النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ ج - ١٤ كراهية بيع العصير ممن يتخذه خمرا الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه عبد الكريم بن عبد الكريم، قال أبو حاتم: حديثه يدل على الكذب، كذا فى "مجمع الزوائد" (٩٠:٤). حيث لا يبيعه إلا منه، فهذا لم يرد إعانته على المعصية، وإنما أراد بيع سلعته وماله الحلال. قلت: وبهذا يجتمع ما فى الشروح من جواز بيع الجارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها فى دبرها، وبيع الغلام من لوطى، وما فى الفتاوى من تحريمه، وأشكل الجمع بينهما على العلامة ابن عابدين كما فى "رد المحتار" (٣٨٦:٥) فما فى الفتاوى محمول عندى على من حبس الأمرد، والجارية للبيع من الفساق خاصة طمعا فى غلاء الثمن، ولا شك فى حرمة هذا الفعل وخامته، وما فى الشروح محمول على من أراد بيع الغلام والجارية فقط، ولم يحبسهما للفساق خاصة، بل قصد البيع ممن جاءه يشتريه، فيجوز له أن يبيع ماله لمن اشتراه مطيعا كان أو عاصيا، ونظيره الفرق بين من يبيع اللحم، والشواء، والفواكه لمن اشتراه سواء كان مطيعا أو عاصيا، فلا خلاف فى جوازه، وبين من يذهب إلى محل يجتمع فيه الفساق، وقصده أو يشتروا منه الشواء، والبيض، والفواكه إذا قعدوا على مائدة الخمر فى بيوت المومسات، فيبذلوا له من الثمن أكثر مما يبذله غيرهم، فذلك حرام لا شك فيه لقصده إعانتهم على المعصية ورضاه بها، وإرادته الانتفاع بمعصيتهم، فافهم. ولا يبعد أن يحمل ما فى الشروح على الجواز بمعنى صحة العقد، ولو مع الكراهة، وما فى الفتاوى على الكراهة مع صحة العقد، كالبيع عند النداء، وكبيع المصراة ونحوها، وتذكر قول الحافظ فى "الفتح" ردا على البخاری فی قوله: إن بیع من تلقی الر کبان مردود؛ لأن صاحبه عاصٍ وآثم، بما نصه: جزم المصنف بأن بيعه مردود بناء على أن النهى يقتضى الفساد، لكن محمل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهى عنه لا ما إذا كان يرجع إلى أمر خارج، فيصح البيع، وأما كون صاحبه عاصيا لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردودا (باطلا) لأن النهى لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشىء من أركانه وشرائطه، وتعقبه الإسماعيلى، وألزمه التناقض ببيع المصراة، فإن فيه خداعا، ومع ذلك لم يبطل البيع اهـ، ملخصًا (٣١٣:٤). قلنا: و کذلك بيع العصير ممن يتخذه خمرا صحیح غیر باطل، لأن النهی لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشىء من أركانه وشرائطه، فكان راجعا إلى أمر خارج، وهو لا يقتضى فساد البيع، ولا بطلانه، وإن كان البائع والمشترى عاصيين، وذهب أبو يوسف ومحمد منا إلى أنه لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا، ولا بيع الغلام من لوطى، ولا بيع الجارية ممن يأتيها فى دبرها، سواء حبسها لهم، أو لم يحبسها، وقولهما أحاط، كما لا يخفى، وإن كان قول الإمام ٤٨٢ إعلاء السنن باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم ٤٨٢٩- أخرج البيهقى من طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم عن أبى حمزة عمران بن أبى عطاء، قلت لابن عباس: إن أبى جلاب الغنم وأنه يشارك اليهودى والنصرانى قال: لا تشارك يهوديا ولا نصرانيا، قلت: ولم؟ قال: لأنهم يربون والربا لا يحل" (٣٣٥:٥)، أبو حمزة القصاب من رجال مسلم صدوق له أوهام، فالحديث حسن صحيح. ٤٨٣٠- ومن طريق شعبة، عن مزاحم بن زفر، عن ربيع بن عبد الله، "سمع رجلا سأل ابن عمر أن لى جارا يأكل الربا، أو قال: خبيث الكسب، وربما دعانى بطعامه أفأجییه؟ قال: نعم!" مزاحم من رجال مسلم ثقة، وربیع بن عبد الله لیس هو ابن خطاف الأحدب، فإنه أصغر من أن يروى عنه شعبة فضلا أن يروى عنه مزاحم، بل هو آخر غيره، وشعبة لا يتحمل من أحاديث مشايخه إلا ما صح كما مر فى "المقدمة.". ٤٨٣١- ومن طريق مسعر، عن جواب التيمى، عن الحارث بن سويد، قال: "جاء رجل إلى عبد الله يعنى ابن مسعود فقال: إن لى جارا ولا أعلم له شيئا إلا خبثا أو حراما، وأنه يدعونى فأحرج أن آتيه وأتحرج أن لا آتيه، فقال: ائته وأجبه، فإنما وزره عليه". قال البيهقى: جواب التيمى غير قوى، وهذا إذا لم يعلم أن الذى قدم إليه حرام، فإذا علم حراما لم يأكله كما لم يأكل رسول الله مَّ له من الشاة التى قدمت إليه اهـ. قلت: وقد مر حديث الشاة فى باب العقد الفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به، وجواب التیمی وثقه ابن حبان ويعقوب بن سفيان، وقال ابن عدی: لم أر له حدیثا منكرا فى مقدار ما يرويه، كما فى "التهذيب"، فالحديث حسن. أقيس وأضبط، وله سلف فى ذلك من الحسن وعطاء، ووافقه عليه سفيان الثورى سيد المحدثين فى زمانه، والله تعالى أعلم. باب كراهية مبایعة من أکثر ماله من الربا، أو ثمن المحرم دلالة أثر ابن عباس على كراهية مبايعة المرابى، وكل من هو خبيث الكسب ظاهرة، وهو مقتضى قوله عد: ((إن الحلال بين والحرام بين وأن بین ذلك مشتبهات فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك)) الحديث، متفق عليه، وقوله مرّ ه: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وأن الكذب ريبة))، ورواه أحمد، والترمذى، وابن حبان، قال الشيخ: ٤٨٣ ج - ١٤ أبواب الكفالة باب الكفالة بالنفس ٤٨٣٢- عن أبى أمامة مرفوعا: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدین مقضی، والزعيم غارم))، رواه أبو داود، والترمذى. وقال: حديث حسن، وابن ماجه، وأحمد، والطيالسى، وأبو يعلى، وعبد الرزاق، وابن أبى شيبة، كلهم من حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عنه، مطولا ومختصرا. قال صاحب "التنقيح": رواية إسماعيل بن عياش من الشاميين جيدة، وشرحبيل من ثقات الشاميين، قاله الإمام أحمد، ووثقه أيضا العجلى وابن حبان، وضعفه ابن معين اهـ (زيلعى ١٩٧:٢). حدیث صحیح، کذا فی "العزیزی" (٦٠:٢)، ومع ذلك لو بایعه أو شار كه أو أجابه إلى ما دعا إليه، ولم يعلم أن الذى قدم إليه حرام جاز، وكان خلاف الأولى. قال الموفق فى "المغنى": وإذا اشترى ممن فى ماله حلال وحرام كالسلطان الجائر والمرابى، فإن علم أن المبيع من حلال فهو حلال، وإن علم أنه من الحرام فهو حرام، فإن لم يعلم من أيها هو كره، لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع لإمكان الحلال، سواء قل الحرام أو كثر، وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام، وكثرته تقل الشبهة وتكثر، قال أحمد: لا يعجبنى أن يأكل منه لما روى النعمان بن بشير، والحسن بن على، فذكر ما ذكرنا من الحديثين، وهذا مذهب الشافعى اهـ (٢٢:٤)، قلت: وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه أيضًا. قال: و کان أحمد بن حنبل لا يقبل جوائز السلطان، وينكر على ولده وعمه قبولها، ويشدد فى ذلك، وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب، والقاسم، وبشر بن سعید، ومحمد بن واسع، والثوری. (قلت: وأبو حنيفة) وابن المبارك، وكان هذا منهم على سبيل الورع، لا على أنها حرام، فإن أحمد قال: جوائز السلطان أحب إلى من الصدقة، وقال: ليس أحد من المسلمين إلا وله فى هذه الدراهم نصيب، فكيف أقول: إنها سحت؟ وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وغیرهم مثل الحسن،، والحسین، وابن جعفر، ورخص فیه الحسن البصرى، ومکحول، والزهرى، والشافعى، واحتج بعضهم بأن النبى ◌ّ له اشترى من يهودى طعاما، ورهنه درعه، وأجاب یهودیا دعاه، وأکل من طعامه، وقد أخبر الله تعالی: إنهم أکالون للسحت (٢٣:٤).١٢ظ باب الكفالة بالنفس قوله: "عن أبى أمامة إلخ"، قال العبد الضعيف؛ الزعيم الكفيل، كما زاده ابن أبى شيبة فى ٤٨٤ الكفالة بالنفس إعلاء السنن ٤٨٣٣- وقال أبو الزناد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمى، عن أبيه: "أن عمر رضى الله عنه بعثه مصدقاً، فوقع رجل على جارية امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده مائة جلدة، فصدقهم وعذرهم بالجهالة". أخرجه البخارى فى الترجمة معلقا، وأخرجه أيضا الطحاوى مفصلا، كما قال ابن حجر فى "فتح البارى" . . نفس الحديث، قال الموفق فى "المغنى": الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه فى التزام الحق، فيثبت فى ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واشتقاقة من الضم، والأصل فى جوازه الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، قال ابن عباس: الزعيم الكفيل، وأما السنة فما روى عن النبى معَّ له قال: ((الزعيم غارم))، رواه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن، وأجمع المسلمون على جواز الضمان فى الجملة، وإنما اختلفوا فى فروع نذكرها، إن شاء الله تعالى، إذا ثبت هذا فإنه يقال: ضمين، وكفيل، وقبيل، وحميل، وزعيم، وصبير، بمعنى واحد، ولا بد فى ضامن عنه، ومضمون له، ولا بد من رضا الضامن، فإن أكره على الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضا المضمون عنه لا نعلم فيه خلافًا، ولا يعتبر رضا المضمون له. وقال أبو حنيفة: يعتبر، لأنه إثبات مال لآدمى فلم يثبت إلا برضاه أو رضا من ينوب عنه، ولنا أن أبا قتادة ضمن من غير رضا المضمون له، ولا المضمون عنه، فأجازه النبى معَ لآم اهـ (٧١:٥). قلنا: الكفالة عن الميت كفالة مجازا لا حقيقة، لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة فى المطالبة، ولا مطالبة من الميت، ولا من ورثة إذا لم يترك وفاء، فسقطت ذمته، ولا يصح الضم إلى الساقط كما سيأتى، فافهم. والحديث بعمومه يدل على مشروعية الكفالة بالنفس أيضًا، لأنه يفيد مشروعية الكفالة بنوعيه، والغرام اللازم مالا كان أو غيره ذكره فى المحمل، والكفيل بالنفس يلزمه إحضار النفس، فكان غارما بنهذا المعنى، كذا فى "فتح القدير" (٢٨٥:٦). قوله: "وقال أبو الزناد إلخ"، أقول: قلل ابن حجر فى "الفتح" (٣٨٤:٤): استفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو الأسلمی صحابی، وقد فعله، ولم ینکره عليه عمر مع كثرة الصحابة اهـ، وقد نقل فيها صاحب "الهداية" خلاف الشافعى، ولكن قال ابن الهمام: هو قول مخالف للقول الأظهر عندهم، وهو أنها جائزة، وقال ابن حجر: والكفالة بالنفس قال بها الجمهور اهـ، ولم ينقل فيه خلاف الشافعى، والله أعلم. ج - ١٤ الكفالة بالنفس ٤٨٥ ٤٨٣٤- وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود فى المرتدين: "استتبهم وكفلهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم"، علقه البخارى، وأخرجه البيهقى بطوله من طريق أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: "صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فذكر قصة ابن النواحة وأصحابه وشهادتهم لمسيلمة بالرسالة، وأن عبد الله بن مسعود أمر الجواب عن إيراد ابن حزم فى الباب: قال العبد الضعيف: وذهب ابن حزم إلى بطلان الكفالة بالنفس، وقال: "إننا نسألهم أى القائلين بجوازها عمن تكفل بالوجه فقط، فغاب المكفول، ماذا تصنعون بالضامن لوجهه؟ أتلزمونه غرامة ما على المضمون؟ فهذا جور وأكل مال بالباطل، لأنه لم يلتزمه قط، أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه، وحكمتم بأنه لا معنى له، أم تكفلونه طلبه؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به ". قلنا: لا نسلم كونه تكليف الحرج، وما لا طاقة له به، ألا ترى أنا نكلف أعوان السلطنة طلب المجرمين، وإحضارهم عند السلطان؟ فهل هذا تكليف الحرج؟ وظنى أن القائل بذلك يريد أن يمتلأً العالم بالفساد والمفسدين، فإن قيل: أعوان السلطنة يكلفون ذلك بالتزامهم إياه، قلنا: فبطل كونه من تكليف الحرج، وإذا كان كذلك فنكلفه الضامن لالتزامه ذلك أيضًا، وعدم إيفائه بما التزمه)، قال: وما لم يكلفه الله تعالى إياه قط. (قلنا: هذا بناء الفأشد على الفاسد، ولما ثبت أنه ليس من تكليف الحرج، وقد أمر الله بإيفاء ما التزمه العبد، بطل القول بأن الله لم يكلفه إياه قط). قال: ولا منفعة فيه، ولعله يزول عن موضعكم، ولا يطلبه، ولكن يشتغل بما يعنيه (قلنا: يخرج الطالب أو أعوان السلطان معه، فلا يمكنه القعود عن الطلب، ولو تقاعد عنه حبسه الحاكم إلى أن يظهر له عجزه عن إحضاره)، قال: وقولنا: هذا هو أحد قولى الشافعى وأبى سليمان اهـ (١١٩:٨)، قلنا: ليس هذا بظاهر عن الشافعى، وأظهر قوليه عند أصحابه ما وافق فيه الجمهور، كما تقدم. ثم رد ابن حزم حديث حمزة بن عمرو الأسلمى، وقال: أما خبر حمزة بن عمرو فباطل، لأنه عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، وهو ضعيف (قلت: كلا! بل هو مختلف فيه، قال مصعب: كان أبو الزناد أحب أهل المدينة، وابنه وابن ابنه، وقال مالك: عليك بابن أبى الزناد، وقال ابن معين: أثبت الناس فى هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبى الزناد، وقال ابن المدينى: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وقال أحمد فيما حكاه الساجى: ٤٨٦ الكفالة بالنفس إعلاء السنن بقتل ابن النواحة، ثم إنه استشار الناس فى أولئك النفر، فقام جرير والأشعث فقالا: استتبهم، وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا فكفلهم عشائرهم (فتح البارى ٢٨٤:٤). أحاديثه صحاح، وقال ابن معين فيما حكاه الساجى أيضًا: عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة حجة، وقال الترمذى والعجلى: ثقة، وصحح الترمذى عدة من أحاديثه، وقال فى اللباس: ثقة حافظ، وضعفه آخرون، كما فى "التهذيب" (١٧٣:٦). ، قال: ثم المحتجون به أول مخالف لما فيه، فليس أحد منهم يرى أن يجلد الجاهل فى وطئ أمة امرأته مائة (قلت: قد تقدم فى باب التعزير أن للإمام أن يبلغه ما رأى، وقد جلد النبى معَ له رجلا قتل عبده مائة ونفاه سنة، رواه الطحاوى عن ابن أبى داود: ثنا محمد بن عبد العزيز والواسطى، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا الأوزاعى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٧٩:٢)، وهذا سند صحيح، فإن ابن عياش ثقة فى الرواية عن أهل الشام). قال: ولا أن يدرأ الرجم عن الجاهل (قلت: قال الطحاوى: من زنى بجارية امرأته حد إلا أن يدعى شبهة، مثل أن يقول: ظننت أنها تحل لى، أو تكون المرأة أحلتها له، فيدرأ عنه الحد، ويعزر، ويجب عليه العقر، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى (٢: ٨٥)، ولا يدعى الشبهة إلا الجاهل، فبطل قوله: إن أحدا لم يقل بدرء الرجم عن الجاهل). قال: وأيضًا فكلهم لا يجيزون الكفالة فى شىء من الحدود، وهذا الخبر إنما فيه الكفالة فى حد، فأعجبوا لهذه العجائب اهـ (١٢١:٨)، قلت: لم يكن ذلك من الكفالة فى الحد، بل من الكفالة فى أن الأمر قد رفع إلى عمر بن خطاب، وأنه قضى فيه بما حكوا عنه، لأن حمزة بن عمرو هذا كان مأمورا بإقامة الحدود، ويدل عليه لفظ الطحاوى: "فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله إن أمره قد رفع إلى عمر إلخ"، فلم يكن له حاجة إلى أخذ الكفيل لإقامة الحد، وإنما أخذه لتحقيق ما ادعوه على عمر رضى الله عنه، ولولا ذلك لادعى من شاء على الإمام ما شاء، فافهم. الرد على ابن حزم فى تضعيفه إسرائيل : • وأعل حديث ابن مسعود بأن ذکر الكفالة فیه تفرد به إسرائيل عن أبى إسحاق، ورواه الأعمش، وشعبة، وسفيان الثورى كلهم عن أبى إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن ابن مسعود بدونها، وإسرائيل ضعيف، ولو كان ثقة ما ضر روايته من خالفها من الثقات، ولكنه ضعيف اهـ، ٤٨٧ ج - ١٤ الكفالة بالنفس ٤٨٣٥- وروى البيهقى من طريق شعبة، عن سليمان الشيبانى، قال: سمعت حبيبا (هو ابن سليم) الذى كان يقدم الخصوم إلى شريح قال: "خاصم رجل ابنا لشريح إلى شريح كفل له برجل عليه دين، فحبسه شريح، فلما كان الليل قال: اذهب إلى عبد الله بفراش وطعام، وكان ابنه يسمى عبد الله" (٧٧:٦)، وسنده صحيح، لم يعله البيهقى ولا ابن التر كمانى بشىء. ٤٨٣٦- ومن طريق إبراهيم بن خيثم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن قلت: هذا من إطلاقاته المردودة، فإن إسرائيل من رجال الجماعة ثقة، وهو أثبت الناس فى حديث جده أبى إسحاق، وإنما تكلم فيه من تكلم لأنه روی عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة، وعن أبى يحيى القنات ثلاثمائة، قال ابن معين: ولم يؤت منه أتى منهما جميعا، قال الحافظ فى "التهذيب"، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، ورد به أحاديث من حديثه فما صنع شيئا اهـ (٢٦٣:١)، على أنه لم ينفرد بذكِر الكفالة فيه، بل تابعه عليه أبو عوانة، فرواه عن أبى إسحاق به عند البيهقى، فسلم الحديث من العلة جملة، وأما قوله: إنهم لا يجيزون الكفالة فى الحد إلخ، ففيه أن هذا ليس من الكفالة فى الحدود فى شىء، لأن ابن مسعود إنما كفلهم عشائرهم بعد ما تابوا، والردة تنعدم. وتنتفى بالتوبة، ونفاهم إلى الشام سياسةً وتعزيرا، ولا بأس بتعزير المرتد بعد توبته إذا رآه الإمام مصلحة حتى يظهر فيه سيماء الصالحين. قوله: "وروى البيهقى إلخ"، دلالته على الكفالة بالنفس، وأن الكفيل بها يحبس إذا لم يحضر المكفول ظاهرة، وفيه الجواب عن قول ابن حزم: إننا نسأل عمن تكفل بالوجه، فغاب المكفول ما ذا تصنعون بالضامن؟ قلنا: نصنع به ما صنع شريح بابنه، وهو أعلم بقضايا رسول الله عَّه والخلفاء بعده منك، ومن أتباعك أجمعين. وقوله: "ومن طريق إبراهيم بن خيثم إلخ"، قلت: إبراهيم بن خيثم هذا ضعيف بالمرة، لم يوثقه أحد من أئمة هذا الشأن، وإنما ذكرت الحديث فى المتن تبعا للبيهقى، فإنه احتج به على الكفالة بالبدن مع تصريحه بضعفه، ولعل ذلك أظنه أنه تأيد بأثر شريح المذکور من قبل، ثم راجعت "لسان الميزان"، وفيه أن أبا عبید روی الحدیث عن أبى بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عراك بن مالك (١: ٦٠)، وهذا سند صحيح، وفيه دلالة على أن إبراهيم بن خيثم لم ينفرد به عن أبيه عن جده، بل رواه عن عراك بن مالك يحيى بن سعيد أيضًا، وناهيك به متابعا، والله تعالى أعلم. ٤٨٨ الكفالة بالنفس إعلاء السنن أبى هريرة: ((أن النبى عٍَّ حبس رجلا فى تهمة)) وقال مرة أخرى: "أخذ من متهم دليل صحة الكفالة بالنفس، وبالمال من القرآن: والأصل فى صحة الكفالة بالنفس قوله تعالى حاكيا عن سيدنا يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأننى به إلا أن يحاط بكم﴾، فجعلهم كفلاء بنفس أخی یوسف علیه اسلام، کما أن الأصل فى الكفالة بالمال قوله حاکیا عن مؤذن يوسف: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، قال الموفق فى "المغنى": إن الكفالة بالنفس صحيحة فى قول أكثر أهل العلم، هذا مذهب شريح، ومالك، والثورى، والليث، وأبى حنيفة. وقال الشافعى فى بعض أقواله: الكفالة بالبدن ضعيفة، واختلف أصحابه، فمنهم من قال: هى صحيحة قولا واحدا، إنما أراد أنها ضعيفة فى القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر (أو أنها ضعيفة فى الضمان، فإن الكفيل بالنفس لا يلزمه عليها إن لم يسلمها)، ومنهم من قال: فيها قولان: أحدهما: أنها غير صحيحة، لأنها كفالة بعين، فلم تصح كالكفالة ببدن الشاهدين، ولنا قول الله تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى به إلا أن يحاط بكم﴾، إذا ثبت هذا فإنه متى تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته أو امتنع من إحضاره لزمه ما عليه، وقال أكثرهم: لا يغرم، ولنا عموم قوله عليه السلام: ((الزعيم غارم))، ولأنها أحد نوعى الكفالة، فوجب بها الغرم كالكفالة بالمال (٩٦:٥). الجواب عن حجة من أوجب الغرم على الكفيل بالنفس: ·قلنا: معنى قوله عليه السلام: ((الزعيم غارم)) أنه ضامن لما تكلفه، ألا ترى أنه لا يضمن كل دين على المكفول عنه، وإنما يضمن الدين الذى تكلفه؟ وإذا ثبت ذلك فإن تكفل بالمال غرمه، وإن تكفل بالنفس لزمه إحضارها، ولا يلزمه غرامة المال بحال، لأنه لم يلتزمه أصلا، فکیف نلزمه ما لم يلتزم، وأيضًا: فإن عموم قوله: ((الزعيم غارم) متروك بالإجماع، فقد صرح الموفق نفسه بأن الضمان لا يصح من المجنون والمبرسم، ولا من صبى غير مميز بغير خلاف، ولا يصح ضمان العبد بغير إذن سیده، سواء كان مأذونا له فى التجارة أو غیر مأذون له، وبهذا قال ابن أبی لیلی، والثورى، وأبو حنيفة، وكذا لا يصح ضمان المكاتب بغير إذن سعيده (٧٨:٥-٧٩)، فلو سلمنا أن عموم قوله: ((الزعيم غارم)) يفيد كون الكفيل بالنفس غارما للمال، قلنا: أن نخصه منه بدلیل القياس الذى ذكرناه، فإن العام المخصوص يجوز تخصيصه بالقياس، كما تقرر فى الأصول، فافهم. ج - ١٤ الكفالة بالنفس * ٤٨٩ كفيلا تثبتا واحتياطا". إبراهيم بن خيثم ضعيف (البيهقى ٧٧:٢). قال الموفق: ثم اعلم أن المضمون عنه فى الكفالة بالمال لا يبرأ بنفس الضمان، كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض، بل يثبت الحق فى ذمة الضامن مع بقائه فى ذمة المضمون عنه، فعلى هذا لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما فى الحياة، وبعد الموت. وبهذا قال الثورى والشافعى وأصحاب الرأى (أبو حنيفة وأصحابه)، وأبو عبيد: وحكى عن مالك فى إحدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، ولأنه وثيقة فلا يستوفى الحق منها إلا مع تعذر استيفائه من الأصل كالرهن، ولنا قوله عليه السلام: (الزعيم غارم))، والغارم مطالب بالغرم، ولأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة، وذلك يسوغ مطالبتهما، أو مطالبة أيهما شاء، وبه فارق الرهن، فإنه لا ذمة له. الفرق بين الكفالة والحوالة: وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواء، وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل، وحكى ذلك عن ابن أبى ليلى، وابن شبرمة، وداود، واحتجوا بما فى حديث أبى سعيد عند الدار قطنى: ((أن عليا ضمن درهمين على ميت، فقال له رسول الله عَّه: جزاك الله خيرا عن الإسلام، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك))، وربما روى جابر عند أحمد: ((أن أبا قتادة تحمل دينارين على ميت، فقال له رسول الله عَ ◌ّه وجب حق الغريم (عليك) وبرئ الميت منهما، قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال قضيتهما، فقال رسول الله عَّ له: الآن بردت جلدته))، وهذا صريح فى براءة المضمون عنه لقوله: ((وبرئ الميت منهما))، ولأنه دين واحد، فإذا صار فى ذمة ثانية برئت الأولى منه کالمحال به، وذلك لأن الدين الواحد لا يحل فى محلین. ولنا قول النبى معَّ له: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)) (رواه أحمد، والترمذى، وابن ماجه، والحاكم عن أبى هريرة، وإسناده صحيح، كما فى "العزيزى" (٣٨٤:٣). وقوله فى خبر أبى قتادة: ((الآن بردت جلدته)) حين أخبره أنه قضى دينه، ولأنها وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة، وأما صلاة النبى مرّ على المديون الميت بتحمل أبى قتادة دينه، فلا دلالة فيه على براءته منه بمجرد الضمان، لأنه عّ لّ إنما كان يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء، ٤٩٠ إعلاء السنن باب الكفالة عن الميت ٤٨٣٧- عن سلمة بن الأكوع، قال: كنا عند النبى معَّ له، فأتى بجنازة، فقالوا: يا رسول الله! صل عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا! فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه)). رواه أحمد والبخارى، والنسائى، وروى الخمسة إلا أبا داود هذه القصة من حديث أبى قتادة، وصححه الترمذى، وقال فيه النسائى وابن ماجه: "فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به"، وهذا صريح فى الإنشاء ولا يحتمل الإخبار عما مضى. وبالضمان صار له وفاء، وأما قوله(١) لعلى: ((فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك))، فإنه كان بحال لا يصلى عليه النبى عّ لّه، فلما ضمنه فكه من ذلك أو مما فى معناه، وقوله: ((برئ الميت منهما)) معناه صرت أنت المطالب بهما، وهذا على سبيل الاستيثاق منه لإثبات الحق فى ذمته، فلو كان نفس التكفيل يبرئ المضمون عنه لم يكن لهذا السؤال والجواب معنى، ولا إلى الاستيثاق حاجة، ويفارق الضمان الحوالة، فإن الضمان مشتق من الضم، فيقتضى الضم بين الذمتين فى تعلق الحق بهما، والحوالة من التحول، فيتقضى تحول الحق من محله إلى ذمة المحال عليه، وقولهم: إن الدين الواحد لا يحل فى محلين، قلنا: يجوز تعلقه بمحلين على سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به، وبذمة الراهن اهـ، ملخصا من "المغنی" (٨٢:٥)، وبهذا کله اندحض ما ذكره ابن حزم مور كا علينا فى "المحلى" فى هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢ظ باب الكفالة عن الميت قوله: "عن سلمة بن الأكوع إلخ"، أقول: قال فى النيل: أحاديث تدل على أنها تصح الضمانة عن الميت، ويلزم الضمين ما ضمن به، سواء كان الميت غنيا أو فقيرا، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان إلا بشرط أن يترك الميت وفاء دينه، وإلا لم يصح اهـ، وقال العينى: قال الكرمانى: والحديث حجة على أبى حنيفة رح، حيث قال: لا يجوز الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء، وقال ابن المنذر: خالف أبو حنيفة الحديث. (١) قلت: وهذا كله بعد التسليم، وإلا فحديث على هذا ضعيف، رواه الدار قطنى والبيهقى من طريق عطاء بن عجلان، وهو متروك بالمرة، ومن طريق عبيد الله الوليد الوصافى، وهو ضعيف جدا.