النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ رزق القاضى والعاملين عليها ج - ١٥ دليل على أن من أعطى شيئا من غير مسألة لا يجب عليه قبوله لأن عمر رضى الله عنه رده غير مرة فلم ينكره النبى عّ لّه، ورده مرة فقال: ((خذه فتموله وتصدق به))، ولو كان القبول واجبا لأمره بالأخذ فى أول الأمر وهو ظاهر. الرد على ابن حزم حيث قال: فرض عليه قبوله: ولكن ابن حزم لم يتأمل سياق البخارى، فقال: ومن أعطى شيئا من غير مسألة فرض عليه قبوله وله أن يهبه بعد ذلك إن شاء للذى وهبه له، وهكذا القول فى الصدقة والهدية وسائر وجوه النفع اهـ (١٥٤:٩ من "المحلى")، ويرده حديث حكيم بن حزام أنه قال: يا رسول الله! والذى بعثك بالحق لا أرزاً أحدا بعدك شیئا حتی أفارق الدنیا، فكان أبو بكر رضى الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضى الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال: إنى أشهدكم معشر المسلمين على حكيم أنى أعرض عليه حقه من هذا الفىء فيأبى أن يأخذه فلم يرزا حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله عَ ◌ّ حتى توفى، رواه البخارى (٢٦٦:٣ مع "الفتح"). وأما قول ابن حزم: إنه علم من نفسه الإشراف إلى المال فلم يستجز أخذه اهـ. فرد عليه لأنه بعيد من الصحابى أن يشرف نفسه إلى المال بعد ما سمع النبى معَةً. يقول: إن من أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذى يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى. فلو كان فيه شىء من الإشراف إليه حين سأل النبى عّ لّره فأعطاه ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فلم يكن لیبقی فيه ذلك بعد ما نصحه فى الثالثة، وخاطبه بما خاطبه به، هذا هو اللائق بالصحابى لا سيما. بمثل حكيم بن حزام فى شرفه وكرمه وجوده وحسبه ونسبه، فافهم. الاحتجاج بحديث: «ثلاث لا ترد)): ولو كان قبول الهدية واجبا مطلقا لم يكن لقوله عدّ له: ((ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن)) معنى. قال الترمذى: يعنى بالدهن الطيب، وإسناده حسن ولا لقوله: ((من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة)) رواه أبو داود والنسائى وأبو عوانة عن أبى هريرة، وأخرجه مسلم إلا أنه قال: ريحان بدل الطيب (فتح البارى ١٥٣:٥)، فإن قوله: ((ثلاث لا ترد)) صريح فى جواز رد ما سواها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر وجه، وكذا ورود النهى عن رد الطيب مقرونا بقوله: فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة يدل على جواز رد ما لم يكن ٨٢ رزق القاضى والعاملين عليها إعلاء السنن كذلك فى الخفة، فافهم. فإن أهل الظاهر لا يفقهون، وقال الطبري: اختلفوا فى قوله: فخذه بعد إجماعهم على أنه أمر ندب فقيل: هو ندب لكل من أعطى عطية أبى قبولها كائنا من كان، وهذا هو الراجح يعنى بالشرطین المقدمین (أن یکون بلا إشراف نفس ولا مسألة)، وقيل: هو مخصوص بالسلطان فلا يرد عطيته ندبا)، ويؤيده حديث سمرة فى السنن إلا أن يسأل ذا سلطان (فمن جاز سؤاله لا ينبغى رد ما أعطاه من غير سؤال ولا إشراف نفس)، وكان بعضهم يقول: يحرم قبول العطية من السلطان وبعضهم يقول: يكره وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، والكراهة محمولة على الورع وهو المشهور من تصرف السلف، والله أعلم. تحقيق المسألة وبيان الإجماع على أن الأمر فى حديث عمر للندب لا للوجوب: قال الحافظ فى "الفتح": والتحقيق فى المسألة أن من علم كون ماله حلالا، فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل اهـ (٢٦٧:٣). وأغرب ابن حزم حيث قال: وأما من طريق النظر فإنه لا يخلو من أعطاه سلطان أو غير سلطان كائنا من كان من بر أو ظالم من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن يوقن المعطى أن الذى أعطى حرام، وإما أن يوقن أنه حلال، وإما أن يشك، فإن كان موقنا أنه حرام وظلم وغصب فإن رده فهو فاسق عاص لله تعالى ظالم لأنه يعين به ظالما على الإثم والعدوان بإبقائه عنده، ولا يعين على البر والتقوى فى انتزاعه منه وقد نهى الله تعالى عن ذلك وأمره بخلاف ما فعل، فإن كان يعرف صاحبه الذى أخذ منه بغير حق فهنا زاد فسقه وتضاعف ظلمه، وصار أظلم من ذلك الظالم لأنه قدر على رد المظلمة إلى صاحبها فلم يفعل بل أعان الظالم على المظلوم، وإن كان لا يعرف صاحبه فكل مال لا يعرف صاحبه، فهو فى مصالح المسلمين، فالقول فى هذا القسم كالقول فى الذی قبله سواء؛ إذ منع المسا کین والفقراء حقهم وأعان علی هلا کھم وقوی الظالم بما لا يحل له وهذا عظيم جدا، نعوذ بالله منه اهـ (١٥٤:٩ من "المحلى"). الرد على ابن حزم فى قوله: إن قبول الهدية فرض حلالا كان أو حراما أو مشتبها وبرا كان المهدى أو ظالما: قلنا: ما للنظر ولأهل الظاهر؟ والقياس كله باطل عندهم فمن أين لابن حزم أن يحرم شيئا، ١ ج - ١٥ رزق القاضى والعاملین علیها ٨٣ أو يحله بالقياس؟ وقد علم كل من له إلمام باللغة ومعرفة باللسان أن رد هدية الظالم ليس من الظلم فى شىء وإنما الظلم أن نأخذ مال أحد من غير طيب نفس منه سرقة، أو غصبا، أو خيانة، أو تؤذيه فى جسمه وعرضه، ولو وجب علينا قبول هديته لرد المظلمة إلى صاحبها وانتزاعها من الظالم فليقل ابن حزم بوجوب سرقتها على القادر عليها أيضا، وبأن من لم يسرقها منه بكون فاسقا عاصيا لله تعالى ظالما لأنه قدر على رد المظلمة إلى صاحبها وعلى إزالتها عن الظالم فلم يفعل حيث ألقاها عنده ولم ينتزعها منه بالسرقة، وكذلك فليقل لوجوب السؤال وطلب المال منهم بهذا الوجه بعينه، فأنشدكم الله أهل الظاهر هل أفتى زعيمكم أو أحد من علماء كم بوجوب سرقة المظالم على القادر عليها من الظالم؟ أو بوجوب المسألة والطلب منه؟ فإن قلتم: نعم، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وإن قلتم: لا؛ ولا بد فما الفرق بين انتزاع المظالم بالسرقة والسؤال وبين انتزاعها بقبول الهدية من الظالم إذا كان كلاهما مقدورين على السواء؟ وما الذى أوجب حرمة الأول أو عدم وجوبه واقتضى فرضية الثانى وحرمة تركه؟ ولو تأملتم لرأيتم السرقة أهون من قبول الهدية، لما فى قبول هدية الظالم من التعظيم لشأنه لأن المهدى لا يزال معظما فى القلوب فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هى المعطية والسفلى هى الآخذة كما ثبت فى الحديث، وفى رد هديته استخفاف بشأنه وتصغير له فى عيون الناس وقد أمرنا بتحقير الظلمة وترك تعظيمهم، والتباعد عن أبواب السلاطين فقد روى ابن ماجة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى معَ لّه قال: ((إن ناسا من أمتى سيتفقهون فى الدين ويقرأون القرآن يقولون: فأتى الأمراء فنصيب من دنياهم وتعتزلهم بديننا. ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا))، قال ابن الصلاح: كأنه يعنى الخطايا رواته ثقات. وعن ثوبان مولى رسول الله عَّ أن رسول الله دعا لأهله، فذكر عليا وفاطمة وغيرهما ما لم تقم على باب سدة أو تأتى أميرا تسأله، رواه الطبرانى فى "الأوسط" ورواته ثقات، والمراد بالسدة هنا باب السلطان ونحوه، قال المنذرى: ويأتى فى باب الفقراء ما يدل له، كذا فى "الترغيب" (ص ٣٩٤)، ومن كان قربه مذموما كيف يكون قبول هديته محمودا فضلا عن أن يكون واجبا، أو فرضا، فانظروا فساد النظر الذى احتج به ابن حزم ههنا، وهكذا قياس أهل الظاهر فإنهم بمراحل عن الفقه والدراية، وماذا يقول ابن حزم فى حديث المغيرة بن شعبة وكان قد صحب قوما فى الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبى معَ ه: ((أما الإسلام فأقبل وأما المال إعلاء السنن رزق القاضى والعاملين عليها ٨٤ فلست منه فى شىء)). أخرجه البخارى من طريق المسور بن مخرمة ومروان فى قصة الحديبية مطولا (٢٤٨:٥ مع "الفتح")، ولفظ أبى داود: أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال، فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه (٣: ٤٠ مع "العون"). فهل يقول: إن قبول هذه الهدية كان فرضا على النبى عَّه وإن كان ما أعطاه المغيرة حراما؟ لأنه لا يخلو من أن يكون صاحبه الذى أخذ منه بغير حق معلوما أو غير معلوم فإن كان يعرفه فقد قدر علی رد المظلمة إلی صاحبها وعلی إزالتها عن الظالم فلم يفعل، وإن كان لا يعرف صاحبه فهو فى مصالح المسلمين ولا يجوز منع المساكين والفقراء والضعفاء حقهم، فالجواب الجواب، والدليل الدليل، وإن ادعى كونه منسوخا بحديث عمر هذا فإن النسخ لا يثبت إلا بدليل لا بمجرد الرأى واحتمال. وأيضا فماذا يقول فى حديث أبى هريرة قال: أمر رسول الله مرّ له بصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس، فقال: ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله الحديث، والمشهور أن اسمه ثعلبة وحكى المهلب أنه كان منافقا ثم تاب بعد ذلك كما فى الإصابة (٢: ٥٠). وروى الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ والعسكرى فى الأمثال والطيرانى وابن منده والباوردى وأبو نعيم فى معرفة الصحابة، وابن مردويه والبيهقى فى الدلائل، وابن عساكر عن أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله عَ ليه فذكر الحديث بطوله، وفيه أنه منع الصدقة فأنز الله: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله﴾ الآية، فقدم ثعلبة على رسول الله عَ ◌ّه فقال: يا رسول الله! هذه صدقة مالى فقال رسول الله عَ ليه: إن الله قد منعنى أن أقبل منك، قال: فجعل يبكى ويحثى التراب على رأسه، فلم يقبل منه رسول الله عَّه حتى مضى ثم أتى أبا بكر فلم يقبلها، ثم ولى عمر بن الخطاب فأتاه وقال: يا أمير المؤمنين! اقبل منى صدقتى، وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبى عظّةٍ، فأبى أن يقبلها، ثم ولى عثمان فهلك فى خلافة عثمان كذا فى "الدر المنثور" ملخصا (٣: ٢٦١). ولا يخفى أن الصدقة حق(١) الفقراء فهل يقول ابن حزم: إن الله ورسوله والخلفاء بعده كانوا (١) فإن قال: كان هذا المتصدق منافقا؛ قلنا: فكان ماذا؟ وقد أمر رسول الله عَّ أن يعاملهم معاملة المسلمين، وأما كلام ابن حزم فى رواته فيرده شهرة القصة عند المحدثين، وأما قوله: إن ثعلبة بدرى معروف (٢٠٨:٧) من "المحلى" وكون أحد من البدريين منافقا بعيد بل باطل بالمرة ففيه: أن الحافظ قد فرق فى "الإصابة" بين ثعلبة بن أبى حاطب وهو بدرى وبين ثعلبة بن حاطب وليس بدريا، فليراجع. 11 ج - ١٥ رزق القاضى والعاملين عليها ٨٥ ظالمين - والعياذ بالله - فى رد هذه الصدقة إذ منعوا المساكين والفقراء والضعفاء حقهم وأعانوا الظالم على منعها؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، وماذا يقول فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: كان رسول الله عَ لّه إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى فى الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله! هذا کان فيما أصبناه من الغنيمة فقال: (سمعت بلالا بنادی ثلاثا))؟ قال: نعم، قال: ((فما منعك أن تجىء به)؟ فاعتذر إليه فقال: ((كن أنت تجىء به يوم القيامة فلن أقبله عنك))، رواه أبو داود وابن حبان فى "صحيحه" (الترغيب ص٢٣٧). فهل لأحد بعد ذلك أن يقول كما قال ابن حزم: أن قبول ما أعطى من غير مسألة فرض على المسلم صدقة كانت أو هدية أو عطية، من سلطان أو غير سلطان، بر أو ظالم، حلالا كان أو حراما أو مشتبها؟ هذا والله لا يقول أحد له مسكة عقل فضلا أن يكون عالما ذا فضل. قال: فإن کان یوقن أنه حلال فإن الذى أعطاه مكتسب بذلك حسنات جمة بلا شك، فهو فى رده عليه غير ناصح له، إذ منعه الحسنات الكثيرة وقد قال رسول الله عّ لّه: ((الدين النصيحة فمن لم ينصح لأخيه المسلم فى دينه فقد عصی الله عز وجل))، ولعله إن رده لا يحضر المردود عليه. نية أخرى فى بذله، فيكون قد حرمه الأجر وصد عن سبيل من سبل الخير اهـ. : قلت: ومن أنبأك بحصر النصيحة للمسلم فى قبول هديته وصدقته وعطيته؟ وما المانع من كون توفير المال على المعطى نصيحة له؟ وكيف يكون رادها عليه غير ناصح له مانعا إياه الحسنات الكثيرة وقد قال رسول الله عَّ له: ((دينار أنفقته فى سبيل الله ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذى أنفقته على عيالك)) رواه مسلم عن وأما قوله: فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبى بكر وعمر قبض زكاته ولا بد، وإن كان كافرا ففرض أن لا يقر فى جزيرة العرب اهـ فنقول: كان منافقاً ولا يجب إخراج المنافقين منها لكونهم مسلمين فى الظاهر، وقد روى البخارى عن حذيفة أنه كان يعرف المنافقين وقال: لم يبق من المنافقين إلا أربعة؛ ومع ذلك لم يخرجوهم من الجزيرة، وأيضا فاظاهر من حال ثعلبة أنه كان قد تاب من نفاقه ولذلك توسل إلى عمر بالأنصار والمهاجرين وأزواج النبى معَ ◌ّ فشفعوا له ولم يكونوا يشفعوا إلا لمن صح توبته عندهم؛ فمن أنبأك أن أخذ صدقات المسلمين فرض على الإمام لا يجوز له ردها عليهم ليفرقوها على الفقراء بأنفسهم؟ بل غاية الأمر أنه لا يجوز لأهل الأموال منع صدقاتهم إذا طلببها الإمام، ولو منعوا جاز له قتالهم، ولكن ابن حزم لا يزال يغرر العوام بدعاوى لا دليل له عليها، فافهم. ٨٦ رزق القاضى والعاملين عليها إعلاء السنن أبى هريرة، وقال رسول الله عَّ له: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شىء فلذى قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شىء فهكذا وهكذا يقول بين بديك وعن يمينك وعن شمالك (٣٢٢:١)، وقال لسعد بن أبى وقاص حين أراد أن يوصی بماله كله فى سبيل الله: فما تركت لولدك؟ قال: هم أغنياء بخير فقال: ((أوص بالعشر))، فما زال يناقصه حتى قال: أوص بالثلث والثلث كثير)) رواه الترمذى وزاد الشيخان: ،من إن نذر ورثتك أغنياء خير من أن نذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتعى بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلى فى امرأتك)) (مشكاة ص ٢٢٤). فالذى يرد هدية أخيه المسلم أو صدقته إنما يرده عليه لينفقه على نفسه وأهله وعياله فيؤجر عليه أفضل مما يؤجر على إهداءه، أو تصدقه على من سواهم، وأيضا فمن أنبأك أن الذى أعطاك، أو أهدى إليك، أو تصدق عليك يكتسب بذلك حسنات كثيرة بلا شك، وإنما يؤجر الرجل على نفقة يبتغى بها وجه الله، ومن لك بهذا؟ فهل قد شققت قلبه وأيقنت بأنه لم يرد بها إلا وجه الله، ولم يرد التقرب إليك ولا المن عليك؟ وإذ لا سبيل إلى العلم بذلك فكيف يكون قبول هديته فرضا وردها حراما وصدا له عن سبيل الخير؟ قال: وإن كان لا يدرى أحلال هو أم حرام؟ فهذه صفة كل ما يتعامل به الناس إلا فى اليسير الذى يوقن فيه أنه حلال أو أنه حرام، فلو حرم أخذ هذا خرمت المعاملات كلها. (قلنا: خروج عن المبحث، فإن الكلام إنما هو فى جواز قبول الهدية من هذا شأنه أو فى وجوبه ولم يقل أحد بحرمته، فقولك: لو حرم أخذ هذا لحرمت المعاملات مجرد تمويه وتغرير للعوام). قال: وبقد كان على عهد رسول الله عَ لّه سرقات ومعاملات فاسدة غير مشهورة، فما حرم عليه الصلاة والسلام من أجل ذلك أخذ مال يتعامل به الناس، (قلنا: فأخبرنا بالذى حرم هذا؟ فقد مر أن أحدا لم بقل بحرمة المعاملات من البيع والشراء وقدم الهدية ممن لا يدرى أحلال ماله أو حرام، وغاية ما قاله أهل الورع أن ما يشك فيه فالاحتياط رده عملا بقول النبي عّ لّه: ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه)) ومن أين لك أن يقول بوجوب قبول انهدية ممن يشك فى ماله؟ فهل عدم تحريمه ◌َّ إياه يستلزم وجوبه؟ فإن كان هذا هو فقه الحديث على مثل هذا الفقه السلاء). قال: وإن من الجهل المفرط والعمل بغير علم ى تحوى المرأ يستسهل بلا مؤنة أخد مال زيد سيع والإجارة، ثم يتجنب أخذ ماله بعينه إذا أعطاه إذاء طيب النفس له، فهذا عجب عجيب ٨٧ رزق القاضى والعاملين عليها ج - ١٥ لا مدخل له فى الورع أصلا لأنه إن كان يتقى كون ذلك المال خبيثا فقد أخذه فى البيع والإجارة، فهذا يكاد يكون رياء مشوبا بجهل اهـ (١٥٤:٩). قلت: وأعجب من هذا أن قوما من أهل الظاهر يتقاتلون ويتفانون على رفع الأيدى فى الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه وعلى الجهر بآمين، وأمثالها من السنن المختلف فيها ولا يتجنبون عن الغش والخيانة فى البيع والشراء وأمثالهما من المحرمات المجمع عليها فى الدين، فإن كان ذلك يدلى إلى ابن حزم وأمثاله من العلماء شيئا، وإلا فلا حجة فى ما يعمل به الجاهلون من الفريقين. ثم احتج بما روى البخارى عن أبى هريرة عن النبى معَ لِّ قال: ((لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدى إلى ذراع أو كراع لقبلت)). (قلت: فهل فيه أن الإجابة والقبول فرض عليه ولو كان الداعى والمهدى برا أو فاجرا، ظالما أو مظلوما، وماله حراما أو مشتبها؟ وإذ ليس ذلك فأى حجة لك فيه؟ وإنما معناه أن لا يحتقر أحد هدية أخيه ولو قليلة، فافهم. كيف وقد صح أنه عد له. نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، رواه أبو داود والحاكم عن ابن عباس، كما فى العزيزى (٤٠٢:٣)، وإذا نهى عن طعام المتباريين المتفاخرين ولو كان مالهما حلالا باليقين فكيف بمن كان ماله حراما أو مشتبها فى حله، فثبت أن الإجابة والقبول فى الحديث ليس على إطلاقه. قال: وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله المرهبى عن عبد الله بن سمعود أن رجلا سأله فقال: لى جار يأكل الربا وإنه لا يزال يدعونى، فقال له ابن مسعود: مهناه لك وإثمه عليه، قال سفيان: إن عرفته بعينه فلا تأكله (قلنا: وأی حجة فيه على وجوب الإجابة وفرضية القبول؟ وإنما غايته الجواز إذا لم يعرف حراما بعينه وبه نقول). قال: ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق السبيعى عن الزبير هو ابن الخريت عن سلمان الفارسى قال: إذا كان لك صديق عامل أو جار عامل أو ذو قرابة عامل، فدعاك إلى طعامه فاقبله، فإنه مهناه لك، وإثمه عليه، (قلنا: لا حجة فيه على الوجوب، وغايته الجواز إذا لم يعرف حراما بعينه وبه نقول). قال: وبه إلى عبد الرزاق عن معمر قال: كان عدى بن أرطاة هو عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل الحسن منها ويطعم أصحابه. (قلنا: وهل فيه أنه كان يرى القبول فرضا عليه أو واجبا؟ كلا! ويحتمل أن عديا كان يبعثها إليه من بيت المال لا من عنده). قال: وبعث عدى إلى الحسن والشعبى وابن سيرين فقبل الحسن والشعبى ورد ابن سيرين ٨٨ رزق القاضى والعاملين عليها إعلاء السنن (قلت: فهل كان ابن سيرين فاسقا عاصياً لله فى رده؟ والعياذ بالله). قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال: قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم (قلت: فهل فرض الله علينا أكل طعامهم وحرم علينا رده أم كان ذلك على الإباحة فقط؟ أو لا يستحيى ابن حزم من الخلط فى المبحث فيدعى الوجوب ويحتج بما لا يدل عليه بل على الإباحة والجواز فحسب؟ وهكذا قياس من حرم الفقه والدراية جملة). قال: وبه إلى معمر عن منصور بن المعتمر؛ قلت لإبراهيم النخعى: عريف لنا يهمط(١) ويصيب من الظلم فيدعونى فلا أجيبه، فقال إبراهيم الشيطان عرض بهذا ليوقع عداوة، وقد كان العمال يهمطون ويصيبون، ثم يدعون فيجابون، قلت له: نزلت بعامل فنزلنى وأجازنى قال: اقبل. قلت: فصاحب ربا؟ فقال: اقبل مالم تره بعينه، قال ابن حزم: وهكذا أدركنا من يوثق بعلمه، وبالله تعالى التوفيق (١٥٧:٩). قلت: أو لا يستحيى ابن حزم أنه يرد أقوال الصحـ ة .،! اذا خالفت غرضه، ويقول بملء فمه: لا حجة فى أحد دون رسول الله عَّ ◌ُّه ثم يحتج بقول إبراهيم ومن أدركه من العلماء إذا وافق غرضه، هل هذا هو العمل بالسنة واتباع ما جاء به الرسول مرٍّ؟ وقد روى أبو داود وسكت عنه عن سفينة أبى عبد الرحمن أن رجلا ضاف(٢) على بن أبى طالب فصنع له طعاما، فقالت(٣) فاطمة: لو دعونا رسول الله عَ لّ فأكل معنا فدعوه فجاء فوضع يده على عضادتى الباب، فرأى القرام قد ضرب به فى ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة لعلی: الحقه انظر ما رجعه فتبعته فقلت: يا رسول الله! ما ردك؟ فقال: إنه ليس لى أو لنبى أن يدخل بيتا مزوقا. قال المنذرى: فيه سعيد بن جمهان وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به اهـ (٤٠٢:٣). قلت: فالحديث حسن الإسناد صالح، وفيه دلالة على أنه لا يجوز قبول دعوة يكون فيها منكر مما نهى الله ورسوله لما فى ذلك من إظهار الرضا به، قاله ابن بطال ونقل مذاهب القدماء فى (١) أي يأخذ المال من غير وجهه. (٢) أى صار ضيفا له. (٣) كثيراً ما كان يختلج فى قلبى أنا إذا نزل بنا ضيف وصنعنا له طعاما جيدا أحببنا أن ندعو شيخنا ليأكل معنا هل فى ذلك إسادة الأدب معه؟ حيث دعونا إلى الطعام الذى لم يصنع له بل صنع لغيره، فلما اطلعت على هذا الحديث، زال به ما كان يختلج فى صدرى، وحمدت الله عليه، وعلمت أنه ليس من إسادة الأدب فى شىء. ج - ١٥ رزق القاضى والعاملين عليها ٨٩ ذلك، وأى منكر أشد من أن يكون الداعى صاحب ربا أو ظالما يغصب أموال الناس ويدعو إلى أكلها؟؟ فلا يشك عاقل فى كونه أقبح من البيت المزوق بالقرام، ولكن ابن حزم ينسى كل شىء إذا كان بصدد الاحتجاج لغرضه. رواه أبو داود والترمذى وحسنه (٢: ١٣٠) عن ابن مسعود رفعه: إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أکیله وشريبه ؟. وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل ..... إلى ..... فاسقون﴾ الحديث. وفيه دلالة صريحة على حرمة مؤاكلة الفاسقين الظالمين وأهل الربا ومشاربتهم ومجالستهم، فلا بد من حمل أثر إبراهيم على ما إذا ترتب على رد الدعوة وعدم الإجابة فتنة بدليل قوله: ليوقع عداوة، وأى حجة على جواز الإجابة مطلقا فضلا عن أن تكون فريضة أو واجبة؟ هذا وقد روى أبو داود والترمذى والنسائى من طريق سلمة بن الفضل ثنى محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّهِ: ((وأيم الله لا أقبل بعد يومى هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجريًا قرشيًا أو أنصاريًا أو دوسيًا أو ثقفيًا)) (عون المعبود ٣١٤:٣). قال المنذرى: فى إسناده محمد بن إسحاق (قلت: فكان ما ذا؟ فلم يزل المحدثون يحتجون بحديثه)، وذكر الترمذى أن حديث سعيد عن أبيه عن أبى هريرة حديث حسن اهـ قلت: فهو حجة فى الباب وفيه دلالة صريحة على أنه لا يجب على المرأ قبول كل هدية تهدى إليه وإنما يقبل الهدية ممن عرف فيه سخاوة النفس وعلو الهمة وخلوص المحبة وقطع النظر عن الأعواض، فبطل إطلاق ابن حزم بوجوب قبول ماجاءه من غير مسألة من هدية أو صدقة أو عطية، وأما قوله(١): فيه سلمة (١) وأغرب من ذلك قوله: أما حديث: ((لقد هممت أن لا أقبل هبة إلا من قريش أو أنصارى أو ثقفى أو دوسى)) فإنما فيه أنه عليه · السلام هم ذلك لا أنه أنفذه، وهو موافق لمعهود الأصل أن المعطى مخير إن شاء قبل وإن شاء رد، وحديث عمر وارد بإبطال الحال الأول، فصح أن هذا الهم قد صح نسخه اهـ (٥٥:٩). وكل ذلك من بناء الفاسد على الفاسد، فإن حديث عمر إنما يكون ناسخًا للحال الأول إذا ثبت كون الأمر فيه للوجوب، ومن له بذلك؟ وقد ورد فى حديث سلمة بن الفضل وأحمد بن خالد الحمصى عن ابن إسحاق حلفه مر ◌ّ على هذا الهم. وقوله: وأيم الله لا أقبل بعد يومى هذا من أحد هدية إلخ وهو صريح فى إنفاذه مَّ همه ذلك وفى عدم قبوله النسخ، لكونه مشتملا على الحلف مع التابيد والحديث واحد لاتحاد المخرج، ولكن ابن حزم قد جبل على جعل الحديث الواحد حديثين، فافهم. ٩٠ رزق القاضى والعاملين عليها إعلاء السنن بن الفضل الأبرش وهو ساقط مطرح، فبطل التعلق به جملة اهـ (١٥٦:٩) فمن إطلاقه المردودة. سلمة بن الفضل الأبرش: فإن سلمة بن الفضل وثقه ابن معين، وقال: ثقة كتبنا عنه، کان کتب مغازيه أتم ليس فى الكتب أتم من كتابه وفى رواية: کتبنا عنه وليس به بأس وفى رواية عنه: سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت فى ابن إسحاق من سلمة وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا وكان يقال: إنه من أخشع الناس فى صلاته، وقال ابن عدى: أحاديثه متقاربة محتملة. وذكره ابن حبان فى الثقات وقال أبو داود: ثقة. وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًاً كما فى "التهذيب" (١٥٤:٤) فهل مثل من وثقه هؤلاء الأئمة الأعلام يكون ساقطًا مطرخا؟ ولو رجح ابن حزم إلى نفسه لوجده يحتج كثيرًا بمن هو دونه إذا وافق غرضه، فإلى الله المشتكى، على أن سلمة لم ينفرد به، بل تابعه على ذلك أحمد بن خالد الحمصى، فرواه عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة نحوه عند الترمذى (٢٣٣:٢)، وقال: هذا أصح من حديث يزيد بن هارون (عن أيوب عن سعيد عن أبى هريرة لم يذكر أباه). أحمد بن خالد الحمصى: وأحمد بن خالد الحمصى من رجال الأربعة، روى عنه البخارى فى جزء القراءة والذهلى وأبو زرعة، ونقل عن ابن معين أنه ثقة. وقال الدار قطنى: لا بأس به، وأخرج له ابن خزيمة فى صحيحة، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (تهذيب ٢٦:١)، وإنما أطلنا الكلام فى هذا الباب لكونه معترك الأفهام عند أولى الألباب قد أتى فيه ابن حزم بالعجب العجاب، وقد غر كلامه هذا كثيرًاً من الظاهرية فخلعوا ربقة التقوى عن أعناقهم ولم يبالوا بالشبهات واستسهلوا أمرها حتى