النص المفهرس

صفحات 501-520

ج - ١٤
جواز الكفالة فى البيع، والسلم، والدین
٥٠١
الله فى كتابه وأذن فيه، ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى
فاكتبوه﴾. رواه الحاكم فى "المستدرك"، وقال صحيح على شرط الشيخين (زيلعى
١٩١:٢).
٤٨٤٦- ومن طريق الأعمش، قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والقبيل فى
السلف، فقال إبراهيم: حدثنا الأسود، عن عائشة رضى الله عنها: ((أن النبى عّ لّه اشترى
من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعه))، رواه البخارى ومسلم.
السلم أيضًا، كما صرح به ابن عباس، وقال تعالى فى سياق الآية: ﴿فإن كنتم على سفر ولم تجدوا
كاتبا فرهان مقبوضة، فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذى ائتمن أمانته، وليتق الله ربه﴾ الآية، فأذن
فى الرهن عند فقد الكاتب، وأجاز أمن بعضهم بعضًا، وهو يعم أن يكون الذى عليه الحق أمينا عند
صاحب الحق أو يكون كفيله أمينا عنده، فثبت به جواز اشتراط الكفيل فى السلم والدين كما ثبت
جواز اشتراط الرهن فيهما، ومن أنكر الكفالة فى السلم والدين قصر قوله تعالى: ﴿فإن أمن
بعضكم بعضا﴾ على أن يكون الذى عليه الحق أمينا، ولا يخفى ما فيه من قصر العام، وتخصيصه
من غير دليل.
قوله: "ومن طريق الأعمش إلخ"، فيه احتجاج إبراهيم بجواز الرهن فى السلم لجواز الكفالة
فيه لكونها وثيقة كالرهن، والحاصل: أن الله تعالى إنما أمر بكتابة الدين المؤجل، والإشهاد عليه،
أو الرهن به إذا لم يكن الذى عليه الحق أو كفيله أمينا عند صاحب الحق، وإذا كان أمينا عنده هو،
أو كفيله فلا يجب الكتابة، ولا الإشهاد، ولا الرهن، وقوله: ﴿على سفر ولم تجدوا كاتبا﴾ خرج
على الغالب، فلا مفهوم له، فجواز الرهن فى الحضر مع وجود الكاتب متفق عليه بين فقهاء
الأمصار، بدليل رهنه مَّ ◌ُِّ درعه فى الحضر مع قدرته على الكاتب، واحتجوا له من حيث المعنى
بأن الرهن شرع توثقه على الدين، لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾، فإنه يشير إلى أن المراد
بالرهن الاستيثاق، وخالف فى ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبرى عنهما، فقالا: لا يشرع إلا
فى السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر.
وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن الرهن فى الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن
جاز، وحمل حديث الباب على ذلك اهـ من "فتح البارى" (٩٩:٤)، قلنا: لما ثبت بالحديث أن الله
سبحانه، إنما قيده بالسفر لأنه مظنة، فقد الكاتب فأخرج مخرج الغالب، ولا مفهوم له، فالرهن فى
الحضر مثل الرهن فى السفر، فيجوز اشتراطه كاشتراطه ولا فرق، ومن ادعاه فعليه البيان، كيف؟

٥٠٢
جواز الكفالة فى البيع، والسلم، والدین
إعلاء السنن
٤٨٤٧- قال البيهقى: وروینا عن مقسم عن ابن عباس: "أنه کان لا یری بأسا
بالرهن والقبيل فى السلف" (١٩:٦).
٤٨٤٨- وأخرج من طريق ابن وهب: أخبرنى ابن جريج أن عمرو بن دينار
أخبره عن عبد الله بن عمر: "أنه كان لا يرى بالرهن والحميل مع السلف بأسا" (سنن
البیہقی)، وهذا سند صحيح.
وقد روى أبو رافع: ((بعثه النبى معَّ ◌ُّه إلى يهودى ليسلفه طعاما لضيف نزل به، فأبى إلا برهن فرهنه
درعه))، قال ابن حزم: هذا خبر انفرد به موسى بن عبيدة الربذى، وهو ضعيف (المحلى ٨٨:٨).
قلت: نعم، ضعفه ابن معين، وأحمد، وغيرهما من أجل ما روى عن عبد الله بن دينار
مناكير، قال أحمد: لم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، وقال ابن معين: ليس
بالکذوب، وقال ابن أبی خیثمة: إنما ضعف ابن معین حديثه لأنه روی عن عبد الله بن دینار
مناكير، وقال أبو داود أحاديثه مستوية إلا عن عبد الله بن دينار، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير
الحديث، وليس بحجة، وقال البزار: رجل مفيد، وليس بالحافظ، وقال الساجى: كان رجلا
صالحا، كان القطان لا يحدث عنه، وقد حدث عنه وكيع، وقال: كان ثقة، وقد حدث عن عبد
الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها، كما فى "التهذيب" (٣٦٠:١٠)، ومثله لا يرد حديثه بمجرد
الرأى، بل لا بد من معارضته بحديث مثله، لا سيما وليس ذلك من حديثه عن عبد الله بن دينار،
بل هو مما رواه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبى رافع، ولم ينفرد به، بل رواه عبد الله بن واقد
عن يعقوب بن يزيد عن أبى رافع أيضًا عند ابن جرير فى تفسيره (١٦٩:١٦).
وعبد الله بن واقد هذا هو العدوی العمرى أو الهروى، ولیس بالحرانى، فإنه يصغر عن
إدراك يعقوب بن يزيد، وهما ثقتان كلاهما، وظهر بهذا أن الخبر لم ينفرد به الربذى، بل له شاهد
فيما رواه، والله تعالى أعلم.
وروى أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: "لا بأس بالرهن والكفيل فى السلم
والبيع" أخرجه أبو يوسف فى "الآثار" له، وكذا محمد، وقال: به نأخذ، وهو قول أبى
حنيفة رضی الله عنه اهـ (١٨٨).
قوله: "وقال البيهقى وقوله: وأخرج من طريق ابن وهب إلخ"، قلت: وهذان صاحبان
لم نعرف لهما مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم، وكفى بهما قدوة، ودلالة قولهما على معنى
الباب ظاهرة.

ج - ١٤
جواز الكفالة فى البيع، والسلم، والدین
٥٠٣
٤٨٤٩- وقال البخارى: قال الليث: حدثنى جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن
هرمز. عن أبى هريرة رضى الله عنه، عن رسول الله عّ لّه، ((أنه ذكر رجلا من بنى
إسرائيل سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف دينار. فقال: ائتنى بالشهداء أشهدهم،
فقال: كفى بالله شهيدا، قال: فائتنى بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال صدقتُ
فدفعها إلیه إلى أجل مسمى، فخرج فی البحر فقضى حاجته، ثم التمس مر کبا یر کبها
يقدم عليه للأجل الذى أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف
دينار وصحيفة منه إلى صاحبه)) الحديث. وقع فى نسخة الصنعانى: حدثنا عبد الله بن
صالح، حدثنى الليث، ووصله أبو ذر وأبو الوقت فى باب التجارة فى البحر فى آخره.
قال البخارى: حدثنى عبد الله بن صالح، حدثنى الليث به. ولم ينفرد عبد الله بن صالح
به، فقد أخرجه الإسماعيلى من طريق عاصم بن على وآدم بن أبى إياس، والنسائى من
طريق داود بن منصور، كلهم عن الليث، وأخرجه أحمد عن يونس بن محمد عن
الليث أيضا، وله طريق أخرى عن أبى هريرة علقها المصنف فى الاستئذان، ووصلها فى
"الأدب المفرد"، وابن حبان فى "صحيحه" اهـ من "فتح البارى" (٣٨٥:٤). فتعليل
ابن حزم إياه، كما فى "المحلى" (١١٩:٨) بالانقطاع وبضعف عبد الله بن صالح رد
عليه. وكذا إطلاقه الضعف على عبد الله بن صالح مردود، فإن الرجل مختلف فيه
حسن الحديث صالح، كما لا يخفى على من راجع ترجمته فى "التهذيب" وغيره.
قوله: "وقال البخارى إلخ"، دلالته على جواز اشتراط الكفيل فى الدين ظاهرة، وخالف ابن
حزم فقال: ولا يجوز أن يشترط فى بيع، ولا فى سلم، ولا فى مداينة أصلا إعطاء ضامن، وأعل
الحديث بأن البخارى ذكره منقطعا غير متصل، وأن هذا خبر لا يصح؛ لأنه من طريق عبد الله بن
صالح، وهو ضعيف جدا اهـ (المحلى ١١٩:٨).
الجواب عن طعن ابن حزم فى حديث علقه البخارى:
وقد رددنا عليه طعنه فى الحديث، قال: ثم لو صح لم يكن لهم فيه خجة، لأنه شريعة غير
شريعتنا، ولا يلزمنا غير شريعة نبينا معَّاللّه اهـ، قلنا: تحديث النبى مرّالتّ بذلك وتقريره له جعله شريعة
لنبينا، وإنما ذكر ذلك ليتأسى به، وإلا لم يكن لذكره فائدة. قال: والعجب أنهم أول مخالف له،
فإنهم لا يجيزون البتة لأحد أن يقذف ماله فى البحر لعله يبلغ إلى غريمه، بل يقضون على من فعل