١٢ظ ج - ١٤ الكفالة عن الميت ٤٩١ ٤٨٣٨- وعن جابر، قال: كان رسول الله عّ لّه لا يصلى على رجل مات وعليه دين، فأتى بميت، فسأل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما على يا رسول الله، فصلى عليه، ولما فتح الله على رسوله قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلى، ومن ترك مالافلورثته))، رواه أحمد، وأبو داود والنسائى (نيل الأوطار ١٠٥:٥ و ١٠٦). قلت: هذا إساءة الأدب، وحاشا أبى حنيفة أن يخالف الحديث الثابت عن رسول الله عَ ليه عند وقوفه عليه، وكان الأدب أن يقول: ترك العمل بهذا الحديث، ثم تركه فى الموضع الذى ترك العمل به، إما لأنه لم يثبت عنده، أو لم يقف عليه، أو ظهر عنده نسخه، وحديث أبى هريرة التى يأتى بعد أربعة أبواب يدل على النسخ، وهو قوله: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعلى قضائه، ومن ترك مالا فلورثته إلخ)) "عمدة القارى" (٦٦٦:٥). وهذا عجيب منه -رحمه الله- فإن الحديث الذى جعله ناسخا للكفالة مقررة للكفالة(١) کما يدل عليه قوله: «من توفی من المؤمنین وترك دینا فعلی قضاءه))، فکیف یکون ناسخا؟ وقال فى "بذل المجهود" (٢٤٢:٤)، قال أبو حنيفة: لا تصحْ الكفالة عن ميت مفلس، لأن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط، والكفالة بالدين الساقط باطلة، والحديث يحتمل أن يكون إقرارا بكفالة سابقة، فإن لفظ الإقرار والإنشاء فى الكفالة سواء، ولا عموم لحكاية الفعل، ويحتمل أن يكون عهدا لا كفالة اهـ. وفيه نظر أيضًا، لأن احتمال الإقرار يبطله قوله: ((أنا أتكفل به))، وكذا هو يبطل احتمال العهد، لأن اللفظ صريح فى إنشاء الكفالة، وقوله: لفظ الإقرار والإنشاء سواء فى الكفالة، إطلاقه ممنوع، فإن قوله: ((أنا أتكفل به)) صريح فى الإنشاء ولا يحتمل، وإن كان قوله: ((هما على)) محتملا له احتمالا بعيدا، وقوله: لا عموم للحكاية عن الفعل، لا يجديه شيئا، لأن تقرير الاستدلال أن أبا قتادة تكفل عن الميت بدينه، فأجازه رسول الله عَّله، وهو يدل على صحة الكفالة عن الميت، لأن خصوصية الكفيل، أو الميت، أو الدين ملغاة بداهة، فأى قدح فى هذا الاستدلال، ٠٠ ٠٠٠٠٠ (١) قلت: وأنا أتعجب من فهم بعض الأحباب هذا، فإن قوله مَّ له: ((من ترك دينا فعلى قضائه))، ليس من باب الكفالة عن الميت، بل هو من تعليق الكفالة بديون الأحياء من المسلمين بكونهم من غير وفاء، وشتان بين الكفالة عن الميت، وبين تعليقها بموته، فافهم، ولا تکن من الغافلين.١٢ ظ ٤٩٢ الكفالة عن الميت إعلاء السنن ٤٨٣٩- وعن أبى قتادة: ((أن النبى معَّ له أتى برجل ليصلى عليه، فقال النبى عّ لّه: صلوا على صاحبكم فإن عليه دينا، قال أبو قتادة: هو على، فقال رسول الله عَ ليه: بالوفاء؟ فقال: بالوفاء، فصلى عليه. رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (١٢٧:١). ثم قول رسول الله معّ له: ((من ترك دينا فعلى قضائه)) نص فى الباب، واحتمال كون الحكم مخصوصا برسول الله عّ لِّ دفعه كفالة أبى قتادة، فما ذا يجديه عدم عموم حكاية الفعل. فالجواب الصحيح أن يقال: إن الأمر المتنازع فيه، هو الكفالة للغريم، بأن يكون الكفالة . لتوثيق دينه وحفظه عن التوى، ويكون له حق المطالبة، وهذا لا يصح عند أبى حنيفة، لأنها تصح بضم الذمة إلى الذمة فى المطالبة، ولا مطالبة من الميت لسقوط ذمته، فلا يصح الضم إلى الساقط، وأما الكفالة للميت بقضاء دينه لأن يبرأ ذمته عن المطالبة الأخروية من غير أن يكون للغريم حق المطالبة فلا ينكره أبو حنيفة، والحديث يدل على جواز الثانية دون الأولى، فلم يثبت مخالفة أبى حنيفة للحديث، ووجه الفرق بين الكفالتين أن فى الأول ضم الذمة إلى الذمة، وهو يقتضى قيام الذمة بخلاف الثانية، فإنه ليس فيه ضم الذمة إلى ذمة الميت، بل فيه تخليص عن ذمته المطالبة الأخروية فقط بالتزام المتبرع بأداء دينه، ولهذا لم يشترط قبول الغريم لصحة هذه الكفالة، ولا يرتد برده بخلاف الأولى، فيجوز الثانية دون الأولى، ويمكن إرجاع ما قال فى "بذل المجهود": إنه يحتمل أن يكون عهدا لا كفالة إلى هذا الجواب، بأن يكون نفى الكفالة هناك راجعا إلى القسم الأول من القسمين الذين ذكرناهما، أعنى الكفالة للغريم بضم ذمته إلى ذمة المديون فى المطالبة، وإثبات العهد راجعا إلى القسم الثانى منهما، أعنى التزام أداء دين المديون من غير أن يكون للغريم حق المطالبة، فتدبر. قال العبد الضعيف: قال الموفق فى "المغنى": يصح الضمان عن كل من وجب عليه حق، حيا كان، أو ميتا، مليئا، أو مفلسا، لعموم لفظه فيه، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء، فإن خلف بعض الوفاء صح ضمانه يقدر ما خلف، لأنه دين ساقط فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمته قد خربت خرابا لا تعمر بعده، فلم يبق فيها دين، والضمان ضم ذمة إلى ذمة فى التزامه. ولنا حديث أبى قتادة وعلى، فإنهما ضمنا دين الميت ولم يخلف وفاءً، (قلنا: لا نزاع فى صحة ضمانة ديانةً، وإنما النزاع فى صحته قضاءً، حيث يجبر الكفيل على أداء ما ضمنه، وحديث أبى قتادة إنما يدل على الأول دون الثانى، ألا ترى أنه لما قال: ((هو على)) قال له رسول الله عد له: ج - ١٤ الكفالة عن الميت ٤٩٣ ((بالوفاء؟)) فقال: ((بالوفاء))، وفيه دلالة على أن قوله: ((هو على))، إنما كان وعدا ولم يكن ضمانا، وإلا لم يكن لقول رسول الله عَّه له: ((بالوفاء؟)) معنًى، فافهم). قال: ولأنه دين ثابت فصح ضمانه، كما لو خلف وفاء، (قلت: الدين الثابت إنما هو ما يطالب به المديون أو نائبه، وإذا مات، ولم يترك وفاءً لا يطالب به أحد فى الدنيا، فلم يكن ثابتًا من كل وجه، بل ساقطا قضاءً ثابتا ديانة، فبطل قياسه بما لو خلف وفاء، لأن الوارث مطالب به)، قال: ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الحق اقتضاءه. (قلنا: إنما هو دليل ثبوته ديانة لا قضاء)، قال: ولو ضمنه حيا ثم مات لم تبرأ ذمة الضامن، ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن (٧٤:٥)، قلنا: لم نقل ببراءة ذمة الميت بموته