النص المفهرس
صفحات 101-120
ج - ١٥ کتاب القاضى إلى القاضى ١٠١ ٤٩٢٠- وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفى: شهدت عبد الملك بن یعلی -قاضى البصرة- وإياس بن معاوية والحسن وثمامة بن عبد الله بن أنس وبلال بن أبى بردة وعبد الله بن بريدة الأسلمى وعامر بن عبدة وعباد بن منصور يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود؛ فإن قال الذى جىء عليه بالكتاب: إنه زور، قيل له: اذهب فالتمس المخرج. أخرجه البخارى تعليقًا، ثم أسند من طريق أبي نعيم: حدثنا عبيد الله بن محرز جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضى البصرة وأقمت عنده البينة أن لى عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة، وجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه (فتح البارى ١٢٦:١٣). أنه أشهد أحدًا على كتابه اهـ. والجواب عنه ما قال ابن بطال نفسه: ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سواء، وابن أبى ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد فاحتيط للدماء والأموال، وقد روى عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى إن القاضى ليكتب إلى الرجل الكتاب فما يزيد على ختمه ويعمل به حتى اتهموا فصار لا يقيس إلا بشاهدین اهـ. والجواب عما احتج به للتابعين من الحديث أن كتب رسل الله عَ ◌ّه إلى الملوك كانت من باب التبليغ لا من باب القضاء فى الحقوق، فلا حجة لهم فيه. ثم اختلف فى أنه هل يجب الشهادة على المكتوب أو على الكتاب؟ فقال أبو حنيفة ومحمد بالأول، وقال أبو يوسف بالثانى، واختار شمس الأئمة السرخسي قول أبى يوسف وهو الراجح عندى، لأنه أرفق وقولهما أحوط، وقال فى "فتح القدير": وقيل: أصل كتاب القاضى ما روى الضحاك بن سنان أنه عليه السلام كتب أن ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها. رواه أبو داود والترمذى. وليس هذا من كتاب القاضى إلى القاضى المتنازع فيه بل هو إما فتوى من رسول الله عَّه ليقضى به الضحاك، أو كتاب له لإنفاذ ما قضى به رسول الله عّه، والظاهر هو الأول. ومن هذا القبيل ما روى أبو بكر الخلال من طريق عبد الله ابن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه قال: كتب أبى عمر بن عبد العزيز كتابا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت. (فتح القدير ١٢٤:١٣) لأنه ليس من باب كتاب القاضى إلى القاضى بل هى من باب تعديل الشاهد، أو الفتوى، والله أعلم. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": ثم الأصل فى كتاب القاضى إلى القاضى والأمير إلى الأمير الكتاب والسنة الإجماع، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿إنى ألقى إلى كتاب ١٠٢ إعلاء السنن باب قضاء القاضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى ٤٩٢١- عن أم سلمة أن النبى عّ لّه قال: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض، فأقضى بنحو ما أسمع، فمن قضیت له كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا على وأتونى مسلمين﴾ (وفيه أنه ليس من باب القضاء وإنما هو من باب الدعوة والتبليغ ولا كلام فية) وأما السنة: فإن النبى عدّ له كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى وملوك الأطراف (فيه ما تقدم) و کان یکتب إلى ولاته ویکتب لعماله وسعاته، (فيه أنه كان يكتب إلى ولاته وعماله ما يتعلق بهم أو بمن معهم من المسلمين من الأحكام والمصالح العامة والمواعظ والنصائح، ولم يكن يكتب إليهم شهادة الشهود، وحكمه بشهادتهم فى قضايا معينة والكلام إنما فى هذا لا فى ذلك) قال: وروى الضحاك بن سفيان قال: كتب إلى رسول الله عَ ◌ّ أن ورث امرأة أشيم الضيابى من دية زوجها.(رواه الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وقال الترمذى: حسن صحيح. قاله المنذرى، كما فى "العون" (٩١:٣). قال أبو داود: وقال أحمد بن صالح: نا عبد الرزاق بهذا الحديث عن معمر عن الزهرى عن سعيد وقال فيه: وكان النبى معَِّ استعمله على الأعراب اهـ. قلت: وهذا من كتاب القاضى إلى القاضى، وأما قول بعض الأحباب: بل هو إما فتوى من رسول الله عَّه ليقضى به الضحاك، أو كتاب له لأنفاذ ما قضى به رسول الله عَ ◌ّه، الظاهر وهو الأول اهـ ففيه أن الظاهر هو الثانى، لأن الفتوى إنما تكون عامة غير مختصة برجل معين ولا امرأة معينة عادة، وإنما ذلك شأن القضاء، وكتاب الحاكم إلى نائبه لأنفاذ ما قضى به هو كتاب القاضى إلى القاضى بعينه، فتأمل. قال: وأجمعت الأمة على كتاب القاضى إلى القاض، ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق فى بلد غير بلده ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضى فوجب قبوله اهـ (٤٥٧:١١). قلت: والآثار التى علقها البخارى، وصلها الحافظ فى "الفتح"، فليراجع، ودلالتها على اتفاق القضاة من التابعين على جواز كتاب القاضى إلى القاضى ظاهرة. باب قضاء القاضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى قوله: أقضى بنحو ما أسمع إلخ. أقول: استدل به من يمنع قضاء القاضى بعلمه، وتقرير الاستدلال أنه قال: أقضى بنحو ما أسمع، ولم يقل: بما أعلم، وأجاب عنه الشوكانى بأن التنصيص على السماع لا ينفى كون غيره طريقًا للحكم، على أنه يمكن أن يقال: إن الاحتجاج بهذا الحديث ٤ ج - ١٥ ٠ قضاء القاضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى ١٠٣ من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)) رواه الجماعة، كذا فى "المنتقى" (نيل ٥٣٣:٨)، ووقع فى رواية لأبى داود: أتى رسول الله عَ ◌ّه رجلان يختصمان فی مواریث لهما لم تكن لهما بینة إلا دعواهما إلخ، وفى رواية له: فی مواريث وأشياء قد درست إلخ. للمجوزين أظهر فإن العلم أقوى من السماع، لأنه يمكن بطلان ما سمعه الإنسان ولا يمكن بطلان ما يعلم، ففحوى الحديث تقتضى جواز القضاء بالعلم اهـ (نيل الأوطار ٥٥١:٨). والأقرب عندى أن يقال: إن قوله: أقضى بنحو ما أسمع يدل على جواز القضاء بالعلم الحاصل من سماع حجة أحد الخصمين من غير بينة وإقرار، وهو من أفراد القضاء بالعلم المتنازع فيه، فثبت المدعى من عبارة النص، ولا حاجة إلى القول بالفحوى ولا إلى أن يقال: إن التنصيص على السماع لا ينفى كون غيره طريقًا للحكم فتنبه له، ويدل على جواز القضاء بالعلم أيضًا قضاء سليمان عليه السلام بين المرأتين لأنه عليه السلام تفطن من بيان الصغرى أن الصبى الذى تنازعتا فيه ابن لها فقضى لها بذلك العلم الاستدلالى، ولما جاز القضاء بالعلم الاستدلالی فجوازه بالعلم العيانى أولى. قال