النص المفهرس
صفحات 1-20
حا إغلاِالسُّنْن ٧ N ، مجلس تأليف الحَّالنَّائِ العَلَامِ مُو ◌َلاَنَاظَّفَ أَجِدِ الجُمَانِى النَّهَانُوِيَّالله على ضوء ما أفاده مُجَ الأمْرَالإِالفِفِ الدَّاعَة ◌ِ كَيْ مَوَإِنَا الشَّيْع ◌َشْفَع ◌َلى النّارِ أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة الجزء الخامس عشر أشرف منزل د/٤٣٧، كماردن الست، كراتشى، باكستان جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها . ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN No part of this book may be reproduced or utilized in any form or by any means الطبعة الأولى : ١٤٠١ هـ الطبعة الثانية : ١٤٠٥ هـ ١٤١٥ هـ الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر: بإدارة القرآن كراتشى الصف والطبع: نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين نعیم اشرف نور أحمد على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه ........... ............ فهيم اشرف نور أحمد أشرف على طباعته : من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ٤٣٧/٢ گارڈن ایسٹ کراتشي ٥ با کستان الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨ ويطلب أيضاً من : باب العمرة مكة المكرمة المكتبة الإمدادية السمانية المدينة المنورة مكتبة الإيمان الرياض - السعودية مكتبة الرشد ١٩٠ انار كلى لاهور إداره اسلاميات ٣ ج - ١٥ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب القضاء باب کیفیة القضاء وجواز الحکم بالرأی فیما لا نص فيه ٤٨٧٥- عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أكثروا علی عبد الله ذات يوم، فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما فى كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس فى باب كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه أقول: قد علم من الأثر المذكور كيفية القضاء بأنه يقضى أولا بما فى كتاب الله ثم بما فى سنة رسول الله عَ ليه ثم بما قضى به الصالحون ثم بما يؤدى إليه اجتهاده، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه الله . مشروعية القضاء بالكتاب والسنة والإجماع : قال العبد الضعيف : الأصل فى القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب : فقول الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ﴾، وقوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، وقوله: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله لیحکم بينهم﴾، وقوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. وأما السنة: فما روى عمرو بن العاص عن النبى عّ لّل أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) متفق عليه فى آى وأخبار سوى ذلك كثيرة، وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس. قاله الموفق فى "المغنى" (٣٧٣:١١). الرد على ابن حزم فى احتجاجه بالآيات على تحريم الحكم بالقياس: واحتج ابن حزم بما تلونا من الآيات على بطلان الحكم بقياس ورأى، أو استحسان، وقال: لا يحل الحكم إلا بما أنزل الله على لسان رسوله عَّ له وهو الحق. وكل ما عدا ذلك، فهو جور وظلم لا يحل الحكم به اهـ (٣٦٢:٩) . ٤ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه عّ لّه، فإن جاءه أمر ليس فى كتاب الله ولا قضى به عٍَّ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس فى كتاب الله ولا قضى نبيه قلت: اللهم نعم ولكن الحكم بالقياس المستنبط من الكتاب والسنة فيما لم يوجد حکمه فى كتاب الله وسنة رسوله صريحًا ليس إلا حكمًا بما أنزل الله على لسان رسوله معدّ لله، ومن أنكر القياس محتجاً بقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم). وقوله: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾، فقد خلع ربقة الفقه من عنقه، فإن ذلك لا يقتضى وجود حكم كل نازلة فى كتاب الله صريحًا، وإلا لم نحتج إلى سنة الرسول عنّي، ولا إلى أقوال الصحابة، وبطلان ذلك مما لا يخفى على جاهل فضلا عن عالم عاقل؛ وإذا أثبت الاحتياج إلى السنة ثبت أن قوله تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾ وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ محمول على تكميل الأصول المحتوية على الفروع الحادثة إلى يوم القيامة، ومن تلك الأصول مشروعية الاجتهاد والاستنباط من الكتاب والسنة، ومنها لزوم العمل بما أجمعت عليه الأمة، فإن تفريع الفروع من الأصول لا يتيسر إلا باجتهاد الرأى فى الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضى الله عنهم: ودليل ذلك أثر ابن مسعود المذكور حيث قال: فإن جاءه أمر ليس فى "كتاب الله"، ولا قضى به نبيه معَّه ولا قضى به الصالحون فلیجتهد رأيه. الرد على ابن حزم فى قوله: إن رسول الله عَ لّم وأصحابه لم يحكموا بالرأى قط: وأما قول ابن حزم: ولا سبيل لهم البتة إلى وجود حكم طول مدة رسول الله عَ ليه بقياس أصلا ولا برأى البتة ولا إلى أن يوجد عن أحد من الصحابة الأمر بالقياس فى الدين من طريق صحيحة أبدا اهـ. فما أدله على جهل قائله أو قلة مراجعته السنة أو تغريره العوام بتمويهاته الباطلة ! فأنشدكم الله! هل كان حكم رسول الله باستحياء أسارى بدر بأخذ الفدية منهم إلا بالرأى؟ وهل لأحد قد شم رائحة من العلم والحياء أن يدعى أن حكمه ذلك كان بالنص؟ وهل كان سوقه الهدى فى حجته إلا بالرأى؟ بدليل قوله مرّ له: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى)) . . إثبات القياس والحكم بالرأى من الصحابة: وهل كان قتال أبى بكر أهل الردة الذين منعوا الزكاة ولم يجحدوا رسالة سيدنا محمد عَ ◌ّ، وقالوا: لا إله إلا الله إلا بالرأى؟ وهل كان جمعهم القرآن فى المصحف إلا بالرأى؟ : ٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأ، ولا يقول: إنى أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، ولو كان كل ذلك بنص من رسول الله عّ لّه صريح لم يقل له عمر: يا أبا بكر! كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله عَّه: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم، منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق المال (كما أن الصلاة حق النفس)، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله عَّ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. رواه البخارى وغيره (فتح البارى ٢٤٦:١٢). وكذلك لم يقل أبو بكر لعمر حين أشار عليه بجمع القرآن فى مصحف واحد: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله عّ لّه، فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدره لذلك، ورأى فى ذلك الذى رأى عمر، رواه الشيخان وغيرهما، وفى كل ذلك دليل على مشروعية الاجتهاد فى النوازل وردها إلى الأصول، ولم يكن قتال أبى بكر أهل الردة وجمعه القرآن فى مصحف إلا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولعل من أنكر القياس والاجتهاد وأبطل الحكم بهما يوجه الاعتراض على أبى بكر فى ذلك، ويقول كقول الروافض: كيف جاز له أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ وكيف ساغ له قتال من قال لا إله إلا الله بمجرد الرأى؟ فان قوله: إن الزكاة حق المال (كما أن الصلاة حق النفس)، وقول عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبى بکر للقتال فعرفت أنه الحق صریح فى أنه لم یکن عندهما نص من رسول الله ګ فى ذلك أصلا: فبطل. قول ابن حزم: ولا سبيل البتة إلى أن يوجد عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم الأمر بالقياس فى الدين من طريق صحيحة أبدًا (المحلى ٩: ٣٦٥). '٦ Z قتال على وأهل الجمل وقتال على ومعاوية لم يكن إلا عن اجتهاد: وهذا لو قاله جاهل بالسنة لعذرناه ولكن كيف بابن حزم فى حفظه وجمعه للآثار؟ فنسأله أن قتال على وأهل الجمل وقتال على ومعاوية هل كان بنص أو بقياس ورأى؟ لا سبيل إلى الأول لما فى الصحيح عن أبى وائل لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأى فلقد رأيتنى يوم أبى جندل (أراد يوم الحديبية) ولو أستطيع أن أرد على رسول الله عَ لّم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم ما وضعناه أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلنّ بنا إلى أمر نعرفه ٦ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. أخرجه النسائي، وقال: هذا الحديث حديث جيد، وأخرج نحوه عن عمر (نسائى ٣٠٥:٢). قبل هذا الأمر ما نسد منها خصما إلا انفجر علينا خصم ما ندرى كيف نأتى له أى وذلك لشدة المعارضة بين حجج الفريقين، إذ حجة على ومن معه ما شرع لهم من قتال أهل البغى، حتى يرجعوا إلى الحق، وحجة معاوية ومن معه ما وقع من قتل عثمان مظلوما ووجود قتلته بأعيانهم فى العسكر العراقى، فعظمت الشبهة، حتى اشتد القتال وكثر القتل فى الجانبين إلى أن وقع التحكيم، فكان ما کان، کذا فى "فتح البارى" (٣٥١:٧ و ٢٤٤:١٣). وسئل على رضى الله عنه عن مسيرته إلى صفين هل كان بعهد عهده إليه رسول الله عَ ليه أم رأى رآه؟ قال: بل رأى رأيته (إعلام الموقعين ٢٢:١ لابن القيم، وعن قيس بن عباد قال: كنا مع على قال: فكان إذا شهد مشهدًا، أو رقى على أكمة، أو هبط واديا قال: سبحان الله صدق الله ورسوله، فقلت لرجل من بنى يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين حتى نسأله عن قوله: صدق الله ورسوله فانطلقنا إليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين! رأيناك إذا شهدت مشهدًا أو هبطت واديا أو أشرفت على أكمة قلت: صدق الله ورسوله فهل عهد إليك رسول الله عَّه شيئا فى ذلك؟ قال: فأعرض عنا وألححنا عليه، فلما رأى ذلك قال: ما عهد إلى رسول الله عَِّ عهدا إلا شيئا عهده إلى الناس ولكن الناس وقعوا فى عثمان فقتلوه فكان غيرى فيه أسوأ حالا أو فعلا منى (أشار إلى طلحة والزبير)، ثم إنى رأيت أنى أحقهم بهذا الأمر فوثبت عليه، فالله أعلم أصبنا أم أخطأنا، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غیر علی ابن زید، وقد یحسن حديثه (مجمع الزوائد ٢٤٥:٧). وفيه ما يدل على أن قتال أهل الجمل وصفين كان عن اجتهاد ورأى واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك لأنهم لم يقاتلوا فى تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ فى الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يوجر أجرين. قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٨:١٣). وثبت فى الصحيح من طريق شعبة أخبرنى عمر وهو ابن مرة سمعت أبا وائل يقول: دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه على إلى أهل الكوفة يستنفرهم فقالا: ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك فى هذا الأمر منذ أسلمت، فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتهما أمرأ أكره عندى من إبطالكما عن هذا الأمر (فتح البارى ١٣: ٥٠). وهل هذا إلا اختلاف اجتهاد ورأى؟ وهل كان إسراع من أسرع فى هذا الأمر، وإبطاء من ٠ ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه أبطأ عنه بنص من رسول الله عَّرِ؟ كلا لن يقول بذلك إلا من خلع ربقة الفقه والعلم من عنقه، فمن أين لابن حزم أن يقول: لا سبيل البتة إلى أن يوجد عن أحد من الصحابة الأمر بالقياس فى الدين من طريق صحيحة أبدا، وهل هذا إلا غفلة عن سير الصحابة واتخاذها وراءه ظهريا. لا شك فى أنه مَّ ربما عمل بالرأى: بل ولا يشك كل من مارس الأخبار فى أنه معَّ- ربما عمل بالرأى من أمر الحرب وتنفيذ الجيوش وإعطاء المؤلفة، وأخذ الفداء من الأسارى، ومن ذلك إذنه للمنافقين فى القعود عن غزوة تبوك وتحريمه على نفسه مارية أو العسل بالرأى، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾، وقوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾، وغير ذلك مما يطول ذكره. وأما ابن حزم فلم يحفظ من القرآن إلا قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وقوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ونسى قوله: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾؛ لأن المراد بقوله: ﴿بما أراك الله﴾ ليس محصوراً فى المنصوص، بل فيه إذن فى القول بالرأى، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ فإن رأى الأنبياء وحى باطن مثل رؤياهم، ومن ادعى الفرق بين الرأى والرؤيا فعليه البيان. وقد شرع عّه لأمته القياس وأعلمهم كيفية الاستنباط فيما لا نص فيه حيث قال للتى سألته: هل نحج عن أمها؟ : أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فالله أحق بالقضاء. وهذا هو القياس فى لغة العرب، وقد شبه الحمر بالخيل فأجاب من سأله عن الحمر بالآية الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ إلى آخرها، وهذا هو القياس عند العلماء. قد اجتهد الصحابة فى زمن النبى ◌ّ الاه وبعده: وقد اجتهد الصحابة فى زمن النبى معَّ فى كثير من الأحكام، ولم يعنفهم كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر فى بنى قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها فى الطريق وقال: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى، ولما كان على باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون فى غلام فقال كل منهم: هو ابنى. فأقرع بينهم فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين ثلثى الدية، فبلغ النبى ◌ّ فضحك حتى بدت نواجذه؛ واجتهد سعد بن معاذ فى بنى قريظة وحكم فيهم باجتهاده فصوبه النبى معَّ له؛ واجتهد الصحابيان اللذان خرجا فى سفر فحضرت الصلاة را ٨٠ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن وليس معهما ماء فصليا ثم وجدا الماء فى الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فصوبهما، وقال للذى لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك. وقال للآخر: لك الأجر مرتين .. وقال الصديق رضى الله عنه فى الكلالة: أقول: فيها برأيى، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد. وقد اجتهد ابن مسعود فى المفوضة، وسأل ابن عباس زيد بن ثابت عن زوج وأبوين فقال: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقى، وللأب بقية المال فقال: تجده فى كتاب الله أو تقوله: برأيك؟ قال: أقوله: برأيى، ولا أفضل أما على أب. ولما باع سمرة بن جندب خمر أهل الذمة وأخذه فى العشور الذى عليهم، وبلغ ذلك عمر قال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله عَ لّه قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها)) وهذا محض القياس من عمر رضى الله عنه، فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام، ومن ذلك أن الصحابة رضى الله عنهم جعلوا العبد على النصف من الحر فى النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب﴾. وقدموا الصديق فى الخلافة، وقالوا: رضيه رسول الله عّ لّه لديننا أ فلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسوا الإمامة الكبرى على الصغرى؛ وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد وترتيب واحد وحرف واحد فى زمن عثمان، وكذلك تسوية الصديق بين الناس فى العطاء برأيه وتفضيل عمر برأيه، وكذلك إلحاق عمر حد الخمر بحد القذف برأيه وأقره الصحابة، وكذلك توريث عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه المبتوتة فى مرض الموت برأيه، ووافقه الصحابة، وكذلك قول ابن عباس فى نهى النبى معَّه عن بيع الطعام قبل قبضه، وقال: أحسب كل شىء بمنزلة الطعام. فهل نسى ابن حزم هذه الآثار وهى صحاح كلها؟ فما أبعده من حافظ مثله أو أراد بما قاله تغرير العوام، وتمويه القول بالباطل من الكلام، كفاك أم أزيدك؟ ومن ذلك أخذ الصحابة فى الفرائض بالعول، وإدخال النقص على جميع ذوى الفروض قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم وهذا محض العدل؛ ومن ذلك قول أبى بكر وعمر بالرأى: إن الجد أولى من الأخ، وقد أنكر ابن عباس على زيد ابن ثابت مخالفة القياس فى مسألة الجد والإخوة، فقال : ألا يتقى الله زيد يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل ٩ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ أب الأب أبا؟ وهذا محض القياس. وهل مع زيد بن ثابت فى مسائل الجد والإخوة، والمعادة والأكدية نص من قرآن أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأى؟ ومن ذلك اختلافهم فى قول الرجل لامرأته: أنت على حرام. فقال شيخا الإسلام -أبو بكر وعمر -: هو يمين . وقال سيف الإسلام على كرم الله وجهه: هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: طلقة واحدة. وهذا من الاجتهاد والرأى، ومن أراد تفصيل الآثار وتحقيق أسانيدها فى هذا الباب، فليراجع "إعلام الموقعين" لابن القيم (٧٢:١ و ٧٨). فقد أتينا على القدر الضرورى منه ولم نقصد الاستيعاب مخافة طول الكتاب، وبالجملة فالصحابة رضى الله عنهم مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض فى أحكامها، وفتحوا للعلماء بأب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله، وهل يستريب عاقل فى أن النبى عَّه لما قال: ((لا يقضى القاضى بين اثنين وهو غضبان))، إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم، فمن قصر النهى على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه كما فعلت الظاهرية فى باب الربا، حيث قصروه على الأشياء الستة التى ورد ذكرها فى نص الحديث تمثيلا، وقالوا: لو كان الربا يجرى فى غيرها لبينه الرسول معد له. الجواب عن قول ابن حزم: إن النبى عّ لّه ما عجز قط عن أن