النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
ج - ١٥
باب الرشوة
وعن عبد الله بن عمرو أيضًا مثل ذلك. رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه
الترمذى وقال الشوكانى فى "النيل" (٥١٤:٨): إسناده لا مطعن فيه.
وما قال المغربى فى شرح "بلوغ المرام" أنه يجوز للمرتشى أن يرتشى إذا كان فى حق لا يلزمه فعله
اهـ فباطل لأن عدم لزوم الفعل لا يقتضى جواز الارتشاء عليه لأن الرخصة له إنما هو فى الترك لا
فى أخذ المال فيكون أخذ المال على الفعل بالباطل، وبغير حق فلا يكون جائزا، بخلاف الإعطاء
لدفع الظلم فإنه يدفع عن نفسه ظلمًا هو أشد، فبتحمل ظلم هو أخف، وله دفع الظلم عن نفسه
بدون تحمل ظلم أصلا، فبتحمل الظلم أولى. فقد علم منه أن المراد من الراشى فى الحديث هو الذى
يرشى ليظلم الغير لا الذى يرشى لدفع الظلم عنه، لأنه مظلوم وليس بظالم فكيف يكون مستحقا
اللعنة؟ فاندفع ما قال الشوكانى فى "النيل" (٥١٥:٨): إن التخصيص لطالب الحق بجواز تسليم
الرشوة منه إلى الحاكم لا أدرى بأى تخصيص؟ والحق التحريم مطلقا أخذا بعموم الحديث، ومن
زعم الجواز فى صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه ردا عليه، فإن الأصل
فى مال المسلم التحريم ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من
نفسه انضم إلى هذا الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد الأمرين: إما لينال به حكم الله إن كان محقا
وذلك لا يحل لأن المدفوع فى مقابلة أمر واجب أوجب الله على الحاكم الصدع به، فكيف
لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من الحطام، وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرع
الله إن كان مبطلا فذلك أقبح لأنه مدفوع فى مقابلة أمر محظور اهـ
الجواب عن إيراد الشوكانى على الجمهور القائلين
بجواز الرشوة لدفع الظلم عن نفسه وماله:
قال العبد الضعيف: والمخصص للحديث والله أعلم ما رواه ابن إسحاق فى المغازى ثنى
عاصم بن حمزة ومن لا أتهم عن الزهرى قال: لما اشتد على الناس البلاء (فى يوم الأحزاب) بعث
رسول الله عَّه إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن أبى عوف المزنى وهما قائدا غطفان فأعطاهما
ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح ولم تقع
الشهادة الحديث ذكره الحافظ فى "التلخيص" مفصلا (٣٨١:٢)، وسكت عنه وهو مرسل قوى
تلقاه العلماء بالقبول واحتجوا به لجواز مصالحة الكفار بدفع شىء من المال إليهم إذا كان ذلك
أصلح للمسلمين، وفيه دفع ظلم الظالم بإعطائه شيئا من المال، وهو شبيه بالرشوة ليس بالرشوة،

٦٢
باب الرشوة
إعلاء السنن
وما رواه الطبرانى فى "الأوسط" بسند رجاله ثقات عن جبير بن مطعم أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف
درهم ثم قال: ورب هذه الكعبة لو حلفت حلفت صادقا إنما هو شىء افتديت به يمينى كذا فى
"مجمع الزوائد" (٤: ١٨١)، وعن الأشعث بن قيس مثله بسند ضعيف، ولا يخفى أن اقتداء
اليمين بالمال إذا كان المدعى مبطلا والمنكر محقا صادقا شبيه بالرشوة وقد أجمعت الأمة على افتداء
أسارى المسلمين ببذل المال للمشركين، وهل هو إلا رشوة لدفع الظلم.
قال الموفق فى "المغنى": وروى عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله عَّ ◌ُل الراشى والمرتشى
قال الترمذى: حديث حسن صحيح، ورواه أبو هريرة وزاد: فى الحكم . قال ابن رسلان وزاد
الترمذى والطبرانى بإسناد جيد: فى الحكم (نيل ٥١٤:٨)، ورواه أبو بكر فى زاد المسافر، وزاد:
والرائش وهو السفير بينهما.
(قلت: وهو كذا عند أحمد من رواية ثوبان وأخرجه أيضا الحاكم، وفى إسناده ليث بن أبى
سليم (نيل ٥١٤:٨)، (وهو حسن الحديث كما مر غير مرة) قال: ولأن المرتشى إنما يرتشى ليحكم
بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم، فأما الراشى فإن رشاه ليحكم له بباطل أو
يدفع عنه حقا فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزئه على واجبة فقد قال عطاء وجابر بن زيد
والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه. قال جابر بن زيد: ما رأينا فى زمن زياد أنفع لنا من الرشا،
ولأنه يستنقذ ماله، كما يستنقذ الرجل أسيره اهـ (٤٣٨:١١).
وقال ابن حزم فى "المحلى": ولا تحل الرشوة وهى ما أعطاه المرأ ليحكم له بباطل أو ليولى
ولاية أو ليظلم له إنسان فهذا يأثم به المعطى والآخذ؛ فأما من منع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه
الظلم فذلك مباح للمعطى؛ وأما الآخذ فأثم، وفى كلا الوجهين فالمال المعطى باق على ملك
صابحه الذى أعطاه كما كان كالغصب ولا فرق، ومن جملة هذا ما أعطيه أهل دار الكفر فى فداء
الأسرى وفى كل ضرورة وكل هذا متفق عليه إلا ملك أهل دار الكفر ما أخذوه فى فداء الأسير
وغير ذلك فمختلف فيه: قال قوم: قد ملکوه.
فإن قيل: لم أبحتم إعطاء المال فى دفع الظلم وقد رويتم من طريق أبى هريرة قال:
جاء رجل رسول الله عَّه فقال: يا رسول الله! إن جاء رجل يريد أخذ مالى قال: فلا تعطه
مالك. قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال: قاتله قال: أريت إن قتلنى؟ قال: فأنت شهيد. قال أرأيت
إن قتلته؟ قال: فهو فى النار. وبالخبر المأثور: لعن الله الراشى والمرتشى، قال أبو محمد: خبر لعنة