العبد الضعيف: ولا يخفى ما فيه، فإنه يستلزم القضاء والحكم بالعلم الاستدلالى، ولا قائل به، والذين اختلفوا فى قضاء القاضى بعلمه إنما اختلفوا فى القضاء بعلمه المستند إلى المشاهدة والعيان دون الاستدلال بالعقل والبرهان. والحق أن سليمان عليه السلام لم يحكم فى ذلك بعلمه بل باعتراف الكبرى بأن الولد للصغرى، فقد أخرج النسائى هذا الحديث من طريق مسكين بن بكير عن شعيب، وفيه: فقال: اقطعوه نصفين، لهذه نصف، ولهذه نصف، فقالت الكبرى: نعم اقطعوه، فقالت الصغرى: لا تقطعوه هو ولدها. ثم ساقه من طريق بشير بن نهيك عن أبى هريرة مختصرًا وقال فى آخره: فقال: سليمان -يعنى للكبرى -: لو كان ابنك لم ترض أن يقطع، كما فى "فتح البارى" (٤٧:١٢ و٤٨)، فقول الكبرى: نعم اقطعوه اعتراف منها بأن الولد ليس لها وألزمها بذلك سليمان عليه السلام، فمن حمله على الحكم بالعلم فقد سها سهوًا ظاهرًا. وأيضًا فإن الحديث قد أشكل على العلماء قديما وحديثا، فقيل فيه: كيف ساغ لسليمان أن ينقض قضاء داود؟ فقال بعضهم: كان ذلك على سبيل الفتيا منها لا الحكم، وتعقب بأن فى لفظ الحديث أنه قضى وأنهما تحاكما، ثم قيل: كيف ساغ لداود أن يحكم للكبرى؟ فقال بعضهم: ١٠٤ قضاء القاضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى إعلاء السنن ٤٩٢٢- وعن أبى هريرة رفعه: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا به على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: استویا عند داود فی الید فقدم الکبری للسن، وقيل: كان من شرع داود أن يحكم للکبری وهو فاسد، لأن الكبر والصغر وصف طردى - كالطول والقصر والسواد والبياض- ولا أثر لشىء من ذلك فى الترجيح، وهذا مما يكاد يقطع بفساده. والذى ينبغى أن يقال: إن الولد الباقى كان فى يد الكبرى وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، وهذا تأويل حسن جاز على القوعد الشرعية، وكونه لم يذكر فى الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فليس فى السياق ما يأباه ولا يمنعه، فكذلك الحق أن يقال: إن سليمان استقر الكبرى، فأقرت بعد ما قالت: نعم اقطعوه. وألزمها سليمان بأنه لو كان ابنك لم ترض أن يقطع بأنه ليس لها وأنما هو ولد الصغرى، وهذا وإن لم يكن مذكوراً فى الحديث صريحًا، ولكنه مقتضى سیاقه، فافهم. وقد ذهب أبو حنيفة فى جواز القضاء بعلمه إلى قول شريح، فإنه كان يرى للقاضى أن يقضى بعلمه فقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين قال: اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره فقضى عليه باعترافه فقال: أتقضى على بغير بينة؟ فقال: شهد عليك ابن أخت خالتك - يعنى نفسه- ووافقه على ذلك مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية، قال ابن التين: وجرى به العمل، كذا فى "الفتح البارى" (١٤١:١٣). وعلق البخارى عن القاسم (وهو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، كما فى "الفتح" (١٤١:١٣) لا ينبغى للقاضى أن يقضى قضاء بعلمه دون علم غيره، مع أن علمه أكثر من شهادة غيره، ولكن فيه تعرضًا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعا لهم فى الظنون وقدكره النبى معدّ لّه الظن فقال: إنما هذه صفية اهـ. ولا خلاف فى الأولوية فإن الأولى أن لا يقضى بعلمه مطلقًا ما لم يشهد الشهود عنده، وإنما الكلام فى الجواز، ولا يخفى أن فى قول القاسم مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ودلالة عليه، فلم يخالف القاسم فى ذلك أصحابه الكوفيين، ولا وافق أهل المدينة، كما زعمه الحافظ فى "الفتح" (ص مذكور). وقال أبو على الكرابيسى: قال الشافعى بمصر فيما بلغنى عنه: إن كان القاضى عدلا لا يحكم بعلمه فى حد ولا قصاص إلا ما أقربه بين يديه، ويحكم بعلمه فى كل الحقوق مما علمه ج - ١٥ قضاء القاضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة حقا لله تعالى ١٠٥٠ ائتونى بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى، فقال أبو هريرة: والله إن سمعت السكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. رواه الشيخان والنسائى (جمع الفوائد ١٧٥:٢). قبل أن يلى القضاء أو بعد ما ولى اهـ. وهذا هو عين مذهب أبى يوسف ومحمد رحمهما الله، قال بعض الأحباب: إلا أن أبا حنيفة قيد ذلك الجواز بأن يكون العلم حاصلا بعد الولاية وفى حدود ولايته، وخالفه صاحباه فلم يقيداه بذينك القيدين، وحجة أبى حنيفة أن العلم الحاصل قبل الولاية أو فى غير حدود الولاية ليس بعلم القاضى، بل هو علم الشاهد لأنه ليس بقاض إذ ذاك بل هو من العامة. والجواب عنه أنه وإن كان ذلك العلم علم الشاهد فى أول الأمر إلا أنه صار علم القاضى إذ صار قاضيًا أو رجع إلى حدود ولايته والحدود الخالصة حقًّا لله تعالى مسئناة منه بالإجماع لقوله عَ ◌ّه: ((لو كنت راجما أحدا من عير بينة لرجمتها)) وقوله: ((و لا الأيمان لكان لى ولها شأن)). واحتجوا أيضًا لحديث أم سلمة على عدم جواز القضاء باطنًا على الإطلاق وتعلقوا فيه بقوله: ((فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)) ولا حجة لهم فيه، لأن النزاع إنما هو فى العقود والفسوخ، والحديث إنما ورد فى المواريث والأموال التى هى ليست منها، فلا تعلق له بمحل النزاع، فإن قلت: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص الموارد؟ قلنا: نحن لا نقول بخصوصه بالمورد بل نقول لعمومه إلا أنا نقول: إنه عام لما هو من نوعه أعنى ما ليس من جنس العقود والفسوخ - كالمواريث والأملاك المرسلة- وليس شامل للعقود والفسوخ، وإنهما نوعان مختلفان من جهة النظر لكل واحد منهما حكم يخصه، فإن قلت: هذا نسخ للإطلاق وتخصيص للعام بالقياس؟ قلنا: ليس هذا نسخًا للإطلاق وتخصيصًا للعام بل هو تأويل لما هو محتمل للتأويل بالقياس. الفرق بين التخصيص والتأويل: والفرق بينهما أن النسخ والتخصيص إنما يكون برفع الحكم الثابت، والتأويل لا يرفع الحكم الثابت، وإنما يمنعه من الثبوت، وهذا فرق قد خفى على كثير من أهل العلم وجعلوا التأويل تخصيصا فى كثير من المواضع، ويرشدك إلى ما قلنا قول السرخسى فى "شرح السير": إن مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال ربما يعلم من مقصود المتكلم اهـ. فإنه يدل على أن هذا التقيد من قبيل التأويل لا من قبيل التخصيص، وإلا لم يجز بدلالة الحال ربما يعلم من مقصود المتكلم فتدبر، ١٠٦ إعلاء السنن باب امتناع القضاء بعلم القاضى فى الحدود الخالصة ٤٩٢٣- عن القاسم بن محمد قال: ذكر ابن عباس المتلاعنين فقال عبد الله بن ولو سلم عموم قوله عَّه فلا حجة فيه أيضًا، لأنه لا يدل على نفى الملك، وإنما يدل على عدم جواز الأخذ لهذا الطريق المحرم، وأما الملك وعدمه فمسكوت عنه ويعلم حكمه بدلائل أخرى. ثم اعلم أنه قال فى التمهيد: إنه بما يحتج به على جواز القضاء بالعلم الحاصل قبل الولاية ما رويناه من طرق عن عروة وعن مجاهد جميعا بمعنى واحد أن رجلا من بنى مخزوم استعدى عمر ابن الخطاب على أبى سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا فى موضع كذا وكذا من مكة، فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان، فإذا قدمت مكة فائتنی بأبى سفيان، فلما قدم مكة أتاه المخزومى بأبى سفيان فقال له عمر: يا أبا سفيان! انهض بنا إلى موضع كذا، فنهض ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان! خذ هذا الحجر من ههنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة فقال: خذه - لا أم لك- وضعه ههنا فإنك ما علمت قديم الظلم، فأخذ الحجر أبو سفيان، فوضعه حيث قال عمر إلخ ثم قال: قال أبو عمرو: ففى هذا قضاء عمر بما علمه قبل ولا يته، وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد والشافعى اهـ (جوهر النقى ٢٤٣:٢). والجواب عنه من جانب أبى حنيفة أن هذا لم يكن من باب القضاء، بل من باب النهى عن المنكر ممن يقدر على تغييره باليد. قال فى الدر المختار عن الإمام: إن علم القاضى فى طلاق وعتاق وغصب يثبت الحيلولة على وجه الحسبة لا القضاء اهـ (٥٥١:٤). ويظهر منه أن النزاع فى المسألة لفظى والله أعلم. وهذا التفصيل إنما هو الأصل المذهب ولكن المتأخرين أفتوا بعدم الجواز مطلقا لفساد الزمان وتغير حال القضاة والعوام، فتنبه له. قال العبد الضعيف: وقال الحافظ فى "الفتح" نقلا عن الكرابيسى قال الشافعى: لو لا قضاة السوء لقلت: إن للحاكم أن يحكم بعلمه. انتهى. وإذا كان هذا فى الزمان الأول فما الظن بالمتأخر؟ فيتعين حسم مادة تجويز القضاء بالعلم فى هذه الأزمان المتأخرة لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك اهـ (١٤١:١٣). قلت: ولذا اختار المتأخرون منا الإفتاء بعدم الجواز مطلقًا لفساد الزمان وتغير الحال والعلم لله العزيز المتعال. باب امتناع القضاء بعلم القاضى فى الحدود الخالصة قوله: لو رجمت أحدًا إلخ. وقوله: لو لا ما مضى من كتاب الله إلخ أقول: هذان النصان ج - ١٥ امتناع القضاء بعلم القاضى فى الحدود الخالصة ١٠٧ شداد: هى التى قال رسول الله عّ لّهِ: ((لو كنت راجعًا امرأةً من غير بينة؟ قال: لا، تلك امرأة أعلنت)) رواه البخارى وفى رواية أخرى له: ((لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه)) قال: ((لا، تلك امرأة كانت تظهر فى الإسلام السوء)). صريحان فى الباب، لأنه يعلم منهما أنه مٍَّ كان على علم من زنا المرأتين ولكن لم يحدهما لعدم البينة أو الإقرار، فلا يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه فى الزنا وما هو مثله فى كونه حدًا خالصًا لله تعالى. قال العبد الضعيف: وقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا على حد زنا أو سرقة وأنا أمير؟ فقال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين. قال: صدقت. علقه البخارى ووصله الثورى فى "الجامع" وابن أبى شيبة فى "المصنف"، وقال أبو على الكرابيسى: أظن مالكا ذهب إلى ما رواه ابن شهاب عن زبيد بن الصلت أن أبا بكر الصديق قال لو وجدت رجلا على حد ما أقمته عليه حتى يكون معى غيرى، ثم ساقه بسند صحيح عن ابن شهاب، ذكره الحافظ فى "الفتح" (١٣٩:١٣ و١٤١). وفى كل ذلك برهان واضح على أن القاضى والإمام لا يقضى بعلمه فى الحدود، والمراد بها الحدود الخالصة لله تعالى بدليل قول عمر على حد زنا أو سرقة، لأن مبناها على الإسقاط بالشبهات، وفى القضاء بعلمه السعى فى إثباتها، ولأن القاضى نائب عن الله تعالى فى استيفاءها، فقضاءه فيها بعلمه يكون كالقضاء لنفسه، وقد أطال بعض الأحباب ههنا بما لا طائل تحته، فرأينا خذفه أولى، فإن موضوع الكتاب ليس إلا تائيد المذهب بالنقل لا بالتراس ونيل العقل، فإن الفقهاء قضوا منه الوطر، والله تعالى أعلم. ومن أفضل ما يحتج به فى أن القاضى لا يقضى بعلمه ما أخرجه النسائى وأبو داود واللفظ له من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله عَ ◌ّم بعث أبا جهم ابن حذيفة مصدقًا فلاحه رجل فى صدقة، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبى معَّم فقالوا: القود يا رسول الله! فقال رسول الله مَّه: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا. فرضوا، فقال النبى عرّ ضله: إنى خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم؟ قالوا: نعم. فخطب رسول الله عَّ. فقال: إن هؤلاء الليثيين أتونى يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ فقالوا: لا فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله عَ ليه أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم دعاهم فزادهم فقال: أرضيتم؟ فقالوا: نعم. فقال: إنى خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم. قالوا: نعم. فخطب رسول الله معرّ. فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم. قال ١٠٨ امتناع القضاء بعلم القاضى فى الحدود الخالصة إعلاء السنن ٤٩٢٤- وعن ابن عباس أن النبى معَّ ◌ُلّه قال فى امرأة هلال بن أمية: ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن))، رواه البخارى. صاحب التمهيد: إن هذا الحدیث بین، لأنه لم يؤاخذهم بعلمه فيهم ولا قضى بذلك علیهم وقد علم رضاهم، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٤٣:٢) قلنا: لا نزاع فى أن القاضى لا يقضى بعلمه على قوم يتهمونه ويكذبونه وإنما الكلام فيما إذا أمن ذلك، فافهم. قال العبد الضعيف: وقول أبى حنيفة: إنه لا يقضى بعلمه فيما علمه قبل أن يتقلد القضاء، أو علمه فى غير موضع ولايته مروى عن شريح، فقال: وسأله إنسان الشهادة: ائت الأمير، وأنا أشهد لك، علقه البخارى ووصله سفيان فى جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبى قال: أشهد رجل شريحًا، ثم جاء فخاصم إليه، فقال: انت الأمير أنا أشهد لك (فتح البارى ١٣٩:١٣)، وقد تقدم عن شريح أنه قضى على من اعترف عنده ثم أنكر باعترافه من غير بينه، فيحمل هذا على أنه كان قد تحمل الشهادة قبل أن يتقلد القضاء، ومن طريق الضحاك أن عمر اختصم إليه فى شىء يعرفه فقال للطالب: إن شئت شهدت ولم أقض، وإن شئت قضيت ولم أشهد، وصح عن الشعبى: لا أكون شاهدا وقاضيا، كذا فى "المحلى" (٤٢٧:٩). والمعنى فيه أنه حين عاين