ج - ١٤
٥٠٤
كتاب الحوالة
باب الاتباع إذا أحیل علی ملىء
٤٨٥٠- عن أبى هريرة، قال: ((مطل الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملىء
فليتبع)). رواه الجماعة، وفى لفظ لأحمد: "ومن أحيل على ملىء فليحتل".
هذا بالسفه، ويحتجرون عليه، ويؤدبونه اهـ، قلنا نجيز مثله لمن صح توكله، فإن من صح توكله
تكفل الله بنصره وعونه، وهذا كما أخبرنا للصديق رضى الله عنه التصدق بجميع ماله، وأخبرنا
للعلاء بن الحضرمى وسعد بن أبى وقاص الاقتحام فى البحر على متون الخيل، وأخبرنا لخالد بن
الوليد تناول سم الساعة، ونحو ذلك مما يطول ذكره، فافهم. ١٢ظ
· باب الاتباع إذا أحيل على ملىء
قوله: "إذا اتبع أحدكم على ملىء إلخ"، أقول: الحديث نص فى مشروعية الحوالة والأمر
للندب، قال العبد الضعيف: الحوالة ثابتة بالسنة، والإجماع، أما السنة: فما ذكرناه فى المتن، وأما
الإجماع: فقال الموفق فى "المغنى": أجمع أهل العلم على جواز الحوالة فى الجملة (أى وإن اختلفوا
فى بعض شروطها)، واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة اهـ (٥٤:٥).
ويشترط لصحة الحوالة رضاء المحيل، والمحتال، والمحتال عليه عندنا، وذكر الموفق فى "المغنى"
أنه يشترط فى صحتها رضا المحيل بلا خلاف، فإن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذى
له على المحال عليه، ولا خلاف فى هذا، وإذا أحيل على ملىء لزم المحال، والمحال عليه القبول، ولم
يعتبر رضاهما.
وقال مالك والشافعى: يعتبر رضا المحتال، لأن حقه فى ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها
بغير رضاه (لأن الذمم متفاوتة، ولقول النبى مايلي: ((علی الید ما أخذت حتى تؤديه))، رواه أحمد،
والنسائى، وأبو داود، والترمذى، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحسن عن سمرة، كما فى
"التلخيص" (٢٥٣:٢)، وقد أثبتنا سماع الحسن من سمرة، فالحديث صحيح، وفيه دلالة على
ثبوت الحق فى ذمة المديون حتى يؤديه، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضا المحتال)، وقال أبو
حنيفة: يعتبر رضا المحال عليه أيضًا، لا لأنه عقد معاوضة كما ذكره الموفق، بل لأنه يلزمه الدین،
ولا لزوم إلا بالتزامه، ولو كان مديونا للمحيل، لأن الناس يتفاوتون فى الاقتضاء من بين سهل
ميسر، وصعب معسر، كما قاله المحقق فى "الفتح" (٣٤٧:٦).

٥٠٥
الاتباع إذا أحيل على ملىء
إعلاء السنن
٤٨٥١- وعن ابن عمر، عن النبى عَّه قال: ((مطل الغنى ظلم، إذا أحلت على
دليل حمل الأمر على الندب فى قوله: ((فليتبع)) و ((فليحتل)):
واندحض بما ذكرنا قول من حمل الأمر فى قوله مرّطله: ((إذا اتبع أحدكم على ملىء فليتبع))
على الوجوب، فقد بينا أن معارضته لقوله مرّ له: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) تدفع حمله
على الوجوب، وتعين إرادة الندب، وأيضًا: لو أجبر المحال على قبول الحوالة لوجب إذا أحاله المحال
عليه على آخر آن يجبر على اتباعه، ثم إذا أحاله ذلك على آخر أن يجبر أيضًا على اتباعه،
وهكذا أبدا، وقول ابن حزم: "هذه معارضة لأمر رسول الله مَّه))، رد عليه، بل هو معارضة لرأى
من حمل أمره م آ على الوجوب، وتأیید لحمله على الندب بالنظر، ولكن ابن حزم لا يدرى ما
يخرج من رأسه.
وأما قوله: "فكيف" والذى اعترضوا به فاسد، لأنه مطل من غنى أو حوالة على غير ملىء،
ففيه أنه حوالة على ملىء بلا مطل، لأن الحوالة على ملىء ليس من المطل فى شىء، وإلا لم يجز
لأحد أن يحيل داينه على مديونة إذا عجز عن الأداء بنفسه، ولا قائل به، بل يجوز له ذلك مع كونه
قادرا على الأداء، فيه من التخفيف على المحيل والتيسير عليه.
يدل عليه ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن على بن
عبيد الله، عن سعيد بن المسيب: "أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم، ولرجل آخر
على على بن أبى طالب ألفا درهم، فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على على، وأحلنى أنت
على فلان، ففعلا" الحديث (١٠٩:٨)، وفيه إحالة أحدهما الآخر علی مدیونه من غير حاجة إليه،
بل بمجرد رغبتهما فيه، فلو أحال الأول على ملىء مع قدرته على الأداء وأجبر المحال على القبول
فى قولكم، لوجب أيضًا إذا أحاله المحال عليه على آخر ملىء أن يجبر على اتباعه، لعدم الفرق بين
الحوالة الأولى والثانية، ثم إذا أحاله ذلك على آخر أن يجبر أيضًا على اتباعه لما بينا، ولا قائل به،
فبطل القول بإجبار المحال على القبول مطلقًا، وتعين حمل الأمر على الندب بدليل ما ذكرنا من
الأمر والنظر، والله تعالى أعلم.
ثم اعلم أنه قال فى "العناية": إن شرط صحة الحوالة رضا المحتال، لأن الدين حقه، وهو
ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة، فلا بد من رضاه، ولا خلاف فى ذلك لأحد من أهل العلم
(٣٤٦:٦)، فتراه قد حكى الإجماع على اشتراط رضا المحتال، وهو خلاف ما ذكره الموفق من
اختلاف أحمد فيه، قال: وأما رضا المحتال عليه فهو شرط عندنا، وقال الشافعى إن كان للمحيل

