النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
شهادة الأعمى
إعلاء السنن
عبد الرحمن بن سيما:
وحدثنا عبد الرحمن بن سيما (بغدادى وثقه الخطيب، كما فى "اللسان" (٤١٨:٣)،
ولا يصح القول بأن الدار قطنى ضعفه بمحرد تضعيفه سندا هو فيه ولم يستثنه فإن ضعف السند إنما
يستلزم ضعف واحد منه فقط قاله الحافظ) قال: حدثنا عبد الله بن أحمد (هو ابن حنبل(١) ثنى أبى
فى حجاج بن(٢) جبير بن حازم عن قتادة قال: شهد أعمى عند إياس بن معاوية على شهادة، فقال
له إياس: لا نرد شهادتك أن لا تكون عدلا ولكنك أعمى لا تبصر قال: فلم يقبلها اهـ (٤٩٨:١).
وقال ابن حزم فى "المحلى": وقالت طائفة: لا تقبل -أى شهادة الأعمى - حملة رويداذاك
عن على بن أبى طالب عن أياس بن معاوية، وعن الحسن والنخعى أنهما كرها شهادة الأعمى،
وقال أبو حنيفة: لا تقبل فى شىء أصلا، لا فيما عرف قبل العمى ولا فيما عرف بعده اهـ
(٤٣٣:٩). قال ابن حزم: وقالت طائفة: لا تقبل فى شىء أصلا إلا فى الأنساب، وهو قول زفر،
رويناه من طريق عبد الرزاق عن وكيع عن أبى حنيفة ولا يعرف أصحابه هذه الرواية اهـ.
قلت: بل قد عرفوا، ففى الهداية: وقال زفر رحمه الله وهو رواية عن أبى حنيفة رحمه الله:
تقبل فيما يجرى فيه التسامع، لأن الحاجة فيه إلى السماع ولا خلل فيه اهـ.
قال المحقق فى "الفتح": وهو قول الشافعى ومالك وأحمد والنخعى والحسن البصرى
والثورى، تقبل فى الترجمة عند الكل؛ لأن العلم يحصل بالسماع، وقال أبو يوسف: تجوز فيما
طريقه السماع، وفيما لا يكفى فيه السماع إذا كان بصيرا وقت التحمل ثم عمى عند الأداء إذا
کان یعرفه باسمه ونسبه، وهو قول الشافعی ومالك وأحمد، لأنه إذا كان يعرفه باسمه ونسبه کفی
كالشهادة على الميت اهـ (٤٧٤:٦).
وإنما قلنا: إذا استشهد وهو بصير، ثم عمى لم نقبل شهادته، لأنا قد علمنا أن حال تحمل
الشهادة أضعف من حال الأداء، والدليل عليه أنه جائز أن يتحمل الشهادة، وهو كافر، أو عبد،
أو صبى ثم يؤديها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته، ولو أداها وهو صبى أو عبد أو كافر لم تجز،
فعلمنا أن حال الأداء أولى بالتاكيد من حال التحمل، فوجب أن يمنع صحة الأداء.
(١) صرح به الجصاص فى "أحكامه" (٥٠٩:١).
(٢) لعل لفظة بن تصحيف عن لفظة عن، فإن حجاج بن جبير لم نجده فى شيوخ أحمد، وإنما شيخه حجاج بن محمد، وهو
لا يروى عن قتادة إلا بواسطة.

١٨٢
ج - ١٥
باب شهادة العبد
٤٩٦٩- وعن حفص عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تجوز شهادة
العبد، أخرجه الجصاص فى أحكام القرآن تعليقًا، وفى سنده حجاج، وهو مختلف فيه
والجواب عن القياس بالشهادة على الميت من وجهين: أحدهما: أنه إنما يجب اعتبار
الشاهد فى نفسه، فإن كان من أهل الشهادة قبلنا، وت لم يكن من أهل الشهادة لم نقبلها،
والأعمى قد خرج من أن يكون من أهل الشهادة، وأما الغائب والميت فإن شهادة الشاهد عليهما
صحيحة، إذ لم يعترض فيه ما يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة، وغيبة المشهود عليه، وموته
لا تؤثر فى شهادة الشاهد، فذلك جازت شهادته، والوجه الآخر: أنا لا نجيز الشهادة على الميت
والغائب إلا أن يحضر عنه خصم فتقع الشهادة عليه فيقوم حضوره مقام حضور الغائب والميت،
والأعمی فی معنی من یشهد علی غیر خصم حاضر فلا تصح شهادته.
وأما قول زفر: أنه تجوز شهادة الأعمى فى النسب أن يشهد أن فلانا ابن فلان، فيشبه أن
يكون ذهب فى ذلك إلى أن النسب قد تصح الشهادة عليه بالخبر المستفيض وأن يشاهده الشاهد،
فلذلك جائز إذا تواتر عند الأعمى الخبر بأن فلانا ابن فلان أن يشهد به عند الحاكم وتكون شهادته
مقبولة، ويستدل على صحة ذلك بأن الأعمى والبصير سواء فيما ثبت حكمه بالتواتر(كخلافة
الخلفاء وإمارة الأمراء وولاية الحكام قضاء القاضى ونحوها) وإن لم يشاهد المخبرين من طريق
المعاينة، وإنما يسمع أخبارهم فتجوز إقامة الشهادة به وتكون شهادته مقبولة فيه، إذ ليس شرط هذه
الشهادة معاينة المشهود به، قاله الجصاص أيضا فى "الأحكام" له (١: ٥٠٠). واندحض بذلك قول
ابن حزم بما نصه: وأما من قبله فى الأنساب فقط فقسمة فاسدة، لأنه لا يعرف الأنساب إلا من
حيث يعرف المخبرين بغير ذلك والمشهدين له منهم فقط اهـ (٤٣٣:٩ من المحلى). قلنا: إن الأنساب
مما يشتهر الخبر به ويتواتر، ولا كذلك غيرها، ألا ترى أن العلم بكون سيدنا محمد عَّ ◌ُله ابن عبد
.الله بن عبد المطلب، وكون على رضى الله عنه ابن أبى طالب، وكون فاطمة رضى الله عنها بنت
سيدنا محمد عَّه، وكون الحسن والحسين ابنى فاطمة وعلى رضى الله عنهم مما يشترك فى العلم
به الصغير والكبير والعالم والجاهل لتواتر الخبر به، فكذا الأعمى والبصير، فالفرق فى الأنساب
وغيرها أظهر من أن يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل، فافهم، والله يتولى هداك.
باب شهادة العبد
أقول: قال العينى: للعلماء فى شهادة العبد ثلاثة أقوال: أحدها جوازها كالحر روى عن على

