النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
سند صحيح، وروى عبد الرزاق عن الثورى عن واصل عن إبراهيم نحوه، قال الثورى:
وأماقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ إلى قوله: ﴿وذلك لهم خزى فى
الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم﴾ ثم قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ فإن أوله
وإن كان أمرا فى الحقيقة فإن صورته صورة الخبر، فلما كان الجمع فى صورة الخبر جاز رجوع
الاستثناء إلى الجميع، وأيضا فقوله: ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ يمنع رجوع الاستثناء إلى القريب،
فإن التوبة ترفع الخزى والعذاب من غير تقييد بأن تكون قبل القدرة عليهم، فافهم.
بخلاف آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر، ولا يجوز أن ينتظمهما جملة واحدة،
فلذلك كانت الواو فى قوله: ﴿وإولئك هم الفاسقون﴾ للاستئناف دون العطف، وأيضا فقد اتفقنا
على أن التوبة لا تسقط الحد، ولم يرجع الاستثناء إليه، فوجب أن يكون رد الشهادة مثله لأنهما
جميعا أمران قد تعلقا بالقذف، فحيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة،
وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر، فلا يلزم على ما وصفنا.
والعجب من الشافعى رحمه الله أنه قال: الثنايا على أول الكلام وآخره فى جميع ما يذهب
إليه أهل الفقه، ذكره البيهقى فى "السنن"، وكيف يقول هذا وهو لم يرجع الثنيا إلى أول الكلام،
وإنما أرجعه إلى وسطه، ولو كان راجعا إلى أول الكلام لزمه سقوط الحد بالتوبة، وهو لا يقول به،
والذى عرفناه من مذاهب أهل الفقه واللغة أن الثنيا يرجع إلى ما يليه أو إلى أول الكلام وآخره، وأما
إرجاعه إلى وسط الكلام فلم يقل به أحد، وإنما هو تحكم بلا دليل، وكيف يقول الشافعى هذا وقد
ذكره البيهقى عن جماعة من السلف أنهم أعادوا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، وذكر أبو عمر فى
"التمهيد": أنه قول الحكم ومعاوية ابن قرة وحماد بن أبى سليمان ومكحول، وهو رواية عن ابن
المسيب وعكرمة، وإليه ذهب أكثر أهل العراق، وفى "المحلى" لابن حزم: وصح عن الشعبى
والنخعى وابن المسيب فى أحد قوليه والحسن البصرى ومجاهد فى أحد قوليه ومسروق وعكرمة
فى أحد قوليه أن القاذف لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب. وعن شريح: المحدود فى القذف لا تقبل
شهادته أبدا وهو قول أبى حنيفة وأصحابه وسفيان، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٤٥:٢).
وفى "الأحكام" للجصاص: روى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراسانى عن ابن
عباس فى قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إلا الذين تابوا﴾، فتاب
عليهم من الفسق، وأما الشهادة فلا تجوز اهـ (٢٧٣:٣). وفيه تصريح برجوع الثنيا إلى ما يليه دون

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢٠٢
ونحن علی ذلك (فتح البارى ١٨٩:٥).
أول الكلام وآخره، خلافا لما قاله الشافعى رحمه الله، وفيه تأييد لما قاله إبراهيم النخعى وإشعار بأنه
لم ينفرد بما قال، بل له سلف فيه من ترجمان القرآن ابن عباس رضى الله عنهما، وقد تقدم الجواب
عما رواه على بن أبى طلحة عنه بخلافه فلا یفیده.
وحجتنا فى ذلك أيضا من حيث الظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾، والأبد
ما لا نهاية له، فالتخصيص عليه فى بيان رد شهادته دليل على أنه يتناول الشهادة على التأبيد. وأنه
حكم برأسه غير متعلق بسمة الفسق ولا بترك التوبة، لأن كل كلام حكمه قائم بنفسه وغير جائز
تضمينه بغيره إلا بدلالته، وفى حمله على ما ادعاه الخصم تضمينه بغيره وإبطال حكمه بنفسه
وذلك خلاف مقتضى اللفظ، وأيضا فحمله على ما ادعى يوجب أن يكون الفسق المذكور فى
الآية علة لما ذكر من إبطال الشهادة، فيكون تقديره: "ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا" لأنهم فاسقون،
وفى ذلك إزالة اللفظ عن حقيقته وصرفه إلى مجاز لا دلالة عليه، لأن حكم اللفظ أن يكون قائما
بنفسه فى إيجاب حكمه وأن لا يجعل علة لغيره مما هو مذكور معه ومعطوف عليه، فثبت بذلك
أن بطلان الشهادة بعد الجلد حكم قائم بنفسه على وجه التأبيد غير موقوف على التوبة. (الأحكام
للجصاص ٢٧٧:٣).
ومعنى قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ أى للمحدودين فى القذف بالتوبة لا يخرج من أن يكون
محدودا فى القذف، بخلاف قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾، فإن معناه
(لا تصل على أحد) من المنافقين (مات على نفاقه أبدا) وبالتوبة يخرج من أن يكون منافقا (فافترقا)
والمراد بالآية شهادته أى شهادة المجلود فى القذف لا ما يأتى به من الشهود على صدق مقالته،
فالصحيح من المذهب عندنا أنه إذا أقام المحدود أربعة من الشهداء على صدق مقالته بعد إقامة الحد
عليه تقبل(١)، ويصير هو مقبول الشهادة، كذا فى "المبسوط" (١٢٦:١٦).
ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ وثم للتراخى فى أصل اللغة، فاقتضى
ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن القذف أن يكونوا غير مردودى الشهادة بالقذف،
(١) أى ولا تقبل فى حق المقذوف، فلا يقام عليه الحد بهذه الشهادة، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شهادة لا تخلو عن شبهة،
ورد شهادة القاذف وإن كان من تتمة الحد عندنا ولكنه ليس مما يدراً بالشبهات، أما أولا: فلكونه تتمة للحد لا حدا برأسه،
وأما ثانيا: فلاختلاف العلماء فى كونه تتمة للحد، فلوا أقام المحدود أربعة من الشهداء على صدقه تقبل ويصير مقبول الشهادة،
فافهم.

٢٠٣
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
٤٩٨٧- وقال سعيد بن جبير: تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب
العظيم ولا تقبل شهادته (إعلام الموقعين لابن القيم ٤٤:١) أخرجه سعيد بن
منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، كما فى "الدر المنثور" (٢١:٥) وجزم ابن القيم به
دلیل على صحته عنده.
٤٩٨٨- حدثنا ابن المثنى ثنا ابن الوليد ثنا شعبة قال المغيرة: سمعت إبراهيم
یحدث عن شریح قال: قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدًا، توبته فيما بينه وبين ربه. قال
والتراخی یعم ما قبل الجلد وبعده على حد سواء، فمن خصه بما قبل الجلد فعليه البيان.
اندحض بذلك كله ما قاله الحافظ فى "الفتح" أن الجمهور تأولوا قوله تعالى: ﴿أبدا﴾ على
أن المراد ما دام مصرا على قذفه لأن أبد كل شىء على ما يليق به كما لو قيل: لا تقبل شهادة الكافر
أبدا، فإن المراد ما دام كافرا اهـ (١٨٧:٥). فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ كناية عن المجلودين،
فكان معناه: لا تقبلوا للمجلودين شهادة أبدا، وبالتوبة لا يزول عنهم اسم المجلود بخلاف الكافر،
فإن التوبة تزيل عنه اسم الكفر، وأما الإصرار على القذف فلا ذكر له فى النص فلا يجوز تعليق
الحكم عليه أصلا، والدليل على كون قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ كناية عن المجلود ما ذكرناه فى المتن
من قوله مێ: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى فرية)، و کذا قول عمر رضى
الله عنه فى رسالته إلى أبى موسى الأشعرى: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى
حد أو ظنينا فى ولاء أو قرابة)) الحديث. فالتنصيص على المحدود والمجلود يدل أن رد الشهادة إنما
بيتنى على الحد والجلد دون الإصرار، ونحوه مما ذكره الخصم.
قوله: وقال سعيد بن جبير: إلخ. يعارضه ما علق عنه البخارى ووصله الطبرى بلفظ: تقبل
شهادة القاذف إذا تاب. قال الحافظ فى "الفتح"؛ وروى ابن حاتم من وجه آخر عنه: لا تقبل، لكن
إسناده ضعيف اهـ (١٨٨:٥).
قلت: ولكن فى حكمه بضعفه نظرا، فإن ابن أبى حاتم قد التزم أن يخرج أصح ما ورد،
كما فى "الإتقان" (١٩٥:٢). فالظاهر أن الذى هو ضعيف عند الحافظ من رواته ثقة عنده، ويدل
على ذلك أيضا أن الحافظ ابن القيم ذكره فى "الإعلام" جازما به، ولا يجزم مثله بضعيف، ودلالة
الأثر على رد شهادة المحدود فى القذف وإن تاب ظاهرة.
قوله: حدثنا ابن المثنى إلخ. قول شريح: قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا دليل على أنه قال
ذلك سماعا وتوقيفا لا اجتهادا، لأنه لا يجوز لأحد أن يقضى على الله سبحانه برأيه.