ج - ١٤
الاتباع إذا أحيل على ملىء
٥٠٦
ملىء فاتبعه))، رواه ابن ماجه، والترمذى، وأحمد (نيل الأوطار ١٠٤:٥).
دين عليه فلا يشترط، وبه قال مالك وأحمد، لأنه محل التصرف فلا يشترط رضاه لأن الحق
للمحيل عليه، فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره، كما لو وكل فى الاستيفاء، وأما إذا لم يكن للمحيل
دين عليه فيشترط رضاه بالإجماع (وقال الموفق: وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه
فليست حوالة، نص عليه أحمد، فلا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك (٥٧:٥).
قلت: ولا يخفى أنه حوالة لغة وهو ظاهر، وشرعا أيضًا، لأنها فى الشرع نقل المطالبة،
أو الدين من ذمة المديون إلى ذمة الآخر، ولا يشترط كونه مديونا للمحيل، كما لا يشترط فى
الكفالة كون الكفيل مديونا للأصيل، لأن الحوالة والكفالة كلاهما متقاربان، وإنما يفترقان فى أن
الأولى تتضمن براءة الأصيل بخلاف الثانية، فإنها لا تتضمنه، وإنما تفيد ضم الذمة إلى الذمة فى
المطالبة، فمن شرط فى صحة الحوالة كون المحال عليه مديونا للمحيل، فعليه البيان، وإذا تقرر ذلك
ففى قولهم: "إنه لا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال القبول إذا لم يكن على المحال عليه دين"،
تخصيص لعموم قوله مَّ له: ((من أحيل بحقه على ملىء فليحتل))، أو تقييد لإطلاقه بالقياس
والنظر، فما ذا علينا لو حملنا الأمر على الندب، وقلنا: لا يجبر المحال عليه، ولا المحتال على القبول،
بل لا بد من رضاهما، ولو تنبه ابن حزم لهذا المعنى لعرف بطلان ما أورده علينا فى هذا الباب.
قال صاحب "العناية": وأما رضا المحيل فقد شرطه القدورى، وعسى يعلل بأن ذوى
المروءات، قد يأنفون بتحميل غيرهم ما عليهم من الدين، وذكر فى الزيادات: أن الحوالة تصح
بدون رضاه، لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف فى حق نفسه، والمحيل لا يتضرر به، بل فيه
نفعه، لأن المحال عليه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره، والظاهر أن الحوالة قد يكون ابتداؤها من
المحيل، وقد يكون من المحتال عليه، والأول: إحالة، وهو فعل اختيارى لا يتصور بدون الإرادة
والرضا، وهو وجه رواية القدورى، والثانى: احتيال يتم بدون إرادة المحيل بإرادة المحتال عليه،
ورضاه، وهو وجه رواية الزيادات، (أى إذا كان مديونا للمحيل، وإلا فيكون متبرعاً إذا احتال
بدون أمره، ولا يتم التبرع إلا برضاع المتبرع عليه، أو مقرضا إذا احتال بأمره، ولا يتصور إلا
برضاه)، وعلى هذا اشتراطه مطلقا، كما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أو عدم اشتراطه مطلقًا، كما
ذهب إليه بعض الشارحين ليس على ما ينبغى اهـ، ملخصًا (٣٤٧:٦)، ولله دره من فقيه قد أتى
بوجه وجیه، وتحقیق بديع نبیه.
قال الموفق فى "المغنى": فإذا اجتمعت شروط الحوالة، وصحت برئت ذمة المحيل فى قول

٥٠٧
إعلاء السنن
باب إذا أفلس المحال عليه أو مات
يرجع المحتال على المحيل
٤٨٥٢- أخرج البيهقى من طريق شعبة: أخبرنى خليد بن جعفر، قال سمعت أبا
إياس، عن عثمان بن عفان، قال: "ليس على مال امرئ مسلم توى يعنى حوالة))
(٧١:٦)، وهذا سند صحيح موصول، وليس خلید بن جعفر بمجهول، ولا أبو إياس من
الطبقة الثالثة كما زعمه البيهقى، بل خليد ثقة معروف، وأبو إياس من الثانية، كما
سنذكره، والأثر ذكره ابن حزم فى "المحلى" بلفظ: "قد روى عن عثمان أنه قال فى
الحوالات، ليس على مال مسلم توا"، ولم يعله بشىء (١٠٩:٨).
عامة الفقهاء (براءة مقيدة عندنا كما سنذكره، ومطلقة عند الجمهور)، إلا ما يروى عن الحسن أنه
كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه (المحتال)، وعن زفر أنه قال: لا تنقل الحق، وأجرها مجرى
الضمان، وليس بصحيح، لأن الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان، فإنه مشتق من ضم
ذمة إلى ذمة، فعلق كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه اهـ (٥٨:٥).
أغرب ابن حزم فى معنى قول الحسن وابن سيرين الكفالة والحوالة سواء:
وأغرب ابن حزم فى "المحلى" (١١٣:٨) حيث حمل قول الحسن وابن سيرين: أن الكفالة
والحوالة سواء على انتقال الدين من ذمة المديون إلى ذمة الضامن فى الكفالة، فعكس الأمر، وهكذا
اجتهاد أهل الظاهر يحتجون بالمجمل، ويأولونه على آرائهم، وإنما أراد أن الحوالة لا تنقل الحق
كالكفالة، كما قاله زفر، وهو أعرف بمذهب الحسن وابن سيرين من ابن حزم وأمثاله، لكونه
بلديهما وقد أدرك أصحابها، فافهم. ١٢ ظ
باب إذا أفلس المحال عليه أو مات يرجع المحتال على المحيل
قوله: "أخرجه البيهقى إلى آخر الباب"، قال العبد الضعيف: دلالة الآثار على معنى الباب
ظاهرة، وذكر البيهقى عن الشافعى أن محمد بن الحسن احتج بأن عثمان قال فى الحوالة،
أو الكفالة: "يرجع صاحبها لا توى على مسلم"، فسألته عنه فزعم أنه عن رجل مجهول عن رجل
معروف منقطع عن عثمان، قال الشافعی: فهو فى قوله: یبطل من وجھین، ولو کان ثابتاً لم یکن
فيه حجة، لأنه لا يدرى أقال ذلك فى الحوالة أو الكفالة؟ قلت: الذى فى كتب الحنفية أن محمدا
ذكره فى "الأصل" عن عثمان فى الحوالة من غير شك، كما أخرجه البيهقى أولا، وكذا أخرجه

ج - ١٤
إذا أفلس المحال عليه أو مات يرجع المحتال على المحيل
٥٠٨
٤٨٥٣- ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر أو غيره، عنه، عن قتادة، عن على بن
أبى طالب، أنه قال فى الذى أحيل. "لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو يموت". وهو
قول شريح، والحسن، والنخعى، والشعى، كلهم يقول: إن لم ينصفه رجع على المحيل،
ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن وكيع عن شعبة بسنده، وكيف يقال ذلك فى الكفالة والرجوع
فيها على الأصيل لا يتوقف على شرط موت الكفيل مفلسا؟ (وهو المراد بالتوى، بل لصاحب الحق
مطالبة الأصيل والكفيل أيهما شاء، أو مطالبتهما جميعاً من غير شرط)، وذكر أبو بكر الرازى،
وغيره أنه لا يعلم لعثمان فى ذلك مخالف من الصحابة.
خلید بن جعفر:
ثم قال البيهقى: الرجل المجهول فى هذه الحكاية خليد بن جعفر بصرى، لم يحتج به
البخارى (قلت: ليس هذا من الجرح شىء كما لا يخفى)، قال: وأخرج مسلم حديثه الذى يرويه
مع المستمر، وكان شعبة إذا روى عنه أثنى عليه، قلت: عدم احتجاج البخارى به لا يضره، كما
عرف، ومسلم وإن قرنه فی حدیث مع المستمر، فقد احتج به فى موضع آخر، وقد ذکر البيهقى
ذلك فى " کتاب المعرفة"، و کلامه ههنا یوهم أن مسلما لم يحتج به، وقد روى عنه غزوة بن
ثابت، وشعبة كان يعظمه ويثنى عليه، وقال: كان من أصدق الناس وأشدهم إتقانًا، ووثقه ابن معين
وغيره، فكيف يجعل مثل هذا مجهولا؟ قال البيهقى: والمعروف معاوية بن قرة وهو منقطع، لأنه
من الطبقة الثالثة من تابعى أهل البصرة، لم يدرك عثمان ولا كان فى زمانه، قلت: ذكر ابن عساكر
فى "تاريخ دمشق" أن له رؤية، وحكى عن ابن سعد أنه عده فى الطبقة الثانية، وحكى عن خليفة
وغيره أنه توفى سنة ثلاث عشرة ومائة، وعن يحيى(١) وغيره أنه بلغ ستا وتسعين سنة، فعلى هذا
يكون مولده سنة سبع عشرة، فكيف لم يكن فى زمن عثمان؟ اهـ من "الجوهر النقى" (٧١:٦).
الجواب عن إيراد ابن حزم علينا فى الباب:
وقال ابن حزم فى "المحلى" بعد ما ذكر أثر على المذكور فى المتن من طريق عبد الرزاق
وغيره عن معمر عن قتادة عنه: لا حجة فى أحد دون رسول الله مَّه (قلت: كلمة حق أريد بها
(١) والذى فى "التهذيب" عن يحيى بن معين: مات وهو ابن ست وسبعين سنة، وعلى هذا فمولده سنة سبع وثلاثين، وهو الموافق
لما فى "الخلاصة": أن مولده يوم الجمل ومثله لا يدرك عثمان، وبالجملة: فقد اختلف الأقوال فى مولده، والانقطاع فى القرون
الفاضلة لا يضرنا، والله تعالى أعلم. ١٢ ظ