١٨٣
شهادة العبد
إعلاء السنن
وذكره ابن حزم أيضًا فى المحلى (٤١٢:٩) وقال: لا يصح لأنه عن الحجاج بن أرطاة اهـ
كقول أنس وشريح. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، ثانيها: جوازها فى الشىء التافة، روى عن
الشعبى كقول الحسن والنخعى، وثالثها: لا يجوز فى شىء أصلا، روى عن عمر وابن عباس،
وهو قول عطاء ومكحول، وإليه ذهب الثورى والأوزاعى ومالك وأبو حنيفة والشافعي، وذهب إلى
القول الأول البخارى، واستدل له بما رواه عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب
قال: فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك للنبى معَّ ◌ُّه فأعرض عنى
قال:فتنحیت فذ کرت ذلك له. قال: و کیف وقد زعمت أنها قد أرضعتکما؟ فتهاه عنها اهـ.
ولا حجة لهم فيه، لأن قول الأمة ذلك كان من باب إخبار العدل لا من باب الشهادة،
وقول رسول الله عَّ له لعقبة كان من باب الفتوى لا من باب القضاء، ومال ابن الهمام فى "الفتح"
أيضا إلى هذا القول وقال: المعول عليه فى المنع عدم ولايته على نفسه، وما هو إلا معنى ضعيف بعد
ثبوت عدالة العبد وتمام تميزه، وعدم ولايته على نفسه معارض يخصه من حق المولى لا لنقص فى
عقله، ولا خلل فى تحمله وضبطه فلا مانع، والجواب عنه أن المعول عليه فى هذا الباب هو قوله
تعالى: ﴿من رجالكم﴾ لأن الله تعالى أضاف الرجال إلى المخاطبين الذين خوطبوا بقوله: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ وهم الأحرار البالغون، لأن العبيد لا يملكون عقود المداينات، ولأنه
قال الله تعالى: ﴿وليملل الذى عليه الحق﴾ وفحوى الخطاب يدل على أن المراد من يصح منه
الإقرار على الإطلاق، والعبد ليس كذلك، لأنه لا يصح منه الإقرار بدون إذن المولى.
ثم قوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ يدل بفحواه على أن المخاطبين به هم الأحرار كقوله تعالى:
﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ وفسره أيضا مجاهد بالأحرار، كذا قال الجصاص فى "أحكام القرآن"،
واستنبط أيضا هذا المعنى من آيات أخرى، وعدم الولاية هو لنقصان الأهلية فى نفسها لا لحق المولى
فقط، ولو سلم أنه لحق المولى فخروجه عن أهلية الشهادة أيضا لحق المولى، لأن الشهداء مأمورون
بأداء الشهادة عند الطلب، وفيه إضاعة حق المولى، وأيضا الشهود مغرمون بما أتلفوا على الناس
بشهادتهم، وفيه إضاعة حق المولى، ولا نسلم أن كل من هو عدل كامل العقل وتام الضبط
وصحيح التحمل وصحيح الأداء أهل للشهادة، لأنه لا بد فيه من أهلية الإلزام أيضًا. وهى الأصل
فى الباب وهى ليست فى العبد، سواء كان هذا لنقصان أهليته فى نفسها أو لحق المولى، فاندفع ما
قال ابن الهمام رحمه الله تعالى.
وقال ابن عابدين فى منحة الخالق: قال فى الحواشى السعدية: الوكالة ولاية كما يعلم من
م

ج - ١٥
شهادة العبد
١٨٤
قلت: هذا من إطلاقاته المردودة فقد مر غير مرة أنه حسن الحديث صالح للاحتجاج.
أوائل عزل الوكيل، والعبد محجورا كان أو مأذونا تجوز وكالته فتأمل فى جوابه اهـ. ومثله
توكيل صبى يعقل، وقد يقال: ولايتهما فى الوكالة غير أصلية فتأمل اهــ أقول: فى هذا الجواب
نظر، فإن الولاية الغير الأصلية لا تثبت بدون الولاية الأصلية، لأن الوكيل لا يتصرف لغيره إلا
فيما يتصرف لنفسه.
فإن قلت: إن العبد يمكن أن يبيع شيئا لغيره، ويشترى شيئا لغيره، ولا يمكن أن يبيع،
أو يشترى لنفسه قلنا: ليس هذا لأنه لا يملك البيع والشراء لنفسه، بل لأنه لا يملك شيئا لنفسه،
ثم لا نسلم أنه لا يملك البيع والشراء لنفسه لأن العبد المأذون يملكهما، كما لا يخفى، وانتقال الملك
من العبد إلى المولى لا ينافيه، كما لا ينافى انتقال الملك من الوكيل إلى الموكل فتأمل، فالجواب
الصحيح أن يقال: إن ولاية التصرفات - مثل البيع والشراء- ليس من باب ولاية الإلزام، والكلام
فیه لا فى مطلق الولاية، فتدبر.
قال العبد الضعيف: قد اشتبه على سعدى جلبى وابن عابدين ولاية التمليك بولاية
التصرف، والمنفى عن العبد فى (باب الشهادة) هو الأول، والثابت له فى (باب الوكالة) هو الثانى،
بشرط أن يكون ماذونا له فى التجارة دون الأول، وولاية التصرف لا تغنى فى (باب الشهادة) شيئا
بل لا بد لها من ولاية التمليك، والصبى والعبد كلاهما بمعزل عنها، فلا يصلحان للشهادة، قال فى
"الهداية": ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الأحكام، ويشترط أن
يكون الوكيل ممن يعقل العقد ويقصده اهـ.
فلا يشترط فى الوكيل ولاية التمليك، بل يكفى كونه من أهل العبارة، فلو وكل عبدا،
أو صبيا عاقلا مأذونين صح، ويتعلق بهما الحقوق، وإن وكل صبيا محجورا يعقل العقد، أو عبدا
محجورا جاز، ولا يتعلق بهما الحقوق وتتعلق بمو كلهما، ويكونان سفيرين محضا، كما فى
"الهداية" أيضا، وفى صحة وكالة الصبى والعبد المحجورين وعدم صحة توكيلها أحدا رد على
بعض الأحباب فى قوله: إن الولاية الغير الأصلية لا تثبت بدون الولاية الأصلية، لأن الوكيل
لا یتصرف لغيره إلا فیما یتصرف لنفسه اهـ فإن الصبى والعبد الحجورین لا یتصرف احد منها
لنفسه ويتصرف لغيره كما هو ظاهر، فكان عليه أن يقيد الولاية بولاية التمليك ولا يطلقها، فالحق
أن يقال: إن ولاية التصرف ليس من جنس ولاية التمليك والكلام فيه.
قال فى "البدائع": ومنها أى من شرائط الشهادة الحرية، فلا تقبل شهادة العبد،

١٨٥
شهادة العبد
إعلاء السنن
٤٩٧٠- عن ابن وهب عن يونس عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن
عفان قضى فى الصغير يشهد بعد كبره، والنصرانى بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه أنها
جائزة إن لم تکن ردت عليهم.
ولقوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء﴾ (ومعلوم أنه لم يرد نفى القدرة
رأسا لأن الرق والحرية لا تختلف بهما القدرة العرفية، فدل أن مراده نفى حكم أقواله وعقوده
تصرفه وملكه، وقد روى عن ابن عباس أنه استدل بهذه الآية على أن العبد لا يملك الطلاق، ولولا
احتمال اللفظ لذلك لما تأوله ابن عباس عليه، فدل على أن شهادة العبد كلا شهادة كعقده وإقراره
وسائر تصرفاته التى هى من جهة القول، فلما كانت الشهادة قوله وجب أن ينتفى وجوب حكمه)
فلا يقدر على أدائها بظاهر الآية الكريمة، ولأن الشهادة تجرى مجرى الولايات والتمليكات، أما معنى
الولاية فلأن فيه تنفيذ القول على الغير وأنه من باب الولاية، وأما معنى التمليك فإن الحاكم يملك
الحكم بالشهادة، فكان الشاهد ملكه الحكم، والعبد لا ولاية له على غيره ولا يملك اهـ (٢٦٨:٦).
قوله: عن ابن وهب إلخ. قال العبد الضعيف: دلالته على أن شهادة العبد لا تجوز قبل العتق
وإنما تجوز بعده ظاهرة، كشهادة الصبى قبل البلوغ وشهادة النصرانى قبل الإسلام اتفاقا، وأما قوله:
إن لم تكن ردت عليهم، يحتمل الرد قبل الإسلام والبلوغ والعتق والرد بعدها، والراجح عندنا
الثانى دون الأول، وهو قول الحسن والحكم، وبه قال مالك والشافعى وغيرهما من الجمهور.
لا تقبل شهادة من ردت شهادته لتهمة الفسق مرة:
قال الموفق فى "المغنى": إن الحاكم إذا شهد عنده فاسق فرد شهادته لفسقه ثم تاب وأصلح
وأعاد تلك الشهادة لم يكن له أن يقبلها، وبهذا قال الشافعى و(مالك) أصحاب الرأى، لأنه متهم
فى أداءها، لأنه يعير بردها ولحقته غضاضة لكونها ردت بسبب نقص يتعير به، وصلاح حاله بعد
ذلك من فعله ليزول به العار، فلحقته تهمة فى أنه قصد إظهار العدالة وإعادة الشهادة لتقبل، فيزول
ما حصل بردها، ولأن الفسق يخفى فيحتاج فى معرفته إلى بحث واجتهاد، فعند ذلك نقول:
شهادة مردودة بالاجتهاد، فلا تقبل بالاجتهاد، لأن ذلك يؤدى إلى بعض الاجتهاد بالاجتهاد.
(وقد مر إجماع الصحابة على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد).
لو ردت شهادة الكافر لكفره والصبى لصباه والعبد لرقه
ثم أعادوها بعد الإسلام والبلوغ والعتق تقبل:
وفارق ما إذا ردت شهادة كافر لكفره، أو صبى لصغره، أو عبد لرقه، ثم أسلم الكافر، وبلغ