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢٠٤
أبو موسى: يعنى القاذف. أخرجه الطبرى فى "تفسيره" (٦٢:١٨)، وهذا سند كما
ترى رجاله رجال الصحيح.
٤٩٨٩- عن مكحول فى القاذف: إذا تاب لم تقبل شهادته، أخرجه عبد بن
حمید.
٤٩٩٠- وعن محمد بن سيرين قال: القاذف إذا تاب فإنما توبته فيما بينه وبين
الله، فأما شهادته فلا تجوز أبداً، أخرجه عبد بن حميد.
٤٩٩١- وأخرج عن عكرمة أيضًا قال: لا شهادة له، (الدر المنثور ٦٢:١٨).
قوله: عن مكحول وعن محمد بن سيرين إلخ. لم أقف لهما على سند ولكن قد تقدم فى
قول ابن عند البر أن مذهب مکحول فی ذلك مذهب أهل العراق، ولا یخفی أن ابن سیرین منهم،
وفى كل ذلك دلالة على قوة مذهبنا فى الباب، فإن سعيد بن المسيب إمام أهل المدينة فى زمانه،
وابن عباس إمام أهل مكة، وسعيد بن جبير إمامهم بعده، ومكحول والأوزاعى أئمة أهل الشام فى
الفقه والحديث، وهؤلاء كلهم وافقوا أهل العراق فى أن شهادة المحدود فى القذف لا تقبل أبدا وإن
تاب. وهو ظاهر نص الكتاب، ومدلول حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا،
ومدلول قول عمر رضى الله عنه فى رسالته المشهور المتلقاة بالقبول، ويؤيده قول الأنصار فى
حديث الملاعنة: الآن يضرب رسول الله عَّه هلال بن أمية ويبطل شهادته فى المسلمين، وقول
سعد بن عبادة: فيجلدونى ولا يقبلون لى شهادة أبدا.
والعجب من بعض الأحباب أنه أغمض عينيه عن كل ذلك وقال: لا حجة لهم -أى
للحنفية- فى الحديث فى هذا الباب، ثم قصر حجتهم على نص الكتاب، ولا يخفى على الفقيه
العارف أن نص الكتاب والاستثناء الذى فيه هو عمدة من أجاز شهادته إذا تاب، وبه تمسكوا
لمذهبهم. كما قاله الحافظ فى "الفتح" (١٨٧:٥). فلا يتم حجة الحنفية به إلا إذا ضمت إليها
الأحاديث المرفوعة وأقوال الصحابة والتابعين كيلا يلزم رد التأويل بالتأويل، والاجتهاد بالاجتهاد،
والخصم ليس عنده حديث مرفوع فى الباب، وإنما عمدته ترجيح ما أول علیه نص الكتاب بما رواه
سفيان بن عيينة وغيره عن الزهرى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما رواه عن جماعة من
التابعين مثله، والجواب عن ذلك كله أن تأويل النص بالحديث المرفوع أولى من تأويله بغيره، وقول:
عمر فى رسالته المشهورة بعارض ما رواه الزهرى عنه مع علل أخرى فيه قد ذكرناها، وإذا اختلف
التابعون، فإنما يؤخذ من أقوالهم ما كان أقرب إلى ظاهر النص متأيدا بالحديث المرفوع.

٢٠٥
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
٤٩٩٢- حدثنى يعقوب ثنا هشيم أخبرنا إسماعيل (هو ابن أبى خالد) عن
الشعبى أنه كان يقول فى القاذف إذا شهد قبل أن يضرب الحد: قبلت شهادته.
ولا يخفى أن قول من قال: لا تقبل شهادته أبدا أشبه بالحق وأقرب إلى ظاهر الكتاب وألصق
به، وهو المؤيد بالأحاديث المرفوعة فى الباب، كما تقدمت الإشارة إليه، وذكرنا أن حديث عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده مشهور عند أولى الألباب، فالحق فى تأويل الكتاب ما ذهبنا إليه لا ما
ذكره الخصم، والله تعالى أعلم.
شهادة القاذف لا تبطل بنفس القذف بل بإقامة الحد عليه:
قوله: حدثنى يعقوب إلخ. فيه دلالة على أن شهادة القاذف لا تبطل بنفس القذف، بل بإقامة
الحد عليه، واختلف أهل العلم فى ذلك فقال بعضهم: قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل
إقامة الحد، وهو قول الليث بن سعد والشافعى، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك:
شهادته مقبولة ما لم يحد، (وهو قول الشعبى كما علمت) وهذا يقتضى من قولهم: إنه غير
موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد لإنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذا كانت سمة
الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق الفعل لا من جهة الاعتقاد، والدليل على
صحة ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿وأولئك
هم الفاسقون﴾ فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة، وثم للتراخى فى حقيقة اللغة،
فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف أن يكونوا غير فساق، فمن
حكم بفسقهم بنفس القذف فقد خالف حكم الآية.
وأيضا: فلو كانت شهادته تبطل بنفس القذف لما كان تركة إقامة البينة على زنا المقذوف
مبطلا لشهادته، وهى قد بطلت قبله، وأيضا: فلو كان القاذف محكوما بكذبه بنفس القذف
لوجب أن لا تقبل بعد ذلك ببینته علی زنا المقذوف، إذ قد وقع الحكم بكذبه فی قذفه حکم
ببطلان شهادة من شهد بصدقه، فلما لم يختلفوا فى قبول بينته على المقذوف بالزنا وإن ذلك
يسقط عنه الحد ثبت أن قذفه لم يوجب أن یکون كاذبا، فواجب أن لا تبطل شهادته إذ لم یحکم
بكذبه، ألا ترى أن قاذف امرأته بالزنا لا تبطل شهادته بنفس القذف، ولا يكون محكوما بكذبه
بنفس قذفه، ولو كان كذلك لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته، ولما أمر أن يشهد أربع شهادات
بالله إنه لمن الصادقين مع الحكم بكذبه، ولما قال النبى عَّ بعد ما لاعن بين الزوجين: الله يعلم