٥٠٩
إذا أفلس المحال عليه أو مات يرجع المحثال على المحيل
إعلاء السنن
وعن الحكم: لا يرجع على المحيل إلا أن يموت المحال عليه قبل أن ينتصف، فإنه يرجع إلى
المحيل"، ذكره ابن حزم فى "المحلى" (١٠٩:٨)، ولم يعله بشىء من علل الإسناد.
الباطل، فإن قول رسول الله عرّ له: ((إذا اتبع أحدكم على ملىء فليتبع))، لا يوجب الاتباع لاحتمال
كون الأمر للندب بدليل ما ذكرنا، ولو سلمنا فإنما يوجبه ما دام مليئا، وأما إذا أفلس أو مات مفلسا
فلا، ومن أين فيه الدلالة على أن لا رجوع للذى أحيل على الذى أحاله بشىء من حقه، انتصف.
أو لم ينتصف، أعسر المحال عليه أم لم يعسر؟ وهل هذا إلا تحكم بالرأى؟).
قال فکیف؟ وقد روینا من طریق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن على بن عبيد
الله، عن سعيد بن المسيب: "أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم، ولرجل آخر على
على بن أبى طالب ألفا درهم، فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على على، وأحلنى أنت على
فلان، ففعلا فانتصف المسيب من على، وتلف مال الذى أحاله المسيب عليه، فأخبر المسيب بذلك
على بن أبى طالب، فقال له على: أبعد الله"، قال ابن حزم: فهذا خلاف الرواية عن عثمان، والذى
ذكرنا عن على، وهذه موافقه لنا إلخ (١٠٩:٨)، قلت: ليس هذا من المخالفة فى شىء، ولا هو مما
يوافقكم، لأن معنى قول على: "أبعده الله" ، أنه لا يستحق الرجوع عليه، أى على على بعد ما
قد أدى الألفين إلى من أحاله عليه، وأما إنه لا يستحق الرجوع على المسيب فلا، ويحتمل أنه أبعده
لكونه قد طمع فى غير مطمع حيث خاف المطل من على، فأحال ما كان له عليه إلى المسيب،
ولم يخف من فلان ورجا منه القضاء عاجلا، فعوقب بالمطل والتأخير.
وأيضًا: فإن إحالة الرجل مسيبا على على، وإحالة المسيب إياه على فلان لم يكن من إحالة
من له الحق على من عليه مثل ذلك الحق، لأن المسيب لم يكن له دين على على، ولا للرجل على
فلان، فكان ذلك من باب من أحال من لا دين عليه على آخر له عليه دين، وليس ذلك بحوالة، بل
هى وكالة تثبت فيها أحكامها، لأن الحوالة مأخوذة من تحويل الحق، وانتقاله، ولا حق ههنا ينتقل
ويتحول، نص عليه الموفق فى "المغنى" (٥٦:٥)، فكان المسيب وكيل الرجل فى اقتضاء الحق من
على، والرجل وكيل المسيب فى اقتضاء حقه من فلان، ومثل هذا الو کیل إذا لم يقدر على قبض
الدين لمانع ما أى مانع كان رجع على المحيل بحقه الذى أخذه هو من مديون الوكيل اتفاقًا، وصرح
ابن حزم فى "المحلى" بأنه إن كان الحق على المحيل من بيع (كما فى ما نحن فيه، لأن إحالة الرجل
مسيبا، وإحالة المسيب إياه كان لأجل بيع أحدهما دينه بدين الآخر، لا من قرض ونحوه)، لم يجز
إلا بوجه التوكيل، فيو كله على قبض حقه قبله، فإن قبضه للمو كل برئ المحیل، وإن لم يقدر على

٥١٠
ج - ١٤
: باب كراهة السفا تج بشرط وجوازها بلا شرط
٤٨٥٤- عن جعفر بن عون، عن أبى عمیس، عن ابن جعدبة، عن عبيد -هو ابن
السباق- عن زينب، قالت: ((أعطانى رسول الله عّ لّه خمسين وسقاًمرا بخيبر وعشرين
قبضه رجع على المحيل بحقه (١٠٩:٨)، فلم يكن أثر على هذا موافقا لقول ابن حزم، ولا مخالفا
لما روى عن عثمان، وعلی فی هذا الباب.
ولو سلمنا فلا يخفى أن المروى عن عثمان صريح فى الدلالة على أن ليس على مال امرئ
مسلم توى فى الحوالة، وكذا ما رواه قتادة عن على فى رجوع المحتال على المحيل إذا مات المحتال
عليه أو أفلس، وليس ما رواه ابن المسيب، عن أبيه، عن على صريحا فى نفيه، بل هو مجمل
يحتمل الوجوه كما قدمنا، ولا يصح معارضة المجمل للمفسر كما لا يخفى على من له مسكة عقل
وفقه، بل يقضى المفسر على المجمل، ويحمل الآخر على محمل حسن أو يرد، وأقل ذلك أن يقال:
قولا على متعارضان، فإما أن يرجح أحدهما على الآخر بالطريق الذى ذكرنا، وإلا فقد تساقطا
ويبقى قول عثمان بلا معارض، فهو المعول عليه، وكفى به قدوة، ولأجل ذلك - والله تعالى أعلم-
لم ير أبو حنيفة رحمه الله قول على رضى الله عنه حجة فى الباب، أى لأجل التعارض بين قوليه.
واقتصر على قول عثمان وحده، فقال: لا يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوى حقه،
ولا يتوى إلا بأحد أمرين، وهو إما أن يجحد المحتال عليه الحوالة، ويحلف ولا بينة للمحيل عليه،
أو يموت مفلسًاً، لأن العجز عن الوصول يتحقق بأحد هذين الوجهين، وهو التوى فى الحقيقة،
ولا يرجع عليه بحكم الحاكم بإفلاس المحتال عليه حال حياته، لأن المال غاد ورائح، فلم يوجد
التوى حقيقةً بل توهما، وقالا: يرجع فى هذا الوجه أيضًا، لما روى عن على كرم الله وجهه أنه قال
فى الذى أحيل: "لا يرجع على صاحبه إلا أن يفلس أو يموت " (مفلسا) فدل على جواز رجوعه.
على المحيل بإفلاس المحتال عليه حال حياته، والمراد حكم الحاكم بإفلاسه لا مجرد دعواه الإفلاس،
وإلا لادعى من شاء ما شاء، وفيه من إضاعة حقوق الناس ما لا يخفى، فافهم، فلعل الحق
لا يتجاوز عن قول أبى حنيفة رحمه الله، وقد نبهناك على ما فى قول الصاحبين وغيرهما من
الكلام، والعلم لله الملك العلام. ١٢ظ
باب كراهة السفا تج بشرط، وجوازها بلا شرط
قوله: "عن جعفر بن عون إلخ"، قال العبد الضعيف: ابن جعدبة هذا قال أبو حاتم: هو يزيد
ابن جعدبة جد يزيد بن عياض، وكذا قاله الذهبى فى "الميزان" حيث ذكر حديث سفيان عن