١٨٦
ج - ١٥
شهادة العبد
٤٩٧١- وروينا من طريق عمرو بن شعيب وعطاء عن عمر بن الخطاب مثل
ذلك، وروينا ذلك فى شهادة العبد من طريق عبد الرزاق عن أبى بكر عن عمرو بن
سليم عن ابن المسيب عن عمر، كذا فى "المحلى" (٤١٢:٩)، وسند الأول موصول
صحيح، والبقية تعضده وتشيده، ولفظ أثر عمر عند عبد الرزاق أنه قال: تجوز شهادة
الكافر والصبى والعبد إذا لم يقوموا بها فى حالهم تلك، وشهدوا بها بعد ما يسلم
الكافر ويكبر الصبى ويعتق العبد إذا كانوا حين يشهدون بها عدولا، قال ابن شهاب: إن
ذلك سنة اهـ (كنز العمال ٥:٤).
الصبى وعتق العبد، وأعادوا تلك الشهادة، فإنها لا ترد لأنها لم ترد أولا بالاجتهاد، بل باليقين،
وقد حصل اليقين بزوال سبب الرد) ولأن البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد فيتهم فى أنه فعلهما
لتقبل شهادته، والكافر لا يرى كفره عارا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت عليه، وهذه كلها
أمور تظهر بخلاف الفسق، فقياسها على شهادة الفاسق قياس مع الفارق اهـ ملخصا (٨٣:١٢).
وفى "أحكام القرآن" للجصاص: وإنما قال أصحابنا أنها أذا ردت لتهمة لم تقبل أبدا من قبل
أن الحاكم قد حكم بإبطالها، وحكم الحاكم لا يجوز فسخه إلا بحكم، ولا يصح فسخه بما لا
يثبت من جهة الحكم، وأما الرق والكفر والصغر فإن المعانى التى ردت من أجلها وحكم الحاكم
بإبطالها محكوم بزوالها، لأن الحرية والإسلام والبلوغ كل ذلك مما يحكم به الحاكم، فلما صح
حكم الحاكم بزوال المعانى التى من أجلها بطلت شهادتهم وجب أن تقبل، ولما لم يصح أن يحكم
الحاكم بزوال التهمة لأن ذلك معنى لا تقوم به البينة ولا يحكم به الحاكم كان حكم الحاكم
بإبطالها ماضيا اهـ (١: ٥١١).
الجواب عن إیراد ابن حزم فى هذا الباب على الجمهور:
وبهذا كله اندحض ما قاله ابن حزم فى "المحلى": إن قول عمر وعثمان هو على الحنفيين
والمالكيين والشافعيين لا لهم، لأنهم خالفوهما فى الصبى يشهد، فيرد ثم يبلغ فيشهد، فقالوا:
يقبل، ومن الباطل أن يكون بعض قول عمر وعثمان حجة وبعضه غير حجة، وهذا تلاعب بالدين
ممن سلك هذا الطريق اهـ. قلنا: ولا شك فى أنه حجة عليك، فإنه يدل على أن شهادة العبد إنما
تجوز بعد العتق لا قبله، وأما أنها إذا ردت قبل العتق فهل تقبل بعده أم لا؟ ففيه وجهان يحتملهما
کلامهما، وإنما یکون علیهم لو حملوه على المعنى الذی حملته علیه، ولیس بنص فیه، كما ذكرنا،

١٨٧
شهادة العبد
إعلاء السنن
٤٩٧٢- عن وكيع عن سفيان الثورى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال:
﴿شهيدين من رجالكم﴾ قال: من الأحرار، قال وكيع: لا يجيز سفيان شهادة
عبد وهو قول وكيع (المحلى ٤١٢:٩) وأخرج الطبرى فى تفسيره (١٨:٣) من طريق
هشيم عن داود بن أبى هند قال: سألت مجاهدا عن الظهار من الأمة فقال: ليس
فالأثر حجة لهم وقد أعاذهم الله من التلاعب بالدين، وإنما هو شأن من حرم الفقه والدراية جملة
وحمل الكلام على غير محمله.
قوله: عن وكيع إلخ. دلالته على معنى الباب ظاهرة، وقد مر فى المقدمة أن قول التابعى
فيما لا يدرك بالرأى مرفوع مرسل حكما، ولا يخفى أن تفسير الكتاب لا يجوز بالرأى، فأقوال
التابعين فى التفسير محمولة على السماع، لا سيما إذا وردت فيما لا يدرك بالرأى أصلا. قال ابن
القيم فى "الإعلام": ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير
التابعى اهـ (٢٣٢:٢).
الجواب عن إيراد ابن حزم على مجاهد
فى تفسير ﴿من رجالكم﴾ بالأحرار:
فقول ابن حزم فى "المحلى": وأما قول مجاهد ومن اتبعه (شهيدين من رجالكم﴾ من
الأحرار فباطل وزلة عالم وتخصيص لكلام الله تعالى بلا برهان اهـ (٩: ٤١٤) رد عليه، فإن
مجاهدا أجل وأرفع من أن يقول فى كتاب الله برأيه ما ليس منه، كيف وقد صح عن عمر وعثمان
وابن عباس ما يدل على عدم جواز شهادة العبد قبل العتق، فالظاهر أن مجاهدا أخذ ذلك عن ابن
عباس رضى الله عنهما، وتفسير الصحابى حجة اتفاقا، قال ابن حزم: وبالضرورة بدری کل ذى
حس سليم أن العبيد رجال من رجالنا، وأن الإماء نساء من نسائنا، قال تعالى: ﴿نساءكم حرث
لكم﴾ فدخل فى ذلك بلا خلاف الحرائر والإماء، فظهر فساد هذا القول اهـ، قلنا: هذا دليل لنا
على أن مجاهدا لم يقل ما قال برأيه لكونه مما لا يدرك بالرأى بل قاله سماعا، فهو تأييد لمن احتج
بقوله لا رد عليه.
وأيضا: فلو قال ابن حزم: إن العبيد رجال من الرجال والإماء نساء من النساء لكان مسلما،
وأما إنهم رجال من رجالنا أو نساء من نساءنا فلا، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿ما كان محمد أبا
أحد من رجالكم﴾ أراد بهم الأحرار وقال: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ وفيه خطاب للأحرار