يبين لنا مراده وحاشاه أن يكلنا إلى الآراء والظنون: وما عجز قط عن أن يبين لنا مراده، وما كان ربك نسيا، وحاش له من أن يكلنا فى أصعب الأشياء من الرباء إلى الظنون الكاذبة ظلمات بعضها فوق بعض، كما فى "المحلى" (٤٨٥:٨)، ولم يدر هؤلاء المساكين أن القرآن والسنة قد نزلا فى بلاغة قد أعجزت من رامها وأسلوب هو أعلى وأرفع من أساليب كلام الملوك والسلاطين، وقد عرف كل من له مسكة عقل أن كلام الملوك ملوك الكلام لا يدرك كنهه، وإن كان لسنانا عربيا مبينا كل بدوى ولا قروى ولا كل سخيف، بل لا بد لإدراكه من فهم سليم وفكر مستقيم ومناسبة وذوق بأسلوب كلام السلاطين، فالله ورسوله لم يعجزا قط عن أن يبينا لنا مرادهما ولكنهما بيناه لنا كبيان السلاطين والملوك البلغاء لا كبيان أهل ١٠ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن الحاجة المساكين. وشتان ما بين البيانين فلا بد لفهم الكتاب والسنة من قريحة نابغة واقدة، وفطرة سليمة قاصدة. سیوف حدادیا لوی بن غالب مواض ولکن این للسیف ضارب ودليل ذلك كله قوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، وقول النبى عدّ له: ((نضر الله أمراً سمع مقالتى فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، ولا يرى علل الأحكام التى ذكرها الفقهاء كهانات كاذبة وظنونا آفكة إلا كل من اقتصر الحكم على اللفظ وحرم فقه المعانى ودراية المقاصد والمبانى. وآفته من الفهم السقيم فکم من عائب قولا صحيحا فلا يستريب عاقل فى أن التعويل فى الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هى مقصودة للمعانى المتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة ومن عموم المعنى الذى قصده تارة، وقد يكون فهمه من المعنى أقوى، وقد يكون اللفظ أقوى، وقد يتقاربان، وقد يكون فهمه متوقفا على رؤية لهجة المتكلم، وعلى معرفة قرائن الأحوال. لا بد لفهم كلام الرسول من الرجوع إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أعرف الناس بمراده: ومن هنا كان رأى أفقه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكا وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول خيرا لنا من رأينا لأنفسنا، فنسبة آراءهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول عند طلّه كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم فى ذلك كالفرق بينهم وبينهم فى الفضل، وأن أحدا ممن بعدهم لا يساويهم فى رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأى فينزل القرآن بموافقته، فلا بد لمن أراد فهم كلام الرسول من الرجوع إلى أقوال الصحابة، وأفعالهم فى كل باب، ولكن ابن حزم ومن وافقه من الظاهرية لم يحفظوا من العلم إلا قولهم: لا حجة فى أحد دون رسول الله عَِّ، وإنما هى كلمة حق أريد بها بالباطل، فإن كلام النبى معَّه لم يبلغنا إلا من جهتهم، فكيف يتبين لنا مراده برأينا دونهم وكيف وهو الرأى الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحكمة ١١ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ج - ١٥ وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله، ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم لا واسطة بينهم وبينه وهم يتلقون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال، ولم يختلط به اختلاف، ولم تدنسه معارضة؟ ومن هنا ترى أبا حنيفة رضى الله عنه، قد اعتنى بآثار الصحابة أشد الاعتناء، وبها يفسر كلام النبى معٍَّ لا برأيه، بخلاف ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر فإنهم يفسرون كلام الله وكلام رسوله بما استقر عليه رأيهم، ويتخذون آثار الصحابة وراءهم ظهريا. تقسيم الرأى إلى محمود ومذموم: والحاصل: أن الرأى إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود، وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو: ((إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى أناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون». رواه البخاری وغيره. فالرأی المذموم إنما هو رأى الجهال من غیر علم بمجرد ظن، وتخمین بلا دليل لا رأى العلماء والفقهاء المستند للكتاب والسنة، ومن هنا قال علماءنا: إن القياس مظهر لا مثبت. أبو حنيفة أتبع الناس للأثر وأبعدهم من الرأى: هذا وقد علم المحفوظون من أمة سيدنا محمد عَّه أن أبا حنيفة أتبعهم للأثر وأقلهم قياسا فى الدين وأبعدهم منه، فإن جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأى، صرح به ابن حزم نفسه فى غير ما موضع واحد من "المحلى"، وابن القيم فى "إعلام الموقعين" (٢٧:١). ومن هنا احتج أبو حنيفة بالمراسيل والمقاطيع وروايات المستورين من أهل القرون الفاضلة وترك بها القياس، وأيضا فقول الصحابى المجتهد فيما لا نص فيه حجة عنده يترك به القياس، فإذا شاع وسكتوا مسلمين يجب تقليده إجماعا ولا يجب إجماعا فيما ثبت الخلاف بينهم، فيجوز لمن بعدهم بالعمل بأيهما شاء؛ ولا يجوز التعدى إلى الشق الثالث لكونه باطلا بالإجماع المركب من الخلافين. وأيضا فقول التابعى الكبير الذى ظهر فتواه فى زمن الصحابة حجة عنده كقول الصحابى يترك به القياس، كما ذكرنا كل ذلك فى "المقدمة"، فأبو حنيفة رضى الله عنه لا يستعمل القياس، إلا فى ما لا نص فيه من الكتاب، ولا من السنة صحيحة كانت، أو ضعيفة، أو موصولة، أو مرسلة، ولا من أقوال الصحابة، ولا من أقوال الأجلة من التابعين، ومع ذلك فلم يستعمل من الأنواع ١٢ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن الأربعة للقياس إلا نوعا واحدا وهو القياس المؤثر بأن يكون بين الأصل والفرع معنى مشترك مؤثر، وأما القياس المناسب: وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مناسب، وقياس الشبه وهو أن يكون بين الأصل والفرع مشابهة صورة فى الأحكام الشرعية، وقياس الطرد وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مطرد فليس بحجة عنده، أجمع أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله على أن قياس الشبه والمناسبة باطل، واختلف هو وأصحابه فى قياس الطرد فأنكره بعضهم، قال أبو زيد الكبير رحمه الله: بأن القياس المؤثر حجة والباقى ليس بحجة؛ وقال الشافعى رحمه الله: بأن الأنواع الأربعة من القياس كلها حجة، ويستعمل قياس الشبه كثيرا، كذا فى "جامع المسانيد" (٤٢:١). أو ليس عجيبا أن يكون من يرد الحديث الضعيف، والمرسل والمقطوع ورواية المستور، ويرجح القياس عليه ويستعمل الأنواع الأربعة من القياس أبعد من الرأى، وأتبع للأثر عندكم، ويكون أبو حنيفة مع قبوله الضعاف، والمراسيل، والمقاطيع، وأحاديث المستورين، وأقوال الصحابة، وأجلة التابعين، وتركه القياس بها ولا يستعمل من القياس عند الضرورة إلا نوعا واحدا، أو نوعين عاملا بالرأى تاركا للأثر، هل هذا هو الإنصاف والعدل؟ ولو أنصفوا لقالوا: إن أبا حنيفة من أعلم الناس بالأخبار وأتبعهم للآثار، هذا هو القول الفصل وما هو بالهزل، وكتابنا "إعلاء السنن" على ذلك شاهد عدل؛ والحمد لله ذى الطول والفضل. قال ابن عبد البر فى بيان العلم: ليس أحد من علماء الأمة يثبت عنده حديث عن رسول الله عَِّ بشىء ثم يرده إلا بادعاء نسخ أو معارضة أثر غيره أو إجماع أو عمل يجب على أصله الانقياد إليه (لكونه كالإجماع عنده)، أو طعن فى سنده، ولو فعل ذلك بغير ذلك لسقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إماما وقد أعادهم الله تعالى من ذلك اهـ من "فتح البارى" (٢٤٦:١٣). الرد على من أنكر القياس بقول تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾: وأما من أنكر القياس بقوله تعالى(١): ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىءٍ﴾، (وقوله تعالى: (١) وقال الجصاص فى تفسير قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء﴾ أن فى هذه الآية دلالة واضحة على القول بالقياس وذلك لأنا إذا لم نجد للحادثة حكمًا منصوصًا فى الكتاب ولا فى السنة، ولا فى الإجماع، وقد أخبر الله تعالى أن فى الكتاب تبيان كل شىء من أمور الدين ثبت أن طريقه النظر، والاستدلال بالقياس على حكمه إذ لم يبق هناك وجه يوصل إلى حكمها من غير هذه الجهة، ومن قال بنص خفى أو بالاستدلال فإنما خالف فى العبارة، وهو موافق فى المعنى، ولا ينفك من استعمال اجتهاد الرأى والنظر والقياس من حيث لا يشعر اهـ (٣: ١٩٠) ظ. ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ١٣ ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فقد رد عليه ابن بطال بأن قد علم الجميع بأن النصوص لم تحط بجميع الحوادث (نصًا)، فعرفنا أن الله تعالى قد أبان حكمها بغير طريق النص وهو القياس، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ لأن الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس، لأن النص ظاهر، ثم ذكر فى الرد على منكرى القياس وألزمهم التناقض، لأن من أصلهم إذا لم يوجد النص الرجوع إلى الإجماع، قال: فيلزمهم أن يأتوا بالإجماع على ترك القول ولا سبيل لهم إلى ذلك، فوضح أن القياس إنما ينكر إذا استعمل مع وجود النص أو الإجماع وأما عند فقدهما فلا اهـ من "فتح البارى" (٢٥٤:١٣) أيضًا. وفيه أيضًا: قال ابن بطال: التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب، قد احتج المزنى بهذين الحديثين (حديث أعرابى قال: إن امرأتى ولدت غلامًا أسود وأنى أنكرته فقال له رسول الله مر له: ((هل لك من إبل؟)) الحديث وفيه قوله: ((لعل عرقًا نزعها)). وحديث ابن عباس فى قصة المرأة التى ذكرت أن أمها نذرت الحج فماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فإن الله أحق بالوفاء) على من أنكر القياس. أول من أنكر القياس إبراهيم النظام: قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام وتبعه بعض المعتزلة، وممن ينسب إلى الفقه داود ابن على، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة، فقد قاس الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وبالله التوفيق. قال الحافظ: وتعقب بعضهم الأولية التى ادعاها ابن بطال بأن إنكار القیاس ثبت عن ابن مسعود من الصحابة ومن التابعين عن عامر الشعبى من فقهاء الكوفة وعن ابن سيرين من فقهاء البصرة اهـ (١٣ :٢٥٢). الرد على الحافظ ابن حجر حيث سكت على قول من قال: إن إنكار القياس ثبت عن ابن مسعود: والعجب من الحافظ أنه كيف سكت على هذا التعقب ولم يرده على قائله، فإن القياس الذى أنكره ابن مسعود إنما هو قياس الجهلاء دون رأى الفقهاء. قال البخارى: حدثنا جنيد ثنا يحيى بن زكريا عن مجاهد عن الشعبى عن مسروق عن عبد الله قال: لا يأتى عليكم عام إلا وهو شر من الذى قبله، أما إنى لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخضب من عام، ولكن فقهاء كم ١٤ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن يذهبون ثم لا يجدون منهم خلفا ويجىء قوم يقيسون الأمور برأيهم. ولفظ ابن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبى عن مسروق عنه: علماءكم بذهبون ويتخذ العام ؤ اء جهالا يقيسون الأمور برأيهم (إعلام الموقعين" ٢٠:٢) أى من غير استناد الكتاب والسنة وأقوال الصحابة لكونهم جاهلين غافلين عن ذلك كله، ومثل هذا الرأى لا يشك مسلم فى بطلانه وذمه، وهذا هو الذى أنكره الشعبى وابن سيرين، وإلا فقد صح عن ابن مسعود فى المفوضة أنه قال: أقول فيها برأيى فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمنى، ومن الشيطان، والله ورسوله برىء. وصح عنه الأمر باجتهاد الرأى فيما لا نص فيه عن رسول الله عَّ ◌ُلّه، ولا عن الأئمة الصالحين، وقد ذكرناه فى المتن، وكذلك صح عن الشعبى وابن سيرين استعمال القياس فى مسائل لا تحصى، كما لا يخفى على من راجع "المصنف" لابن أبى شيبه وعبد