٥١١
كراهة السفاتج بشرط، وجوازها بلا شرط
إعلاء السنن
شعيرا، قالت: فجاءنى عاصم بن عدى فقال لى: هل لك أن أوتيك مالك بخيبر ههنا
بالمدينة فاقبضه منك بكيله بخيبر؟ فقالت: لا حتى أسأل عن ذلك، قالت: فذكرت ذلك
لعمر بن الخطاب فقال: لا تفعلى، فكيف لك بالضمان فيما بين ذلك؟)) رواه البيهقى
فى "سننه" (٣٥٢:٥)، ولم يعله هو ولا ابن التركمانى بشىء، وابن جعدبة ليس هو
یزید بن عیاض الذی کذبه مالك وضعفه غیره، فإن عمرو بن دینار روی عن ابن عبيد
ابن السباق، وقال ابن خزيمة: عمرو أجل وأكبر من أن يروى عن يزيد بن عياض، كذا
فى "التهذيب" (٣٥٢:١١).
٤٨٥٥- ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم أنا خالد عن ابن سيرين: أنه كان
لا يرى بالسفتجات بأسا إذا كان على الوجه المعروف، رواه البيهقى (٣٥٢:٥) أيضا.
عمرو بن دينار، عن يزيد بن جعدبة، عن عبد الرحمن بن مخراق، عن أبى ذر مرفوعا: ((أن الله
خلق فى الجنة ريحا)) الحديث، قال ابن عدى: يزيد بن جعدبة هو يزيد بن عياض، وعمرو أكبر
منه، قلت: ما أظن إلا أن هذا آخرقديم، لعله جد صاحب الترجمة، وكذلك ابن مخراق تابعى
كبير، وصاحب الترجمة أى يزيد بن عياض يصبو عن ذلك اهـ (٣١٧:٣).
وقد ذكر الحافظ فى ترجمة عبيد بن السباق من "التهذيب" يزيد بن جعدبة فى الرواة عنه،
ولم يذكر يزيد بن عياض (٢٦٦:٧)، ويزيد بن جعدبة لم نر فيه جرحا ولا تعديلا، والحديث رواه
مالك فى "الموطأ"، قال: "بلغنى أن عمر سئل فى رجل أسلف طعاما على أن يعطيه إياه فى بلد آخر،
فكره ذلك عمر، وقال: أين كراء الحمل" (جمع الفوائد ٢٥١:١)، وبلاغات مالك صحاح، كما
مر فى المقدمة، ودلالته على كراهة السفتجة إذا كانت مشروطة فى القرض ظاهرة، وإن أقرضه
بغير شرط، وكتب له سفتجا جاز، كما فى "فتح القدير" (٣٥٦:٦)، فإطلاق القدورى كراهتها
مقيد بما إذا كانت مشروطة، قاله محشى الهداية نقلا عن "الدر المختار ورد المحتار" (١١٥:٣).
قوله: "من طريق سعيد بن منصور إلى آخر الباب"، دلالة الآثار على جواز السفتجة من غير
شرط ظاهرة، وأثر ابن سيرين أصرح شىء فى هذا الباب، وعليه يحمل ما روى عن ابن عباس
وعلى رضى الله عنهما، أنهما لم يريا بها بأسا، أى إذا كانت بغير شروط، وبذلك يجتمع الآثار فى
الباب، فلا يبقى فيما بينها تضاد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمعاد، وقال الموفق فى
"المغنى": فإن شرط أن يعطيه إياه فى بلد آخر لم يجز إن كان لحمله مؤنة، لأنه زيادة، وإن لم يكن
لحمله مؤنة، فقد روى عن أحمد أنه لا يجوز أيضًا، ورويت كراهته عن الحسن البصرى، وميمون

٥١٢
ج - ١٤
٤٨٥٦- وأخرج ابن حزم فى "المحلى" (٧٨:٨) من طريق معمر، عن أيوب، عن
ابن سيرين: " وإذا أسلفت طعاما فأعطاكه بأرض أخرى فإن كان عن شرط فهو مكروه،
وإن کان علی و جه المعروف فلا بأس به". وهذا کما تری سند صحيح.
٤٨٥٧- ومن طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم، أنا حجاج بن أرطاة عن عطاء
ابن أبى رباح: "أن عبد الله بن الزبير كان يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب بها إلى
مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، فسئل ابن عباس ذلك؟ فلم ير به بأسا، فقيل
له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم؟ قال: لا بأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم". رواه
البيهقى (٣٥٢:٥)، وقال: وروى فى ذلك أيضا عن على رضى الله عنه، وإنما أراد
-والله أعلم- إذا كان ذلك بغير شرط، قلت: وأخرجه أى أثر الزبير وابن عباس رضى
الله عنهم ابن حزم فى "المحلى" (٧٨:٨) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن
عطاء، بلفظ: " كان ابن الزبير يستسلف من التجار أموالا، ثم يكتب لهم إلى العمال:
فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لا بأس به"، وهذا سند صحيح موصول.
باب کل قرض جر منفعة فهو ربا
٤٨٥٨- عن على أمير المؤمنين مرفوعا: ((كل قرض جر منفعةً فهو ربا)). أخرجه
ابن أبى شبيب، وعبدة بن أبى لبابة، ومالك، والأوزاعى، والشافعى، لأنه قد یکون فى ذلك زيادة،
وقد نص أحمد أن من شرط أن يكتب له سفتجة لم يجز، ومعناه اشتراط القضاء فى بلد آخر، «
وروى عنه جواز ذلك، حكاه عنه ابن المنذر لكونه مصلحة لهما، وحكاه عن على، وابن عباس؛
والحسن بن على، وابن الزبير، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب السختيانى،
والثورى، وإسحاق واختاره، قال: والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما،
والشرع لا يرد بتحريم المصالح التى لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها، ولأن هذا ليس بمنصوص على
تجريمه، ولا فى معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة اهـ (٤: ٣٦٠)، قلت: ولكنه بالشرط
يدخل فى قرض جر منفعة، وهو منصوص على تحريمه، كما سيأتى.١٢ ظ
باب کل قرض جر منفعة فھو ربا
قوله: "عن على إلخ"، قال العبد الضعيف: قال ابن حزم فى "المحلى": والربا لا يكون إلا فى
بيع، أو قرض، أو سلم، وهذا ما لا خلاف فيه من أحد، لأنه لم تأت النصوص إلا بذلك، إلى

