلون إلا حديث عدل تام الضبط، ولا يخفى أن أمر الشهادة أضيق من أمر الرواية، وإن قال:
نعم، فقد خالف قوله: وليس إلا فاسق، أو غير فاسق، فسقط قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا العدل
وهو من ليس بفاسق اهـ. فإن كثرة الغلط والغفلة ليس من الفسق فى شىء، فدليل اشتراط التيقظ،
الحفظ وقلة الغفلة فى الشاهد هو دليل اشتراط المروءة بعينه، وهو قوله تعالى: ﴿من ترضون من
الشهداء﴾ فإن المغفل ليس ممن يرضى، وكذلك قليل المروءة. قال ابن رستم: وعن محمد بن
الحسن فى رجل أعجمى صوام قوام مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به. قال: هذا شر من الفاسق
فى شهادته، ذكره الجصاص فى "الأحكام" له (٥٠٣:١).
قول أبى يوسف فى صفة العدل:
وفيه أيضا: ذكر بشر بن الوليد عن أبى يوسف فى صفة العدل أشياء منها: أنه قال: من سلم
من الفواحش التى تجب فيها الحدود وما يشبه ما تجب فيه من العظائم وكان يؤدى الفرائض
وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصى الصغار قبلنا شهادته، لأنه لا يسلم عبد من ذنب، وإن كانت
ذنوبه أكثر من أخلاق البر رددنا شهادته، ولا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج يقامر عليها، ولا من
يلعب بالحمام ويطيرها، وكذلك من يكثر الحلف بالكذب لا تجوز شهادته؛ قال: وإذا ترك الرجل
الصلوات الخمس فى الجماعة استخفافا بذلك، أو مجانة، أو فسقا، فلا تجوز شهادته، وإن تركها .
على تأويل (بأن كان الإمام ممن لا يصلح للإمامة لبدعة ونحوها)، و کان عدلا فيما سوى ذلك
قبلت شهادته، قال: وإن داوم علی ترك ر کعتی الفجر لم تقبل شهادته، وإن كان معروفا بالكذب
الفاحش لم أقبل شهادته، وإن كان لا يعرف بذلك، وربما ابتلی بشیء منه، والخیر فیه أکثر من
الشر قبلت شهادته، ليس يسلم أحد من الذنوب.

٢٤٠
رد الشهادة للتهمة والفسق
ج - ١٥
على أخيه اهـ. قلت: وهو من طريق يزيد بن زياد الشامى عن الزهرى عن عروة عن
قال: وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبى ليلى: شهادة أهل الأهواء جائزة إذا كانوا عدولا
إلا صنفا من الرافضة يقال لهم: الخطاية، فإنه بلغنى أن بعضهم يصدق بعضا فيما يدعى إذا حلف
له، ويشهد بعضهم لبعض، فلذلك أبطلت شهادتهم، وقال أبويوسف: أيما رجل أظهر شتيمة
أصحاب النبى عّ لّ لم أقبل شهادتهم، لأن رجلا لو كان شتاما للناس والجيران لم أقبل شهادته،
فأصحاب النبى معَّ ◌ُلّه أعظم حرمة.
دليل قبول شهادة أهل الأهواء إذا كانوا عدولا فى أفعالهم:
وقال أبو يوسف: ألا ترى أن أصحاب رسول الله عَ ليه قد اختلفوا واقتتلوا، وشهادة الفريقين
جائزة لأنهم اقتتلوا على تأويل، فكذلك أهل الأهواء من المتأولين، وذكر ابن رستم عن محمد أنه
لما قال: لا أقبل شهادة الخوارج إذا كانوا قد خرجوا يقاتلون المسلمين قال: قلت: ولم لا تجيز
شهادتهم وأنت تجيز شهادة الحزورية؟ قال: لأنهم لا يستحلون أموالنا ما لم يخرجوا، فإذا خرجوا
استحلوا أموالنا، فتجوز شهادتهم ما لم يخرجوا اهـ ملخصا (٥٠٤:١).
والسر فيه: أن خروجهم(١) من فسق الأفعال، ولا خلاف فى رد شهادة من كان فسقه من
حيث الأفعال، وأما قبل الخروج ففسقهم من جهة الاعتقاد، وهو اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام
أشبه الاختلاف فى الفروع، ولأن فسقهم هذا لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا
واعتقادا أنه الحق، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه، بخلاف فسق الأفعال، يؤيد ذلك قوله عّ لّه: ((فإذا
خرجوا فاقتلوهم)) وحكى الطبرى الإجماع على ذلك فى حق من لا يكفر باعتقاده، وأسند عن
عمر بن عبد العزيز أنه كتب فى الخوارج بالكف عنهم مالم يسفكوا دما حراما أو يأخذوا مالا، فإن
فعلوا فقاتلوهم، ولو كانوا ولدى، ومن طريق ابن جريح قلت لعطاء: ما يحل لى قتال الخوارج؟
قال: إذا قطعوا السبيل وأخافوا الأمن. وأسند الطبرى عن الحسن أنه سئل عن رجل كان يرى رأى
الخوارج ولم يخرج، فقال: العمل أملك بالناس من الرأى، كذا فى "فتح البارى" (٢٦٨:١٢).
ويؤيده ما رواه كثير بن نمر قال: دخلت مسجد الكوفة عشية جمعة وعلى يخطب الناس،
فقاموا فى نواحى المسجد يحكمون (أى يقولون: لا حكم إلا الله) فقال بيده هكذا ثم قال: كلمة
حق يبتغى بها باطل: حكم الله أنتظر فيكم، أحكم بينكم بكتاب الله وسنة رسوله معدّ لآه، وأقسم
(١) ثم راجعت "فتح القدير" وفيه: فإذا قاتلوا ردت شهادتهم لإظهار الفسق بالفعل اهـ (٤٨٧:٦)، فالحمد لله على الموافقة.