ج - ١٥
شهادة العبد
١٨٨
بشىء. قلت: أليس الله يقول: ﴿الذين يظاهرون من نسائهم﴾ أ فلسن من النساء؟
فقال: والله تعالى يقول: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أفتجوز شهادة العبيد؟
(الدر المنثور ١ :٣٧١).
بدليل قوله: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ فلو اشتمل قوله: ﴿منكم﴾ العبيد والإماء لم يكن
حاجة إلى قوله: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ فثبت أن دليل الخطاب خصه بالأحرار، وأما
قوله: ﴿نساءكم حرث لكم﴾ فالمراد به الأزواج، فإن الزوجة هى الحرث وهى التى تقصد للوطأ
دون الأمة، فإنها تقصد للخدمة دون الوطأ فلا تشملها الآية، وإنما حل وطيبها بقوله: ﴿والذين هم
لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾، ونحوه من الآيات.
وجواز نكاح الإماء إنما ثبت بآية النساء: ﴿فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات
المؤمنات فمما ملكت أيمانكم) وهى متأخرة عن البقرة كما لا يخفى على من له معرفة بترتيب
نزول السور، ولما جاز التزوج بها كان لها من أحكام الحرث ما للأزواج الحرائر بالإجماع، فافهم.
قال: وأنما خاطب الله تعالى فى أول الآية ﴿الذين آمنوا﴾ والعبيد بلا خلاف منهم، فهم فى جملة
المخاطبين بالمداينة والإشهاد والشهادة اهـ.
قلت: يا سبحان الله! کیف عكس الأمر، فجعل دلیل تخصیص الآية بالأحرار دليل عمومها
للعبيد، فإن قوله تعالى: ﴿إِذا تداينتم بدين) وقوله: ﴿وليملل الذى عليه الحق﴾ يدل بفحوى
الخطاب على أنه فى الأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يملك عقود المداينات، وإذا أقر بشىء لم يجز
إقراره إلا بإذن مولاه، والخطاب إنما توجه إلى من يملك ذلك على الإطلاق، فدل ذلك على أن من
شرط هذه الشهادة الحرية.
قال ابن حزم: ونقول لهم: هل يلزم العبيد الصلاة والصيام والطهارة ويحرم عليهم من
المآكل والمشارب والفروج كل ما يحرم على الأحرار؟ فإن قالوا: نعم. فقد أكذبوا أنفسهم وشهدوا
بأنهم يقدرون على أشياء كثيرة اهـ قلنا: ومن قال لك أن قوله تعالى: ﴿عبدا مملوكا لا يقدر على
شىء﴾ أريد به نفى القدرة العرفية عن العبد، وإنما أريد به نفى حكم أقواله وعقوده وتصرفه
وملكه، كما مر، والصلاة والصيام والطهارة ليست من العقود والتصرفات، كما لا يخفى. قال:
وقالوا: لا يقدر العبد على أداء الشهادة لأنه مكلف خدمة لسيده فقلنا: كذب من قال هذا، بل هو
قادر على أداء الشهادة، كما يقدر على الصلاة اهـ.
قلت: فهل تقول بوجوب الجمعة والجماعة والحج والجهاد عليه؟ فإن قلت: نعم، فهذا مما

١٨٩
شهادة العبد
إعلاء السنن
٤٩٧٣- ومن طريق ابن أبى شيبة نا عيسى بن يونس ووكيع وعبد الرحمن بن
مهدى ومعاذ بن معاذ، وقال عيسى: عن الأوزاعى عن الزهرى، وقال وكيع: عن شعبة
عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعى، وقال عبد الرحمن بن مهدى: عن حماد بن
سلمة وأبى عوانة، قال أبو عوانة: عن عمر بن أبى سلمة عبد الرحمن بن عوف عن أبيه،
وقال حماد: عن قتادة عن شريح، وقال معاذ بن معاذ: عن أشعث عن الحسن البصرى
قالوا كلهم فى العبد يؤدى الشهادة فترد ثم يعتق فيُشهد بها أنها لا تجوز إلا الحسن
والحكم فإنهما قالا: إنها تجوز (المحلى ٤١٢:٩).
٤٩٧٤- ومن طریق أبی عبید عن عبد الرحمن بن مهدی عن إسرائیل بن يونس
عن مجاهد قال: أهل مكة وأهل المدينة لا يجيزون شهادة العبد (المحلى ٤١٢:٩)، وهذا
سند صحيح.
لا يخفى سخافته وبطلائه، وإن قلت: لا، فما الفرق بين الصلاة والصيام والطهارة حيث وجبت
علیه، وبين الجمعة والجماعة والحج والجهاد حیث لم تجب؟ وهل هذا إلا لكون الأولی لا تؤدى إلى
فوات حق المولى بخلاف الثانية، فإنها تؤدى إلى فوات حقه، وكذلك الشهادة فإن لو كان من أهل
الشهادة لوجب أن لو شهد بها فحکم بشهادته ثم رجع عنها أنه یلزم غرم ما شهد به لأن ذلك من
حكم الشهادة، فلما لم يجز أن يلزمه الغرم بالرجوع علمنا أنه ليس من أهلها وأن الحكم بشهادته
غیر جائز، فافهم.
قوله: ومن طريق ابن أبى شيبة نا عيسى إلخ. اختلف الفقهاء فى شهادة العبد إذا شهد بها
بعد العتق وقد ردت قبله، الراحج عندنا قول الحكم والحسن بدليل ما ذكرناه من قبل، وبالجملة فقد
اتفقوا على أنها لا تجوز قبل العتق، وهذا حجة على ابن حزم ومن تبعه.
قوله: ومن طريق أبى عبيد عن عبد الرحمن إلخ. دلالته على إجماع أهل الحرمين على أن
شهادة العبد لا تجوز ظاهرة، وقال محمد بن الحسن: لو أن حاكما حكم بشهادة عبد ثم رفع إلى
أبطلت حكمه، لأن ذلك مما أجمع الفقهاء على بطلانه كذا فى "أحكام القرآن" للجصاص
(٤٩٦:١)، وهذا يدل على إجماع فقهاء العراق والشام على ذلك أيضا، وحكى عن محمد بن
سلمة رضى الله عنه قال: كان يحيى بن أكثم رحمه الله أعلم الناس باختلاف العلماء، وكان إذا
قال فى شىء: اتفق العلماء على كذا نزل أهل العراق على قوله، وقد قال: اتفق العلماء على أن :
العبد لا شهادة له؛ كذا فى "المبسوط" (١٣٤:١٦).

١٩٠
ج - ١٥
شهادة العبد
٤٩٧٥- ومن طريق شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: لا تجوز شهادة المكاتب
ولا يرث (المحلى ٤١٢:٩).
٤٩٧٦- ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: إذا شهد العبد فردت
شهادته ثم أعتق فشهد بها لم تقبل، وروى ذلك عن فقهاء المدينة السبعة وهو قول أبى
الزناد، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعى وابن أبى ليلى والحسن بن حى وأبو عبيد
وأحد قولى ابن شبرمة اهـ "المحلى" أيضًا (٤١٢:٩).
٤٩٧٧- ومن طريق أبى عبيد عن حسان بن إبراهيم الكرمانى عن إبراهيم الصائغ
عن نافع عن أبى عمر: لا تجوز شهادة المكاتب ما بقى عليه درهم (المحلى ٤١٢:٩)
حسان بن إبراهيم الكرمانى من رجال الشيخين، وإبراهيم الصائغ من رجال أبى داود
والنسائى، علق له البخارى، صدوق من السادسة (تقريب ص ١١، ٣٧).
قوله: ومن طريق شعبة إلى قوله: ومن طريق عبد الرزاق إلخ. دلالته على أن شهادة العبد
لا تجوز قبل العتق ظاهرة.
قوله: ومن طریق عبيد عن حسان إلخ. دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهة، وقد مر عن
عمر وعثمان وابن عباس ما يدل على بطلان شهادة العبد قبل العتق، فوجب التعويل عليه لا سيما
وقد أجمع عليه فقهاء الأمصار، وقال ابن حزم: فلم يبق لهم إلا ابن عمر، وقد صح خلافه عن
أنس، فبطل تعلقهم بالآثار اهـ (٤١٤:٩).
قلت: بل سلم لنا عمر وعثمان وابن عباس أيضا كما ذكرنا ووافقهم ابن عمر، فهؤلاء
أربعة، منهم اثنان من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، فالحق ما ذهب إليه الجمهور وهو القول
المنصور. وأما ما روى عن أنس فإنما رواه عنه المختار بن فلفل، وهو وإن كان ثقة فيما يروى عن غير
أنس، فقد تكلم فيه السليمانى وعده فى رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبى عياش وغيره، كما
فى "التهذيب" (٦٩:١٠).
ولا يبعد أن يكون أراد أنه بجوز شهادة العبد إذا تحملها وهو عبد وأداها وهو حر، ألا ترى
إلى قول عمر: تجوز شهادة الكافر والصبى والعبد إذا لم يقوموا بها فى حالهم تلك إلخ، فلعل بعض
الناس ترددوا فى شهادة العبد إذا تحملها وهو عبد، وزعموا أنها لا تقبل ولو أداها وهو حر لكونه
ضعيف التحمل، والأداء يبتنى عليه، فلا يعتبر أداءه والحال هذه، فرد ذلك أنس وقال: شهادة العبد
جائزة أى بهذا المعنى الذی ذ کرناه.