السبب فقد استفاد به علم الشهادة، وبأن استقضى بعد ذلك لا يزداد علمه بذلك، وعلم القضاء فوق علم الشهادة، فإن علم القضاء ملزم والشهادة بدون القضاء لا تكون ملزمة، بخلاف ما إذا رأى وهو قاض لأنه استفاد علم القضاء بمعاينة السبب، والدليل على الفرق أن ما يستفيد بمعاينة السبب وما يستفيده بشهادة الشهود عنده فى الحكم سواء، ثم شهادة الشهود عنده بعد ما استقضى تقيده علم القضاء، وقبل أن يستقضى لا تفيد له ذلك. (فعلمه قبل القضاء كسماعه شهادة الشاهدين قبله، فكما لا يجوز له أن يقضى بتلك الشهادة ما لم يشهد الشهود عنده بعد ما صار قاضيًا فكذا لا يجوز له أن يقضى بما علمه قبل القضاء، فافهم). وعلى هذا الخلاف لو عاين السبب بعد ما استقضى لكن فى غير مصره، لأنه حين عاين السبب لم يكن له أن يقضى به فى ذلك الموضع، فهو وما علم به قبل أن يستقضى سواء، كذا فى "المبسوط" (١٠٥:١٦)، ولو تأمل ابن حزم هذا المعنى لأمسك عن إقذاعه فى الكلام فى هذا المقام، والعلم لله الملك العلام. والأصل فى أن القاضى لا يقضى بعلمه فى الحدود الحديث الثابت عن رسول الله من اله أن عيسى عليه السلام رأى رجلا يسرق، قال له عيسى عليه السلام: سرقت؟ قال: كلا، والله الذى ج - ١٥ ١٠٩ باب امتناع القضاء على الغائب ٤٩٢٥- عن على، قال: بعثنى رسول الله عَّه إلى اليمن قاضيًا فقلت: يا رسول الله! ترسلنى وأنا حديث السن ولا علم لى بالقضاء؟ فقال: ((الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك. فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء))، فما زلت قاضيًا وما شككت فى قضاء بعد، رواه أبو داود وسكت عنه. لا إله إلا هو. فقال عيسى عليه السلام: آمنت بالله وكذبت عينى. وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله علينا من غير إنكار، فافهم. باب امتناع القضاء على الغائب قوله: عن على إلخ. أقول: وجه الاستدلال بحديث على الباب أنه لما نهى رسول الله عَ ليه عن القضاء من غير سماع كلام الآخر حضور الخصمين فعند غيبة أحدهما أولى أن لا يقضى عليه، ووجه الاستدلال بحديث ابن الزبير أنه لما قضى رسول الله عدّ له بإقعاد الخصمين بين يدى الحكم لزم منه حضورهما، ولزم منه امتناع القضاء على الغائب، وامتناع القضاء على الغائب أمر عقلى أيضًا، لأن فى القضاء على الغائب فسادًا عظيمًا، كما لا يخفى. واستدل البخارى على جوازه بقوله مّ لّ لهند زوجة أبى سفيان: ((خذى ما يكفيك وولدك)». ولا حجة له فيه، لأن قوله مّ لم يكن من باب القضاء بل من باب الفتوى، وإلا لزم أن يجوز القضاء من غير بينة ويمين، ومن غير استماع كلام الآخر أصلا، وهو غير جائز. قال العبد الضعيف: وقال ابن المنير: كان ينبغى للشارح أن يتعقب ذلك بأن لا دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا، وكلام المفتى يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتى، فكأنه قال: إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك استيفاءه مع الإمكان اه من "فتح البارى" (١٢٣:١٣). وقال ابن التر كمانى فى "الجوهر النقى": ذكر جماعة من المحققين أن ذلك كان فتوى لا قضاء، وقال النووى فى "شرح مسلم": استدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب، ولا يصح الاستدلال به، لأن هذه القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد، أو مستترا لا يقدر عليه أو متعززًاً، ولم يكن هذا الشرط فى أبى سفيان موجودًا، فلا يكون قضاءً على الغائب، بل هو إفتاء انتهى ١١٠ امتناع القضاء على الغائب إعلاء السنن ٤٩٢٦- وعن عبد الله بن زبير قال: قضى رسول الله عّ لّه أن الخصمان يقعدان بین یدی الحکم، رواه أبو داود، وسکت عنه. كلامه. وأيضًا فإنه عّ لّه لم يستحلفها أنها لم تأخذ النفقة، ولم يقدر النفقة بل قال لها: خذى من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف. فجعل التقدير إليها فيما تأخذه، ومعلوم أن ما كان من فرض النفقة على وجه القضاء لا یکون تقدیره إلى مستحقه اهـ (٧١:٢). وبهذا اندحض كل ما ذكره الحافظ فى "الفتح" فى حمله على القضاء من قوله: ولأنه لو كانت فتيا لقال مثلا: تأخذ. فلما أتى بصيغة الأمر بقوله: فخذى، دل على الحكم اهـ فإن دلالته على الحكم أضعف من دلالة قوله: خذى من ماله ما يكفيك، وولدك بالمعروف على الفتيا، فإن القضاء لا يكون إلا بالتقدير لا بتفويضه إلى المستحق فافهم. ومن أين للحافظ أن يستدل بلفظ الأمر فى قوله: فخذى وقد ورد فى رواية شعيب عن الزهرى فى المظالم عند البخارى: لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف مكان قوله: فخذى. ومع ذلك فقد اعترف الحافظ نفسه بأن قول النووى: إن أبا سفيان كان حاضرًا بمكة حق، وقد سبقه إلى الجزم بذلك السهيلى، بل أورد أخص من ذلك ، وهو أن أبا سفيان كان جالسًا معها فى المجلس. لكن لم یسق إسناده، وقد ظفرت به فى طبقات ابن سعد أخرجه بسند رجاله رجال الصحيح إلا أنه مرسل عن الشعبى أن هذا لما بايعت، وجاء قوله: ولا يسرقن. قالت: قد كنت أصبت من مال أبى سفيان، فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالى فهو حلال لك. وأخرج ابن منده فى "المعرفة" من طريق عبد الله بن محمد بن زازان عن هشام بن عروة عن أبيه عن هند فذكر الحديث. وفيه: فلما فرغت قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل بخيل الحديث. قال: ما تقول يا أبا سفيان! قال: أما يابسًا فلا، وأما رطبًا فأحله. قال أبو نعيم: تفرد به بهذا السياق عبد الله وهو ضعيف. (قلت: نعم ولكن قد تأيد بمرسل الشعبى المذكور آنفا وبما يأتى) فقد أخرجه الحاكم فى تفسير الممتحنة من المستدرك عن فاطمة بنت عتبة أن أبا حذيفة ابن عتبة ذهب بها وبأختها هند يبايعان فلما اشترط: ولا يسرقن قالت هند: لا أبا يعك على السرقة إنى أسرق من مال زوجى، فكف حتى أرسل إلى أبى سفيان يتحلل لها منه، فقال: أما الرطب فنعم، أما اليابس فلا، كذا فى "فتح البارى" (٤٤٥:٩ و٤٤٧). والحديث أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٤٨٦:٢) مطولا وفيه: فقالت هند: لا أبايعك على السرقة إنى أسرق من مال زوجى، فكف النبى معَّ ◌ُّ يده وكفت يدها حتى أرسل إلى أبى ١١١ ج - ١٥ باب نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ٤٩٢٧- قال محمد فى "الأصل": بلغنا عن على كرم الله وجهه أن رجلا أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها فأنكرت، فقضى له بالبينة فقالت: إنه لم يتزوجنى. فأما إذا قضيت على فجدد نكاحى. فقال: لا أجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك. وقال: وبهذا