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢٠٦
٤٩٩٣- قال: ثنا هشيم أخبرنا عبيدة عن إبراهيم، وإسماعيل بن سالم عن
أن أحد كما كاذب فهل منكما تائب؟ فأخبر أن أحدهما بغير عينه هو الكاذب، ولم یحکم بكذب
القاذف بنفس قذفه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء
فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط بل إذ لم يأتوا بالشهداء،
ومعلوم أن الشهداء إنما يقيمون الشهادة عند الإمام بطلب المقذوف، فمن حكم بتفسيقه وأبطل
شهادته بنفس القذف فقد خالف الآية.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا
هذا إفك مبين﴾ دل ذلك على أن على الناس إذا سمعوا من يقذف آخر أن يحكموا بكذبه ورد.
شهادته.
(قلت: كلا، وغاية ما فيه الأمر بتكذيب الخبر دون المخبر وإنما يحكم بكذب المخبر عند
عجزه عن الإتيان بالشهداء) وقيل له لما قال فى نسق التلاوة: ﴿فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند
الله هم الكاذبون﴾ علمنا أنه لم يرد بقوله: ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ أيجاب الحكم بكذبهم بنفس
القذف، بل معناه: وقالوا: هذا إفك مبين إذا سمعوه ولم يأت القاذف بالشهود، وأيضا فمعلوم أن
الآية نزلت فى شأن عائشة رضى الله عنها وقذفتها، وقد كانت بريئة الساحة غير متهمة بذلك،
وقاذفوها أيضًا لم يقذفوها برؤية منهم لذلك، وإنما قذفوها ظنا منهم وحسبانا حين تخلفت، ومن
أخبر عن ظن فى مثله فعلينا إكذابه والنكير عليه (بمجرد السماع)، والشافعى رحمه الله يزعم أن
شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم، فإن كان القذف قد أبطل شهادته، فوجب أن
لا یقبلها بعد ذلك وإن شهد معه ثلاثة، لأنه قد فسق بقذفه وحده، فوجب الحكم بتکذیبه، وفی
قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف، كذا فى "أحكام
القرآن" للجصاص (٢٧٢:٣ و٢٧٣).
ويدل لصحة قولنا من جهة السنة قوله عّ لّه: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا
محدودا فى فرية)) حيث علق انتفاء العدالة بالحد ويلزمه بقاء العدالة ما لم يحد، وكذا قول عمر فى
"رسالته" مثله، وقول الأنصار: أيجلد هلال وتبطل شهادته فى المسلمين فأخبروا أن بطلان شهادته
معلق بوقوع الجلد به ولو بطلت بنفس القذف لقالوا: قد بطلت شهادة هلال فى المسلمين فهل
یجلد ظهره أيضا، فافهم.
وإذا ثبت أن شهادة القاذف لا تبطل بنفس القذف عندنا، بل بتمام الحد عليه، فلنا أن نحمل

٢٠٧
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
الشعبى أنهما قالا فى القاذف إذا شهد قبل أن يجلد فشهادته جائزة، رواه الطبرى فى
قول من قال: إن شهادة القاذف تقبل إذا تاب على قبولها قبل إقامة الحد عليه، لأنه قبل إقامة الحد
قاذف وليس بمحدود، فلا حجة للخصم فيما ذكره من أقوال التابعين ما لم يرد التصريح منهم
بقبول شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد، ودون إثباته خرط القتاد، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الحافظ فى الفتح: وعن الحنفية: لا ترد شهادته حتى يحد، وتعقبه الشافعى بأن الحدود
كفارة لأهلها فهو بعد الحد خير منه قبله فكيف يرد فى خير حالتيه ويقبل فى شرهما اهـ
(١٨٧:٥). قلنا: لا نسلم کونه بعد الحد خيرا منه قبله لما بينا أن الحكم بکذته وتفسیقه لا يلزمه قبل
الحد ولو لم يتب وأقام على قذفه كان عدلا مقبول الشهادة كما كان قبل القذف، وإنما يلزمه سمة
الفسق مرتبا على وقوع الحد به، ولا يخفى أن العدل خير من الفاسق المحتاج إلى الكفارة والتطهير
ووجه ذلك أن من سمعناه يخبر بخبر لا نعلم فيه صدقه من كذبه لا يحكم بفسقه ما لم يتحقق
کذبه ولا يتحقق ذلك إلا بوقوع الحد به ألا تری ان قاذف امرأته لا یکون محکوما بكذبه بنفس
قذفه. إلا لم يجز إيجاب اللعان بينه وبينها، ولم يؤمر بأن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن
الصادقين مع الحكم بكذبه، فافهم. مع أن كون الحدود كفارة مطلقا من غير تقييد فى محل النزاع،
كما ذكره الأصوليون، وأيضا: فإن رد الشهادة تتمة للحد عندنا فلا يثبت قبله، وأيضا فإن القذف
لا يثبت قبل القضاء فلا يثبت ما هو مبنى عليه قبله، والحد من تمام القضاء فلا بد أن لا يسقط
عدالته قبل الحد.
فإن قيل: إذا كان رد شهادة القاذف من تتمة الحد عندكم فما بالكم تقبلون شهادة الذمى
المحدود فى القذف إذا أسلم بعد الحد؟ قلنا: لأن الذمى لم يدخل فى الآية وذلك لأن الآية إنما
اقتضت بطلان شهادة من جلد وحكم بفسقه من جهة القذف، والذمى قد تقدمت له سمة الفسق
لكفرة فلما لم يستحق هذه السمة بالجلد لم يدخل فى الآية، وإنما جلدناه بالاتفاق ولم يحصل
الاتفاق على بطلان شهادته بعد إسلامه بالجلد الواقع فى حال كفره، فأجزناها كما نجيز شهادة
سائر الكفار إذا أسلموا.
وأيضا: فإن الحد فى القذف يبطل العدالة من وجهين: أحدهما عدالة الإسلام والآخر عدالة
الفعل، والذمى لم يكن مسلما حين وقوع الحد به فلا يكون الحد مبطلا لعدالة إسلامه، وإنما بطلت
عدالته من جهة الفعل فقط، فإذا أسلم فأحدث توبة فقد حصلت له عدالة من جهة الإسلام ومن
طريق الفعل أيضا بالتوبة، فلذلك قبلت شهادته، وأما المسلم: فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢٠٨
،،
"التفسير (٦٠:١٨)، وسنده صحيح.
الدين ولم يستحدث بالتوبة عدالة أخرى من جهة الدين إذا لم يستحدث بتوبة دينا، وإنما استحدث
عدالته من طريق الفعل، فلذلك لم تقبل شهادته، إذ شرط قبول الشهادة وجود العدالة من جهة
الدين والفعل جميعا، قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" (٢٧٨:٣)، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فأولئك
عند الله(١) هم الكاذبون﴾ وقوله معَّ: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا(٢) فى
الإسلام فتدبر وهذا أولى مما ذكره بعض الأحباب فى هذه المسألة من الجواب والله أعلم بالصواب.
فإن قيل: إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى به، قلنا:
عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، ألا ترى أن القاذف بالكفر لا يجب عليه الحد
والقاذف بالزنا يستحق الحد؟ فغلظ أمر القذف من هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر الكفر فى أحكام
الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر فى الآخرة أعظم، وأيضا فإن التائب من الكفر يزول عنه حكم القتل
ولا يزول عن التائب من القذف حد القذف اتفاقا، فجاز أن لا يزول عنه الحكم برد الشهادة أيضا
لكونه من تتمة الحد كما مر، فإن قيل: فإذا تاب وأصلح فهو عدل ولى لله تعالى وقد كان بطلان
شهادته أولا على وجه العقوبة، والتوبة تزيل العقوبة وتوجب العدالة والولاية، فغير جائز بطلان
شهادته بعد تو بته.
قلنا: لا يكون يطلان شهادته بعد توبته على وجه العقوبة بل على وجه المحنة كما لا تكون
إقامة الحد عليه بعد التوبة على جهة العقوبة بل على وجه المحنة، ولله أن يمتحن عباده بما شاء على
وجه المصلحة، (والسر فيه أن الحدود إنما شرعت لزجر العباد وحسم مادة الفساد، فلو درئت
بالتوبة لم يحصل الزجر ولم تنحسم مادة الفساد، فإن إظهار التوبة لا يعجز عنه أحد، والوقوف
على حقيقتها متعسر جدا، وأيضا: بطلان الشهادة لا يتوقف على وجه العقوبة) ألا ترى أن
العبد (المملوك) قد يكون عدلا مرضيا عند الله تعالى وليا له، وهو غير مقبول الشهادة، وكذلك
الأعمى والوالد لولده ومن جرى مجراه، فليس بطلان الشهادة فى الأصل موقوفا على الفسق ولا
على وجه العقوبة حتى يعارض بما ذكرت.
(١) أى فى حكمه وشرعه وإن كانوا صادقين فى نفس الأمر، ولكن يجب على أهل الشرع الحكم بكذب القاذف إذا عجز عن
الإتيان بالشهود، ففيه إشارة إلى سقوط عدالتهم من جهة الدین.ظ.
(٢) دل بطريق المفهوم على أن المحدود فى الكفر لا تسقط عدالته إذا أسلم لأنه لم يكن حين وقوع الحد به محدودا فى الإسلام، وقد
تقدمت الإشارة إلى ذلك أول الباب.

