النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ بقية آداب القضاء إعلاء السنن عبيدة قال: ما تصنع بالجد؟ لقد حفظت عن عمر فيه مائة قضية(١) يخالف بعضها بعضًا (التلخيص الحبير ٢٦٦:٢). ومن ذلك ما روينا فى المتن أن عمر حكم فى المشتركة بإسقاط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا، وقضى فى الجد بقضايا مختلفة ولم يرد الأولى، ولأنه يفضى إلى نقض الحكم بمثله، وهذا يؤدى إلى أن لا يثبت الحكم أصلا، لأن الحاكم الثانى يخالف الذى قبله والثالث يخالف الثانى فلا يثبت حكم، (وهذا هو الذى أشار به أبو سفيان على عثمان بن عفان رضى الله عنهما حين أراد أن يرد على عتبة بن أبى سفيان ما أخذه منه عمر وأدخله فى بيت المال، فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأى الناس فيك، إياك أن ترد على من كان قبلك فیرد عليك من بعدك اهـ، أخرجه الطبرى فى التاريخ وقد ذكرناه فى تحقيق هدايا الأمراء). قال الموفق: فإن قيل: فقد روى أن شريحا حكم فى ابنى عم، أحدهما أخ لأم أن المال للأخ، فرفع ذلك إلى على رضى الله عنه، فقال: على بالعبدصحجىء به، فقال: فى أى كتاب الله وجدت ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله﴾، فقال له على: قد قال الله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أوامرأة وله أخ أو أخت (أى من الأم)، فلكل واحد منهما السدس﴾، ونقض حكمه، قلنا: لم يثبت عندنا أن عليا نقض حكمه، ولو ثبت فيحتمل أن يكون على رضى الله عنه، اعتقد أنه خالف نص الكتاب فى الآية التى ذكرها فنقض حكمه لذلك اهـ (٤٠٦:١١). قلت: ومقتضى ذلك أن للقاضى أن ينقض قضاء غيره إذا كان مخالفا لنص الكتاب أو السنة عنده وإن كان مجتهدا فيه، فتأمل. فإن قيل: كتب عمر إلى أبى موسى: لا بد عن قضاء قضية ثم راجعت فيه نفسك فهديت لرشدك أن تنقضه، فإن الحق قديم لا ينقضه شىء والرجوع إلى الحق خير من التمادى فى الباطل إلخ. وهو يدل على نقض القضاء بتغيير الاجتهاد قلنا: معناه أن القاضى ينقض قضاءه إذا تبين له أنه قضى بالرأى فى معرض النص بدليل ما مر عنه أن القضاء لا ينقض بتغيير الاجتهاد، فافهم. قال المحقق فى "الفتح": وأوكد الأمور فى هذا حكم شريح بما يخالف رأى على كثيرا، وهو يعلم ويوافقه، (ولا ينقض قضاءه)، كما علم فى رده شهادة الحسن له وعمر قبله، فقيل: صح عن عمر رضى الله عنه أنه قلد أبالدرداء القضاء فاختصم إليه رجلان فقضى لأحدهما، ثم لقى المقضى (١) محمول على سبعة، وإلا فهو ظاهر البطلان .. ١٤٢ بقية آداب القضاء ج - ١٥ ٤٩٥٠- عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله عّ له: ((من أحدث فى عليه عمر فسأله عن حاله، فقال: قضى على، فقال: لو كنت مكانه قضيت لك، قال: فما يمنعك؟ فقال: ليس هنا نص، والرأى مشترك اهـ (٣٩٦:٦). إذا قضى القاضى بما يخالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع فهو باطل: قوله: عن عائشة إلخ. فيه دلالة على أن القاضى إذا قضى بما يخالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع بأن یکون قولا لا دليل عليه فهو رد، أی باطل منقوض يجب على من رفع إليه من القضاة أن ينقضه كما إذا قضى بالقياس فيما فيه نص يخالف رأيه.، قال فى "الهداية": وأذا رفع إلى القاضى حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع بأن يكون قولا لا دليل عليه، وفى "الجامع الصغير" : وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضى ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه. والأصل أن القضاء متى لاقى فصلا مجتهدا فيه ينفذه ولا يرده غيره (وإلا نقضه ورده) والمراد بالسنة المشهورة منها، وفيما اجتمع عليه الجمهور لا يعتبر مخالفة البعض، وذلك خلاف وليس باختلاف، والمعتبر الاختلاف فى الصدر الأول، والمجتهد فيه أن لا يكون مخالفا لما ذكرنا اهـ أى من الكتاب والسنة المشهورة والإجماع، فإذا حكم حاكم بخلاف ذلك ورفع إلى آخر لم ينفذه بل يبطله، حتى لو نفذه ثم رفع إلى قاض نقض لأنه باطل وضلال، والباطل لا يجوز عليه الاعتماد بخلاف المجتهد فیه (وهو ما لا یکون مخالفا لص يح الكتاب أو السنة أو الإجماع) فإنه إذا رفع إلى الثانى نفذه كما مر، فإن نقضه فرفع إلى ثالث فإنه ينفذ القضاء الأول ويبطل الثانى، لأن الأول كان فى محل الاجتهاد وهو نافذ بالإجماع، والثانى مخالف للإجماع اهـ من "العناية". وقال المحقق فى "الفتح": فشرط حل الاجتهاد أن لا يكون مخالفا للكتاب أو السنة - يعنى المشهورة- (وهى ما تلقاه الأمة بالقبول لا ما اصطلح عليه المحدثون) مثل: ((البينة على المدعى واليمين على من أنكر))، فلو قضى بشاهد ويمين لا ينفذ ويتوقف على إمضاء قاض آخر كذا فى أقضية الجامع، وفى بعض المواضع ينفذ مطلقا، ثم يراد بالكتاب: المجمع على مراده أو ما يكون مدلول لفظه ولم يثبت نسخه ولا تأويله بدليل مجمع عليه، فالأول مثل: ﴿حرمت علیکم أمهاتكم) الآية، لو قضى قاض بحل أم أمرأته (أو بحل موطوءة الأب منكوحة كانت أو جارية) ١٤٣ بقية آداب القضاء إعلاء السنن أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد))، وفى لفظ: ((من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو رد)). رواه كان باطلا لا ينفذ، والثانى: مثل ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فلا ينفذ الحكم بحل متروك التسمية عامدا، ولقائل أن يقول: إن النص مأول بالمذبوح للأنصاب فيقع الخلاف فى أنه مأول أو ليس بمأول فلا يكون حكم أحد المتناظرين بأنه غير مأول قاضيا على غيره بمنع الاجتهاد فيه، نعم قد يترجح أحد القولين على الآخر بثبوت دليل التأويل (ومنعه)، فيقع الاجتهاد فى بعض أفراد هذا القسم أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد أولا ولذا نمنع نحن نفاذ القضاء فى بعض الأشياء ويجيزونه وبالعكس، وفى الخلاصة من أدب القاضى قال: وأما القضاء بحل متروك التسمية عمدا فجائز عندهما، وعند أبی یوسف لا يجوز. وأما عدم تسويغ الاجتهاد بكونه مخالفا للإجماع سواء كان ذلك على الحكم أو على تأويل السمعى أو بنقل عدم تسويغ فقهاء العصر اجتهاده وذلك مثل اجتهاد ابن عباس رضى الله عنهما فى جواز ربا الفضل لم يقبله الصحابة منه، فلو قضى به