الرزاق، و"الآثار" لمحمد بن الحسن و"المحلى" لابن حزم و،غيرها من الكتب المدونة فى الآثار والأخبار. الرد على ابن حزم حيث أنكر القياس بأنه حكم بغالب الظن والظن أكذب الحديث: ولم يتنبه ابن حزم لهذه الدقيقة، فجعل يرد القياس والرأى بقوله تعالى: ﴿إِن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ وقوله: ﴿إِن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ وقوله معّ له: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) وقال: إن الحكم بالقياس والرأى كل ذلك حكم بغالب الظن اهـ (المحلى ٣٦٣:٩) أى والحكم بالظن باطل بالنص، ولم يدر أن المذموم(١) إنما هو الظن الغير المستند لدليل، كما هو شأن ظن المشركين والجاهلين. وأما الظن المستند لدليل من الكتاب والسنة فليس بمذموم بل هو محمود بل مأمور به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين﴾ وقوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) وقوله معَّ له: ((عن ربه تعالى: أنا عند ظن عبدى بى فليظن بى خيرا))، وغير ذلك من الآيات والأخبار. (١) ثم رأيت الأمير محمد بن إسماعيل اليمانى قد رد على ابن حزم قوله هذا بما رددته به وزاد فأجاد وأفاد حيث قال: الظن لفظ مشترك بين معان يطلق على الشك كما صرح أئمة اللغة، ففى "القاموس": الظن التردد والراجح بين طرفى الاعتقاد الغير الجازم، ويطلق على اليقين وعلى التهمة، وإذا عرفت هذا عرفت أن المذموم من الظن هو ما كان بمعنى الشك وهو التردد بين طرفى الأمر فهذا يحرم العمل به اتفاقا، وهو الذى هو أكذب الحديث، وهو بعض الإثم الذى أراد تعالى بقوله: ﴿إن بعض ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ١٥ التنبيه على تمويه ابن حزم وتغريره: ثم أتى ابن حزم ههنا بتمويه لم أكن أظن به أن يغرر العوام بمثله حيث قال: فإن قيل: فإنكم فى أخذكم بخبر الواحد متبعون للظن؟ قلنا: كلا بل للحق المتيقن، قال الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى) فإن قيل: فإنكم فى الحكم بالبيئة واليمين حاكمون بالظن؟ قلنا: كلا بل بيقين أن الله تعالى أمرنا بذلك نصا، وما علينا من مغيب الأمر شىء اهـ (٣٦٣:٩). قلنا: لا نزاع فى أن من صحب الرسول وشاهد التنزيل وسمع كلامه وفهم مراده متبع للحق المتيقن لكونه قد علم أن الرسول مرّ له نطق بهذا القول: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ وإنما الكلام فيمن ولد بعد النبى معَ ◌ّه بثلاثماة سنين فصاعدا، وحدثه واحد عن واحد أن رسول الله عَ لَّه قال كذا، فهل هو على يقين من صدق من حدثه به، أو صدق شيخه ومن فوقه؟ أو على يقين من حفظهم وعصمتهم من الخطأ والنسيان؟ أو على يقين من أنهم حدثوا الحديث باللفظ الذى نطق به الرسول ◌َّ لا بالمعنى الذى فهموه؟ أم على يقين من أن من وثقه من أئمة الجرح والتعديل وكذا من وثق شيخه وشيخ شيخه إنما وثقه لاطلاعه على حقيقة الأمر لا لما شهد له الظاهر؟ فإن ادعى أنه فى خبر الواحد على يقين من كل ذلك فما أجدره بأن يعدله بغل، وإن كان هذا هو اليقين فنحن فى الأخذ بالرأى فيما لا نص فيه متبعون للحق المتيقن أيضا، لأن الله تعالى أمرنا بذلك نصا حيث الظن إثم﴾، وذلك لما نقرر فى الفطرة وقررته الشريعة أن لا عمل إلا براجح يستفاد من علم أو ظن. وأما الظن بمعنى الطرف الراجح: فهو متعبد به قطعا بل أكثر الأحكام الشرعية دائرة عليه وهو البعض الذى ليس فيه إثم المفهوم من قوله: إن بعض الظن إثم فإن خبر الآحاد معمول به فى الأحكام، وهو لا يفيد بنفسه إلا الظن، وقد تقدم عن ابن حزم أن الجاهل يسأل العالم عن الحكم فيما يعرض له فإذا أفتاه وقال: هذا حكم الله ورسوله عمل به أبدا، ومعلوم أن هذه رواية آحادية من العالم بالمعنى، ولا تفيد إلا الظن وقد أوجب قبولها، وكذلك أمر الله بإشهاد ذوى عدل، وشهادتهما لا تفيد إلا الظن بل كونهما ذوى عدل لا يكون إلا بالظن، بل قال مرّظله: ((إنكم تختصمون إلى)) إلى قوله: ((فإنما أقطع له قطعة من نار)) صريح فى أنه مَّة حكم بالظن الحاصل بالبينة، إذ لو كان بالعلم لما كان المحكوم به قطعة من نار، وفى حديث ابن مسعود فى سجود السهو؛ إذا كنت فى صلاة، وشككت فى ثلاث أو أربع وأكثر ظنك على أربع الحديث، فاعتبر الظن فى أشرف العبادت، فهذا كله عمل بالظن الراجح الصادر عن إمارة صحيححة. وأما ما صدر لا عن إمارة صحيحة (بل عن جهل) نحو ظن الكفار فهذا ظن باطل فظنهم مستند إلى الجهل، وبهذا نعلم أن ابن حزم أخل بما يذكره هو فى هذا الكتاب أى "المحلى" - فإنه لا يزال يستدل فيه بأخبار الآحاد وبعموم ألفاظها وألفاظ القرآن، والكل لا يخرج عن الأدلة الظنية، فاعرف قدر هذه الفائدة السنية اهـ من حاشية "المحلى" (٧١:١-٧٢) ظ. ١٦ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن قال: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ وقال: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ وقال: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾. وبعد ذلك نسأله الفرق بين خبر الواحد والمشهور والمتواتر، وهل القرآن والخبر الذى تفرد به البخارى أو مسلم أو أبو داود مثلا عن واحد عن واحد إلى النبى عّ لّ كلاهما عنده فى حد سواء؟ . فإن قال: نعم، ولا أظنه قائلا فيما أبعده من منزلة العلماء والعقلاء وما ألحقه بطبقة الجهلاء والبله والصبيان والسفهاء، وإن قال: ليسا سواء، فقد أبطل قوله بأنه فى الأخذ بخبر الواحد متبع للحق المتيقن وثبت أنه فى ذلك آخذ بالظن. وأيضًا لا نزاع فى أن الله تعالى أمرنا بالحكم بالبينة أو الیمین، فهل قد أمرنا بأن نتیقن بصدق كل من أقام البينة على دعواه، وكذب من لم يقمها، وكذا بصدق كل من حلف على يمين، وكذب كل من نكل عنها، وهل الأمر الذى علمناه بالخبر والبيان كالأمر الذى نعلمه بالعيان؟ فإن قال: نعم، ولا أظنه قائلا فليأت على ذلك ببرهان، وإن قال: لا ولا بد فلأى شىء يغرر العوام بهذه التمويهات الباطلة والتلبيسات الغائلة، ولم لا يقول: إن الحكم بالظن المستند للدليل الشرعى واجب عملا كالحكم باليقين عملا وعلمًا؟ وكيف يدعى ابن حزم أنه فى الأخذ بخبر الواحد، بل بنص القرآن متبع للحق المتيقن لأن كون النص صحيحاً، أو متواتراً متيقنًا به لا يستلزم كون المعنى الذى فهمه منه حقًّا متيقنًا، وإلا لزم القول بتعدد الحق فى مسألة واحدة إذا كان كل واحد من المجتهدين آخذًا بالنص، وهو لا يقول به بل صرح فى "كتاب الأحكام" بخلافه حيث قال بعد تفسير الاجتهاد بما هو عنده: فهذا هو الاجتهاد الصحيح الذى يؤجر من فعله على كل حال، فإن وافق الحق عند الله عز وجل أجر أجرًا ثانيًا على الإصابة، فحصل له الأجران، وإن لم يوافق لإدراك الحق لم يأثم وقد حصل له أجر الطلب اهـ (٤: ١٣٠). وهذا صريح فى أن الأخذ بالنص لا يوجب كونه متبعاً للحق المتيقن، فإن الحق المتيقن لا يحتمل الخطأ، وإن احتمله لم يبق فرق بين الأخذ بالنص وبالرأى أصلا، ولكن ابن حزم وحزبه من أهل الظاهر قد جبلوا على رد دلائل الخصوم بكل حيلة ضعيفة أو ركيكة ولو كانت دلائلهم قوية صحيحة لا يدان لزدها. وليس ذلك من العلم والتحقيق فى شىء وإنما هو شأن المجادلين، والعجب ممن يدعى أنه فى الحكم بالبينة حاكم باليقين دون الظن كيف ينازع أبا حنيفة فى قوله: بنفاذ قضاء القاضى ظاهرًا وباطنًا فى العقود والفسوخ، فإن مقتضى الحكم باليقين ليس إلا نفاذه من كل وجه. وهل هذا إلا تناقض من القول وتهافت وتلاعب بالدين. ج - ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ١٧ الرد على ابن حزم فى نفيه القياس: وفى قول ابن مسعود: فإن جاءه أمر ليس فى كتاب الله ولا قضى به نبيه ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه إلخ رد على ابن حزم فى قوله: لا يخلو ما أوجبه القياس، أو الرأى، أو الاستحسان أو تقليد قائل من أحد أوجه ثلاثة لا رابع لها ضرورة، إما أن يكون ذلك موافقًا لقرآن، أو لسنة صحيحة عن رسول الله عَّه، أو مخالفًا للقرآن، أو لسنة رسول الله عَنْيٍ، وإما أن لا يوجد فى القرآن، والسنة ما يوافقه نصًا ولا ما يخالفه، فهذا معدوم من العالم لا سبيل إلى وجوده قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وقال تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾ (٣٦٤:٩ من المحلى). قلنا: إن كان ذلك معدومًا من العالم لم يكن لقول ابن مسعود هذا معنى بل ولا لقول رسول الله عَّةٍ لمعاذ: فإن لم يكن فى "كتاب الله"، وقوله: فإن لم يكن فى سنة رسول الله مرّ له، كما سيأتى. ومن اطلع على المسائل التى أجاب عنها الفقهاء المجتهدون، وهى تزيد على ألف ألف مسائل لم يشك قط فى أن النصوص لم تحط بجميع الحوادث نصًا وتفصيلا، وإنما أحاطت به اعتبارًا وتأويلا حيث مهدت لنا أصولا تحتوى على الجزئيات تفريعًا، وتفريع الفروع من الأصول هو القياس بعينه، ومن ادعى أن النصوص قد أحاطت بجميع الحوادث نصًا فليحب عن تلك المسائل مسألة مسألة بالحديث الصريح أو بآية من "كتاب الله" صريح الدلالة عليها، وإن لم يفعل ولن یفعل أبدًا فلا یغرن الجهلاء بتمویهاته، ولا یلبس الحق بخزعبلاته، ولکن ابن حزم لا یدری ما يخرج من رأسه ولا يبالى حين يرد على خصمه أنه قد أنكر طلوع الشمس فى نصف النهار ليس دونها سحاب ولا غبار. الرد على ابن حزم فى إنكاره الإجماع على حجية القياس: ثم حاول الرد على من ادعى الإجماع على حجية القياس بعد الكتاب والسنة والإجماع، حيث قال: وأيضًا فمدعى الإجماع على ما لا يتيقن أن كل مسلم قد عرفه وقال به كاذب على الأمة كلها، وقد نص الله تعالى على أن نفرًا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن، فهم صحابة وفضلاء فمن لهذا المدعى بالباطل بإجماع أولئك؟ فكيف وإحصاء أقوال الصحابة رضى الله عنهم لا تحصر. إلا حيث لا يشك فى أن كل مسلم فقد عرفه، وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا اهـ؟ (المحلى ٣٦٢:٩). ن وهذا من تمويهاته الباطلة التى لا يزال يغرر بها العوام قد شحن بنها ديوانه كأنه يفتخر بها ١٨ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن على علماء الإسلام، ونحن قد رددنا كل ذلك عليه، وأدحضنا حجة فيه غير مرة، والآن نريد استيفاء الكلام معه فى المسألة بأبسط وجه، وأكمله لنقطع به شغب الشاغبين، ونرفع الستر عن وجه الحقيقة تسكينًا للطالبين. فنقول: قد اعترف ابن حزم فى "المحلى" وفى "الأحكام له بحجية الإجماع، فقال: إن الإجماع الذى هو الإجماع المتيقن، ولا إجماع غيره ينقسم قسمين: أحدهما: كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام فى أن من لم يقل به فليس مسلما كشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وكتحريم الميتة والدم والخنزير والإقرار بالقرآن وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام، والقسم الثانى شىء شهده جميع الصحابة من فعل رسول الله عرض له. أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه عليه السلام منهم كفعله فى خيبر إذ أعطاها يهودا بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر يخرجهم المسلمون إذا شاءوا، ملخصا (٤: ١٥٠ من الأحكام) فلو كان معرفة أقوال الصحابة من الجن واستقصاء أقوال الصحابة من الإنس شرطا لصحة الإجماع لم يسلم له نوع من النوعين البتة، فمن أين له أن يدعى إجماع الصحابة من الجن على تحريم الميتة والدم والخمر الخنزير؟ هل لقيهم(١) ابن حزم أو صحبهم وروى عنهم أم حكى كل ذلك عنهم بالظن والتخمين؟ ومن أين له أن يدعى علمهم بما فعله عليه السلام فى خيبر؟ بل ومن أين له أن يدعى معرفة جميع الصحابة من الإنس بذلك، فبالضرورة ندرى يقينا لا مرية فيه أنهم كانوا عشرات ألوف، فقد غزا عليه السلام حنينا فى اثنى عشر ألف إنسان، وغزا تبوك فى أكثر من ذلك، وحج حجة الوداع فى أضعاف ذلك، ووفد عليه من كل بطن من بطون قبائل العرب وفود أسلموا وسألوه عن الدين، وأقرأهم القرآن وصلوا معه، كلهم يقع عليه اسم الصحبة، فمات عّ لّ عن نيف ومائة ألف صحابى، فهل تقصی ابن حزم کلهم، وتقری أقوال جمیعهم، وروی عن کل صحابی صحابى منهم أنه قد علم بما فعله عليه السلام فى خيبر؟ فإن قال: نعم ولا أراه قائلا فليرنا (١)) فإن قيل: وكيف يسوغ لهم إنكار ذلك وقد ورد بتحريمة القرآن؟ قلنا: وكم من مسائل قد ورد بها القرآن وهى غير مجمع عليها كوجوب الإنصات عند قراءة القرآن، فمجرد كونه فى القرآن لا يكفى لصحة دعوى الإجماع ما لم يثبت قول أهل الإجماع به، وإذا لم نعرف بقول الصحابة من الجن فقد بطل دعوى الإجماع وآل الأمر إلى إثبات المسألة بنص الكتاب لا غیر، فافهم. ظ ج ١٥ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه ١٩ نصوصهم، وإن قال: لا ولكن الأمر قد اشتهر وهو أظهر من أن يخفى على مسلم، قلنا: فما لهذا التمويه الباطل والتغرير بما ليس تحته طائل حيث تعد القول المنتشر والأمر الظاهر إجماعا حيث تحوى وتدحض دعوى خصمك الإجماع بذلك وتقول، فيا هؤلاء هبكم جسرتم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة أتراكم يمكنكم الجسر على دعوى إجماع أولئك الصحابة من الجن على ما تدعون بظنكم الكاذب الإجماع عليه، كما فى "الأحكام" (١٧٧:٤). قلنا: فهل لك أن تجسر على العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة وعلى العلم بإجماع أولئك الصحابة من الجن فى أى نوع من النوعين الذين قسمت الإجماع إليهما؟ وإذ لا يمكنك الجسر على ذلك فلم تلزم الخصم بما لا تلتزمه، فليعلم ابن حزم وأتباعه أن البغاث بأرضنا لا يستنسر. بيان معنى الإجماع عند أهل الأصول: فليس معنى الإجماع أن يدون فى كل مسألة إجماعية مجلدات تحتوى على أسماء مائة ألف صحابى مات عنهم النبى معَِّ بالرواية عن كل واحد منهم فيها، فإن ذلك لا يتيسر لأحد ولا فى مسألة أبدا، مع أن حجية الإجماع مما اتفق عليه فقهاء الأمة جميعا وعدوه من الأدلة ووافقهم عليه الظاهرية على بعدهم من الفقه، فاعترفوا بحجية إجماع الصحابة رضى الله عنهم كما مر، فإذا ذكر أهل العلم الإجماع فإنما يريدون به إجماع من بلغ رتبة الاجتهاد من بين العلماء باعترافهم مع ورع يحجزه عن محارم الله ليكون من الشهداء على الناس، فمن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد باعتراف العلماء فهو خارج من أن يعتد بكلامه فى الإجماع ولو كان من الصالحين الورعين، وكذلك من ثبت فسقه أو خروجه عن معتقد أهل السنة لا يتصور أن يعتد بكلامه فى الإجماع لسقوطه من درجة الشهداء على الناس، على أن المبتدعين كالخوارج وغيرهم لا يعتدون بروايات الثقات من أهل السنة فى جميع الطبقات، فكيف يتصور أن يوجد فيهم من العلم بالآثار ما يؤهلهم لدرجة الاجتهاد. ومن المحال فى جارى العادة بين هذه الأمة نظرا إلى نشاط علماء الإسلام فى جميع الطبقات لتدوين أحوال من له شأن فى العلم وتسابقهم فى كتابة العلوم وتسجيلها، وإفشاء ما يلزم الجمهور علمه فى أمر دينهم ودنياهم أن لا تكون جماعة العلماء فى كل عصر يعلمون من هم مجتهدون فى ذلك العصر القائمون لواجبهم، فإذا ذاع رأى رأه جمهور الفقهاء فى أى قرن من القرون من ٢٠ كيفية القضاء وجواز الحكم بالرأى فيما لا نص فيه إعلاء السنن غير أن يعلم أهل هذا الشأن مخالفة أحد من الفقهاء لهذا الرأى لا يستريب عاقل قط فى أن هذا الرأى مجمع عليه، وهو الذى يعول عليه المحققون من أئمة الأصول، وهذا مما لا يمكن حوله الثرثرة بما ذكره ابن حزم تغريرا للعوام وتمويها للباطل. نعم! ومن الإجماع ما يشترك فيه العامة مع الخاصة لعموم بلواهم كإجماعهم على أن الفجر ركعتان والظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات. ومنه ما ينفرد به الخاصة، وهم المجتهدون كإجماعهم على الحق الواجب فى الزرع والثمار، وتحريم الجمع بين العمة وبنت الأخ وتحريم التفاضل بين جيد الفضة ورديئها فى البيع والقرض مثلا، فلا تنزل مرتبة هذا الإجماع عن ذاك؛ لأن المجتهدين لا يزدادون حجة إلى حججهم بإنضمام العوام إليهم، وما ذا على الإجماع من كون بعض أنواعه ظنيا، فإن جحد ما هو يقينى منه كفر، وإنكار ما جرى مجرى الخبر المشهور منه ضلال وابتداع، وجاحد ما دون ذلك کجاحد ما صح من أخبار الآحاد. وقد اعترف ابن حزم بأنه فى الأخذ بخبر الواحد متبع للحق المتيقن دون الظن، فما له لا بأخذ بهذا النوع من الإجماع وهو أقوى من خبر الواحد بيقين؟ ولكن قول بعض الأئمة بتجويز الزيادة على الكتاب بخبر الآحاد أداه إلى القول بأن خبر الآحاد يفيد العلم مطلقا، وبأنه لا حجة فى الظن أصلا كما أن قوله فى الإجماع السكوتى بأن الساكت لا ينسب إليه قول مع أن الشرع ينسب إليه القول فى كثير من المواضع كالبكر والمأموم، والسكوت فى معرض البيان وغيرها أدى به وبأتباعه إلى التوسع فى نفى الاحتجاج بالإجماع، وكذلك قوله فى قول الصحابى: لا حجة فى أحد دون رسول الله عَّه، وفى رد الحديث المرسل شجعهم على الإعراض عن أقوال الصحابة وعن الأحاديث المرسلة بالمرة، ففاتهم شطر الشرع، ثم ما أورده على الاستحسان جرأهم على الإعراض من القياس؛ وزاد على ذلك تشكيك إبراهيم بن سيار النظام فى الإجماع والقياس، فإنه أول من قام بنفيهما، وسرعان ما تابعه حشوية الرواة والداودية والخرمية وطوائف الشيعة والخوارج فی نفی الاحتجاج بهما، فهؤلاء وأذنابهم من نفاة الإجماع والقياس تراهم إنما يرددون مدی القرون فى نفيهما كلام النظام المدون فى كتب الأقدمين ليس إلا، ويا ليتهم حينما حاولوا أن يتابعوا أحد المعتزلة تابعوا من لا يتهم منهم فى دينه، لكن الطير على أشكالها تقع، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النظام كان فى الباطن على مذهب البراهمة الذين ينكرون النبوة، وأنه لم يظهر ذلك خوفا من السيف، فكفره معظم العلماء، بل كفره جماعة من المعتزلة- كأبى الهذيل والأسكافى