٢٠٩
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
ومما يدل على أن توبة القاذف لا توجب جواز شهادته أن شهادته إنما بطلت بحكم الحاكم
عليه بالجلد وجلده إياه، ولم تبطل بنفس القذف كما بيناه، فلما تعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم
لم يجز إجازتها إلا بحكم الحاكم بجوازها، وقد تقرر فى الأصول أن كل ما تعلق ثبوته بحكم
الحاكم لم يزل ذلك الحكم عنه إلا بما يجوز ثبوته من طريق الحكم، فلما لم تكن توبته مما تصح
الخصومة فيه، ولا يحكم بها الحاكم لم يجز لنا إبطال ما قد ثبت بحكم الحاكم، (وإليه أشار
إبراهيم النخعى حين سأله الشعبى: ألا تقبل شهادته إذا تاب؟ فقال: لأنى لا أدرى أتاب أم لا؟ رواه
الطبرى بسند صحيح (٦١:١٨) أى فلا يبطل الحكم برد شهادته بما لا يدخل تحت الحكم).
فإن قيل: فلو أن رجلا زنى فحده الحاكم ثم تاب جازت شهادته بعد التوبة، وكذلك
السارق، ولم يكن حكم الحاكم مانعا من قبولها بعد التوبة، قلنا: إن الزانى والسارق، وكذلك
الشارب لم يتعلق بطلان شهادتهم بحكم الحاكم، وإنما بطلت بزناه وسرقته ونحوه قبل أن يحده
الحاكم لظهور فسقه بفعله، فلما لم يتعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم، بل بفعله جازت عند
ظهور توبته بفعله، وشهادة القاذف لم تبطل بقذفه لما بينا لأنه جائز أن يكون صادقا وإنما يحكم
بكذبه وفسقه عند جلد الحاكم إياه، فأما قبل ذلك فهو فى حكم من لم يقذف، كذا فى "أحكام
القرآن" للجصاص (٢٧٩:٣). ومما يدل أن رد شهادة القاذف من تمام حده لا من لوازم فسقه أنه
تعالى حكم بالفسق على طوائف فى مواضع من كتابه، ولم يصرح فى موضع ما بعدم قبول
شهادتهم، وإنما قال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ فدل تخصيص هذا المقام بالتصريح، واقترانه
بالحد على أنه من تمام الحد، ولو كان من آثار الفسق لكان حكمه التوقف فى شهادته إلى التبين
لا ردها على وجه التأبيد، فافهم.
وأيضا: فلو كان كما قال الخصم لكان الوجه فى الكلام أن يقال: فاجلدواهم ثمانين جلدة
وأولئك هم الفاسقون فلا تقبلوا لهم شهادة أبدا. أو يقال: فاجلدواهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدا لأنهم فاسقون، ليدل الكلام على كون رد الشهادة مترتبا على الفسق متسببا منه، وإذ
لم يفعل ذلك دل هذا الصنيع البديع من الحكيم العليم الخبير على أن ليس المراد ترتب رد الشهادة
على الفسق بل هو من تتمة الحد، والحكم بالفسق أمر مستأنف، وقوله: ﴿إلا الذين تابوا
وأصلحوا﴾، إما استثناء من ذلك الحكم المستأنف إن كان متصلا أو استدراك منه إن كان منقطعا،
وقد مرت الإشارة إلى ذلك فیما مضى، فتذ کر.

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢١٠
وقال ابن المنير: اشتراط توبة القاذف (لقبول شهادته) إذا كان عند نفسه محقا فى غاية
الإشكال بخلاف ما إذا كان كاذبا فى قذفه، فاشتراطها واضح، ويمكن أن يقال: إن المعاين
للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه، فإذا كشفه قبل ذلك
عصى، فيتوب من المعصية فى الإعلان لا من المصدق فى علمه، قال الحافظ فى "الفتح": ويعكر
عليه أن أبا بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب معه كما تقدم، ومع ذلك فأمره عمر بالتوبة
لتقبل شهادته، ويجاب عن ذلك بأن عمر لعله لم يطلع على ذلك فأمره بالتوبة، ولذلك لم يقبل منه
أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه اهـ (١٨٩:٥).
قلت: يا سبحان الله! قد علم عمر وأبو بكرة نفسه وسائر المسلمين حين نكل زياد عن
الشهادة بمثل ما شهد به أصحابه بأن أبا بكرة وأصحابه قد أخطأوا فى كشفهم ستر المسلم قبل
تحقق كمال النصاب، وإن ظنهم بكمال النصاب أولا كان باطلا آخرا، فكان على أبى بكرة أن
يتوب من معصية الإعلان حين تحقق له خطأه بنكول زياد، وبذلك أمره عمر بن الخطاب رضى الله
عنه، فكيف يصح أن يقال: إن عمر لعله لم يطلع على ذلك إلخ. فالظاهر أن أبا بكرة إنما أبى
واستنكف من التوبة، لأن توبة القاذف عند عمر إكذابه نفسه، فلم يرض أبو بكرة يا كذابه، وهو
فى زعمه صادق، فقد أخرج عبد بن حميد بن سعيد بن المسيب قال: شهدت عمر بن الخطاب
حين جلد قذفة المغيرة بن شعبة منهم أبو بكرة وماتع وشبل، ثم دعا أبا بكرة فقال: إن تكذب
نفسك نجز شهادتك فأبى أن يكذب نفسه، ولم يكن عمر يجيز شهادته حتى هلكا، فذلك قوله:
﴿إلا الذين تابوا﴾ وتوبتهم إكذابهم أنفسهم، كذا فى "الدر المنثور" (٢١:٥)، وهو مذهب
الشافعى وأحمد أن توبة القاذف أن يكذب نفسه، ذكره الموفق فى "المغنى" (٧٧:١٢).
ويعكر عليه أن أبا بكرة لم يكذب نفسه قط، فلو كان أكذاب القاذف نفسه شرطا فى قبول
توبته لم يقبل المسلمون روايته ولم يعملوا بها، ولذا قال المهلب: إن إكذاب القاذف نفسه ليس
شرطا فى قبول توبته، لأن أبا بكرة لم يكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا
بها، كذا فى "فتح البارى" (١٨٨:٥)، فاعلم ذلك والله يتولى هداك، ولعل تائيد الحنفية فى هذا
الباب بمثل هذا التحقيق العجب العجاب لا تجده فى كتاب تغير هذا الكتاب، والله أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.