مفلسا، وإنما قلنا: بفساد ذمته به، إذا لم يترك وفاء، أو كفيلا، وإذا ترك وفاء، أو كفيلا لم تفسد ذمته، لکون وارثه أو کفیله مطالبا به عند موته، فلا یصح قياسه بمن مات من غير وفاء، ولا کفیل، فافهم، سلمنا ولكن هذا فساد طارئ، وهو لا يمنع صحة الكفالة، وإنما يمنعها الفساد المقارن فافترقا. ويدل على سقوط الدين بإفلاس المديون، فساد ذمته به قضاء ما رواه مسلم بسنده عن أبى سعيد الخدرى، قال أصيب رجل فى عهد رسول الله فى ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله عَّ له: ((تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله عد اله لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك)) (المحلى ٣٨٥:٨)، فقوله ◌ّ له: ((خذوا ما وجدتم، (وليس لكم إلا ذلك)) يدل على سقوط الدين قضاء عمن ليس عنده وفاء، ولما كان هذا حكم المفلس فی حیاته مع أن المال غاد ورائح فلأن یکون حکمه بعد موته أولى. لا يقال: إن هذا يفيد صحة القضاء بالتفليس، وأبو حنيفة لا يقول به، لأن الخصم قائل به، فهو حجة عليه، ومعناه عند أبى حنيفة ليس لكم الآن إلا ذلك، وأما الباقى، فتأخذونه بعد النظرة إلى الميسرة لأن المال غاد ورائح ما دام المفلس حيا، وأما إذا مات فلا يرجى له ذلك، فيفسد ذمته فسادا لا تصلح بعده أبدا، فلا تصح الكفالة بدينه بعد الموت قضاءً، وتصح ديانةً، فافهم حق الفهم، ولا تظن بأبى حنيفة أنه خالف الحديث، فإنه أتبع الناس للأثر، كما لا يخفى على من له معرفة بأصول مذهبه، منها تقديمه النص، ولو ضعيفا على القياس، فليس - والحمد لله- فى مذهبه قول خلاف حديث إلا وعنده حديث آخر يؤيد ما قاله، والذى خالفه ظاهرا فله عنده تأويل لا تخالفه،. وكذلك الأئمة كلهم، وأصحابهم يفعلون. ١٢ ظ ٤٩٤ إعلاء السنن باب فى أن المكفول عنه إنما يبرأ بأداء الكفيل عنه لا بمجرد الكفالة ٤٨٤٠- عن جابر، قال: "توفى رجل فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، ثم أتينا به النبى عَّهِ، فقلنا: تصلى عليه، فخطا خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فقال أبو قتادة: الديناران على. فقال رسول الله مرّ له: أ حق الغريم وبرىء منهما الميت؟ قال: نعم! فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله مَّ له: الآن بردت عليه جلده" (مسند أحمد ٣٣٠:٣). باب فى أن المكفول عنه إنما يبرأ بأداء الكفيل عنه لا بمجرد الكفالة قوله: "الآن بردت عليه جلده"، أقول: قال فى "النيل": فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين، وبراءة ذمته على الحقيقة، ورفع العذاب عنه، إنما يكون بالقضاء منه لا بمجرد التحمل بالدين بلفظ الضمانة اهـ، أقول: ومثله الكفالة عن الحى، لأنه لا فرق بينهما فى هذا المعنى، بل الكفالة عن الحى أولى به، لأن فى الكفالة عن الميت التزام الدين بخلاف الكفالة عن الحى، فإنه ليس فيه إلا التزام المطالبة فقط، فتدبر فيه. وهذا الحديث يرد على الخطابى قوله فى شرح حديث سلمة بن الأكوع: إن فيه ما يدل على أن ضمان الدين عن الميت يبرأه إذا كان معلوما، سواء ترك الميت وفاء، أو لم يترك، وذلك أنه عَّه إنما امتنع عن الصلاة لارتهان ذمته بالدين، فلو لم يبرأ بضمان أبى قتادة لما صلى عليه، والعلة المانعة قائمة اهـ (عمدة القارى ٦٦٦:٥)، ووجه الرد ظاهرة مما قلنا. والجواب عما قاله: أن العلة المانعة لم تكن بمجرد اشتغال الذمة بالدين، وإلا لزم أن يصلى عليه، ولو ترك مالا قبل الأداء، بل العلة هو اشتغال الذمة من غير رجاء البراءة، وهذه العلة انعدمت بتحمل أبى قتادة الدين عنه، فصلى عليه مّه، ويدل على عدم التبرئ بنفس الكفالة أنه لما تكفل أبو قتادة عنه بدينه استوثق منه رسول الله عَّه بالأداء بقوله: ((أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟))، فى رواية جابر، وبقوله: ((بالوفاء؟)) فى رواية غيره، فلو كان نفس التكفل مبرئا؛ لما احتاج إلى هذا الاشتیاق، فافهم. ثم هذا الاشتياق يدل أيضًا على أن هذه الكفالة لم تكن كفالة مصطلحة كالكفالة عن الحى، وإلا لزم ذلك بقوله: ((هما على وأنا أتكفل به))، ولم يحتج إلى الاستيثاق. ج - ١٤ ٤٩٥ تتمة أبواب الكفالة باب صحة الكفالة بحق مجهول قدره قال الله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ ٤٨٤١- عن أبى هريرة فى حديث: "فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعلى قضائه، ومن ترك مالا فلورثته"، أخرجه الشيخان (فتح البارى ٣٩٠:٤). باب صحة الكفالة بحق مجهول قدره قال العبد الضعيف: احتج صاحب "البدائع" لذلك بقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ الآية، وقال: لو كفل عن رجل بمال فلان عليه، أو بما يدركه فى هذا البيع جاز، لأن جهالة قدر المكفول به لا تمنع صحة الكفالة، قال الله تعالى جل شأنه: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، أجاز الله تعالى عز شأنه الكفالة بحمل البعير مع أن الحمل يحتمل الزيادة والنقصان، والله عز وجل أعلم اهـ (٩:٦)، واحتج به أيضًا لجواز الكفالة بالعين لكون حمل البعير عينا لا دينا، قال: فقد أخبر الله عز شأنه عن الكفالة بالعين عن الأمم السابقة ولم يغير، والحكيم إذا حكى منكرا غيره، ولأن هذا حكم لم يعرف له مخالف من عصر الصحابة والتابعين إلى زمن الشافعى رحمه الله، فكان إنكاره إياه خروجا عن الإجماع اهـ (٨:٦). وقال الموفق فى "المغنى": دلت مسألة الخرقى على أحكام، منها صحة ضمان المجهول، بقوله: ما أعطيته فهو على، وهذا مجهول، فمتى قال: أنا ضامن لك مالك على فلان، أو ما يقضى به علیه، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقربه لك، أو ما يخرج فى روزنامجك، صح الضمان، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، وقال الثورى، والليث، وابن أبى ليلى، والشافعى، وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن فى المبيع، ولنا قول الله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، وحمل البعير غير معلوم لأنه يختلف باختلافه، وعموم قوله عليه السلام: ((الزعيم غارم))، ولأنه التزام حق فى الذمة من غير معاوضة، فصح فى المجهول كالنذر والإقرار اهـ (٧٢:٥). قوله: "عن أبى هريرة إلخ"، دلالة قوله: ((فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعلى)) على