١٩١
شهادة العبد
إعلاء السنن
٤٩٧٨- ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن المبارك ووكيع قال ابن المبارك: عن ابن
جريج عن عطاء، وقال وكيع: عن زكريا بن أبى زائدة عن الشعبى قالا جميعا: لا تجوز
شهادة العبد (المحلى ٤١٢:٩).
٤٩٧٩- ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن المبارك عن محمد بن راشد عن
مكحول: لا تجوز شهادة العبد (المحلى ٤١٢:٩) أيضًا.
فإن قيل: روى ابن حزم من طريق وكيع نا سفيان الثورى عن عمار الدهنى قال: شهدت
شريحا شهد عنده عبد على دار فأجاز شهادته فقيل: إنه عبد، فقال شريح: كلنا عبيد وإماء، ومن
طريق ابن أبى شيبة نا حفص بن غياث عن أشعث عن الشعبى قال: قال شريح: لا تجوز شهادة
العبد، فقال على: لكنا نجيزها، فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلا لسيده اهـ (٤١٣:٩).
قلنا: لا حجة فيه لابن حزم ومن تبعه، فإنهم يجيزون شهادته لسيده ولغيره، ومن الباطل أن
يكون بعض قول شريح حجة وبعضه غيرحجة، وهذا تلاعب بالدين، وأيضا فإن المراد بالعبد
هو المولى -أى المعتق- بدليل ما ذكره الرافعى عن على أنه نقض قضاء شريح بأن شهادة المولى
لا تقبل بالقياس الجلى وهو أن ابن العم تقبل شهادته مع أنه أقرب من المولى، كذا فى "التلخيص
الحبير " (٤٠٦:٢).
ولا أقل من أن يكون ضعيفا، فالتطبيق بين القولين يجوز بالرأى فبالحديث الضعيف بالأولى.
وقد يروى أن عليا وزيدا رضى الله عنهما اختلفا فى المكاتب إذا أدى بعض بدل الكتابة، فقال
علی رضی الله عنه: یعتق بقدر ما أدی منه، وقال زید: لا یعتق ما بقی علیه درهم، فقال زيد
لعلى رضى الله عنهما: أرأيت لو شهدا كان يقبل بعض شهادته دون البعض، فهذا دليل الاتفاق
منهما على أن لا شهادة للعبد اهـ من "المبسوط" (١٢٤:١٦).
قلت: رواه الحاكم فى تاريخه من طريق جابر عن عامر الشعبى عن زيد بن ثابت قال:
"المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، وقال عبد الله: إذا أدى الثلث أو النصف فهو غريم، وقال على:
يعتق بحسات ما أدى ويرثه ولده بحساب ذلك، قال جابر: بلغنى أن عمر بن الخطاب جمع عليا
وعبد الله وزيدا فى المكاتب، فقال زيد: نقيس لهم، فقال: أرأيتم إن أصاب حدا؟ و كيف يدخل
على أمهات المؤمنين؟ فجعل يقيس لهم بنحو هذا، ففضله عمر عليهما فى المكاتب اهـ من "كنز
العمال" (٢٥٥:٥)، فلعله ذكر فى ما ذكر من قياسه، أرأيت لو شهدا كان يقبل بعض شهادته دون
البعض؟ فإن الراوى قد يختصر ما يأتى به غيره أتم وأكمل.

١٩٢
ج - ١٥
باب شهادة المحدود فى القذف
٤٩٨٠- قال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَّ له: «المسلمون عدول بعضهم على
بعض إلا محدودًا فى فرية))، أخرجه "الزيلعى" (٢٠٩:٢)، وحجاج حسن الحديث،
فالحديث حسن هو مفسر جيد لما ورد فى بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو وعن
وأما ما رواه ابن حزم من طريق أحمد بن حنبل نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة قال:
سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد؟ قال: أنا أرد شهادة عبد العزيز ابن صهيب؟ على الإنكار
لردها (٤١٣:٩)، فحصجة لنا لا علينا، فإن عبد العزيز ابن صهيب لم يكن عبدا مملوكا، وإنما
كان من الموالى كما فى التهذيب"، وهو دليل لما قلنا: إنهم أرادوا بالعبد المولى ولا نزاع فى قبول
شهادته، فافهم.
وأما قول الموفق: وقد يكون منهم أى من العبد الأمراء والعلماء والصالحون والأتقياء كعبد
العزیز بن صھیب وزیاد بن أبی زیاد مولی ابن عباس كان عمر بن عبد العزیز یرفع قدره ویکرمه،
ومنهم عكرمة مولى ابن عباس أحد العلماء الثقات، وكثير من العلماء الموالى كانوا عبيدا أو أبناء
عبيد لم يحدث فييهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تغير طبعا ولا تحدث علما ولا مروءة اهـ
(٧١:١٢). فمجرد تهويل لا احتجاج، فإن الصبى المراهق إذا شهد قبل البلوغ ردت شهادته، ولو
شهد بعد البلوغ وإن كان قد احتلم فى اليوم الذى ردت فيه شهادته قبلناها، وباليقين ندرى أن
الاحتلام لم يغير طبعه ولم يحدث فيه علما ولا مروءة فى يومه ذلك، ومع ذلك أجمعنا على أنه لم
يكن أهلا للشهادة قبل البلوغ بساعة وصار أهلا لها بالبلوغ فى ساعة هذه فكذلك العبد يصير أهلا
للشهادة لعتقه ".اعة العتق فافهم فإن الفقه من المواهب ومن يؤتى الحكمة فقد أوتی خيرا كثرا.
باب شهادة الحدود فی القذف
قوله: قال ابن أبى شيبة إلخ. أقول: احتج به المتأخرون من أصحابنا الحنفية على عدم قبول
شهادة المحدود فى القذف قبل التوبة وبعده، قال العبد الضعيف: والحديث رواه ابن ماجة
(ص١٧٢) من طريق معتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون عن حجاج بن أرطاة بسنده بلفظ:
لا تجوز شهادة خائن وخائنة ولا محدود فى الإسلام ولا ذى غمر على أخيه أهـ. ولا منافاة بينه
وبين ما رواه عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج، فإن مخرج الحديث واحد، وزيادة الثقة مقبولة،