نأخذ، (شامى ٥١٦:٤، نقلا عن رسالة القاسم المؤلفة فى هذه المسألة). سفيان فتحلل لها منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم، أما اليابس فلا. ولا نعمته. الحديث. قال: حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي على تصحيحه. وبعد ذلك فلا حجة فيه على جواز القضاء على الغائب بوجه ما. والعجب من الحافظ كيف نسى كل ما ذكره فى كتاب النفقات حين وصل إلى باب القضاء والأمر كله بيد الله سبحانه. وقال الموفق فى "المغنى": وقد ناقض أبو حنيفة أصله فقال: إذا جاءت امرأة فادعت أن لها زوجًا غائبًا وله مال فى يد رجل حاضر وتحتاج إلى النفقة فاعترف لها بذلك فإن الحاكم يقضى عليه بالنفقة، وكذلك لو ادعى على حاضر أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة وأقام بينة بذلك حكم بالبيع والأخذ بالشفعة إلخ (١١: ٤٥٦). قلت: لم ينا قض ولكن الموفق لم يتأمل كلامه ولم يمعن النظر فيه فقد قال فى "الهداية" ولا يقضى القاضى على الغائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه، ومن يقوم مقامه قد یکون نائبا عنه پإنابته كالوكيل أو بإنابة الشرع كالوصى من جهة القاضى، وقد يكون حكمًا بأن كان ما يدعى على الغائب سببًا لما يدعيه الحاضر اهـ. وتفصيله فى "الفتح" و"العناية" و"الكفاية" (٤٠٢:٦)، فليس القضاء فى الصور المذكورة إلا على الحاضر قصدًا، وإن استلزم القضاء على الغائب ضمنًا، وقد يتحمل فى التبع ما لا يتحمل فى الأصل، فافهم. باب نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ قوله: قال محمد ألخ. أقول: احتج برواية محمد القاسم فى "رسالته"، وقال: لو لم ينعقد النكاح بينهما بالقضاء لما امتنع على من تجديد العقد عند طلبها ورغبة الزوج فيها، وقد كان فى ذلك تحصينها من الزنا وصيانة مائه، واحتج الجصاص برواية أبى يوسف، ولم يذكر وجه الاستدلال بها. قال العبد الضعيف: موضع الاستدلال منه قوله: قد زوجك الشاهدان. لدلالته على انعقاد ١١٢ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ إعلاء السنن ٤٩٢٨- وقال الجصاص: ذكر أبو يوسف عن عمرو بن أبى المقدام عن أبيه أن رجلا من الحى خطب امرأة وهو دونها فى الحسب، فأبت أن تزوجه، فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين عند على، فقالت: إنى لم أتزوجه، فقال: قد زوجك الشاهدان، فأمضى عليها النكاح اهـ (أحكام القرآن ٢٥٣:١). النكاح بينهما بقضاء القاضى بالشهادة، وأما أنه لم يقل: قد زوجتك بقضائى بل قال: الشاهدان زوجاك. ومعناه أنهما أثبتا نكاحك بشهادتهما فباطل بالمرة، لأن الشهادة لا تعمل ما لم يتصل القضاء بها، فقوله: الشاهدان زوجاك، وقوله: قد زوجتك بقضائى كلاهما سواء. والمعنى أنهما ألزمانى القضاء بالنكاح بينكما، فثبت النكاح بقضائی، وقوله: قد زوجك الشاهدان قد ورد فى جواب قولها: إنى لم أتزوجه، فلا يصح حمله على معنى أنهما أثبتا نكاحك بشهادتهما لكون المرأة مدعية كذب الشاهدين قادحة فى عدالتهما، وشهادة الزور لا تصلح للإثبات، فلا يستقيم الجواب بأنهما قد أثبتا نكاحك ما لم يجب عن قدحها، فلا بد من حمله على معنى الإنشاء. وحاصله: أن القضاء بالشهادة قد أنشأ النجاح بينكما عادلة كانت الشهادة أو غير عادلة، ولو لا ذلك لأرشدها على كرم الله وجهه إلى تجديد النكاح بمحضر من شاهدين بعد انصرا فها من مجلس القضاء تحصينًا لها من الزنا وصيانة لماءه، فافهم. فإن بعض الأحباب قد تخبط ههنا خبط عشواء. وقول على فى هذا الباب كالمرفوع إلى رسول الله عَّ ◌ُله، إذ لا طريق إلى معرفة ذلك حقيقة بالرأى، كما فى "المبسوط" (٨٢:١٢). فبطل قول بعض الأحباب أنه لا نص عند أحد فى هذه المسألة لا عند الحقيقة ولا عند غيرهم، بل هى من المسائل الاجتهادية التى وقع فيها الخلاف بالاجتهاد، فإن مثل هذه المسألة إن كان يدرك بالرأى لم يبق لما لا يدرك به مثال، کیف ولم يزل الحنفية يحتجون له بالآثار، وأقوال الرسول وأصحابه صلى الله تعالى عليه وسلم ورضى عنهم، ومن قصر نظره عن مآخذ الإمام، أو فهمه عن مداركه، فلا يلومن إلا نفسه والسلام. وأما قول الحافظ فى "الفتح": واحتج (أبو حنيفة) بأثر عن على فى نحو هذا، قال فيه: شاهداك زوجاك، وخالفه صاحباه، وأجيب أن الأثر عن على لا يثبت وبأنه موقوف، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة بغير مرجح اهـ (٣٠٢:١٢)، ففيه أن أبا حنيفة قد أدرك زمن الصحابة ورأى أصحاب على وابن مسعود، فلا يكون قول متأخر مثلك حجة عليه، بل احتجاجه بهذا الأثر حجة على كل متأخر، وقول محمد فى "الأصل": بلغنا عن على، ثم قوله: ويهذا بأخذ ج - ١٥ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ٠ ١١٣٠ ٤٩٢٩- قال أبو يوسف: وكتب إلى شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته بزور، ففرق القاضى بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين. قال الشعبى: ذلك جائز (أحكام القرآن ٣٥٣:١). دليل على ثبوت الرواية عنده بوجه يحتج به، والعجب ممن يجعل ذكر ابن حزم شيئاً جازما به حجة كيف لا يجعل احتجاج مجتهد مثل أبى حنيفة ومحمد بشىء حجة؟ فإن قيل: عمرو بن أبى المقدام شيخ أبى يوسف فى الطريق الثانية رمى بالرفض، تركه الأئمة لسوء مذهبه قلنا: ومع ذلك قال أبو داود: ليس حديثه أحاديث الشيعة، وإن أحاديثه مستقيمة، وليس فى حديثه نكارة، وزاد فى رواية ابن الأعرابى: ولکنه کان صدوقا فى الحديث. وقال(١) یحیى: كان لا يكذب فى حديثه، وزاد أبو حاتم، كما فى "تهذيب التهذيب" (٩:٨): فهو نظير جابر الجعفى، وقد مر غير مرة أن مثله حسن الحديث عندنا وعند المحدثين، وأما قول الحافظ: وخالفه صاحباه، فمبنى على ما ذكر بعض الحنفية فى المسألة من خلاف محمد، ولكن ظاهر مبسوط أبى سليمان يفيد أن قول محمد كقول الإمام حيث قال فى "كتاب الحيل": بعد ما ذكر هذا الأثر " وبهذا نأخذ". مربها : - بلا ذكر خلاف، وفى أول "المبسوط" ما نصه: أبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن قال: قد بينت لكم قول أبى حنيفة وقول أبى يوسف وقولى ما لم يكن فيه اختلاف، فهو قولنا(٢) جميعا، وفى "رد المحتار": وقوله: بهذا نأخذ دليل لما حكاه الطحاوى من أن قول محمد كقول أبى حنيفة اهـ، كذا فى بعض الناس (ص ١٣). وأما قوله: وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة بغير مرجح قلنا: نعم ولكن أين الاختلاف؟ بل وافق عليا على ذلك عمر وابنه كما سيأتى، ولم نعلم لهم مخالفًا من الصحابة، ومن ادعى فعليه البيان. بشارة لجمع لم المصدر قوله: قال أبو يوسف، وكتب إلى شعبة إلخ. قلت: شعبة لا يروى إلا عن ثقة وهو يروى عن زيد بن جبير بن حرمل ثقة من رجال الجماعة، وعن زيد بن الحوارى العمى البصرى وهو من رجال الأربعة مختلف فيه حسن الحديث، وعن زيد بن محمد العمرى العدوى ثقة من رجال (١) قول يجبى هذا ذكره الذهبى فى "الميزان" (٢٨٢:٢). (٢) لا يقال: قول محمد فى "الأصل": وبهذا نأخذ من غير ذكر الخلاف يدل على أنه قول أبى يوسف أيضًا لأنا نقول: كان أبو يوسف يقول به أولا: ثم رجع عنه، صرح به فى "المبسوط" (١٨٠٠٦٠١). وأما ما فيه من خلاف محمد فلا يعول عليه فقد وقع التصريح فى مبسوط أبنى سليمان بأن قول محمد فيه هو قول الإمام، وبه صرح الطحاوى، وهو أعلم الناس بالمذهب. ١١٤ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ إعلاء السنن ٤٩٣٠- مالك عن يحيى بن سعيد عن سالم عن أبيه أن ابن عمر باع عبدًا بثمان مائة درهم بشرط البراءة، فأصاب المشترى به عيبًا، فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله وترافعا إلى عثمان. فقال لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا، فرده عليه فباعه ابن عمر بألف وخمس مائة درهم. رواه مالك فى "الموطأ"، وصححه البيهقى (التلخيص الحبير ٢٤١:٢). مسلم والنسائى، وأيا ما كان فالأثر حسن صحيح صالح للاحتجاج به، ودلالته على نفاذ قضاء القاضى ظاهرا وباطنا فى العقود، والفسوخ ظاهرة، وفيه دلالة أيضًا على أن الإمام لم ينفرد بما قال، بل له سلف فى ذلك من الشعبى، وهو تابعى كبير قد أدرك جماعة من الصحابة كبيرة، ومثله لا يقال بالرأى، فهو مرسل مرفوع حكما، كما مر فى "المقدمة" نقلا عن "التدريب"، وفيه تأييد للأثر المروى عن على كرم الله وجهه، فإن الضعيف إذا تأيد بفتوى عالم من الصحابة، أو التابعين صار حجة كالمرسل عند الشافعى، فافهم. قوله: مالك عن يحيى بن سعيد إلخ. قال العبد الضعيف: قد تقدم فى أبواب البيوع أن ابن عمر كان يرى جواز البيع بالبراءة من كل عيب، ولم يكن يرى للمشترى القيام بعيب أصلا علمه البائع أو لم يعلمه، ولذلك لم يسترد العبد حین أراد المشترى رده علیه لكونه لا یری له حق الرد أصلا، فلما قضى عليه عثمان بالنكول وارتجع العبد استجاز ابن عمر بيع العبد مع علمه بأن باطن ذلك الحكم خلاف ظاهره، وأن عثمان لو علم منه مثل ما علم ابن عمر لما رده، فثبت بذلك أنه کان من مذهبه أن فسخ الحاكم العقد یوجب عوده إلی ملكه، وإن كان فى الباطن خلافه، وإلا لم يستجز بيعه، ولو استجازه لم يستجز الربح لنفسه، بل رده على المشترى، فافهم. قال الجصاص: ومما يدل على نفاذ حكم الحاكم بما وصفنا من العقود وفسخها اتفاق الجميع على أن ما اختلف فيه الفقهاء إذا حكم الحاكم بأحد وجوه الاختلاف نفذ حكمه، وقطع ما أمضاه تسويغ الاجتهاد فى رده، ووسع المحكوم له أخذه ولم يسع المحكوم عليه منعه وإن كان اعتقادهما خلافه كنحو الشفعة بالجوار والنكاح بغير ولى (والتفريق بالزنا، ودواعيه الموجبة لمحرمة الصاهرة، أو التفريق بإعسار الزوج أو تعنته أو فقده أو إيقاع الطلقات الثلاث بقوله: حرام أو البتة مثلا)، ونحوها من اختلاف الفقهاء اهـ (٢٥٤:١) أى وما ذلك إلا لصيانة القضاء عن البطلان فيما للقاضى ولاية إنشاءه ابتداء، فكذا فيما نحن فيه، وبهذا اندحض استبعادهم قول الإمام بأنه كيف أباح المرأة للمدعى وهو علم بكذبه وكذب شهوده؟ قلنا: كما تبيحون المرأة التى نكحت بلا ولى ج - ١٥ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ١١٥ ٤٩٣١- عن عمر رضى الله عنه أنه قضى للمفقود فى امرأته بالخيار بين أن ينزعها من الثانى وبين أن يتركها ويأخذ الصداق. رواه عبد الرزاق من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى ومن طريق مجاهد عن الفقيد الذى أفقد، وابن أبى شيبة من طريق يحيى بن جعدة عن عمر، والبيهقى من طريق سعيد عن قتادة عن أبى نضرة عن ابن أبى ليلى مطولا (التلخيص الحبير ٣٢٩:٢). ٤٩٣٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى معَّ له قال فى امرأة هلال ابن أمية وقد جاءت بالولد على الصفة المكروهة: لولا ما مضى من الأيمان لكان لى ولها شأن. رواه البخارى وغيره وقد تقدم فى الباب الذى قبل هذا الباب، وفى اللعان أيضًا. لأحد منکم إذا قضی القاضى بجوازه مع أنکم لا ترون صحة النكاح بلا ولی أصلا، و کما تجوزون للمرأة التى فرقها القاضى من زوجها لأسباب توجب حرمة المصاهرة عنده أن تنكح زوجا غيره، ولو كان واحد منكم مع أنكم لا نرر .. حرام يحرم الحلال ولا يحل الحرام، ولعمرى أن هذه حجة لأبى حنيفة قوية لو تأملها الخصوم لأذعنو لإمامته، ونكسوا رؤوسهم لجلالته. صدقت و کنت ذا رأی مصیب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا قوله: عن عمر إلخ. قال العبد الضعيف: قد تقدم فى كتاب المفقود ذكر اختلاف عمر وعلى فى امرأة المفقود إذا قدم وقد تزوجت امرأته فقال على: هى امرأة الأول، وقال عمر: يخير بينها، وبينَ الصداق فإن اختارها أخذها، وإن لم يخترها، واختار الصداق فإنهما تكون مع الثانى. ولم يذكروا لها عقدا جديدا، بل قد صرح عطاء وهو ممن قلد عمر فى هذا الباب بأن الأول إن اختار صداقها غرمته هى من مالها ولم تعتد من الآخر وقرت عنده، كما هى، وهذا هو المتبادر من الآثار المروية عن عمر رضى الله عنه، وليس ذلك إلا لكون قضاء القاضى بالفرقة نافذا ظاهرا وباطنا عنده. لأنها بانت منه بفرقة الحاكم، فأشبه ما لو فسخ نكاحها لعسرته عند القائل به، ولو لا ذالك لوجب -أن يستأنف الثانى لها عقدا بعد طلاق الأول وانقضاء عدته، لأنا تبينا بطلان(١) عقده بمجىء الأول حيا، وباليقين ندرى أن زوجة الإنسان لا تصير زوجة لغيره بمجرد تركه لها ما لم يتزوجا بعد العدة فافهم، فإن مدارك الإمام أبى حنيفة دقيقة حدا، ينال الإيمان من الثريا إذ لم ينله غيره من الثرى. قوله: عن ابن عباس وعن ابن عمر ألخ. قال الجصاص: ومما يدل على صحة قول أبى حنيفة فى الباب حديث ابن عباس فى قصة هلال بن أمية فذكره، وقال: فلم يبطل الفرقة الواقعة بينهما (١): قد اعترف الموفق فى المغنى يكون المسألة مبنيا على نفاذ قضاء القاضى ظاهراً وباطنًا، وهو رواية عن أحمد. ١١٦ .. نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ إعلاء السنن المع :: ٤٩٣٣ وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: فرق النبى عّ لّه بين أخوى بنى العجلان وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا فقال: الله يعلم أن بلعانهما مع علمه بكذب المرأة وصدق الزوج، فصار ذلك أصلا فى أن العقود وفسخها متى حكم بها الحاكم مما لو ابتدأ أيضا بحكم الحاكم وقع اهـ (٢٥٣:١). وقال السرخسى فى "المبسوط" (١٨٢:١٦): وكذلك يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين المتلاعنين لقطع المنازعة مع يقينه بكذب أحدهما كما قال عليه السلام: الله يعلم أن أحدكما كاذب. فكذلك يثبت له ولاية الإنشاء مع كذب الشهود ليتوجه الأمر بالقضاء عليه شرعا. (وأجاب عنه الحافظ فى "الفتح" بأن الفرقة فى اللعان ثبتت بالنص اهـ قلنا فكان ما ذا؟ فإن القضاء بالشهادة ثبت بالنص أيضا فإن القاضى مأمور بالقضاء إذا شهد عنده شهود عدول. قال: والذى حكم بالملاعنة لا يعلم أن الملاعن حلف كاذبا اهـ (٣٠٢:١٢). قلنا: ولكنه يعلم باليقين أن أخذهما كاذب، ومع ذلك ينغذ قضاءه بالفرقة ظاهرا وباطنا إجماعا، وفى محل النزاع لا يعلم القاضى بكذب واحد من الشهود بل كلهم عدول عنده، فنفاذ قضاءه ظاهرا وباطنا أولى، ولا بد لمن يقول: إنه فى الحكم بالبينة واليمين حاكم باليقين، لأن الله تعالى أمرنا بذلك نصا وما علينا من مغيب الأمر شىء من القول بنفاذ قضاء القاضى ظاهرا وباطنا، لأن الحكم باليقين لا يكون باطلا بل حقا، فلا بد من ثبوت مقتضاه باطنا، كما هو ثابت ظهرا، ولكن ابن حزم ومن وافقه ينسون ما قدمت أيديهم، فيقولون فى باب عدم جواز الحكم بالقياس والرأى، إنهم فى الحكم بالبينة واليمين حاكمون باليقين دون الظن، وفى باب حكم القاضى بالعقود وفسخها أنه منفذ على الممتنع فقط لا مزية له سوى هذا، وليس ذلك من شأن الحكم باليقين، كما لا يخفى، فمن أين له أن يشنع على أبى حنيفة بأنه أتى بطوام ما نعلم مسلما أتى بها، ولم يدر أن قوله بأن الحكم بالبينة واليمين حكم باليقين دون الظن مؤيد لأبى حنيفة، ولكن أهل الظاهر لا يفقهون. قال فى "المبسوط": وأمر القبلة على هذا، فإنه لما توجه عليه الأمر بالصلاة إلى جهة القبلة وأتى بما فى وسعه ثبت له ولاية نصب القبلة حتى أن الجهة التى أدى إليها اجتهاده تنتصب قبلة فى حقه فيجوز صلاته إليها وإن تبين له الخطأ بعد ذلك، وبهذا تبين فساد ما قالوا: إن المدعى عالم بما لو علمه القاضى امتنع من القضاء، ففى اللعان الكاذب منهما عالم بما لو علمه القاضى امتنع من التفريق، ومع ذلك ينفذ القضاء فى حقه لتوجه الأمر على القاضى، وتوجه الأمر بالانعقاد واتباع أمر القاضى فى حقه الناس اهـ. وأيضا فما ذا يقول ابن حزم وغيره فى هذه المرأة التى أشهد عليها ج - ١٥ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ١١٧ أحدكم كاذب فهل منكما تائب؟ فأبيا ففرق بينهما، رواه البخارى (٨٠٠:٢). بنكاح وحكم به الحاكم هل لها أن تتزوج غيره؟ فإن قال: تحل لزوج ثان ويصح النكاح. قلنا: هذا يفضى إلى الجمع بين الوطئ للمرأة من اثنين، أحدهما يطؤها بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن، وهذا فساد يجب صون الشرع والقضاء عنه فلا يشرع، ولأنّها منكوحة لهذا الذى قامت له البينة عند القاضى وعند الناس فكيف يجوز تزويجها لغيره، كالمتزوجة بغير ولى إذا قضى القاضى بصحة نكاحها ومن هنا قال أحمد فى رواية أبى الخطاب عنه مثل مذهب أبى حنيفة أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود كما فى المغنى (٤٠٩:١١)، وإن قال: لا تحل لغيره ولا يصح النكاح فهذا عين ما قلنا وبالجملة فقول أبى حنيفة فى التحقيق مشتمل على حكمة بالغة وهو أن لا يجتمع رجلان على امرأة واحدة أحدهما بنكاح ظاهر له والآخر بنكاح باطن، ففى ذلك من القبح ما لا يخفى، والدين مصون عن مثل هذا القبح، ولا يكون القاضى بقضاءه ممكنا من الزنا ففيه من الفساد ما لا يخفى. وقال ابن التين: قال أبو حنيفة: إذا شهدا بزور على الطلاق فحكم القاضى بها تصير المرأة مطلقة بحكم الحاكم ويجوز لها أن تتزوج حتى بأحد الشاهدين، وقال فيما لو أقام شاهدى زور على محرم أنها زوجته: إن الحكم لا ينفد فى الباطن، ولا يحل له وطؤها وهو يعلم، وكذا لو شهدا له بمال، قال: وفرق بين الموضعين، فإن كل شىء جاز أن يكون للحاكم فيه ولاية ابتداء أنه ينفذ حكمه فيه ظاهرا وباطنا، وما لا فلا ينفد فيه إلا فى الظاهر دون الباطن، فلما أن كان للحاكم ولاية فى عقد النكاح وولاية فى أنه يطلق على غيره نفذ حكمه ظاهر أو باطنا، ولما لم يكن له ولاية فى تزويج ذواتَ المحارم ولا فى نقل الأموال نفذ ظاهرا لا باطنا. قال: والحجة للجمهور قوله عد له: ((فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه))، وهذا عام فى الأموال والأبضاع، فلو كان حكم الحاكم يحيل الأمور عما هى عليه لكان حكم النبى مر بي أولى اهـ من "فتح البارى" (٣٠٢:١٢). قلنا: قوله عّم فى هذا الحديث: ((فإنما أقطع له قطعة من النار)) ظاهر فى إرادته القضاء بالأملاك المرسلة، فإن القطع للقطعة أنما يكون فى الأموال لا فى العقود والفسوخ بمجردها، فعمومه للأموال والعقود والفسوخ ممنوع. وأيضا فإن الحديث قد ورد فى أخوين اختصما إليه فى مواريث درست بينهما، ولم يكن لهما بينة إلا دعواهما، كذا ذكره أبو داود عن أم سلمة، والميراث ومطلق الملك سواء فى الدعوى وبه نقول، مع أنه ليس فيه ذكر السبب والكلام فى القضاء بسبب على أنا نقول بموجبه لكن لم قلتم: إن القضاء بسبب قضاء له من مال آخر بغير حق، بل هو قضاء له من مال نفسه وبحق، لأن القضاء بسبب الملك صحيح عندنا، فقد قلنا بموجب الحديث، والحمد لله وحده، كذا فى البدائع (١٦:٧). ج - ١٥ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ١١٨ قال الشيخ : ويمكن أن يقال: إن نفى الحل لا يستلزم نفى الملك ونفى الحل لا بمعنى حرمة الانتفاع، بل بمعنى كونه سببا للمعصية وعقوبة النار بالكذب والخداع والإضرار اهـ. وفى "المبسوط": وأبو حنيفة رحمه الله يقول: المراد الأملاك المرسلة (قال الحافظ فى "الفتح": وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال، فإن الخصومة كانت فى مواريث وأشياء قد درست ١٥١:١٣ و١٥٣)، والمراد بيان الوعيد لمن يدعى الباطل، ويقيم عليه شهود الزور، فالوعيد يلحقه بذلك عندنا وإن كان الملك يثبت له بقضاء القاضى بسببه اهـ (٨٥:١٦). فإن قيل: هذا يستدعى جرأة الناس على إبطال الأنكحة وإثباتها بشهادة الزور بأدنى حيلة؟ قلنا: وكذلك التفريق باللعان إذا هو رجل زوجة أخيه أو صديقه زين لها أن يدعى على زوجها أنه قذفها بالزنا وأنها تطلب اللعان، وإذا تلاعنا - والله يعلم أنها كاذبة- فرق الحاكم بينهما وحل لها التزوج بغيره وهى تعلم بكذبها، فإن قيل: فرق بين القضاء بين المتلاعنين وبين القضاء بشهادة الزور، لأن الأول قضاء بحق والثانى قضاء بغير حق؟ قلنا: لا نسلم كون الثانى قضاء بغير حق، وإنما يكون كذلك لو علم القاضى بكذب الشهو، وأما إذا قضى وهو لا يراهم إلا عدولا فقضاءه حق، وإن كان الشهود كاذبين فى نفس الأمر فما عليه من مغيب الأمر شىء. قال الطحاوى: وقد حكم رسول الله مرّ له فى المتبايعين إذا اختلفا فى الثمن، والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع، ويحل له فرجها، ويحرم على المشترى، (وهذا بالإجماع)، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذا لقضى بما يقول الصادق، ولم يقض بفسخ بيع، ولا بحرمة فرج الجارية المبيعة على المشترى، فلما كان ذلك على ما وصفنا كان كذلك كل قضاء بتحريم، أو تحليل، أو عقد نكاح، أو حله على ما حكم القاضى فيه فى الظاهر لا على حكمه فى الباطن، وهذا قول أبى حنيفة ومحمد(١) رحمهما الله اهـ (٢٨٨:٢). وأجاب الحافظ عنه فى "الفتح" بأن مسألة البيعين فإنما كان الحكم فيها كذلك للتعارض (٣٠٢:١٢) قلنا: فكان ماذا؟ فإن البيعين إذا تعارضا يكون أحدهما كاذبا حتما، ومقتضى كذبه أن لا يحل له ما رجع إليه بالقضاء وأنتم قائلون بحله له، وهذا هو القول بنفاذ قضاء القاضى ظاهرا وباطنا، وحديث اختلاف المتبايعين أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن مسعود، وله (١) قلت: والطحاوى أعلم الناس باختلاف العلماء لا سيما باختلاف أصحاب أبى حنيفة فالقول ما قاله: إن محمدا قوله كقول الإمام فى هذا الباب، والله أعلم بالصواب. : ١١٩ نفاذ قضاء القاضى ظاهراً وباطنًا فى العقود والفسوخ إعلاء السنن طرق عديدة عندهم، ورواه الحاكم فى المستدرك من طريقين وصحيحهما، وقال فى "التنقيح": والذی یظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به لکن فی لفظه اختلاف: ويدل على ذلك أن مالكا أخرجه فى "الموطأ" بلاغا اهـ من "الزيلعي" (٢٢٢:٢). وفى "مبسوط السرخسى": بعد الاحتجاج لأبى حنيفة بأثر على رضى الله عنه ما نصه: ويتبين بهذا أن ما استدلوا به من الآية: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾ (الدالة على النهى عن أكل مال الغير بالباطل محتجا بحكم الحاكم) والحديث (كلاهما) فى الأملاك المرسلة وبه نقول؛ والمعنى فيه أنه قضى بأمر الله تعالى فيما له فيه ولاية الإنشاء وقضاءه بأمر الله تعالى يكون نافذا حقيقة لاستحالة القول بأن يأمر الله تعالى بالقضاء ثم لا ينفذ ذلك القضاء منه، وبيان الوصف أنه لما تفحص عن أحوال الشهود وزكوا عنده سرا وعلانية وجب عليه القضاء بشهادتهم، حتى لو امتنع من ذلك يأثم ويجرح ويعزل ويعزر؛ فعرفنا أنه صار مأمورا بالقضاء، وهذا لأنه لا طريق إلى إلى معرفة حقيقة الصدق والكذب من الشهادة، لأن الله تعالى لم يجعل لنا طريقا إلى معرفة حقيقة الصدق من خبر من هو غير معصوم عن الكذب، ولا يتوجه عليه شرعا الوقوف على ما لا طريق له إلى معرفته لأن التكليف بحسب الوسع والذى فى وسعه التعريف عن أحوال الشهود، فإن استقصى ذلك غاية الاستقصاء فقد أتى بما فى وسعه وصار مأمورا بالقضاء، لأن ما وراء هذا ساقط عنه. ثم إنما يتوجه عليه الأمر بحسب الإمكان، والمأمور به أن يجعلها بقضاءه زوجته (مثلا) ولذلك طريقان: إظهار نكاح إن كان، وإنشاء عقد بينهما، فإذا لم يسبق منهما عقد تعذر إظهاره بالقضاء، فيتعين الإنشاء إذ ليس هنا طريق آخر، فيثبت له ولاية الإنشاء بهذا النوع من الدليل الشرعى، ويجعل إنشاءه كإنشاء الخصمين، فيثبت به الحل بينهما حقيقة بل قضاءه أولى وأقوى من إنشاء الخصمين عن اتفاق. ألا ترى أن فى المجتهدات صفة اللزوم يثبت بإنشاء القاضى، ولا يثبت بإنشاء(١) الخصمين فعرفنا أن قضاءه أقوى من إنشاء الخصمين، وشرط صحة الإنشاء الشهادة والمحل القابل له، ولا شك (١) كما لو تزوج شافعى شافعية بغير إذن وليها لم يصح النكاح، ولو قضى به قاضٍ يرى ذلك صح النكاح بالإجماع، وبذلك اندحض إيراد الخصم علينا بأن قضاء القاضى لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالا، فإنه قائل بذلك فى ما إذا قضى فى المجتهدات بما لا يراه الخصمان، ولا يعتقدانه، فافهم. ١٢٠ نفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ ج - ١٥ أن المحل شرط، حتى إذا كانت المرأة منكوحة الغير، أو محرمة عليه بسبب لا ينفذ قضاءه لانعدام المحل وكذلك الشهادة شرط إلا أن مجلس القضاء لا يخلو عن شاهدين فلهذا لم يذكر الشهادة، فأما الولى ليس بشرط عندنا ولا حاجة إلى ذكر المهرج وإذا كان يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين العنين وامرأته ليعفها به عن الزنا ويثبت له ولاية تزويج الصغيرة لمعنى النظر لهما فلأن يثبت له ولاية إنشاء العقد ههنا ليعفها به عن الزنا أولى، وكذلك يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين المتلاعنين لقطع المنازعة مع يقينه بكذب أحدهما كمال قال عَ له: الله يعلم أن أحد كما كاذب. فكذلك يثبت ولاية الإنشاء مع كذب الشهود (فى نفس الأمر) لتوجه الأمر بالقضاء عليه شرعا (لكون الشهود عدو لا عنده) لقا مالها. وهذا بخلاف ما إذا ظهر أن الشهود عبيد أو كفار أو محدودون فى قذف فإن هذه أسباب يمكن الوقوف عليها عند الاستقصاء فلا يتوجه الأمر بالقضاء بدونها حقيقة، فأما حقيقة الصدق فلا طريق إلى الوقوف عليه، والأمر بالقضاء يتوجه بدونه وهو بمنزلة ما لو قضى باجتهاده ثم ظهر نص بخلافه أو توضأ بماء أو صلى فى ثوب ثم تبين أنه كان نجسا فإنه يلزمه الإعادة، فأما الأملاك المرسلة فليس للقاضى هناك ولاية الإنشاء لأن تمليك المال من الغير بغير سبب ليس فيه ولاية القاضى ولا لصاحب المال أيضا، وفى أسباب تمليك المال كثرة، فلا يمكن تعيين شئ منها، فعرفنا أنه ليس له فى ذلك الموضع إلا ولاية إظهار الملك (لا إنشاءه)، فإذا لم يكن هناك ملك سابق فلا تصور لإظهاره بالقضاء والتكليف بحسب الوسع، ويوضحه أن هناك لا يقول القاضى للمدعى: ملكتك هذا المال وإنما يقصر يد المدعى عليه عن المال ويأمره بالتسليم إليه ليأخذه على أنه ملکه كما يدعيه، وقضاءه بهذا نافذ، فأما هنا يقول: قضيت بالنكاح بينكما وجعلتها زوجة لك. فينبغى أن يثبت النكاح بينهما بقضائه إلى أن قال: فعرفنا أن الوجه بطريق الفقه ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله واتبع فيه عليا رضى الله عنه وأن قضاء القاضى ينفذ، وأنها تحل بالنكاح للثانى اهـ ملخصا (١٨٢:١٦ و١٨٤). وقال العلامة العينى فى "العمدة" (٢٧١:١٠): أبو حنيفة إمام مجتهد أدرك صحابة، ومن التابعين خلقا كثيرا، وقد تكلم فى هذه المسألة بأصل وهو أن القضاء لقطع المنازعة بين الزوجين من كل وجه، فلو لم ينفذ القضاء بشهادة الزور باطنا كان تمهيدا للمنازعة بينهما اهـ. وعليه اعتمد بعض الأحباب، وإن لم يعز الكلام إلى قائله ولم يدر أن ذلك وارد بعينه فى القضاء بالأملاك