ارتكبوا كثيرًا من المحرمات فى البيع والشراء وغيرها من المعاملات، ولقد صدق رسول الله عّ له: ((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن اتقى الشبهات فقد اسبترأ لدينه))، فرحم الله طائفة قد عدت الورع جهالة، واستبراء المراء لدينه ضلالة وجعلت أكل الشبهات فضيلة، وقبول الهدايا برمتها وجمع الصدقات والعطايا بجملتها إلى الحسنات وسيلة، وأيم الله لقد كاد ابن حزم أن يحرم الحلال ويحلل الحرام فالحمدلله الذى رزقنا الفهم فى الكتاب والسنة والسلامة والعافية من غوائل ترك التقليد فله الفضل والمنة. ٩١ ج - ١٥ باب حكم التجارة للقاضى والوالى ٤٩١٠- روى أبوالأسود المالكى عن أبيه عن جده أن النبى عّ لّه قال: ما عدل وال اتجر فى رعيته أبدا، ذكره الموفق فى "المغنى" (ص ٤٣٩)، واحتج به، ولم أقف له علی سند، ولا علی من خرجه. باب حكم التجارة للقاضى والوالى قوله: روى أبو الأسود إلخ. قال الموفق فى "المغنى": ولا ينبغى للقاضى أن يتولى البيع والشراء بنفسه لما روى أبو الأسود فذكر الحديث، ولأنه يعرف فيحابى فيكون كالهدية، ولأن ذلك يشغله عن النظر فى أمور الناس، وإن احتاج إلى مباشرته ولم یکن له من يكفیه جاز ذلك ولم يكره، لأن أبا بكر رضى الله عنه قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه، ولأن القيام بعياله فرض عين فلا يتركه لوهم مضرة، وأما إذا استغنى عن مباشرته ووجد من يكفيه ذلك کره له لما ذ کرناه من المعنیین، وينبغى أن یو کل فى ذلك من لا يعرف أنه و کیله لئلا يحابى. وهذا مذهب الشافعى، وحكى عن أبى حنيفة أنه قال: لا يكره له البيع والشراء وتوكيل من يعرف، لما ذكرنا من قضية أبى بكر رضى الله عنه، ولنا ماذكرناه. (قلت: لم نقف له على سند ولم نعرف أبا الأسود المالكى من هو؟ ولا أباه ولا جده، وإن صح فهو محمول على من منعه التجارة عن العدل بين الناس ولا خلاف فى كراهة ما يفضى إلى ترك العدل) وروى عن شريح أنه قال: شرط على عمر حين ولانى القضاء أن لا أبيع ولا أشترى ولا أبتاع ولا أرتشى ولا أقضى وأنا غضبان. (قلت: قال الحافظ فى "التلخيص": لم أجده (٢: ٤٠٦) فلا حجة فيه، وأيضًا فلا نزاع فى كراهته إذا منع منه الإمام وشرط تركه) قال: وقضية أبى بكر حجة لنا فإن الصحابة أنكروا عليه فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع، فلما أغنوه بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة، فحصل الاتفاق منهم على تركها عند الغنى عنها اهـ (٤٤٠:١١). قلت: ولكن ليس فى اتفاقهم ذلك أن التجارة مكروهة للإمام، وغاية ما فيه أنه يتعذر الجمع بينها وبين النظر فى أمور المسلمين عادة لا سيما لمثل أبى بكر وقد اشتعلت نار الفتنة والفرقة والردة فى قبائل العرب حين قام بالأمر فاستحبوا له تركها، ولا نزاع فى الأولوية، ولا يكون خلاف الأولى مكروها لا سيما إذا لم يتعذر الجمع بينهما وهو المراد بقول أبى حنيفة: لا يكره له البيع الشراء فافهم. وقال محقق فى الفتح عن فتاوى قاضيخان: لا ينبغى للقاضى أن يبيع ويشترى ٩٢ حكم التجارة للقاضى والوالى إعلاء السنن ٤٩١١- عن ابن عمر قال: شهدت جلولاء، فابتعت من المغنم بأربعين ألفًا، فلما قدمت على عمر فقال: كأنى شاهد الناس حين تبايعوا، فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله مِّ له وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه! وأنت كذلك؟ فكان أن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم وإنى قاسم مسؤول، وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهم، ثم دعا التجار فابتاعوا منه بأربعمائة ألف فدفع إلى ثمانين ألفا، وبعث بالبقية إلى سعد بن أبى وقاص فقال: اقسمه فى الذين شهدوا الوقعة، ومن كان مات منهم فادفعه إلى ورثته، رواه أبو عبيد (كنز العمال ٣٥٧:٦). ورواه مالك فى الموطأ مختصرًا والشافعى عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه أتم منه، وإسناده صحيح (التلخيص الحبير ٢٥٤:٢). ٤٩١٢- عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يتجر وهو خليفة، وجهز عيراً إلى الشام فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف يستقرضه أربعة آلاف درهم فقال للرسول: قل له: يأخذها من بيت المال ثم ليردها، فلما جاءه الرسول فأخبره بما قال، فشقّ عليه فلقيه عمر فقال: أنت القائل: ليأخذها من بيت المال؟ فإن مت قبل أن تجىء قلتم: أخذها أمير المؤمنين دعوها له وأواخذ بها يوم القيامة، لا ولكن أردت أن آخذها من رجل شحيح مثلك فإن مت أخذها من ميراثى. رواه أبو عبيد فى الأموال، وابن سعد والحاكم فى "تاريخه" (كنز العمال ٣٥٤:٦). بنفسه بل يفوض ذلك إلى غيره، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وعن أحمد: يتخذ وكيلا لا يعرف أنه وكيل القاضى تحرزًا عن المحاباة، وعن محمد لا بأس أن يبيع ويشترى فى غير مجلس القضاء اهـ (٣٧٥:٦)، ومفاده كراهة التجارة للقاضى والوالى عند أبى حنيفة والأئمة الثلاثة، وإباحتها له عند محمد مع الكراهة تنزيهًا، كما يشعر به لفظة: لا بأس غالبًا. قوله: عن ابن عمر إلخ. فيه كراهة عمر التجارة لابنه لمظنة المحاباة، ولا يخفى أن ذلك فى تجارة الأمير بنفسه أشد منه فى تجارة ابنه، ولكنه محمول على الورع والاحتياط بدليل أن ابن عمر رضى الله عنه لم يبال بذلك ولم يكرهه، وأن عمر رضى الله عنه لم يبطل تجارته رأسًا، بل أعطاه ربح درهم درهمًا، ولو كانت محرمة لأبطلها ولم يعطه من الربح شيئًا، فافهم. قوله: عن إبراهيم إلخ. فيه جواز التجارة للأمير إذا لم يباشرها بنفسه وباشرها وكيله، ٩٣ ج - ١٥ حكم التجارة للقاضى والوالى قلت: سند أبى عبيد فى "الأموال" (٣٦٨:١٢) حسن صالح وليس فيه: أن عمر كان يتجر وإنما ذكر قصة الاستسلاف فقط. ٤٩١٣- روى الطبرى (٥٤٠:١٢) بسند فيه الواقدى عن عائشة رضى الله عنها. قالت: كان منزل أبى بالسنح عند زوجته ابنة خارجة، فأقام هنالك بالسنح بعد ما بويع له ستة أشهر یغدو علی رجلیه إلی مدینة، وربما ر کب علی فرس له و کان رجلا تاجرًا، فکان یغدو کل یوم إلى السوق فیبیع ویبتاع، فمکث کذلك بالسنح ستة أشهر، ثم نزل إلى المدينة فأقام بها ونظر فى أمره فقال: لا والله ما تصلح أمور الناس التجارة وما يصلحهم إلى التفرغ لهم والنظر فى شأنهم، ولا بد لعيالى مما