ج - ١٥
باب الرشوة
٦٣
الراشى إنما رواه(١) الحارث بن عبد الرحمن وليس بالقوى. وأيضا فإن المعطى فى ضرورة دفع الظلم
ليس(٢) راشيًا، وأما الخبر فى المقاتلة فهكذا نقول: من قدر على دفع الظلم عن عن نفسه لم يحل له
إعطاء فلس فما فوقه فى ذلك، وأما من عجز فالله تعالى يقول: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)).
وقال عليه السلام: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) فسقط فرض المقاتلة والدفاع وصار
فى حد الإكراه على ما أعطى فى ذلك. وقد قال رسول الله عَ ظله: ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه»(٣)، وقد ذكرناه بإسناده فيما سلف.
(قلت: وهو حديث صحيح الإسناد كما ذكرناه فى باب طلاق المكره) قال: وقد صح عن
رسول الله عَّ ◌ُله من طريق أبى موسى الأشعرى: ((أطعموا الجائع وفكوا العانى))، وهذا عموم لكل
عان عند كل كافر أو مؤمن بغير حق، روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثورى ومعمر، قال
معمر: عن الحسن البصرى، وقال سفيان عن إبراهيم النخعى ثم اتفق الحسن وإبراهيم قالا جميعا:
ما أعطيت مصانعة على مالك ودمك فإنك فيه مأجور اهـ ملخصا (١٥٧:٨ و ١٥٨).
وفى "الدر المختار": ولا بأس بالرشوة إذا خاف على دينه والنبى عليه الصلاة والسلام كان
يعطى الشعراء، لمن يخاف لسانه وكفى بسهم المؤلفة(٤) من الصدقات دليلا على أمثاله اهـ
قال الشامى: فقد روى الخطابى فى الغريب عن عكرمة مرسلا قال: أتى شاعر النبى عّ لّه فقال:
(يا بلال! اقطع لسانه عنى))، فأعطاه أربعين درهما اهـ (٤١٨:٥).
وقال القارى: لعن رسول الله عَّ الراشى والمرتشى -أى معطى الرشوة وآخذها- وهى
(١) قلت: لم يضعفه أحد فيما علمنا؛ قال الفضيل بن عياض: ولا يخيل إلى أنى رأيت قرشيا أفضل منه. وقال النسائى: ليس به
بأس. وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال: غزا مع جماعة من الصحابة، وقال ابن معين: يروى عنه وهو مشهور. (فيه رد
على ابن المدينى حيث جهله) وقال أحمد: لا أرى به بأسا كذا فى "التهذيب"، ولعل الحارث بن عبد الرحمن هذا، وهو خال
ابن أبى ذئب اشتبه على ابن حزم بالحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوى، كما فى "التهذيب"
(١٤٨:٢)، وهو أيضا ليس بضعيف، فقد أخرج له مسلم وعلق له البخارى، فافهم
(٢) وفيه أن تخصيص الرشوة بما يعطى للظلم يستلزم تخصيص الإرتشاء بما يؤخذ بطريق الظلم أيضا وقد صرحوا بأنه يحرم على
القاضى والحاكم أن يقبل هدية من لم يكن يهدى إليه قبل ولايته وجعلوه فى حكم الرشوة والارتشاء مع أنه لم يؤخذ ظلما
ولا يطلب من القاضى أو الحاكم وإنما أهداه الذى أهداه إليه ابتداء من غير ظلم.
(٣) قلت: وهذا مخصص آخر لحديث: لعن الله الراشى والمرتشى.
(٤) لله دره من فقيه فإلى مثل ذلك لا يهتدى إلا من خلقه الله للفقه فى الدين، وأما أهل الظاهر ومنهم الشوكانى فبمعزل عن ذلك.

٦٤
باب الرشوة
إعلاء السنن
الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، قيل: الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل. أما إذا أعطى
ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به، وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى فى إصابة
صاحب الحق (حقه) فلا بأس به، لكن هذا ينبغى أن يكون فى غير القضاة والولاة، لأن السعى فى
إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز لهم الأخذ عليه. قال
القارى: كذا ذكره ابن الملك، وقوله: وكذا الآخذ بظاهره ينافيه حديث أبى أمامة أن رسول
الله عَ لَّه قال: من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب
الربا، (رواه أبو داود وسكت عنه (٣١٦:٣). قال المنذرى: والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد
الرحمن الأموى مولاهم الشامى فيه مقال) وفى "مجمع البحار": ومن يعطى توصلا إلى أخذ حق
أو دفع ظلم ، فغير داخل فيه، روى أن ابن مسعود(١) أخذ بأرض الحبشة فى شىء فأعطى دينارين
حتى خلى سبيله، وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع عن نفسه وماله إذا
خاف الظلم، انتهى من "عون المعبود" (٣٢٧:٣).
تحقيق معنى الرشوة لغة وشرعا:
قال العبد الضعيف: ولا بد من تحقيق معنى الرشوة، ففى "المنتخب": الرشوة بالكسر
والضم اسم من الرشوة بالفتح كما فى "القاموس" فهى لغة: ما يتوصل به إلى الحاجة بالمصانعة بأن
تصنع له شيئا ليصنع لك شيئا آخر، قال ابن الأثير: وشريعة: ما يأخذه الآخذ ظلما بجهة يدفعه
الدافع إليه من هذه الجهة كذا فى "جامع الرموز"، وفى البرجندى: الرشوة مال يعطيه بشرط أن
يعينه، وفى "المصباح": الرشوة بالكسر ما يعطيه رجل حاكما أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما
يريد؛ وفى "البحر": حد الرشوة بذل المال فيما هو مستحق على الشخص، وقالوا: بذل المال
لاستخلاص حق له على آخر رشوة.
والحاصل: أن حد الرشوة هو ما يؤخذ عما وجب على الشخص سواء كان واجبا على العين
أو على الكفاية، وسواء كان واجبا حقا للشرع، كما فى القاضى وأمثاله، وفى ولى امرأة لا يزوجها
إلا أن يدفع إليه كذا، وفى شاعر يخاف منه الهجو، لأن الكف عن عرض المسلم واجب ديانة،
أو كان واجبا عقدا كمن آجر نفسه لإقامة أمر من الأمور المتعلقة بالمسلمين فيما لهم، أو عليهم
كأعوان القاضى، وأهل الديوان وأمثالهم، كذا فى "الكشاف" للتهانوى (٧: ٥٩٦).
(١) لم أقف على من خرجه، وإن صح فلا حجة فيه لكونه محمولا على أنه كان قبل النهى عن الرشوة والارتشاء.

5
ج - ١٥
باب الرشوة
٦٥
وعلى هذا فلا يصح القول بأن المعطى فى ضرورة دفع الظلم لیس راشیا کما ذهب إليه ابن
حزم وتبعه بعض الأحباب منا، لو صح القيل الذى ذكره القارى أن الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو
لإحقاق باطل لكان لما قاله ابن حزم وجه وجيه، ولكن ذلك يقتضى تقييد الارتشاء بمثل هذا القيد
أيضا، فيقال كما قال ابن الأثير: هو ما يأخذه الآخذ ظلما بجهة يدفعه الدافع إليه من هذه الجهة،
ويأباه تقسيم الفقهاء الرشوة إلى أربعة أوجه، وإدخالهم الدفع خوفا على نفسه وماله فيبها، وهم
أعرف الناس بمعانى الكتاب والسنة وتصاريف الكلام.
ففى الخانية(١) الرشوة على وجوه أربعة: ما هو حرام من الجانبين وذلك فى موضعين:
أحدهما: إذا تقلد القضاء بالرشوة لا يصير قاضيا وهى حرام على القاضى والآخذ، والثانى: إذا
دفع الرشوة إلى القاضى ليقضى له، حرام على الجانبين، سواء كان القضاء بحق أو بغير حق،
ومنها: إذا دفع الرشوة خوفا على نفسه أو ماله، فهذه حرام على الآخذ غير حرام على الدافع،
وكذا إذا طمع ظالم فى ماله فرشاه ببعض المال، ومنها: إذا دفع الرشوة ليسوى أمره عند السلطان
حل للدافع، ولا يحل للآخذ.
وهذا إذا أعطى الرشوة بشرط أن يسوى أمره عند السلطان، وإن طلب منه أن يسوى أمره
ولم يذكر له الرشوة ولم يشترط أصلا ثم أعطاه بعد ما سوى أمره اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا
يحل له، (وهو ظاهر حديث أبى أمامة وقد مر ذكره) وقال بعضهم: يحل، وهو الصحيح لأنه من
مجازاة الإحسان بالإحسان فيحل (ولعلهم حملوا حديث أبى أمامة على أعوان السلطان وأهل
الديوان الذين يجب عليهم تسوية أمور المسلمين عند السلطان عقدا لكونهم قد آجروا أنفسهم
لإقامة أمور المسلمين فيما لهم أو عليهم، وأما من لا يجب عليه هذه التسوية عقدا فيحل له ما
يعطيه المشفوع له من غير شرط فافهم، فإن عموم الحديث مرجح لقول من ذهب إلى حرمته والله
تعالى أعلم. وفى نصاب الاحتساب ما يفيد ترجيحه أيضا) قال: ولم أر قسما يحل الأخذ فيه دون
الدفع اهـ من "الكشاف" للتهانوى (٥٩٥:٧). وفيه أيضا عن "القنية": الظلمة تمنع الناس من
الاحتطاب فى المروج إلا بدفع شىء إليهم، فالدفع والأخذ حرام لأنه رشوة إلا عند الحاجة فيحل
للدافع دون الآخذ، وفى "البحر": إذا كان ولى امرأة لا يزوجها إلا أن يدفع إلیه کذا فدفع له،
فزوجه إياها فللزوج أن يسترده منه قائما أو هالكا لأنه رشوة اهـ.
(١) ومثله فى "الشامية" عن "الفتح".