٢١١
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
خلاصة الكلام فى هذا الباب:
فائدة: قال ابن القيم فى "الإعلام": وهذا - أى رد شهادة القاذف- متفق عليه بين الأمة
قبل التوبة، والقرآن نص فيه، وأما إذا تاب، ففى قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء: أحدهما:
لا تقبل، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه وأهل العراق، والثانى: تقبل، وهو قول الشافعى وأحمد
ومالك، وقال ابن جريج عن عطاء الخراسانى عن ابن عباس: شهادة القادف لا تجوز وإن تاب،
وقال القاضى إسماعيل ثنا أبو الوليد-هو الطيالسى - ثنا قيس عن سالم عن قيس بن عاصم قال:
كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يشهده قال: أشهد غيرى فإن المسلمين قد فسقونی. وهذا ثابت عن
مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبى فى إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شريح، واحتج
أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾
وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقى المنع من قبول الشهادة على إطلاقه
وتأبيده، قالوا: وقد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى معَّهِ: ((لا تجوز شهادة
خائن ولا خائنة ولا محدود فى الإسلام ولا محدودة ولا ذی غمر علی أخیه»، وله طرق إلى
عمرو، وروى يزيد بن أبى زياد عن الزهرى عن عروة عن عائشة نحوه، وروى عن سعيد بن
المسيب عن النبى معَّه مرسلا، قالوا: ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته، ولهذا
لا يترتب المنع إلا بعد الحد، فلو قذف ولم يحد لم ترد شهادته، ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة
وخفف عنه إثم القذف أو رفعه، فهو بعد الحد خير منه قبله، ومع هذا فإنما ترد شهادته بعد الحد
فردها من تمام عقوبته وحده، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب
القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد عليه (مع أن التوبة كفارة للإثم بالاتفاق)، فكذلك شهادته.
وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدا وتوبته فيما بينه وبين ربه، وسر المسألة أن رد شهادته جعل
عقوبة لهذا الذنب فلا يسقط كالحد، قال الآخرون واللفظ للشافعى: أن الثنيا فى سياق الكلام على
أول الكلام وآخره فى جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك (قلنا: فارجعه رحمك
الله إلى قوله: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾، فإنه أول الكلام ولكنك خالفت جميع ما يذهب إليه
أهل الفقه، فرجعته إلى وسط الكلام)، قال: وأنبأنا ابن عيينة سمعت الزهرى فذكر قصة عمر مع
أبى بكرة (وقد تقدم ما فيها، فتذكر).
قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدم سوى الحد، فإن المسلمين مجمعون على أنه
١٠٠

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢١٢
لا يسقط عن القاذف بالتوبة (قلنا: فلما منع هذا الإجماع من رجوع الاستثناء إلى أول الكلام
فليكن راجعا إلى ما يليه لا إلى وسط الكلام، فإن هذا هو الأصل فى اللغة، وهو المستعمل فى
القرآن بدليل قوله تعالى: ﴿إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته﴾ فكانت المرأة مستثناة من
المنجين، ولو قال رجل: لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهم كان عليه ثمانية دراهم
وكان الدرهم مستثناة من الثلاثة. وأيضا: قوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾ فى معنى
الاستثناء وهو راجع إلى الربائب دون أمهات النساء، فثبت بذلك ما ذكرنا من الاقتصار بحكم
الاستثناء على ما يليه دون ما تقدمه. قاله الجصاص فى "الأحكام" له (٢٧٤:٣)، وقال أبو عبيد فى
" كتاب القضاء": وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته.
(قلت: ولكن أئمتهما كابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وسعيد بن المسيب
على عدم قبولها كما مر) وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدا، وكلا الفريقين
إنما تأولوا القرآن فيما يرى. (قلت: ولكن أهل العراق تأولوه على ما أوله عليه الحديث المرفوع الذى
هو مشهور عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله شاهد من حديث عائشة ومرسل سعيد،
وغيرهم تأولوه برأيهم لا حجة لهم فى الحديث أصلا كما مر، فانظر ماذا ترى؟)، فجعل أهل
العراق الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون الكلام يتبع بعضه بعضا على نسق
واحد فقال: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ (قلت: بل قال: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا﴾
الآية)، فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله (قلت: ولكنه لم ينتظم الجلد إجماعا فلم ينتظم كل ما
كان قبله، فليكن مقتصرا على ما يليه فقط، كما هو الأصل فى اللغة).
قال أبو عبيد: وهذا عندى هو القول المعمول به لأن من قال به أكثر (قلت: كلا فإن أهل
العراق کلهم قائلون بخلاف ما ذهبت إليه من روی عنه من أهل الحرمین ما یوافق رأيك، فقد روى
عنه ما يخالفه كما لا يخفى على من أمعن النظر فى الآثار) قال: وهو أصح فى النظر ولا يكون
القول بالشىء أكثر من الفعل وليس يختلف المسلمون فى الزانى المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب.
(قلت: قد یکون القول بالشىء أکثر من الفعل، فإن قول الزور أشد من فعل الزور، روى أبو
داود والترمذى عن أيمن بن خزيم رفعه: ((أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله تعالى))، ثم قرأ
النبى ◌ّ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ الآية (جمع الفوائد ٢٦١:١)،
وقد رأيت الله قد حكم على طوائف بالفسق فى مواضع من كتابه، ولم يصرح فى موضع برد

٢١٣
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
شهادتهم، وخص القاذف بذلك، وأجمعت الأمة على شهادته قبل التوبة، وفى ذلك ما يدلك على
كون القذف بالزنا أشد من الزنا لما فيه من الاستطالة على عرض المسلم، فافهم.
قال المانعون: القذف متضمن للخيانة على حق الله تعالى وحق الآدمى وهو من أوفى
الجرائم، فناسب تغليط الزجر، ورد الشهادة من أقوى أسباب الزجر، لما فيه من إيلام القلب والنكاية
فى النفس، إذا هو عزل لولاية لسانه الذى استطال به على عرض أخيه وإبطال لها، ثم هو عقوبة
فى محل الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه، وقد رأينا الشارع قد اعتبر
هذا حيث قطع يد السارق، فإنه حد مشروع فى محل الجناية.
ولا ينتقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزانى بقطع العضو الذى جنى به لوجوه: أحدها: أنه
عضو مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه، الثانى: أن ذلك يفضى
إلى إبطال التناسل وانقطاع النوع الإنسانى، الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو
المخصوص، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن. الرابع: أن قطع هذا العضو مفض إلى الهلاك
غالبا، وغير المحصن لا يستوجب الهلاك، والمحصن يستحق أشنع القتلات فلا حاجة فى قطع بعض
أعضائه اهـ ملخصا (١: ٤٤ و ٤٥). قلت: وهذا الذی ذكره ابن القيم آخرا ليس من العلل، بل من
الحكم والأسرار الموجبة لترجيح ما اختاره أبو حنيفة وأصحابه وأهل العراق فى تأويل الكتاب،
ذكرته تنشيطا للأذهان وتفريحا للأصحاب، فافهم، وكن من الشاكرين.
فائدة: أخرج الإمام محمد فى "الآثار" له عن أبى حنيفة قال: حدثنا الهيثم عن عامر
الشعبى عن شريح قال: أتاه أقطع بنى أسد فقال: أتقبل شهادتى؟ -وكان من خيارهم- فقال: نعم
وأراك لذلك أهلا، قال محمد: وبه نأخذ كل محدود فى سرقة أو زنا وغير ذلك إذا تاب قبلت
شهادته إلا المحدود فى القذف خاصة لقول الله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ اهـ (ص٩٤)،
وهو كذلك فى "الآثار" لأبى يوسف (ص١٦٣)، وأخرج الإمام أبو يوسف فى "الآثار" له عن
أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى مسلم ضرب حدا فى قذف وارتد عن الإسلام ثم أسلم
أن شهادته لا تجوز اهـ (ص١٦٢)، وروى محمد فى "الآثار": عن الإمام عن حماد عن شريح
قال: المكاتب فى الحدود والشهادة عبد ما بقى عليه درهم، قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبى
حنيفة اهـ. قلت: فلو شهد المكاتب فى شىء، فردت شهادته ثم شهد به بعد العتق قبلت، كما هو
الحكم فى العبد، وقد مر ذكره، والله تعالى أعلم.