33
إعلاء السنن
کل قرض جر منفعة فھو ربا
٥١٣
الحارث بن أبى أسامة فى مسنده قال الشيخ: حديث حسن لغيره، كذا فى "العزيزى"
(٨٧:٣)، وفى سنده سوار بن مصعب وهو متروك (التلخيص الحبير ٣٤٥:٢). قلت:
ولما رواه شواهد كثيرة كما سيأتى ولأجل ذلك - والله أعلم- صححه إمام الحرمين كما
فى "التلخيص" أيضًا.
أن قال: وهو فى القرض فى كل شىء، فلا يحل إقراض شىء ليرد إليك أقل، ولا أكثر، ولا من
نوع آخر أصلا، لكن ما أقرضت فى نوعه ومقداره، وهذا إجماع مقطوع به اهـ (٤٦٧:٨
و٤٦٨)، وهذا احتجاج بالإجماع ممن هو قلما يسلم تحقق الإجماع فى المسائل، كما لا يخفى
على من راجع "المحلى" (٤:٩)، فمثله لا يذعن الإجماع إلا إذا جاءه فيه مثل فلق الصبح.
وقال الموفق فى "المغنى": وكل قرض شرط فيه الزيادة فهو حرام بلا خلاف، قال ابن
المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ
الزيادة على ذلك ربا، وقد روى عن أبى بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود، أنهم نهوا عن قرض
جر منفعةً، ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة
فى القدر أو فى الصفة، وإن شرط أن يؤجره داره، أو يبيعه شيئا، أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى
لم يجز، ولأن النبى معَِّ نهى عن بيع وسلف، وإن شرط أن يؤجر داره بأقل من أجرتها، أو على
أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها، أو على أن يهدى له أو يعمل له عملا كان أبلغ فى
التحريم، وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله، ولم يجز قبوله، إلا أن يكافئه أو يحبسه
من دينه، إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض، لما روى الأثرم، فذكر قول ابن
عباس فى مقاصة السماك، وحديث عمر فى رده هدية أبى بن كعب، وقد كان أسلفه، وقول أبی
لزر بن حبيش: "إن أقرضت رجلا قرضا فأتاك به، ومعه هدية فاقبض قرضك واردد عليه هديته"،
وقول عبد الله بن سلام لأبى بردة رواه البخارى، وقد ذكرنا كله فى المتن.
قال ابن أبى موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن ليستعمله مثله قبل القرض
کان قرضا جر منفعة، ولو استضاف غريمه، ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله،
لما روى ابن ماجه فى "سنته" عن أنس قال: قال رسول الله عَّجُلّه: ((إذا أقرض أحدكم قرضا،
فأهدی إلیه، أو حمله على الدابة فلا یر کبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك))،
قال: وهذا كله فى مدة القرض، فأما بعد الوفاء فهو كالزيادة من غير شروط، وحكمه أنه إذا
أقرضه مطلقًا من غير شرط فقضاه خيرا منه فى القدر، أو الصفة، أو دونه برضاهما جاز، وكذلك
14

٥١٤
کل قرض جر منفعة فھو ربا
ج - ١٤
٤٨٥٩- روى ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج،
عن عطاء، قال: " كانوا يكرهون كل قرض جر منفعة" (زيلعى (١٩٨:٢)، وهذا إسناد
حسن، وقول عطاء: " كانوا يكرهون" يريد به الصحابة رضى الله عنهم.
إن كتب له بها سفتجة، ورخص فى ذلك ابن عمر، وابن المسيب، والحسن، والنخعى، والشعبى،
والزهرى، ومكحول، وقتادة، ومالك، والشافعى، وإسحاق، وقال أبو الخطاب: إن قضاه خيرا منه، أو زاده
زيادة بعد الوفاء من غير مواطأة فعلى روايتين، وروى عن أبى بن كعب، وابن عباس، وابن عمر،
أنه يأخذ مثل قرضه، ولا يأخذ فضلا، لئلا يكون قرضا جر منفعة اهـ ملخصا (٤: ٣٦٠ و٣٦٢).
وبالجملة: فحرمة الزيادة المشروطة فى القرض مجمع عليها، لا خلاف فيها من أحد لكونها
منفعة قد جر القرض، وإنما اختلفوا فى زيادة يزيدها المستقرض من غير شرط، فذهب بعض السلف
إلى جوازها، وبعضهم إلى عدم جوازها إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض، وفی
كل ذلك دليل على صحة ما رواه سوار بن مصعب عن على مرفوعا: ((كل قرض جر منفعة
فهو ربا))، فإن إجماع الأمة، وعمل الأئمة بحديث أكبر دليل على صحته، فقد مر فى المقدمة أنه
قد یحکم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم یکن له إسناده صحيح، قاله ابن عبد
البر وغيره، بل ما تلقاه الناس من أخبار الآحاد بالقبول فهو عندنا فى معنى المتواتر، كما بينه
الجصاص فى مواضع من "أحكام القرآن" له.
فقول الشوكانى فى "النيل": ووهم إمام الحرمين والغزالى فقالا: إنه صح، ولا خبرة لهما
بهذا الفن اهـ (٥: ١٠٠) خارج عن الأدب، ولو قال كما قلنا: لكان أولى وأصوب، واغتر بكلامه
بعض من لا دين له، ولا أمانة من أبناء الزمان، فادعى بطلان هذا الحديث رأسا وأساسا، وأجاز
الزيادة المشروطة فى القرض، وأباح الربا العجلان، وزعم أن الربا لا يتحقق فى القرض، وإنما .
يختص بالبيع والشراء، وأغمض عينيه من شواهد هذا الحديث التى أودعناها فى المتن، ومن إجماع
الأئمة الفقهاء، وجعل يحرف كلمهم عن مواضعها، ويتكلم فى بعض الشواهد من غير علم، كما
يتكلم السفهاء، فإلى الله المشتكى من الإحداث فى الدين والابتداع، وترك الاعتناء بالتقليد
والاتباع، ولو رده إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله
عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، وقد استوفينا الكلام فى ذلك فى رسالتنا كشف الدجى
عن وجه الربا.
قوله: "روى ابن أبى شيبة إلى قوله: عن فضالة بن عبيد إلخ"، دلالتهما على ما دل عليه

٥١٥٫
کل قرض جر منفعة فهو ربا
إعلاء السنن
٤٨٦٠- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: كل قرض جر منفعة
فلا خير فيه. أخرجه محمد فى "الآثار" وقال: به نأخذ وهو قول أبى حنيفة اهـ (١١١)
وقوله: "فلا خير فيه" لا ينافى التحريم، كما لا يخفى على من مارس كلام الفقهاء.
٤٨٦١- عن فضالة بن عبيد - صاحب النبى معَّ له - أنه قال: ((كل قرض جر
منفعة فهو وجه من وجوه من الربا)) أخرجه البيهقى (٣٥٠:٥)، ولم يعله هو ولا ابن
التر كمانى بشىء، وفى سنده عبد الله بن عياش روى له مسلم استشهادا، وقال أبو
حاتم. ليس بالمتين صدوق يكتب حديثه، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وتكلم فيه
بعضهم، كما فى "التهذيب" (٣٥١:٥)، ومثله حسن الحديث، كما مر فى "المقدمة"
فالحدیث حسن.
٤٨٦٢- ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد
الضبى، عن يزيد بن أبى يحيى، قال: سألت أنس بن مالك، فقلت: يا أبا حمزة! الرجل
منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه؟ فقال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا أقرض أحدكم قرضًا
فأهدی إلیه طبقا فلا يقبله، أو حمله على دابة فلا یر کبها، إلا أن يكون بينه وبينه قبل
ذلك))، رواه البيهقى (٣٥٠:٥)، وقال: كذا قال، ورواه هشام بن عمار، عن إسماعيل،
عن عتبة، عن يحيى بن إسحاق، وقال المعمرى: قال هشام فى هذا الحديث: يحيى بن
إسحاق الهنائى ولا أراه إلا وهم، وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائى عن أنس اهـ.
حديث على رضى الله عنه ظاهرة، وهى شواهد لصحته، وترد على من قال لا أصل له.
قوله: "ومن طريق سعيد بن منصور إلخ"، قال الحافظ فى ترجمة يحيى بن أبى إسحاق
الهنائى: عن أنس فى القرض، والمعروف أن الهنائى يحى بن يزيد، وسيأتى إن شاء الله تعالى
(تهذيب ١٧٨:١١)، فيه ترجيح لقول المعمرى وابن تيمية، ورد على من قال بضعف الحديث
لجهالة يحيى بن أبى إسحاق الهنائى، فإن خطأ الرواة فى اسم الراوى لا يوجب ضعف الحديث،
ولا جهالة راويه إذا تحقق خطأهم فى ذلك، وقد ذكر السمعانی فی "الأنساب": یحیی بن یزید
الهنائى فى من اشتهر بهذه النسبة، ولم يذكر يحيى بن أبى إسحاق بالمرة، فثبت بذلك ما قاله
المعمرى: إن الحديث ليحيى بن يزيد، ووهم من قال فيه يحيى بن إسحاق، كما وهم من قال يزيد
ابن يحيى أو يزيد بن أبى يحيى، نص عليه ابن حبان، كما فى "الأنساب" (٥٦٢).