٦٦
إعلاء السنن
باب هدايا العمال من القضاة وغيرهم
٤٩٠١- عن أبى حميد الساعدي قال: استعمل النبى معَّه رجلا من بنى أسد
يقال له: ابن اللتيبة على صدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لى، فقام النبى عَ لّه
على منبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتى فيقول: هذا لك وهذا
قلت: والظاهر حرمة الدفع والأخذ معا، ولا يخفى أن الدفع للاحتطاب فى المروج أو
للتزوج بامرأة ليس من الإعطاء لإبطال حق أو لإحقاق باطل بل هو من الدفع لاستخلاص حق
والتوصل إلى سنة ومع ذلك عدوه من الرشوة.
فالحق فى حدها ما ذكره صاحب "البحر" أنه بذل المال فيما يجب على شخص، فيدخل
فيه ما يعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما، فلا بد من دليل لتخصيصه من عموم
قوله مَّه: ((لعن الله الراشى والمرتشى)) وهو ما ذكرناه من سهام المؤلفة قلوبهم وكانوا ثلاثة أقسام:
قسم كفار كانوا يعطون للتألف على الإسلام، وقسم كانوا يعطون ليدفع شرهم، وقسم أسلموا
وفيهم ضعف فى الإسلام، كما فى الشامية عن "الفتح" (٩٧:٣).
لا يقال: سهام المؤلفة قد سقطت عندكم وما بقيت فمن أين لكم أن تقيسوا عليها غيرها؟
لأنا نقول: إنما سقطت لزوال العلة فلو وجدت العلة لبقيت ومثل هذا الساقط يصلح محلا للقياس
نظرا إلى العلة، فافهم، ومن فداء الأسرى بالمال وهو متفق عليه، ومن مصالحة الكفار ببذل شىء من
المال لهم إذا كان خيرا للمسلمين وهو متفق عليه أيضا، هذا ولا يجوز نسبة الرشوة إلى النبى معَ ◌ّم،
كما لا يجوز نسبة الفقر والإفلاس إليه لما فيه من الاستخفاف بشأنه عرفا، فإن لفظ الرشوة لا يطلق
فى عرفنا إلا فى موضع الذم، فيجب الاحتراز عن إبهام ما لا يليق بشأنه، وهو -بأبى وأمى- أكرم
الناس عند الله منزلة وأفضلهم وأشرفهم فى الدارين مرتبة، وأرفعهم شأنا ومكرمة صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وأصحابه غدوة وعشية.
باب هدايا العمال من القضاة و غيرهم
قوله: فهلا جلس فى بيت أبيه إلخ أقول: دل هذا القول على أن كل هدية يهدى إلى
القاضى لا لقرابة أو معرفة سابقة بل لحكومة فهو حرام، وأما الذى لا دخل فيه للحكومة بل كان
يهدى إليه أيضا لو لم يكن حاكما فهو حلال، هذا هو الأصل الكلى فى الباب، ويتفرع منه مسائل
- جزئية مذكورة فى كتب الفقه.

ج - ١٥
هدايا العمال من القضاة وغيرهم
٦٧
لى، فهلا جلس فى بيت أبيه أو أمه فينظر أ يهدى له أم لا، والذى نفسى بيده لا يأتى
قال العبد الضعيف: وفى الحديث منع العمال من قبول الهدية ممن لهم عليه حكم، وفى
"فتح البارى" (١٤٧:١٣) أن محل ذلك إذا لم يأذن له الإمام فى ذلك لما أخرجه الترمذى من
رواية قيس بن أبى حازم عن معاذ بن حبل وحسنه (١٥٩:١)، قال: بعثنى رسول الله عَّ ◌ُّه إلى
اليمن فقال: ((لا تصيبن شيئا بغير إذنى فإنه غلول)) اهـ. وثبت عنه عَّه أنه قال: ((هدايا الأمراء
غلول)) رواه أحمد والبيهقى وابن عدى من حديث أبى حميد وإسناده ضعيف، والطبرانى فى
"الأوسط" من حديث أبى هريرة وإسناده أشد ضعفا وفیه عن جابر أخرجه سعید بن داود فى
"تفسيره" عن عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر، وإسماعيل ضعيف،
كذا فى "التلخيص الحبير" (٤٠٤).
قلت: إسماعيل مختلف فيه حسن الحديث كما مر غير مرة، ورواه الخطيب فى "تلخيص
المتشابه" بلفظ: ((هدايا العمال سحت)) من حديث أنس، كما فى "التلخيص" أيضًا، ورواه أبو
يعلى عن حذيفة بلفظ: ((هدايا العمال حرام كلها)) (العزيزى ٤١٠:٣)، وهذه طريق عديدة ينجبر
بها ما فى كل واحد منها من الضعف على أن الهيثمى قد حسن طريق جابر عند الطبرانى فى
"مجمع الزوائد" (١٥١:٤) وقال: إسناده حسن، وحديث أبى حميد إنما ضعفه من ضعفه لأنه من
طريق إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز وقد ذكرنا فى الاستدراك أن ابن معين قد وثق إسماعيل
هذا مطلقًا، وحديث أبى هريرة قال الهيثمى: فيه حميد بن معاوية الباهلى وهو ضعيف، وحميد بن
معاوية لم أجده فى التهذيب ولا فى الميزان ولا فى اللسان فإن كان مصحفًا عن حميد بن مسعدة
الباهلى فهو من رجال مسلم والأربعة ثقة، لم نر أحدًا ضعفه وترجمته فى التهذيب (٤٩:٣).
وأما ما رواه الطبرانى فى "الكبير" عن عبد الله بن صخر بن لودان قال: قال النبى معَ ◌ّه لمعاذ
ابن جبل حين بعثه معلما إلى اليمن: ((إنى قد عرفت بلاءك فى الدين وقد ظننت لك الهدية فإن
أهدى لك شىء فاقبل، فرجع حين رجع بثلاثين رأسًا أهدوا له))، ففيه سيف بن عمر التميمى، وهو
ضعيف (مجمع الزوائد ٤: ١٥١)، وهو صاحب الفتوح ولا يقبل حديث فى الأحكام، وأيضًا فهو
معارض لرواية الترمذى من طريق قيس بن أبى حازم عن معاذ فإنه عّ لّ. لو كان قد أذن له فى قبول
الهدية لم يكن لقوله: لا تصيبن شيئًا بغير إذنى معنى وهو ظاهر.
تحقيق هدايا الأمراء:
قال الموفق فى "المغنى": ولا يقبل هدية من لم يكن يهدى إليه قبل ولايته، وذلك لأن
i ..