٢١٤
ج - ١٥
باب شهادة الصبیان
٤٩٩٤- أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس فى
شهادة الصبيان: لا تجوز. وزاد ابن جريج عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس: لأن الله
تعالى قال: ﴿من ترضون من الشهداء﴾ قال: ومعنى الكتاب مع ابن عباس، أخرجه
باب شهادة الصبيان
أقول: أثر ابن عباس المذكور فى المتن يدل على عدم جواز شهادة الصبيان، وقال عثمان بن
عفان أيضا مثل ما قال ابن عباس إلا أنه قال: يقبل شهادته بعد البلوغ إن لم يكن ردت قبل ذلك،
قال سخنون: إن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن
عفان أنه قضى فى شهادة المملوك والصبى والمشرك أنها جائزة إذا شهد به المملوك بعد عتقه
والصغير بعد كبره والمشرك بعد إسلامه إلا أن يكونوا ردت عليهم قبل ذلك (المدونة الكبرى
٤: ٨٠)، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: إنه تقبل شهادة الصبى بعد البلوغ والمملوك بعد العتق
سواء ردت قبله أم لا، بخلاف المشرك فإنه لا تقبل شهادته بعد الإسلام لو ردت قبله، وهو قول
إبراهيم النخعى.
وحجة أبى حنيفة فى الباب أنه قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ إلخ،
والصبى ليس من الرجال ولا النساء فلا تقبل شهادته، لأن الله تعالى أخرجه عن الأهلية للشهادة،
ولما خرج عن الأهلية فيقال: إن ما ردت من شهادته فى الصبا لم تكن شهادة فتقبل بعد البلوغ،
وكذا العبد لم يكن أهلا للشهادة فشهادته المردود -ولم تكن شهادة- فتقبل أيضا، بخلاف المشرك
فإنه أهل للشهادة فشهادته يكون شهادة، فإذا ردت مرة واحدة لا تقبل أبدا.
فإن قلت: إن قوله: ﴿من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ كما يدل على
اشتراط الحرية والبلوغ فى الشهادة كذلك يدل على اشتراط الإسلام، فينبغى أن يكون حكم
للصبى والمملوك والمشرك سواء، قلنا: الآية تدل على عدم أهلية الصبى والعبد مطلقا، أما المشرك
فلا تدل على عدم أهليته مطلقا، بل بالنسبة إلى المسلمين فقط، وأما بالنسبة إلى الكافرين، فهو أهل
له، وإذا كان كذلك، فيكون شهادته عند القاضى فى حال الكفر شهادة فى الجملة، فإذا ردت مرة
لا تقبل أبدا، وهذا هو الفرق.
قال العبد الضعيف: لا أدرى من أين أخذ هذا الفرق بعض الأحباب؟ والمنصوص فى
"الفتح" (٤٧٩:٦) و"البدائع" و"البحر" (٧٨:٧) خلاف ذلك، فلم يفرقوا بين الصبى والعبد

٢١٥
شهادة الصبيان
إعلاء السنن
الشافعى فى "كتاب الأم" (٨١:٧)، قال العبد الضعيف: وهذا سند صحيح.
والكافر فى هذا الحكم، قال فى "البدائع": لو شهد الفاسق فردت شهادته لتهمة الفسق أو شهد
أحد الزوجين لصاحبه، فردت لتهمة الزوجية، ثم شهدوا فى تلك الحادثة بعد التوبة والبينونة
لا تقبل، ولو شهد العبد، أو الصبى العاقل، أو الكافر على مسلم فى حادثة فردت، ثم أسلم الكافر،
وعتق العبد، وبلغ الصبى، فشهدوا فى تلك الحادثة تقبل، وجه الفرق أن الفاسق والزوج لهما
شهادة فى الجملة وقد ردت، فإذا شهدوا بعد التوبة، وزوال الزوجية، فقد أعادوا تلك الشهادة،
والشهادة المردودة لا تحتمل القبول بخلاف الكافر والعبد والصبى لأنه لا شهاده للكافر على المسلم
أصلا، وكذا الصبى والعبد لا شهادة لهما أصلا، فإذا أسلم الكافر، وعتق العبد، وبلغ الصبى، فقد
حدثت لهم بالإسلام والعتق والبلوغ شهادة وهى غير المردودة فقبلت فهو الفرق اهـ (٢٦٦:٦).
قلت: وإنما قيد شهادة الكافر بأن تكون على المسلم لتصوير الرد فإنها لا ترد إذا كانت على
الكافر بعلة الكفر والكلام فى ذلك، وليس المراد أنها تقبل فى حق المسلمين فقط (بحر)، فافهم،
وقد قدمنا الجواب عن أثر عثمان فى باب شهادة العبد، فتذكر.
وما أخرجه الجصاص عن على فى "أحكام القرآن": أنه قال: شهادة الصبى على الصبى
والعبد على العبد جائزة فمحمول على تحقيق الحال من إخبارهم، وليس المراد الشهادة بمعنى الإلزام
كما يدل عليه ما روى عن على نفسه أنه كان يستثبت الصبيان فى الشهادة، أخرجه الجصاص فى
"أحكام القرآن" بسند متصل صحيح لأن(١) معنى قوله: يستثبت أنه كان يسألهم ويستفيد منهم
لتحقيق الحال، وكذا ما روى مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضى بشهادة
الصبيان فيما بينهم من الجراح (موطأ مالك ص ٣٠٣) محمول على قبول خبرهم للتأديب،
لا للقضاء، إذ لا فرق فى الجراح وغيره لو كانوا أهلا للشهادة، فافهم، والله أعلم.
قال العبد الضعيف: وفى "الدر المختار": لا تقبل من أعمى مطلقا، ومرتد ومملوك وصبى
ومسجون فى حادثة تقع فى السجن، وكذا لا تقبل شهادة الصبيان فيما يقع فى ملاعبهم،
ولا شهادة النساء فيما يقع فى الحمامات وإن مست الحاجات، لمنع الشرع عما يستحق به السجن
وعن ملاعب الصبيان وحمامات النساء فكان التقصير مضافا إليهم لا إلى الشرع (بزازية وصغرى
وشرنبلالية) لكن فى "الحاوى القدسى": تقبل شهادة النساء وحدهن فى القتل فى الحمام
(١) قال العبد الضعيف: ويحتمل أن يحمل على أنه كان ينتظر ثباتهم عليها حتى يبلغوا، كما روى عن عطاء وابن سيرين والشعبى
وشريح أنهم كانوا يقبلونها إذا ثبتوا عليها حتى يبلغوا.