يصلحهم، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يومًا بيوم ويحج ويعتمر، وكان الذى فرضوا له فى كل سنة ستة آلاف درهم اهـ ملخصًا وبقية رواته ثقات، والواقدى مقبول فى المغازى، والعمل على توثيقه عندنا، كما مر فى "المقدمة". والظاهر أن أهل الشام لم يكونوا يعرفون وكيله بأنه وكيل الإمام، وفيه أيضًا كراهة استقراض الأمير من بيت المال خشية أن يموت فيحابى ويقول الناس: أخذها الأمير دعوها له، وفى حكمه الوالى والقاضى كما هو ظاهر، والله تعالى أعلم. قوله: روى الطبرى إلخ. فيه أن أبا بكر رضى الله عنه اشتغل بالتجارة ستة أشهر بعد ما ولى واسخلف وبايعه الناس، فإن صح فهو حجة لأبى حنيفة ظاهرة ولکنه معارض لما روى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات، قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وفرضوا له، كما مر مفصلا فى (باب رزق القاضى). ومفاده: أنهم فرضوا له فى الغد من يوم استخلافه، ولا يخفى أن المرسل الصحيح ليس بأولى من الموصول الذى فيه الوقدى، فإما أن يقال بالترجيح لأمور أخر، أو يحمل قوله فى المرسل: أصبح غاديًا إلى السوق على أنه أصبح يومًا غاديًا إليه، فيتحصل الاتفاق ويرتفع الاختلاف من البين. والله تعالى أعلم. وظنى أن الخلاف فى المسألة لفظى لا حقيقى، فمن جوز التجارة للأمير والوالى والقاضى نظر إلى نفس الفعل فأباحها، ومن كرهها نظر إلى العوارض التى تترتب عليها من خشية المحاباة ٩٤ إعلاء السنن باب التسوية بين الخصمين فى الضيافة ٤٩١٤- عن الحسن عن على أن النبى عرّ له نهى(١) أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه، رواه إسحاق بن راهويه وعبد الرزاق والدارقطنى (نصب الراية ٢٠٥:٢). وترك العدل بين الناس إذا كان تاجرًا، وتركه النظر فى أمور المسلين ومصالحهم للاشتغال بها، ولا نزاع فى كراهة هذه العوارض فكذا ما أفضى إليها، ولا يخفى أنها مفضية إليها فى زماننا، فالأولى أن يفتى بالكراهة، وهو ظاهر كلام قاضيخان، فافهم وتأمل. باب التسوية بين الخصمين فى الضيافة قوله: عن الحسن عن على إلخ. أقول: اختلفوا فى سماع الحسن من على، فمنهم من أنكره ومنهم من أثبته، والذين أثبتوه قالوا: قال فى "التهذيب الكمال": قال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت: يا أبا سعد! إنك تقول: قال رسول الله عَّ وإنك لم تدركه؟ قال: يا ابن أخى! لقد سألتنى عن شىء ما سألنى أحد قبلك، ولو لا منزلتك منى ما أخبرتك، أنى فى زمان كما ترى (وكان فى عمل الحجاج) كل شىء سمعتنى أقول: قال رسول الله مَّ فهو عن على بن أبى طالب غير أنى فى زمان لا استطيع أن أذكر عليًا، وهذا دليل جليل على سماع الحسن من على المرتضى وأكثاره عنه كرم الله وجهه، ووجه من رأى وجهه، والرواة ليس فيهم كلام للثقات اهـ. قاله فخر الدين النظامى فى فخر الحسن كما نقله عنه أحمد حسن السنبهلى وجدته بخطه على هامش "تهذيب التهذيب". قال العبد الضعيف: ولو راجع بعض الأحباب التعليق الحسن (١٠٩:٢) لم يحتج إلى النقل بالواسطة فإن السنبهلى أخذه من التعليق. وقالوا أيضًا: قال أبو يعلى فى "مسنده": حدثنا حوثرة ابن أشرس قال: أخبرنا عقبة بن أبى الصهباء الباهلى قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليًا يقول: قال رسول الله عَّهِ: ((مثل أمتى مثل مطر)) إلخ. قال السيوطى فى "إتحاف الفرقة بوصل الخرقة": قال محمد بن الحسن الصيرفى شيخ شيوخنا: هذا نص صريح فى سماع الحسن من على ورجاله ثقات، حوثرة وثقه ابن حبان، وعقبة وثقه أحمد وابن معين انتهى. نقله أحمد حسن المذكور عن التعليق الحسن (قال العبد الضعيف: وفيه مثل ما تقدم فيا لقلة مراجعته للكتب حتى احتاج إلى النقل عمن لا يعتد به). (١) فى الأصل نهانا. ٩٥ ج - ١٥ التسوية بين الخصمين فى الضيافة ٤٩١٥- وعن حرب بن أبى الأسود عن أبيه عن على قال: نهى النبي عّ لّه أن قال بعض الأحباب: أما ما ذكر عن يونس فكلام منكر فإن الناس كانوا يروون عن على فى زمن الحجاج وغيره من غير نكير عليهم. (قال العبد الضعيف: هذه دعوى بلا دليل فلا تسمع)، ولم ينقل عن أحد أن الحجاج عاقب أحداً على روايته عن على، فكيف يسلم أن الحسن لم يذكر عليا خوفًا من الحجاج؟ قال العبد الضعيف: هذا كله كلام من لم يمارس تاريخ الأيام وأحوال الرجال، سلمنا أن الحجاج لم يكن يعاقب أحدًا على مجرد الرواية عن على رضى الله عنه ولكنه كان عثمانيًا شديدًا على أصحاب على وشيعته، والحسن كان يتهم بالتشيع له، ولذا كان يتقى ذكره كيلا يحتجوا بذلك على ما اتهمواه به من التشيع، فافهم. قال: ولو سلم الرواية فهو لا يدل على السماع لأنه يمكن أن يكون سمعها منه بواسطة (قلت: يا سبحان الله! وهل هذا إلا احتمال كاحتمال الفلاسفة يفرضون المحال وإلا فلا يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل أن سؤال يونس لم يكن إلا عن الواسطة بينه وبين رسول الله معد له ليصير مراسيله عنده مسندةً، فكيف يسوغ حمل كلام الحسن: كل شىء سمعتنى أقول: قال رسول الله عَّ ◌ُّه فهو عن على بن أبى طالب، على أنه سمعه منه بواسطة، وهل هذا إلا حمل الكلام على غير محمله وصرفه عن الظاهر بلا دليل) قال: إذ لو سلم أنه سمعها منه من غير واسطة كان يجب أن يكون مراسيله أصح المرسيل ولم يقل به أحد. (قلت: وأى ملازمة بين المقدمتين؟ فإن الظاهر أن يونس بن عبيد لم يذكر قول الحسن هذا إلا لخواص أصحابه فلم يشتهر ذلك عند المحدثين، على أن بعض المحدثين - كابن المدينى وأبى زرعة وغيرهما- قد صححوا مراسيله، فافهم). قال: وأما رواية أبى ليلى فلا يصح عندى أيضًا، إذ لو صح سماعه منه لكان أخص أصحاب الحسن الذين رووا عنه كثيراً أولى بروايته من عقبة بن أبى الصهباء الذى هو غير معروف فى أصحاب الحديث (قلت: وهذا أيضًا كما ترى علة لا تقوم على رجليه، فقد خص النبى عليه. حذيفة وأبا هريرة رضى الله عنهما بأحاديث لم يخص بها أبا بكر وعمر رضى الله عنهما، وهما أخص الناس به عّ. وأقربهم إليه منزلة، كما لا يخفى). قال: ولا أدرى من أين نقل السيوطى توثيقه عن أحمد وابن معين، وكذا حوثرة بن أشرس غير معروف فى أهل العلم. (قلت: ما أعجل ما نسى ما قدمت يداه فإن السيوطى قد صرح بأنه ٩٦ التسوية بين الخصمين فى الضيافة إعلاء السنن نضيف أحد الخصمين دون الآخر. رواه الطبرانى فى معجمه الوسط، وقال: تفرد به الواسطى (نصب الراية). نقل ذلك عن شيخ شيوخه محمد بن الحسن الصيرفى، ومنزلته فى الحديث ورجاله مما لا يخفى على من له إلمام بهذا الفن، فمن أين لبعض الأحباب أن يشك فى توثيق ابن معين وأحمد لعقبة وفى توثيق ابن حباب لحوثرة، وأنى لمن كان مبلغ عمله فى الرجال (التقريب والتهذيب واللسان لابن حجر) و (الميزان للذهبى) أن يطعن عقبة بأنه غير معروف عند المحدثين، فإن كثيراً من المعروفين اللذين أخرج لهم عبد الرزاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى وغيرهم ذكرهم الذهبى فى "الكاشف" وابن سعد فى "الطبقات" وابن حبان فى "ثقاته" كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الفن). قال: فلا يعتمد على روايتهما فى معارضة الحفاظ من المحدثين الذين أنكروا سماعه فالرواية مرسلة. (قلت: قد أثبت سماعه منه طائفة من المحدثين واتفق عليه السادة الصوفية الكرام حيث وصلوا خرقتهم من طريق الحسن بعلى كرم الله وجهه، والمثبت مقدم على النافى فالرواية متصلة غير مرسلة). قال: وروى عن الحسن إسماعيل بن مسلم ولم يتحقق لى من هو؟ لأنه عبدى ومكى كلاهما يروى عن الحسن، والعبدى ثقة والمكى ضعيف. قلت: بل مختلف فيه حسن الحديث، كما مر غير مرة. قال: وروى عن إسماعيل بن مسلم محمد بن الفضل ولم يتعين لى أيضًا لأنه عبسى وسدوسى، والأول ضعيف والثانى ثقة. (قلت: محمد بن الفضل هذا هو عارم السدوسى لأن إسحاق بن راهويه وعبد الرزاق روايا هذا عنه ولا يرويان إلا عن عارم). قال: رواه عنه أيضًا يحيى بن العلاء وجارية بن مصرم وهما ضعيفان. (قلت: وأيش يضره ضعفهما وقد رواه عنه ثقتان إسحاق وعبد الرزاق، وكثرة المتابعين إنما تفيد قوةً لا ضعفًا). قال: وأما طريق الحرب بن أبى الأسود فرواه عن حرب داود بن أبى هند وهو ثقة وعنه القاسم بن معن. (قلت: بل قاسم بن غصن) وهو أيضًا ثقة. (قلت: بل مختلف فيه). وعنه محمد ابن عبد العزيز الواسطى وهو مختلف فيه، ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم ووثقه ابن حبان والعجلی، فهو حسن الحديث، روى عنه البخارى ثلاثة أحاديث وروى عنه موسى بن سهل الرملى وهو ثقة، وعنه على بن سعيد الرازى وقد ضعفوه، ووثقه سلمة بن القاسم. (قلت: فالحديث حسن). قال: ولا ضير فإن مضمون الرواية ثابت بالأصول لأنه من فروع العدل الذى هو مأمور به. قال العبد الضعيف: وهم بعض الأحباب فى قوله: وعنه القاسم بن معن وهو أيضًا ثقة. وإنما هو القاسم بن غصن، كما فى "التلخيص الحبير" (٢: ٤٠٥-٤٠٦). ٩٧ ج - ١٥ باب التسوية بين الخصمين فى النظر وغيره ٤٩١٦- عن أم سلمة قالت: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليساو بينهم فى المجلس والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين وقال: والقاسم بن غصن مضعف، وفى "مجمع الزوائد" (١٩٧:٤): رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه الهيثم بن غصن ولم أجد من ذكره وبقية رجاله ثقات اهـ. قلت: إنما لم يجده لتصحيف وقع فى اسمه وإنما هو القاسم بن غصن وترجمته فى "الميزان" و "اللسان" ناقض فيه ابن حبان، فذكره فى الثقات مرةً وفى الضعفاء أخرى، وغمزه أحمد، وضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدى: له أحاديث صالحة وغرائب ومناكير، وقال أبوزرعة: ليس بالقوى. وقال أبو داود: سئل عنه وكيع فقال: لا بأس به اهـ (٤٦٤:٤). قلت: ومثله حسن الحديث عندنا على الأصل الذى مر ذكره غير مرة. باب التسوية بين الخصمين فى النظر وغيره قوله: عن أم سلمة إلخ. أقول: روى عنها من طريقين: إحداهما: طريق بقية عن إسماعيل بن عياش عن أبى بكر التيمى عن عطاء بن يسار عن أم سلمة، والأخرى: طريق عباد بن كثير عن أبى عبد الله عن عطاء بن يسار عنها، أما طريق بقية ففيه بقية وإسماعيل وهما ضعيفان (قلت: كلا بل بقية ثقة مدلس، وإسماعيل ثقة فى حديث أهل الشام، ووثقه بعضهم مطلقا). وأما طريق عباد: ففيه أبو عبد الله، قال الذهبى: لا يعرف، وضعفه الشوكانى بعباد بن كثير. (قلت: وكذا ضعفه به الهییثمی فی "مجمع الزوائد" ١٩٧:٤). قال بعض الأحباب: ولكن هذا غير مضر أيضًا فإن الرواية ليست مما يحتاج إلى التنقير لأن مدلوله عقلى ثابت بالأصول، لأن هذه الأمور من فروع العذل المأمور به، والله أعلم. قال العبد الضعيف: والأولى أن يقول: إن حكم الباب ثابت بالإجماع، وضعف الآثار منجبز بكثرة الطريق. قال لموفق فى المغنى: إن على القاضى العدل بين الخصمين فى كل شىء من المجلس والخطاب واللحظ واللفظ والدخول عليه والإنصات إليها والاستماع منهما، وهذا قول شريح وأبى حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفا. (وهذا منه حكاية الإجماع)، وقد روى عمر ابن شبة فى كتاب قضاة البصرة بإسناده عن أم سلمة فذكر حديث المتن بلفظ: أن النبى معَ ◌ّه قال: ((من بلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم فى لفظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد ٩٨ التسوية بين الخصمين فى النظر وغيره إعلاء السنن أكثر من الآخر، رواه إسحاق بن راهويه والطبرانى، ولفظ الدار قطنى: ((من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فيعدل بينهم فى لحظه وإشارته ومقعده)) (نصب الراية ٢٠٥:٢). الخصمين ما لا يرفعه على الآخر)) وفى رواية فليسو بينهم فى النظر والمجلس والإشارة وكتب عمر إلى أبى موسى سو بين الناس فى مجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع شريف فى حيفك وقد مر أن هذا الحديث رواه الدار قطنى بسند رجاله ثقات وتلقاه الأمة بالقبول. تاکم عمر وأبى إلى زيد بن ثابت: وقال سعيد: ثنا هثيم ثنا سيار ثنا الشعبى قال: كان بين عمر بن الخطاب وأبى بن كعب بدار فى شىء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه فى منزله فقال له عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفى بيته يوتى الحاكم(١) فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال: ههنا يا أمير المؤمنين! فقال له عمر: جرت فى أول القضاء، ولكن أجلس مع خصمى، فجلسا بين يديه، فادعى أبى وأنكر عمر فقال زيد لأبى: اعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر ثم أقسم: لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء. (قلت: وهذا مرسل صحيح). ورواه عمر بن شبة وفيه: فلما أتيا باب زيد خرج فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلى لأتيتك، قال: فى بيته يؤتى الحكم، فلما دخلا عليه قال: ههنا يا أمير المؤمنين! قال: بل أجلس مع خصمى. فادعى أبى وأنكر عمر ولم تكن لأبى بينة فقال زيد: اعف أمير المؤمنين من اليمين، فقال عمر: تالله إن زلت ظالما السلام عليك يا أمير المؤمنين! ههنا يا أمير المؤمنين! اعف أمير المؤمنين! ولم يعفى أمير المؤمنين؟ كان لى حق استحققته بيمينى وإلا تركته، والله الذى لا إله إلا هو إن النخل لنخلى وما لأبى فيها حق. ثم أقسم عمر: لايصيب زيد وجه القضاء حتى يكون عمر وغيره من الناس عنده سواء، فلما خرجا وهب النخل لأبى، فقيل له: يا أمير المؤمنين! فهلا كان هذا قبل أن تحلف؟ قال: خفت أن أترك اليمين فتصير سنة، فلا يحلف الناس على حقوقهم. وقال إبراهيم (النخعى): جاء رجل إلى شريح وعنده السرى بن وقاص فقال الرجل لشريح: أعدنى على هذا الجالس عندك، فقال شريح للسرى: قم فاجلس مع خصمك، قال: إنى أسمعك من مکانی، قال: لا قم فاجلس مع خثمك، فأبى أن يسمع منه حتى أجلسه مع خصمه، وفى رواية قال: إن مجلسك يريبه وإنى لا أدع النصرة وأنا عليها قادر. (١) وفى نسخة: الحكم. ٩٩ ج - ١٥ باب كتاب القاضى إلى القاضى ٤٩١٧- إن عمر كتب إلى عامله فى الحدود أخرجه البخارى تعليقًا. ٤٩١٨- وقال إبراهيم: كتاب القاضى إلى القاضى جائز إذا عرف الكتاب والخاتم. حاكم على يهوديًا إلى شريح: ولما تحاكم على رضى الله عنه واليهودى إلى شريح قال على: إن خصمى لو كان مسلمًا لجلست معه بين يديك اهـ (٤٤٣:١١) وتمامه: ولكنى سمعت رسول الله عَ ليه يقول: لا تساووهم فى المجالس. رواه أبو أحمد الحاكم فى "الكنى" فى ترجمة أبى سمير عن الأعمش عن أبراهيم التيمى قال: عرف على درعًا له مع يهودى، فقال: يا يهودى! درعى سقطت منى. فذكره مطولا وقال: منكر. وأورده ابن الجوزى فى العلل من هذا الوجه، وقال: لا يصح. تفرد به أبو سمير. ورواه البيهقى من وجه آخر من طريق جابر عن الشعبى فذكره بغير سياقه، وفى رواية له: لو لا أن خصمى نصرانى لجثيت بين يديك كذا فى التلخيص الحبير (٢: ٤٠٥) أبو سمير هذا اسمه: حكيم بن حزام، قال القواريرى: لقيته وكان من عباد الله الصالحين، وذكر له ابن عدى أحاديث ثم قال: وهو ممن يكتب حديثه، وضعفه أبو حاتم والبخارى والنسائى والساجى كما فى اللسان (٣٤٢:٢). وبالجملة: فهذه عدة آثار بعدة طرق يقوى بعضها بعضا، ودلالتها على معنى الباب ظاهرة. باب كتاب القاضى إلى القاضى أقول: اختلف فيه فى موضعين: الأول أنه هل يجوز ذلك فى الحدود والقصاص أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومن وافقه: لا. وقال البخارى ومن وافقه: نعم. واحتج البخارى بقوله: إن عمر كتب إلى عامله فى الحدود، والجواب عنه أنه قال ابن حجر فى "الفتح": استعمل عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود -سيد عبد القيس- على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة فى ذلك فذكر القصة بطولها فى قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبى هريرة عليه، وفى احتجاج قدامة بآية المائدة، وفى رد عمر عليه وجلده الحد وسنده صحيح اهـ (١٢٤:١٣). فظهر منه أن كتاب عمر إلى عامله كان لإحضاره لكشف الحال ولم يكن من كتاب القاضى إلى القاضى فى الحدود الذى هو المتنازع فيه، لأن المتنازع فيه هو أن يشهد عند القاضى شهود على حد ويكتب بشهادتهم إلى القاضى الآخر ليحكم بشهادتهم على المشهود عليه بالحد. ١٠٠ كتاب القاضى إلى القاضى إعلاء السنن ٤٩١٩- وكان الشعبى يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضى. وليس فيما ذكر البخارى شىء من هذا، فلعل البخارى لم يعرف المذهب المتنازع فيه بل زعم أن الحنفية يمنعون من مطلق الكتابة فى الحدود، وليس كما زعم. ثم أورد البخارى على الحنفية وقال: قال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلا فى الحدود، ثم قال: إن كان القتل خطأ فهو جائز لأن هذا مال بزعمه، وإنما صار مالا بعد أن ثبت القتل، فالخطأ والعمد واحد اهـ. وقال ابن بطال: حجة البخارى على من قال ذلك من الحنفية واضحة، لأنه إذا لم يجز الكتاب بالقتل فلا فرق بين الخطأ والعمد فى أول الأمر، وإنما يصير مالا بعد الثبوت عند الحاكم، والعمد أيضًا ربما آل إلى المال فاقتضى النظر التسوية اهـ. وأجاب العينى عنه بأنا لا نسلم أن الخطأ والعمد واحد، وكيف يكونان واحدًا ومقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص، ووجوب المال لئلا يكون دم المقتول خطأ هدرًاً، وسواء كان هذا قبل الثبوت وبعده اهـ. وهذا الجواب وإن كان صحيحًا فى نفسه إلا أنه لا يدفع منشأ الإيراد، فإن منشأ الإيراد هو أن نفس القتل موجب للقصاص وإنما يصير موجبًا للمال إذا ثبت أنه كان خطأ فهو فى أول الأمر ليس بمال، فكيف يجوز فيه أبو حنيفة كتاب القاضى إلى القاضى. والجواب عنه أن الإيراد مبنى على زعم أن أبا حنيفة لا يجوز كتاب القاضى إلى القاضى مطلقًا فى الحدود والقصاص، سواء كان لإحضار المدعى عليه أو للحكم عليه، وقد علمت أن هذا زعم باطل فالإيراد غير وارد، ثم المدعى إذا ادعى على رجل أنه قتل فلانًا فإن كان دعواه أنه قتل خطأ فهو فى الحقيقة دعوى المال من أول الأمر، وإن كان دعواه أنه قتل عمدًا أو أطلق فى الدعوى فإن كتب القاضى إلى قاض آخر لإحضاره للجواب فهذا جائز عند أبى حنيفة، وإن شهد الشهود عنده بقتله وثبت عنده من الشهادة أن القتل كان عمدًا ويكتب فيه إلى القاضى الآخر بأخذ القصاص عنه أو ليحكم عليه بالقصاص بهذه الشهادة فهو غير جائز عنده، وإن ثبت عنده أن القتل كان خطأ وكتب إليه ليحكم بهذه الشهادة على المشهود عليه بالدية فهو جائز، لأنه قضاء بالمال فيكون حكمه كسائر الأموال، وبعد هذا التفصيل لا يرد عليه ما أورد. والموضع الثانى: أنه هل يجب الشهادة على كتاب القاضى أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومن وافقه: نعم. وقال البخارى ومن وافقه: لا. واحتج لقوله بفتاوى التابعين وقال: أول من سأل البينة على كتاب القاضى ابن أبى ليلى وسوار بن عبد الله اهـ. وقال ابن بطال: وما ذكره من القضاة من التابعين من إجازة ذلك حجتهم فيه ظاهرة من الحديث، لأن النبى عّ لّه كتب إلى الملوك، ولم ينقل