٦٨
هدايا العمال من القضاة وغيرهم
إعلاء السنن
بشىء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو
الهدية يقصد بها فى الغالب استمالة قلبه ليعتنى به فى الحكم فتشبه الرشوة، قال مسروق: إذا قبل
القاضى الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر ثم ذكر حديث الباب وقال: متفق
عليه، ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها أجلها ليتوصل بها إلى ميل الحاكم
معه على خصمه، فلم يجز قبولها منه كالرشوة.
فأما إن كان يهدى إليه قبل ولايته جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من أجل الولاية
لوجود سببها قبل الولاية بدليل وجودها قبلها، قال القاضى: ويستحب له التنزه عنها، وإن أحس
أنه يقدمها بين يدى خصومة أو فعلها حال الحكومة حرام أخذها فى هذه الحال، لأنها كالرشوة،
وهذا كله مذهب الشافعى، وروى عن أبى حنيفة وأصحابه أن قبول الهدية مكروه غير محرم
وفيما ذكرنا دلالة على التحريم اهـ (٤٣٧:١١).
قلنا: قد اعترفت بأن الهدية تشبه الرشوة -أى وليست برشوة- فلا بد من الفرق بينهما،
وأيضًا فإن الرشوة تجب ردها على أربابها والنبى معَّةٍ لم يأمر ابن اللتبية برد الهدايا على أربابها،
والظاهر أنه جعلها فى بيت المال وإنما استحقها بيت المال لكون الوالى عاملا للمسلمين فالإهداء إليه
إهداء إليهم كما إذا أهدى البطريق إلى صاحب الجيش عينًا أو فضة لم تكن له دون سائر الجيش،
بل يكونون فيه سواء، بخلاف الرشوة فإن بيت المال لا يستحقها بل تبقى على ملك المعطى كما
كانت، على أن الكراهة المطلقة عندنا هى كراهة التحريم، وإنما لم يطلق الأئمة عليه الحرام فرقًا بين
المنصوص علی حرمته وبین ما هو ملحق به فافهم. وفي قوله مڅےفی حدیث الباب: ((هلا جلس فى
بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا)) جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك. ولا يخفى أن
محل ذلك إذا لم يزد على العادة ولم يقدمها بين يدى خصومة أو حال الحكومة.
قال السرخسى فى "شرح السير" للإمام محمد بن الحسن: قالوا: لو أهدى إلى مفت أو
واعظًا شيئًا فإن ذلك سالم له خاصة، لأن الذى حمل المهدى إلى الإهداء إليه والتقرب إليه معنى
فيه خاصة، بخلاف الهدية إلى الحكام فإن ذلك رشوة لأن المعنى الذى حمل المهدى على التقرب
إليه ولايته الثابتة بتقليد الإمام إياه، والإمام فى ذلك نائب المسلمين، والأصل فى ذلك قول
النبى معَ ◌ّهِ: ((هدايا الأمراء غلول)) يعنى إذا حبسوا ذلك لأنفسهم فذلك بمنزلة الغلول منهم،
والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم، فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة (فيكون لبيت المال)،
وفى الحديث: أن رسول الله عَ لّه بعث عاملاً فجاء بمال فقال: هذا لكم وهذا أهدى إلى،

٦٩
هدايا العمال من القضاة وغيرهم
ج - ١٥
شاة تبعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه: ألا هل بلغت ثلاثًا. (أخرجه البخارى).
فقال رسول الله عَ ليه فى خطبته: ((فهلا جلس فى بيت أمه وأبيه حتى يهدى إليه))، وفى هذا
إشارة إلى ما قلنا اهـ (٧٣:٣).
وقال المحقق فى "الفتح": والحاصل أن المهدى إما له خصومة أو لا، فإن كانت لا يقبل منه
وإن كان له عادة بمهاداته أو ذا رحم محرم، وإن لم يكن خصومة فإن لم يكن له عادة بذلك قبل
القضاء بسبب قرابة أو صداقة لا ينبغى أن يقبل، وإن كان له عادة بذلك جاز بشرط أن لا يزيد على
المقدار المعتاد قبل القضاء، فإن زاد لا يقبل الزيادة، وذكر فخر الإسلام: إلا أن يكون مال الهدى قد
زاد فبقدر ما زاد ماله إذا زاد فى الهدية لا بأس بقبولها، ثم إذا أخذ الهدية فى موضع لا يباح أخذها
قيل: يضعها فى بيت المال لأنها بسبب عمله لهم، وعامتهم على أنه يردها على أربابها إن عرفهم،
وإليه أشار فى "السير الكبير"، وإن لم يعرفهم أو كانوا بعيدًا حتى تعذر الرد ففى بيت المال،
ويكون حكمها حكم اللقطة، فإن جاء المالك يومًا أعطاها، وكل من عمل(١) للمسلمين عملاً
حكمه فى الهدية حكم القاضى، وفى "شرح الأقطع": الفرق بين الرشوة والهدية أن الرشوة يعطيه
بشرط أن يعينه، والهدية لا شرط معها، انتهى ملخصًا (٣٧١:٦).
قلت: ليس فى شرح السير ردها على أربابها مطلقا، بل فيه تفصيل حيث قال: وكذلك لو .
بعث الخليفة عاملاً إلى زكاة فأهدى إليه فإن علم الخليفة أنه أهدى إليه(٢) طوعًا أخذ ذلك منه
فجعله فى بيت المال لأنه أهدى إليه لعلمه الذى قلده وقد كان هو نائبًا فى ذلك عن المسلمين، فهذه
(١) أى بأجرة أو رزق من بيت المال.
(٢) قلت: وهذه واقعة الفتوى سئلت عن سفير للمدرسة بعثه مديرها لجمع الزكاة وأخذ الجعل من المسلمين للمدرسة فأهدى إليه
شىء فأجبت إن لم يكن للمهدى عادة بالإهداء إلى هذا السفير قبل العمل فهو حق المدرسة ليس للسفير منه شىء، فأورد عليه
بعض الناس أن قياسه على هدايا الأمراء باطل، لأن الأمير والعامل يهدى إليه لأجل الإمارة والعمل، والسفير لا يهدى إليه إلا
لعلمه أو وعظه، فأجبت أن العمل للمدرسة كالعمل لبيت المال وقد جعلوا ما يهدى إلى المصدق حقًا لبيت المال فكذا هذا،
وأيضًا فقد روى عن عمر رضى الله عنه أن امرأته أم كلثوم بنت على لما أهدت إلى امرأة ملك الروم فأهدت إليها هدايا
فأعطاها عمر من ذلك مثل هديتها وأخذ ما بقى من ذلك فجعله فى بيت المال فكلمه فى ذلك عبد الرحمن ابن عوف رضى
الله عنه فقال له عمر: قل لصاحبتك فلتهد إليها حتى تنظر أتهدى إليها مثل هذا أم لا؟ (شرح السير ٧٣:٣).
ولا يخفى أن امرأة الخليفة لم تكن حاكمة على امرأة هرقل ولا لها عليها ولاية ولم يكن إلا أنها كانت معظمة فى قلوب
الناس لكونها امرأة أمير المؤمنين فثبت أن العمل والولاية ليس بشرط لرد الهدايا إلى بيت المال بل يكفى لذلك تعلق الرجل به
نسبة ألیه، فافهم.