٢١٦
ج - ١٥
شهادة الصبيان
٤٩٩٥- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن شريح قال:
كتب هشام إلى ابن هبيرة يسأله عن خمس: عن شهادات الصبيان، وعن جراحات
النساء والرجال، وعن دية الأصابع، وعن عين الدابة، وعن الرجل يقر بولده عند الموت
فكتب إليه: أن شهادة الصبيان بعضهم على بعض جائزة إذا اتفقوا وجراحات الرجال
بحكم الدية كيلا يهدر الدم اهـ، فليتنبه عند الفتوى، وقدمنا قبول شهادة المعلم فى حوادث
الصبیان اهـ (٥٨٧:٤).
وعلى هذا فشهادة الصبيان وحدهم تقبل أيضا فى شجاجهم بينهم بحكم الدية كيلا يهدر
الدم، وهذا وإن كان ضعيفا فى المذهب رواية، ولكنه قوى دراية لكونه متأيدا بأثر على وابن
الزبير رضى الله عنهما، وعلى هذا فوجه تخصيص ابن الزبير قبول شهادة الصبيان بالجراح إنما هو
لأجل مساس الحاجة كيلا يهدر الدم، ولا حاجة فى غيرها إلى قبول شهادتهم وشهادتهن
وحدهن، فمعنى أثر على وابن الزبير أنهما كانا يقبلان شهادة الصبيان وحدهم فى الجراح
والشجاج بحكم الدية دون القصاص بها، فافهم.
قوله: محمد إلى آخر الباب إلخ دلالة "الآثار" على أن شهادة الصبيان لا تجوز فى شىء
ظاهرة. هذا هو ظاهر المذهب وعليه المتون، قال ابن حزم فى "المحلى": لا تقبل شهادة من لم يبلغ
من الصبيان، ولا ذكورهم ولا إناثهم، ولا بعضهم على بعض، ولا على غيرهم، لا فى نفس،
ولا جراحة ولا فى مال، ولا يحل الحكم بشىء من ذلك لا قبل افتراقهم ولا بعد افتراقهم، وبمثل
قولنا يقول مكحول وسفيان الثورى وابن شبرمة وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو حنيفة
والشافعى وأحمد بن حنبل وأبو سليمان وجميع أصحابنا، وقال مالك: تجوز شهادة الصبيان على
الصبيان فقط، ولا تجوز شهادتهم على صغير أنه جرح كبيرًا، وعلى كبير أنه جرح صغيرا،
ولا تجوز إلا فى الجراح خاصة (دون الأموال والعقود)، ولا تجوز شهادة الصبايا فى شىء من ذلك
أصلا، ولا تجوز فى شىء من ذلك من كان منهم عبدا، فإن اختلفوا لم يلتفت إلى شىء من قولهم،
وقضى على جميعهم الدية سواء، قال ابن حزم: ما نعلم عن أحد قبله فرقا بين صبى وصبية،
ولا بين عبد منهم من حر، ولم نجد لمن أجاز شهادة الصبيان حجة أصلا، لا من قرآن، ولا من
سنة، ولا رواية سقيمة، ولا قياس، ولا نظر ، ولا احتياط، بل هو قول متناقض لأنهم فرقوا بين
شهادتهم على كبير، أو لكبير، وبين شهادتهم لصغير، أو على صغير، وفرق مالك بين الجراح
وغيرها، وفرق بين الصبايا والصبيان، وهذا كله تحكم وخطأ لا خفاء به.

٢١٧
شهادة الصبيان
إعلاء السنن
والنساء يستويان فى السن والموضحة وتختلفان فيما سوى ذلك، ودية أصابع الرجلين
واليدين سواء، وفى عين الدابة ربع ثمنها والرجل يقر بولده عند الموت أنه أصدق ما
يكون عند الموت. كذا فى "الآثار" (ص: ٩٥) وسنده صحيح، قال محمد: وبهذا كله
نأخذ إلا فى خصلتين: أحدهما شهادة الصبيان عندنا باطلة، اتفقوا أو اختلفوا، لأن الله
تعالى يقول فى كتابه: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ ﴿واستشهدوا شهيدين من
رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ فالصبيان ليسوا
ممن يوصف أن يكونوا عدولا، ولا ممن(١) يرضى به من الشهداء. والخصلة الأخرى:
جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال فى السن والموضحة وغير ذلك،
وهو قول أبى حنيفة اهـ.
وقد اختلفت الصحابة فى ذلك، فصح عن(٢) ابن الزبير أنه قال: إذا جىء بهم عند المصيبة
جازت شهادتهم، قال ابن أبى مليكة: فأخذ القضاة بقبول ابن الزبير، وروينا عن قتادة عن الحسن
قال: قال على بن أبى طالب: شهادة الصبى على الصبى جائزة، وشهادة العبد على العبد جائزة.
قال الحسن: وقال معاوية: شهادة الصبيان على الصبيان جائزة ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا، وعن
على مثل هذا أيضا، ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع نا عبد الله(٣) ابن حبيب بن أبى ثابت عن
الشعبى عن مسروق أن ستة غلمان ذهبوا يسبحون، فغرق أحدهم فشهد ثلاثة على اثنين أنهما
غرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنهم غرقوه، فقضى على بن أبى طالب على الثلاثة خمسى الدية
(١) سبقه إلى هذا الاستدلال حبر الأمة ابن عباس رضى الله عنهما كما رواه الحاكم عنه فى "المستدرك" (٩٩:٤) وصححه على
شرطهما وأقره عليه الذهبى.
(٢) فيه وفيما روى عن على ومعاوية رد على الزهرى فى قوله: إن أول من قضى بذلك مروان.
(٣) قال الجصاص فى "أحكامه": إن عبد الله بن حبيب غير مقبول الحديث عند أهل العلم، ومع ذلك فإن معنى الحديث مستحيل
لا يصدق مثله عن على رضى الله عنه، لأن أولياء الغريق إن ادعوا على أحد الفريقين فقد أكذبوهم فى شهادتهم على غيرهم،
وإن ادعوا عليهم كلهم فهم يكذبون الفريقين جميعا، فهذا غير ثابت عن على كرم الله وجهه اهـ (٤٩٧:١).
قلت: أما عبد الله بن حبيب فمن رجال مسلم ثقة وثقه ابن معین وغيره لم نر فیه جرحا لأحد إلا ما قال أبو حاتم لا يحتج به،
كما فى "الميزان" (٣٠:٢). ولكن الحافظ ذكر توثيقه عن جماعة فى "التهذيب" (١٨٣:٥)، ولم يذكر قول أبى حاتم هذا،
فكأنه لم يعبأ به، وأما معنى الحديث فيحتمل أن يكون أولياء الغريق كانوا قد ادعوا على واحد من الخمسة من غير تعيين، فلما
اختلف الصبيان فى شهادتهم جعل على الدية على كلهم خمسين وثلاثة أخماس، خلاف قول مالك فى صورة الاختلاف. ظـ
،