٥١٦
ج - ١٤
کل قرض جر منفعة فھو ربا
وقال ابن القيم فى "الأعلام" (٧٥:٢) بعد ما عزاه إلى ابن ماجه فى "سننه": قال
شيخنا: ويحيى هذا يحيى بن يزيد الهنائى من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف
بالرواية عن (يحيى بن يزيد) الهنائى. قال أبو حاتم: مع تشديده هو صالح الحديث،
وقال أحمد: ليس بالقوى، وإسماعيل بن عياش ثقة فى حديثه عن الشاميين، ورواه
سعيد فى "سننه" فقال: عن يزيد أبى إسحاق الهنائى، ورواه البخارى فى "تاريخه" عن
يزيد بن أبى يحيى الهنائى، قال شيخنا: وأظنه هو ذاك انقلب اسمه اهـ، وبالجملة
فالحديث حسن.
والحديث نص فيما ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد إذا اقترض رجل من رجل قرضا،
فلا يجوز للمقرض أن ينتفع بشىء من مال المقترض ما لم تجر عادة به قبل القرض، فإن قوله مرّ له:
((إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه طبقا فلا يقبله، أو حمله على دابة فلا يركبها)) مطلق عن
الشرط وغيره، وقوله: ((إلا أن يكون بينه وبينه قبل ذلك)) يأبى حمله على الشرط البتة، فإن شرط
الهدية أو الحمل فى القرض لا يحل مطلقا ولو جرى به عادة، كما تقدم بيانه مستوفى، فلا بد من
حمله على ما إذا أهدى إليه أو حمله على دابته من غير شرط، فلا يجوز قبوله ما لم تجربه عادة قبل
القرض، وهو شاهد جید حدیث: « کل قرض جر نفعا فهو ربا».
وفيه رد على قول ابن حزم فى "المحلى": بعد ما نص على حرمة هدية الغريم والضيافة إذا
كان عن شرط، ولو كانت هدية الغريم والضيافة منه حراما أو مكهوها أى من غير شرط لما أغفل
الله تعالى بيانه على لسان رسوله مَّه، وما كان ربك نسيا (٨٦:٨)، قلنا: لم يغفل الله بيانه على
لسان رسوله وأصحاب رسوله، ولکن حفظت شیئا، وغابت عنك أشیاء، قال: فإذ لم ینه تعالی عن
ذلك فهو حلال محض إلا ما كان عن شرط بينهما اهـ، قلنا: بناء الفاسد على الفاسد، فقد نهى
رسول الله عَ لّه عن قبول هدية الغريم مطلقا إلا أن تكون عن عادة بينهما قبل القرض من غير
شرط، وهو يدل على حرمة سلف جر منفعةً، وأما قوله: إنه ليس فى العالم سلف إلا وهو يجر
منفعة، وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله، فيكون ماله مضمونا تلف أو لم يتلف مع شكر
المستقرض إياه، وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة إلخ، ففيه أن هذه منافع قد تضمنها السلف،
وأوجبها ولم يجرها، وشتان بين منفعة يوجبها الشىء، وبين منفعة يجرها، ولا يفرق بينهما إلا من
أُوتی الحكمة، وفهما فی الکتاب وفقها فی الدین.

٥١٧
إعلاء السنن
کل قرض جر منفعة فھو ربا
٤٨٦٣- ومن طريق أبى عبيد: ثنا هشيم، أنا يونس وخالد، عن ابن سيرين، عن
عبد الله يعنى ابن مسعود: "أنه سئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن
المستقرض أفقر المقرض ظهر دابته؟ فقال عبد الله: ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا".
قال أبو عبيد: يذهب إلى أنه قرض جر منفعة. رواه البيهقى (٣٥٠:٥)، وقال: هذا
منقطع، ورواه عن ابن سيرين ابن عون وأيوب أيضا عنده، قال العبد الضعيف: قد مر
غير مرة أن مراسيل ابن سيرين صحاح عند القوم، فلا يضرنا انقطاعه.
٤٨٦٤- ومن طريق مالك، عن نافع، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: "من
أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضائه". رواه البيهقى (٣٥٠:٥)، وهذا سند صحيح.
٤٨٦٥- وقال ابن وهب، عن رجال من أهل العلم، عن ابن شهاب، وأبى الزناد،
وغير واحد من أهل العلم: "إن السلف معروف أجره على الله فلا ينبغى أن تأخذ من
صاحبك فى سلف أسلفته شيئا، ولا تشترط إلا الأداء" (المدونة لمالك ١٩٥:٣).
٤٨٦٦- مالك أنه بلغه: "أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن!
إنى أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله بن عمر: فذلك
الربا" (الموطأ ٢٨٣).
٤٨٦٧- مالك أنه بلغه: "أن عمر بن الخطاب قال فى رجل أسلف رجلا طعاما
على أن يعطيه إياه فى بلد آخر، فكره ذلك عمر، وقال: فأين الحمل؟ يعنى حملاته"
(الموطأ) وبلاغات مالك صحاح عند القوم.
٤٨٦٨- ومن طريق كلثوم بن الأقمر عن زر بن حبيش قال: قلت لأبى بن
قوله: "ومن طريق أبى عبيد إلخ"، دلالته على حرمة الانتفاع بمال المقترض، ولو من غير
شرط ظاهرة، لأن قوله: "ثم إنه المستقرض أفقر المقرض ظهر دابته" صريح فى أنه كان من غير
شرط فى القرض، ويستثنى منه ما كان عن عادة بينهما قبل القرض بدليل ما مر من حديث أنس
مرفوعًا.
قوله: "ومن طريق مالك إلى قوله: مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب إلخ"، دلالة الآثار على
حرمة الفضل المشروط فى القرض ظاهرة، وهو إجماع المسلمين، كما مر.
قوله: "ومن طريق كلثوم بن الأقمر إلخ"، دلالته على حرمة الانتفاع بهدية الغريم ولو من

٥١٨
ج - ١٤
کل قرض جر منفعة فهو ربا
كعب: يا أبا المنذر! إنى أريد الجهاد فآتى العراق فأقرض؟ قال: إنك بأرض الربا فيها
کثیر فاش، فإذا أقرضت رجلا فأهدی إلیك هدية فخذ قرضك واردد إليه هدية، رواه
البيهقى (٣٤٩:٥) واحتج به، وكلثوم بن الأقمر ليس بمجهول، بل هو معروف، ذكره
ابن حبان فى الثقات وقال: روى عن جماعة من الصحابة، روى عنه أهل الكوفة، وهو
أخو على بن الأقمر (لسان ٤٨٩:٤)، قلت: على بن الأقمر من رجال الجماعة معروف.
٤٨٦٩- ومن طريق ابن عون، عن محمد بن سيرين: "أن أبى بن كعب أهدى
إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه، فردها، فقال أبى: لم رددت على هديتى وقد
علمت أنى من أطيب أهل المدينة ثمرة؟ خذ عنى ما ترد على هديتى، وكان عمر رضى
: الله عنه أسلفه عشرة آلاف درهم"، رواه البيهقى (٣٤٩:٥)، ولم يعله بشىء غير
الانقطاع، وقد عرفت أن مراسيل ابن سيرين صحاح عند القوم، صرح به ابن عبد البر
فى أوائل "التمهيد" كما فى "الجوهر النقى" (٣٤٣:١)، ورواه ابن حزم فى "المحلى"
(٨٦:٨) من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثورى، عن يونس بن عبيد وخالد الحذاء،
كلاهما عن محمد بن سیرین، فذ کره واحتج به.
غير شرط ظاهرة، وهو محمول على ما إذا كان عن غير عادة بينهما قبل القرض، بدليل ما سيأتى
عن أبى بن كعب نفسه: أنه أهدى إلى عمر بن الخطاب ثمرة حائطه، وقد كان استسلفه عشرة
آلاف درهم.
قوله: "ومن طريق ابن عون إلخ"، قال العبد الضعيف: ليس فيه عند ابن حزم قوله: "خذ
عنى ما ترد على هديتى"، ولفظه: "فقال له أبى بن كعب: لا حاجة لی بما منعك طيب ثمرتی،
فقبلها عمر، وقال: إنما الربا على من أراد أن يربى وينسئ"، فاغتر به، وزعم أن هدية الغريم
والضيافة منه، إذا كان من غير شرط حلال مطلقا، سواء جرت به عادة بينهما قبله، أو لم تجر،
ولم ير أن عمر إنما قبل أهديته بعد ما رد عليه ما استقرضه منه، ولو كانت هدية الغريم من غير شرط
تحل مطلقا لم يكن لرد عمر هديته معنًى، للقطع بأن هدية أبى إنما كان من غير شرط البتة،
وأما قوله: "إنما الربا على من أراد أن يربى وينسئ" فلا ينفى كون هدية الغريم ربا إذا كان عن غير
عادة، وإنما أراد تبرئة أبى بن كعب، وأنه لم يرد بهديته الإرباء ولا الإنساء، وإنما أهدى إليه لعادة
بينهما قبل القرض، وأن عمر رد هديته، أو لا ليراجعه أبى فى ذلك، ويبين للناس أن هدية الغريم