٧٠
هدايا العمال من القضاة وغيرهم
إعلاء السنن
الهدايا حق المسلمين توضع فى بيت مالهم فإن علم أنهم أهدوا إليه مكرهين فينبغى أن يأخذه فيرده
على أهله وإن لم يقدر على ذلك عزله فى بيت المال حتى يأتى أهله بمنزلة اللقطة اهـ (٧٣:٣ و٧٤).
قال المحقق فى "الفتح": واستعمل عمر رضى الله عنه أبا هريرة فقدم بمال فقال له: من أين
لك هذا؟ قال: تلاحقت الهدايا فقال عمر رضى الله عنه: أى عدو الله! هلا قعدت فى بيتك فتنظر
أيهدى لك أم لا، فأخذ ذلك منه وجعله فى بيت المال اهـ (٣٧٢:٦).
قلت: لم أقف على لقظ الهدايا فى هذا الأثر - والله أعلم- من أين أخذه المحقق؟ والأثر
أخرجه أبو عبيد فى الأموال: حدثنا معاذ عن ابن عون عن ابن سيرين قال: لما قدم أبو هريرة من
البحرين قال له عمر: يا عدوالله وعدو كتابه! أسرقت مال الله؟ قال: لست بعدوالله ولا عدو كتابه
ولكنى عدو من عاداهما ولم أسرق مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ فقال:
خيلى تناسلت وعطائى تلاحق وسهامى تلاحقت، فقبضها منه، قال أبو هريرة: فلما صليت الصبح
استغفرت لأمير المؤمنين (ص ٢٦٩).
وأخرجه عبد الرزاق فى "المصنف": أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل
أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال:
بمن حيق نتجت وأنعطية تتابعت وخراج رقيق لى، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله فأبى،
كذا فى الإصابة" (٢٠٦:٧)، وهذا أصح من الأول ، سنادًا، والمراد بالأعطية ما كان له من العطاء
فى ديوان الخلافة دون الهدايا بدليل ما فى الأول من قوله: وعطائى تلاحق، فافهم. وأخرج الطبرى
فى التاريخ: حدثنى عمر حدثنا على بن محمد عن محمد بن صالح عن عبد الملك بن نوفل بن
مساحق قال: استعمل عمر عتبة بن أبى سفيان على كنانة فقدم معه بمال فقال: ما هذا يا عتبة؟ قال:
مال خرجت به معى واتجرت فيه قال: ومالك تخرج المال معك فى هذا الوجه فصيره فى بيت
المال، فلما قام عثمان قال لأبى سفيان: إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليه.
قول أبى سفيان هذا حرى بأن يكتب بماء الذهب:
فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأى الناس فيك، إياك أن ترد على من
كان قبلك فيرد عليك من بعدك اهـ (٢٩:٥). وهو محمول على أنه ترك له رأس المال وأخذ الربح
لأن الأمیر یجائی فی البيع والشراء یحتشمه الناس ویزیدون له فی الثمن تقربا إلیه فلا ينبغى له أن
يتجر إلا أن يأذن له الإمام، فافهم، والله تعالى أعلم.

٧١
ج - ١٥
باب عيادة المريض واتباع الجنازة للقاضى
٤٩٠٢- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((حق المسلم
على المسلم رد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة واتباع الجنازة وإذا استنصحك
أمره عَِّ فى الهدايا قد خالف أمر الأمة:
فائدة: وهذا بخلاف ما كان يهدى إلى رسول الله عَّ ل فكان له خاصة ولم يكن لبيت
المال، سواء أهداه إليه أهل الحرب لأن قوته ومنعته لم يكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى:
﴿وقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين﴾، وقال: ﴿والله يعصمك من الناس إن
الله لا يهدى القوم الكافرين﴾ أى إليك وقال ليظة: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) متفق عليه.
قال الطحاوى: إنما خالف أمر الأمة فى الهدايا أمر النبى معَّ. لأن الله تعالى اختصه فى أموال
أهل الحرب بخاصة خالف بها غيره من أمته فقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه
من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء﴾ الآية، من ذلك أموال بنى النضير كانت
له خالصة فكان ينفق على أهله، منها نفقة سنة ويجعل الباقى فى الخيل والكراع فى سبيل الله،
ومن ذلك الهدايا لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، والذى يروى من رده هدايا المشركين
بقوله: ((إنا لا نقبل زبد المشركين)) كان قبل أن تنزل عليه هذه الآية، فلما نزلت أباحت له من
أموالهم ما صار إليه بغير إيجاف خيل عليه ولا ركاب اهـ من المختصر من "مشكل الآثار"
(ص١٤٤)، أو أهداه إليه أهل الإسلام لأنهم لم يكونوا يهدون إليه لولايته وإمارته، بل لكونه
محبوبًا لهم بنبوته ورسالته كما لا يخفى على من مارس سيرته وسير أصحابه وعرف تفانيهم فى
محبته، ولذا قال عمر بن عبد العزيز لما قيل له: ألم يكن رسول الله معدّ لة، وأبو بكر وعمر يقبلون
الهدية: إنها لأولئك هدية وهى للعمال بعدهم رشوة (ورواه ابن سعد بقصة فيه وعلقه
البخارى، كما فى فتح البارى ١٦٢:٥).
باب عيادة المريض واتباع الجنازة للقاضى
قوله: اتباع الجنازة وعيادة المريض: أقول: استدل به على جواز عيادة المريض، واتباع الجنازة
للقاضى لالتماس حقوق المسلم على المسلم وليس فيها تهمة، بخلاف إجابة الدعوة فإن فيه تهمة
فيمنع منه القاضى، قال العبد الضعيف: وكذا المريض إنما يعوده إذا لم تكن له خصومة عند القاضى
وإلا لا يعوده، صرح به المحقق فى "الفتح".

٧٢
عيادة المريض واتباع الجنازة للقاضى
إعلاء السر،
فانصح له)) رواه مسلم، ورواه البخارى أيضًا ولكن ليس فيه: ((إذا استنصحك فانصح
له)). بل فيه: ((وعيادة المريض)).
وصرح أيضًا بأنه لا فرق بين الهدية وإجابة الدعوة، فلا يحضر دعوة إلا إذا كانت عامة ولا
خصومة لمداعى لأن الخاصة لأجل القضاء فيتهم بالإجابة، وعن محمد: يجيب قريبه وأن
كانت خاصة هكذا حكى الخلاف الطحاوى، وقال الخصاف: يجيب الخاصة لقريبه بلا خلاف
لصلة الرحم، وعلى تقدير الخلاف طولب بالفرق فى القريب بين الهدية فقال: يقبل منه مطلقًا،
ولم يفصل بين جرى العادة وغيره، وفى الدعوة فصل بين العامة والخاصة، كما ذكر فى المتن،
قال شيخ الإسلام قالوا: ما ذكر فى الضيافة محمول على ما إذا كان المحرم لم يجرى بينهما
الدعوة والمهاداة وصلة القرابة وأحدث بعد القضاء ذلك، فإذا كانت الحالة هذه فهو والأجنبى
سواء، وما فى الهدية محمول على أنه كان جرى بينهما المهاداة وصلة القرابة قبل القضاء فإذا
أهدى بعد القضاء لا بأس بقبوله انتهى، فقد آل الحال إلى أنه لا فرق بين القريب والغريب فى
الهداية والضيافة سوى ذلك الإمكان الذى قدمناه. وهو أن يكون سبب عدم إهدائه قبل القضاء
فقره ثم أيسر بعد ولاية قريبة، فصار يهدى إليه اهـ، (وهذا كما ترى يعم القريب والغريب معًا،
فلا يصلح سببًا للتخصيص).
واختلف فى الخاصة والعامة، والأصل فيه ما ذكره فى "الهداية": إن الخاصة ما لو علم
المضيف أن القاضى لا يحضرها لا يتخذها، ولكن الأضبط ما حكى عن القاضى أبى على النسفى
أن العامة دعوة العرس والختان وما سواهما خاصة، فإن معرفة كون الرجل لو لم يحضر القاضى
لم يصنع أو يصنع غير محقق فإنه أمر مبطن وإن كان عليه لوائح فليس كضبط هذا، ويكفى عادة
الناس فى ذلك، وعادة الناس هى ما ذكره النسفى، والله أعلم.
وعند الشافعى وأحمد يحضر الولائم مطلقا (عامة كانت أو خاصة) لأنه مَ ◌ّ كان
يحضرها وهو الذى كان يقضى. قلنا: كان عرّ ◌ُلّه معلوم العصمة عند الكل (وما كانوا يهدون إليه
ويضيفونه إلا بإخلاص المحبة لا غائلة فيها أصلاً فلا يضره حضور وليمة ولا قبول هدية (فتح
القدير ٣٧٢:٦) بدليل ما مر من قبول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فى آخر الباب الماضى،
فتذكر، فإن كثرت الولائم العامة وازدحمت تركها كلها ولم يجب أحدا لأن ذلك يشغله عن
الحكم الذى قد تعين عليه لكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل، ولا يجيب بعضًا دون بعض لأن فى
ذلك كسر القلب من لم يجبه إلا أن يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض مثل أن يكون فى