ج - ١٥
شهادة الصبيان
٢١٨
٤٩٩٦- عن عمر وعثمان فى الصغير والعبد والكافر: لا تقبل شهادتهم قبل
البلوغ والعتق والإسلام وإنما تقبل إذا شهدوا بها بعد أن يسلم الكافر ويكبر الصبى
ويعتق العبد إذا كانوا حين يشهدون بها عدولا، وقد مر فى (باب شهادة العبد).
٤٩٩٧- وصح عن ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: لا تقبل شهادة الصبيان
فی شیء.
٤٩٩٨- وعن عطاء: لا تجوز شهادة الغلمان حتى يكبروا. وعن القاسم بن
محمد وسالم والنخعى مثل قول عطاء.
٤٩٩٩- وعن الحسن: لا تقبل شهادة الغلمان على الغلمان.
وعلى الاثنين ثلاثة أخماس الدية. وروينا عن يحيى بن سعيد القطان: نا سفيان الثورى عن فراس
عن الشعبى عن مسروق: أن ثلاثة غلمان شهدوا على أربعة، وشهد الأربعة على الثلاثة، فجعل
مسروق على الأربعة ثلاثة أسباع الدية، وعلى الثلاثة أربعة أسباع الدية. (وهذا خلاف قول مالك،
فإنه جعل الدية على كلهم سواء إذا اختلفوا، كما مر).
وروينا أيضا عن ابن المسيب والزهرى جواز شهادة الصبيان مع أيمان المدعى ما لم يتفرقوا،
وعن أبى الزناد: السنة أن يؤخذ فى شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الجراح مع أيمان المدعين
(أراد بالسنة عمل أهل المدينة، وهو حجة عند مالك وأقوى من خبر واحد صحيح)، وعن عمر بن
عبد العزيز أنه أجاز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الجراح المتقاربة، فإذا بلغت النفوس قضى
بشهادتهم مع أيمان الطالبين وعن ربيعة: جواز شهادة بعض الصبيان على بعض مالم يتفرقوا. وعن
شريح: أن شهادة الصبيان تقبل إذا اتفقوا، ولا تقبل إذا اختلفوا. (وإنما تقبل عنده إذا ثبتوا عليها
حتى يبلغوا كما فى المتن) وأنه أجاز شهادة صبيان فى مأمومة. وعن ابن قسيط وأبى بكر بن حزم:
قبول شهادة الصبيان فى ما بينهم مالم يتفرقوا. وعن عووة بن الزبير: تجوز شهادة الصبيان فيما
بينهم وفى الجراح خاصة ويؤخذ بأول قولهم؛ وعن عطاء والحسن: تجوز شهادة الصبيان على
الصبيان. (قلت: قد روينا عنهما فى المتن خلافة) وعن إبراهيم النخعى: تجوز شهادة الصبيان
بعضهم على بعض، وقال: كانوا يجيزونها بينهم اهـ (٤٢٠:٩).
قلت: قد روى عنه خلافه كما فى المتن، والمذهب أن شهادتهم لا تقبل فى شىء لأنهم
ليسوا من العدول ولا ممن يرضى من الشهداء. وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها
فإنه آثم قلبه﴾، فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبى لا يأثم، فدل على أنه ليس بشاهد،

٢١٩
شهادة الصبيان
إعلاء السنن
٥٠٠٠- وعن ابن سيرين: لا تقبل شهادتهم حتى يبلغوا.
٥٠٠١- وعن الشعبى وشريح أنهما كانا يقبلانها إذا ثبتوا عليها حتى يبلغوا.
٥٠٠٢- وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهرى فى غلمان شهد بعضهم
على بعض بكسر يد صبى منهم فقال: لم تكن شهادة الغلمان فيما مضى من الزمان
تقبل، وأول من قضى بذلك مروان، كذا فى "المحلى" (٤٢١:٩).
ولأن الصبى لا يخاف من مأثم الكذب فينزعه عنه ويمنعه منه، فلا تحصل الثقة بقوله ومن عادة
الصبى إذا كان منه جناية أحالته بها على غيره خوفا من أن يؤاخذ بها، كما هو معلوم مشاهد،
فکیف تجوز شهادة من هو غیر مأخوذ بكذبه ولیس له حاجز یحجزه عن الكذب، ولا حياء يردعه
ولا مروءة تمنعه، وقد يضرب الناس المثل بكذب الصبيان فيقولون: هذا أكذب من الصبى، ومن
ظن أنهم لا يتعمدون الكذب دون تلقين غيرهم فليس ذلك كما ظن، لأنهم يتعمدون الكذب من
غير مانع يمنعهم وهـ يعرفون الكذب، كما يعرفون الصدق إذا بلغوا الحد الذى يقومون فيه بمعنى
الشهادة، وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة، منها: خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية،
أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه ومعان غير ذلك معلومة من أحوالهم؛ ولما لم يجز أن يلحقهم
ضمان بالرجوع دل على أنهم ليسوا من أهل الشهادة، لأن كل من صحت شهادته لزمه الضمان
عند الرجوع، كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص (٤٩٧:١).
ولأن من لا يقبل قوله على نفسه فى الإقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون، يحقق هذا
أن الإقرار أوسع، لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة، ولا تصح الشهادة منهم، ولأن من لا تقبل
شهادته فى المال لا تقبل فى الجراح كالفاسق، ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله لا تقبل على
مثله كالمجنون، قاله الموفق فى "المغنى" (٢٨:١٢).
وفى "بداية المجتهد" لابن رشد: وأما البلوغ فإنهم اتفقوا على أنه يشترط حيث تشترط
العدالة، واختلفوا فى شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الجراح وفى القتل، فردها جمهور
فقهاء الأمصار لما قلناه من وقوع الإجماع على أن من شرط الشهادة العدالة، ومن شرط العدالة
البلوغ، ولذلك ليست فى الحقيقة شهادة عند مالك، وإنما هى قرينة حال، ولذلك اشترط فيها أن
لا يتفرقوا لئلا يجنبوا (أو يعلموا).
واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم كبير أم لا؟ واختلفوا هل يشترط فيها

٢٢٠
ج - ١٥
باب رد الشهادة للتهمة والفسق
٥٠٠٣- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله عَّ له رد شهادة
الخائن والخائنة، وذى الغمر على أخيه، وشهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم،
الذكورة أم لا؟ واختلفوا أيضا هل تجوز فى القتل الواقع بينهم؟ ولا عمدة لمالك فى هذا إلا أنه (١)
مروى عن ابن الزبير، قال الشافعى: فإذا احتج محتج بهذا قيل له: إن ابن عباس قد ردها والقرآن
يدل على بطلانها؛ وقال يقول مالك ابن أبى ليلى وقوم من التابعين، وإجازة مالك لذلك من باب
إجازته قیاس المصلحة اهـ (٢٧٩:٢).
قلت: والحق أنها ليست فى الحقيقة شهادة عند مالك، وإنما هى قرينة حال، وقد قبل
الجمهور أيضا إخبارهم إذا انضمت إليها قرينة. قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٠٣:٥): وهو محمل ما
ذكره فى "الحاوى" من كتبنا: تقبل شهادة النساء وحدهن فى القتل فى الحمام بحكم الدية كى
لا یہدر الدم، فافهم، ولا تکن من الغافلين.
باب رد الشهادة للتهمة والفسق
أقول: الروايات نص فى الباب، ولا خلاف فى أن التهمة والفسق مانعان من قبول الشهادة،
لكن التهمة أمر يختلف باختلاف الاجتهاد، فأبو حنيفة يتهم الأب فى شهادته لابنه، وبالعكس،
لأن الابن جزء من الأب، فشهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه من وجه، ولا يتهم الأخ فى شهادته
للأخ لعدم علاقة الجزئية الموجبة للشهادة لنفسه؛ نعم، أن التهمة للقاضى باجتهاده، فله أن يرد
شهادته، كما له أن يرد شهادة الأجنبى للولاء، أو العداوة الموجبين للتهمة.
فحاصل مذهب أبى حنيفة أن نفس علاقة الأخوة ليست بموجبة لرد الشهادة، نعم إن تحقق
بينهما موالاة موجبة للتهمة ترد للموالاة لا للأخوة نفسها، كما ترد شهادة العدو للعداوة الموجبة
للتهمة، وقال ابن رسلان: إنه قال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة لأنها لا تحل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة
كالصداقة اهـ (٥٥٦:٨)، فليس بصحيح على إطلاقه، بل للعداوة والصداقة مراتب، بعضها
يوجب رد الشهادة وبعضها لا، وهذا أمر اجتهادى مفوض إلى رأى الحاكم.
قوله: عن عمرو بن شعيب إلخ. قال العبد الضعيف: قيد سيدى المولى الخليل قوله: ولا زان
(١) قلت: بل وعن على ومعاوية أيضا وبه عمل قضاة المدينة، وعملهم حجة عند مالك.