٥١٩
کل قرض جر منفعة فهو ربا
إعلاء السنن
٤٨٧٠- ومن طريق الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى صالح عن ابن
عباس: "أنه قال فى رجل كان له على رجل عشرون درهما فجعل يهدى إليه، وجعل
كلما أهدى إليه هدية باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهم، فقال ابن عباس: لا تأخذ
منه إلا سبعة دراهم"، رواه البيهقى (٣٤٩:٥)، ولم يعله بشىء والحديث صحيح، كما
سنذ کره.
٤٨٧١- ومن طريق شعبة، عن عمار الدهنى، عن سالم بن أبى الجعد، قال:
"كان لنا جار سماك عليه لرجل خمسون درهما، فكان يهدى إليه السمك، فأتى ابن
عباس فسأله عن ذلك؟ فقال: قاصه بما أهدى إليك"، رواه البيهقى (٣٤٩:٥) ولم يعله
بشىء، وصححه ابن حزم فى "المحلى" ٨٦:٨)، كما سيأتى.
٤٨٧٢- صح عن ابن عباس: "إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تقبل منه هدية قراع،
ولا عارية ر کوب دابة، وأنه استفتاه رجل فقال له: أقرضت سماکا خمسین درهما
وكان يبعث إلى من سمكه؟ فقال له ابن عباس: حاسبه، فإن كان فضل فرد عليه، وإن
كان كفافا فقاصصه" (المحلى لابن حزم ٨٦:٨).
٤٨٧٣- وصح عن ابن عمر: "أنه سأله سائل فقال له: أقرضت رجلا فأهدى لى
هدية؟ فقال: أثبه أو احسبها له مما عليه أو ارددها عليه". وعن علقمة نحو هذا، وصح
النهى عن سلف جر منفعة عن ابن سيرين، وقتادة، والنخعى، (المحلى ٨٦:٨) أيضا.
لا تحل إلا إذا كانت كهدية أبى عن عادة، أو ردها عليه تورعا كى لا يظن الناس حل هدية الغريم
مطلقا، وبذلك يظهر التوفيق بين قول أبى، وفعله كما أشرنا إليه آنفا.
قوله: "ومن طريق الأوزاعى إلخ"، أخرجه الدولابى فى "الكنى" : حدثنا محمد بن بشار،
ثنا یحیی بن سعید، ثنا على بن المبارك، ثنا یحیی بن أبى كثير، عن أبى صالح، قال: "كان له على
علج عشرون درهما، فأهدى لنا هدية قومتها اثنى عشر درهما، فسألت ابن عباس؟ فقال: قاصه
وخذ ما بقى" (١٠:٢).
یحیی بن أبى كثير لا يروى إلا عن ثقة:
وفیه رد علی من قال من أبناء الزمان: إن أبا صالح هذا لم يسمع من ابن عباس، وسند
الدولابی صحيح إلى يحيى بن أبي كثير، وأبو صالح هذا ثقة، وإن لم أقدر على تعيينه، لأن يحبى

٥٢٠
ج - ١٤
کل قرض جر منفعة فهو ربا
٤٨٧٤- عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه، قال: "أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن
سلام، فقال: ألا تجىء فأطعمك سويقا وتمرا، وتدخل فى بيت؟ ثم قال: إنك بأرض
الربا بها فاش إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل
قت فلا تأخذه، فإنه ربا". رواه البخارى(١) فى "الصحيح" من وجهين (فتح البارى
٩٩:٦)، وكلاهما صحيح وأعله بعض من لا علم له ولا خبرة بهذا الفن بالاضطراب،
ابن أبى كثير إمام لا يحدث إلا عن ثقة، قاله أبو حاتم، كما فى "التهذيب" (٢٦٩:١١) ودلالته،
وكذا دلالة ما بعده إلى آخر الباب على حرمة الانتفاع بهدية الغريم، وكونها ربا ظاهرة، وهو مقيد
بما إذا كان عن غير عادة به قبل القرض، بدليل ما مر من حديث أنس مرفوعًا، ولأن المستقرض إذا
أهدى إلى المقرض من غير عادة به، فالظاهر لم يهد إلا بسبب القرض، وليس كذلك إذا أهدى عن
عادة به قبله، فافهم، فإن الظاهرية لا يفقهون.
الجواب عن حجج ابن حزم لجواز الزيادة
فى مقدار القرض من غير شرط:
تتمة: احتج ابن حزم لجواز الزيادة فى مقدار القرض عند القضاء تطوعا من غير شرط
بحديث جابر، قال: ((كان لى على رسول الله مَّ لآه دین، فقضانی وزادنی)) اهـ، وليس ذلك من
باب الزيادة فى القرض، بل من باب الزيادة فى ثمن المبيع لأنه میپڼ كان قد اشترى منه جملا
بأوقية، ولم يكن استقرضه شيئا.
: ثم احتج بحديث أبى هريرة قال: ((استقرض رسول الله مَّ ◌ُلآه سنا، فأعطاه سنا فوق سنه)) اهـ
٠
وهذا من باب الزيادة فى الوصف دون القدر على أن استقراض الحيوان منسوخ عندنا، كما مر.
ثم احتج بما رواه سفيان بن عيينة ووكيع، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبيه، قال:
(١) وقد أغرب العلامة ابن الأمير اليمانى الذى أبلغه القاضى الشوكانى درجة الاجتهاد المطلق، وعده من حفاظ الحديث، حيث .
قال فى "سبل السلام": لم أجده فى البخارى فى باب الاستقراض، ولا نسبه المصنف أى الحافظ ابن حجر فى "التلخيص"
إلى البخارى، بل قال: رواه البيهقى فى "السنن الكبرى" عن ابن مسعود، وأبى بن كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس،
موقوفا عليهم انتهى، فلو كان فى البخارى لما أهمل نسبته إليه فى "التلخيص" (٢٩:٢)، ولو راجع هذا الشيخ (فتح البارى
٩٩:٧) لعرف أن البخارى أخرجه فى مناقب عبد الله بن سلام، وفى كتاب الاعتصام، ولو راجع البيهقى لعرف أن البخارى
أخرجه من وجهين، ولو راجع "الصحيح" لوجده فى الموضعين، ولكن قلة المراجعة للكتب يوقع الرجل فيما هو أشد من
ذلك، والله تعالى أعلم.١٢ ظ