٧٣
ج - ١٥
باب رزق القاضی والعاملین علیها
٤٩٠٣- عن عبد الله بن السعدی أنه قدم علی عمر فی خلافته فقال له عمر:
ألم أحدث أنك تلى من أعمال الناس أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى،
فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لى أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير، وأريد أن تكون
إحداهما منكرًا وتكون فى مكان بعيد أو يشتغل بها زمنًا طويلاً والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة
إليها دون الأولى، لأن عذره ظاهر فى التخلف عنها، قاله الموفق فى "المغنى" (٤٤٤:١١)
وقواعدنا تساعده قال: وله إتيان مقدم الغائب وزيارة إخوانه والصالحين من الناس أى بشرط أن لا
يكون لأحد منهم خصومة عنده، لأنه قربة وطاعة وإن كثر ذلك فليس له الاشتغال به عن الحكم
لأن هذا تبرع فلا يشتعل به عن الفرض وله حضور البعض دون البعض لأن هذا يفعله لنفع نفسا
لتحصيل الأجر والقربة له، وكذا فى عيادة المرضى وشهود الجنائز، وأما الولائم فيراعى فيها حقّ
الداعى فينكسر قلب من لم يجبه إذا أجاب غيره اهـ (٤٤١:١١).
وعلق البخارى رحمه الله عن عثمان أنه أجاب عبدًا للمغيرة بن شعبة ووصله أبو محمد بن
الصاعد فى "فوائده"، وابن المبارك فى زوائده بسند صحيح إلى أبى عثمان الهندى أن عثمان بن
عفان رضى الله عنه أجاب عبدا للمغيرة بن شعبة دعاه وهو صائم فقال: أردت أن أجيب الداعى
وأدعو للبركة، قال ابن بطال عن مالك: لا ينبغى للقاضى أن يجيب الدعوة إلا فى الوليمة خاصة
(أى وهى عامة)، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك، والترك أحب إلينا لأنه أنزه إلا أن يكون لأخ فى
الله أو خالص قرابة أو مودة، وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم ذكرد
الحافظ فى "الفتح" (١٤٤:١٣).
قلت: وقد تقدم الجواب عن احتجاج الشافعية ومن وافقهم بحديث أبى موسى مرفوعا:
(فكوا العانى)) ((وأجيبوا الدعى)) وربما ورد من الوعيد فى تركه من قوله معّ له: ((ومن لم يجب
الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) بأنه ليس على أطلاقه لجواز ترك الدعوة إذا كان هناك منكر اتفاقا
فكذا إذا كان فى إجابتها مظنة التهمة ألا ترى أنه معَّة. قد أمر بالتهادى فى قوله: تهادوا تحابو، ومع
ذلك لم يطلقوا للقاضى قبول كل هدية، فافهم.
باب رزق القاضى والعاملین علیها
قوله: عن عبد الله بن السعدى إلخ. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": يجوز

٧٤
رزق القاضى والعاملين عليها
إعلاء السنن
عمالتى صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل فإنى كنت أردت الذى أردت وكان
رسول الله عّ لّه يعطينى العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منى حتى أعطانى مرة مالا
فقلت: أعطه أفقر إليه منى، فقال النبى معَّ له: ((خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من
هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك))، رواه البخارى
ومسلم (فتح البارى ١٣٤:١٣).
للقاضى أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعى وأكثر أهل العلم، وروى عن عمر
أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا (رواه ابن المنذر بلفظ: أن زيد بن ثابت كان
يأخذ الأجر على القضاء، "فتح البارى" ١٣٦:١٣)، ورزق شريحًا فى كل شهر مائة درهم (قال
الحافظ فى "التلخيص": لم أره هكذا ص٤٠٦) وبعث إلى الكوفة عمارًاً وعثمان بن حنيف وابن
مسعود ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان، وكان ابن مسعود
قاضيهم ومعلمهم. (رواه أبو عبيد فى "الأموال" بسند صحيح (ص٦٨) أتم وأطول).
وكتب إلى معاذ بن جبل فذكر ثانى الباب وقال: قال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع
الحاجة فأما مع عدمها فعلى وجهين، وقال أحمد: ما يعجبنى أن يأخذ على القضاء أجرًا (لا نزاع
فيه وإنما الكلام فى الرزق)، وإن كان فبقدر شغله مثل والى اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن
يكرهان الأجر على القضاء (لا دليل فيه على كراهة الرزق)، وكان مسروق وعبد الرحمن بن
القاسم لا يأخذان عليه أجراً وقالا: لا نأخذ أجرًا على أن نعدل بين اثنين (وفيه ما قد تقدم)، وقال
أصحاب الشافعى: إن لم يكن متعينًا جاز له أخذ الرزق عليه، وإن تعين لم يجز إلا مع الحاجة،
والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال (بدليل حديث عمر وهو أول الباب) لأن أبا بكر رضى
الله عنه لما ولى الخلافة فرضوا له الرزق كل يوم درهمين (لم أره هكذا، وسيأتى بيان الاختلاف فى
مقداره)، ولما ذكرناه من أن عمر رزق زيدًا وشريحًا وابن مسعود أمر بفرض الرزق لمن تولى من
القضاة (من غير تقليد بالحاجة وغيرها ولا بأن يكون ممن تعين له أو لا) ولو لم يجز فرض الرزق
لتعطل القضاء وضاعت الحقوق، فأما الاستئجار عليه فلا يجوز.
قال عمر رضى الله عنه: لا ينبغى لقاضى المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً وهذا
مذهب الشافعى ولا نعلم فيه خلافًا قال: فإن لم يكن للقاضى رزق فقال للخصمين: لا أقضى
بينكما حتى تجعلا لى رزقًا عليه جاز ويحتمل أن لا يجوز اهـ ملخصًا (٣٧٧:١١).

٧٥
رزق القاضى والعاملين عليها
ج - ١٥
٤٩٠٤- وأخرجه البخارى من طريق سالم عن عبد الله بن عمر عن عمر قصة
دون قصة ابن السعدى وزاد سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا ولا
يرد شيئًا أعطيه (فتح البارى أيضًا).
وقال الطبرى: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضى الأجرة(١) على الحكم لكونه يشغله
الحكم عن القيام بمصالحه غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك، وقال أبو
على الكرابيسى: لا بأس للقاضى أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة
ومن بعدهم، وهوقول فقهاء الأمصار لا أعلم بينهم اختلافًا، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق،
ولا أعلم أحداً منهم حرمه.
وقال المهلب: وجه الكراهة أنه فى الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه: ﴿قل
لا أسئلكم عليه أجرًا﴾ فأرادوا أن يجرى الأمر فيه على الأصل الذى وضعه الله لنبيه ولئلا يدخل
فيه من لا يستحقه، فيتحيل على أموال الناس. وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة
الأخذ من الحلال جائز إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى
الترك جزمًا ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه.
واختلف إذا كان الغالب حرامًا، وأما من غير بيت المال ففى جواز الأخذ من المتحاكمين
خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا لا بد منها، وقد حبر القول بالجواز إلى إلغاء الشروط وفشا
ذلك فى هذه الأعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله المستعان، وأثر شريح وصله عبد الرزاق وسعيد
ابن منصور من طريق مجالد عن الشعبى بلفظ: كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرًا، ، كان
شريح يأخذ، وأثر عائشة وصله ابن أبى شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فى قوله
تعالى: ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ قالت: أنزل الله ذلك فى والى مال اليتيم يقوم عليه بما
يصلحه إن كان محتاجاً أن يأكل منه، وأثر أبى بكر أسنده البخارى فى البيوع من طريق الزهرى
من عروة عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومی
أن حرفتى لم تكن تعجز عن مؤنة أهلى وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبى بكر من هذا المال
وأحترف للمسلمین فیه، وری ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال: لما استخلف أبو بكر أصبح
غاديًا إلى السوق على رأسه أثواب يتجربها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فقالا:
(١) لو قال: الرزق بدل الأجرة لكان أصوب، فإن أخذ الأجرة مختلف فيه جدا.