13
إعلاء السنن
شهادة المحدود فى القذف
١٩٣
عائشة من إطلاق المحدود، وفى بعضها بلفظ المحدود فى الإسلام، فإن الروايات يفسر
بعضها بعضًا، لا سيما وقد اتفقوا على أنه ليس من المحدودين فى الإسلام من يسقط
شهادته بالحد غير المحدود فى القذف، ولما أخرجه أبو داود(١) سكت عنه، وهذا دليل
الصحة عنده (عمدة القارئ ٣٤٢:٦).
وليس بين اللفظين منافاة فلا بد من العمل بكليهما فكأنه قال: ولا محدودا فى فرية فى الإسلام،
وبه نقول كما فى الآثار لمحمد: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم فى نصرانى قذف مسلمة
فضرب الحد، ثم أسلم أنه جائز الشهادة، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، لأنه
لم يضرب حدا فى الإسلام اهـ (ص: ٩٤).
لا منافاة بين الإطلاق والتقييد إذا كان مخرج الحديث واحدا:
وبالجملة فلا منافاة بين الإطلاق والتقييد إذا كان مخرج الحديث واحدا فيحمل على أن
بعض الرواة سمع ما لم يسمعه غيره، وليس ذلك من الاضطراب فى شىء ما توهمه بعض
الأحباب ولا حاجة إلى الترجتح، قال ابن القيم فى "الإعلام" فى شرح رسالة أمير المؤمنين عمر
إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه ما نصه: وقول أمير المؤمنين رضى الله عنه فى كتابه:
أو مجلودا فى حد، المراد به القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين
الأمة قبل التوبة، والقرآن نص فيه، وأما إذا تاب ففى قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء اهـ
(٤٤:١). فكيف رأيته قد فسر المطلق بالمقيد، لأن رد الشهادة بالحد لم يعرف فى الإسلام إلا
للحدود فی القذف وحده.
(١) قال الحافظ فى "الفتح": واحتجوا -أى الحنفية- بأحاديث، أشهرها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((لا
تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود فى الإسلام)) أخرجه أبو داود وابن ماجة، ورواه الترمذى عن عائشة نحوه اهـ
(١٨٨:٥) وأورد عليه بعض الأحباب بأنه وهم فى عزوه رواية المحدود فى الإسلام لأبى داود، فإنه ليس فى روايته هذا اللفظ،
وإنما هو فى رواية ابن ماجة وغيره اهـ.
قلت: وما يدرك بأنك لم تهم فى نسبتك الوهم إليه بمجرد الاعتماد على نسخة للسنن رائجة فى بلادك، فعسى أن يكون
الحافظ ير: فى نسخة أخرى لها، فإن للسنن نسخا عديدة كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الفن، وأيضًا فإن المحدث إذا عزا
الحديث إلى جماعة من المخرجين فإنما يريد أصل الحديث دون السياق، وقد ثبت بقول الحافظ كون حديث عمرو بن شعيب
أشهر الأحاديث فى الباب، فلا يضرنا اختصار من اختصره ولا جرح من جرحه بالكلام فى بعض الرواة، فإن شهرة الحديث
تغنى عن الإسناد.

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
١٩٤
٤٩٨١- عن ابن عباس فى حديث اللعان: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن
أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلا،
فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله عّ لّه فكره رسول
الله عَ ◌ّه ما جاء به واشتد عليه، واجتمعت الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن
عبادة، الآن يضرب رسول الله عَ ليه هلال بن أمية، ويبطل شهادته فى المسلمين، فو الله
إن رسول الله عّ لّه ليريد أن يأمر بضربه إذا نزل على رسول الله عَ ◌ّه الوحى فنزلت:
﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآية، فذكر الحديث.
قلت: حديث ابن عباس فى الصحيح باختصار، وقد رواه أبو يعلى والسياق له وأحمد
باختصار عنه، ومداره على عباد بن منصور وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٣:٥).
وأما ما روى عن الأوزاعى أن المحدود فى الخمر لا تقبل شهادته وإن تاب، ووافقه الحسن بن
صالح فقد خالفا فى ذلك جميع فقهاء الأمصار "فتح البارى" (١٨٩:٥)، ولعلهما ذهبا فى ذلك
إلى أن الصحابة جعلوا حد الخمر ثمانين جلدة قياسا على حد القذف، فینبغی قیاسه عليه فى رد
الشهادة أيضا وإن تاب، ولا يخفى ما فيه، فإن حد الخمر ثمانين قد ثبت بإجماعهم ولا إجماع فى
رد شهادة الشارب بل لم يقل به أحد ممن تقدمهما فكانا محجوجين بالإجماع السابق، ولا مجال
للقياس فى الحدود فلا عبرة به، ولا يكون مثله قادحا فى الإجماع اللاحق.
وأما قول ابن حزم: هذه صحيفة، وحجاج هالك. فرد عليه فلم يزل الأئمة يحتجون
بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما ذكرناه غير مرة، والحجاج حسن الحديث احتج
به مسلم فى الصحيح مقرونا بغيره، ووثقه غير واحد، وقد مر فى كلام الحافظ كون الحديث
مشهورا فاستغنى عن الإسناد، وأما قوله: ثم هم أول مخالفين له لأنهم لا يقبلون الأبوين لا بينهما،
ولا الابن لأبويه، ولا أحد الزوجين للآخر، ولا العبد، وهذا خلاف مجرد لهذا الخبر اهـ
(٤٣٢:٦). فالجواب أنا لم نسقط شهادة هؤلاء لفوات العدالة، بل لكونهم شهداء لأنفسهم،
ولا يجوز شهادة المرء لنفسه إجماعا، ولكون العبد لا يستاهل للشهادة كالصبى.
والحاصل أن العدالة وحدها لا تكفى، وانتفاءها يمنع الشهادة، فلما نفى عليه السلام العدالة
عن المحدود فى القذف مطلقا دل على أن شهادته لا تقبل أبدا، ولو كان المراد أن شهادته لا تقبل إلا.
إن تاب لم يكن لتخصيصه بالذكر معنى، فإن كل غير عادل من الفساق كذلك، فافهم.
قوله: عن ابن عباس فى حديث اللعان وقوله: أخرج الطبرانى عن عبادة بن الصامت إلخ
٠

١٩٥
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
قلت: كلا بل هو صدوق حسن الحديث، قال يحيى القطان: ثقة لا ينبغى أن
يترك حديثه لرأى أخطأ فيه - يعنى القدر- كذا فى "التقريب" (ص: ٩٦) و "الخلاصة"،
وهو من رجال الأربعة قد علق له البخارى وسكت عنه أبو داود فى سننه فهو حسن
الحديث صالح للاحتجاج به ولما رواه شاهد.
٤٩٨٢- أخرج الطبرانى من حديث عبادة بن الصامت: لما نزلت آية الرجم قال
النبى معَّهِ: ((إن الله قد جعل لهن سبيلا)) الحديث، وفيه: فقال أناس لسعد بن عبادة: يا
أبا ثابت! قد نزلت الحدود، أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلا كيف كنت صانعًا؟
قال: كنت ضاربه بالسيف حتى يسكنا، فأنا أذهب وأجمع أربعة؟ فإلى ذلك قد قضى
الخائب حاجته، فأنطلق وأقول: رأيت فلانًا فعل كذا وكذا فيجلدونى ولا يقبلون لى
شهادة أبدًا، فذكروا ذلك لرسول الله عَّم فقال: كفى بالسيف شاهدًا ثم قال: لولا أنى
أخاف أن يتتابع فيها السكران والغيران، ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٣: ١٥٥)، فهو
حسن، أو صحيح على أصله.
وأخرجه ابن ماجه (ص: ١٩٠) من طريق سلمة بن المحبق وفيه الفضل بن دلهم ثقة
أنكر عليه هذا الحديث من هذه الطريق، وبقية رجاله ثقات اهـ من "مجمع الزوائد"
(٢٥٦:٦) قال العبد الضعيف: وإنما أنكروه عليه لأنه رواه عن الحسن عن قبيصة عن
سلمة بن المحبق، وهو قد رواه قتادة وغيره عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشى عن
عبادة بن الصامت وصحح البخارى حديث حطان، كما فى "التهذيب" (٢٧٧:٨)،
وقد رأيت أن الفضل بن دلهم قد وافق الجماعة مرةً، فرواه من طريق عبادة أيضًا،
فلا وجه للإنكار، والحديث صحیح بلا غبار.
قول الأنصار: الآن يضرب رسول الله عَّ هلال بن أمية ويبطل شهادته فى المسلمين وقول سعد
· ابن عبادة: فيجلدونى ولا يقبلون لى شهادة أبدا دليل على ما قاله أصحابنا أن رد شهادة القاذف من
تمام عقوبته وحده، وإن ذلك كان معروفا عند الصحابة وإلا لم يكن لذكرهم إياه مع الجلد معنى،
وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد
عليه فكذلك شهادته، فاندحض بذلك ما قاله ابن حزم فى "المحلى" بما نصه: ثم لو صح لما كان لهم
فيه متعلق، لأنه ليس فيه أنه إن تاب لم تقبل شهادته، نحن لا نخالفهم فى أن القاذف لا تقبل