قاض لا ينفذ وهذا هو المراد بقول المصنف: وفيما اجتمع عليه الجمهور لا يعتبر مخالفة البعض ولا يعنى أنه لا يعتبر فى انعقاد الإجماع، بل لا يعتبر فى جواز الاجتهاد، فالمراد إذا اتفق أهل الإجماع على حكم فخالفهم واحد لا يصير المحل بذلك محل اجتهاد، حتى لا ينفذ القضاء، بقول ذلك الواحد، والذى صححه شمس الأئمة واختاره أن الواحد المخالف إن سوغوا له اجتهاده لا يثبت حكم الإجماع، وإن لم يسوغوا لا يصير المحل مجتهدا فيه، قال: وإليه أشار أبو بكر الرازى، لأن ذلك كما قال المصنف خلاف لا اختلاف. ثم المعتبر الاختلاف فى الصدر الأول يعنى إنما يكون المحل محل اجتهاد بتحقيق الخلاف فيه بين الصحابة، وقد يحتمل بعض العبارات ضم التابعين، وعليه فرع الخصاف أن للقاضى أن ينقض القضاء ببيع أم الولد لأنه مخالف لإجماع التابعين، وقد حكى فى هذا الخلاف عندنا فقيل: هذا قول محمد أما على قول أبى حنيفة وأبى يوسف فيجوز قضاءه ولا يفسخ، وفى النوازل عن أبى يوسف: لا ينفذ القضاء به فاختلف الرواية عن أبی یوسف. وقال شمس الأئمة السرخسى: هذه المسألة تبتنى على أن الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عند محمد، وعند أبی حنیفة وأبی یوسف لا یرفع، یعنی اختلف الصحابة فی جواز بيعهن: فعن على الجواز، وعمر وغيره على منعه. ثم أجمع التابعون على عدم جواز بيعهن، فكان قضاء القاضى به على خلاف الإجماع عند محمد فيبطله الثانى، وعند هما لما لم يرفع اختلاف الصحابة وقع فى حمل الاجتهاد فلا ينقضه الثانى، ولكن قال القاضى أبو زيد فى التقويم: إن محمدا روى ٠ ٤ ٤ بقية آداب القضاء ج - ١٥ أبو داود واللفظ له، وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة بنحوه (عون ٤٢٩:٤). عنهم جميعا أن القضاء يبيع أم الولد لا يجوز اهـ ملخصا (٣٩٤:٦)، وهو يفيد أن الإجماع اللاحق يرفع الاختلاف السابق عندهم جميعا والله تعالى أعلم. وظهر بهذا التفصيل الجواب عما أورده الموفق على أبى حنيفة ومحمد من التناقض فى القول حيث قال: وعن مالك وأبى حنيفة أنهما قالا: لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع ثم ناقضا فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه. وقال أبو حنيفة: إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه. وقال محمد بن الحسن: إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه، وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة اهـ (٤٠٤:١١). قلنا: إن مالكا اعتمد فى الشفعة على عمل أهل المدينة وهو كالإجماع عنده، فكان الحكم بالشفعة للجار خلاف الإجماع على أصله، وفى نقض الحكم ببيع متروك التسمية خلاف عندنا، كما مر، ولو صح القول بالنقض فإن هذا الحكم مخالف لصريح النص عندنا، وكونه مأولا عند الخصم ليس بحجة علينا، فإن محل التأويل إنما هو المجمل دون الصريح، والحكم بالقرعة منسوخ عندنا، والقضاء بالمنسوخ باطل إجماعا، وكون الخصم لا يلتزم النسخ لا يكون حجة على من ثبت عنده، أو هو محمول على الصلح دون القضاء، والحكم بالشاهد واليمين خلاف للسنة المشهورة،: (البينة على المدعى واليمين على من أنكر)) ولنص الكتاب: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ إلى قوله: ﴿ذلك أدنى أن لا ترتابوا﴾، ولم يقل: فإن لم يكونا رجلين فرجل ويمين المدعى، ومثل هذا إنما يذكر لقصر الحكم علیه، ولما قال: ﴿ذلك أدنى أن لا ترتابوا﴾، فلا مزيد على الأدنى (كذا فى الكفاية ٣٩٣:٦) وعن الزهرى قال: هى أى القضاء بشاهد ويمين بدعة، أول من قضى بها معاوية. فالحديث المروى فى القضاء بالشاهد واليمين وإن رواه مسلم، لكنه ضعيف لا يعمل به بهذا الانقطاع، فلا يقبل عند المعارضة بما هو أقوى منه فافهم. كذا فى "فواتح الرحموت" (ص ٦١٩)، وسنبين علة الحدیث فى باب الدعوى إن شاء الله تعالى، وقد مر أن خلاف الواحد لا يجعل المحل اجتهاديا ما لم يسوغوا له اجتهاده، وأيضا فنقض القضاء بشاهد ويمين مختلف فيه عندنا، ففى بعض المواضع من الجامع: ينفذ مطلقا، كما مر. لیس علی القاضی تتبع قضایا من کان قبله: فائدة: ليس على القاضى تتبع قضايا من كان قبله لأن الظامر صحتها وصوابها، فإن تتبع ١٥ إعلاء السنن بقية آداب القضاء ١٤٥ ظلّ خالد بن الوليد ٤٩٥١- عن الزهرى عن سالم عن أبيه قال: بعث النبى عَ كلّه إلى بنى جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ویأسر حتى قدمنا على النبى مێ فذكرناه له، فرفع النبى عَّ يديه فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين، رواه البخارى مختصرًا وزاد الباقر فى رواية عند ابن إسحاق: ثم دعا رسول الله مَّ عليًا فقال: اخرج إلى هؤلاء القوم فاجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم ومعه مال فلم يبق أحد إلا وداه، (فتح البارى ٤٦:٨). نظر فى الحاكم قبله فإن كان ممن يصلح للقضاء فما وافق من أحكامه الصواب أو لم يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا لم يسغ نقصه وإن كان مخالفا لأحد هذه الثلاث (بالمعنی الذی مر ذکره فی كلام المحقق)، وكان فى حق الله تعالى - كالعتاق والطلاق- نقصه، لأن له النظر فى حقوق الله سبحانه، وإن كان يتعلق بحق آدمى لم ينقصه إلا بمطالبة صاحبه، وإن كان القاضى قبله لا يصلح للقضاء نقضت قضاياه المخالفة للصواب كلها، سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ، لأن حکمه غير صحيح، وقضاءه كلا قضاء لعدم شرط القضاء فیه، ولیس فی نقض قضاياه نقض الاجتهاد بالاجتهاد لأن الأول ليس باجتهاد، ولا ينقض ما وافق الصواب لعدم الفائدة فى نقضه، فإن الحق وصل إلى مستحقه. وقال أبو الخطاب: تنقض قضاياه كلها ما أخطأ فيه وما أصاب، وهو مذهب الشافعى، لأن وجود قضائه كعدمه، ولا أعلم فيه فائدة، فإن الحق لو وصل إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم يغير ذلك، وكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه والله تعالى أعلم، كذا قاله الموفق فى "المغنى"، وقواعدنا تساعده. قوله: عن الزهرى عن سالم إلخ. قال العبد الضعيف: ترجم له البخارى إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد. قال العينى: أى مردود ينقض، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد بن الوليد رضى الله عنه فإن الإثم فيه ساقط، والضمان لازم فى ذلك عند عامة أهل العلم إلا أنهم اختلفوا فيه، فقالت طائفة: إذا أخطأ الحاكم فى حكمه فى قتل أو جراح فدية ذلك فى بيت المال. وكذا عند الثورى وأبى حنيفة وأحمد وإسحاق، وعند الأوزاعى وأبى يوسف ومحمد والشافعى على عاقلة الإمام. وموضع الترجمة قوله مَّهِ: اللهم أبرأ إليك مما صنع خالد - يعنى من قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول- فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه فى تركهم متابعة خالد ١٤٦ ج - ١٥ باب یجوز للحاکم ترجمان واحد ٤٩٥٢- وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت: إن النبى ◌ّ أمره أن يتعلم كتاب اليهود، قال: فتعملته فى نصف شهر حتى كتبت للنبى عّ لّه كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه. علقه البخارى فى الصحيح ووصله مطولا فى كتاب التاريخ عن إسماعيل بن أبى أويس ثنى عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن خارجة به، وأخرجه أبو داود والترمذى من رواية عبد الرحمن بن أبى الزناد. قال الترمذى: حسن صحيح. وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت أن النبى عّ لّ أمره أن يتعلم السريانية، وله طريق أخرى أخرجها ابن سعد، وفى كل ذلك رد على من زعم أن عبد الرحمن بن أبى الزناد تفرد به، نعم! لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا هو، فهو تفرد نسبی (فتح البارى ١٦٢:١٢). على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين. وقال الخطابى: الحكمة فى تبريه مَّه من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له فى ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن قتل مثله، وقال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطا عن المجتهد فى الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف، وقد بيناه الآن اهـ (٤١٥:١١)، وقال الحافظ فى "الفتح": والذى يظهر أن التبرأ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه للغرامة. فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود اهـ (١٥٩:١٣). قلت: ولكن إيجاب الله تعالى الدية على القاتل خطأ يشعر بأن الضمان غير ساقط عن المخطئ ويؤيده ما رواه ابن إسحاق فى القصة من طريق الباقر رضى الله عنه أنه معرّ له. أدى ديات المقتولين من بيت المال أو من عنده، وفيه حجة لما ذهب إليه الثورى وأبو حنيفة ومن تبعهما رضی الله عنهم. باب يجوز للحاكم ترجمان واحد قوله: وقال خارجة إلخ. قال العبد الضعيف: قال ابن البطال: أجاز الأكثر ترجمة واحد. وقال محمد بن الحسن رحمه الله: لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال الشافعى رحمه الله: هو كالبينة. وعن مالك روايتان، قال: وحجة الأول ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبى مرّةٍ وأبى جمرة لابن عباس، وأن الترجمان لا يحتاج إلى أن يقول: أشهد بل يكفيه مجرد الإخبار، وهو تفسير ما ١٤٧ يجوز للحاكم ترجمان واحد إعلاء السنن ٤٩٥٣- وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، ذكره البخارى فى حديث أخرجه فى العلم من رواية شعبة عن أبى جمرة فذكر (فتح البارى ١٦٢:١٢). يسمعه من الذى يترجم عنه، ونقل الكرابيسى عن مالك والشافعى: الاكتفاء بترجمان واحد، وعن أبى حنيفة: الاكتفاء بواحد، وعن أبى يوسف: اثنين، وعن زفر: لا يجوز أقل من اثنين. وقال الكرمانى: الحق أن البخارى لم يحرر هذه المسألة إذ لا نزاع لأحد أنه يكفى ترجمان واحد عند الإخبار، وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة، فيرجع الخلاف إلى أنها إخبار، أو شهادة، فلو سلم الشافعى أنها إخبار لم يشترط العدد، ولو سلم الحنفى أنها شهادة لقال بالعدد، والصور المذكورة فى الباب كلها أخبارت، أما المكتوبات فظاهر، وأما قصة المرأة وقول أبى جمرة فأظهر، فلا محل لأن يقال على سبيل الاعتراض، وقال بعض الناس: بل الاعتراض عليه أوجه، فإنه نصب الأدلة فى غير ما ترجم عليه وهو ترجمة الحاکم إذ لا حكم فيما استدل به، انتهى. قال الحافظ فى الفتح: وهو أولى بأن يقال فى حقه: إنه ما حرر فإن (البخارى ذهب إلى أن الترجمة من جنس الإخبار مطلقا سواء كان من ترجمان الحاكم عند الحكم أو من غيره، وإن) أصل ما احتج به اكتفاء النبى معَ لّه بترجمة زيد بن ثابت واكتفاء به وحده، وإذا اعتمد عليه فى قراءة الكتب التی تردد فی کتابة ما یرسله إلى من یکاتبه التحقیق به اعتماده علیه فیما یترجم له عمن حضر من أهل ذلك اللسان. (ولو لم يعتمد على ترجمان واحد لنقل ولو مرة أنه اتخذ ترجمانين عند الحكم، وإذ لم ينقل ذلك ولا فى رواية سقيمة ولا مرسلة دل على جواز الاكتفاء بترجمان واحد مطلقا) فإذا اكتفى بقوله فى ذلك وأكثر تلك الأمور يشتمل على الأحكام وقد يقع فيما طريقه منها الإخبار ما يترتب عليه الحكم فكيف لا تتجه الحجة به وكيف يقال: إنه ما حرر المسألة وقد ترجم المحب الطبری فی الأحكام ذکر اتخاذ مترجم والاكتفاء بواحد وأورد فيه حدیث زید ابن ثابت، وما علقه البخارى عن عمر وعن ابن عباس ثم قال: احتج بظاهر هذه الأخبار من ذهب إلى جواز الاقتصار على مترجم واحد ولم يتعقبه، وما قصة المرأة مع عمر فظاهر السياق أنها كانت فيما يتعلق بالحكم، لأنه درأ الحد عن المرأة لجهلها بتحريم الزنا بعد أن ادعى عليها، و کاد یقیم عليها الحد، واكتفى فى ذلك بإخبار واحد بترجم عن لسانها، وكان ذلك بمحضر من على وعثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهم ولم ينكروه ولم ينقل عن غيرهم خلافه، فقوى الاحتجاج به. وأما قصة أبى جمرة مع ابن عباس (فإن أبا جمرة كان ترجمانا له وهو وال على البصرة ج - ١٥ يجوز للحاكم ترجمان واحد ١٤٨ ٤٩٥٤- وقال عمر وعنده على وعبد الرحمن وعثمان: ماذا تقول هذه؟ قال عبد الرحمن بن حاطب: فقلت: تخبرك بصاحبها الذى صنع بها، علقه البخارى مختصراً فالظاهر أنه كان يترجم له عند الحكم وغيره كما هو مقتضى الإطلاق، ومن ادعى التقييد بغير الحكم فعليه البيان وأما) قصة هرقل فإنها وإن كانت فى مقام الأخبار المحض فلعله إنما ذكرها استظهارا وتأكيدا. وقد قال ابن المنذر: القياس يقتضى اشتراط العدد فى الأحكام، لأن كل شىء غاب عن الحاكم لا يقبل فيه إلا البينة الكاملة، والواحد ليس ببينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب، غير أن الحديث إذا صح سقط النظر، وفى الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها، انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يجاب أن ليس غير النبى معَّه من الحكام فى ذلك مثله، لإمكان اطلاعه على ما غاب عنه بالوحى بخلاف غيره بل لا بدله من أكثر من واحد، فمهما كان طريقه الإخبار يكتفى فيه بالواحد، ومهما كان طريقه الشهادة لا بد فيه من استيفاء النصاب. قلت: إن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وإلا جاز لنا أن نقول: إن قصاءه عَّه بشاهد ويمين مختص به، ولیس غيره من الحكام فى ذلك مثله. وأيضا فإمکان إطلاعه على ما غاب عنه بالوحى یغنی عن الواحد کما یغنی عن الاثنین، فلم يكن له حاجة إلی زید بن ثابت ولا غيره، ولکنه إنما اتخذ الترجمان العارف بلسان القوم إقامة للحجة عليهم، فكان اكتفاءه بالواحد دليلا ظاهرا لا يجوز خلافه. وقد نقل الكرابيسى أن الخلفاء الراشدين والملوك بعدهم لم يكن لهم إلا ترجمان واحد اهـ (١٦٣:١٣ و١٦٤)، وهو منه حكاية الإجماع على ذلك. وفيه أنهم لم يحملوا اكتفاءه عّ لّه بترجمة زيد على الخصوصية بل أجروه على العموم، وأورد بعض الأحباب على ابن المنذر أن قوله: كل شىء غاب عن الحاكم لا تقبل فيه إلا البينة غير صحيح على الإطلاق، لأن قول الشاهد: رأيته يفعل كذا وسمعته يقول كذا، شىء غاب عن الحاكم ينبغى أن لا يقبل إلا بالبينة فیلزم التسلسل فى الشهود وهو باطل، فكذلك قوله المذکور، اهـ. قلت: وهذا بهذر الفلاسفة أشبه منه بكلام العلماء، فإن قول الشاهد إن كان مما يتعلق بدعوى المدعی ویؤيدها فلم يقبل إلا ما قال المدعى. وهذا شاهد له والآخر شاهد ثان. وإن کان مما لا يتعلق بدعواه كان لغوا لا يلتفت إليه فأين التسلسل؟ قال: وأما ثانيا: فلأن الحديث لا يتعلق بالشهادات بل هو يتعلق بالأخبار، فكيف يترك به القیاس فی الشهادات اهـ. قلت: فيه تقييد للمطلق من غير دليل، ومن أنبأك أنه عّ لّه لم يكن يكتب فى الأحكام؟ ١٤٩ يجوز للحاكم ترجمان واحد إعلاء السنن ووصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه مطولا (فتح البارى ١٦٢:٣). قلت: وهو فى قصة لعمر وعثمان فى جارية زنت وقد يقع فيما طريقه منها الإخبار ما يترتب عليه الحكم فكيف لا تتجه الحجة به؟ وقوله: فكيف يترك به القياس فى الشهادات إنما يتم لو ثبت كون الترجمة من جنس الشهادة، وظاهر الآثار فى هذا الباب أن الترجمان كان يجرى عند الأمم مجرى الخبر لا مجرى الشهادة، فقوله: إن الاستدلال لا يتم بما روينا على المدعى بل المسألة اجتهادية فقط رد عليه كما لا يخفى على من أمعن النظر فى الدلائل وتأمل تقرير الاستدلال الذى ذكرناه. وفى "المبسوط" عن أبى حنيفة وأبى يوسف أنهما قالا: المترجم مخبر غير ملزم، وخبر الواحد مقبول بشرط العدالة والإسلام وإن كان ملزما، كما فى رواية الأخبار وكما فى الشهادة على هلال رمضان، والدليل عليه أنه لا يعتبر فيه لفظة الشهادة (بالإجماع) ولو كان هذا فى معنى الشهادة لاختص بما اختص به الشهادة من بين سائر الأخبار بلفظ الشهادة، فإذا لم يجعل هذا الخبر بمنزلة الشهادة فيه ففى العدد أولى، واشتراط الإسلام والعدالة هنا بمنزلة اشتراط ذلك فى رواية الأخبار واشتراط الحرية، لأنه يلزم الغير ابتداء من غير أن يلتزم شيئا، وكان من باب الولاية، والرق ينافى الولاية على الغير، بخلاف رواية الأخبار والشهادة على هلال رمضان فإنه يلتزم ذلك بنفسه ثم يتعدى إلى غيره، فلا تشترط الحرية فيه لذلك، ومع أن الواحد يكفى لذلك، ولكن الرجلان، أو رجل وامرأتان أوثق لأنه فى الاحتياط أقرب اهـ (٩٠:١٦). وفى حكم الترجمان المزكى ورسول القاضى إلى المزكى، ولكن ذكر صاحب "الهداية" وتبعه المحقق فى "الفتح": أن الخلاف فى تزكية السر (فيكتفى بالواحد عندهما فيها، ولا بد من اثنين عند محمد) . فأما تزكية العلانية فيشترط فيها العدد بالإجماع على ما ذكره الخصاف مع أن الوجه المذكور يجرى فيه، وقدمنا أنه زيادة شبه لها بالشهادة من حيث اشتراط مجلس القضاء لها اتفاقا اهـ (٤٦١:٦) . قلت: ومقتضى ذلك أن يشترط فى الترجمان العدد بالإجماع لأنه يترجم للقاضى كلام الشاهد فى مجلس القضاء فكان كالمزكى علانية، وإلا لزم القول بالفرق بين الترجمان والمزكى وقد صرحوا بالتسوية بينهما كما فى "الهداية" مع " فتح القدير" (٤٦٠:٦)، فليتأمل. ثم رأيت صاحب "العناية" قد بحث فيه بأن اشتراط العدد فى تزكية العلانية ينافى عدم اشتراط ذلك فى تزكية السر، لأن المزكى فى السر هو المزكى فى العلانية، ثم أجاب بأن الخصاف ١٥٠ يجوز للحاکم ترجمان واحد ج - ١٥ وهى أعجمية وادعت أنها لم تعلم تحريمه فأشار عليه عثمان بأن ليس الحد إلا على من شرط أن يكون المزكى فى السر غير المزكى فى العلانية، فيجوز أن يكون العدد شرطا فى أحدهما دون الآخر، قال فى الخلاصة: شرط الخصاف أن يكون المزكى فى العلانية غير المزكى فى السر، أما عندنا فالذى يزكيهم فى السر يزكيهم فى العلانية اهـ (٦: ٤٦١)، وفيه إشعار بأن ما ذكره الخصاف ليس بظاهر الرواية عن أصحاب المذهب والله تعالى أعلم. الكلام فى مراد البخارى ببعض الناس فى مسألة الترجمان: فائدة: قال البخارى: وقال بعض الناس: لا بد للحاكم من مترجمين اهـ قال الكرمانى: قال مغلطائى: كأنه يريد ببعض الناس الشافعى وهو رد لقول من قال: إن البخارى إذا قال: بعض الناس، أراد به أبا حنيفة، ثم قال الكرمانى: غرضهم بذلك: غالب الأمر، أوفى موضع تشنيع عليه وقبح الحال، أو أراد به ههنا أيضا بعض الحنيفة، لأن محمد بن الحسن قال بأنه لا بد من اثنين، غاية ما فى الباب أن الشافعى أيضا قائل به لكن لم يكن مقصودا بالذات انتهى. وقال بعضهم: (هو الحافظ ابن حجر فى الفتح): المراد ببعض الناس محمد بن الحسن، فإنه الذى اشترط أنه لا بد فى الترجمة من اثنين ونزلها منزلة الشهادة، ووافقه الشافعى فتعلق بذلك مغلطائی فقال: فيه رد لقول من قال إلخ. قلت: سبحان الله! ما هذا التعصب الباطل حتى يوقعوا به أنفسهم فى المحذور. فمآله الكرمانى الذى طرح جلباب الحياء ويقول: أوفى موضع تشنيع عليه وقبح الحال، وما التشنيع وقبح الحال إلا على من يتكلم فى الأئمة الكبار الذين سبقوهم بالإسلام وقوة الدين كثرة العلم وشدة الورع والقرب من زمن النبى معَّه، ومع هذا فالكرمانى لم يجزم بأن مراد البخارى ببعض الناس أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، لأنه ردد فى كلامه. والعجب من بعضهم الذى جزم بأن المراد به محمد بن الحسن، فهروبهم عن كون المراد به الشافعى مثل ما ذكره الشيخ علاء الدين مغلطائى، لماذا؟ والحال أن المراد به لو كان الشافعى لما يلزم به النقض للشافعى (لأنه لا يرمى إلا شجر فيه ثمر) ولا ينقض من جلالة قدره شىء، على أن البخارى لا يراعى الشافعى قط، والدليل عليه أنه ما روى عنه قط فى جامعه "الصحيح"، ولو كان يعترف به لروی عنه کما روی عن الإمام مالك جملة مستکثرة، و کذلك روی عن أحمد بن حنبل فى آخر المغازى فى مسند بريدة أنه غزا مع النبى معَّ له ست عشرة غزوة، وقال فى كتاب الصدقات: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنا أبى حدثنا ثمامة الحديث. ثم قال عقبة: ١٥١ إعلاء السنن يجوز للحاكم ترجمان واحد علمه، وقد تقدم بتمامه فى كتاب الحدود. وزادنى أحمد بن حنبل عن الأنصارى، وقال فى كتاب النكاح: قال لنا أحمد بن حنبل. كذا فى "العمدة" للعينى (٤٢١:١١). قلت: ولا راحة لهم فى أن البخارى ذكر الشافعى فى موضعين من صحيحه فى (باب الركاز الخمس) وفى تفسير العرايا من البيوع، كما فى "الطبقات" للسبكى (٤:٢) أما أولا: فلأنه إنما ذكر قوله فى ترجمة الباب تعليقا وقد علق عن جماعة هم ضعفاء عنده كما لا يخفى على من راجع مقدمة "الفتح" للحافظ ورأى أسماء من علق عنهم البخارى فى الصحيح، وأما ثالثا: فلأنه لم يعلق عنه شيئا من الحديث، وإنما ذكر قوله فى تفسير الركاز والعربية. وأما رابعا: فلأنه لم يذكره باسمه وإنما قال: قال ابن إدريس. ويحتمل أن يكون أراد به عبد الله بن إدريس الأودى الكوفى، كما جزم به ابن التين فى الموضع الثانى. ومن تأمل طريق البخارى فى التفقه لعرف بأنه برئ من التقليد لا يقلد مالكا ولا الشافعى ولا أحدا من الناس، وأنما يتبع ما لاح له من الكتاب والسنة أنه الحق باجتهاده، وليس ذكره أقوال مالك أو الشافعى فى الصحيح ولا سماعه من الزعفرانى وأبى ثور والكرابيسى والحميدى من أصحاب الشافعى دليلا على كونه مقلدا لواحد منهم، فإنه سمع من كثير من أصحاب أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد أيضا، وحفظ كتب ابن المبارك ووكيع وغيرهما من أصحاب أبى حنيفة، كما لا يخفى على من وقف على سيرته وأحواله رضى الله عنه. العجب من الحافظ فى جزمه بأن المراد ببعض الناس محمد بن الحسن دون الشافعى: والعجب من الحافظ ابن حجر أنه كيف جزم بأن المراد ببعض الناس محمد بن الحسن فإنه الذى اشترط أنه لا بد فى الترجمة من اثنين ووافقه الشافعى إلخ ولم يدر أن موافقة الشافعى إياه إن كان تقليدا له فتلك مزية لمحمد بن الحسن لا يوزن اعتراض البخارى عليه بجنبها بشىء. وإن كان اجتهادا منه بغير تقليد فلا معنى لجعله محمد بن الحسن فيه أصلا والشافعى تبعا له، وقاتل الله التعصب الباطل الذى ألجأ القوم إلى تفصيل ما أجمله البخارى رحمه الله وتفسير ما أبهمه، فوقعوا فى ورطة الغيبة التى سلم منها البخارى بإجماله وإبهامه، فما كان ضرهم لو أجملوا ما أجمله وأبهموا ما أبهمه؟ لا سيما والأقوال التى عزاها إلى بعض الناس لم ينفرد بها الإمام أبو حنيفة بل له سلف فى بعضها من أجلة التابعين ووافقه على البعض منها الثورى وغيره من فقهاء العراق وأئمة ج - ١٥ يجوز للحاکم ترجمان واحد .: ١٥٢ المسلمين كما لا يخفى على من عرف باختلاف العلماء وتتبع مذاهب الفقهاء. لا يضر أبا حنيفة وأصحابه إعراض البخارى عن الرواية عنهم: وأيضا فما ذا يضر أبا حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعى رحمهم الله إعراض البخارى عن الرواية عنهم أو اعتراضه عليهم وقد أعرض عن الرواية عن بعض أئمة أهل البيت فى صحيحه - كالإمام جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه- وأخرج فيه لعمرو بن عبيد شيخ المعتزلة ولم يسمه (فتح البارى ٢٦:١٣)، وأخرج لعمران بن حطان(١) رأس الخوارج الذى أثنى على ابن ملجم الشقى فى قتله أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه بقوله: ياضربة من كمى ما أراد بها إلا ليبلغ عندالله رضوانا أوفى البرية عند الله ميزانا إنى لأذكره يوما فأحسبه إلى آخر ما هذى وهذر وافترى، فأخزى الله قائل هذه الأبيات وأبعده، وقبحه ولعنه. ما أجراهعلى الله! ولقد أحسن وأجاد بكر بن حماد فى معارضته بقوله فرضى الله عنه وعنا وأرضاه وأرضانا حيث يقول: قل لابن ملجم والأقدار غالبة قتلت أفضل من يمشى على قدم وأعلم الناس بالقرآن ثم بما صهر النبى ومولاه وناصره وكان منه على رغم الحسود له وكان فى الحرب سيفا صار ما ذكرا ذكرت قاتله والدمع منحدر إنى لأحسبه ما كان من بشر هدمت ويلك للإسلام أركانا وأول الناس إسلاما وإيمانا سن الرسول لنا شرعا وتبيانا أضحت مناقبه نورا وبرهانا مکان هرون من موسی بن عمرانا ليڤا إذا لقى الأقران(٢) إقرانا فقلت: سبحان رب الناس سبحانا يخشى المعاد ولكن كان شيطانا (١) قال الحافظ فى مقدمة "الفتح": وهو الذى رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل على رضى الله عنه بتلك الأبيات السائرة اهـ ثم اعتذر عن البخارى أنه إنما أخرج حديثه فى المتابعات، فللحديث عنده طرق غير هذه اهـ قلنا: وأى حاجة للصحيح إلى المتابعة وإلى مثل هذه المتابعة؟ لا سيما وللحديث عنده طرق عديدة، وأيضا فهل جعفر بن محمد الصادق وغيره من أئمة أهل البيت كزيد بن على وأمثاله أنزل رتبة عنده من عمران بن حطان حيث لم يخرج لهم فى الصحيح شيئا ولا متابعة فإلى الله المشتكى. (٢) الأول جمع قرين، والثانى مصدر من الإفعال بمعنى القوة، ظ. ١٥٣ إعلاء السنن كتاب الشهادات باب التر غيب فى أداء الشهادة ٤٩٥٥- عن زيد بن خالد الجهنى أن رسول الله عَّ ◌ُّه قال: ألا أخبركم بخير أشقى مرادا إذا عدت قبائلها كعاقر الناقة الأولى التى جلبت قد کان یجزهم أن سوف يخضبها فلا عفا الله عنه ما تحمله بقوله بيت شعر ظل مجترما من ضربة من كمى ما أراد بها بل ضربة من غوى أو ردته لظى كأنه لم يرد قصدا بضربته وقال أبو الطيب الطبرى: إنى لأبراً مما أنت ذاكره إنى لأذكره يوما فألعنه عليك ثم عليه من جماعتنا فأنتما من كلاب النار جاء به وأخسر الناس عند الله ميزانا على ثمود بأرض الحجر خسرانا قبل المنية أزمانا فأزمانا ولا سقى قبر عمران بن حطانا ونال ما ناله ظلما وعدوانا إلا ليبلغ عند الله رضوانا مخلدا قد أتى الرحمن غضبانا إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا عن ابن ملجم الملعون بهتانا دينا وألعن عمران بن حطانا لعائن كثرت سرا و إعلانا نص الشريعة إعلانا وتبيانا وقد أخطأ من زعم أن عمران بن حطان صحابى فليس بصحابى وإنما هو رجل من الخوارج، عده الحافظ فى "التقريب" من الثالثة (ص: ١٦٢) ومن أراد الإطلاع على ما رد به علماء الأمة على عمران هذا فليراجع طبقات الشافعية للسبكى (١٥٢:١) فليت البخارى رحمه الله لم يخرج له فى الصحيح شيئا ولا لعمرو بن عبيد، وأخرج فيه للإمام جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه كما فعله مسلم رحمه الله فإنه أخرج فى صحيحه لهذا الإمام ولم يخرج للأولين شيئا، ولكن السيف قد ينبو والجواد قد يكبو، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ودلالة بقية الآثار على معنى الباب ظاهرة، وقد مر تقريرها فى غضون الكلام على الحديث الذى فتحنا به الباب والله تعالى أعلم بالحق والصواب، ظ. باب التر غيب فى أداء الشهادة و عدم کتمانها أقول: سيق الحديث للترغيب فى أداء الشهادة لئلا يتساهل الناس فيه، فقال: خير الشهداء ١٥٤ الترغيب فى أداء الشهادة وعدم کتمانها ج - ١٥ الشهداء؟ الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها، رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه من يتسارع فى أداء ما عليه من الشهادة، ولا ينتظر أن يسأله صاحب الحق أن يشهد له، ولا يعارضه ما فى الصحیحین عن عمران بن حصین عن النبی مێ قال: ((خیر إمتی قرنی ثم الذین یلونهم ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن من بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن)) (نيل الأوطار ٥٦٢:٨)؛ لأن هذا الحديث مسوق لعدم اعتناء الشهود بالدين، ولا تعارض عند اختلاف الغرض، والمسابقة إلى الشهادة قد يكون للاهتمام بالدين وقد يكون لعدم الاعتناء به، فليس هو محمودا مطلقا ولا مذموما مطلقا، بل هو تابع فى المحمودية والمذمومية لمنشائه إن محمودا فمحمود كما فى حدیث زید بن خالد الجهنی، وإن مذموما فمذموم کما فی حدیث عمران، وقيل فى دفع التعارض غير ذلك، كما فى "نيل الأوطار"، والأحسن ما قلنا. قال العبد الضعيف: وفيه أن التسارع إلى الشهادة إن كان محمودا شرعا فكيف تكون الشهادة قبل الطلب علما على قلة اعتناء الشهود بالدين؟ فإن العلم على المذموم لا يكون إلا مذموما، ألا ترى أن الصلاة قد تكون لله وقد تكون للنفس رياء وسمعة، ومع ذلك فلم يجعلها الشارع علما على مذموم قط. وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تكون علما على مذموم، فالأولى فى الجمع بين الحديثين أن يحمل حديث زيد بن خالد على شاهد قد حضر الواقعة وشهدها، فيستحب له أن يأتى بشهادته قبل أن يسألها، وحديث عمران على شاهد قد غاب عن الواقعة ولم يشهدها، فقوله: يشهدون ولا يستشهدون، معناه: يشهدون من غير أن يدعوا لتحمل الشهادة فيشهدون بمجرد السماع من غیر مشاهدة وعیان. ولا يبعد أن يحمل حديث زيد بن خالد على شهادة الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه - كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود (إذا لم يتعين استحباب سترها) ونحو ذلك- وحديث عمران على الشهادة فى حقوق الآدميين، فإن الأصل فى أداء الشهادة عند الحاكم أن لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ اللهم إلا أن یکون عند أحد شهادة لإنسان بحق لا یعلم بها صاحبها، ولیس له إلا شاهد واحد سواه فيأتى إليه فيخبره بها، وهذا أحسن الأجوبة، وبه أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما، كذا فى "فتح البارى" ملخصا (١٩٠:٥). ١٥٥ الترغيب فى أداء الشهادة وعدم كتمانها إعلاء السنن وفى لفظ: الذين يبدأون بشهادتهم من غير أن يسألوا عنها. وذكر الترمذى عن بعض أهل العلم أن المراد بالذى يشهد ولا يستشهد شاهد الزور، واحتج بحديث عمر عن النبى معَّ أنه قال: ((ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد)) والمراد بحديث زيد بن خالد: الشاهد على الشىء فيؤدى شهادته ولا يمتنع من إقامتها اهـ من "العمدة" للعينى (٣٤٦:٦) وقال الطحاوى: قالوا: فقد ذم النبى معَّ فى هذا الحديث من يشهد ولا يستشهد، قيل لهم: هذا على الذى لا يستشهد فى بدأ الأمر فيكون فى شهادته عند الحاكم شاهدا بما لم يشهد عليه ولا يعلمه اهـ (٢: ٢٨٥)، وهذا راجع إلى ما ذكرته أولا ومؤيد له، ولله الحمد على الموافقة. حكم تحمل الشهادة وأداءها: قال الموفق فى "المغنى": وتحمل الشهادة وأداءها فرض على الكفاية لقول الله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ ولأن الشهادة أمانة، فلزم أداءها کسائر الأمانات، فإن دعی إلی تحمل شهادة فی نكاح، أو دین، أو غيره لزمته الإجبة، وإن كانت عنده شهادة فدعی إلی أدائها لزمه ذلك، فإن قام بالفرض فى التحمل، أو الأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر، وكانت شهادته تنفع، فإن كان عليه ضرر فى التحمل، أو الأداء، أو كان ممن لا تقبل شهادته، أو يحتاج إلى التبذل فى التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾، وقول النبى معَّه: ((لا ضرر ولا ضرار)) ولأنه لا يلزمه أن يضر بنفسه لنفع غيره، وإذا كان ممن لا تقبل شهادته لم يجب عليه، لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه. وهل یأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه؟ فيه و جهان: أحدهما: یأثم، لأنه قد تعین بدعاءه، ولأنه منهى عن الامتناع بقوله: ﴿ولا يأب الشهداء أذا ما دعوا﴾ والثانى: لا يأثم، لأن غيره يقوم مقامه فلم يتعين فى حقه، كما لو لم يدع إليها اهـ، ملخصا (٤: ١٢). وقال المحقق فى "الفتح" : وسبب وجوبها طلب ذى الحق، أو خوف فوت حقه فإن من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف فوت الحق يجب عليه أن يشهد بلا طلب، وسببية الطلب ثبتت بقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، وسببية خوف الفوت بالمعنى، وهو أن سببية الطلب إنما ثبتت كى لا يفوت الحق قال: وقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ ج - ١٥ الترغيب فى أداء الشهادة وعدم كتمانها ١٥٦ محتمل أن يراد النهى عن الإباء عن التحمل إذا دعى إليه، ويكون اسم الشهداء مجازا فيمن سيتصف بالشهادة، فيكون النهى لكراهة الإباء عن التحمل كراهة(١) تنزيه، ومرجعها خلاف الأولى، ويحتمل أن يراد نهى مسمى الشهداء عن الإباء، حقيقة الشهداء من اتصف بالشهادة، فيكون نهى من اتصف بالشهادة حقيقة عن الإباء إذا دعى ولا اتصاف قبل الدعاء إلا بالتحمل، فيلزم كون النهى عن إباء الأداء وهو الراجح لما فيه من المحافظة على حقيقة اللفظ، فقد فرض الله سبحانه وتعالى على المتحمل أن يذهب إذا دعى إلى الحاكم للأداء، فالأداء المفروض لا يكون إلا عند الحاكم، وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ وهو تحريم الكتمان عن القاضى، فيكون الإظهار للقاضى وهو الأداء فرضا عليهم، قالوا: يلزم إذا كان مجلس القاضى قريبا، فإن كان بعيدا، فعن نصر إن كان بحال يمكنه الرجوع إلى أهله فى يومه يجب، لأنه لا ضرر عليه، ولو كان شيخا لا يقدر على المشى فأركبه الطالب لا بأس به، وعند الفقيه أبى بكر فيمن لا يعرفه القاضى إن علم أن القاضى لا يقبله نرجو أن يسعه أن لا يشهد وفى العيون: إن كان فى الصك جماعة تقبل شهادتهم وسعه أن يمتنع، وإن لم يكن أو كان لكن قبولها مع شهادته أسرع وجب اهـ، ملخصا (٤٤٨:٦). أخذ الأجرة للشاهد: وقال ابن قدامة فى "الشرح الكبير": من له كفاية فليس له أخذ الجعل -أى الأجرة على الشهادة- لأنها أداء فرض، فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا، وإن لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذ الجعل، لأن النفقة على عياله فرض عين، فلا يشتغل عن بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين، فإن تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك أيضا، واحتمل أن لا يجوز، لئلا يأخذ العوض عن أداء فروض الأعيان، وقال أصحاب الشافعى: لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره؟ على وجهين اهـ (٥:١٢). ومذهب الحنفية فى الباب يوافق ما ذكره أصحاب الشافعى رحمه الله، قال فى "الدر" عن البزازية": كل ما يجب على القاضى والمفتى لا يحل لهما أخذ الأجر به كنكاح صغير لأنه واجب عليه، وكجواب المفتى بالقول، وأما بالكتابة فيجوز لهما على قدر كتابتهما لأن الكتابة لا تلزمها اهـ (٥٧٢:٤). (١) قلت: وهذا إذا لم يتعينا للتحمل، وأما إذا تعينا فيحرم عليهما الإباء عنه. قال فى "الدر": لأنها -أى الشهادة- فرض كفاية تتعين لو لم يكن إلا الشاهدان لتحمل أو أداء، وكذا الكاتب إذا تعين اهـ (٤: ٥٧٤) مع الشامية. ١٥٧ إعلاء السنن باب شهادة الزور ٤٩٥٦- عن أنس رضى الله عنه قال: ذكر رسول الله عَ ليه الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور أو قال: شهادة الزور. ٤٩٥٧- وعن أبى بكرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكاً، فجلس وقال: ألا وقول الرور, شهادة الزور، فما زال يكـ رها حتى قلنا: ليته سكت، متفق عليهما (نيل الأوطار ٥٦٥:٨). قال ابن عابدين: وليس ذلك خاصا بهما (أى بالقاضى والمفتى بل يعمهما وغيرهما) بدليل ما ذكروه من أن غاسل الأموات إذا تعين لا يحل له أخذ الأجر فتأمل اهـ (٥٧٤:٤)، ومفاده أنه يحل له إذا لم يتعين وكذا الشاهد، والله تعالى أع !. باب شهادة الزور أقول: قد عرفت من هذه الأحاديث والآثار إن شهادة الزور کبیرة من الكبائر وليس فيها حد، وإنما يعزر، والتعزير مفوض إلى رأى الحاكم، مفإن شاء ضربه كما ضرب عمر وشريح، وإن شاء اكتفى بالتشهير كما اكتفى به عمر وشريح، وقال أبو حنيفة: أشهره فى السوق، ولا أعزره من دون أن يحرم الضرب، وقال صاحباه: نضربه ونحبسه من دون تحريم الاكتفاء بالتشهير، فلا خلاف بينهم، وما قالوه ليس مبنيا على الروايات المذكورة فقط بل هو ثابت بالأصول الصحيحة، لأنه ثبت أن شهادة الزور من المنكرات، فيكون للحاكم الزجْر عليه، ولما لم يكن طريقه متعينة من الشارع يكون مفوضا إلى رأى الحاكم من الضرب والتشهير وغيرهما والله أعلم. قال العبد الضعيف: كل ذلك من تأويل القول بما لا يرضى به قائله، فإن قول أبى حنيفة أشهره فى السوق ولا أعزره. ولفظ الجامع الصغير: شاهدان أقرا أنهما شهدا بزور لم يضربا، وقالا: يعزران صريح فى أن أبا حنيفة لا يرى للحاكم أن يعزرهما بالضرب، بل يجب عليه الاكتفاء بتشهيرهما فحسب، هذا هو الذى فهمه علماء المذهب من عبارة "القدورى" و"الجامع" فالحق أن أبا حنيفة إنما احتج بما رواه هو نفسه عن الھیثم عمن حدثه عن شریح، وقد علمت أنه قد روى عنه من طریق أخری صحیحة موصولة، وروی مثله عن عمر رضى الله عنه بسند حسن ج - ١٥ شهادة الزور ١٥٨ ٤٩٥٨- وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو خالد عن الحجاج عن مكحول عن الوليد ابن أبى مالك أن عمر كتب إلى عماله بالشام فى شاهد الزور يضرب أربعين سوطًا ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه (زيلعى ٢١٢:٢)، قلت: مرسل وفى الحجاج کلام لکنه غیر مضر عندنا. ٤٩٥٩- وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: حدثت عن مكحول أن عمر ابن الخطاب ضرب شاهد الزور أربعين سوطًا، قلت: هو مرسل، وشيخ ابن جريج مجهول، ولعله الحجاج. وقال أيضًا: أخبرنا يحيى بن العلاء أخبرنى الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب أمر بشاهد الزور أن يسخم وجهه ويلقى عمامته فى عنقه ويطاف به فى القبائل (زيلعى). قلت: هو مرسل، والأحوص متكلم فيه وهو غير مضر عندنا. موصول، ففى الجعديات للبغوى قال: نا على بن الجعد نا شريك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله(١) بن عامر قال: أتى عمر بشاهد زور فوقفه للناس يوما إلى الليل يقول: هذا فلان شهد بزور فاعرفوه، ثم حبسه، وعاصم فيه لين كذا فى "التلخيص الحبير" (ص: ٣٦٢). ولم يكن الحبس للتعذيب بل لمزيد التشهير ليقفه الناس أياما عديدة، هذا هو الصحيح الثابت عن عمر وشريح رضى الله عنهما، وعدى ذلك لا يخلو عن مقال كما لا يخفى على العارف بالأسانيد وأحوال الرجال، وإن صح بتعدد الطرق فهو محمول على المصر دون الذى رجع عن شهادته تائبا، قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقد اختلف فى حكم شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: لا يعزر، وهذا عندنا علی أنه إن جاء تائبا فإما إن کان مصرا فإنه لا خلاف عندی بینهم فى أنه يعزر اهـ (٢٤١:٣). وقال المحقق فى "الفتح": وقيل: لا خلاف بينهم، فجواب أبى حنيفة رحمه الله فى التائب لأن المقصود من التعزير الانزجار، وقد انزجر بداعى الله تعالى، وجوابهما فيمن لم يتب، ولا يخالف فيه أبو حنيفة اهـ (٥٣٥:٦)، هكذا فليكن التوفيق بين القولين، لا كما قاله بعض الأحباب، ولا يخفى أن لتعزير شاهد الزور ولو كان تائبا يكون صارفا له عن الرجوع وحاملا على التمادى، فوجب أن يترك ويكتفى بما ذكرنا من التشهير، لا سيما وقد علمنا أن التعزير بالضرب (١) هو عبد الله بن عامر بن ربيعة أدرك النبى مرّ له صغيرا وروى عن أبيه وعن عمر وغيرهما من أجلة الصحابة كما فى التهذيب. إعلاء السنن شهادة الزور ١٥٩ ٤٩٦٠- وقال محمد بن الحسن فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم ابن أبى الهيثم عمن حدثه عن شريح أنه إذا أخذ شاهد زور فإن كان من أهل السوق قال لهم: إن شریحًا یقرئکم السلام ویقول لكم: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، وإن كان من العرب أرسل به إلى مسجد قومه أجمع ما كانوا فقال للرسول مثل ما قال فى المرة الأولى. قلت: شيخ الهيثم مجهول، وهو غير مضر عندنا لا سيما واحتجاج المجتهد بحدیث تصحیح له. وقد روى من طريق أخرى موصولة، وقال ابن أبى شيبة: حدثنا و کیع ثنا سفيان عن أبی حصین قال: کان شریح یبعث بشاهد الزور إلى مسجد قومه، أو إلى سوقه، ويقول: إنا قد زيفنا شهادة هذا. وفى لفظ: يكتب اسمه عنده، فإن كان من العرب بعث به إلى مسجد قومه، وإن كان من الموالى بعث به إلى سوقه يعلمهم ذلك منه (زيلعى)، وهذا سند صحيح متصل، فإن أبا حصين عثمان بن عاصم الأسدى الكوفى روى عن جابر بن سمرة، وابن الزبير، وابن عباس وأنس، وأبى سعيد الخدرى وزيد بن أرقم، وأبى عبد الرحمن السلمى، وأبى وائل، وسويد بن غفلة، وغيرهم ومثله لا يفوته شریح . ٤٩٦١- وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عن الجعد بن زكوان قال: أتى شريح بشاهد زور فنزع عمامته عن رأسه وخفقه بالدرة خفقات، وبعث به إلى المسجد يعرفه الناس (زیلعی)، ولم أر ترجمة الجعد بن ز کوان ولكنه ليس بمضر. والتسخيم ونحوه إنما كان منه بطريق الاجتهاد لا بالنقل عن رسول الله عَظِلّه، فجاز أن يجتهد فى نفيه باعتبار ثبوت معنى آخر، فإن الفقيه من عرف بحال أهل زمانه وقد علمنا بأن أهل القرن الأول لم يكن التعزير ولا الحد ولا الرجم صارفا لهم عن الاعتراف بالحق ولا حاملا لهم على التمادى بالباطل، ثم تغير الحال يعزر شاهد الزور إذا جاء تائبا ويعزر إذا كان مصرا، فافهم. وروى أبو حنيفة قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضى الكوفة فجاء رجل فادعی على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعى شاهدين فشهدا له فقال المشهود عليه: والذى به تقوم السماء والأرض لقد كذبا على فى الشهادة وكان محارب بن دثار متكئا، فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله عَّ ◌ُّه يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمى ما فى حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شهدا لزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعدة من النار، 1 ١٦٠ ج - ١٥ باب أفضلية الستر فى الحدود ٤٩٦٢- عن ابن هزال عن أبيه أنه ذكر شيئًا من أمر ماعز للنبى عّ لّه، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لو سترته بثوبك كان خيرًا لك)) رواه أحمد ورواه أيضًا أبو داود فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا، ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٢٨:١١). والحديث أخرجه الحافظ محمد بن المظفر فى مسنده عن أبى بكر مكرم بن أحمد وعن عبد الله بن أحمد كلاهما عن أبى حازم عن شعيب بن أيوب عن الحسن بن زياد مختصرا بلفظ المرفوع، والحافظ ابن خسرو فى مسنده للإمام مفصلا مع القصة كما فى "جامع المسانيد" (٢٧٩:٢)، روى ابن ماجة بعضه، ورواه الطبرانى فى الأوسط، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" : وفيه من لا أعرفه (٤: ٢٠٠)، وروى البيهقى عن على بن الحسين قال: كان على إذا أخذ شاهد زور بعثه إلى عشيرته فقال: إن هذا شاهد زور فاعرفوه ثم خلی سبیله. (كنز العمال ٧:٣). وفيه تَائيد لقول الإمام صريح، وفى أثر محارب دلالة على أن من ثبت عليه شهادة الزور من غير بينة ولا إقرار به صريحا لا يعزر ولا يشهر، فإن محاربا لم يعزر الشاهدين ولم يشهرهما، لأنهما لم يقرا على أنفسهما بالزور وإنما غطية رؤوسهما وانصرفا فافهم، قال الموفق فى " المغنى": وإن ادعى على شاهدينٌ أنهما شهدا عليه بزور أحضرهما، فإن اعترفا أغرمهما، وإن أنكرا وللمدعى بينة على إقرارهما بذلك فأقامها لزمهما ذلك، وإن أنكرا لم يستحلقا لأن إجلافهما يطرق عليهما الدعاوى فى الشهادة، والامتهان، وربما منع ذلك إقامة الشهادة، وهذا قول الشافعى ولا نعلم فيه مخالفا اهـ (٤١٤:١١)، وأيضا فإن هذا ليس من مواضع الاستحلاف عند الإمام أبى . حنيفة، كما لا يخفى على من له ممارسة بالفقه. باب أفضلية الستر فى الحدود قوله: إنه ذكر شيئا من أمر ماعز إلخ. أقول: معناه: أن هذا لا ذكر محدده أنه هو الذى حمل ماغزا على أنه أقر عنده بالزناًلأنه كان زنى بجارية فاطمة فقال له النبى معه: لو سترته بثوبك كان خيرا لك- ولما كان هذا شهادة من هزال على أنه زنى بجارية، قال صاحب الهداية: والستر أفضل لقوله عليه السلام للذى شهد عنده: ((لو ستر"- بثوبد، لكان خيرا لك)) فاندفع ما قال الزيلعى : إن، الذى قال له النبى ◌ّ هذا القول لم يشهد عنده بشىء، ولكنه حمل ما عزا على أنه اعترف