٧٦
رزق القاضى والعاملين عليها
إعلاء السنن
٤٩٠٥- وذكر البخارى تعليقًا كان شريح القاضى يأخذ على القضاء أجرًا وأكل
أبو بكر وعمر وقالت عائشة: يأكل الوصى بقدر عمالته (فتح البارى ١٣٣:١٣).
كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالى؟ قالوا: نفرض لك ففرضوا
له كل يوم شطر شاة، وزاد الإسماعيلى فى أثر أبى بكر من طريق معمر عن الزهرى:
فلما استخلف عمر أكل هو وأهله من المال -أى مال المسلمين- واحترف فى مال نفسه (فتح
البارى ١٣: ١٣٢ و ١٣٣ و٢٥٨:٤).
وأما أثر عمر فوصله ابن أبى شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب قال: قال عمر: إنى
أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت
بالمعروف، وسنده صحيح، وأخرج الكرابيسى بسند صحيح عن الأحنف قال: كنا بباب عمر
فذكر قصة وفيها: فقال عمر: أنا أخبركم بما أستحل، ما أحج عليه وأعتمر، وحلتى الشتاء والقيظ،
وقوتى وقوت عيالى كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم. ورخص فيه الشافعى وأكثر أهل
العلم، وعن أحمد لا يعجبنى، وإن كان فبقدر عمله مثل ولى اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز
الاستئجار علیه، رجعنا إلى حديث الباب.
قال الطبرى فى حديث عمر: الدليل الواضح على أن لمن شغل بشىء من أعمال المسلمين
أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفىء وعمال الصدقة وشبههم لإعطاء رسول
الله عَِّ عمر العمالة على عمله، واحتج أبو عبيد فى جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة
وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها، وحكى الطبرى عن العلماء هل الأمر فى قوله فى هذا
الحديث: خذه وتموله للوجوب أو للندب؟ وقال ابن بطال: فى الحديث أن أخذ ما جاء من المال من
غير سؤال أفضل من تركه لأنه يقع فى إضاعة المال وقد ثبت النهى عن ذلك، وتعقبه ابن المنير بأنه
ليس من الإضاعة فى شىء لأن الإضاعة التبذير بغير وجه صحيح، وأما الترك توفيراً على المعطى
تنزيها عن الدنيا وتحرجا أن لا يكون قائمًا بالوظيفة على وجهها فليس من الإضاعة ثم قال: والوجه
فى تعليل الأفضلية أن الأخذ أعون فى العمل وألزم للنصيحة من التارك، لأنه إن لم يأخذ كان عند
نفسه متطوعًا بالعمل فقد لا يجد جد من أخذ ركونا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذى يأخذ فإنه
يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها، وقال ابن المنذر: حديث ابن السعدى
حجة فى جواز أرزاق القضاة من وجوهها، كذا فى "فتح البارى" (١٣٦:١٣) أيضًا.

ج - ١٥
رزق القاضى والعاملين عليها
٧٧
٤٩٠٦- وكتب عمر إلى عماله: استعملوا صالحيكم على القضاء واكفوهم،
أخرجه البيهقى بسند قوى (فتح البارى ١٠٨:١٣)، وذكره الموفق فى "المغنى"
(٣٧٧:١١) بلفظ: وكتب عمر إلى معاذ بن جبل وأبى عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن
انظرا رجالا من صالحى من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم
وا کفوهم من مال الله اهـ.
٤٩٠٧- عن بريدة مرفوعًا: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقًا فما أصاب بعد
رزقه فهو غلول. رواه أبو داود والحاكم (التلخيص الحبير ٤٠٣:٢)، وسكت عنه أبو
داود والمنذرى (عون المعبود ٩٤:٣).
٤٩٠٨- عن میمون الجزری والد عمرو قال: لما استخلف أبو بکر جعلوا له
ألفين، قال: زيدونى فإن لى عيالا وقد شغلتمونى عن التجارة فزادوه خمس مائة، رواه
ابن سعد بسند صحيح إلى ميمون (التلخيص ٢: ٤٠٦) أيضًا.
قوله: وكتب عمر إلى عماله إلخ. دلالته على رزق القضاء من بيت المال بقدر الكفاية من
غير تضييق عليهم ظاهرة.
قوله: عن بريدة إلخ. دلالته على فرض الرزق للعمال من بيت المال ظاهرة.
قوله: عن ميمون الجزرى إلخ. قد اختلفت الروايات فى قدر ما فرضوه لأبى بكر
ففى رواية: أنهم فرضوا له نصف شاة كل يوم، وفى رواية: أنهم فرضوا له ألفين ثم زادوه
خمس مائة وروى الطبرى بسند فيه الواقدى وبقية ثقات أنهم فرضوا له فى كل سنة ستة
آلاف درهم (٥٤:٤).
وذکر الموفق أنهم فرضوا له کل یوم درهمین، ویمکن الجمع بأنهم فرضوا له فى الابتداء
قليلا لقلة المال فى بيت المال ثم زادوه حين وسع الله على المسلمين وأعطاهم من غنائم الكفار
والمشركين، ومع ذلك فإن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما حين حضرهما الوفاة ردا على بيت المال
ما كان أخذ منه فى حياتهما، فقد روى أبو عبيد فى الأموال: حدثنا أبو النضر عن سليمان بن
المغيرة عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك أن أبا بكر قال لعائشة وهى تمرضه: أما والله لقد كنت
حريصًا على أن أوفر فىء المسلمين، على أنى قد أصبت من اللحم واللبن، فانظرى ما كان عندنا
فأبلغيه عمر، قال: وما كان عنده دينار ولا درهم وما كان إلا خادما ولقحة ومحلبا، فلما رجعوا