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
١٩٦
٤٩٨٣- وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن شريح أنه كان يقول فى القاذف:
يقبل الله توبته ولا أقبل شهادته (فتح البارى ١٨٨:٥).
٤٩٨٤- وقال ابن جريج عن عطاء الخراسانى عن ابن عباس: شهادة القاذف لا
تجوز وإن تاب، (المحلى لابن حزم ٣٤١:٦)، وقال العينى فى "العمدة" (٣٤٢:٦): سند
شهادته اهـ. قلنا: وليس فيه أيضا أنه إن تاب لم يسقط جلده، فهل ذلك أن تحتج بعدم ذكرهم ذلك
على سقوط الجلد بالتوبة، وإلا فما الفرق بين الجلد ورد الشهادة وقد ذكروهما معا، وهو يدل على
كون رد الشهادة من تمام الحد فلا يسقط أحدهما بالتوبة مثل الآخر.
قال: وأيضا: فليس من كلام النبى معَّله، ولا حجة إلا فى كلامه عليه السلام (٣٤٢:٩).
قلنا: ولكن كلامهم قد ذكر للنبى معَّه كما هو الظاهر، وقد وقع فى حديث عبادة صريحا أنهم
ذكروا قول سعد للنبى عّ لّه فلم ينكر بل قرره، وقال: ((كفى بالسيف شاهدا)) الحديث
وتقريره عليّ، حجة مثل قوله كما تقرر فى الأصول.
قوله: وروى ابن جرير إلخ. دلالته على رد شهادة المحدود فى القذف ولو تاب ظاهرة،
وشريح من أجل قضاة المسلمين استقضاه ثلاثة من الخلفاء الراشدين وهو مخضرم قد عده بعض
المحدثين فى الصحابة، وقد قضى برد شهادة المحدود فى القاذف وكانت قضاياه تنتشر، ولا تكاد
تخفى على الخلفاء الراشدين، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان بمنزلة إجماعهم على ذلك،
کما لا يخفى.
قوله: وقال ابن جريج إلخ. الحديث أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه"، كما فى "فتح
البارى (١٨٩:٥).
الجواب عن كلام الحافظ فى حديث عطاء الخراسانى:
قال الحافظ: وهو منقطع ولم يصب من قال: إنه سند قوى اهـ. قلت: أما انقطاعه فإنما يتأتى
على مذهب البخارى وقد اشترط فى قبول عنعنة المعاصر اللقاء، وأما على مذهب مسلم ومذهب
الجمهور فعنعنة المعاصر الممكن اللقاء محمولة على السماع إذا لم يكن مدلسا، وعطاء الخراسانى
لم يتهم بالتدليس ولم يذكره الحافظ نفسه فى طبقات المدلسين، وقد ولد عطاء سنة خمسين ومات
ابن عباس سنة ثمان وستين كما فى"التقريب" (ص: ١٠٥). فلا يبعد سماعه من ابن عباس وهو
عند وفاته ابن ثمانية عشر قد بلغ الحلم وأدرك ابن عمر قال مالك: عطاء بن عبد الله ولد سنة

١٩٧
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
جيد. وهذا واحد يساوى هؤلاء المذكورين (الذين ذكرهم البخارى أنهم أجازوا
شهادته إذا تاب) بل يفضل عليهم وكفى به حجة اهـ.
خمس ومات سنة ثلاث وثمانين ورأى ابن عمر كما فى "الميزان" (١٩٨:٢). وأما قول من قال:
إنه سند قوى فهو نظير قولك فى على ابن أبى طلحة عن ابن عباس، وقد قال قوم: لم يسمع من ابن
عباس التفسير وإنما أخذه عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، فقلت بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة:
فلا ضير فى ذلك كما فى "الإتقان" (٢: ١٩٥) مع أن على بن أبى طلحة ليس محمود المذهب
كان يرى السيف، ضعفه يعقوب بن سفيان، وقال: ضعيف الحديث منكر. وقال أحمد: له أشياء
منكرات، كما فى "التهذيب" (٣٣٩:٧).
وعطاء الخراسانى لم يتهم بسوء المذهب قط وهو من كبار العلماء روى عنه مالك، وناهيك
بمالك. قال أحمد ويحبى والعجلى وغيرهم: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة معروف بالفتوى
والجهاد. وقال أبو حاتم: ثقة محتج به، وقال الترمذى: عطاء ثقة روى عنه مثل مالك ومعمر،
ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه، وهو من رجال الجماعة أخرج له الشيخان وغيرهما،
كما فى "الميزان" (١٩٩:٢). وفى قول الترمذى رد على من تكلم فيه من المتأخرين بلاحجة،
فكيف يكون قول من قال: إنه سند قوى غير صواب، وقد عرف أن الواسطة بينه وبين ابن عباس
ثقة، فإنه يروى عن عكرمة وعطاء بن أبى رباح وعروة وسعيد بن المسيب وغيرهم من ثقات
أصحاب ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم.
تضعيف ما رواه على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى الباب
والجمع بينه وبين ما رواه عطاء اخراسانی عنه:
وبهذا تبين ضعف ما رواه على بن أبى طلحة عن ابن عباس: القاذف إذا تاب فشهادته عند
الله عز وجل فى كتابه تقبل. كما فى "المحلى" (٤٣١:٩). فإن عطاء بن أبى مسلم الخراسانى فوق
على بن أبى طلحة بدرجات، فلا يعل حديثه بحديث من هو أضعف منه، وإن صح فلا نسلم
المنافاة بينهما بل يحمل ما رواه على بن أبى طلحة عنه على قبول شهادته فى الديانات والروايات
دون أحكام القضاء، وفى قوله عند الله عز وجل وفى كتابه دلالة على ذلك، كما لا يخفى، أى
شهادته مقبولة عند الله وفى حقوقه وإن لم تكن مقبولة عند الناس وفى حقوقهم، وقد أجزنا شهادة
المحدود لرؤية هلال رمضان، وقد قلنا بجواز النكاح بشهادة محدودين، فإن شهادة هلال رمضان

١٩٨
ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٤٩٨٥- وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه: حدثنا أبو داود الطيالسى عن حماد بن
سلمة عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا: لا شهادة له وتوبته فيما بينه وبين
أجراها أبو حنيفة مجرى الخبر، إذ لو كانت شهادة حقيقة لما جاز الحكم بشهادة واحد فيه مع أنه
يكتفى بشهادة واحد عند اعتلال المطلع بشىء، والعدالة لا تشترط فى شهود النكاح لأن الغرض
شهرته دفعا لتهمة الزنا، وذلك حاصل بالعدل وغيره عند التحمل، وأما عند الأداء، فلا يقبل إلا
العدل، ويمكنه الشهادة عليه بالتسامع وبهذا كله اندحض ما أورده الإمام البخارى على بعض الناس
فى هذا الباب إن در د به أبا حنيفة الإمام من بين الأنام والعلم لله الملك العلام، والأولى ترك ما
أبهمه على الإبهام كما قلنا فى (باب الترجمان) والسلام.
قوله روى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" إلخ. دلالته على رد شهادة القاذف المجلود وإن تاب
ظاهرة، وفيه سعة صعب ما تمسك به الشافعية وغيرهم وهو ما ذكره البخارى تعليقا ووصله
الشافعى فى الأم عن سفيان بن عيينة، قال: سمعت الزهرى يقول: زعم أهل العراق(١) أن شهادة
المحدود لا تجوز، فأشهد لأخبرنى فلان أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكرة: تب وأقبل شهادتك.
قال سفيان: سمى الزهرى الذى أخبره، فحفظته ثم نسيته، فقال لى عمر بن قيس -هو ابن
المسيب- كذا فى "فتح البارى" (١٨٧:٥).
وفيه ثلاثة أشياء: أحدها: أنه تقدم غير مرة أن مالكا وابن معين أنكرا سماع ابن المسيب من
عمر وقد اعترف البيهقى بأن روايته عنه مرسلة. (ولا حجة فى المرسل عند المحدثين لا سيما عند ابن
حزم ولكنه خلع ربقة الحياء من عنقه ههنا، فاحتج بهذا المرسل ولم ينال بمرسل على بن أبى طلحة
عن ابن عباس أيضا فانظروا من هو المتلاعب؟) الثانى: أن ابن عيينة رجع فى تعيين اسم من أخبر
الزهرى- وهو ابن المسيب- إلى عمر بن قيس فكأنه روى ذلك عنه (عن الزهرى) وعمر هذا
ضعيف (وهو المعروف بسندل كذبه مالك وغيره). وأشار الشافعى إلى الجواب عن هذه العلة،
وهو أن ابن عيينة تذكر بقول عمر بن قيس أنه ابن المسيب.
(قلت: لم يتذكر بل لم يزل مترددا فيه فقد أخرج الطبرى فى التفسير: حدثنا أحمد بن
حماد الدولابى ثنى سفيان عن الزهرى عن سعيد إن شاء الله أن عمر قال لأبى بكرة: إن تبت قبلت
(١) والعجب من البخارى أنه مع احتجاجه بهذا الأثر نسب إلى شريح، ومحارب بن دثار ومعاوية بن قرة والشعبى وهم من أهل
العراق أنهم أجازوا شهادة القاذف المجلود إذا تاب، والزهرى يقول: زعم أهل العراق أن شهادته لا تجوز فلا بد أن يكون أحد
القولين خطأ، فتدبر.