ضمان المجهول ظاهرة، لا يقال: إن فيه ضمانا عن المجهول وللمجهول أيضًا، وهو ليس بصحيح عندكم، كما فى "البدائع"، وأما الذى يرجع إلى الأصيل فأن يكون معلوماً، بأن كفل ما على فلان، فأما إذا قال على أحد من الناس فلا يجوز، وكذا قال فى المكفول له أنه يشترط أن يكون معلوما، حتى إذا ٤٩٦ صحة الكفالة بحق مجهول قدره إعلاء السنن كفل لأحد من الناس لا تجوز، لأنه إذا كان مجهولا لا يحصل ما شرع الكفالة وهو التوثيق، ولأن الكفالة جوازها بالعرف والكفالة بهذا الوجه غير معروفة اهـ، ملخصا (٦:٥)، لأنا نقول: إن المانع إنما هو الجهالة الفاحشة، كما إذا ضمن ما على أحد من الناس وهم غير معلومين، أو كفل لأحد من الناس، وهم غير محدودين، وأما إذا ضمن ما على أحد من جماعة معلومة، أو كفل لأحد من الناس، وهم محدودون فيجوز، بدليل احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، وهو كفالة للمجهول، ولكن الجهالة غير فاحشة، لأن المراد من جاء به منهم، وهم محدودون فكذا ههنا، لأن المراد بمن توفى من المؤمنين من توفى من أهل المدينة، الذين كان رسول الله عَِّ يصلى على جنائزهم، ويتنكب عن الصلاة على من مات منهم مديونا من غير وفاء، و کانوا معلومین محدودین. ودليل ذلك ما فى حديث أبى هريرة هذا أن رسول الله مّ ته كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) الحديث، وفى حديث ابن عباس أن النبى معَّ له لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاءه جبريل، فقال: إنما الظالم فى الديون التى حملت فى البغى والإسراف، فأما المتعفف ذو العیال فأنا ضامن له أؤدى عنه، فصلى عليه النبى معَّه، وقال بعد ذلك: ((من ترك ضياعًا)) الحديث، وهو ضعيف. وقال الحازمى بعد أن أخرجه: لا بأس به فى المتابعات اه، من "فتح البارى" (٤: ٣٩٠)، فالمراد بقوله: ((من ترك ضياعا فإلى))، وبقوله: ((من ترك دينا فعلى)) ليس إلا من كان كذلك من مسلمی المدینة، فهم الذین کان یؤتى بهم إلى النبى مڭے ليصلی علیهم، وهم جماعة محدودون معلومون، فلم تكن فى المكفول عنه، وله جهالة فاحشة، وإن كان فيه جهالة ما، ولكن الجهالة اليسيرة لا تمنع صحة الكفالة، لأنه التزام حق فى الذمة من غير معاوضة، فلا تضره شىء ما من الجهالة، کما قدمنا. وقد استدل صاحب "الهداية" لانعقاد الكفالة بقوله: "هو على" أو "إلى" بقوله معّ له: ((من ترك كلا فإلى))، ولا يتم الاستدلال به إلا بحمله على الكفالة، وبصحة مثل هذه الكفالة عنده، فثبت ما قلنا: إن الجهالة اليسيرة لا تمنع صحة الكفالة، والله تعالى أعلم. لا يقال كما قال بعض الأحباب: إن الحديث يدل على صحة الكفالة عن الميت، لأنا نقول: 32 ج - ١٤ ٤٩٧ ٤٨٤٢- عن قبيصة بن المخارق، قال: ((أتيت النبي عّ لّه أسأله فى حمالة؟ فقال: إن المسألة حرمت إلا فى ثلث، رجل تحمل بحمالة حلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاحتاجت ماله حلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم ليمسك، ورجل أصابته حاجة أو فاقة حتى تكلم ثلاثة من ذوى الحلم من قومه، فقد حلت له المسألة، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت))، أخرجه مسلم فى "الصحيح" (البيهقى ٧٣:٦). باب رجوع الكفيل على الأصيل بما ضمن بأمره ٤٨٤٣- عن ابن عباس: "أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: والله ما أفارقك حتى تقضينى أو تأتينى بحميل، قال: فتحمل بها النبى عَّهِ، فأتاه بقدر ما ليس فيه كفالة عن الميت بعد موته، بل فيه تعليق كفالته بديون الأحياء من المسلمين بموتهم من غير وفاء، وهو نظير قولك لصاحبك: أن كفيل بكل ما عليك إذا مت من غير وفاء، ولا نزاع فى صحة هذه الكفالة، فشتان بين الكفالة عن الميت، وبين تعليقها بموت أحد مفلسا، فافهم. قوله: "عن قبيصة إلخ"، قال ابن التركمانى فى قوله: "أسأله فى حمالة"، ولم يذكر مبلغها دليل على جواز الكفالة بالمجهول، كما قال أبو حنيفة، ومالك، وأصحابهما، وأبطلها الشافعى اهـ "الجوهر النقى" (٣٠:٢)، ولا يخفى ما فيه، لأن عدم ذكره مبلغها عند المسألة لا يستلزم عدم ذكره عند الكفالة، والنزاع فى هذا لا فى ذاك، والأولى أن يقال: إن فى قوله عَّ له: ((رجل تحمل بحمالة)) بالتنكير دلالة على جواز المسألة لكل من تحمل بحمالة معلومة كانت أو مجهولة، فإن الأصل فى النكرة العموم، ومن ادعى التخصيص فعليه البيان، ولا يصح القياس بالبيع لكونه من المعاوضات دونها فافترقا، قال: وإنه عليه السلام أباح له المسألة بنفس الكفالة، ولم يعتبر حال المكفول، ففيه رد على مالك حيث لم يجوز له مطالبة الكفيل، إذا قدر على مطالبة المكفول عنه اهـ، قلت: هذا الاستدلال صحیح، ومن ادعی خلافه فعلیه البيان.١٢ ظ باب رجوع الكفيل على الأصيل بما ضمن بأمره قوله: "عن ابن عباس إلخ"، قال العبد الضعيف: فيه رد على من قال: إن الدين يسقط عن المديون بالضمان، وينتقل إلى الضامن، ولا يرجع الضامن على المضمون عنه، ولا على ورثته أبدا ٣٠٠ ٤٩٨ رجوع الكفيل على الأصيل بما ضمن بأمره إعلاء السنن وعده، فقال له النبى معَّ له: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير، فقضاها عنه رسول الله عَ ليه"، رواه أبو داود (٢٤٧:٣)، وسكت عنه هو والمنذرى، قال: وأخرجه ابن ماجه اهــ وعمرو بن أبى عمرو من رجال الجماعة ثقة صدوق، وإنما أنكروا عليه حديث البهيمة وحده، وأفرط ابن حزم حيث أطلق فيه الضعف، كما فى "المحلى" (١١٦:٨). بشىء أصلا، سواء بأمره ضمن عنه أو بغير أمره، إلا أن يكون المضمون عنه استقرضه، وهو مذهب ابن حزم وأتباعه، واحتجوا بأن الحق قد سقط عنه وبرئ منه، واستقر على الضامن، كذا فى "المحلى" (١١٦:٨)، وهذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فإن الضمان لا يسقط الدين عن المضمون عنه، ولا يبرأه منه، بل ينضم به ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل فى المطالبة وحدها، ولصاحب الحق ان يطالب أيهما شاء، كما مر ذكره مستوفى. وحديث ابن عباس هذا نص فى هذا الباب، فإن الدين لو سقط عن المديون بالضمان لم يأت الرجل بذهب عند رسول الله عَّهِ، ولو أتاه به لرده عليه النبى معٍَّ من أول الأمر، ولم يسأله من أين أصبت هذا؟ وإذا لم يكن شىء من ذلك، بل أتاه الرجل بذهب تحمل به النبى مُ ◌ّر عنه فلم يرده عليه بديا، ولم يقل لا يحل لى أن آخذ منك شيئا لسقوط الحق عنك، وبراءتك منه جملة، وانتقاله إلى، واستقراره على، بل سأله من أين لك هذا؟ فلما أخبره أنه أخذه من معدن رده بسبب علمه رسول الله عَ لّه فيه خاصة، لا من جهة استخراجه من المعدن، فإن عامة الذهب والورق مستخرجة من المعادن، وهو عمل المسلمين، وعليه أمر الناس إلى اليوم. وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها ممن يعالجه، فيحصل ما فيه من ذهب أو فضة وهو غرر، وقد يفضى إلى الربا، ولذلك كره بيع تراب المعدن جماعة من العلماء، أو يكون معنى قوله: ((لا حاجة لنا فيها ليس فيها خير)) أى ليس فيها رواج، ولا لحاجتنا فيها نجاح، لأن الدين الذى كان قد تحمله عنه دنانير مضروبة، والذى جاء به تبر غير مضروب، أو رده لكون المأخوذ من المعدن لم يخمس، والله تعالى أعلمّ، دل على أن الدين لا يسقط عن المضمون بالضمان، وإن للضامن أن يرجع عليه بما أداه وضمنه بأمره. قال ابن حزم: ولو صح لما كان لهم فيه حجة، لأن فيه: ((فأتاه بقدر ما وعده)) فصح أن المضمون عنه وعده عليه السلام بأن يأتيه بما تحمل عنه، وهذا أمر لا تأباه، بل به نقول: إذا قال المضمون عنه للضامن: أنا آتيك بما تتحمل به عنى اهـ، قلنا: ليس معنى قوله: ((أنه أتاه بقدر ما ج - ١٤ رجوع الكفيل على الأصيل بما ضمن بأمره ٤٩٩ ٤٨٤٤- عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: ((أتانى رسول الله عَّ ◌َّه وهو یوعك وعكا شديدا قد عصب رأسه فقال: خذ بيدی یا فضل! فأخذت بيده حتى قعد على المنبر، ثم قال: فذكر الحديث، وفيه قال: من قد كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لى عندك ثلاثة دراهم، فقال: أما أنا فلا أكذب قائلا ولا أستحلف على يمين، فيم كانت لك عندى؟ قال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم؟ قال: أعطه يا فضل))، رواه البيهقى (٧٤:٦)، ولم یعله بشىء هو ولا ابن التر كمانى، فهو صحيح أو حسن، ورواه أبو يعلى وفى إسناده عطاء بن مسلم، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٦:٩). قلت: وسند البيهقى سالم من عطاء بن مسلم هذا. وعده)) أى من الذهب، بل معناه أتاه على الأجل الذى وعده، لما فى لفظ البيهقى ((إن الغريم كان قد استنظر صاحبه شهرا فلم ينظره إلا بحميل))، أى فلما تحمل عنه رسول الله عَّ له استنظره شهرا، فأتاه بقدر ما وعده من الأجل، هذا هو الظاهر من سياق الحديث لا ما قاله ابن حزم، قال البيهقى: وفى هذا كالدلالة على أن الحق بقى فى ذمته بعد التحمل، حتى أكد عليه مقدار الاستنظار (٧٤:٦)، قال ابن حزم: ثم العجب الثالث احتجاجهم بهذا الخبر، وهم أول مخالف له، لأن فيه أن ما أخذ من معدن فلا خير فيه، وهم لا يقولون بهذا اهـ (١١٧:٨). قلت: هذا ثانى لا ثالث، والجواب أن هذا المعنى لا يفهمه من هذا الحديث إلا من قال بجواز التغوط فى الماء الراكد مع حرمة البول فيه، ومن قال ببطلان إذن البكر بالقول مع كون صماتها إذنها، ومن قال بحرمة الصوم فى السفر مطلقا لقوله معّ له: ((ليس من البر الصيام فى السفر))، وأما من آتاه الله الحكمة، وفهم الكتاب والسنة فلا يقولن إلا كما قلناه، فتذكر. قوله: "عن ابن عباس عن الفضل بن عباس إلخ"، قلت: دلالته على رجوع الكفيل على الأصيل بما أداه عنه بأمره ظاهرة، ولعل ابن حزم يقول: إن هذا ليس من باب الكفالة والضمان، وإنما هو من باب الاستقراض، قلنا: ولكن لفظ القرض والاستقراض غير مذكور فى الحديث، وإنما فيه أمره ◌َّه بإعطاء السائل، وأن الرجل أعطاه ثلاثة دراهم، فإن كان ذلك استقراضا فالكفالة بدين أحد بأمره أولى بأن يكون إقراضا واستقراضا من غير حاجة إلى التصريح به، ومن ادعى الفرق فعليه البيان، قال صاحب "البدائع" فى شرائط ولاية الرجوع: منها أن تكون الكفالة بأمر ٥٠٠ إعلاء السنن باب جواز الكفالة فى البيع والسلم والدين ٤٨٤٥- عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله المكفول عنه، لأن معنى الاستقراض لا يتحقق بدونه، ولو كفل بغير أمره لا يرجع عليه عند عامة العلماء، وقال مالك رحمه الله: يرجع، والصحيح قول العامة، لأن الكفالة بغير أمره تبرع بقضاء دين الغير، فلا يحتمل الرجوع، ومنها إضافة الضمان إليه، بأن يقول: اضمن عنى، ولو قال: اضمن كذا، ولم يضف إلى نفسه لا يرجع، لأنه إذا لم يضف إليه، فالكفالة لم تقع إقراضا إياه، فلا يرجع علیه اهـ (١٣:٦). وبالجملة: فلا نزاع فى أن الكفيل لا يرجع على الأصيل إلا إذا تضمنت الكفالة معنى الاستقراض، وإنما النزع فى أنها متى تتضمنه؟ فقال ابن حزم: إنها تتضمنه إذا قال الذى عليه الحق: اضمن عنى ما لهذا على، فإذا أديت عنى فهو دين لك على، ونحن نقول بتضمنها إياه بمجرد قوله: اضمن عنى ما لهذا على، ولا يخفى دلالته على معنى الاستقراض من غير حاجة إلى قوله: فإذا أديت عنى فهو دين لك على، فإنه نظير قولك لأحد: اعتق عبدك عنى بألف، أى بعه منى ثم أعتقه عنى، فإن إعتاقه لا يكون عنك إلا بتملكك إياه بالشراء، فكذلك قوله: اضمن عنى ما لهذا على، يتضمن معنى الاستقراض عرفا، ولا ينكره إلا من كان غافلا عن المتعارف بين الناس فى مخاطباتهم، والله تعالى أعلم بالصواب. قال الموفق فى "المغنى": إن قضى الكفيل الدين متبرعا به غيرنا، وللرجوع به فلا يرجع بشىء، لأنه يتطوع بذلك أشبه الصدقة، سواء ضمن بأمره أو بغير أمره (وهذا مما لا خلاف فيه)، فأما إذا أداه بنية الرجوع به، فإن كان ضمن بأمره، وأدى بأمره فإنه يرجع عليه، سواء قال له: اضمن عنى، أو أد عنى، أو أطلق، وبهذا قال مالك، والشافعى، وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة، ومحمد: إن قال: اضمن عنى وانقد عنى رجع عليه، وإن قال: انقد هذا لم يرجع إلا أن يكون مخالطا له يستقرض منه، ويودع عنده، لأن قوله: اضمن عنى إقرار منه بالحق (عرفا)، وإذا أطلق ذلك صار كأنه قال: هب لهذا أو تطوع عليه، وإذا كان مخالطا له رجع استحسانا، لأنه قد يأمر مخالطه بالنقد عنه اهـ (٨٦:٥)، قلت: فقول ابن حزم أضيق، وقول مالك والشافعى أوسع، وقول أبى حنيفة أوسط وأحوط، وخير الأمور أوساطها. باب جواز الكفالة فى البيع، والسلم، والدين قوله: "عن ابن عباس إلخ"، قال العبد الضعيف: أمر الله بكتابة الدين المؤجل، وهو يعم