٧٨
رزق القاضى والعاملين عليها
إعلاء السنن
٤٩٠٩- عن المستورد بن شداد قال: سمعت النبى عَّ يقول: من كان لنا عاملا
فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن
من جنازته أمرت به عائشة إلى عمر فقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. (وهذا سند
صحيح) قال: وحدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون عن ابن سيرين قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة
قال لعائشة: إنى لم أرد أن أصيب من هذا المال شيئًا فلم يدعنى ابن الخطاب حتى أصبت منه ستة
آلاف، وإن حائطى الذى بمكان كذا وكذا فيها (أى جعلته فى هذه الستة آلاف) قال: فلما قبض
بعثت عائشة إلى عمر فذكرت له ذلك فقال: رحم الله أباك لقد أحب أن لا يدع لأحد مقالا، وإنى
ولی الأمر بعده وقد رددتها إلیکم (ص٢٦٧).
وهذا مرسل صحيح ولعل ابن سيرين سمعه من أنس رضى الله عنه. وهذا لا ينافى ما رواه
الطبرى أنهم فرضوا له فى كل سنة ستة آلاف، فلعلهم فرضوا ذلك توسعة عليه وعلى عياله حين
وسع الله على المسلمين ولكنه لم يأخذ من بيت المال إلا بقدر الكفاية -أى ألفين وخمس مائة-
وكانت مدة خلافته سنتين وأشهرًا، فأخذ بها ستة آلاف، وفى رواية الطبرى المذكورة: فلما
حضرته الوفاة قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإنى لا أصيب من هذا المال شيئًا، وإن أرضى
التى بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر ولقوحًا وعبدًا صيقلا
وقطيفة ما تساوى خمسة دراهم، فقال عمر: لقد أتعب من بعده، وفى لفظ له: قال أبو بكر:
أنظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه عنى، فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف درهم فى
ولايته اهـ (٥٤:٤).
وروى البخارى عن عمرو بن ميمون فى قصة البيعة، والاتفاق على عثمان بن عفان أن عمر
حين حضرته الوفاة قال: يا عبد الله بن عمر! أنظر ما ذا على من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة
وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل فى بنى عدى بن
كعب، فإن لم تف أموالهم فسل فى قريش ولا تعدهم إلى غيرهم اهـ. قال الحافظ فى "الفتح":
وفى حديث جابر (عند ابن سعد): ثم قال: يا عبد الله! أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت
فدفنتنى أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفًا فتضعها فى بيت مال المسلمين،
فسأله عبد الرحمن بن عوف فقال: أنفقتها فى حجج حججتها وفى نوائب كانت تنوينى، وعرف
بهذا جهة دين عمر قال ابن التين: قد علم عمر أنه لا يلزمه غرامة ذلك إلا أنه أراد أن لا يتعجل من
عمله شىء فى الدنيا، وبهذا يجتمع ما روى عمر بن شبة فى "كتاب المدينة" بإسناد صحيح

ج - ١٥
رزق القاضى والعاملین علیها
٧٥
فليكتسب مسكنًا، قال أبو بكر: أخبرت أن النبى عّ لّه قال: ((من اتخذ غير ذلك فهو
أن نافعاً قال: من أين يكون على عمردين وقد باع رجل من ورثة ميراثه بمائة ألف؟ انتهى (٥٣:٧)،
ولقد صدق لم يكن عليه دين يلزمه غرامته، ولكنه عد ما كان له من الحق فى بيت المال، وأخذه
عند الحاجة دينًا عليه تورعًا كيلا يتعجل من عمله شىء فى الدنيا، ولعل الرباع التى أمر ببيعها
كانت لا تزيد على الثلث، والله تعالى أعلم.
وحديث جابر هذا ذكره المتقى فى "كنز العمال" مطولا وفيه: فقال له عبد الرحمن بن
عوف وكان عند رأسه: يا أمير المؤمنين! وما قدر هذه الثمانين ألفًا فقد أضررت بعيالك أو بآل عمر
(أى لم توسع عليهم فى مدة ولايتك فلا تبعة عليك فيها)، فقال: إليك عنى يا ابن عوف! فقال له
عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين! أبشر وأحسن الظن بالله فإنه ليس أحد منا من المهاجرين
والأنصار إلا وقد قبض مثل الذى أخذت من الفىء الذى جعله الله لنا وقد قبض رسول الله معد له
وهو عنك راض وقد كانت لك معه سوابق (أى فلم يكن الذى أخذته من بيت المال عمالة العمل
الذى عملته للمسلمين، بل كان حقًّا لك تستحقه مثل الذى يستحقه كل مسلم فى الفىء) فقال:
يا ابن عوف! ودّ عمر أنه خرج منها كما دخل فيها، إنى أود أن ألقى الله فلا تطالبونى بقليل ولا .
کثیر اهـ (٣٦٣:٦).
قلت: فامتثل أبو بكر وعمر رضى الله عنهما قول رسول الله عَّ له فى العمالة: «خذه فتموله
أو تصدق(١) به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك»
فأخذا رضى الله عنهما العمالة ثم تصدقا به على بيت المال، وهذا أفضل من إيثار المرأ بعطائه عن
نفسه من هو أفقر إليه منه فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على
عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما فى النفوس من الشح على المال قاله ابن بطال، كما فى "فتح
البارى" (١٣٤:١٣).
أخذ أبى بكر وعمر الرزق على الولاية
کان أشد وأحمز علی النفس من تر که:
قلت: ولا يخفى أن مثل هذا التسبب أشد على النفس وأحمز من ترك التسبب رأسًا، فكان
الشيخان رضى الله عنهما سيدى التاركين وإن كانا فى الظاهر من المتسببين فعجبا ممن رأى أخذهما
(١) هكذا فى رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر: أو تصدق به بلفظ أو بدل الواو، كما فى "فتح البارى" (١٣٤:١٣).

٨٠
رزق القاضى والعاملین علیها.
إعلاء السنن
غال أو سارق)) رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى (عون المعبود ٣: ٩٥).
الرزق من بيت المال حين وليا الأمر وأغمض عينيه عن ردهما كل ما أخذاه على بيت مال المسلمين
فی آخر العمر.
حكم الهدية إذا كانت فيه شبهة:
فائدة: وما فى رواية سالم من قوله: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا،
ولا يرد شيئا أعطيه، بعمومه ظاهر فى أنه كان لا يرد ما فيه شبهة وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا
المختار بن أبى عبيد الثقفى، وهو أخو صفية زوج ابن عمر، وكان المختار غلب على الكوفة، وطرد
عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرا عليها مدة فى غير طاعة(١) خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من
المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه(٢) وكان مستنده (والله أعلم) أن له حقّا فى
بيت المال فلا يضره على أى كيفية وصل إليه، أو كان يرى أن التبعة فى ذلك على الآخذ الأول،
أو أن للمعطى المذكور مالا آخر فى الجملة وحقا ما فى المال المذكور، فلما لم يتميز وأعطاه له عن
طيب نفس دخل فى عموم قوله: ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه، فرأى أنه
لا يستثنى من ذكل إلا ما علمه حراما محضا، قاله الحافظ فى "فتح البارى" (١٣٦:١٣).
قلت: ويحتمل أنه كان يأخذه ثم يتصدق به على الفقراء والمساكين وغيرهم من مصارف
بيت المال، والله تعالى أعلم.
· من أعطى شيئا من غير مسألة لا يجب عليه قبوله:
فائدة: فى قول عمر: وكان رسول الله عَّ اللّه يعطينى العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منى حتى
أعطانى مرة مالا فقلت: أعطه أفقر إليه منى، فقال النبى عَّه: ((خذه فتموله وتصدق به))، الحديث
(١) وفيه أن مذهب ابن عمر أنه كان لا يبايع أحدا فى الفرقة، ولذلك لم يبايع عليا ولا معاوية وهما متحاربان، ثم بايع معاوية حين
سلم له الحسين، وبايع يزيد لاتفاق الناس عليه فى الابتداء ثم لم يبايع ابن الزبير ولا مروان ولا غيرهما، حتى اجتمع الناس على
عبد الملك بن مروان فبايعه فلم يكن الخليفة عنده إلا من اجتمع عليه الناس، والله تعالى أعلم.
(٢) أى لكونه لم يكن عاصيا عنده بالخروج على ابن الزبير لما مر من أن الخليفة عنده من اجتمع الناس عليه، وإذا عدم الخليفة فكل
متغلب أمير على ما فى يده وتصرفه فيه صحيح نافذ ما لم يخالف الشرع، ولعل ابن عمر لم يتحقق عنده ما تحقق عند غيره
من سوء مذاهب المختار ودعواه النبوة والوحى لنفسه، فإنه كان فى أول أمره ينتحل أخذ ثارات الحسين رضى الله عنه
والتعصب لأهل بيت النبوة.