١٩٩
شهادة المحدود فى القذف
إعلاء السنن
الله، وهذا سند صحيح على شرط مسلم (الجوهر النقى ٢٤٩:٢).
شهادتك أو رديت(١) شهادتك (١٦٠:١٨). ففى قول سفيان: إن شاء الله دلالة على تردده فى
سعيد، سلمنا ولكن قول عمر: قبلت شهادتك أو رددت شهادتك يحتمل أمرين: الأول أن الإمام
فى القاذف المحدود إذا تاب بالخيار بين قبول شهادته وردها، ولم يقل به أحد، والثانى أن يكون
معناه: إن تبت لم أجلدك واستعفيت لك من المغيرة فيترك حقه وقبلت شهادتك، وإن لم تتب
جلدتك ورددت شهادتك. وهذا مما لم يختلف فيه اثنان. فالواجب حمل الحديث علی ذلك دون
الأول، وإذا كان كذلك فلا حجة فيه للخصم، فافهم) الثالث أن ابن السيب الذى (يقال فيه: إنه)
روى عن عمر قبول شهادته إذا تاب خالقه فى ذلك، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٤٥:٢).
فإن قيل: قد روى الطبرى فى تفسيره من طريق معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال:
تقبل شهادة القاذف إذا تاب (٦١:٨). قلنا: إذا تعارض القولان وجهل التاريخ فإما أن يجمع بينهما
لو أمكن وهو أولى، أو يعمل بالترجيح، وإلا فيتساقطان، ويمكن الجمع ههنا بما مر ذكره فى الجمع
بين حديث عطاء الخراسانى عن ابن عباس وبين حديث على بن أبى طلحة عنه، وأيضا فإن التاريخ
وإن كان مجهولا ولكن الظاهر أن قوله بعدم القبول متأخر، لأن القول بقبول شهادته هو مذهب
أهل المدينة كما علقه البخارى عن أبى الزناد وهو مدلول هذا الأثر ايضا، فالظاهر أن ابن المسيب
كان على مذهب أهل بلده أولا ثم رجع عنه إلى قول أهل العراق، ويبعد عكسه كل البعد، كما
لا يخفى، وفى رجوعه إلى قول أهل العراق عن قول أهل المدينة قدح فى ما رواه عنه عن عمر بن
الخطاب فى هذا الباب، وإلا لم يخالفه سعيد إلى غيره، فافهم.
وإن عملنا بالترجيح فمعمر إنما هو حجة فى الزهرى وابن طاوسٍ حديثه عنهما مستقيم، فأما
إذا حدث عن العراقيين من الكوفة والبصرة فلا، قاله يحيى بن معين، كما فى "التهذيب"
(٢٤٥:١٠)، وقتاحةٍ من أهل البصرة، فالقول فيه قول حماد بن سلمة دون معمر والله تعالى أعلم.
ومن الدليل على ضعف ما رواه معمر عن قتادة ما ورد فى لفظ لعبد بن حميد عن سعيد
قال: شهدت عمر بن الخطاب حين جلد قذفة المغيرة بن شعبة ثم دعا أبا بكرة فقال: إن تكذب
نفسك نجز شهادتك. فأبى أن يكذب نفسه، كذا فى "الدر المنثور" (٢١:٥)، والحفاظ لا يثبتون له
سماعا من عمر إلا رؤية رآه على المنبر ينعى النعمان بن مقرن، وأيضا فقد روى أبو داود الطيالسى:
(١) لغة فی ردت، ظ.

ج - ١٥
شهادة المحدود فى القذف
٢٠٠
٤٩٨٦- محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة ثنا حماد عن إبراهيم قال: إذا جلد القاذف
لم تجز شهادته أبدًا، وقال فى قول الله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾
قال: يرفع عنه اسم الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز أبدًا (كتاب الآثار ص: ٩٤)، وهذا
حدثنا قيس عن سالم الأفطس عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يشهده قال:
أشهد غيرى، فإن المسلمين قد فسقونى كذا فى "عمدة القارى" (ص: ٣٤١)، ورواه إسماعيل
القاضى نا أبو الوليد الطيالسى نا قيس عن سالم هو الأفطس عن قيس بن عاصم نحوه، كما فى
"المحلى" (٤٣١:٩)، وهذا سند حسن صحيح فإن سالما من رجال البخارى وغيره، وقيس هو ابن
الربيع وثقه شعبة والثورى وغيرهما، وقيس بن عاصم لا يسأل عنه.
ومعنى قوله: فسقونى، أى ردوا شهادتى. فقول ابن حزم: ما سمعنا أن مسلما فسق أبا بكرة
ولا امتنع من قبول شهادته على النبى معَّ فى أحكام الدين اهـ (٤٣٣:٩). لا يقدح فى صحة
الحديث أصلا، لأنه لا يلزم من قبول روايته قبول شهادته ولا يلزم من عدم تفسيق المسلمين إياه أنه
لم يردهم شهادته تفسيقا، ولا يخفى أن أبا بكرة كان من أزهد الناس وأتقاهم وأورعهم وأعبدهم
لله بعد ما جلده عمر الحد، ومع ذلك ردوا شهادته ولم يردوا روايته فكان فى قبولهم روايته دلالة
على كونه عدلا صالحا، وفى ردهم شهادته دلالة على أن المجلود فى القذف لا تقبل شهادته أبدا
وإن تاب وحسنت حالته، فافهم.
قوله: محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة إلخ. فيه تصريح بأن قوله تعالى: ﴿ إلا الذين تابوا من
بعد ذلك وأصلحوا﴾ استثناء من قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ دون قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدا﴾، ويدل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة .
أبدا﴾ كل واحد منهما أمر وخطاب للأئمة، ورد الشهادة يصلح جزاء فيكون مشار كا للأول فى
كونه حدا. وقوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ خبر، والاستثناء داخل عليه ولا يصلح جزاء، لأنه
ليس بخطاب للأئمة بل هو أخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحد لأنه
كلام مبتدأ على سبيل الاستيناف منقطع عما قبله لعدم صحة عطفه على ما سبق. لأنه جملة
إخبارية ليس بخطاب للأئمة، وقوله: ﴿فاجلدوهم﴾ جملة إنشائية خطاب للأئمة، فيصلح أن
يكون عطفا على قوله: ﴿فاجلدوا﴾، ولا يصلح قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ أن يكون عطفا
عليه، لأنه غير جائز أن ينتظم لفظ واحد الأمر والخبر، ألا ترى أنه لا يصح جمعهما فى كناية،
ولا فى لفظ واحد؟